إصلاح الحوزة العلمية في رؤية الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: اصلاح حوزه در نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: اسماعیل اسماعیلی

المصدر: فصل‌نامۀ حوزه، المجلد 14، العدد 80-79، ربيع 1376

الحديث عن إصلاح هيكل الحوزات العلمية الدينية ليس حديثًا جديدًا. لقد شغل فكر إحداث تحول في الحوزات منذ زمن بعيد ذهن وفكر المصلحين والمهتمين بالحوزة. لم يترك التحولات الاجتماعية والسياسية المتسارعة في أوروبا، وما تبعها من دخول الأفكار الجديدة إلى المجتمعات الإسلامية، ونمو العلوم والصناعات المتسارع في القرون الأخيرة، مجالًا للشك في أن الحوزات العلمية، بتاريخها العريق ودعمها العلمي والثقافي ومكانتها البارزة في المجتمعات الإسلامية، إذا ما كانت تتمتع بنظام وتنظيم مناسب وفعال، يمكنها أن تلعب دورًا أكثر أهمية بكثير وأن تحقق إنجازات ونتائج تتجاوز ما هو قائم الآن.

علاوة على ذلك، فإن الرسالة التي يتحملها الحوزويون في الفهم العميق للدين ونقل أحكام الله إلى الناس، وكذلك إصلاح وتنقية المجتمع وتطبيق الدين الإلهي في كل زمان، تقتضي أن تسير الحوزات العلمية متوافقة مع العصر، وأن تتوفر لديها برامج وتنظيمات تمكنها بسهولة من تنمية القوى اللازمة؛ أي الطلاب المتعهدين والفضلاء والمجتهدين والباحثين الأكفاء لهذا الهدف.

من الواضح أن الحوزات العلمية بنفس التنظيم القديم والبرامج والأساليب التعليمية والدعوية البسيطة لا يمكنها بسهولة أن تقوم بهذه الرسالة المهمة.

الحوزات العلمية، مثل أي مؤسسة تعليمية علمية أخرى، بل بسبب أهمية الرسالة التي تتحملها، تحتاج إلى إصلاح ومراجعة مستمرة للحفاظ على ازدهارها ونموها. وفي هذا السياق، بذل العلماء المخلصون والمصلحون الكبار في الحوزة جهودًا كبيرة لإحداث تغييرات ورفع القدرات العلمية والعملية للحوزات، وقد قدمت خطط وبرامج في هذا المجال. في السنوات الأخيرة، مع تسارع التحولات الاجتماعية والسياسية، ازدادت الحاجة إلى إصلاح هيكل الحوزة وإحداث تحول فيها، وأصبح إصلاح الحوزة موضوعًا يوميًا للحوزات العلمية وتم مناقشته مرارًا. ومع ذلك، يجب دائمًا إبقاء باب الحوار مفتوحًا حتى نتحرك نحو الحوزة المثالية بشكل أكثر نضجًا وتروٍ.

في هذا الدفتر، الذي فُتح تذكارًا لرجل عظيم ومصلح دقيق النظر وشامل الرؤية الشهيد سيد محمد باقر الصدر، نلقي نظرة على فكره الإصلاحي لكي يجد المثقفون والمفكرون الحوزويون في حاجة العصر من فكر ذلك الفذ طريق الغد. إن شاء الله.

وضع حوزة النجف

في الأيام التي كان الشهيد يدرس فيها في حوزة النجف، لم تكن الحوزة الشهيرة في النجف في حال جيد. كان الصمت واللامبالاة في الحوزة تجاه التحولات الاجتماعية والسياسية والقضايا التي كانت تحدث خارج الحوزة يفرضان ظلالًا ثقيلة عليها. كان أي اهتمام أو توجه نحو الأمور السياسية خارج الحوزة وضمن رسالة رجال الدين يُعتبر عملًا مرفوضًا وضد القيم. كان الحديث عن العلوم والفنون الجديدة والإنجازات الصناعية وتعلم اللغات الأجنبية وقراءة الصحف والمجلات والاستماع إلى الراديو وما إلى ذلك يُعتبر دون مكانة العالم الديني.

علاوة على ذلك، كانت العواقب الوخيمة لهزيمة ثورة الدستور في إيران، التي انتصرت بمجاهدة وقيادة رجال الدين ومراجع النجف، سببًا في دفع رجال الدين إلى الابتعاد عن السياسة والانكفاء على الذات.

كان المستعمرون وعملاؤهم الخفيون يؤكدون بشدة على عدم جدوى الأعمال السياسية وترسيخ مبدأ فصل الدين عن السياسة، واستغلوا اليأس والجمود في حوزة النجف.

كان الشهيد الصدر شاهدًا عن قرب على هذا الوضع، وكان يرى عدم وجود برامج في الحوزة، وكان يتألم من أوضاعها المتردية.

كان يرى أنه لو وُجد برنامج مدروس ومنظم لاستقطاب وقبول الطلاب في حوزة النجف، ولو وُجدت أساليب تعليمية وبحثية ودعوية جديدة بالاستفادة من أساتذة أكفاء وكتب دراسية مناسبة وبرنامج محدد ومنظم، ولو كانت الحوزة تولي اهتمامًا كثيفًا للقضايا والتحولات التي تحدث في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، لكان بإمكانها خلال فترة أقصر وبتكلفة أقل أن تقدم إنجازات أهم وأكثر فاعلية للعالم الإسلامي.

كان الشهيد الصدر يشهد على البحوث العميقة والجهود الجبارة للحوزويين في فهم وحل المسائل الفقهية والأصولية المعقدة في بيئة النجف الحارة، رغم غياب الأدوات ووسائل الراحة، لكنه كان يتألم بشدة لأن هذه الجهود الكثيرة، بدون تخطيط واضح وبدون معرفة بالعلوم الحديثة والمدارس المختلفة: السياسية والقانونية والاقتصادية، وبدون مراعاة القضايا الناشئة واحتياجات عالم الإسلام المعاصر، لم تكن تستطيع أن تؤتي ثمارًا كبيرة. وهكذا، منذ شبابه، أدرك بوضوح ضرورة الإصلاحات الهيكلية والتحولات في نظام الحوزة، وانشغل فكره بفكرة إعادة بناء الحوزة. كان ازدهار ونمو الحوزات العلمية الدينية بالنسبة له كشهيد الصدر هدفًا ساميًا، ولم يكن ذلك ممكنًا إلا في ظل إصلاح الوضع القائم وتجديد الحياة وإعادة البناء.

في عام 1384، عندما كتب المرحوم محمد جواد مغنية (فقه الإمام الصادق) و(علم أصول الفقه في ثوبه الجديد) بنظرة جديدة وبأسلوب حديث، أضاء بارقة أمل في قلوب الحوزويين. ورغم أن هذا العمل كان محدودًا وأكثره ضمن إطار جزء من النظام التعليمي للحوزة، إلا أن هذا القدر كان خطوة مهمة في طريق إصلاح الحوزة. وفي ذلك الوقت، اعتبر الشهيد الصدر نشر مثل هذه الكتب بداية التحول ومصدر أمل للحوزويين، وذكر في مقال له الأستاذ مغنية خير ذكرى لشقه حاجز الصمت وتقديم الطرق الجديدة.

في نظر الشهيد الصدر، الأعمال مثل تلك التي قام بها محمد جواد مغنية وكذلك أعمال الشيخ محمد رضا مظفر في تأليف علم الأصول بطريقة جديدة وإقامة كلية الفقه في النجف كان يمكن أن تكون الخطوة الأولى في سلوك طريق إصلاح الحوزة.

وجهات نظر الشهيد الصدر لإصلاح الحوزة

كان للشهيد الصدر آراء جديدة ومبتكرة حول مختلف جوانب الحوزة، وقد قدم خططًا جديدة للعديد منها. في مجال النظام التعليمي، وإدارة البحث، والرسائل، وطريقة قبول الطلاب، والعديد من الأمور الأخرى من هذا القبيل، أدلى برأيه وفتح الطريق. من خلال طرح القضايا السياسية والاجتماعية في حوزة النجف، جذب رجال الدين إلى ميدان السياسة، وطرح نظرية المرجعية ورفع مكانتها وكفاءتها، وكذلك طرق تمكين تركيز واستمرارية مؤسسة المرجعية.

في مجال الفقه والأصول، اللذين يشكلان الركيزتين الأساسيتين للعلوم الحوزوية، قدم مؤلفات كانت فريدة من نوعها. واجه بمفرده مواجهة جدية وجذرية مع الملحدين، وبذكاء وإحاطة قوية بالفلسفة والاقتصاد الإسلامي، نقد وجهات النظر المادية والإلحادية في الشرق والغرب، وأجاب على شبهاتهم، وقدم طرقًا جديدة في تعليم الفلسفة والمنطق.

من مجموع وجهات نظره حول إصلاح الحوزة يمكن الاستفادة من أنه كان يفضل إصلاح ثلاثة محاور في الحوزة ورجال الدين على بقية الأقسام، وكان يعتقد أنه إذا حدث تحول ضروري في هذه المحاور الثلاثة، فإن شؤون الحوزة ستنظم إلى حد كبير. والآن مراجعة المحاور الثلاثة:

1. إصلاح النظام الإداري للحوزة.

2. إصلاح النظام التعليمي.

3. إصلاح ثقافة الحوزة.

إصلاح النظام الإداري للحوزة

لقد أدت الحوزات العلمية الدينية منذ نشأتها رسالتها على نحو جيد، وتركت لنا إرثًا ثمينًا من علوم الفقه والأصول والفلسفة والكلام والتفسير والحديث وغيرها، وسلمت المجتمع الإسلامي عددًا كبيرًا من الفقهاء والحكماء والمفسرين والفلاسفة والمتكلمين والمحدثين والفلكيين والرياضيين والعلماء وغيرهم. العلماء الذين تربوا في الحوزات والإرث الذي تركوه في ذلك المستوى من القيمة بحيث يمكن القول إن الحوزات العلمية ورجال الدين اليوم كل ما لديهم هو من بركات عملهم وجهودهم وآرائهم الدقيقة والبحثية لهؤلاء الحكماء.

لا شك أن مثل هذا الإرث العظيم وهذه الإنجازات الرائعة لم يكن من الممكن أن تنشأ أبدًا من الفوضى وعدم التنظيم. لقد كان للحوزات العلمية الدينية وتنظيم رجال الدين منذ البداية تنظيم وإدارة خاصة بهما. رغم أن تنظيم وبرنامج إدارتها كان بسيطًا ومبدئيًا جدًا، إلا أن الإخلاص والصدق والزهد والطهارة والروحانية التي كانت دائمًا تحيط بهذه المراكز العلمية جعلت هذا التنظيم البسيط يؤدي أداءً مناسبًا وملائمًا في تلك الفترات.

وعلى هذا الأساس، فإن إصرار الشهيد الصدر على ضرورة إصلاح وإحداث تحول في النظام الإداري والتنظيمي للحوزة يعود إلى عدم التناسق والتوافق بين برامج الحوزة البسيطة السابقة واحتياجات اليوم، وليس لأن الحوزة لم يكن لها تنظيم وبرنامج. كما ذكرنا سابقًا، فإن التغيرات السريعة والمذهلة في العلوم والثقافة والصناعة في عصرنا، إلى جانب توسع الحوزة ومسؤوليات الحوزات العلمية، تقتضي بطبيعة الحال أن تظهر في الحوزات تنظيمات وبرامج متوافقة مع احتياجات هذا العصر، وأن يتغير النظام الإداري السابق ويُصلح. الأعمال الثقيلة التي تقوم بها الحوزات اليوم لا يمكن إنجازها بالتنظيمات البسيطة والمبدئية، ومن الواضح أن ذلك يتطلب تخطيطًا أدق وتنظيمًا أقوى.

يفكر الشهيد الصدر في الحكم الإسلامي ويعتبر تأسيسه ضروريًا لحضارة البشر، ومن الواضح أن هذا الأمر لن يتحقق دون إصلاح الحوزة والتخطيط الشامل وتربية وتنقية الأشخاص الذين يستطيعون أن يؤسسوا هذا البناء المقدس:

(… الحكم الإسلامي ليس فقط ضرورة دينية، بل هو أيضًا ضرورة للحضارة؛ لأنه الطريق الوحيد الذي يمكنه أن يزهر قدرات الإنسان في العالم الإسلامي ويرتقي به إلى مكانته الطبيعية التي هي قاعدة الحضارة الإنسانية السامية، ويخلصه من التشتت والتخلف والدمار المتعدد الألوان الذي يعاني منه.)

في نظر الشهيد الصدر، بما أن تأسيس مثل هذا الحكم يقوم على ولاية الفقيه المطلقة في عصر الغيبة، فإن تحقيقه المادي لا ينبغي أن يتم إلا بمساعدة شاملة من علماء الإسلام والدين. ومن الطبيعي أن يتم التهيئة اللازمة لهذا الأمر في الحوزات العلمية، وأن يتم تربية القوى المؤهلة في مختلف المجالات، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الحوزات تتمتع بنظام إداري قوي ومنظم ومتوافق مع احتياجات العصر. اهتمام الشهيد الصدر بتربية الطلاب الشباب وبناء الكوادر للبحث والدعوة… وكذلك جهوده لتعميق وتوجيه وعيهم السياسي والاجتماعي تأتي في هذا السياق.

لقد أدرك جيدًا أن إصلاح الهيكل الإداري للحوزة، وخاصة حوزة النجف بخصوصيتها، لا يمكن أن يتم بطريقة ثورية، بل يجب أن يتم تدريجيًا، مع تربية القوى الشابة وإدخال الأفكار الجديدة إلى الحوزة وطرح مشاكل العالم الإسلامي في جلسات الدرس والنقاش لتوفير الأساس اللازم.

لم يقدم الشهيد صدر خطة واضحة لإصلاح نظام الحوزة، لكنه أولى اهتمامه لمؤسسة المرجعية وقدم خطة دقيقة لتمكينها وجعلها فعالة، مؤكدًا على التنسيق بين الحوزات العلمية الصغيرة والكبيرة في هذا السياق؛ لأن إحداث تحول في تنظيم الحوزة والتخطيط لها دون مراعاة مؤسسة المرجعية وكذلك الترابط بين الحوزات أمر غير ممكن. لذلك، سنناقش هذين الأمرين من وجهة نظر الشهيد صدر في إطار إصلاح نظام الحوزة:

أ. نظرية المرجعية

مكانة المرجعية العالية في الحوزات العلمية ليست خافية على أحد، فالمرجع التقليد، بالإضافة إلى مقام الفتوى والرد على استفتاءات الناس، يتولى إدارة الحوزات وتوجيه وتربية الطلاب. كما أن جمع الأموال الشرعية وإنفاقها في الحوزات العلمية يوضح هذا الأمر؛ لذلك، كان الشهيد صدر يؤكد على ضرورة الحفاظ على مكانة المرجعية في الحوزات، وكان يعتقد بوجوب وضع نظام دقيق لها حتى تتحول هذه الرئاسة التقليدية الشكلية إلى تنظيم منظم.

من الواضح أن المرجع التقليد الذي يتولى قيادة الشيعة ورئاسة الحوزة، ويشمل نطاق عمله الحوزة والمجتمع، لا يمكنه بمفرده وبدون تخطيط صحيح ووجود تنظيم منظم أن يؤدي مهامه على نحو جيد. لذلك، كان الشهيد صدر يعتقد أنه من أجل جعل مؤسسة المرجعية فعالة والوصول إلى نظام إداري صحيح للحوزة، يجب إصلاح مؤسسة المرجعية.

وعلى هذا الأساس، ومن أجل توضيح هذه المسألة بشكل صحيح في الحوزة وتوفير الظروف لتحقيق إصلاح الحوزة، قام الشهيد صدر في سنوات 1390 ـ 1393هـ.ق بعمل ابتكاري، حيث بدأ درسًا بعنوان (مسألة المرجعية) لمجموعة من تلامذته، ودرسها بحثًا وتحقيقًا لأسابيع، مع إيلاء اهتمام ودراسة جوانبها المختلفة.

في بداية هذا النقاش، كلف الشهيد صدر أحد تلامذته بتدوين كل ما يُطرح في هذه الجلسات، وقد نفذ التلميذ هذا التكليف بناءً على طلب الأستاذ، وبعد انتهاء الدورة قدم ملاحظاته إلى الأستاذ. ثم أعاد الأستاذ تحرير جزء من هذه الملاحظات وصاغها وحررها بشكل جديد وقدمها تحت عنوان (نظرية المرجعية).

في هذه الخطة، يذكر الشهيد صدر، إلى جانب تعداد الأهداف والمسؤوليات لمؤسسة المرجعية الشيعية، التنظيمات والبرامج اللازمة والضرورية لتحقيق كل منها.

في هذا الصدد، يكتب أحد تلامذة الشهيد صدر:

(كان الشهيد صدر يسعى لتنظيم الحوزة العلمية في النجف لأن هذه الحوزة كانت مركز إشعاع إسلامي في منطقة واسعة من العالم الإسلامي. لذا، كان تنظيم هذه الحوزة وتوجيهها نحو الجهاد والمقاومة أمرًا في غاية الأهمية. وقد تم هذا العمل بشكل مباشر وغير مباشر على يد الشهيد صدر.

وضع نظرية موضوعية للمرجعية تخطط لأن تكون للمرجعية أجهزة كاملة تبقى قائمة حتى بعد وفاة المرجع الذي أسسها. وقد تم تطبيق هذه النظرية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني وبموافقته في الحوزة العلمية.

بالإضافة إلى ذلك، بذل الشهيد صدر جهوده في تربية أشخاص واعين وذوي علم للمشاركة في تنظيم الحوزة العلمية وتوجيهها نحو الجهاد والمقاومة.)

لذلك، فإن تنظيم الهيكل الإداري للحوزات العلمية مرتبط بالاهتمام بمسألة المرجعية.

في هذا السياق، كان الشهيد صدر على اتصال مستمر مع مراجع التقليد في الحوزة العلمية في النجف. وكان يسعى إلى تنظيم الحوزة من خلالهم، وخاصة آية الله السيد محسن الحكيم.

يقول السيد محمد باقر الحكيم، ابن آية الله الحكيم، في هذا الصدد:

(كان الهدف الرئيسي للشهيد صدر في الموقف الذي اختاره هو دفع المراجع نحو الجهاد والمقاومة وتنظيم الحوزة العلمية. وكان وعي المرحوم آية الله الحكيم وتخطيط آية الله الشهيد صدر لهما دور مهم في رفع مستوى الحوزة العلمية في النجف قبل وقوع انقلاب 17 تموز 1968 [1388هـ.ق.]. وكان هذا الانقلاب، الذي استولى فيه البعثيون على الحكم، يهدف بشكل رئيسي إلى تدمير الحوزة العلمية في النجف الأشرف وما حققته من إنجازات بقيادة المرجع آية الله الحكيم وتخطيط آية الله الشهيد صدر.)

ب. الحوزات المنسقة

كانت الحوزات العلمية الصغيرة والكبيرة عبر التاريخ تسعى لهدف واحد وتتبع طريقة واحدة في تربية الطلاب وإدارة نفسها، لكن لم يكن هناك أبدًا برامج منسقة أو فكرة واحدة تحكم جميعها، بل كانت إدارة كل حوزة وتنظيمها وهيكلها التنظيمي تعتمد على ذوق ورأي العالم الكبير أو العلماء في تلك المدينة. لذلك، في العلاقة بين مديري هذه الحوزات والطلاب، لم تكن هناك برامج موحدة ومنسقة فيما يتعلق بكيفية دفع المخصصات، وإدارة المدرسة، والمناهج الدراسية، وأنماط الاختبارات والقبول، والدروس الجانبية، وغيرها.

في إطار الخطط والبرامج الجديدة والأهداف السامية التي كان الشهيد صدر يضعها لإصلاح هيكل إدارة الحوزات، كان يؤمن بأن تنظيم الحوزات الكبيرة يجب أن يكون بحيث يكون هناك ترابط وتنسيق دقيق بينها وبين الحوزات الصغيرة؛ لأن جميعها تشكل مجموعة واحدة ويجب أن يسود برنامج موحد في جميع الأقسام وعلى الجميع.

في الحقيقة، تقع على عاتق الحوزات الكبيرة مسؤولية تغطية جميع الحوزات الصغيرة من خلال تنفيذ برنامج شامل. ومن الواضح أن تنفيذ مثل هذا البرنامج، بالإضافة إلى تمكين الحوزات الصغيرة من مزايا الحوزات الكبيرة، يمنع هدر القوى وتآكل القدرات، ويزيد من إنتاجية مراكز العلوم الدينية.

إصلاح النظام التعليمي

للتعليم في الحوزات أهمية ومكانة خاصة.

لقد أولى الإصلاحيون أكبر قدر من الاهتمام لهذا القسم. كانت جهودهم، سواء قبل أو بعد انتصار الثورة الإسلامية، موجهة نحو تنظيم هذا القسم. ومن آثار وكتب الشهيد الصدر يتضح بجلاء أن نظام التعليم وطرق التعلم السائدة في الحوزات الدراسية، والمواد والكتب الدراسية، وطرق الامتحان، وغيرها كانت تحتل مكانة ذات أهمية قصوى في نظره.

كان الشهيد الصدر يرى برنامج التعليم في الحوزات من زوايا متعددة غير مكتمل وغير كافٍ، وكان يعتقد أنه يجب تغيير هذا القسم كليًا، وكتابة مناهج دراسية جديدة وشاملة في جميع فروع العلوم الإسلامية، وفي الوقت نفسه استخدام أدوات تعليمية جديدة:

(كان يتمنى أن يكون قسم التعليم في الحوزات العلمية منظماً بشكل جيد، وأن يكون وقت التعليم وساعات الدروس محددة. وأن يكون الأساتذة وطلاب العلم منظمين وملتزمين بالأوقات المحددة. وأن تتم الدروس والامتحانات وإبلاغ النتائج وفقاً لأساليب المراكز العلمية الحديثة، حتى لا يهدر الطلاب بسبب عدم التنظيم، ولا يكونوا تائهين وبدون تكليف، ولا يتصرفوا بلا نظام وبرنامج بناءً على أهوائهم وميولهم، حتى لا تمر أوقات حياتهم عبثًا ويهدروا.)

كان أصل وجوب إحداث تغيير في نظام التعليم في الحوزات العلمية يُذكر من قبل أشخاص آخرين غير الشهيد الصدر، وأحيانًا كانت تُطرح وجهات نظر وبرامج لتحسينه. وما هو مهم وذو أهمية أن الشهيد الصدر لم يكتفِ بإبداء الرأي والنقد ورفض الأساليب التعليمية القائمة، بل قام بأعمال عملية في هذا المجال.

لقد درّس العلوم الحوزوية: الفقه، الأصول، الفلسفة، الاقتصاد، التفسير، وغيرها بأسلوب جديد وبناءً على خططه التعليمية الخاصة، وأثبت عمليًا صحة وكفاءة ما قاله. فقد كتب ودرّس دورة في الأصول. وكتب ودرّس الفلسفة والاقتصاد بأسلوب ومنهج جديد، وطرح أفكار الماديين في الفلسفة والاقتصاد، وأظهر بقوة بطلانها وضعفها، وبنى على أنقاض وجهات النظر الإلحادية لديهم صرحًا شامخًا للاقتصاد والفلسفة الإسلامية.

أحدث تغييرًا في أسلوب كتابة الرسائل وتقديم الآراء والفتاوى، وقدم رسالته العملية بأسلوب جديد بعنوان (الفتاوى الواضحة) للمؤمنين وطالبي الله. وما إن شعر بتهيئة الأجواء لإظهار أهمية تعليم القرآن والتفسير، ترك دروس الفقه والأصول واستبدلها بدروس التفسير.

أوصى الشهيد الصدر لتطوير مواهب الحوزويين وتنشيط العلوم الأخرى في الحوزة أن يتخصص كل من تلاميذه في فرع معين من العلوم الإسلامية في التدريس والبحث، وألا يقتصروا على العلوم السائدة والفروع التقليدية كالفقه والأصول فقط.

وبهذه الخطوة الحكيمة والدقيقة أوجد أساسًا يمكن من خلاله أن تواكب الحوزة، إلى جانب الدروس الرئيسية، علومًا مثل: التفسير، الحديث، الفلسفة، التاريخ، الكلام، الأخلاق، السياسة، وغيرها، وتمكنت من تخريج متخصصين وأصحاب رأي. وطبق التلاميذ توجيهات أستاذهم، فكرس كل منهم جهوده لإكمال معارفه في أحد هذه الفروع، ولكن للأسف، حالت الحركة العنيفة للحكام المستبدين والدمويين في العراق دون نمو هذه الشجرة الناشئة، وبقي هذا العمل العظيم ناقصًا، ووقعت حوزة النجف في دوامة المصائب وتفككت نسيجها.

في هذا القسم من الكتابة، لإلقاء نظرة أعمق على وجهات نظر الشهيد الصدر الإصلاحية في المجال التعليمي، نلقي الضوء عليها:

الأصول

قيل الكثير عن كتب دروس علم الأصول التي كانت ولا تزال شائعة في الحوزات العلمية. بغض النظر عن العيوب الكثيرة والنواقص مثل تعقيد العبارات، وجود بعض المواضيع الزائدة، قدم أسلوب الكتابة، وغيرها، والتي نوقشت مرارًا في هذا المجلة وأماكن أخرى، لا شك أن كتبًا مثل: معالم الأصول للشيخ حسن بن الشهيد، فواعد الأصول للشيخ الأنصاري، كفاية الأصول للآخوند الخراساني، التي تُدرس تباعًا في الحوزات العلمية، لم تُكتب أبدًا ككتب دراسية، بل هي في الغالب إعادة كتابة لمحاضرات دروس الخارج لمؤلفيها، وترجع إلى سنوات طويلة مضت. وهذه نقطة لا يمكن الدفاع عنها بأي حال من الأحوال.

في زمن تتغير فيه العلوم المختلفة بسرعة، وتحدث فيها تغييرات جوهرية عامًا بعد عام، ويقدم الخبراء والعلماء وجهات نظر جديدة في كل منها، ويناقشونها من أجل الدقة والكفاءة، ويشهدون تسارعًا وتغيرًا مذهلاً، فإن الإصرار على تثبيت النصوص التعليمية في الحوزة أمر غير لائق للغاية وانسحاب من حضارة الإنسان. ومن الواضح أن نقص وعدم ملاءمة هذه الكتب وغيرها كنصوص دراسية لا يعني أبدًا قلة أهميتها أو قيمتها. فكتب مثل كفاية الأصول والرسائل هي نتاج أفكار علماء بارزين في عصرهم، ولا تزال تحتفظ بمكانتها بعد مرور سنوات طويلة، وقد بلغ مئات الفقهاء والأصوليين البارزين مقام الاجتهاد العالي باستخدام هذه الكتب.

في زمن كان كتاب الرياضيات للشيخ بهائي وقانون الشيخ الرئيس من أحدث وأهم إنجازات البشرية في مجال الرياضيات والطب، لم يعد بالإمكان اعتبارهما في الوقت الحاضر من الكتب الرائدة. فلا يمكن اعتبارهما الآن كتبًا دراسية وتعليمية في علم الرياضيات أو الطب. وينطبق الأمر نفسه على كتب تعليم علم الأصول مثل: كفاية الأصول، الرسائل، وغيرها.

علاوة على ذلك، في الأنظمة التعليمية المتقدمة يجب أن تُنظَّم الكتب والنصوص التعليمية لكل علم بحيث يُكمل كل منها الآخر، بينما في كتب دروس أصول الفقه في الحوزات العلمية لا تتوفر هذه الصفة المهمة، بل إن كل كتاب منها ينتقد ويرفض الآخر! على سبيل المثال: كتاب معالم الأصول، وهو أول كتاب يُدرَّس في علم الأصول، كُتب في القرن العاشر الهجري، والقوانين التي كُتبت بعده بقرنين، أي في القرن الثاني عشر، تحتوي بطبيعة الحال على آراء أحدث، وتنتقد كثيرًا من وجهات نظر صاحب معالم، ومع ذلك يُدرَّس في المرحلة الثانية بعد معالم. في المرحلة الثالثة يُدرَّس فرائد الأصول للشيخ الأنصاري، الذي تناول مسائل الأصول بعد نحو قرن من الزمن وبمنهجية أحدث. وفي المرحلة الأخيرة يُدرَّس علم الأصول في كتاب كفاية الأصول، الذي كُتب بفاصل زمني قصير بعد رسائل، وهو في الحقيقة خلاصة دروس خارج الأصول للآخوند الخراساني. وكفاية الأصول في الواقع هو حواشي الآخوند على آراء الشيخ الأنصاري في رسائل.

من وجهة نظر الشهيد الصدر، وضع تعليم الأصول في الحوزات العلمية غير منظم. فالطلاب في كل مرحلة يتعلمون آراء تُرفض في المرحلة الأعلى:

(كان [الشهيد الصدر] يعتقد بشأن كتب الدروس: من معالم إلى كفاية يجب أن تتغير، وكان يقول:

إذا ألقيت نظرة على العلوم الأخرى مثل الرياضيات النظرية، وقارنت الرياضيات اليوم بالرياضيات عند الشيخ بهائي، فلا يمكن مقارنتهما إطلاقًا. لا معنى لأن ندرس اليوم كتاب الشيخ بهائي، وفي العام التالي نرفض آرائه، ثم نرفضها مرة أخرى في المراحل الأعلى ونطرح آراء جديدة. هذا الأسلوب غير موجود في أي من العلوم المعروفة. أما في الحوزات العلمية، فيُدرَّس أولًا معالم، وبعد عدة سنوات تُطرح نقائص آرائه، ثم تُعرض آراء الشيخ الأنصاري على الطلاب، وبعد سنوات أخرى تُنتقد آراءه ويُعرض رأي صاحب كفاية، ثم في مرحلة درس الخارج تُرفض أقوال صاحب كفاية وتُطرح آراء الفقهاء المتأخرين. ما هذا الأسلوب؟ كان [الشهيد الصدر] يعتقد أنه يجب في كل زمان إعداد وتدوين آخر الآراء في المستويات المختلفة: التمهيدية والمتوسطة والعليا، وتوفيرها للطلاب. وبعد عشرين أو ثلاثين سنة، إذا تغيرت الآراء، يجب تأليف كتب جديدة؛ ولهذا شرع بنفسه في تأليف الحلقات الثلاث. وكان دائمًا يقول: لا ينبغي أن تُستثنى المناقشات الفقهية والأصولية من هذا القاعدة.

كان الشهيد الصدر يستند إلى هذه المسألة ليؤكد على ضرورة استبدال كتب دروس الأصول، وكان يعتقد أنه إذا اقتضى ذلك تغييرات جذرية في الحوزة، فلا بد من القيام بذلك وتغيير النصوص التعليمية في الأصول.

هذه المسألة، أن تُراجع كتب الدروس باستمرار وتُضمَّن فيها الأساليب والآراء الجديدة، هي مسألة منطقية ومتوافقة مع المعايير العلمية. في العصر الحاضر، تقريبًا في جميع المراكز العلمية في العالم وعلى مختلف المستويات التعليمية، يُولَى هذا الأمر اهتمامًا كبيرًا، ويُشكَّل باستمرار فريق من كبار المختصين في كل علم لمراجعة النصوص التعليمية الخاصة به، وكل عدة سنوات يتم تغييرها بالكامل.

لا شك أن الحوزات العلمية الدينية لا يمكن ولا ينبغي أن تُستثنى من هذه القاعدة العامة. في نظام التعليم في الحوزات، مثل هذه الدقة والمراجعات ضرورية بلا شك، ولها تأثير كبير على إنتاجية الحوزة.

من المدهش جدًا أن كتبًا مثل: (كفاية الأصول) و(فرائد الأصول)، التي حتى من وجهة نظر مؤلفيها في عصرها كانت تحتاج إلى تنقيح ومراجعة لتكون مناسبة للنص التعليمي، وبعد مرور نحو قرن من الزمن لا تزال تُستخدم بنفس صورتها الأولى من قبل الطلاب.

عندما رأى الشيخ الأنصاري أن (رسائل) من المقرر أن يكون كتابًا دراسيًا في الحوزة العلمية وأن الحوزويين يتوجهون إليه، طلب من ميرزا الشيرازي أن يدرسه وينقحه ويجعله مناسبًا للتعليم.

يروي الشيخ آقا الكبير الطهراني عن السيد صدر الدين صدر أن ميرزا الشيرازي أراه آراءه وحواشيه على بحوث الشيخ الأنصاري التي تحتها ردود الشيخ أيضًا، وقال له:

(طلب مني السيد الشيخ مرتضى في أواخر حياته أن أعيد النظر في كتابه (رسائل) وأن أنقحه. وعلى الرغم من أنه كرر ذلك عدة مرات، إلا أنني رفضت احترامًا للأستاذ.)

وهذه الأقوال مماثلة لما ذكره السيد محسن أمين:

(… لكن مؤلفاته بحاجة إلى تنقيح وتعديل كثير، خصوصًا رسائله التي تُدرس في الأصول، ففيها اختصار في مواضع مع ضرورة التفصيل، وفي مواضع أخرى تفصيل زائد مثل دليل الانسداد مع ضرورة الاختصار، وما قيل إنه لا يجوز إخراج شيء إلا بعد إعادة النظر والتنقيح، هذا صحيح، لكن متى يتسنى الوقت لهذا المحبوب مع أن معظم مطالبه مبتكرة…)

لكن كتابات الشيخ تحتاج إلى تنقيح وتعديل كبير، خاصة وأن تعليم علم الأصول في الحوزات يتمحور حول كتاب (رسائل) الذي فيه بعض المسائل ناقشت بشكل مختصر رغم الحاجة إلى شرح، وبعضها الآخر، مثل دليل الانسداد، جاء مفصلًا.

وقيل إن الشيخ الأنصاري لم يكن يرغب أبدًا في أن يُستخدم شيء من هذا الكتاب قبل مراجعته وتنقيحه، وهذا صحيح، لكن أين كان يجد الوقت لذلك مع أن معظم مواده مبتكرة.

يؤكد السيد محسن أمين أن تنقيح وإزالة النواقص وتجهيز الكتب التعليمية مثل رسائل لا يمكن أن يتم على يد فرد واحد، بل يتطلب عملًا جماعيًا وفريقيًا. للأسف، لم يقم العلماء اللاحقون بعد زمن الشيخ، الذين كان بإمكانهم تخصيص الوقت لتنقيح وإزالة النواقص وتنظيم الكتاب، بهذا العمل، وفضلوا كتابة مؤلفات تحمل أسمائهم على ذلك.

مجموعةٌ، لاعتقادها بأن الفهم الاجتهادي للأصول لا يتحقق إلا من خلال تعلم كتابي الكفاية والرسائل، أصرّت على بقاء النصوص التعليمية كما هي. هؤلاء يشرحون حتى المسائل غير المهمة وأحيانًا غير الضرورية التي تناولتها كتب مثل: الكفاية والرسائل بشكل مفرط، مع أن القول بعدم فائدة هذه المسائل قد يكون مبالغًا فيه، إلا أن الكثير من الإطالات والشروحات لا تقدم سوى إضاعة الوقت.

يشير قائد الثورة الإسلامية في بداية درس الخارج إلى هذه النقطة قائلاً:

(لا يمكن القول: (ثلاثة ليس لها نهاية: الرسائل والمكاسب والكفاية) لم يكن هناك يومًا رسائل، ولم يكن هناك يومًا مكاسب، ولكن نشأ ملا مثل الشيخ. لم يكن هناك يومًا كفاية، ولكن نشأ ملا مثل الآخوند. لا تظنوا أنه من الضروري السير عبر هذه الكتب، يجب أن نكتشف عيوب هذه الكتب ونضع كتابًا خاليًا من العيوب بين أيدي الطلاب.)

بعضهم يشبه الكتب الدراسية في الحوزة بأوعية نحاسية متينة قديمة، ويرى أن أي تغيير في هذه الكتب لا يعدو كونه تحويل الأوعية المعدنية المتينة إلى أوعية بلاستيكية، لكن يجب أن ننتبه إلى أن المقصود من إصلاح النصوص التعليمية في الحوزة ليس تحويلها إلى نصوص ضعيفة وهشة وغير دائمة، بل المقصود هو أنه اليوم يُصنع من نفس النحاس والفولاذ صفائح رقيقة كالورق، وأوعية وأدوات تتميز بجمالها وخفتها ورقتها، وفي الوقت نفسه متينة وقوية. باستخدام أفكار الشيخ في الرسائل والآخوند في الكفاية، وكذلك أفكار عشرات العلماء والأصوليين البارزين الذين جاءوا بعدهم، ومع مراعاة الجوانب المختلفة، يتم إعداد نصوص تعليمية مناسبة.

كان الشهيد الصدر قد أدرك هذه الحقيقة منذ أولى دورات تدريس الرسائل والكفاية، بل منذ فترة تعلمهما، وكان في مناسبات مختلفة ينبه إلى نقائص وعيوب الكتب التعليمية الأصولية في الحوزات، ويُظهر لطلابه النقاشات الزائدة وغير الضرورية التي أدت إلى تضخم علم الأصول. ثم، بناءً على هذه الرؤى والتجارب التي اكتسبها أثناء التدريس، كتب “المعالم الجديدة” و”دروس في علم الأصول” للتدريس في الحوزات.

يشير في مقدمة كتابه الأخير إلى العديد من الصعوبات والتعقيدات في كتب علم الأصول الدراسية.

قرر السيد عبد الغني أردبيلي، من فضلاء حوزة النجف وواحد من تلاميذ الشهيد الصدر البارزين، أن يطبق وجهات نظر الأستاذ في طريقة تعليم علم الأصول، وأن يؤسس حوزة نموذجية على أساس أفكاره. لذلك، بعد نحو عشرين عامًا من التعلم من الصدر والبحث والتدريس في حوزة النجف، عاد إلى مسقط رأسه في مدينة أردبيل وأعدّ مقدمات تأسيس مدرسة كهذه.

طلب من الشهيد الصدر أن يجمع مباحث الأصول بأسلوبه الذي يراه في مجموعة تعليمية ليضمها إلى المنهج الدراسي في المدرسة الجديدة التي أسسها في أردبيل. متابعة السيد عبد الغني ومكانته عند الشهيد الصدر دفعته لقبول طلبه والبدء في تأليف كتاب شامل وخالٍ من نقائص الكتب السابقة في علم الأصول، وأنهى تأليفه في وقت قصير.

يكتب الشهيد الصدر في مقدمة (دروس في علم الأصول) مع ذكر هذا الموضوع وإهداء الكتاب إلى هذا التلميذ الفذ والوفي الذي كان قد انتقل إلى رحمة الله في ذلك الوقت:

(لقد كان له [السيد عبد الغني أردبيلي] قدّس الله روحه الطاهرة دورًا بالغ الأثر في تحفيزي على كتابته وإخراجه في أسرع وقت، وكان نفسه الكبيرة وشبابه الطاهر الذي لم يعرف مللاً ولا كللاً في خدمة الله والحق، الطاقة التي أمرتني وأنا في شبه شيخوخة متهدمة الجوانب بالعزيمة على أن أنجز جل هذه الحلقات في شهرين من الزمن، وكان يحثني باستمرار على الإسراع لكي يدشن تدريسها في حوزته الفتية التي أنشأها بنفسه وغذاها من روحه ومن مواطن آبائه الكرام، وخطط لكي تكون حوزة نموذجية في دراستها وكل جوانبها الخلقية والروحية…)

هو [السيد عبد الغني أردبيلي]، الذي قدّس الله روحه الطاهرة، بذل جهدًا كبيرًا في تشجيعي وحثي على كتابة هذا الكتاب في وقت قصير جدًا. روحه الكبيرة وشبابه الطاهر، الذي لم يعرف التعب أو الإحباط في خدمة الله والحق، ساعدني، وأنا في أواخر شبابي وقواي تضعف، على إعداد هذه الدورة في علم الأصول خلال شهرين فقط.

كان يحثني على الإسراع في هذا العمل لأنه أراد أن يستخدمه لأول مرة في المدرسة الجديدة التي أسسها بنفسه، والتي غذّاها من روحه ومن أجداده الكرام، ليجعلها حوزة نموذجية من حيث الدراسة وجوانبها المختلفة الروحية والأخلاقية.)

أحبط الموت المبكر للسيد عبد الغني تحقيق أهدافه السامية والمقدسة. لم تتح له الفرصة لتطبيق آرائه وأمانيه وتعليم علم الأصول للطلاب باستخدام (دروس في علم الأصول) للشهيد الصدر.

بالطبع، بذل الشهيد الصدر جهوده التي أثمرت، واستخدم كتابه في حوزة النجف ثم قم ومدن أخرى ككتاب دراسي، وقد أثني كبار أساتذة الحوزة مرارًا على ترتيب الكتاب وتنظيمه وجماله الفريد. رغم ذلك، لم تسمح الظروف السائدة في الحوزات وبعض الأشخاص الذين أصروا على تدريس نفس الكتب القديمة وبنفس الطرق السابقة، لهذا العمل القيم أن يحظى بالمكانة اللازمة وينتشر بشكل جدي وشامل في الحوزات.

تعليم الفقه

كان للشهيد الصدر في مجال تعليم الفقه آراء مشابهة إلى حد ما لآرائه في علم الأصول.

وقد تحدث مرارًا عن نقائص كتب الفقه الدراسية.

علاوة على ذلك، في مجال كتابة الرسائل وتعليم الأحكام الفقهية للناس، لم يرَ الطريقة السائدة مثالية أو خالية من النقص؛ ولهذا نشر آرائه وفتاواه الفقهية في رسالة بعنوان: (الفتاوى الواضحة) بأسلوب جديد وطريقة مبتكرة. وقد لقي نشر هذا العمل القيم في حوزة النجف ترحيبًا من قبل أصحاب الرأي، واعتبره من وجهة نظرهم الذين يطمحون إلى تغيير في النظام التعليمي للحوزة خطوة مهمة في هذا الاتجاه.

إلى جانب التغييرات المهمة في التقسيم الفقهي وتنظيمها وتزيينها بأسلوب مبتكر{{C7}} في هذا الكتاب، قام الشهيد الصدر بإصلاحين مهمين أيضًا:

1. ما قدمه في مجال الأصول العقائدية تحت عناوين مثل: (المرسل) و(الرسالة) و(الرسول) بعبارات سلسة واستدلالات عميقة وثابتة وبسيطة ومناسبة لفهم المقلدين.

2. قبل الخوض في توضيح الأحكام، قدم شروحًا مفيدة حول الاجتهاد والتقليد وواجب المكلفين والمسائل التي يحتاجها المقلدون.

في نظر الشهيد الصدر، إن تعليم الفقه، لا سيما أقسام العقود والإيقاعات والنقاشات الحقوقية فيه، بدون الوعي بالنقاشات الحقوقية في المدارس الغربية المعاصرة، لا يكون ذا جدوى كبيرة. وبناءً على ذلك، كان يؤمن بأن (فقه العقود) و(فقه المعاملات) بحاجة إلى نقاش فقهي مقارن، بحيث يتم من جهة إبراز تميز الفقه الإسلامي على الحقوق الغربية بشكل صحيح، ومن جهة أخرى يتم الإجابة على الأسئلة المعاصرة. ووفقًا لبعض تلاميذ الشهيد الصدر، كان المرحوم يصر على ضرورة تحقيق هذا الأمر إلى حد أنه عندما رأى أن شيئًا لم يُنجز في حوزة النجف في هذا الصدد، شرع في تأليف كتاب في فقه المعاملات بنفسه.

علاوة على ذلك، شرح العديد من المصطلحات الفقهية التي لا مفر من استخدامها في الرسالة والتي قد يصعب فهمها على بعض المقلدين، وبيّن في بداية كل قسم المقصود من تلك المصطلحات في جمل قصيرة، وحاول أن يكون أسلوبه نثريًا سلسًا وجميلاً وراسخًا.

الأدب والمنطق…

رغم أن الفقه والأصول هما الأساس في النظام التعليمي للحوزات، إلا أن هناك علومًا أخرى تُدرس كمقدمات مثل الأدب والمنطق، أو دروسًا جانبية مثل: التفسير، والحديث، والرجال، والدراية، وغيرها إلى جانب الفقه والأصول.

ومن الواضح أن معايير ضرورة إصلاح النصوص التعليمية وتبني أساليب جديدة في التدريس تنطبق أيضًا على هذه العلوم. ورغم أن الشهيد الصدر لم يتناول كل هذه العلوم والجوانب التعليمية بشكل منفرد، إلا أنه يمكن الاستفادة من آرائه العامة حول إصلاح البرامج التعليمية في الحوزة والنواقص التي أشار إليها في نصوص الأصول، حيث يرى ضرورة مراجعة جديدة في النصوص التعليمية لجميع العلوم السائدة في الحوزة. فعلى سبيل المثال، الكتب التي تُدرس حاليًا في الحوزات في الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان هي نفسها الكتب القديمة، مع أن الرسائل المجموعة في جامع المقدمات، البهجة المرضية، مغني اللبيب، مختصر الحاشية، وغيرها، بالإضافة إلى تعقيد العبارات، تفتقر إلى الخصائص والكفاءات التي يجب أن تتوفر في النص الدراسي.

العلوم مثل التفسير، والحديث، والرجال، والدراية، والفلسفة، والفلك، والهيئة، والرياضيات، التي ليست شائعة جدًا في الحوزات المعاصرة، تخضع جميعها لهذا القاعدة. وإذا ما أُجريت مراجعة جادة في النصوص التعليمية لهذه العلوم، سيتضح أن العديد من نقاشاتها الآن زائدة، وأنها متأخرة أميالًا عن التقدم الذي حققته كل من هذه العلوم.

والأهم من ذلك، في النظام التعليمي الحالي للحوزات الدينية، فإن مكانة وترتيب تعليم كل من هذه العلوم التمهيدية والجانبية، وكذلك مقدار ما يجب دراسته منها، وضرورة أو عدم ضرورة تعلمها جميعًا أو بعضها لجميع الطلاب، ليست واضحة تمامًا، ولا يمكن إلا لنظام دقيق ومنظم أن يولي اهتمامًا كافيًا لكل هذه الجوانب.

اليوم، هناك علوم إذا لم تولِها الحوزة اهتمامًا، فإنها ستُبعدها عن دائرة المعرفة العالمية، ولن يفهم لغتها الناس في هذا العصر، لا سيما الذين درسوا في هذه المجالات، أو لن يتمكن دعاة الدين من نقل رسالتهم بشكل صحيح. مثل: علم الاجتماع، وعلم النفس، والاقتصاد، واللغات الأجنبية، والمدارس الفكرية المختلفة، وغيرها.

كتب الشهيد الصدر مثل منطق الأسس المنطقية للاستقراء، وفلسفة فلسفتنا، واقتصاد اقتصادنا، وغيرها، مستفيدًا من العلوم الحديثة وبأسلوب جديد، ومقارنًا آراء العلماء الغربيين المعاصرين. ورغم أن هذه الكتب لم تُكتب كنصوص تعليمية، إلا أنه يمكن فهم وجهات نظر هذا العالم الفذ حول النصوص التعليمية لهذه العلوم في الحوزة، ومدى الفجوة بين الوضع الحالي والوضع المرغوب.

أسلوب البحوث الجماعية

لطالما كان البحث في العلوم الإسلامية المختلفة أمرًا شائعًا في الحوزات، لكن بسبب عدم توفر المكتبات العامة، وعدم وجود الوسائل والأدوات البحثية اللازمة، لم تكن معظم هذه البحوث جماعية، بل كانت فردية في الغالب، مع الاعتماد على القدرات الشخصية المحدودة. ولهذا، في الفترات التي كان فيها بعض علماء الدين قريبين من مراكز السلطة والحكم، لجأوا إلى العمل الجماعي، كما فعل العلامة المجلسي في عهد الصفويين حين أتم تأليف وتحرير موسوعة بحار الأنوار.

إلى جانب العلامة المجلسي، قام آخرون بأعمال جماعية، ومع ذلك لم تكن البحوث الجماعية في الحوزات السابقة أمرًا شائعًا ومنتشرًا، وكان العمل يدور حول الجهود والبحوث الفردية. وبلا شك، فإن نتائج البحوث الفردية، مهما كان المحقق بارعًا وقويًا، لا تصل أبدًا إلى مستوى البحوث الجماعية، ولا يمكن مقارنتها من حيث الدقة والنضج بالعمل الجماعي.

وبناءً على هذه النقطة، كان الشهيد الصدر يرى أن هذا الجانب من النظام التعليمي في الحوزة بحاجة إلى تغيير أيضًا، ولم يكن يعتقد أن الأساليب السائدة في البحث كافية لتحقيق الأهداف المرجوة.

وكان يعتقد أن البحث في الحوزات العلمية يجب أن يتم بشكل جماعي، وهذا لا يتأتى إلا إذا أسس إدارة الحوزة نظامًا شاملاً وفعالًا للتعليم، وبوضع خطة متماسكة ودقيقة لاختيار الأشخاص الأكفاء من بين طلاب الحوزة، وتنسيق التعاون اللازم بين الباحثين، وتوفير الأدوات والوسائل اللازمة للعمل، وتنظيم المكتبات العامة من جميع النواحي، وإتاحة الكتب والدوريات والمعلومات العلمية الحديثة، وكذلك الأساليب الجديدة للعمل للباحثين، مع الإشراف الكامل على تلك المراكز وتوجيهها.

وكان الشهيد الصدر في هذا المجال، كما في قسم تعليم الأصول، هو المبادر بنفسه، حيث حث جمعًا من تلاميذه على تشكيل لجان لمناقشة البحوث والمواضيع ذات الاهتمام، لا سيما المناقشات الفلسفية والاقتصادية والمسائل الفقهية والكلامية الناشئة… ليواجهوا بمعلومات غنية وأدلة قوية موجات الأفكار الإلحادية من الشرق والغرب التي كانت في ذلك الوقت تشغل ذهن وفكر كثير من الحوزويين. ويقول أحد تلاميذ ذلك العالم الجليل في هذا المجال:

(… أتذكر أنه في يوم من الأيام أمرنا أن نجلس معًا ونتابع هذه المناقشات. وكنا نحن القلة القليلة، فبدأنا النقاش بناءً على توجيهه، وفي يوم من الأيام وأثناء النقاش فوجئنا بشدة عندما حضر إلينا أثناء النقاش وقال:

كلما فكرت في أكثر الأماكن قربًا على وجه الأرض، لم أجد أفضل من هذا المكان، لذا قررت أن أشارككم في هذا الجمع.

كان بهذه الطريقة يشجعنا ويحثنا على مثل هذه المناقشات.)

إن حضور الشهيد الصدر بين العلماء، واستخدامه عبارة: (أقرب مكان على وجه الأرض) في تكريم عملهم، يدل بوضوح على مدى اهتمامه وحرصه على أهمية تعميم البحوث الجماعية في الحوزة.

وأكثر من ذلك، كان الشهيد الصدر أحيانًا يطلب رأي تلاميذه في أعماله وبحوثه. فعلى سبيل المثال، طلب الشهيد الصدر من تلميذه سيد محمد باقر الحكيم مساعدته في تنظيم وترتيب محتوى كتابيه القيم: فلسفتنا واقتصادنا.

(… أحد الأمور التي أفتخر بها هو تعاوني في كتابة كتابين: فلسفتنا واقتصادنا. كان مشاركتي كأحد تلاميذه الذين كان يصفهم دائمًا بأنهم تلاميذ أذكياء وموهوبون. كنا نقرأ هذه الكتب معًا ونتناقش حول الأفكار المطروحة وأساليب الكتابة فيها، وقد استفدت كثيرًا من هذه المسألة سواء من الناحية العلمية أو الأخلاقية والسلوكية….)

وفي إطار التأكيد على أهمية البحوث الجماعية في كيفية استيعاب وتدوين دروس الأستاذ، كان الشهيد الصدر يرى أن الطريقة المعتادة في الحوزات، التي يقوم فيها التلميذ بمفرده بتدوين درس الأستاذ، غير كافية؛ ولهذا كان يوصي تلاميذه بعدم الاكتفاء بالملاحظات الفردية، بل تشكيل حلقات وجماعات، بحيث يقوم كل يوم أحدهم بتدوين وشرح درس الأستاذ للآخرين، ويقوم الآخرون بنقده ومراجعته، ثم تُعرض نتائج النقاش على الجمع للمشاورة والتقويم.

وقد أثبت تخرج عشرات العلماء الكبار والمجتهدين البارزين في حوزة الشهيد الصدر العملية فعالية وأهمية التدوين الجماعي.

وكان في نظر الشهيد الصدر أن الحوزات العلمية يجب أن تعتمد أفضل الطرق والأساليب في التعلم والبحث، وإذا لزم الأمر تطلبت الاستعانة بمراكز تعليمية أخرى في هذا المجال. وعلى هذا الأساس، عندما رأى مقالًا للكاتب والباحث المصري المعروف عبد الفتاح عبد المقصود عن السيدة فاطمة (ع)، وجد فيه أسلوب البحث والدقة في تنظيم وترتيب المواضيع حديثًا، فبادر على الفور إلى طباعته ونشره في الحوزة العلمية في النجف.

وعلاوة على ذلك، وفر المصادر والمراجع اللازمة للأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود ليتمكن من القيام بمثل هذه البحوث المفيدة بحرية أكبر.

تحول في الثقافة العامة للحوزة

كل برنامج في المجتمع يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة ثقافية مناسبة. فكلما كانت الخطة والبرنامج جيدين وفعالين، فإنهما لن ينجحا إذا لم تكن الثقافة العامة للمجتمع مستعدة لاستقبالها وقبولها. ولا تستثنى برامج الإصلاح في الحوزة من هذه القاعدة. فتحسين الهيكل الإداري للحوزة، وتغيير أسلوب التعليم: البحث والتدريس والاختبارات الدراسية والعلمية، وأي برنامج إصلاحي آخر، يعتمد قبل كل شيء على وجود ثقافة عامة متوافقة مع تلك الإصلاحات في الحوزة.

وبما أن أساس هذه التخطيطات مبني على تحقيق الأهداف السامية للإسلام، وإرساء حكم دين الله، وإقامة النظام الإسلامي المقدس في المجتمع، فإن وعي بل وحتى انخراط الحوزويين المستمر في القضايا السياسية للعالم الإسلامي، وفي التيارات والحكومات غير الدينية، أمر لا مفر منه. ولا يمكن تحقيق الوعي والجهود السياسية والاجتماعية دون المشاركة في الميادين السياسية والاجتماعية، والاستفادة من وسائل الاتصال الجماهيري الكثيرة، والاطلاع على الحيل المختلفة لأعداء الإسلام الداخليين والخارجيين.

فضلاً عن ذلك، فإن الحفاظ على الدين، وهو الواجب الأساسي لعلماء الدين، يتطلب الاستجابة لاحتياجات المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ومواجهة الهجوم الثقافي، والرد على الشبهات الكلامية، وغيرها، وهذا كله مرهون بالوعي الكامل بهذه القضايا.

لقد أدرك الشهيد الصدر جيدًا أن أفكاره المثالية حول إصلاح الحوزة في جوانبها المختلفة، دون تمهيد الطريق وتوفير البيئة الاجتماعية والسياسية، التي تتلخص كلها في إصلاح الثقافة السائدة في الحوزة وبين الحوزويين، ستكون مهمة شاقة جدًا.

لذلك، كانت العديد من البرامج والجهود والحركات السياسية والاجتماعية للشهيد الصدر في النجف تتم في هذا السياق.

كان يسعى إلى إزالة الأفكار الخاطئة التي أدت إلى أن بعض الحوزويين يمتنعوا عن الاستفادة من وسائل الإعلام الجماهيرية والصحافة في تعريف الإسلام ونشر المعارف القرآنية، وينأوا بأنفسهم عنها، من مشهد الحوزة. وكان هدفه أن يغرس في الثقافة العامة للحوزة هذا التفكير بأن الانعزال عن المجتمع والسياسة والاغتراب عن عالم الصحافة والإعلام سيكون ضارًا، وأنه لمواجهة الأفكار والتيارات السياسية المختلفة لا سبيل إلا برفع مستوى الوعي والمعرفة والحضور في ساحة المجتمع والسياسة. في هذا الجزء من الكتابة نشير إلى جوانب من جهود الشهيد الصدر التي كانت تُبذل في هذا الاتجاه وكذلك إلى آرائه في هذا الشأن:

أ. الأصل في عدم انفصال الدين عن السياسة: إن اختلاط عمل علماء الدين بالحكم والسياسة، أو بعبارة أخرى، عدم انفصال الدين عن السياسة أمر واضح؛ لأن علماء الدين هم حراس التراث الثقافي لأهل البيت ومواصلو طريق الأئمة المعصومين (ع) في زمن الغيبة. فهم مسؤولون عن نشر وتعليم المعارف الدينية للناس، والحضور في الساحات الاجتماعية والسياسية هو من رسالتهم. بناءً على ذلك، كان الشهيد الصدر يعتقد أن الحوزات العلمية الدينية يجب أن تكون في صلب القضايا السياسية، وأن انفصال الحوزات الدينية عن السياسة لا يتوافق مع مبادئ الإسلام.

(كان هو [الشهيد الصدر] يعتقد أن الحوزة يجب أن تبدأ نضالها السياسي، وهذا هو الخط الأصيل للإسلام وخط الأئمة (ع)، ويجب علينا أن ننهض للدفاع عن الإسلام ووجوده.)

إن عالم الدين ليس من واجبه فقط أن يحمي نفسه من التلوثات ويبعد نفسه عن الأذى، بل عليه أن يحمي الآخرين أيضًا. لا يمكن للحوزة أن تبقى غير مبالية تجاه الخير والشر في المجتمع، أو وجود القيم أو ضد القيم، أو تطبيق أحكام الإسلام أو عدم تطبيقها في المجتمع، أو صلاح أو فساد الحكومات. إن رسالة الحوزة هي رسالة الأنبياء، ولم يكن أي نبي منفصلًا عن الناس أو منعزلًا عن هذه القضايا.

ومن الواضح أن التدخل في السياسة لا يأخذ شكلًا ثابتًا في كل الأوقات والظروف الاجتماعية المختلفة، بل يتفاوت حسب الظروف الزمانية والمكانية، وله صعود وهبوط وقوة وضعف. لا يمكن وصفة واحدة تنطبق على كل الأزمان والأمكنة. المهم هو أن الحوزات العلمية وعلماء الدين، وفقًا لرسالتهم، لا ينبغي أن يكونوا بعيدين عن التيارات والقضايا السياسية، وألا يكونوا غير مبالين بمصيرهم ومصير المجتمع الذي يعيشون فيه والدولة التي تحكمهم والدول الإسلامية الأخرى. في القرن الماضي، حتى انتفاضة الإمام الخميني الحماسية ضد نظام الظلم والإمبريالية العالمية، كان الوعي السياسي في الحوزات العلمية ضعيفًا، ولم يكن هناك نضال سياسي ملحوظ. كان الضعف والكسل قد تسللا إلى روح الحوزة. وكان لهذا الضعف والابتعاد عن التيارات والقضايا السياسية دوافع كثيرة لا مجال لذكرها هنا، لكن باختصار، كان اليأس والإحباط بعد هزيمة الدستور مرضًا أصاب الحوزات.

الحركة التي انتصرت بتضحيات وقيادة مباشرة وشاملة من رجال الدين والحوزات العلمية، وخاصة الحوزة المقدسة في النجف، سقطت في يد عناصر متغربين وخونة. فقد استغلوا الفرصة التي أتاحتها الحركة وحضور رجال الدين، واستغلوا القدرات الواسعة التي توفرت بفضل الحركة وحضور رجال الدين، في تقوية قواعد سلطتهم ومقاومة الإسلام ورجال الدين وفتح المجال للاستعمار.

ولكي يخرج هؤلاء العناصر المتغربين رجال الدين من الساحة ويمهدوا الطريق لسيطرة أسيادهم، أطلقوا موجة من الدعاية المعادية للدين في الصحف والمجلات والمنشورات التي كانوا يسيطرون عليها، وشنوا حملات تشويه ضد العديد من الشخصيات، حتى أصبح العلماء النقيون في الحوزة يخشون هذه الأمور ويعتزلون بيوتهم. أعدموا المجتهد الكبير في المدينة الشهيد الشيخ فضل الله النوري باعتباره مؤيدًا ومستندًا للاستبداد، وأرسلوا كثيرين آخرين إلى السجن والنفي أو استشهدوا.

في تلك الظروف، كانت الحوزات العلمية ترى بوضوح أن أعداء الإسلام جالسون على المائدة التي فرشوها، وأن الاستبداد والاستعمار اللذين طردوهما بتضحيات النفس والمال قد دخلا الآن من النافذة، وهذه المرة بوجه مخادع وتحت عنوان: (الحرية) و(الحكم الدستوري). كل هذه الأحداث المؤلمة أدت إلى نشوء كراهية وإحباط من السياسة والأعمال السياسية، وشكوك شديدة تجاه السياسة في الحوزات العلمية، وخاصة في حوزة النجف.

وكانت محاولات الاستعمار البريطاني المستمرة لترسيخ فكرة انفصال الدين عن السياسة وتقديم الأنظمة العلمانية كأفضل أنواع الحكم في البلدان الإسلامية تزيد من هذا اللامبالاة والإحباط تجاه السياسة.

وقد أدى الابتعاد عن القضايا السياسية تدريجيًا إلى الابتعاد عن الظواهر الغربية وحتى وسائل وأدوات الاتصال الجماهيري مثل الراديو والتلفزيون والصحف والمجلات… إلى درجة أن موضوع السياسة والأعمال السياسية كان يُعتبر في حوزة النجف أمرًا سلبيًا وضد القيم.

وكان بداية طلب الشهيد الصدر في حوزة النجف مصاحبة إلى حد ما لمثل هذه المرحلة. ففي السنوات الأولى من دراسته شعر بالابتعاد واللامبالاة في حوزة النجف تجاه قضايا العالم الإسلامي، وأدرك جيدًا أن ابتعاد الحوزة ورجال الدين عن السياسة وعدم حضورهم في الساحات السياسية كان لهما عواقب وخيمة على المجتمع الإسلامي، مما أدى إلى التشديد الشديد على الحفاظ على الأساليب السائدة في جميع المجالات: التعليمية والإدارية والدعوية… وأدى إلى انعدام أي مجال للحركة الإصلاحية في الحوزة.

لذلك كان الشهيد الصدر يرى قبل كل شيء ضرورة إصلاح الثقافة العامة السائدة في الحوزة، وإزالة الفكر الخاطئ (فصل الدين عن السياسة) الذي يؤدي بطبيعته إلى انفصال رجال الدين عن المجتمع والشعب، ونمو الأفكار الانعزالية والاعتزال والرهبانية، كما كان يرى ضرورة تذكير الحوزة ورجال الدين برسالتهم تجاه المجتمع، وإظهار حتمية تدخلهم في السياسة، وكذلك توعيتهم بالتيارات السياسية في عالم الإسلام.

إلى جانب المواجهة الفكرية مع فكرة فصل الدين عن السياسة، وقف الشهيد الصدر بوجوده في الساحات السياسية والثقافية، من خلال تأسيس (جماعة العلماء) في حوزة النجف، ونشر مجلة (الأضواء)، وتأسيس (حزب الدعوة الإسلامية) في مواجهة هذه المكيدة الخبيثة، فأخرج حوزة النجف من حالة الجمود والسكون. وبما أن الابتعاد عن السياسة والمجتمع والبقاء في البيت والحوزة كان يُعتبر أسلوبًا زاهدًا وتقوى وطهارة، فقد كان الشهيد الصدر يرى أن أي نجاح في هذا المجال مرهون بالاتصال الوثيق مع المراجع والعلماء الكبار في الحوزة، ولهذا كان على تواصل دائم مع آية الله السيد محسن الحكيم، المرجع الكبير للشيعة، واستفاد من توجيهاته في كتابة مقالات في مجلة (الأضواء) بيّن فيها رسالة الحوزة واحتياجات الإسلام.

ب. الحكم الإسلامي: وفقًا لمبدأ ولاية الفقيه، فإن إدارة المجتمع وتشكيل الحكم الإسلامي في عصر الغيبة هي أهم واجب على علماء الدين. ومن الواضح أن تحقيق هذا الأمر لا يتم بدون تحولات جذرية وامتلاك رؤية سياسية واجتماعية صحيحة ومعرفة واسعة؛ لذلك كان الإصلاح في البنية الفكرية للحوزة ورفع المستوى الثقافي والوعي السياسي أمرًا حيويًا في نظر الشهيد الصدر، الذي كان من منظري ومؤيدي ولاية الفقيه المتحمسين.

كان الشهيد الصدر يؤمن بضرورة أن تستعد الحوزات لتنفيذ ذلك؛ لأن في نظر الإسلام، الحكومات الطاغوتية والظالمة مهما كانت أسماؤها وعناوينها باطلة ومرفوضة، ويجب على الناس أن يقاوموها، ويجعلوا قانون الله والحكم الحق سائدين على جميع جوانب الحياة، وهذا عمل يجب أن تقوم به الحوزات ورجال الدين في زمن الغيبة.

وقال أحد تلاميذ الشهيد العزيز:

(أما روحه الجهادية الثورية فقد كانت تطلع على الحوزة بشيء جديد هو إعدادها للثورة على الباطل والوثبة على الطاغوت ـ بعد نشر الإسلام وبث الوعي وتعبئة الجماهير ـ فهو شأنها الذي خلقت له وفرضها الذي يلزمها أن تؤديه وكان هذا هو أكبر هدفه من تغيير منهج الحوزة وتجديد مسيرها وإعادة بنائها بروح جديدة….)

أما الروح الثورية والجهادية للشهيد الصدر فقد أظهرت في أفق الحوزات العلمية أمرًا جديدًا، وهو إعداد الحوزة لإطلاق الثورة ضد الباطل والهجوم على جهاز الطاغوت، بعد نشر الفكر الإسلامي بين الجماهير وتجهيزهم. وهذا عمل قامت الحوزات من أجله وفرضته عليها الواجبات.

وهذا هو الهدف الأكبر للشهيد الصدر من تغيير منهج الحوزة وتجديد بنيتها.

يبدو أن أهم نقطة يؤكد عليها الشهيد الصدر في كل كتاباته وأعماله هي تعريف الدين كنظام حياة كامل وبرنامج لإدارة المجتمع بشكل صحيح.

في الحقيقة، كان إصراره على إصلاح كثير من أوجه القصور في الحوزة في هذا السياق؛ لأنه كان يرى أن علماء الإسلام والحوزات الكبرى في النجف وكربلاء يقتصرون على دراسة الفقه والأصول فقط، ويرون الفقه والأصول مرتبطين بالأفعال الفردية وتنظيم علاقة الإنسان بالله، ولا يعيرون اهتمامًا للجوانب الاجتماعية للإسلام وتنظيم علاقة الناس ببعضهم البعض، وبالحكومة، وبالمجتمعات الأخرى… وكان يعاني من هذا النقص. ولهذا بدأ أعمالًا واسعة لإزالة هذا التصور الخاطئ من بيئة الحوزات العلمية، ولتوجيه علماء الدين إلى البعد الاجتماعي للفقه ورسالة الحوزة في إقامة الحكم الإسلامي وترسيخ السيادة الإلهية، وطرح موضوع ولاية الفقيه في حوزة النجف بجدية:

(ربما كان هو [الشهيد الصدر] من أوائل علماء حوزة النجف الذين اعتبروا أساس ولاية الفقيه كما الإمام الخميني أساسًا فقهيًا صحيحًا، وكانوا يؤمنون بأن الخط الصحيح للثورة، خط مدرسة الثورة الإسلامية، يجب أن يستند إلى هذا المحور وهذا القاعدة وهذا الأصل والأساس.)

وعلى هذا الأساس، عندما طرح الإمام الخميني موضوع ولاية الفقيه في حوزة النجف، رحب الشهيد الصدر بذلك، ووصى تلاميذه وأصدقائه بحضور دروسه، ودراسة المناقشات الفقهية للإمام الخميني حول ولاية الفقيه التي كانت تُنشر في كتيبات صغيرة بدقة، وبذل جهدهم لتحقيق أهدافه.

في الحقيقة، كانت التشكيلات السياسية (حزب الدعوة) التي أسسها الشهيد الصدر خطوة في سبيل تحقيق ولاية الفقيه.

وكان هدف الشهيد الصدر وأمنيته أن يُنظم الشباب والمثقفون المسلمون العراقيون في تنظيم سياسي واحد، ليكونوا الذراع السياسي والاجتماعي القوي لخط ولاية الفقيه.

التوعية والتنوير

كان ابتعاد الحوزة عن القضايا الحكومية في السنوات التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية، كما أشرنا في الفصول السابقة، سببًا في سيطرة نوع من الضيق الفكري على الأجواء العامة للحوزة والنقاشات الفقهية، حيث كانت المناقشات الفقهية والاجتماعية تُناقش من زاوية الواجبات الفردية بشكل أكبر، وكانت تفتقر إلى كثير من المعارف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية… وكان الشهيد الصدر يرى أن هذا نقص كبير لا يصب في مصلحة الحوزة إذا استمر. وعلى هذا الأساس، قام هو بنفسه بسلسلة من الحركات التنويرية في سبيل إصلاح البنية الثقافية للحوزة ورفع وعي ومعرفة الحوزويين، وسعى لإظهار البعد الاجتماعي للإسلام وثراء الفقه الشيعي في شمولية النظر.

كتب الشهيد الصدر القيمة: فلسفتنا واقتصادنا وغيرها في هذا السياق، وذلك لتقديم تصور صحيح وشامل من جميع جوانب الإسلام والأفكار الفلسفية والاقتصادية المعاصرة.

وفي مقدمة كتاب اقتصادنا، مع التأكيد على شمولية الإسلام وضرورة تناول البُعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحكومي للفقه، يكتب:

(… لتكتمل لنا في نهاية المطاف ذهنية كاملة عن الإسلام بوصفه عقيدة حية في الأعماق ونظاماً كاملاً للحياة ومنهجاً خاصاً في التربية والتفكر.)

حتى يتبلور في النهاية تصوير واضح وكامل للإسلام بحيث يُرسم كعقيدة حية وديناميكية ونظام كامل للحياة ومنهج خاص في التربية والتفكير الإسلامي.

كانت النقاشات الفقهية في العقود الأخيرة محدودة الجانب بسبب تأثرها بالتحولات السياسية المؤلمة، فاقتصر الاهتمام على الجوانب الفردية. وكان التركيز أكثر على دراسة معارف الدين من زاوية علاقة الإنسان بالله، دون النظر إلى المفاهيم الاجتماعية والسياسية. ومن الواضح ما يمكن أن تترتب عليه سيطرة هذا التفكير على الحوزات العلمية من نتائج سلبية.

يورد الشهيد الصدر أمثلة من الفقه وأصوله التي تأثرت بهذا التقييد والنظرة الفردية فيقول:

(كان التقييد في الهدف والتركيز على المجالات الفردية ناشئاً عن الضيق الذي عانى منه الفقه في الواقع الخارجي، وهكذا أصبح الاجتهاد تدريجياً يركز أكثر على الجوانب الشخصية للفقه، وظلت الموضوعات الاجتماعية مهجورة.)

لذلك، في نظر الشهيد الصدر، فإن الوضوح والسعي لرسم مسار فكري وثقافي صحيح في الحوزات العلمية ورفع وعي الحوزويين هو شرط أساسي لحركة إصلاحية في الحوزة، بحيث لا يمكن أن تحدث أي تغييرات دون توفير هذه الأسس.