أبعاد التجديد الفكري عند الشهيد محمد باقر صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ابعاد نواندیشی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

مقالة أبعاد التجديد عند الشهيد صدر، أبحاث عبدالجبار رفاعي حول منهج الشهيد صدر في تجديد الفكر الإسلامي. رفاعي استخلص فصول هذا البحث الثلاثة في الفترة من عام 1415 إلى 1417 هـ ق.

المؤلف: عبدالجبار رفاعی

المصدر: پگاه حوزه، ١ أبريل ١٣٨٦، العدد ٢٠٥

 

عجز وتكاسل الفكر الإسلامي في إنتاج الفكر والحلول له جذور تاريخية كثيرة ورثها الباحثون المسلمون من فترات الانحطاط. وأحياناً يكون الضعف في الإنتاج والإبلاغ بسبب نسيان كبار علماء الفكر الإسلامي ومنجزاتهم العظيمة. اليوم، الإسلاميون والمفكرون في الساحة الإسلامية، بدلاً من تقدير الإنجازات القيمة للمفكرين المعاصرين ومواصلة طريقهم وإدخال تلك الأفكار العظيمة والباقية في مسار فكرهم، يسيرون على نهج السلف ويتحدثون فقط عن الانحطاط والتخلف، ناسين فترات الازدهار الغنية لحديقة الفكر الإسلامي القديم.

الإمام الشهيد السيد محمد باقر صدر (زاد: 1933)، من بين النماذج البارزة والفقهاء المجددين والمصلحين المبدعين الذين لم يتأمل كثير من الإسلاميين في إنجازاته وابتكاراته ولم يدرسوا خلاصة فكره بعلمية. الشهيد صدر من أبرز المجددين في ميدان الفكر الإسلامي في القرن الماضي.

ما يلي هو أبحاث عبدالجبار رفاعي حول منهج الشهيد صدر في تجديد الفكر الإسلامي. رفاعي استخلص فصول هذا البحث الثلاثة في الفترة من عام 1415 إلى 1417 هـ ق.

لم يكن رفاعي يسعى إلى شرح جميع ابتكارات ومنتجات صدر الفكرية، بل كما يكتب بنفسه: قدم فقط صورة عامة عن الفكر التجديدي للشهيد؛ وليس نقاشاً تفصيلياً؛ بمعنى أن فصول الكتاب الثلاثة هي مداخل منهجية للدخول إلى فكر الشهيد صدر والاستفادة من بحر إبداعه الفكري لنمو الفكر الإسلامي وإعادة بناء العلوم الإسلامية وتجديد وتفعيل المعارف الإسلامية.

مدرسة الشهيد صدر

ظلم الشهيد صدر لم ينتهِ فقط بحياته وصعوباتها واستشهاده، بل حتى في حياته قام كثير من التقليديين بمحاربته. بعد استشهاده، رغم الشعور بغيابه وبآرائه الأساسية والمبتكرة، إلا أنه بدلاً من الكشف عن جوهر ونظم القيم في مشاريعه، ظهرت فقط جوانبه السياسية والأيديولوجية، ولم يكرس أحد جهده لدراسة آثاره وأفكاره إلا عدد قليل من الكتاب.

السيد كاظم الحائري، تلميذ السيد محمد باقر صدر، في مقدمة مباحث الأصول (وهي تسجيلات دروس أستاذه الشهيد)، نظر إلى مدرسة ومنهج صدر الفكري.[1] كما أن بعض الباحثين في المجالات الدينية كتبوا «أبحاثاً في حياة وفكر محمد باقر صدر».[2]

وكذلك مجلة «قضايا إسلامية» خصصت عدداً لمناقشة «قراءة في الأبعاد الأساسية» للإمام الشهيد صدر.[3]

آخر كتاب يتناول بشكل مناسب وكامل تقلبات حياة وفكر صدر هو كتاب أعده أحد تلاميذه، وهو الشيخ محمد رضا نعماني. بخلاف هذه الكتب الثلاثة وهذه المجلة – في نظر رفاعي – لم تُنجز أبحاث راسخة وكاملة ومستحقة ومستمرة حول بعض مشاريع صدر الفكرية غير المكتملة وإظهار خصائص وتميزات مدرسته الفكرية وقيم فكره.

في القسم الأول، يشير المؤلف إلى العوامل التي شكلت عبقرية صدر الفكرية. وقد نقلت هذه العبقرية عن أساتذته ومناظريه. كان هذا الإنسان الرباني يتمتع بصفات عظيمة ميزت شخصيته؛ الإخلاص في السلوك، العبادة، الجهاد، التواضع، عدم الرغبة في الألقاب والصفات، الزهد وعدم الاكتراث بالدنيا، القناعة والاهتمام بأحوال الفقراء، تجسيد الأقوال بالأفعال، المحبة والإيثار حتى تجاه السجانين (شهید صدر در رجب 1399 هـ دستگیر و زندانی شد)، الصبر والتحمل في مواجهة الاتهامات والدعايات ونشر الشائعات التي بلغت ذروتها في عام 1380 هـ…

في خضم هذا الجو والظروف، لم يتوقف صدر عن الحركة والنشاط واستمر في جهوده لتوسيع مدرسته الفكرية. بداية القرن العشرين الميلادي كانت بداية الاستسلام أمام التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي. كان جهد الإسلاميين في تلك الفترة يعتمد أكثر من غيره على استشهاد بالآراء والافتراضات السائدة في الغرب وقياس المفاهيم الإسلامية بمقاييس الغربيين. ازدادت محاولات الدمج بين التراث والميراث الخاص بهم وبعض إنجازات الغرب في ذلك الوقت. مع ظهور مفكرين ذوي نظر عميق مثل الشهيد صدر، خفت حمى التبعية للغرب. هؤلاء المفكرون والرواد في الأصالة أعادوا الروح إلى مكانة العقل الإسلامي وجعلوا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتراث الإسلامي والأسس الجوهرية للإسلام الحقيقي مشاعل طريقهم. العلامة البارزة لهذه المجموعة كانت الدعوة إلى الأصالة والجذور «الذاتية» وفي جانب الإنتاج جلبوا إعادة بناء العلوم الإسلامية.

حينما كان السطحية والتبسيط يخيّم على كتابات كثير من الإسلاميين، لجأ صدر إلى أبحاث عميقة وعظيمة ودرس مشاكل الأمة الإسلامية وأسباب إخفاقاتها، ودرس التراث والنصوص المقدسة بدقة وابتكر آراء جديدة تتوافق مع روح حاجات العصر.

الشهيد صدر وظّف الفكر لخدمة حاجات وقضايا البشر، وفي هذا الإطار أخرج الفلسفة من حالتها التجريدية والنظرية وسعى لإظهار ارتباط الفلسفة بالحياة الاجتماعية للناس. كتاب «فلسفتنا» (فلسفتنا)، وهو من أولى كتاباته القيمة (1959 م)، كان ثمرة هذا الجهد.

تناول صدر في هذا الكتاب تحليل المشكلات وأسباب الاضطرابات، وتحدث عن الإجابات والحلول التي اتبعها الإنسان عبر التاريخ. كما بيّن فشل هذه الحلول، وفي النهاية أشار إلى الحلول التي يقدمها الدين الإسلامي. بلا شك، كانت هذه المرة الأولى التي يبذل فيها مؤلف وفيلسوف مسلم جهداً لدراسة القضايا الاجتماعية، ويجعل من وقائع المجتمع مدخلاً للنقاش الفلسفي. كان الشهيد صدر في كل باب يكتبه يبدع طرحاً جديداً ويبتكر ابتكاراً فريداً.

يمكن تلخيص ابتكارات العلماء في خمسة أنواع: أحياناً يكون هذا الابتكار استمراراً لمسار المبتكرين السابقين، وجهداً لإنهاء وتنظيم مشاريع سابقة غير مكتملة، وتقديم تفسير وتأويل جديد لبعض المفاهيم والمقولات القديمة. وأحياناً يكون إعادة بناء لأجزاء من آراء الرواد. النوع الآخر من الابتكار هو التعبير عن الظواهر والقضايا وتحليلها من منظور مختلف، باستخدام براهين وأساليب مختلفة. وأحياناً يكون جمع وتصنيف بعض التراث في منظومة متناسقة. أما النوع الخامس من الابتكار فهو الإبداع والابتكار في طرق جديدة للتفكير، التي تقود إلى نتائج تختلف عن إنجازات السابقين. كان الشهيد السيد محمد باقر صدر مبتكراً في كل هذه المجالات.

أ. الابتكار في علم الكلام

مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ارتفعت ضجة كبيرة في جميع أنحاء البلاد الإسلامية تطالب بإعادة النظر في منظومة علم الكلام والعلوم العقائدية الموروثة. كان سيد جمال الدين الأسد آبادي أول من أكد على ضرورة تغيير وجهات النظر القديمة في هذا المجال، وتبعه تلاميذه وعلماء آخرون مثل عبد الرحمن الكواكبي، الذي سار على نهج جمال الدين في كتابه «التوحيد، أساس الحرية». رغم أن الكواكبي لم يكن تلميذاً لجمال الدين، إلا أنه وسع هذه الضرورة، وعلى العكس من محمد رشيد رضا، تلميذ الأسد آبادي، الذي أغلق الباب أمام هذا المشروع، ظل باب الابتكار في علم الكلام نائماً لسنوات طويلة ينتظر العلامة سيد محمد حسين الطباطبائي. وبعد عدة سنوات، في منتصف عقد الستينيات من القرن العشرين، تحدث الشهيد صدر عن «علم الكلام الحديث». هنا أيضاً تجاوز صدر الطرق المقترحة من السابقين، واتبع مساراً يتناسب أكثر مع حياة الناس اليومية.

ب. الابتكارات التفسيرية للشهيد صدر

منذ ظهور طرق وأساليب التفسير في القرن الأول الهجري، كان المنهج التفريقي هو المنهج التفسيري الوحيد؛ بينما تطور العالم الجديد، لا سيما في المجال الاجتماعي والدولة، طلب طرقاً جديدة في التفسير تلبي الاحتياجات والاكتشافات والاتجاهات الفكرية والحياتية الجديدة، وتتجاوز وجهات النظر المتفرقة تجاه حقائق القرآن الكريم. يقول الشهيد صدر إنه في فهم الآيات القرآنية بطريقة تفريقية «يقتصر الفهم غالباً على هذا الجزء أو ذاك، ولا يتجاوز الفهم الجزئي للآيات، والنتيجة القصوى لهذا الإدراك هي الوصول إلى مجموعة من مدلولات القرآن الكريم، وهذا الإدراك نفسه جزئي، وهكذا في هذا الإطار، رغم أننا نصل إلى منظومة واسعة من المعارف والمدلولات القرآنية، إلا أن هذه البيانات متفرقة ولا تتمتع بالتماسك والارتباط الداخلي… وفي النهاية لا يمكننا من هذه المجموعة أو المجموعات الوصول إلى نظرية أو رؤية قرآنية تكون نافعة في كل مجال من مجالات الحياة». [4]

رغم أن الشرارة الأولى لهذا المنهج التفسيري كانت مع جهود الدكتور محمد عبد الله دراز، إلا أن إنجازات الشهيد صدر ظهرت في إطار نظرية وإطار منهجي أكثر اكتمالاً. فقد خصص محمد عبد الله دراز رسالة الدكتوراه في فرنسا لدراسة نظرية أخلاقية في القرآن الكريم ومقارنتها مع وجهات النظر الأوروبية، وكان أول من خطى خطوة في التوفيق بين وجهات النظر الإسلامية والغربية. أطلق الدكتور دراز على مشروعه «التفسير المنطقي» وهو نفسه «التفسير الموضوعي» عند الشهيد صدر.[5]

ج. الابتكار في أصول الفقه

في نظر الشهيد صدر، كان الشيخ الأنصاري رائد المرحلة الثالثة من نضج العلم في العالم الإسلامي. بعد توقف مسار تطور أصول الفقه، أعاد الشيخ الأنصاري إحياء هذا العلم في القرن الثالث عشر الهجري. وتبع آخوند خراساني ومرزا محمد حسن الشيرازي معلمهما. وبعد آخوند خراساني، قدم تلاميذه مثل الشيخ محمد حسين الأصفهاني، والشيخ محمد حسين النائيني، والأقاضياء العراقي، آراءً وأفكاراً قيمة. كان الشهيد صدر تلميذاً لآية الله الخوئي، الذي استفاد من ثلاثة أساتذته. ومن ابتكارات الشهيد صدر يمكن ذكر ما يلي:

أولاً: نظرية جديدة في تفسير الأحكام الظاهرية.

ثانياً: تأسيس رؤية محددة ودقيقة حول السيرة المتشرعة وسيرة العقلاء.

ثالثاً: نظرية التبديل في علم الرجال التي تناولت حجية الخبر الواحد.

رابعاً: نظرية حق الطاعة مقابل نظرية قبح العقاب بلا بيان.

خامساً: نظرية «القرن الأكيد في الوضع» حول العلاقة الوضعية بين الألفاظ والمعاني وكيفية دلالة اللفظ على المعنى.

سادساً: بطلان حكم الأصول على بعضها البعض عندما تكون النتائج متساوية.

سابعاً: إمكانية إدخال الترخيص في جميع جوانب علم الإجمال.

د. الابتكار في الفلسفة والمنطق

كتب الشهيد صدر «رسالة في المنطق» في بداية العقد الثاني من حياته المثمرة. وكان يقرأ الفلسفة الإسلامية بناءً على اقتراح معلمه الخوئي. وتعلم أسفار الأربعة عند الشيخ صدر الدين الصدر البادكوبي (لمدة خمس سنوات). وفي منتصف العقد الثالث من عمره، ألف كتابه الضخم «فلسفتنا».

النظريات التي وضعها الشهيد صدر

في القرون السابقة، وبالتزامن مع جهود الغرب لبناء نظام معرفي مختلف عن ماضيه واكتشاف الطبيعة، كان العقل الإسلامي منشغلاً بأعمال قليلة القيمة وكتابة مؤلفات غير مجدية؛ مثل رسالة في نوم الملائكة ورسالة في زواج الجن.

كان لكل جيل ودورة نصيب في إثراء التجربة البشرية والمشاركة الفاعلة والمبدعة في نضوج شجرة التاريخ. في العصر الحاضر، بادر بعض المفكرين المسلمين إلى أعمال وأسسوا مشاريع وفتحوا طرقًا أمام الإنسانية تتجاوز فضاء الخطاب الإسلامي المعاصر الضيق والمغلق. مالك بن نبي ومحمد باقر الصدر من النماذج الرفيعة لتجديد الفكر الإسلامي في العصر الحاضر.

على سبيل المثال، استطاع الشهيد الصدر أن يتجاوز هموم وأحزان الإسلاميين القديمة والمتعددة، وأن يسعى لحل المشكلات القائمة في المجتمعات الإسلامية. درس المدارس والطرائق الغربية، ثم قام بتحليلها وتمييزها ونقدها ورفضها بشكل بناء؛ بمعنى أنه اعتبر منظومة المعارف الغربية نتاج بيئة وتاريخ خاصين بالغرب. ومن خلال هذا المشروع المعرفي المتكامل، أعاد الاعتبار لمكانة «الذات» وقمع عقدة التقليل من الذات عند بعض رواد الإصلاح في القرن التاسع عشر، وعرّف «الآخر» بأنه محكوم بتاريخ الذات ـ وليس متجاوزًا للتاريخ.

كان الشهيد الصدر مؤسسًا أو على الأقل مكملاً لطريق مؤسسي الخطاب الإسلامي الحديث، حيث لم تقتصر جهوده على النقد المنهجي للفكر الغربي فحسب، بل طالب بتوحيد صفوف الأمة الإسلامية كلها لدفع الأهداف والتقدم بالإسلام والمسلمين: «إن سير الأمة الإسلامية هو الشرط الأساسي للوصول إلى أي نوع من النمو والنضج والنضال ضد التخلف، لأن حركة وجهود الأمة تدل على نضجها ورغبتها في التقدم، وإذا لم تنمو الأمة، فلن تتمكن من الاستفادة من آليات التنمية. والتجربة الأوروبية المعاصرة هي نوع من التعبير التاريخي عن هذه الحقيقة و… أوروبا لم تكن لتصل إلى هذه الإنجازات الاقتصادية بدون تلاحم شعوبها ومجتمعاتها».[6]

كان الشهيد سعيد آية الله الصدر يربط مكافحة التراجع والانسحاب للأمة بتعاون الأمة نفسها، وكان دائمًا يأخذ في الاعتبار وعي ونفس وتاريخ وتقلبات حياة المسلمين لتجاوز التخلف.

ما كان يسعى إليه الصدر هو استخراج وجهات النظر الأصيلة للإسلام حول التاريخ والاقتصاد والسياسة والمجتمع، وفي هذا المجال فتح آفاقًا واسعة لم يتقدم عليه فيها إلا عدد قليل من المفكرين. في كتابه «اقتصادنا» يعتبر مهمة المفكرين الإسلاميين هي الاكتشاف والاستخراج، لا الابتداع؛ بمعنى أن كل شيء يكمن في جوهر الإسلام، ونحن كمؤمنين بهذا الدين لا ينبغي أن نبتكر مدارس مثل الرأسمالية أو الماركسية كما يفعل الغربيون. وبفضل هذا النظر الجديد استطاع أن يتجاوز مشاكل وعقبات طرق وأساليب المفكرين السابقين، والطريقة التي اتبعها هي البحث في جميع جوانب الموضوع، لا الدراسة التفصيلية والمنفصلة؛ على سبيل المثال، كان لديه نظرة مختلفة حتى تجاه حياة وتاريخ أئمة الشيعة (عليهم السلام): «المنهج الذي يأخذ حياة كل إمام في الاعتبار وينظر إلى تاريخ حياة ذلك المعصوم كظاهرة كلية لا جزئية. يعتبر الأئمة كلًا واحدًا متصلًا ويتحدث عن العلامات والأهداف المشتركة لهذا الكل… يمكن من خلال النظرة الشمولية لحياة الأئمة المعصومين الوصول إلى إنجازات جديدة لا تستفيد منها النظرة الجزئية، لأن النظرة الشمولية تتيح إدراك الروابط التي توجد بين سلوك الأئمة».[7]

كانت رؤية الشهيد الصدر مختلفة حتى في الأحكام الشرعية. فهو يقسم هذه الأحكام إلى أربعة أقسام:

أ. العبادات؛ الطهارة، الصلاة، الصيام، الاعتكاف، الحج، العمرة والكفارات.

ب. الأموال، التي تنقسم بدورها إلى نوعين:

  1. الأموال العامة: كل مال يحقق المصلحة العامة؛ مثل الزكاة والخمس.
  2. الأموال الخاصة: أموال أفراد الأمة.

ج. السلوكيات الخاصة: أي سلوك فردي لكل فرد من الناس لا يرتبط بعبادة الله أو المسائل المالية.

د. السلوكيات العامة: سلوك ولي الأمر في مجالات الحكم، القضاء، الحرب وجميع العلاقات الدولية. في هذا الباب تدخل الولاية العامة، القضاء والشهادة، الحدود والمسائل من هذا القبيل.

ربما يكون أبرز مثال على منهج الصدر الجديد في تفسير القرآن قد تجلى بوضوح. أشار الشهيد الصدر إلى هذا المنهج الموضوعي في دروس ألقاها لعدد كبير من طلاب العلوم الإسلامية في النجف الأشرف (1399 هـ).

يعتقد رفاعي أن هذا الأسلوب يمكن اعتباره أول محاولة لابتكار منهج جديد في تفسير القرآن الكريم. ورغم أن الابتكار في أسلوب التفسير بدأ قبل الصدر مع عبدالله دراز، إلا أن الشهيد الصدر قدم نظرية راسخة ومتكاملة في هذا المجال. ومع ذلك يعترف رفاعي بأنه لا يدعي أن الشهيد الصدر قد أعد حلولًا حتى للأسئلة المستقبلية، لأن أصول الفقه علم تطوري لا يتوقف عن الحركة والديناميكية؛ بمعنى أن هناك تفاعلًا متبادلًا بين نمو وتطور الفقه والأصول، حيث يفتح الفقه آفاقًا جديدة، فترد أصول الفقه وتخترق تلك الآفاق وتجد طرقًا للتغلب على مشاكل كيفية الإجابة على الإشكالات والأسئلة. تدخل التجربة الفقهية مناطق مجهولة، والعقل الأصولي هو الذي يبتكر ويؤسس قواعد جديدة بعزم.[8]

كان واقعُية الشهيد الصدر من أبرز علامات فكره. كل شيء في نظره مرتبط بالواقع الاجتماعي؛ ولهذا كان كل شيء يُترك في أفق الواقع ويظهر نفسه. هذه الواقعية قادته إلى منهج مختلف.

كان هم الصدر الكبير إيجاد نظرية يمكن من خلالها الوصول إلى نظرية قرآنية في موضوع النبوة والاقتصاد والتقاليد التاريخية والسماء والأرض. كان يعارض تقديس كل التراث، لأن هذا التقديس يقيد الفكر؛ بمعنى أنه كأن كل الإجابات موجودة في كتب السلف، ودورنا هو الحراسة والحفاظ على التراث، لا نقده والتنقيب فيه وإثارة عناصره وفهم النص المقدس (القرآن الكريم والسنة) في فضاء الحياة المعاصرة المتجددة.

للأسف، بعد شهادة صدر، لم يُعثر على من يواصل الطرق والأساليب التي اتبعها أو اقترحها.

التجديد في علم الكلام

علم أصول الدين، أو كما هو شائع «علم الكلام»، هو علم نشأ مع ظهور الإسلام وتربى في حاضنته. كان لعلم أصول الدين تاريخيًا وظيفتان؛ إحداهما علمية والأخرى نظرية. وعلى الرغم من أن البُعد العلمي لعلم أصول الدين كان في البداية هو الغالب على البُعد النظري، إلا أن المسلمين كلما ابتعدوا عن العصر المحمدي (ص) والعصري العلوي، ابتعدوا عن روح القرآن، وعندما أُطلق على علم أصول الدين اسم علم الكلام، فقد فقد وظيفته الأساسية، وتحولت من تعميق العلاقة مع الله تعالى إلى نقاشات نظرية.

يمكن ملاحظة هذا الانفصال الشديد بين الوظائف العملية والنظرية في كتابات وجهود المتكلمين في فترات مختلفة، الذين اقتصرت جهودهم على عدة محاور نظرية فقط:

  1. تبيين أصول عقائد الإسلام، وترسيم حدود الدين وأصوله، وتحديد نطاقها مقابل أصول عقائد الأديان الأخرى.
  2. الإتيان بالأدلة على المعتقدات الدينية بالاعتماد على القياس الأرسطي، والسعي لزيادة عدد الأدلة وبيان هذه البراهين بطرق مختلفة.
  3. رد الشبهات ومكافحة الإشكالات العقائدية التي يثيرها الأعداء.

وهكذا، انحسر البُعد العملي لعلم أصول الدين إلى النظريات والبراهين، في حين أن المسلمين في النصف الثاني من القرن الأول الهجري كانوا يستخدمون هذا العلم العظيم لتبرير المواقف السياسية ولتعبئة الجماهير في التحديات.

تتجلى أوجه القصور والتقصير والعجز لدى المسلمين مع مرور الزمن عندما نشير إلى تقلبات علم الكلام القديم. فقط بذكر مشاكل علم الكلام القديم يمكننا تعريف منهج صحيح يُفهم من خلاله علم أصول الدين، وندرك دور رواد الإصلاح ـ من جمال الدين إلى صدر الدين ـ في هذا المجال. وهذه القصور كانت:

أولاً. بلا شك، النبوة ظاهرة إلهية تُثمر الإيمان في حياة البشر، ومن خلال دمج النظري بالعملي وعدم فصل التوحيد النظري عن السلوكي، تُغني حياة الإنسان بالحيوية. ظهر الإسلام ليحرر عقل المسلم من قيود المعتقدات المظلمة القديمة؛ لكن علم الكلام الذي أعاد إنتاج البنى الإيمانية عبر المنطق الأرسطي، لم يزد إلا في تعميق البُعد النظري، بل فصل العقيدة والإيمان عن العمل، وحول المفاهيم العملية والسلوكيات الإيمانية إلى مفاهيم ذهنية وتجريدية، ففصل التطبيق عن النظر.

ثانيًا. مع زيادة عدد المسلمين وانفتاح العالم الإسلامي على الأمم والمذاهب الأخرى، قام علماء الكلام بتوليفات لم تكن مألوفة أو متقاربة مع روح الإسلام. دخل علم الكلام ـ حتى ظهور خواجه نصير الدين الطوسي ـ في حالة ركود. ازداد الفجوة بين المعتقد والواقع، وكلما ازدهر وتقدم العالم الإنساني، خفتت المعتقدات، لأن كل شيء كان في حركة وتغيير وتقدم إلا الأفكار الإيمانية والمعتقدات. كان هذا الانفصال ينتظر حركة إحياء الدين في عصرنا بقيادة الإمام الخميني، فأنعش روح الثورة والحيوية في حياة المسلمين.

ثالثًا. في خضم الماضي، سيطرت المسائل الفلسفية على مجال علم الكلام، وملأت أكثر من ثلثي علم الكلام بمسائل مثل الوجود والعدم، الجوهر والعرض، السبب والمسبب، الإمكان والوجوب، القدم والحدوث. يحتاج علم الكلام إلى روح التوحيد القرآني ليخلص من أسر القضايا الفلسفية.

رابعًا. منهج علم الكلام القديم غير متوافق مع المنهج القرآني. سبب ذلك هو انفصال المعتقدات عن الواقع، وسير العقل الكلامي في متاهات التجريد والنظر.

النقطة التي يبدأ منها علم الكلام هي إثبات أصل الوجود والبراهين على حقيقة الأشياء، ومن ثم إثبات وجود الله والمسائل العقائدية الأخرى، في حين أن القرآن يعتبر الإيمان بوجود الله فطرة: «فطرة الله التي فطر الناس عليها». الفطرة من منظور القرآن هي الميل الداخلي نحو خالق الوجود؛ لكن عند المتكلمين كانت مرتبطة بتشابك العقل والبراهين والشكوك ورد الشبهات. هدف القرآن من البرهان هو إثارة الفطرة والطبيعة الإنسانية وإيقاظ العقل من حجب الغشاوة.

من جهة أخرى، كان علم الكلام القديم يستخدم أداة القياس الأرسطي، ويغوص في بحر التجريد النظري، مبتعدًا عن الوجود والآفاق الواسعة، ومن ثم ابتعد عن منهج القرآن في إيقاظ الفطرة وهداية العقل؛ إذ إن آلية الاستدلال وفق المنهج القرآني تقوم على الاستقراء وهداية عقل الإنسان للسير في آيات الكون والذات، بينما أسلوب علم الكلام القديم يقيد العقل ضمن دائرة المفاهيم النظرية ويحول دون اتصال العقل بالطبيعة والواقع المحيط بالإنسان.

أيضًا، لم يسعَ علم الكلام القديم إلى فتح باب خاص للإنسان يحدد مكانته بين سائر مخلوقات الله، ويتحدث عن قيمة ومقام البشر مقارنة بالملائكة والجن وغيرهم. هذا التبيين لم يغفل عنه القرآن، فالتوحيد من منظور القرآن هو العلاقة بين الله والإنسان. لذلك لا يمكن فصل التوحيد عن الإنسان، لأن الإنسان هو الذي يُشكّل فيه التوحيد، والطريق الوحيد لخلاص الإنسان من الآلهة الكاذبة هو السعي المستمر في خط التوحيد. غياب مبحث مستقل للإنسان في الكلام القديم يشكل أحد أوجه القصور الأساسية لهذا العلم.

القرآن الكريم لا يعبر عن الإيمان بالله بشكل تجريدي، بل يربطه دائمًا بالعمل الصالح والباقيات الصالحات والثواب الأخروي.

العمل الصالح هو روح الإيمان. هناك أكثر من خمسين آية في القرآن الكريم تذكر العمل الصالح جنبًا إلى جنب مع الإيمان. وقد ورد في كلام رسول الله والأئمة ضرورة تزيين الإيمان برداء العمل والسلوك. يستلهم الشهيد الصدر من كلام الله وعلماء الدين فيقول: «لا يمكن مقارنة أي سلوك أو تصرف بالأعمال التي تُنجز في إطار الإيمان والدوافع الإلهية، مهما بدا ذلك السلوك عظيمًا، لأن قيمة العمل تكمن في أُطُره ودوافعه، لا في مظهره الخارجي أو نتائجه».[9]

وقد أدرك بعض المفكرين المسلمين في القرن التاسع عشر تخلف الأمة الإسلامية، واعتبروا جذور هذا التخلف في انفصال الإيمان عن الحياة اليومية وخلاء البنية الاجتماعية من روح الإيمان والعمل. كان سيد جمال الدين أسد آبادي قد أدرك هذه الحقيقة، وفي إحدى كتاباته، وجه نقدًا للملحدين، متحدثًا عن ضرورة الإيمان كملاذ اجتماعي ومصدر غني للعلاقات الحسنة والبناءة في المجتمع. كما رأى الشيخ محمد عبده أن إصلاح علم الكلام يستلزم تأسيس فلسفة جديدة، ليكون بالإمكان تحقيق التغيير والتحول.

وقد تعرض مسار الإصلاح لتقلبات كثيرة، وكان لكل من المفكرين الإسلاميين مثل محمد رشيد رضا، والشيخ حسن البنا، وجماعة الإخوان المسلمين، وسيد قطب، دور بارز في هذه التقلبات حسب مصادرهم الفكرية.

وفي عصرنا أيضًا، تألقت نجمة ساطعة في سماء الفكر الإسلامي وابتكرت العديد من الإبداعات، وهو سيد محمد حسين طباطبائي، الذي حقق إنجازات غير مسبوقة خاصة في تفسيره الشهير «الميزان في تفسير القرآن». فالتوحيد في نظر العلامة طباطبائي هو الإسلام ذاته، لأن كل شيء هو تجلٍ للتوحيد الإلهي ويرجع إليه. كما فتح الشهيد الصدر آفاقًا جديدة أمام الفكر الإسلامي وساهم في إثراء المنظومة الفكرية الإسلامية.

طرح آية الله الصدر في مؤلفاته قضايا مثل المنهج، ونظرية المعرفة، والمعتقدات، والقرآن، والفقه، وكان دائم السعي لإضفاء نظرة إسلامية على هذه القضايا ونظرية إسلامية عليها. لذلك تجاوز المفاهيم القديمة والموروثة ودخل أراضٍ ومجالات مجهولة لم يسبق لأحد أن دخلها قبله. ومن ابتكارات الصدر يمكن الإشارة إلى ما يلي:

  1. تخلى الصدر عن أسلوب القياس الأرسطي القديم واتجه إلى المنهج الاستقرائي، المبني على احتساب الاحتمالات. وبعد اكتشافات في المذهب والمنهج الجديد في التفسير، تجاوز كيفية نمو وولادة وزيادة المعرفة في الاتجاهين التجريبي والعقلي، وأسس «مذهب المعرفة الذاتي».

المذهب العقلي غالبًا ما يقبل طريقًا واحدًا لنمو المعرفة وهو الولادة الموضوعية؛ بينما المذهب الذاتي يتبع طريقين؛ أحدهما الولادة الموضوعية والآخر الولادة الذاتية؛ بمعنى أنه يمكن تفسير الجزء الأكبر من المعرفة الذاتية في ظل وعلى أساس الولادة الذاتية. الولادة الذاتية تعني «إمكانية إنشاء معرفة وعلم على أساس معرفة أخرى، دون وجود ارتباط موضوعي بين موضوعي المعرفتين. هذه الولادة تقوم على التلازم بين المعرفتين أنفسهما، لا بين موضوعيهما… طريقة الولادة الموضوعية ليست الطريقة الوحيدة التي يستخدمها العقل للحصول على العلوم الثانوية، بل العقل إلى جانب الولادة الموضوعية يستعين بطريقة أخرى هي الولادة الذاتية».[10]

ومن الجدير بالذكر أن الصدر لم يكتفِ بالاكتشاف، بل طبق هذا المنهج في مجالات معرفية كثيرة؛ ففي علم أصول الفقه وفي مباحث العلم الإجمالي، والتواتر، والإجماع، والسيرة، طبق منهجه. كما استخدم البرهان الاستقرائي والاحتمالات في إثبات وجود الله.

  1. تخلى الصدر عن التفسير الجزئي القديم، وربط التجربة البشرية بالقرآن الكريم، فقدم تفسيرًا موضوعيًا قائمًا على التوحيد. ويقوم هذا النوع من التفسير على أساسين:

أولًا: السير من الوقائع الاجتماعية إلى النص؛ بمعنى أن بداية التفسير تكون بالنظر إلى الواقع، لا إلى النص. في البداية يجب دراسة المشاكل، والأسئلة، والمتغيرات، والظاهر، وأنواع الوقائع الموجودة، ثم التوجه إلى النص. أما الجهود السابقة للشهيد الصدر فكانت تبدأ من النص وتقف عند شاطئه، ولم تخرج أبدًا من دائرة النص ولم تأخذ بعين الاعتبار العالم الواقعي والمشاكل والتجارب البشرية.

ثانيًا: لم تتجاوز الطرق والنظرات السابقة للشهيد الصدر تجسيد أحد مفاهيم القرآن الخاصة في مواجهة مسألة معينة؛ أما منهج الشهيد في التفسير الموضوعي فكان آلية استنباطية. كان الصدر يسعى إلى إيجاد أوجه الارتباط بين الدلالات التفصيلية وبناء نظرية.

  1. بعد تحديد الإطار العام للفقه الفردي وفقه المجتمع والدولة، انتقل الصدر من الفقه الفردي إلى فقه المجتمع والدولة. وشرح أن تقليل حجم الفقه في الأبعاد الموضوعية يعود إلى دخول النظرات الفردية إلى نظرة الفقيه ومن ثم إلى الشريعة نفسها، «لأن الفقيه أحيانًا ينظر إلى القضايا والأحكام من منظور شخصي ومشاكل فردية، في حين أن هذه النظرة تختلف عن نظرته إلى الشريعة… .

يظهر التأثير الشخصي عندما يحاول الفقيه حل مشاكل أفراد المسلمين من خلال تبرير الواقع القائم وتطبيق الشريعة على هذا الواقع، حتى امتد هذا المنظور إلى فهم النصوص الشرعية».[11]

ويضيف عبد الجبار رفاعي إلى كلام الشهيد الصدر في هذا الصدد: من الجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى سيطرة الاتجاهات الشخصية على مسألة التفكير في الفقه، يجب ذكر الحجب التي تلقي بظلالها على عقل الفقيه وتمنعه من التمييز بين الخطابات الفقهية التي يُخاطب فيها الأمة الإسلامية؛ بمعنى أن التشريع وبيان الأحكام الإلهية للأمة أحيانًا يتخذ شكل تشريع للفرد، وهكذا تصبح بعض الأحكام لا تعبر عن روح الشريعة.

كان صدر يصرّ بإلحاح على إعادة بناء الفقه أفقياً وعمودياً، بحيث يشمل من جهة جميع المعطيات الحديثة للعالم الواقعي، ومن جهة أخرى يوجهنا إلى النظريات الأساسية التي تكشف عن رؤية الإسلام.

يعتقد المؤلف أن الشهيد صدر هو أول فقيه من بين فقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يتجاوز الفهم الحرفي للنصوص ويصل إلى التشريع ووضع القوانين على أساس مقاصد الشريعة وإظهار جوهرها. لقد وجد الفقه، بمساعدة يدَي الشهيد صدر القويتين وفكره النقي، ولادة جديدة وتفاعل مع المعطيات الحديثة للعصر، لأن تأسيس منهج فقهي جديد لفهم والتعامل مع مسائل وقضايا الحياة يرتكز على ركيزتين أسسهما الشهيد صدر: الأولى توحيد النظريات والاهتمام ببنية الأحكام، والثانية توضيح الطريق لفهم النصوص الدينية بشكل أفضل في ظل إدراك وفهم المقاصد.

تأثير الشهيد صدر في إعادة بناء علم أصول الفقه

على الرغم من أن الشهيد صدر لم يخصص عملاً لمبحث أصول الدين، إلا أنه أشار في مقدمة واحدة كتبها على ديباجة رسالته الفقهية «الفتاوى الواضحة» وسماها «موجز في أصول الدين» إلى مؤشرات منهج جديد أعاد في ظله بناء علم أصول الفقه. ومن الجدير بالذكر أن صدر تناول موضوع الإيمان والاعتقاد في مختلف كتبه؛ ففي أول كتاب له «فدك في التاريخ» الذي يبدو كطرح في التاريخ السياسي، لكنه في الواقع محاولة لطرح مسألة اعتقادية باسم «الإمامة» في إطار حدث تاريخي، وكذلك في كتاب «فلسفتنا» الذي يعد أول عمل فكري تأسيسي له، يمهد فيه بأن حل المشكلات الاجتماعية لا يمكن إلا في إطار الدين، وهذا الدين هو دين الفطرة وميول الإنسان إلى التوحيد الإلهي.

تصل النظرة التوحيدية في فكر الشهيد صدر إلى مجموعة من المبادئ الأساسية وتقع إلى جانب أبعاد أخرى يبرز منها التوحيد فوق الجميع. وهذه النظرة تستند إلى أسس:

أولاً: الفطرة مصدر التوحيد

يرى الشهيد صدر أن علاج أمراض المجتمع البشري وحل المشكلات الإنسانية والتقدم والازدهار الأفضل والأكثر يكمن في داخل الإنسان نفسه؛ لذلك يجب إعداد الإنسان لحل المشكلات. ومن جهة أخرى، يبيّن أن الدين حاجة فطرية للإنسان؛ بمعنى آخر، السلاح الذي يجب أن يتسلح به الإنسان هو سلاح الدين. ومقصود صدر بلا شك هو الأديان التوحيدية، لا الأديان البشرية التي صيغت وفق مصالح شخصية. فالدين في نظر صدر فطري والإنسان ينجذب إليه بلا وعي. وتشير آيات القرآن إلى هذا المعنى: «فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون».[12]

يعلن صدر من خلال طرح هذا الرأي أن الشريعة المقدسة للإسلام تشريع وقانون حقيقي متكامل مع كل البنى والقوانين والأهداف الإنسانية.

الإسلام لا يفرض على الإنسان ما لا يتوافق مع داخله وخارجه واحتياجات المجتمع البشري. كل شيء ينتهي إلى التوحيد، والتوحيد من أمور الفطرة؛ والفطرة هي أساس إقامة المجتمع التوحيدي.[13]

ثانياً: التوفيق بين التوحيد والحياة

لم تستطع كتابات السابقين أن تؤسس جسر تواصل بين مفهومي التوحيد والدين، لأن مهمة علم الكلام القديم اقتصرت على الاستدلالات العقلية ودحض الشبهات، وتحولت المعتقدات الدينية إلى مجرد حقائق ميتافيزيقية تدور حول العقل ولا تستقر في العالم الواقعي.

كان السيد محمد باقر صدر، الذي كان على دراية تامة بهذا الجو، يشير إلى التأثير العميق للإيمان بالله في الحياة، وفي كتاب «فلسفتنا» حين أدرك الارتباط المتين بين الفهم الفلسفي للعالم والقضايا الاجتماعية، تحدث عن علاقة الدين.

كان يؤكد دائماً على ضرورة إدخال المعتقدات إلى عالم الحياة. وفي كتابين آخرين له، هما «الإسلام يقود الحياة» الذي كان آخر كتبه قبل استشهاده، و«المدرسة القرآنية»، أشار إلى أهمية وضرورة هذا الرابط المبارك بين التوحيد والحياة. وكان يؤكد على إظهار البعد الثوري لأصول الدين.

ثالثاً: نظرية المعرفة والاكتشاف الجديد للشهيد صدر

من أعظم إنجازات صدر اكتشاف منهج جديد في نظرية المعرفة أطلق عليه «المذهب الذاتي». أشار صدر إلى أن الإنسان لا يحتاج إلى استدلالات عميقة للإيمان بالله، لأن مسألة الإيمان من مسائل الفطرة والوجدان البشري؛ لكن النظرة التجريبية وانتشار المادية في الفلسفة الأوروبية الحديثة أظلمت طبيعة الإنسان و«لم يبق الضمير الطاهر للإنسان حراً وسليماً، ومن ثم لجأ الفلاسفة إلى الاستدلالات العميقة وملء الفراغ الناجم عن أسر الضمير».[14]

هذا الدليل الاستقرائي الذي استخدمه الشهيد صدر والذي يستند إلى الاحتمالات، يعكس الفهم البشري العادي. في هذا الفهم يشترك عامة الناس؛ بينما آلية الاستدلالات التي تتم في إطار القياس الأرسطي تبقى بعيدة عن وعي الناس العاديين.

هيكل المجتمع التوحيدي من وجهة نظر صدر

هرم المجتمع التوحيدي من منظور صدر يقوم على قاعدة عظيمة اسمها التوحيد. يمكن تلخيص رؤية الشهيد صدر المحورية حول التوحيد في هذه الاحتياجات:

1. مسألة التوحيد ونيابة الإنسان عن الله

التوحيد هو أساس وقوام الوجودي لهوية المجتمع التوحيدي، وإذا انقطع ارتباط الإنسان بالله في هذا المجتمع، فإن الهوية تختفي وتتغير العلاقات الاجتماعية.

2. التوحيد والثورة

الثورة من وجهة نظر صدر تولد من الإيمان بالتوحيد. رؤية الإنسان الثوري وثورة الأنبياء تنبع في البداية من النظرة التوحيدية، ثم تنبع من تزكية النفس من كل أنواع الاستعمار والظلم. هذا الإنسان الثوري لا يمكن أن يتحول إلى نموذج كامل إلا إذا طهر نفسه من كل أشكال الجشع والاستغلال.

3. التوحيد والدولة

الدولة في نظر صدر ظاهرة نبوية نشأت بعد تجاوز الناس مرحلة سيطرة الفطرة. مع تزايد الاحتياجات البشرية وتشكّل التناقض بين الأقوياء والمحتاجين في المجتمع، نشأت الخلافات في كل مجتمع. الدولة أُنشئت لمنع التمزق والانقسام، وأسسها الأنبياء على مضامين إلهية.

4. التوحيد والحرية

أساس الحرية في الإسلام هو الإيمان والتوحيد، لأن الحرية تنبع من عبادة الله وعبوديته بلا قيد أو شرط، لتصل إلى الحرية من كل القيود البشرية.

يورد الشهيد صدر في هذا الباب أن القرآن الكريم، عبر التوحيد، استطاع أن يحرر الإنسان من عبودية غير الله والشهوات ويربطه بالسماء. التوحيد هو الوثيقة العظيمة لإنسانية الإنسان ووثيقة حرية البشر في كل المجالات.

5. التوحيد والنمو والازدهار

كان صدر يرى أن نمو وتطور الغرب ليس بسبب صحة طرق الغرب، بل بسبب تعاون الأوروبيين مع هذه المشاريع؛ ولذلك علينا اختيار بدائل تتوافق مع تاريخنا وثقافتنا ورؤيتنا للإنسان والعالم. يجب على الأمة الإسلامية أن تقبل أن الإسلام هو الشخصية التاريخية والجوهر الحقيقي والمفتاح لنجاح أسلافها الصالحين. يجب أن تعتبر الأمة الإسلامية هذا الدين نقطة انطلاق نحو النمو والازدهار.

6. التوحيد والعدالة الاجتماعية

العدالة فرع من شجرة التوحيد، لأن العدل من صفات الله تعالى، وهو كالعلم والقدرة والإرادة الإلهية. ترتيب أصول الدين على التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد يحمل معنى اجتماعياً ويرتبط ارتباطاً خاصاً بالحياة البشرية: «التوحيد من الناحية الاجتماعية يعني اعتبار الله المالك الوحيد للوجود. والعدل يعني أن هذا المالك الوحيد للوجود، بناءً على عدله، لا يفضل إنساناً على آخر أو مجموعة على أخرى، بل يسيطر دائماً على المجموعة الصالحة بكل النعم التي وهبها لهم».[15]

7. التوحيد وممر التاريخ

وفقاً لتحليل الشهيد صدر، فإن الجوهر الداخلي للإنسان يشكل حركة التاريخ. استخلص صدر هذا الرأي من جوهر القرآن. تقدم وتغيير أي مجتمع مرتبط بتغيير أحوال وقلب قومه وتغيير روح الإنسان ونفسيته. محور إعادة البناء الداخلي هو «المثل الأعلى» والنموذج الرفيع الذي يعد نقطة البداية في عملية التكوين الداخلي.

يتحدث الشهيد صدر عن ثلاثة أنواع من النماذج والأنماط العليا والكاملة تاريخياً: التكرار الذي يعتبر التاريخ تكراراً للماضي ويخضع دائماً أمام الغزو العسكري للعدو، وهذا رغم أنه يحمل حركة ونشاطاً، إلا أنه رؤية محدودة ومغلقة تجاه مستقبل الأمة، وهذه الحركة الخادعة تقيد الأمة. والمطلق وهو المثل الأعلى الحقيقي وهو الله، وبحكم لانهائية الله فإن السير نحو هذا النموذج الأعلى لا نهاية له.

 

 

[1] الحائري، السيد كاظم، مباحث الأصول، تقارير لأبحاث آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر، قم، 1407 هـ، ص11-173.

[2] نخبة من الباحثين، محمد باقر الصدر: دراسات في حياته وفكره، لندن، دار الإسلام، 1416 هـ / 1996 م، 776 ص.

[3] قضايا إسلامية، العدد الثالث (1417 هـ / 1996 م، 638 ص.)

[4] الصدر، السيد الشهيد محمد باقر، المدرسة القرآنية، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 2، 1401 هـ / 1981 م، ص80.

[5] جواد علي كسار قد قارن المنهج الموضوعي بين دراز، مكارم شيرازي والصدر: «المنهج الموضوعي: إشارات بين دراز والصدر ومكارم الشيرازي» قضايا إسلامية، المصدر السابق، 34 (1417 هـ / 1996 م)، ص68-87.

[6] الصدر، السيد محمد باقر، اقتصادنا، قم، المجتمع العلمي للشهيد الصدر، 1408 هـ، ج1، ص14 (ديباجة الطبعة الثانية).

[7] الصدر، السيد الشهيد محمد باقر، دور الأئمة في الحياة الإسلامية، في كتاب بحوث إسلامية ومواضيع أخرى، بيروت، دار الزهراء، 1403 هـ، ص58-59.

[8] المدرسة القرآنية، المرجع نفسه، ص31 و 32.

[9] الصدر، السيد محمد باقر، «العمل الصالح في القرآن»، بحث منشور في: بحوث إسلامية، بيروت، دار الزهراء، 1975، ص38.

[10] الصدر، السيد محمد باقر، الأسس المنطقية للاستقراء، بيروت، دار التعارف، 1982 م، ص123-129.

[11] الصدر، السيد محمد باقر، «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد»، بحث منشور في: بحوث إسلامية، بيروت: دار الزهراء، 1975 م، ص79-82.

[12] أيها الرسول. توجه مباشرة إلى جانب الدين الطاهر الإسلام واتبع دوماً طريق دين الله الذي فطر الخلق عليه، فلا ينبغي أن يُحدث في خلق الله تغيير، هذا هو الدين الحق الثابت وإن لم يكن أكثر الناس يعلمون هذه الحقيقة. القرآن الكريم، سورة الروم، آية 30.

[13] الصدر، السيد محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي، ص154.

[14] الصدر، السيد محمد باقر، المرسل: الرسول؛ الرسالة، بيروت، دار التعارف، ص10.

[15] الإسلام يقود الحياة، المرجع نفسه، ص34 و 142.