الفقه المقاصدي وحجيته مع دراسة منهج الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: فقه «مقاصدی» و حجیت آن (با نگاهی به: شیوه شهید صدر) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يتناول هذا المقال توضيح مكانة الفقه «المقاصدي» وحجيته مع إلقاء نظرة على منهج الشهيد الصدر. في هذا المقال، وبالاستشهاد برؤيته، يتم تعريف مقاصد الشريعة، والإشارة إلى ارتباط هذا العلم بالفقه وأصول الفقه وفلسفة الفقه ووجوه التمايز بينها، ويُبذل جهد لإثبات أن المقاصد العامة للشريعة تشمل جميع الحقوق الطبيعية للإنسان. ثم تُدرس تبعات هذا العلم على منهج استنباط الأحكام الشرعية من وجهة نظر الشهيد الصدر، ويُشار في هذا السياق إلى أمثلة مثل «تنزيل السفته للهروب من الربا» و«كيفية دفع الودائع الجارية». وفي الختام، سيتم تحليل نماذج تطبيقية واقتصادية من مجموع أحكامه وفتاواه.

المؤلف: محمدعلی تسخیری

المصدر: اندیشه تقریب، ربيع 1388، العدد 18، ص9 إلى 44.

تعريف علم «مقاصد الشريعة»:

عرف المرحوم «علامة الشيخ بن عاشور» هذا العلم قائلاً: «الإحاطة بالمفاهيم والأحكام التي يقصدها الشرع في جميع أو معظم موارد التشريع، والتي تشمل أوصاف الشريعة وأهدافها العامة، وكذلك المفاهيم التي اهتم التشريع بها، بالإضافة إلى مفاهيم الأحكام التي لا تُعتنى بها في أنواع أخرى من الأحكام ولكنها تُراعى في العديد من الأنواع.» (ابن‌ عاشور‌، 1393‌ق، ص165).

وبالتالي، فإن علم مقاصد الشريعة هو علم مرتبط بالتشريع ويتحدث عن الأهداف العامة أو الأهداف التي يوليها التشريع اهتماماً في عموم أو كثير من هذه الأحكام.

أهداف هذا العلم: الهدف من دراسة هذا العلم يمكن أن يشمل بعض أو جميع ما يلي:

1- الكشف عن جوانب العلاقة بين عناصر الإسلام باعتباره شريعة متوازنة ومترابطة تهدف إلى تنظيم السلوك الإنساني الذي هو سلوك مترابط، لأنه ينبع من منبع مترابط مثل فطرة الإنسان. الفطرة الإنسانية حقيقة موضوعة في وجود الإنسان وجوهر تكوينه، ولهذا فهي من جهة رابط جميع سلوكياته ومن جهة أخرى متناسقة مع وجود متوازن ومترابط كما وصفه القرآن الكريم في آيات متعددة، حيث كل شيء موزون في مكانه وله مكانته الخاصة. يوضح القرآن في سياق هذا التعبير التناغم الموجود بين التوازن الفطري والتشريعي في آيات مثل: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ» (الرحمن/7، 8 و9). وهكذا الإسلام هو دين الفطرة.

2- اكتشاف الخصائص العامة للإسلام وتمييزه عن المذاهب البشرية الأخرى مثل الاشتراكية والرأسمالية، لأن هذا التمييز قد يتحقق فقط في الأحكام الفرعية.

3- اكتشاف الأهداف (المقاصد) العامة لمساعدة منهج استنباط [الأحكام الشرعية]، لأننا أحياناً نواجه حكماً لا يتوافق مع الأهداف العامة للإسلام مثل حفظ النفس والمال والنسب أو مع الأهداف العامة في مواد معينة منه، وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في منهج استنباط الحكم. وربما يمكن اعتبار هذا الهدف هو الهدف الرئيسي لهذا العلم، وقد أكد عليه «ابن قيم الجوزية» في كتابه «إعلام الموقعين» (به عنوان مثال انظر: ابن‌ قیم‌ جوزیه، 751‌ ق، ج3، ص5).

4- التأثير في تحديد السياسة الشرعية لولي الأمر. سنوضح هذه النقطة من خلال تقديم أمثلة تطبيقية (حالات عملية) من المقاصد الخاصة.

5- دراسة وفحص مقاصد الشريعة يمكن أن تساعدنا في معرفة حكم المسائل المستجدة.

الفرق بين هذا العلم و«علم أصول [الفقه]»

في مجال التمييز بين هذا العلم وعلم الأصول الذي عُرف بأنه «علم القواعد التي تهدينا إلى الفقه» أو «علم الكليات التي تدخل مباشرة في استنباط الحكم الشرعي» أو «منطق الفقه»، يرى «المرحوم علامه ابن عاشور» أن «علم الأصول» بسبب وجود شروط عرضية وأصل تعليلي [علاقة السبب والمسبب] وغيرها هو علم ظني، بينما علم المقاصد هو علم قطعي. (انظر: حبيب بن خوجه). ونحن نرى أيضاً أن «علم المقاصد» يختلف عن «علم الأصول»، لكن هذا الاختلاف ليس في القطعية أو عدمها، لأن كل علم يجب أن يؤدي إلى القطع واليقين وإلا لم يكن علماً؛ بالإضافة إلى ذلك، فإن «علم أصول [الفقه]» يصل إلى القطع في الحكم الشرعي من خلال استنباط حجته القطعية. أما الفرق مع علم المقاصد فهو أنه في منهج الاستنباط لا نواجه كليات تشمل جميع الفصول مثل مسألة «حجية الخبر الواحد» أو في بعض الفصول مثل مسألة «الاستصحاب» التي تُستشهد بها.

ارتباطه بعلم الفقه

هذا العلم، بناءً على ما ذُكر، أقرب إلى «علم الفقه»، لأن «علم الفقه» يدرس «استنباط الأحكام الفرعية العامة من أدلتها الشرعية» ولا يهتم بـ«المقاصد» وأسباب الحكم العام أو الخاص، ولذلك يقترب «علم المقاصد» أكثر إلى ما يُسمى «فلسفة الفقه»؛ ولهذا السبب يشير بعض الباحثين إلى أن ضرورة البحث والدراسة في هذا العلم تؤدي إلى ما يلي:

1- تقييم الحركة العامة وأداء الفقه؛

2- تحديد حدود علم الفقه؛

3- إزالة تعارض التشريع والتنفيذ [الجوانب النظرية والعملية للشريعة]؛

4- تقييم ونقد الأسانيد [للأحكام] من خلال النص؛

5- تنظيم الأحكام الفقهية واستنتاج عمومها؛

6- تصنيف الأحكام والمسائل الشرعية في مجموعة متماسكة ومنطقية. (مهریزی، «مقاصد الشریعه، مجله‌ی رساله التقریب، ع. 48‌).

وبشأن ارتباط هذا العلم بـ «علم الكلام»، فمن الواضح أن هذا العلم من العلوم العقدية، لكن «علم المقاصد» يشير إلى الشريعة وأهدافها.

لمحة من تاريخ هذا العلم وضرورته

قيل إن هذا العلم ظهر لأول مرة في كتب «الأسباب» التي جُمعت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ومن بينها كتاب: «علل الشرائع والأحكام» لـ «الشيخ الصدوق» (توفي سنة 381هـ) وكتاب «إثبات العلل» لـ «الحكيم الترمذي» (عاش في القرن الثالث الهجري)، ثم تناول «إمام الحرمين الجويني» هذا الموضوع في كتابه «البرهان في أصول الفقه» (سنة 474هـ)، و«الغزالي» (505هـ) في كتابيه «المستصفى» و«شفاء الغليل»، و«الأمدي» في كتابه «أحكام الأحكام»، و«القرافي» في كتاب «الأحكام»، ثم «الشيخ ابن تيمية» (728هـ) و«ابن قيم الجوزية» في «إعلام الموقعين»، ثم «ابن سبكي» (771هـ)، وبعده «الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي» (توفي سنة 786هـ) في كتابه «القواعد والفوائد» أولوا هذا العلم اهتمامًا، لكن من أعطى لهذا العلم بعدًا علميًا ومنهجيًا هو «الشاطبي» (790هـ) في كتابه «الموافقات في أصول الشريعة». ومنذ ذلك الحين وحتى العصر الحديث، لم يحظَ هذا العلم باهتمام كبير، وفي أوائل القرن العشرين الميلادي، شرع قادة النهضة الإصلاحية في تونس، مثل: «سالم بن حاجب» و«محمد خضر حسين» ومؤخرًا «الشيخ طاهر بن عاشور التونسي» في التعمق فيه وبدأوا بتأليف وتدوين مؤلفات أخرى في هذا الموضوع (انظر: المرجع السابق).

طُبع كتاب «الموافقات في أصول الشريعة» في تونس، وعندما زار «الإمام محمد عبده» تونس عام 1884م، اطلع عليه، وعند عودته إلى مصر، بدأ في نشر الأفكار المطروحة فيه، وكأنه توصل إلى نتيجة مفادها أن التقيّد بـ «النص اللفظي» وحده لا يكفي للوصول إلى فكر ديني تجديدي (مجلّه «نگاه»، شماره‌ی 200، ص 5)؛ والحقيقة أن هذا المسار لم يمنح هذا العلم بعد الهيئة الشاملة التي تجعله علمًا مستقلاً إلى جانب العلوم الإسلامية الأخرى.

وقد استند أصحاب المقاصد، رغم التنوع في مدى قبولهم لضرورة الاهتمام بـ «المقاصد»، إلى أن هذه «المقاصد» مثبتة بالأدلة الأربعة (الكتاب، السنة، الإجماع والعقل)، ولهذا السبب يجب رفض كل استنباط يتعارض معها.

والمقاصد نوعان: عام وخاص.

فقد اعتبر الغزالي «المقاصد العامة» من بينها: «حفظ الدين، النفس، العقل، النسل والمال»، وبعد تصنيفه للمصالح إلى ثلاث مراتب، وهي «الضروريات» (الأصول)، «الحاجيات» و«الكماليات»، وضع المقاصد الخمسة ضمن «الضروريات». ويقول: «حفظ هذه الأصول الخمسة في مرتبة الضروريات هو أعلى مرتبة للمصالح» (غزالی، ج1، ص286). وأضاف السبكي مسألة «حفظ الكرامة (الشرف)» إليها (باجی، 1331هـ، ج4، ص282)، وبالطبع فإن الباب مفتوح للنقاش والإضافة بحسب أنواع الحقوق العامة للإنسان، كما هو مطروح في رؤية الإسلام (من بينها الحرية والمساواة) (انظر: حبیب بن خوجه، حول نظریه المقاصد، ص123130 و نیز «اعلامیه اسلامی حقوق‌ بشر‌» که‌ «مجمع بین‌الملل‍ی فقه اسلامی» نیز آن‌را تصویب نمود).

ويرى بعض الباحثين أن مسألة حقوق الإنسان «هي محور مقاصد الشريعة»، ويؤكدون أن أعظم قيمة لحقوق الإنسان تكمن في احترام «الإرادة الحرة» و«العقل المميز» لديه، وأن سلب الإرادة [الحرية] أسوأ من القتل (عمر‌ عبید‌ حسنه‌ی، ص 18). ويرى آخرون أن الغرب ينظر إلى حقوق الإنسان نظرة معكوسة، فهو يؤكد على حقوق الإنسان بينما يغفل عن جوهر وجود الإنسان وواجباته تجاه ربه، ومجتمعه، ونفسه، وتكامله (المرجع السابق، ریسونی، ص40).

وهذا الرأي صحيح تمامًا، لأن الشريعة، إلى جانب توفير حقوق الإنسان، تعرفه بواجباته، وبذلك يكتمل مسار توفير الحقوق وإعلان الواجبات في سبيل تحقيق حركته الطبيعية والمتزنة في طريق التكامل والتوازن للوصول إلى هدف خلقه.

ولهذا السبب، يشير الإمام زين العابدين (عليه السلام) في «رسالة الحقوق» و«صحيفة السجاديّة» إلى التداخل بين الحقوق والواجبات بأبهى صورة وأسمى أسلوب، ويصفه «الشهيد الصدر» (رحمه الله) قائلاً: «هذا الإمام العظيم، ببلاغة فريدة وقدرة فائقة في استخدام الأساليب البيانية والبلاغية للغة العربية، وبذهنية ربانية مفعمة بأسمى وأدق المفاهيم، رسم علاقة الإنسان بربه، وشوقه وحماسه للخالق، واتصاله بمبدأه ومعاده، وأعاد تصوير القيم الأخلاقية والحقوقية والواجبات التي تعبّر عن هذه الروابط والشوق والانتماءات» (انظر: صدر، 1425‌ق، ص19‌)، مع أن «المقاصد الخاصة» تقع ضمن إطار المقاصد العامة لكنها مخصصة لأبواب خاصة، منها:

مقاصد (أهداف) النظام العبادية؛

مقاصد النظام التربوي؛

مقاصد النظام الاجتماعي؛

مقاصد النظام الاقتصادي وغيرها.

فيما يلي، يُعرض نموذج من «المقاصد الخاصة» في المجالات الاقتصادية لإظهار أهمية هذه المناقشات وارتباطها الوثيق بالواقع اليومي. في هذا المثال، سنعتمد على مناقشات نظرية الأستاذ الجليل والموقر «الشهيد سيد محمد باقر الصدر»(ره). ربما يمكن اعتبار هذا الأستاذ، لا سيما حين حاول اكتشاف نظرية الاقتصاد الإسلامي من خلال تأليف الأحكام الفرعية والدراسة في المفاهيم العامة للوصول إلى خطوط عريضة للمقاصد العامة، من بين المجتهدين الذين يتسمون بشدة بـ«المقاصدية». ولكن أحيانًا يُلاحظ أنه يستخدم هذا التوجه المقاصدي في مسار الاستنباط الفقهي أيضًا، فعلى سبيل المثال، حين يتناول موضوع «صياغة نزول السفته على أساس البيع» وكان مراده «بيع الدين» من وجهة نظر علماء الإمامية بسبب وجود الروايات المتعلقة به، فإنه لا يقبل هذه الصياغة، وهذا يعني أنه إذا فسّرنا نزول البنك على أنه شراء للدين بسعر أقل من قيمته، فإن المدين يتحمل فقط المبلغ الذي دفعه، ويكون مقدار النزول دائمًا لصالح المدين وليس لصالح العميل حتى لو كان الدائن يقصد ذلك.

من بين الروايات الواردة في هذا الشأن، خبر «أبو حمزة» نقلًا عن «الإمام باقر»(ع) الذي يقول إنه سأل عن رجل اشترى مبلغ دين من دائن بنزول [أي بسعر أقل من المبلغ الحقيقي للدين] ثم توجه إلى المدين وقال له: ادفع دَينك لذلك الشخص لأنني اشتريت حقه. ماذا يجب أن يُفعل في هذه الحالة؟ فأجاب الإمام(ع): يجب على المدين أن يدفع نفس المبلغ الذي دفعه هذا الرجل للدائن.

ورواية أخرى عن «محمد بن فضيل» يقول فيها: «قلت لـ[الإمام] علي بن موسى الرضا [(ع)]: رجل اشترى دين شخص من شخص آخر [ثالث] ثم توجه إلى المدين وقال له: ادفع دَينك لذلك الشخص لأنني اشتريت حقه… فأجاب الإمام: يجب على المدين أن يدفع نفس المبلغ الذي دُفع للدائن، وهذا المدين بريء تمامًا من الفرق بين مبلغ دينه والمبلغ الذي دفعه الشخص المعني للدائن الأصلي [مقابل شراء الدين]».

على الرغم من وجود بعض النقائص في الاستدلال بهاتين الروايتين، لا يوجد تبرير واضح لتركهما وقبول فكرة معاكسة صحيحة.

في ظل هذا الفهم، لا يمكن للبنك غير الربوي أن يفرض نزول السفته على أساس شراء الدين بسعر أقل من قيمته الاسمية ويحتسب مقدار النزول لنفسه، لأن بيع الدين بسعر أقل من قيمته، وفقًا للرواية المذكورة، يؤدي إلى سقوط الفرق (الزيادة) من عاتق المدين وبراءة ذمته. (صدر، د.ت.، ص 161).

فيما يلي، سنطرح كيفية تطبيق المنهج المقاصدي في مسار الاستنباط ثم ندخل في بعض مناقشاته النظرية.

* * *

في العقود المالية، أيهما أهم: الشكل أم الهدف (المقصد)؟

من الواضح أن هناك توجهين في الفقه للإجابة على هذا السؤال:

التوجه الأول يركز على شكل العقد (الاتفاق)، وأهم مسألة فيه هي اللفظ المستخدم فيه، بينما في التوجه الثاني، المهم هو «المقصد» والمحتوى الذي يُراد بهذا اللفظ أو الفعل.

تناول الفقهاء هذا الموضوع في دراسة القواعد الفقهية وكذلك في مواجهة موضوع الحيل الربوية أو مناقشة العقود (الاتفاقات) التي تُبرم سهواً أو في حالة اللاوعي أو الجنون، وغيرها من الحالات المشابهة.

والجدير بالذكر أن التوجه الغالب بين الفقهاء هو التوجه الثاني، وقد وردت عبارات وتعبيرات كثيرة منهم تؤكد ذلك، منها:

«المُعْتَمَدُ المعنى لا الشكل الظاهري». (قاضی خان، برگ شماره‌ی 898).

«المُعْتَمَد في العقود (الاتفاقات) هو المعنى والمحتوى لا شكل الألفاظ». (کاسانی، ج5، ص3).

«العقود (الاتفاقات) تتبع مقاصدها (أهدافها)». (نراقی‌، 1417‌ق، ص52‌ و نجفی، 1266هـ، ج23، ص335).

«المُعْتَمَد المعاني [للعقود] لا الشكل الظاهري لها». (زیلعی‌ حنفی، ج5، ص1).

«العقود (الاتفاقات) تُقيَّم بناءً على المحتوى والمعنى لا على اللفظ». (باجی، المرجع السابق‌، ج4، ص‌‌282‌).

«العقود (الاتفاقات) مبنية على مراعاة المقاصد (الأهداف)».

«المقاصد (الأهداف) هي المعيار».

«الأحكام تتعلق بمعاني الألفاظ لا بالشكل أو القالب».

«إذا كان الاختيار بين مراعاة اللفظ [الشكل الظاهري] أو مراعاة القصد [الهدف]، فالأساس هو مراعاة «القصد»».

كما يُرى، فإن التعبيرات والصيغ المتعددة كلها تدل على التوجه الثاني في هذا الشأن، وربما استُشهد في معظم هذه التعبيرات بقول النبي الأكرم(ص): «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

ورأي الفقهاء أن هذا الأمر ليس خاصًا بالعبادات فقط بل يشمل المعاملات أيضًا. ويفسرون جميع هذه العبارات والتعبيرات بأن: المراد من أن العقد (الاتفاق) لا يتحقق إلا بالنية أو القصد هو أن طرف العقد يجب أن يقصد ذلك في جميع أجزائه، والمفهوم الملازم لذلك هو عدم تحقق العقد (الاتفاق) بدون وجود القصد. (القواعد لدی الامامیه، ج3، ص585).

أو بمعنى أن «العقد» (الاتفاق) تابع للقصد؛ أي أن «العقد» يحتاج إلى «الموجب»، «القابل» (المستلم)، «العوض» و«المعوَّض»، وكل هذه الأمور تتبع القصد، وإذا لم يكن هناك قصد، فلا يتحقق العقد. (مراغی، 1417هـ، ج2، ص4849 و خویی، 1413هـ، ج2، ص106). أو بمعنى أن المعيار هو اعتبار الفهم العرفي لمقصد العاقد (طرف العقد) مع مراعاة نتائج العقد محل النقاش؛ وهذا هو المعتمد حتى لو لم يكن التعبير مناسبًا.

على أية حال، للاستدلال على هذه القاعدة، يُستشهد أحيانًا بأحاديث شريفة مثل الأحاديث المذكورة، وأحيانًا يطرح العلماء بعد الاتفاق على أن اللفظ المجرد لا يترتب عليه حكم شرعي، ضرورة فقهية(نجفی‌، المرجع السابق، ج‌22، ص266‌) وقد يُعتبر هذا أحيانًا على أنه «إجماع»(تذکره الفقهاء، ج1، ص462).

وفي دلالة الحديث أيضًا تدور المناقشة حول أنه يختص بالعبادات والسلوكيات الأخلاقية فقط، وفيما يخص الإجماع يُقال إنه لا يشكل دليلًا مستقلاً، ومع الأخذ في الاعتبار معارضة الشافعية(ندوی‌، 1419‌ق، ج1، ص519) وآخرين، فإن هذا الإجماع ليس كاملاً.

ويبدو أن أهم ما يمكن الاستناد إليه هنا هو الأصل الأوّل الذي يقول إن اللفظ هو مجرد تعبير عن المقصود أو نوع الالتزام [في العقد] بالمصطلح القانوني المعاصر؛ كما يقتضي ذلك عدم ترتب آثار العقد إلا بعد الالتزام الكامل وارتباط التزام الموجب بالتزام الطرف الآخر في العقد، وهذا يعني أن التركيز يكون بالكامل على القصد والمضمون وليس على اللفظ أو شكله حتى وإن كان اللفظ شرطًا لاكتشاف المعنى(مراغی، المرجع السابق، ج2، ص50). ويمكن القول أيضًا إن الفهم العرفي قد يحول العقد (العقدي) من حالة إلى أخرى حتى لو عرفنا «القصد» (النية) اللحظي للطرف المتعاقد. ومن الواضح أن الشارع المقدس قد ترك خطاباته للعرف، ومن وجهة نظر الشارع، فإن العرف هو الذي يحدد مصاديق وموضوعات كل حكم، وهو الذي يدرك دلالة كل سبب وعلّة من علل وأسباب الأحكام الشرعية، وسيُشار في ما يلي إلى بعض الأمثلة العملية على ذلك.

بعض الحالات العملية المتعلقة بالعقود المالية

الحالة الأولى: مسألة التهرب من ربا القرض

في أقوال الفقهاء، ذُكرت هذه المسألة بهذا الشكل، وهذا الأمر جعل البعض يقع في شبهات مهمة يمكن تلخيصها كما يلي:

«الربا» من أخطر المحرمات الإسلامية التي أشارت إليها آيات قرآنية وأحاديث شريفة متعددة، وهو السبب الطبيعي لكثير من أنواع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأزمات المميتة في الأنظمة الربوية، وحيث أن الأمر كذلك، فلماذا يجب أن تُطرح هذه المسألة بهذا الشكل حتى يتوهم البعض أن الإسلام يهيئ طرقًا لوجود الربا في المجتمع بأسماء ووسائل غير مباشرة لا تحظى بالحرمة الشديدة لكنها تؤدي نفس الدور؟

الإمام الخميني(ره) يتناول هذا الاعتراض قائلاً:

«هذه مشكلة وحتى عقدة في قلب كثير من المفكرين، ومن ضمنها اعتراضات غير المنتمين إلى الإسلام على هذا الحكم، ويجب حلها حتمًا، والتمسك بالتعبد[1](1) في مثل هذه المسألة التي أدرك فيها جميع العقلاء مفاسد الإباحة ومنافع المنع، بعيد جدًا عن الصواب»(امام خمینی‌، کتاب البیع، 1410هـ، ج2، ص406‌).

ويتم حل هذا الاعتراض بالنظر إلى المسائل التالية:

1- الأحاديث الواردة حول التهرب من الربا تتعلق في الغالب بمعاملات الربا «المعاوضي» الجارية في النقود و«المكيال» (المقدار) و«الموزون» (الوزن) التي فيها اختلاف النوع يُخرجها من صفقة المثلين (نوعان متطابقان)، ففي «الصحيحة الحلبي» ورد: «إذا بدلنا ألفًا وواحد درهم بألف درهم ودينارين فلا بأس، وإذا زاد أو نقص دينار أو أقل أو أكثر فلا بأس»(حرّ عاملی، 1403هـ، ج12، ص371).

الاعتراض المطروح يتجلى في «ربا القرض»، والتصريح به في القسم الأول («ربا المعاوضة») لا يحمل أي اعتراض أو صعوبة أو عقدة، لأن السلع المثلية [السلع التي يمكن الحصول على مثلها بسهولة] مثل غيرها من السلع لها قيمة يمكن أن تزيد أو تنقص، وشراء من من القمح الجيد بثمن اثنين من الشعير أو أكثر مثل شراء سلع أخرى بسعرها السوقي، وشراء دينار أو درهم له قيمة سوقية تعادل دينارين أو درهمين من صنف آخر لا بأس به، ولكن ربما يكون سر تحريم مثل هذه المبادلة من قبل الشارع المقدس، إلا إذا كانت تمامًا مثلًا بمثل، خارجًا عن إدراك العقلاء وله طابع تعبدي، وفي هذه الحالة لا بأس باستخدام أي حيلة فيها.

أما للتخلص من «ربا القرض» فقد وردت عدة أحاديث إما ضعيفة سندًا ودلالة أو في إطار تقديم طريق صحيح لتحويل المعاملة إلى عقود صحيحة تترتب عليها أحكام طبيعية ولا تفضي إلى مفاسد ربوية.

وحتى لو افترضنا، كما يُدعى، وجود حديث صحيح السند والدلالة، فإن ذلك يتعارض قطعًا مع مقتضى كتاب الله وسنة نبيه الشريف المبنية على وصف الربا بأنه «ظلم وفساد وإعلان حرب على الإسلام»، وفي هذه الحالة، كما تذكر الأحاديث المنقولة عن الأئمة(ع)، فهي هراء لا ينبغي الانتباه إليه.

على سبيل المثال، في حديث «يونس الشباني» ورد:

«قلت للإمام جعفر الصادق(ع): هناك من يبيع سلعة ويعلم البائع أن هذه السلعة لا تساوي الثمن المباع به، ويعلم المشتري أنها لا تساوي، لكنه يعلم أن المشتري سيشتريها منه مرة أخرى بعد فترة. فقال: يا يونس! قال رسول الله(ص) لـ «جابر بن عبد الله»: حينما يحكم الظالمون وتذل، ماذا تفعل؟ قال جابر للنبي(ص): لا أكون حيًا حينها، فداك أبي وأمي، متى يكون ذلك؟ قال: حين يظهر الربا. يا يونس! وهذا أيضًا ربا. هل إذا لم تشترها، سيُعاد إليك؟ قلت: نعم. قال: لا تقترب منه؛ لا تقترب منه.» (المرجع السابق).

وفي نهج البلاغة نقلًا عن حضرة علي(ع) جاء: «قال له رسول الله(ص): يا علي! [يأتي يوم] يوسوس الناس في أموالهم… (حتى قال) … ويحللون الحرام بشبه كاذبة وأهواء مضطربة، ويعتبرون الخمر والعنب ماءً، والمال غير المشروع هدية، والربا بيعًا ويحللونها.» (المرجع السابق، ص456).

المقياس والمعيار في تمييز موضوع الربا عن غيره

المعيار المطروح هنا هو العرف، وللتوضيح يجب القول إن الرجوع إلى العرف يتم في ثلاثة مجالات:

المجال الأول: ما يُستنتج منه الحكم الشرعي، كما هو الحال في صحة أو وجوب «العقد الفوضوي» [العقد مع من لا يملك وكالة أو ولاية على موضوع العقد]. ويتم ذلك حين يثبت أن الحكم من ضمن الأعراف التي استمرت حتى زمن المعصوم(، وفي هذه الحالة يُقبل بمجرد عدم صدور رد مناسب عليه.

المجال الثاني: تحديد مصداق بعض المفاهيم التي استُخدمت من قبل الشارع، والتي تشمل من بين الكلمات التالية:

«الإناء» (الوعاء)، «الصعيد» (التربة على الأرض مجرد تراب)، «فقير»، «مسكين»، «غني» (ثري)، «إسراف»، «تبذير»، «في سبيل الله» وغيرها…

المجال الثالث: ما يُرجع إليه لفهم مراد المتكلمين عند استعمال الألفاظ، سواء كان المتكلم هو الشارع أو غيره، وفي ما يتعلق بالدلالات الالتزامية التي يكون منشأها ملازمة عرفية، يُرجع أيضًا إلى العرف. كمثال على ذلك، يُطرح حكم الشارع المقدس بطهارة الخمر التي تحولت إلى خل، حيث إن المقتضى العرفي لذلك هو حكم طهارة كل ما في الإناء. كما يقع البحث في القرائن العرفية وجمع العرف بين دليلين متناقضين ضمن هذا المجال، مثل القول: إذا لم يكن في نظر العرف تعارض، وكان أحد الدليلين المتعارضين قرينة على تفسير مراد الشارع من الدليل الآخر، فيجب تفسير الدليل الآخر وفق القرينة المذكورة لجمع الدليلين. كما تقع المناقشات المتعلقة بـ «التقييد والإطلاق»، «العموم والخصوص»، «الحكم والدخول» ضمن هذا الإطار.

ما ذُكر يتعلق بتحديد مراد الشارع المقدس، لكن العرف يلعب دورًا أيضًا في تحديد مراد غير الشارع، وكل ما يتعلق بالإقرارات، الوصايا، الشروط، الوقوف وغيرها، إذا استُخدمت ألفاظ ذات دلالات عرفية محددة، يقع ضمن نطاق ذلك.

وبهذا نفهم أن العرف، رغم كونه ليس من أصول الفقه، إلا أنه يلعب دورًا مهمًا في مجال الاستفادة من الأصول والنصوص [الفقهية]؛ ولكن هناك مفاهيم قرر الشارع المقدس، بسبب الغموض الذي يحيط بها في العرف، أن يتدخل بنفسه في تحديد بعض مصاديقها، أو ربما يرى الشارع أن التفسيرات العرفية تشمل مصاديق أخرى تتعارض مع قصد وهدف الشرع الأصلي، وفي هذه الحالة يجب اتباع ما يقرره الشارع عند تدخل في تحديد مفهوم عرفي.

فعلى سبيل المثال، في بعض النصوص تم التأكيد على أن «فقاع» هو خمر قد استهان به الناس. أو مثلاً في موضوع «ربا المعاوضة» مع اختلاف سعر السلعتين المتبادلتين، حيث لا يعتبره العرف عملًا ربويًا، يؤكد الشارع ربويته ويحرم مثل هذه المعاملة.

وعلى كل حال، في الحالات التي لا يتدخل فيها الشارع المقدس في تحديد مفهوم، يكون العرف هو المحدد، وفي هذه الحالة كأن الأمر مُسلم للشرع.

وبعد ذلك، في تحقيق التشخيص العرفي، يجب الحرص والانتباه إلى كل المناسبات التي يُطرح فيها، وكذلك الأسس التي يُبنى عليها، لأن دراسة هذه الأسس تساعد كثيرًا في الوصول إلى التشخيص العرفي المطلوب. وإذا عدنا إلى موضوعنا، نرى أن الوصول إلى تأكيد عرفي بعدم تحقق الربا أمر ضروري، وهذا الأمر قد يستلزم نفي كثير من الحالات المشكوك فيها، واتباع طريق الاحتياط بسبب التأكيدات الجدية على تحريم الربا وعدم الاقتراب منه وفق الرواية المذكورة («… لا تقتربوا منه، لا تقتربوا منه.») (حر عاملی، المرجع السابق، ج12، ص371).

وبالرجوع إلى روايات الاحتياط، نلاحظ أنها رغم عدم تعارضها مع الأدلة الشرعية على البراءة، إلا أنها تتوافق مع شدة التداخل بين البيع والربا.

فمثلاً في رواية عن الإمام جعفر الصادق(ع) جاء:

«من اجتنب الشبهات فقد استبرأ لدينه»، ورغم أن هذه الرواية تُعتبر تشجيعًا على الاجتناب أكثر منها دلالة على الوجوب، إلا أنها تعبر عن حالة تتغير شدتها وضعفها بحسب قرب أو بعد الحدود بين الحلال والحرام.

ورواية أخرى عن الإمام علي(ع) موجهة إلى كميل يقول فيها:

«يا كميل! دينك أخوك، فاحرص على دينك بكل ما تستطيع.» وقد قيل إن عبارة «بكل ما تستطيع» تبعدها عن الوجوب، لكنها على ما يبدو تعني الاحتياط للدين بكل وسيلة ممكنة، ولا تتعارض مع الوجوب.

وفي رواية أخرى عن الإمام جعفر الصادق(ع) يقول:

«أتقى الناس من يبتعد عن الشبهة.» وقد قيل إن الاستدلال بهذه الرواية صحيح فقط إذا وُجد دليل على وجوب التقوى، وقد تختلف الحالات بحسب اختلاف أنواع الشبهات.

ورواية نقلًا عن «زهري» عن الإمام باقر(ع) يقول فيها:

«الاجتناب عن الشبهة خير من الوقوع في الهلاك.»

وردت رواية أخرى عن «جميل» حيث يقول الإمام جعفر الصادق(ع) نقلاً عن آبائه: «قال رسول الله(ص): الأعمال ثلاثة أصناف؛ الصنف الأول صوابها واضح تماماً فاتبعها، والصنف الثاني بطلانها ظاهر فاجتنبها، والصنف الثالث فيه اختلاف في الرأي فيجب إرجاعها إلى الله».[2](1)

على أي حال، ما يُؤكد هو وجود مسائل وأحكام دينية قيل إنها منٌّ إلهي على عباد الله، فإذا تشددنا فيها، يكون ذلك مخالفاً لمضمون هذا المنّ، مثل مسألة «كسر الصلاة في السفر». وكذلك هناك مسائل حرّمها الشارع المقدس تحريماً شديداً، منها المسائل المتعلقة بالعرض والأموال وخاصة مسألة الربا التي من الطبيعي أن يُتحرى فيها الحذر. ومع ذلك، ما لم نطمئن إلى وجهة النظر العرفية في استبعاد الربا عن صفقة معينة، يجب التحفظ والابتعاد عنها.

ولكن كيف يمكن الاطمئنان إلى هذه النظرة العرفية؟ هنا يمكن طرح كل ما يُبعد نظر العرف عن الجوانب الربوية: من ذلك أن نفترض أن العرف يقر بوجود التزامات في هذا النوع من «العقد» (عقد الصفقة) تتعارض تماماً مع خصائص العمليات الربوية. وذلك من خلال وجود «ضمان قرضي» أو عدم وجود فائدة نسبية أو من خلال تقليل الأجر إلى حد يُعتبر عرفاً مقابلاً للخدمات المقدمة، وبمصطلح آخر يُعتبر «تسجيل القرض» وهكذا… أو من خلال اعتراف العرف بوجود فروق حقيقية في الأهداف المقصودة من هذا النوع من العقود.

وإن لم نفعل ذلك، فإن العنوان الذي يُعتبر عرفاً ذا وجهة غير ربوية، يُعد في الحقيقة ربا بموجب نفي هذا العنوان الكاذب، ويُعتبر في الواقع عنواناً آخر للربا.

أو نقبل أن العرف يوسع مفهوم تحريم ربا القرض إلى حد يتجاوز القرض ليشمل جميع الحالات المشابهة، كما في الحالة التي يقبل فيها العرف أن هذا العنوان الادعائي ينطبق عليها، ولكن مفهوم الربا يشمل هذه الحالة ويخرجها من حكم الحل، وبهذا يكون قد تم التوسع في «الكبرى».

جهود فقهية لمنح الشرعية للربا

بعيداً عن النصوص، تُبذل جهود فقهية لمنح الشرعية للفائدة [المصرفية]، وقد تناولها «الشهيد محمد باقر الصدر(ع)» في كتابه «البنك الربوي في الإسلام»، ونشير إليها بشكل موجز ضمن عرض النقاشات المطروحة:

المحاولة الأولى: وجود عنصرين في القرض

قيل إن القرض يحتوي على عنصرين: أحدهما المال المقترض، والآخر هو عملية الاقتراض نفسها، وبما أن الربا يعني اعتبار المال مقابل العنصر الأول، فإن اعتبار المال مقابل العنصر الثاني لا مانع منه، لأنه في الواقع عمل يمكن أن يُؤخذ له أجر بموجب عقد «الجعل»، إذ يمكن للمقرض (الدائن) أن يطلب زيادة مالية لنفسه بعقد «الجعل» وليس بعقد «القرض»، وإذا ثبت بطلان عقد الجعل، فلا يستحق ذلك رغم صحة عقد القرض وسريانه. وهذا يشبه حالة أن يعطي شخص درهماً لكل من يبيع له بيته، فهذا «الجعل» (أجر أو حق أتعاب…) مقابل البيع وليس مقابل البيت المباع، ومن ثم فإن الدرهم المدفوع لا يدخل في حكم «العوضين». ومن هذا «التقريب» [تقريب موضوع الأحكام] يُشار أحياناً إلى «الصغرى» وأحياناً إلى «الكبرى». من حيث «الصغرى» يُقال إن العرف يرى أن الفائدة المدفوعة هي في الواقع مقابل المال المقترض وليس مقابل عمل الإقراض، وفي هذه الحالة لا معنى لمنح «الجعل» (العمولة أو أجر الأتعاب…) على المال، لأن «الجعل» مخصص لعمل يُنجز.

أما من حيث «الكبرى»، فهي تفترض أن الطرفين قد أكدا في الحقيقة على اعتبار الفائدة مقابل عمل الإقراض، وفي هذه الحالة يُقال: معيار استحقاق «الجعل» ينبع من ضمان العمل الآخر بأمر منه وليس طوعاً، وبعبارة أخرى، ضمان التعويض في العمل يشبه ضمان التعويض في المال، وفي هذه الحالة «الجعل» يُتصور فقط بالنسبة لعمل له أجر محدد.

لكن عمل الإقراض هنا، ومن منظور العرف، لا يحمل صفة مالية، والجانب المالي في الإقراض هو فقط المال المقترض الذي يُضمن بالقرض، ولا يمكن تصور ضمان آخر للعمل.

المحاولة الثانية: تحويل القرض إلى شيء آخر

مثلاً، زيد مدين لعمر بعشرة دنانير ويأمر البنك بدفع هذا المبلغ له. هنا يصبح زيد مديناً للبنك بعشرة دنانير بسبب أمره للبنك بالدفع، ويصبح ضامناً لـ«الإتلاف»، وبالتالي لم يُعط قرض بل صدر أمر بالإتلاف مع ضمان، وفي هذه الحالة يُقال إنه لا مانع من أن يلتزم زيد بضمان يزيد على مبلغ العشرة دنانير، لأن هذا الضمان ليس قرضاً بل هو بسبب الأمر بـ«الإتلاف».

وهنا أيضاً يُطرح النقاش بأن سبب تحريم الربا يشمل الحالة ضمن إلغاء خصوصيتها، وبالتالي لا ينبغي أن يُلزم المدين بأي مبلغ زائد مهما كان سبب القرض.

كما يُثار هذا النقاش أيضًا حول ما الذي يوجب الزيادة؛ إما أن يكون عقد (اتفاق) القرض قائمًا، أو يُعتبر على هيئة «الجعالة» التي في هذه الحالة يُثار الاعتراض السابق، حيث إن دفع البنك لا يستلزم جانبًا ماليًا زائدًا على الجانب المالي للمبلغ المدفوع، وهذا أيضًا يكون مصحوبًا بالضمان.

المحاولة الثالثة: تحويل القرض إلى بيع وشراء

أحيانًا يُحوَّل القرض إلى شكل بيع وشراء، وفي هذه الحالة وطالما أن النقود أوراق (سندات أو نقود ورقية) لا تُعد ذهبًا أو فضة، وتُعد من «المكيّل» (السلع المقاسة بالكمية) و«الموزون» (السلع الموزونة)، يقوم أحد الطرفين ببيع ثمانية دنانير بمبلغ عشرة دنانير لأجل شهرين قادمين، وعلى الرغم من أن هذا السعر قد زاد على السعر الأصلي، إلا أن ربا القرض لا يُعتبر في البيع.

بالإضافة إلى ذلك، يُضاف شرط في عقد البيع يقضي بأنه مقابل كل تأخير لمدة معينة، يجب دفع درهم واحد، وهذا الشرط ليس إلزاميًا في عقد القرض بل في عقد البيع. وهنا أيضًا يُثار ما قيل سابقًا، وهو أن عرف الناس يعتبر مثل هذه المعاملة قرضًا ربويًا حرامًا يُغطى بغطاء البيع والشراء، لأن الطرفين في الحقيقة يقصدان القرض، أو يمكن القول إنه إذا قبلنا أن البيع والشراء حقيقة، فإن العرف يوسع دائرة الربا بحيث تشمل مثل هذا البيع والشراء أيضًا. ويُقال أيضًا إن الأوراق النقدية (النقود الورقية أو السندات) هنا تحل محل الذهب والفضة.

المحاولة الرابعة: البنك وكيلاً عن المودعين

يعتبر البنك نفسه وكيلاً عن المودعين ويقرض أموالهم للآخرين، ويشترط لنفسه زيادة في هذا الإقراض. في هذا الشأن يُقال إنه في الروايات تم التأكيد على أنه لا يجوز وضع أي شرط في عمليات القرض. في هذه الروايات ورد التعبير «فلا يشترط الأمثلها؛ أي لا يُشترط إلا مثلها» أو التعبير «ويشرط أن يرد أكثر مما أخذ فهذا هو الحرام؛ وإذا اشترط أن يرد أكثر من المبلغ المأخوذ، فهو حرام.» (حر‌ عاملی، المرجع السابق، ص454).

المحاولة الخامسة: عن طريق البيع المسبق

ما يُسمى «بيع العين» (بيع سلعة معينة للمقترض بسعر أعلى)؛ أي تُباع سلعة بسعر مسبق ثم يشتريها البائع بسعر أقل من السعر المباع به للمشتري. لهذا النوع من البيع أشكال أخرى أيضًا.

«الإمام مالك» و«الإمام أحمد» كلاهما يرى حرمة هذا النوع من البيع والشراء، لأنهما يعتبرانه حيلة للربا النسيئة.

وفي الحقيقة هو نوع من الربا في هيئة البيع، ولديه ثلاثة احتمالات:

1- أن يكون البيع الثاني مشروطًا في البيع الأول؛

2- أن يكون الطرفان متواطئين في هذا الأمر؛

3- أن يتم ذلك صدفة وبدون اتفاق مسبق.

الحالة الأولى باطلة قطعًا، لأن العرف كما قيل، يعتبرها ربا مخفيًا سواء من جهة «الصغرى» أو «الكبرى». وقد اعترض العلماء على ذلك بعدة اعتراضات أخرى، منها ضرورة وجود شرط متبادل يُفسد عقد البيع، لأن البيع الأول مشروط ببيع المشتري، والبيع الثاني مرتبط بإتمام البيع الأول. وقد نوقشت هذه الحجة نظرًا لتعدد حالات التناقض، منها انتفاء القصد (الهدف من البيع والشراء) ووجود نص في هذا الشأن، وهو رواية صحيحة نقلًا عن «علي بن جعفر» عن «الإمام موسى بن جعفر الكاظم» التي يقول فيها: «سألت ذلك الإمام عن رجل باع قميصًا بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم، هل هذه المعاملة حلال؟ قال: إذا لم يشترطا ذلك مسبقًا وكانا راضيين فلا بأس.» (المرجع السابق، ص370).

وهناك روايات أخرى تؤيد هذه الرواية، منها رواية «حسين بن منذر» التي يقول فيها: «قلت للإمام جعفر الصادق(ع): يأتي إلي رجل يريد سلعة فأشتريها له بسعر المرابحة (أي أشتريها بمئة [وحدة نقدية] وأبيعها له بمئة وعشرة) ثم أشتريها منه. [ما حكم ذلك؟] قال: إذا كان ذلك بإرادته ويبيع أو لا يبيع برغبته، وأنت أيضًا لك الخيار في الشراء أو عدمه، فلا بأس. قلت: أهل المسجد يرون أن هذه المعاملة فاسدة ويقولون إن كانت بعد عدة أشهر فهي صحيحة. قال: هذا تأخير وتقديم ولا بأس.» ومع ذلك، فإن «حسين بن منذر» ليس من الرجال الموثوق بهم.

ومن الواضح أن كلا الروايتين تنفيان الشرط.

وفي الحالة الثانية، إذا كان الأساس الأولي شرطًا عرفيًا، يتحول إلى الحالة الأولى، أما إذا كان مجرد وعد غير ملزم، فلا يبطل «عقد البيع».

وأخيرًا، الحالة الثالثة خالية من العيوب، لأن هذا العقد (الاتفاق) صحيح وفق القواعد [الفقهية].

المسألة الثانية: مطابقة ودائع الحساب الجاري

يرى بعض الاقتصاديين الإسلاميين أن الودائع الجارية تُعتبر ودائع كاملة بالمعنى الشرعي. يقول الدكتور «حسن عبدالله أمين»: «إذا كانت الودائع النقدية الجارية مبلغًا يُودع لدى البنك، ويمكن للمودع سحبها في أي وقت يشاء، فهذا هو ذاته ما ينطبق على كل وديعة حقيقية ولا يوجد فيها أي لبس أو شك، وإذا تصرف البنك في هذه الودائع وفق العادة السائدة، فإن هذا التصرف الأحادي من البنك لا علاقة له بالمودع وإرادته، ولذلك لا يمكن اعتبار هذا النوع من الإيداع قرضًا [للبنك]. إرادة المودع في هذا النوع من الإيداع لا تميل أبدًا إلى القرض، كما أن البنك لا يعتبر هذه الوديعة قرضًا لنفسه، وذلك لأن البنك يطلب عمولة مقابل حفظ الوديعة وتسليمها عند الطلب، على عكس الودائع لأجل. والدليل الآخر على ذلك هو الحذر الشديد في الاستفادة من الودائع والتصرف فيها من قبل البنك، والإجراء السريع في إعادتها عند الطلب، مما يثبت أن البنك عند التصرف في الودائع يتصرف تصرفًا انتهازيًا [ومخاطرة] لا يعتمد على الوضع القانوني كونه المقرض.

ما يؤكد هذه النقطة بالإضافة إلى ما ذُكر هو أنه حتى مع السماح الضمني والعرفي للمودع بتصرف البنك في أموال الحساب الجاري، لا يتغير كون تصرفه في الإيداع وديعة. هذا الخيار تؤكده الرواية المنقولة عن «المالكية» بشأن جواز التصرف في المثليات [السلع أو النقود التي يمكن رد عينها] لمن يستطيع ردها، رغم أنهم اعتبروه مكروهًا، لكن «الأشهب» لا يرى هذا الكراهة.» (امین‌، ص‌‌207و208).

يتضح أن المذكور يعتبر أموال الحساب الجاري ودائع كاملة بالمعنى الشرعي، واستدلاله قائم على الأسس التالية:

1- نية المودع، لأن المودعين لا ينوون القرض أبدًا.

2- أخذ البنك عمولة مقابل حفظ الوديعة، كما هو الحال في بنوك «السودان».

3- حذر البنك في الاستفادة منها، والذي يصفه بأنه تصرف انتهازي. ولكن يبدو أن هذا يجب اعتباره قرضًا، لأن من خصائص الوديعة بقاء عينها، وأي تدخل فيها، خاصة إذا غيّر طبيعتها، محظور بالإجماع بين المذاهب الإسلامية (ما عدا المالكية الذين اعتبروه مكروهًا)، وخاصة إذا كانت الوديعة من جنس الدينار والدرهم، أي النقود النقدية، وهذا مستحيل. بينما في هذا النوع من الإيداع، من البداية يُفترض أن البنك له الحق المطلق في التصرف في أموال الحساب الجاري بلا استثناء أو منع، وهذا أمر طبيعي تمامًا ولا يحمل أي جانب انتهازي. لكن حذر البنك في التصرف في أموال الحساب الجاري تابع لطبيعة الجريان وضرورة توفر السيولة في كل لحظة بسبب احتمال السحب في أي وقت، وإذا لم يتخذ هذا الحذر، يتعرض البنك للخطر القانوني ويمكن مقاضاته. لذلك، حتى وفق المذهب المالكي لا يمكن تفسير الودائع الجارية على أنها ودائع، بل يجب اعتبارها قرضًا كاملاً، لأن التصرف فيها من قبل البنك ليس حالة استثنائية.

فيما يخص مسألة «نية الإيداع من قبل المودع» يجب القول إن هذا الأمر ناتج في الحقيقة عن عاملين:

العامل الأول هو أن هذا هو الحال في البنوك الربوية؛

والعامل الثاني هو أنه بسبب إمكانية الوصول الكامل إليها في أي لحظة، تقترب من حالة الوديعة، ونظرًا لأن هذا الإيداع مصحوب بالحفظ والصيانة، يؤدي إلى النتيجة نفسها التي تؤدي إليها الوديعة، ولكن يجب أن نعلم أن هذه النية، أبدًا وعندما نسعى لتبريرها شرعيًا، لا تتوافق مع وعي الطرفين بأن «عين المال» تصبح تحت التصرف الكامل للبنك فور تسليمها، ولهذا السبب فإن تماسكها ليس مع الوديعة بل مع القرض، حتى وإن أطلقوا عليها اسم إيداع؛ هذه العمليات تشبه الإيداعات الثابتة [طويلة الأجل] التي لا يمكن في البنوك الربوية أن يُطلق عليها اسمًا غير القرض حتى وإن تمت تحت عنوان الإيداع.

النتيجة هي: المعيار في العقود هو القصد والمضمون وليس الألفاظ والشكل. وإذا قبلنا أن هذه العمليات إيداع، يجب أن نؤمن بأن تصرف البنك في هذه المبالغ إما أن يضعها على ذمته أو يُعتبر مجرد تصرف في مال الوديعة؛ في الحالة الأولى، يعني الاقتراض الذي يشمل كل الوديعة ومنذ العقد الأول، لأن البنك يتصرف كمالك كامل في الحسابات الجارية ويقدم خدماته للاستفادة من السيولة الناتجة عن هذه الحسابات.

وحتى لو كانت هذه البنوك غير ربوية، فإنها تشارك في عمليات مضاربة كبيرة أو أي من العقود الشرعية، وتبدأ برأس مالها ثم تسحب مما يُعتبر مضاربة وأيضًا المبالغ التي تستلمها من الحسابات الجارية، وبالتالي تحصل على نصيبها الشرعي من الأرباح الناتجة عن أداء المضاربة.

ولكن إذا لم يكن المقصود من البنك تحمل ذمة المبالغ المذكورة، فهذا يعني أن الأموال المذكورة مع الأرباح (المشروعة) الخاصة بها تُعاد إلى المودع، لأنّه وفقًا لقاعدة ثبات الملكية، هو المالك الأصلي. يقول «كندري» من فقهاء الإمامية في هذا الصدد: «إذا تمّ التجارة بالمال المودع، فإنّ الربح يعود إلى صاحب المال والخسارة تقع على عاتق المتسلم للوديعة.» (کندری، اصباح الشیعه، 1416هـ، ص309).

يقول «الإمام الخميني»(قده) في المسألة السادسة من نشاطات البنوك: «إذا كانت المبالغ المسلّمة إلى البنك وديعة أو أمانة ولم يُعطَ البنك إذنًا بالتصرف فيها، فلا يحق للبنك التصرف فيها، وإذا تصرّف فيها فهو ضامن. ولكن إذا أذن [المودع]، فهذا العمل جائز، وكذلك إذا رضِي بهذا العمل، وفي كلتا الحالتين كل ما يدفعه البنك له حلال، ولكن إذا أُخذ الإذن بالتصرف مع الضمان ثم استُرجع، فالزيادة التي أُخذت كربح حرام، أما أصل القرض فهو صحيح، ويبدو أن الودائع البنكية على هذا النحو، وما يُسمى وديعة أو أمانة في الحقيقة قرض، وأخذ الفائدة أو الربح عليها حرام.» (امام خمینی، تحریر‌ الوسیله‌، 1410‌ق، ج2، ص 616).

يبدو أن كلا النوعين من أموال الوديعة، أي الوديعة النقدية والوديعة العينية، مقصودان، ويُسمح للبنك أن يتصرف في الوديعة العينية بإذن المالك مقابل عوض، ولكن إذا أدى التصرف في الوديعة إلى تملّكها، كما هو الحال في الودائع النقدية، فإنها تتحول إلى قرض، وأخذ الفائدة أو الربح عليها غير جائز، ولهذا السبب يصدر الإمام الخميني(قده) فتوى بأن الودائع البنكية سواء الجارية أو الثابتة هي في الواقع قرض.

يقول مؤلف «مستند تحرير الوسيلة» (الذي يبدو أنه تقرير من دروس الإمام نفسه) في تفسير هذه العبارة: «لأن وضع المال في البنوك كما هو متداول في الخارج يكون مع رضا [المودع] بتصرّف البنك بأي شكل، وحتى التصرفات التي تنقل [الملكية]، وهذه التصرفات التي يقوم بها البنك بأموال أصحاب هذه الأموال لا تُعتبر مبادلة، ولو كان الأمر كذلك لكان من اللازم أن تعود أرباح هذه المعاملات إلى أصحاب هذه الأموال؛ لأن «العوض» يدخل في ملكية من خرج منه «المعوّض»، ومع اعتبار أن البنك يحتفظ بالأرباح لنفسه، فهذا العمل شرعًا غير صحيح إلا مع التملّك مع الضمان [أي تعويض البنك في حال التلف]، ولكن إذا تصرّف في هذه الأموال بحيث ينقل ملكيتها، فإنها تخرج من حالة الأمانة والوديعة وتصبح قرضًا، وتسميتها وديعة إما لأن ذلك كان في البداية أو لأن التسليم إلى البنك ليس فقط لمصلحة المقترض، أي البنك، بل لمصلحة المقرض، أي المودع، أيضًا، لأن البنك يحمي هذه الوديعة من السرقة والتلف، ولهذا السبب يسمونها وديعة رغم أنها غالبًا أو دائمًا في الواقع قرض.» (مطهری، 1403هـ، ص 116).

ولكن «الشهيد الصدر»(قده) يقول في هذا الصدد:

«المبالغ التي توضع في البنوك الربوية ليست في الودائع الجارية (في حسابات الجارية) ولا في الودائع الثابتة (في الودائع طويلة الأجل)، بل هي قروض يمكن سحبها دائمًا أو في فترة زمنية محددة، لأن ملكية العميل بالنسبة للمبلغ المودع لدى البنك تنعدم تمامًا، ويكون للبنك صلاحيات كاملة في التصرف فيه، وهذا لا يتوافق مع طبيعة الوديعة (الأمانة)، ولكن يُسمى المبالغ التي يأخذها البنك ودائع لأنّها تاريخيًا كانت على شكل ودائع، وتدريجيًا خلال تجارب البنوك وتوسع نشاطاتها في عمليات الإقراض والاقتراض، احتفظوا بمصطلح الوديعة لفظيًا رغم فقدانه للمضمون الفقهي؛ موقف البنك غير الربوي تجاه الودائع التي تطلبها البنوك الربوية يقوم على التمييز بين الودائع الجارية والودائع الثابتة. تعتبر البنوك الودائع الجارية قرضًا ولا تدفع عليها أي فائدة، أما الودائع الثابتة فتُقبل كوديعة بالمعنى الفقهي للكلمة، ولكنها في الحقيقة ليست ودائع سلمت إلى البنك للحفظ فقط، بل إلى جانب الإيداع، يُفوّض المودع البنك بالتصرف في المال وعقد المضاربة به.

وبذلك يختلف المضمون الفقهي لقبول ودائع العملاء من قبل البنوك غير الربوية حسب كون الودائع جارية أو ثابتة. وفيما يتعلق بالسحب من هذا القرض أو تسويته وتبريره، يرى أن حسابات البنوك الجارية تعبر عن الديون المتبادلة، والودائع في الحقيقة تمثل رصيد دائن للعميل، ويُسجل البنك كل ما يسحبه هذا العميل في حسابه كمديونية، والحسابات الجارية من وجهة النظر الغربية تعبر عن عقد مستقل قائم بذاته وخالٍ من الحقوق النقدية ذات الخصائص الفردية التي تتحول إلى عناصر حسابية، وفي النهاية يكون الرصيد الدائن الذي يجب سداده هو الناتج، لأن القانون الغربي لا يزال يرى أن المقاصة بين حساب مدين وحساب دائن تحتاج إلى اتفاق بين الطرفين، بينما الفقه الإسلامي (وفقًا لرأي الإمامية والحنفية) يؤمن بالإجبارية في المقاصة؛ بمعنى أنه لا يمكن التنازل عنها، لأنها فعلاً لا تُسقط؛ ويمكن تفسير عملية السحب من الحساب على أنها استيفاء [جزء من] الدين، ويفضل هذا التفسير بحيث إذا كان السحب بلا وجه حق، فهذا يعني إنشاء دين جديد للبنك على حساب العميل.» (صدر، د.ت.، ص84 88‌).

يبدو أن هذا الميل إلى اعتبار الوديعة قرضًا في مثل هذه الظروف هو الميل السائد بين فقهاء المذاهب المختلفة.

في هذا السياق، ورد في كتاب «كشاف القناع» الذي هو تأليف قائم على الفقه الحنبلي أن الوديعة مع الإذن بالانتفاع بها هي «عارية مضمون» (أمانة مضمونة) (بهوتی‌، 1947م، ص141). كما ورد في «المغني» أنه إذا استعار أحدهم دراهم ودنانير لينفقها، اعتبر ذلك قرضًا (ابن قدامه‌، ج5، ص207 208).

وفي الفقه الحنفي أيضًا يقول «السمركندي»: «كل مال لا يمكن الانتفاع به إلا بصرفه، فهو في الحقيقة قرض، ولكن مجازًا يسمونه عارية (وديعة)» (سمرقندی، ج3، ص284).

وكذلك يقول «شمس الأئمة السرخسي» في هذا الشأن: «إيداع الدراهم والدنانير قرض، لأن الإيداع يعني الإذن بالانتفاع، والانتفاع بالنقود لا يكون إلا بصرف عينها، لذلك أُذن له [المستودع] بذلك» (کاسانی، المرجع السابق، ج8، ص3899).

ويبدو أن القوانين المدنية قد شهدت تحولات في مسألة الودائع. فقد نقل عن الأستاذ «ريبير» الحقوقي الفرنسي أنه رغم تفضيله فكرة تفسير الوديعة كأمانة تُحفظ لدى البنك، إلا أنه يرى أن هذا مجرد تصور نظري، لأنه يتعارض مع إمكانية تصرف البنك في الأموال، ولذلك مال أكثر إلى فكرة اعتبار الودائع البنكية ودائع ناقصة أو غير عادية، بينما اقترح بعض العلماء أن تُعطى للوديعة صفة جديدة؛ وقد أكد هذه الفكرة «الأستاذ علي بارودي» في كتابه: «القانون التجاري اللبناني» (ص288). وفقًا لهذا القانون، يقوم المودع بإيداع أمواله للحفاظ عليها، لكنه في الوقت نفسه لا يمنع البنك من استخدامها.

لكن الأستاذ «الدكتور سامي أحمد محمود» رد عليه قائلاً: اللجوء إلى هذا الحل يجب أن يكون فقط بعد استحالة تفسيرها بشكل آخر، مثل اعتبارها قرضًا للبنك. هذا التفسير، كما يقول «الأستاذ علي جمال الدين»، جذب رأي غالبية الحقوقيين الفرنسيين، لأنه يراعي وضع العمليات العامة [للبنوك]. وقد اعتمدته القوانين المصرية أيضًا؛ ففي المادة 726 جاء: «إذا كانت الوديعة مبلغًا من المال أو أي شيء آخر يُستهلك بالانتفاع به، وكان للمستودع الحق في الانتفاع به، اعتُبرت قرضًا» (انظر‌: سامی حسن احمد محمود، ص264).

لذا، وجود عنصر الضمان للأموال المدفوعة [كوديعة أو قرض] وتصرف البنك الكامل والحر فيها كما يتصرف المالك، وانتماء الزيادة الناتجة للبنك، كلها دلائل قاطعة على أن هذا العقد «عقد قرض»، لأن المقصود منه هذه النتائج، رغم استخدام تعبير «وديعة». ورأي «المجمع الفقهي الإسلامي» هو نفسه. ففي قرار الدورة التاسعة للمجمع جاء:

القرار رقم 90/3/د9 بشأن «الودائع البنكية» (الحسابات الجارية):

أولاً: الودائع الجارية (الحسابات الجارية) سواء كانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية، هي قرض بالمعنى الفقهي، بحيث يكون البنك المستلم لهذه الودائع ضامنًا لها وملزمًا شرعًا بإعادتها عند الطلب (من المودع)؛ وأن كون البنك المقترض غنيًا لا يؤثر في اعتبار الوديعة قرضًا بنكيًا.

ثانيًا: الودائع البنكية حسب ما هو متداول حاليًا في البنوك نوعان:

أ: الودائع التي تُمنح عليها فائدة كما هو الحال في البنوك الربوية، وهذه الودائع سواء كانت جارية أو لأجل أو مشروطة [قابلة للسحب بإشعار مسبق] أو حسابات توفير، تُعتبر قروضًا ربوية ومحظورة.

ب: الودائع التي تتم لدى البنوك الملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية وبعقد استثمار يعتمد على تقاسم جزء من الربح، تُعتبر رأس مال مضاربة وتطبق عليها أحكام المضاربة (القرض) في الفقه الإسلامي؛ ومن هذه الأحكام عدم ضمان المضارب (البنك) لرأس المال.

ثالثًا: الضمان في الودائع الجارية (الحسابات الجارية) يكون على عاتق المقرضين للبنك (مساهمي البنك) طالما أنهم يستفيدون من أرباح استثماراتهم، وفي هذه الحسابات الجارية لا يشارك المودعون في القرض أو استحقاق الربح.

رابعًا: رهن الودائع سواء كانت جارية أو ودائع استثمارية (حسابات جارية) جائز، ويحدث الرهن إذا لم يكن لصاحب الحساب حق التصرف في ودائعه خلال مدة الرهن. وإذا رهن البنك نفسه الذي فتح فيه الحساب الجاري، يجب تحويل المبالغ [الوديعة التي تحولت إلى رهن] إلى حساب الاستثمار. في هذه الحالة، وبسبب تحول المسألة من قرض إلى مضاربة، يسقط الضمان ويصبح ربح الحساب من حق صاحبه، حتى لا يستفيد الراهن (أي البنك) من زيادة الرهن.

خامسًا: إذا تم الاتفاق بين البنك والعميل، يمكن حجز جزء من حسابات الوديعة.

سادسًا: أساس مشروعية المعاملات هو الأمانة والصدق وتقديم تقارير صحيحة وواقعية عن الأداء، بحيث تزيل أي غموض أو شك، وتكون متوافقة مع الأهداف الشرعية. وهذه النقطة مهمة ومؤكدة بشكل خاص بالنسبة للبنوك وحسابات الودائع لديها.

* * *

مثال عملي نظري

مهام الدولة في مجال الدخل الفردي:

تختصر سياسة الدولة ومهامها في مجال الدخل الفردي في الحالتين التاليتين:

أ- دعم الملكية الخاصة ومواجهة كل اعتداء على هذا الجانب؛ فتندرج أحكام الغصب والسرقة وما شابهها ضمن هذا الباب؛

ب- مراقبة أداء مهامها الاجتماعية بناءً على الحق المصحوب بالمسؤولية وليس الحق المطلق؛ بمعنى أنه إذا سلكت الملكية الخاصة مسارًا تُداس فيه حقوق المجتمع أو تحولت إلى عنصر مخل به، فإن الحاكم يوقف هذا المسار. ويستفاد هذا من نصوص كثيرة (آيات وأحاديث) وأحكام معروفة في مجال «الحجر» (منع التصرف في المال) أو «الكسب الحرام» أو أحاديث مثل: «لا ضرر ولا ضرار»، فمثلًا يُستفاد من الآية: «وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُم» (نساء/5) أن هذه الأموال (التي هي في ملكية هؤلاء السفهاء والمغفلين) تُنسب إلى المجتمع، وتُحدد مهام الحاكم في إصلاح المجتمع لمنع هؤلاء السفهاء والمغفلين من التلاعب بحرية بثروات المجتمع كما يشاؤون.

والآن، إذا عرّفنا السفه على أنه عدم التمتع بالتوازن والوعي والنضج المطلوبين لإدارة الأموال بشكل صحيح، والاضطراب والعجز عن الفهم، فإن ذلك يفتح أمامنا مجالًا واسعًا لتدخل المجتمع في العديد من التصرفات غير المتزنة وأنواع العطاءات والهبات غير المناسبة.

وأحاديث «لا ضرر ولا ضرار» (الإضرار بالغير أو التعرض للضرر) تشكل أساس قاعدة مهمة في مجال «الأحكام الثانوية» وتمهد الطريق لتدخل الدولة في حماية حقوق [الأفراد أو الجماعات] ومنع الملكية [الخاصة أو الجماعية] التي تضر بمصالح الأفراد أو بالمصالح العليا للمجتمع. وبهذا يمكن اعتبار تدخل الدولة الكامل لمنع زيادة وتكديس الثروة التي قد تخل بالتوازن العام لتوزيع الثروة؛ فالتكديس قد يكون في المجالات الزراعية أو الصناعية أو التجارية أو أي قطاع آخر، وله عواقب ضارة على الأوضاع الاجتماعية والتوازن القائم فيها. ويمكن أيضًا اعتبار تدخل الدولة لمنع أنواع الإنتاج الضخم لدعم الطبقات ذات الدخل المتوسط.

والآن، إذا أضفنا إلى ما ذُكر نصوصًا تؤكد على دفع رسوم مالية (ضرائب) استحقاقية لصالح المجتمع، نستنتج أن الإسلام أغلق كل السبل أمام أي استغلال للملكية الخاصة لتحقيق ما يلي:

1- الاستهلاك أو المبادلات غير المنطقية من خلال منع السفيه والمريض المحتضر والمدين وغيرهم من إجراء أي صفقة؛

2- المبادلة غير المشروعة للملكية وكل ما لا يتوافق مع القيم الأخلاقية والاقتصادية التي يؤمن بها الإسلام، مستفيدًا من أحاديث منع الكسب الحرام.

يقول «آية الله الشهيد صدر» (قده) في هذا الصدد:

«تصرف المالك في أمواله بطريقة تؤدي إلى إلحاق الضرر بالآخرين يكون على صورتين: الأولى تصرف يسبب ضررًا ماليًا مباشرًا لشخص آخر وينقص من أمواله، مثلًا عندما يحفر في أرضه فيؤدي ذلك إلى انهيار بيت الجار المجاور. والثانية تصرف يسبب ضررًا غير مباشر دون أن ينقص من أموال الآخرين، مثلًا الأساليب المتبعة في الرأسمالية الكبرى التي تهدم الوحدات الاقتصادية الصغيرة؛ هذه الأساليب لا تزيل شيئًا من ممتلكات أصحاب الوحدات الصغيرة، لكنها قد تجبرهم على بيع بضائعهم بأرخص الأسعار والانسحاب من سوق المنافسة وعدم القدرة على الاستمرار في عملهم.

النوع الأول (إلحاق الضرر بالآخرين) يشمل القاعدة الإسلامية «لا ضرر ولا ضرار» وبموجب هذه القاعدة الفقهية يُمنع المالك من القيام بهذا التصرف. أما العلاقة بين النوع الثاني (إلحاق الضرر بالآخرين) وهذه القاعدة العامة [لا ضرر ولا ضرار] فتتوقف على تحديد مفهوم الضرر؛ فإذا كان الضرر يعني نقصًا مباشرًا في المال أو النفس، وهو رأي كثير من الفقهاء، فلا يمكن شمول هذا النوع من الضرر بهذه القاعدة، لأنه ليس ضررًا بهذا المعنى، أما إذا كان الضرر يعني اضطراب الأوضاع كما ورد في كتب اللغة في معنى الضرر، فإننا نواجه مفهومًا أوسع من النقص المالي المباشر، وبناءً عليه يمكن إدراج الضرر من النوع الثاني ضمن هذا المفهوم والقول بتقييد سلطة المالك على أمواله ومنعه من القيام بكلا النوعين من التصرفات الضارة، لأن كل هذه الأعمال تؤدي إلى سوء حال الآخرين، وسوء الأوضاع كما شرحنا في مناقشاتنا الأصولية يعني النقص والضرر، وهذه القاعدة تشمل ذلك.» (صدر، 1400‌ق، ج2، ص565‌).

والحقيقة أنه في تفسير الضرر يجب الرجوع إلى العرف، ومن الواضح أن الإضرار بأصحاب المهن الصغيرة في الأموال المذكورة يُعتبر ضررًا عرفًا.

على أي حال، حتى لو لم يُقدم هذا الاستدلال، فإن «ولي الأمر» يمتلك الصلاحية والاختصاص اللازمين لتقييد أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة لتحقيق المصالح العليا للمجتمع وتحريك المجتمع بشكل متوازن.

3- التعدي على حقوق الآخرين وحقوق المجتمع، من خلال أحاديث منع الإضرار.

4- الهروب من أداء الواجبات الاجتماعية الكبرى، من خلال نصوص فرض الزكاة والرسوم المالية الأخرى وحرمة الامتناع عن دفعها.

النتيجة هي: يمكن القول إن أهم واجب للدولة في مجال الملكية الخاصة هو حمايتها من جهة، وضبطها لأداء واجباتها الاجتماعية من جهة أخرى.

واجبات الدولة بشأن مستوى معيشة [المواطنين]

عندما تؤدي الدولة واجباتها على المستوى الفردي، فإنها في الواقع قد أنجزت جزءًا كبيرًا من واجباتها العامة التي أطلقنا عليها اسم «مستوى المعيشة» أو «ضمان مستوى مرغوب من تناسب مستوى معيشة الأفراد في المجال الاقتصادي».

هنا يمكن القول إن هناك ركيزتين أساسيتين تقوم عليهما السياسة الاقتصادية للدولة الإسلامية: التأمين الاجتماعي والتوازن.

وفي مسألة التأمين الاجتماعي، هناك مجالان: التأمين الاجتماعي الفردي والتأمين الاجتماعي للمجتمع.

المقصود بـ«التأمين الاجتماعي الفردي» هو أن كل فرد في المجتمع الإسلامي يضمن أمرين أدناه كواجبات لا يمكن تجاهلها:

أ: الاحتياجات الأساسية والضرورية والحيوية لكل فرد في مستوى المجتمع الإسلامي؛

ب: الاحتياجات الأساسية والضرورية للجميع في المجتمع الإسلامي التي تعتمد عليها بقاء المجتمع واستمراره.

أما المقصود بـ«التأمين الاجتماعي للمجتمع» فهو ضمان الدولة، نيابة عن المجتمع، لتحقيق الأمرين التاليين:

أ: توفير الاحتياجات العرفية للأفراد لرفعهم إلى مستوى عدم الحاجة؛

ب: تأمين أفضل حالة ممكنة للحياة الاجتماعية. لا حاجة إلى الاستدلال بشأن هذين النوعين من التأمين الاجتماعي، لأنهما يمكن اعتباره من المسلّمات الفقهية تقريبًا، ولكن للتأكيد أكثر، نستعرض النصوص (الأحاديث) التالية:

1- عن الإمام جعفر الصادق(ع) رواية قال فيها: «تعطيه من الزكاة حتى يصبح غير محتاج.» (حر‌ عاملی، المرجع السابق، ج6، ص178).

2- قال الإمام محمد الباقر(ع): «إذا أعطيته شيئًا، فاجعله غير محتاج.» (المرجع السابق‌، ج6، ص298).

3- عن الإمام جعفر الصادق(ع) نقل أنه قال: «من أهم الواجبات التي قدرها الله للخلق ثلاثة أشياء: العدل بين المؤمنين بحيث يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه؛ المساواة مع أخيه في المال و…» (المرجع السابق، ص312).

4- يروي أبان عن الإمام جعفر الصادق(ع) أن الإمام قال له في حديث عن حق المؤمن على أخيه المؤمن: «يا أبان! يجب أن تقسم أموالك معه.» ثم نظر إليّ وقيّم تأثير كلامه عليّ، وقال: «يا أبان! هل تعلم أن الله ذكر المحسنين إلى أنفسهم؟» فقلت: نعم، فداك أبي. قال: «إذا شاركته في مالك وأعطيته نصف مالك، فأنت لم تحسن إليه، لأنكما في هذه الحالة متساويان، والإحسان يكون عندما تعطيه من النصف الآخر.» (صدر، المرجع السابق، ص617).

5- عن علي(ع) رواية قال فيها: «من مد يده إلى مؤمن طالبًا كأنه مد يده إلى الله تعالى.»

6- عن الإمام جعفر الصادق(ع) رواية قال فيها: «يأتي وقت يكون فيه من مد يده إلى الناس طلبًا للحاجة يظل حيًا، ومن سكت يموت.» سأل الراوي: ماذا أفعل إذا أدركت ذلك الوقت؟ قال الإمام: «ساعد الناس بكل ما لديك، وإن لم تجد شيئًا فضع من كرامتك وشرفك.»

7- عن الإمام جعفر الصادق(ع) رواية قال فيها: «كل مؤمن يمنع شيئًا من مؤمن يحتاجه، مع أنه يستطيع أن يلبيه بنفسه أو بوساطة غيره، يُحضر الله تعالى يوم القيامة بوجه أسود وعيون زرقاء ويدين مربوطتين إلى عنقه، ويشيرون إليه قائلين: هذا خائن خان الله ورسوله، ثم يأمرون بإلقائه في نار جهنم.»

يقول الشهيد صدر(ره) في تفسير هذا الحديث: «رغم أن الحاجة وردت مطلقة في هذا الحديث، إلا أن المقصود بها الحاجة الشديدة.» (صدر، المرجع السابق، ص623).

الركيزة الثانية – التوازن

هذه الركيزة الثانية المهمة من واجبات الدولة بشأن مستوى المعيشة، والتي لا تتحقق السياسة الاقتصادية للدولة بدونها.

المقصود بالتوازن ليس المساواة المطلقة وتكافؤ مستوى معيشة الأفراد مع بعضهم البعض، بل المقصود هو التقارب الطبيعي بين مستويات المعيشة المختلفة وعدم وجود فروقات شاسعة بينها. والشرح هو: من الناحية الفقهية هناك حدان لمستوى المعيشة الفردي لا يجوز تجاوزهما: أحدهما الإسراف كحد أعلى، والآخر عدم الحاجة كحد أدنى. المقصود بالإسراف هو الابتعاد المفرط عن المستوى الطبيعي والمتوسط للمعيشة، والمقصود بعدم الحاجة هو الحد الطبيعي لمستوى المعيشة الفردي، أي المعيشة المتوسطة.

وبالنظر إلى طبيعة الأهداف الاقتصادية للدولة الإسلامية، يمكن الاستنتاج أن الحد الأدنى المقبول في الإسلام هو عدم الحاجة، والحد الأقصى هو عدم الإسراف المذكور. ومن هنا يمكن القول إن الدولة الإسلامية ملزمة بتوظيف جميع إمكانياتها المالية والمعنوية في سبيل رفع مستوى معيشة الطبقات المحرومة في المجتمع وتوفير الشروط اللازمة لتحقيق الحد الأدنى من عدم الحاجة المرغوب؛ كما أنها ملزمة بأن تضغط بكل قوتها على الطبقات المرفهة والمتجاوزة الحد الطبيعي في المجتمع بشدة حتى تصل إلى ما يُعرف عرفًا بعدم الإسراف؛ وبهذا يتحقق التوازن الإسلامي المرغوب في المجتمع وتزول الفروقات غير الطبيعية وكل نتائجها السلبية. ولكن يجب أن يُعلم أن زوال المجتمع الطبقي لا يعني زوال الفروقات الكلية بين مستويات المعيشة المختلفة؛ هذه الفروقات، كما عبّر الشهيد الكبير سيد محمد باقر صدر(ره)، ستبقى ليست على المستوى الطبقي بل على مستوى درجات مختلفة، وهذا لا يشكل مشكلة بل بل يعتبر نقطة قوة أيضًا بالنظر إلى النقطتين التاليتين:

أ: وجود اختلاف في القدرات الذهنية والجسدية للأفراد، وبالتالي اختلاف في القدرات الإنتاجية؛

ب: قبول أصل الملكية من قبل الإسلام الذي يؤدي إلى التفاوت في ملكيات الأفراد وقدراتهم على تحقيق مستوى أرقى من الحياة. عندما نمهد الطريق لزيادة ورفع مستوى حياة الأفراد، فإننا نوفر دافعًا قويًا للإنتاج ولم نقمع فيهم حس المبادرة والإبداع والابتكار والاجتهاد.

لا ينبغي أن يُظن أن توفير الحد الأدنى من مستوى الحياة للأفراد من قبل الدولة يؤدي إلى الكسل والتواكل، لأن الدولة لن تقوم أبدًا بتوفير هذا الحد الأدنى بشكل كامل إلا إذا تم استخدام وسائل أخرى، منها توفير وسائل الإنتاج لمن هم قادرون على العمل أو توفير رأس مال نقدي لإنشاء رؤوس أموال صغيرة تساعد الأفراد على بدء مشروع صغير لأنفسهم؛ لذلك، العكس هو الصحيح، لأن الإنتاج سيجد عناصر جديدة لنفسه، بالطبع إذا كانت سياسة الدولة تسير بجدية ومثابرة نحو هذا الهدف.

بالطبع لا يمكن تحديد هذين الحدين من مستوى الحياة بشكل دقيق وجدي، فهو دائمًا تابع للظروف المتغيرة مثل مستوى الإنتاج، توفر الموارد الطبيعية، كثافة السكان، غياب الأزمات الاقتصادية، الظروف الجغرافية، الظروف السياسية والاجتماعية وغيرها. ولهذا السبب يجب النظر إلى جهاز أو هيئة خبراء تتابع كل هذه العوامل والمتغيرات وتستخلص في ضوئها مقدار وحدود مستوى الحياة المذكور.

ومن الضروري أيضًا التذكير بأن التوازن المشار إليه لا يشمل مستوى حياة الأفراد بشكل مباشر، لأن العلاقة بين مستوى الدخل ومستوى حياة الأفراد ليست بالضرورة واضحة، ورغم أن هذه العلاقة موجودة في الحالات الطبيعية، إلا أنها قد تنقطع لأسباب أخلاقية مثل حالة التقوى أو لأسباب قانونية مثل منع الإسراف في حالات خاصة أو لأي سبب آخر، وبالتالي كقاعدة، لا يوجد حد للدخل في الدولة الإسلامية، ولكن هذا لا يعني أن الدولة الإسلامية لا تستطيع التحكم في النمو غير الطبيعي للدخول الفردية، وإذا لاحظت أن هذا النمو يؤدي إلى تراكم الثروة في أيدي قلة قليلة ويتسبب في نتائج غير طبيعية ويحد من القوة الاقتصادية للجماهير في مجالات الإنتاج والتبادل السلعي، أو أن النمو المتزايد للثروة يساعد الأجهزة الإدارية على تحقيق التوازن المرغوب فيه… يمكنها أن تحد من الدخول غير المتوازنة بمنع الدخول إلى بعض المجالات الاقتصادية، وتخصيص هذه المجالات للاستثمار في القطاع التعاوني أو الشركات المساهمة أو لأفراد أو مجموعات خاصة، أو تفرض ضرائب تعاونية لتحقيق هذا الهدف. وبالطبع، ليس هذا المكان لمناقشة الأسس التشريعية لهذا الأمر، ولكن يكفي الإشارة إلى السلطة القانونية التي يتمتع بها الولي الفقيه والتي بموجب النص الصريح في آية القرآن يجب على جميع المؤمنين طاعته. هذه السلطة واسعة جدًا وفي مسار تحقيق المصلحة الاجتماعية والأهداف الاقتصادية المحددة.

طريقة الشهيد الصدر(ره) في فهم المدرسة الاقتصادية الإسلامية والرد على الاعتراضات

من الظواهر الواضحة في فكر «الأستاذ الشهيد محمد باقر الصدر»(قدس سره)، نظرياته؛ الذين عرفوه وتلمذوا عنده واجهوا بوضوح هذه الظاهرة في جميع أبعاد هذا الفكر الواسع والمبدع؛ فقد كان إلى جانب نظرياته الفلسفية والأصولية، يمتلك نظرية في الأمور الفقهية والفكرية، وحتى عندما كان يدرس التاريخ أو يحاول طرح علاقة البشرية بالخالق ومسؤولياتها، كان يعرض فكرة نظرية من خلال دراسة التاريخ والإنسان وأهداف الخلق في إطار العلاقة بين خط الخلافة [النيابة عن الله على الأرض] وخط الشهادة [الشهادة].

طريقة «الشهيد الصدر»(ره) في اكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية:

يمكن تلخيص هذه الطريقة في النقاط التالية:

1- السعي للتمييز بين المسائل العلمية من جهة والمسائل الدينية من جهة أخرى، على أساس أن العلم هو ما هو موجود (كائن) والدين هو ما يجب أن يكون. كما أن موضوع الدين هو «العدالة الاجتماعية»، في حين أن موضوع العلم هو تفسير وشرح الواقع بمعزل عن العدالة الاجتماعية. (صدر، المرجع السابق، ص362).

2- التفريق بين الدين والقانون، لأن الدين هو مجموعة النظريات الأساسية التي تحل مشاكل الحياة الاقتصادية، في حين أن القانون المدني يتناول تفاصيل العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية، ولهذا السبب: «من الخطأ أن يقدم الباحث الإسلامي مجموعة من الأحكام الإسلامية التي هي في الواقع على مستوى القوانين المدنية بالمعنى الحديث ويعرضها استنادًا إلى النصوص التشريعية والفقهية كمذهب اقتصادي إسلامي؛ وهو ما يفعله بعض الكتاب المسلمين. ومع ذلك، هناك علاقات قوية بينهما باعتبارهما مدمجين في مجموعة مركبة ونظرية واحدة.» (المرجع السابق‌، ص365 366). والنتيجة أن القانون هو قاعدة الدين.

3- التأكيد على أن ما يقوم به الباحث الإسلامي ليس عملاً لإنشاء مذهب [اقتصادي] تكويني كما يفعل الإيديولوجي غير الديني، بل هو بمعنى اكتشاف مذهب، لأنه يقف أمام اقتصاد كامل قائم، وعليه أن يميز صورته الحقيقية ويحدد نظامه الكلي؛ والاختلاف في خصائص هذين المسارين يكمن هنا.

مُبدِع [نظرية أو نظام اقتصادي] يبدأ في المقام الأول بالتعرف على الوضع القائم للنظريات العامة لمذهب معيّن، ليؤسس عليه بنيته من القوانين الجزئية، أما المكتشف فيبدأ من خلال النزول من المستويات العليا لاكتشاف أعماق النظرية، وقد لا ينجح ليس فقط في الوصول إلى الخطوط النظرية عبر البحث في النصوص، بل قد لا يدرك الحقائق العلمية التي تستند إليها النظرية الدينية محل النقاش (من ذلك اكتشاف موقف الإسلام من النظرية العلمية السكانية لمالتوس).

4- التأكيد على هذه النقطة أن اكتشاف مذهب ما لا يقتصر على تقديم الأحكام الجزئية فقط، بل يجب بالضرورة دراسة كل حكم منها كجزء من كل وجانب من نظام كلي ومترابط، حتى يمكن استنتاج القاعدة العامة الكامنة في مجموع الأحكام. (المرجع السابق، ص376).

5- كما أن الأحكام تشارك في عملية الاكتشاف، فإن المفاهيم أيضًا تشارك في هذه العملية، والمقصود بالمفهوم هو كل تصور إسلامي يفسر واقعًا عالميًا أو اجتماعيًا أو تشريعيًا؛ فمثلاً، الإيمان بارتباط الكون بالله تعالى هو مفهوم محدد للكون. وكذلك، الاعتقاد بأن البشرية مرت بمرحلة الفطرة قبل بلوغ مرحلة العقل هو مفهوم إسلامي للتاريخ والمجتمع.

وكذلك الاعتقاد بأن الملكية ليست حقًا ذاتيًا بل هي عملية استخلاف (خلافة) للإنسان على مالٍ يعود إلى الله تعالى، هو مفهوم خاص بالملكية. كل هذه المفاهيم يمكن أن تساعدنا في اكتشاف مذهب [الاقتصاد الإسلامي].

6- من الضروري عند اكتشاف هذا المذهب أن نكون واعين لمنطقة الحرية، لأن نظام الاقتصاد يشمل جانبين: أ) جانب محدد بشكل كامل حيث كل شيء فيه معلوم؛ ب) جانب أو جزء تُترك معالجته للدولة الإسلامية. النبي الأكرم( قد طبق الجزء الأول عمليًا وحدد كل شيء فيه، وملأ الجزء الثاني باعتباره ولي الأمر، وعلى الرغم من أن الأوامر الصادرة بناءً على ولاية الأمر لا تُعد أحكامًا ثابتة [أولية]، فإن هذه الأوامر [أوامر النبي العظيم في مجال ملء منطقة الحرية] تُعد دليلًا جيدًا للاستنتاج بشأن طرق ملء هذه المنطقة ومتوافقة ومنسجمة مع تحقيق الأهداف العليا للاقتصاد الإسلامي. (المرجع السابق، ص380).

7- بما أن الأحكام والمفاهيم هي بوابتنا للوصول إلى الخطوط الرئيسية لهذا المذهب، وأن النصوص الدينية غالبًا لا تقدم هذه الأحكام والمفاهيم مباشرة، بل تتطلب اجتهادًا معقدًا للاستفادة من تلك النصوص واكتشاف مضمونها: «الصورة التي نقدمها عن مذهب [الاقتصاد] الإسلامي، بما أنها مرتبطة بالأحكام والمفاهيم المذكورة، هي انعكاس لاجتهاد معين، وطالما أنها اجتهادية، فهي لا تقدم بالضرورة الصورة الحقيقية لهذا المذهب، لأن الاجتهاد دائمًا يحتمل الخطأ. ولهذا السبب، قد يقدم العلماء المسلمون، بناءً على اختلاف اجتهاداتهم، صورًا مختلفة للمذهب الاقتصادي الإسلامي، وكل واحدة من هذه الصور تُعد صورة للمذهب الاقتصادي الإسلامي، لأنها تعبر عن مسار اجتهادي سمح به الإسلام وقبله، وبالتالي فإن الصورة المقدمة طالما أن الاجتهاد شرعًا جائز، فهي صورة إسلامية.» (المرجع السابق، ص383).

وبذلك، يتم الاجتهاد على مرحلتين:

1- مرحلة اكتشاف الحكم أو المفهوم من بين النصوص؛

2- مرحلة استنباط الخطوط الرئيسية للمذهب من بين مجموعة الأحكام والمفاهيم المتناسقة من وجهة نظر المكتشف [المجتهد] في مجال اكتشاف هذا الخط.

وهذه النقطة، التي سنوضحها لاحقًا، تُعتبر نقطة ضعف في مسار هذا الاكتشاف.

8- تحدث الشهيد صدر عن المخاطر التي تواجه مسار الاجتهاد، خصوصًا فيما يتعلق بالأحكام المرتبطة بالجوانب الاجتماعية لحياة الإنسان: «لهذا السبب، فإن خطر التفسيرات الشخصية في مسار الاكتشاف الاقتصادي الإسلامي أكبر بكثير من هذا الخطر في مسار الاجتهاد في الأحكام الفردية.» (المرجع السابق‌، ص384‌).

ومن بين هذه المخاطر يمكن الإشارة إلى ما يلي:

أ: تبرير الوضع القائم؛

ب: تجريد الأدلة الشرعية من شروطها وسياقاتها؛

ج: اتخاذ مواقف مسبقة تجاه نص معين. (المرجع السابق‌، ص386‌).

9- من بين أكثر المراحل حساسية في هذا المنهج، الموضوع الذي أشار إليه الشهيد صدر(ره) بعنوان «ضرورة التوجه الفردي»، وذكر أن الاجتهاد في اكتشاف الحكم الجزئي طالما أنه يؤدي وظيفته ويقع ضمن إطار القرآن والسنة ووفقًا للشروط العامة التي لا يمكن تجاهلها، فهو يتمتع بصفة شرعية وجانب إسلامي؛ لكن مع استمرار الاجتهاد، يصل إلى مرحلة يجب فيها تقديم فكرة عامة عن الاقتصاد الإسلامي (مذهب الاقتصاد الإسلامي)؛ في هذا المذهب، كل الأحكام والمفاهيم المستنبطة اجتهاديًا للاقتصاد الإسلامي تحمل جانبًا من البيانات التي يمكن أن تقدم لنا صورًا متعددة؛ كل هذه الصور شرعية وإسلامية، ويمكننا في كل مجال اختيار الأحكام والمفاهيم الأقوى والأقدر على حل مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام، والمكتشف (المجتهد) يمتلك حرية المناورة للاختيار الفردي من بين البيانات المختلفة، ويتمتع بحرية كاملة، بالطبع ضمن إطار الاجتهادات المتنوعة. كما أن المكتشف غير ملزم بأحكام مجتهد معين، وحتى لا يكون ملزمًا بأحكامه الخاصة للوصول إلى المبتغى.

يذكر الشهيد صدر لتبرير هذه الحرية العملية للمجتهد والمكتشف أن هذه هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف النظرية الإسلامية والقواعد المذهبية في الاقتصاد في بعض الحالات، ولتوضيح المسألة يشير إلى ما يلي:

أ- الأحكام المتفق عليها بين المسلمين وما لا يزال يحتفظ بموضوعيته القطعية لا يتجاوز 5% من مجموع كل الأحكام؛

ب- الاجتهاد هو عملية معقدة معرضة للشك والتردد من كل جانب، وأي نتيجة يصل إليها المجتهد تكون رأيه المرجح، لكنه في الوقت نفسه لا يعلن صحتها بحسم، ورغم ذلك فإن الإسلام يسمح بالعمل بهذا الرأي ويحدد للمجتهد نطاقًا يمكنه فيه الاعتماد على ظنه، وذلك ضمن القواعد التي طرحت في علم الأصول؛

ج- من المنطقي تمامًا أن يكون لكل مجتهد مجموعة من الأخطاء والانحرافات عن الشريعة الإسلامية، رغم أنهم في هذا الأمر معذورون؛

د- كما أنه من المنطقي أن تكون حقيقة الشريعة الإسلامية متفرقة بنسب مختلفة بين وجهات نظر المجتهدين المختلفة (وأن تكون حقيقة الشريعة مختلفة عما يصوره كل مجتهد)؛

هـ- ليس من الضروري أن يعكس اجتهاد كل من هؤلاء المجتهدين ومجموعة الأحكام التي يشملها مذهبًا اقتصاديًا كاملاً وأساسًا موحدًا ومتناسقًا مع الأحكام وتفاصيلها؛

و- قد يكون الشخص الذي يسعى لاكتشاف المذهب الاقتصادي [الإسلامي] أثناء محاولته اكتشاف تفاصيل الحكم الشرعي في مواقف مختلفة، فمثلاً قد تؤدي مواقفه كمجتهد يكتشف الحكم الشرعي إلى نتيجة لا تتوافق ولا تتناسق مع أحكام أخرى يعتقد أنها تقع ضمن الخط العام لهذا المذهب، وهذه النظرية تفرض عليه كفقيه اختيار مجموعة متناسقة من الأحكام، حتى لو كانت بعض هذه الأحكام نتاج اجتهاد مجتهدين آخرين. والنتيجة هي أنه يستفيد من حريته ورغبته الداخلية في حذف النتائج غير المتناسقة أو العناصر التي لا تتوافق مع مجموعات أخرى، ويستبدلها بعناصر أو أحكام أكثر تناسقًا.

ز- أقل ما يمكن قوله عن مثل هذه المجموعة هو أنها «صورة يمكن أن تتطابق مع حقيقة الشريعة الإسلامية بشكل كامل، وهذه الإمكانية لا تقل عن إمكانية تطابق أي صورة أخرى كثيرة الوجود في البعد الفقهي والاجتهادي. ولهذا السبب لها مبرراتها الشرعية لأنها تعبر عن اجتهاد إسلامي مشروع تم في إطار كتاب الله وسنة نبيه، ومن ثم يمكن للمجتمع الإسلامي أن يختارها في المجالات التطبيقية من بين العديد من الصور الأخرى التي قدمت عن الشريعة الإسلامية والتي يجب اختيار واحدة منها.» (المرجع السابق‌، ص401).

10- في الختام، حذر مما أسماه «خداع التحقيق العملي». يقصد بـ«خداع التحقيق العملي» أن الإسلام دخل المجال العملي والتنفيذي على مدى عقود، ومن ثم جرت محاولات لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي مع مراعاة هذه الحقيقة. لكنه يؤكد أن المكتشف النظري (الباحث الذي يعتمد على النظرية) في هذا المجال هو الأكثر قدرة، لأن الواقع العملي لما تم تنفيذه خلال هذه السنوات قد لا يعكس محتوى النص النظري الغني، وقد يكون التنفيذ الجزئي لمجموعة النصوص [الاقتصادية الإسلامية] مضللاً ويدفع المكتشف إلى الاعتقاد بوجود عناصر رأسمالية في المذهب الاقتصادي الإسلامي، لأنه يصادف أشخاصًا في صدر الإسلام كانوا لهم حق الاستفادة الحرة من الثروات المعدنية، مع العلم أننا هنا لا نهدف إلى الخوض في تفاصيل هذا الموضوع.

هذا كان منهج وشكل «الشهيد صدر» في اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي. والآن سنحاول الرد على بعض الاعتراضات المطروحة في هذا الصدد، ونكتفي هنا باعتراضين فقط:

1- الاعتراض على فائدة ونتيجة هذا المنهج

2- الاعتراض على شرعيته.

الاعتراض الأول: فائدة هذا العمل.

يعتقد بعض النقاد أن هذا المنهج مضيعة للوقت وجهد بلا جدوى، وأنه بما أننا اكتشفنا حكم الإسلام بشأن مختلف الدخل الاقتصادي فلا داعي لاستئناف هذا المنهج، لأنه لا يضيف شيئًا إلى واجبات الفرد والمجتمع، بل يتحدث فقط عن الأسس النظرية لهذه الأحكام، ويجب على الشريعة نفسها أن تتحمل مسؤولية معرفة كل الأوضاع الاقتصادية وحقائق العالم وعلاقات الإنسان بالطبيعة والآخرين، وأن تراعي الجانب الديني والسلوك المناسب، وأن تكون قد أخذت ذلك في الاعتبار في الأحكام التي قدمتها، وعندما نسعى للتوافق مع معتقداتنا وتحقيق أهداف الشريعة يمكننا تنفيذها. فما الحاجة إذًا إلى هذا البحث والجهد المرهق لفهم الأسس النظرية المتعلقة بها؟

في الرد على هذا الاعتراض يجب القول:

التأمل في النتائج العظيمة التي حققها هذا المنهج على الأقل في المجال النظري، والاهتمام بالاستقبال الواسع لهذا البحث الثمين الذي لا تغني عنه حتى الجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم والمراكز الاقتصادية المتخصصة والأبحاث والدراسات الاقتصادية الإسلامية المختلفة، والتي شرعت في تدريس الكتاب القيم «اقتصادنا» وطرحت موضوعاته للنقاش والدراسة العلمية، وترجمة هذا العمل إلى لغات مختلفة، وتأمل وفكر العلماء الغربيين لاكتشاف الخصائص العامة للإسلام الأصيل… كل ذلك يدفعنا إلى إدراك ضعف هذا الاعتراض أكثر من أي وقت مضى.

نعتقد أن هناك نتائج عظيمة أخرى مترتبة على هذا المسار أشرنا إليها في طرح الفوائد المتوقعة من علم مقاصد الشريعة:

1- إمكانية مقارنة الإسلام بالمذاهب الأخرى [الاقتصادية] في سبيل تحقيق منهج مرغوب في هذا الشأن، لأن مقارنة المذاهب المختلفة لا تتحقق بالإشارة إلى تفاصيل مسائل نوعية، ولا تتضح الفروقات إلا عندما تُجرى مقارنة بين الخطوط العامة والكليات لكل منها، إذ إن الاجتهادات المتنوعة في المجالات التنفيذية والتطبيق العملي، كما أشار الشهيد الصدر(ره) نفسه في حديثه عن «علاقة المذهب بالقانون»، قد تؤدي إلى اختلافات ظاهرية. وهذا الأمر بلا شك يؤدي إلى إحداث غموض في مرحلة التنفيذ، بل وقد يؤدي إلى نوع من الدمج والخلط بين مذاهب متناقضة؛ وهو ما شهدناه لدى كثير من المفكرين الذين طرحوا أفكاراً وطالبوا بتنفيذها، مثل أفكار «الإسلام الرأسمالي»، و«الاشتراكية الإسلامية»… إلى حد أن بعض هؤلاء المفكرين لم يروا أي تناقض بين «الإسلام» و«الشيوعية»! هذا الاختلاط الغريب بلا شك هو نتيجة الجهل وعدم المعرفة بخصائص أصل الإسلام ورؤاه المذهبية. «عالم الإسلام» لطالما عانى ويعاني من الخلط والدمج والتداخل و«التركيب المتناقض».

جهود «الشهيد الصدر»(ره) في طرح واقع المسألة وتحديد الحدود العامة والاستنتاج لمواقف صحيحة قد بُذلت بأفضل وأروع صورة، ونعتقد أننا بحاجة إلى متابعة هذا المنهج لاكتشاف مزيد من الخصائص الإسلامية وتغذية الجيل الإسلامي بهذه الأفكار وحمايتها من الوقوع في أنواع عمليات الخلط الفكري ليس فقط في المجال الاقتصادي بل في جميع ميادين الحياة، كما لا ينبغي إغفال دور هذه الدراسات والجهود العلمية في مجال بيان تفوق النظرية الإسلامية على المذاهب الأخرى.

2- التأثير على مسار استنباط الأحكام الفرعية:

نرى أن هذا المسار قد يؤثر حتى على المسار المعروف والمتداول لاستنباط [الأحكام الشرعية] بالنظر إلى الآليات التالية:

أ: قد يصل المجتهد في مسألة قاعدة يستنبطها بهذه الطريقة إلى اعتقاد خاص، وبالنظر إلى كثرة الأحكام التي تُكتشف بالاستناد إلى هذه القاعدة، يؤمن بها ويصل إلى نتيجة مفادها أن الشارع المقدس عند إصدار الأحكام الفرعية العديدة كان يضع هذه القاعدة في الاعتبار، وفي هذه الحالة يؤثر هذا الاعتقاد على مسار استنباطه، وتظهر آثاره وتبعاته في ميادين مختلفة.

ب: قد يثير ذوقاً وذائقة خاصة لدى المجتهد تغير مواقفه أيضاً تجاه المسار العادي والمتداول لاستنباط [الأحكام]، لأن الذوق والذائقة والقراءة الفقهية ليست سوى «استحسان» [تصويب حكم مخالف للقياس] وهو شرعاً غير مقبول. قد يقوي المجتهد سنداً أو دلالة ما، والتي لولا هذا الذوق والذائقة المستندة إلى أصول شرعية مقبولة لما أمكن القيام بذلك.

وقد يكون الموقف المذكور للشهيد الصدر(ره) تجاه الروايتين «محمد بن فضيل» (في مسألة منع بيع الدين بأقل من قيمته الحقيقية واستناد المدين إلى السعر الاسمي) وقبولهما رغم الإشكالات التي في الاستدلال بهاتين الروايتين، منها عدم معرفة «محمد بن فضيل» وقوله: «أنا شخصياً من الناحية الفقهية والباطنية لا أتفق مع قبول الرأي المخالف [لهاتين الروايتين]، ولا أجد في نفسي ولا في ظني الفقهي مبرراً لترك هاتين الروايتين وقبول فكرة تتعارض معهما»، ناشئ عن هذا الذوق والذائقة الفقهية. (صدر، د.ت.، ص160).

نعتقد أن التوافق الداخلي قد يكون ناشئاً عن تأثير الخطوط الرئيسية [الاقتصادية للإسلام] التي توصل إليها في مجال التوزيع بعد الإنتاج. على كل حال، لا يمكن إنكار أن الوصول إلى الخطوط العامة المذهبية يؤثر في تشكيل الذوق والذائقة الفقهية الشخصية للمجتهدين، وكذلك في نتائج مسار الاستنباط.

3- المشاركة الجدية والأساسية في مسار تنفيذ الشريعة الإسلامية:

تتضح هذه الخاصية تماماً عندما يُفهم دور النظريات في مسار التنفيذ. عندما تقوم الدولة الإسلامية والولي الفقيه باتخاذ إجراء عملي [في مجال تنفيذ نظام معين من منظومة أحكام الإسلام]، فإنهما بحاجة إلى دعم كبير من النظريات والرؤى الإسلامية في مجال حل أهم مشاكل الحياة مع مراعاة الخطوط الأساسية للرؤى الإسلامية والمصلحة العليا لأمة الإسلام، ومع الأخذ في الاعتبار الدوافع المختلفة والعقبات الموجودة في ذلك المجتمع، ولتحقيق خصائص المجتمع الإسلامي النشط.

لا شك أن النظرية المذهبية للاقتصاد [الإسلامي] تملأ فراغاً كبيراً في هذا المجال وتقوده نحو حالة مثالية.

سنوضح أكثر في الرد على الاعتراض الثاني.

الاعتراض الثاني: شرعية هذا العمل.

قد يكون هذا هو أهم اعتراض يخطر في الذهن عند مواجهة مثل هذا المسار الإبداعي. سبق الإشارة إلى نوعين من الاجتهاد في مراحل هذا المسار:

الاجتهاد الأول: في مجال استنباط الأحكام الفرعية من مصدرها الأساسي، وهو كتاب الله وسنة النبي، وبناءً على علم أصول الفقه، وهو اجتهاد مشروع ولا غموض فيه، ويؤدي إلى حجية النتيجة الاستنباطية، حتى مع احتمال مخالفتها لواقع الإسلام، طبعاً بعد حصول القبول [الداخلي للمجتهد] وتحقيق ظن معتبر يؤدي إلى حجية تبرر المعذورية في حال مخالفة الشرع؛ تماماً كما أن هذا الاجتهاد يعني رفع التكليف عن المكلف في العمل بالأحكام المستنبطة.

الاجتهاد الثاني: يتم في نطاق استنباط الخطوط النظرية للأحكام والمفاهيم [الفقهية والشرعية]، والمشكلة المطروحة في مسار الاجتهاد تتعلق بهذا النوع من الاجتهاد، ويقال إن مثل هذه الاستنباطات، حتى وإن كانت الأحكام المستنبطة من قِبل مجتهد مارس كلا النوعين من الاجتهاد معًا، لا تتمتع بحجية قطعية، وفي بعض هذه الأحكام، لا يقبلها المجتهد نفسه وإنما يقبلها من مجتهدين آخرين، لأنها تتوافق وتتناسق أكثر مع أحكام أخرى وجدها هؤلاء في الخط النظري العام الخاص بهم.

ولتوضيح الموضوع، يُقال: استنباط الخط النظري يعني الوصول إلى ما يُعتبر عرفًا أو عقلًا في مثل هذه الأحكام، خطًا نظريًا عامًا لا بد منه، ونعلم أن العديد من هذه الأحكام مثل «الاستصحاب»، «التخيير»، «الاحتياط» وغيرها، تم تحديدها بعد تطبيق الأصول العملية وغياب دليل اجتهادي خاص بها، ومن المسلم به أنه وفقًا لتأكيد الأصوليين أنفسهم، فإن لوازم الأصول لا تُعتبر حجّة، وحتى لو افترضنا أن تلك الأحكام كلها مستنبطة من أمارات (التي تُعتبر لوازمها حجّة)، فهناك شك حقيقي في وجوب الجمع بين حكمين يُعتبران في التصور العرفي المباح من قِبل الشارع المقدس حجّيين؛ هذا الشك في الواقع يتعلق بالحجية اللازمة (أي الخط المذهبي المستنبط)، والشك في الحجية يكفي، بحسب تعبير الأصوليين أنفسهم، للقطع بعدم وجودها [أي الحجية].

فما هو مخرج هذه المشكلة؟

قيل إن هذه المشكلة تتعلق بعمل اجتهادي يُستنبط فيه كل الأحكام من قِبل مجتهد يسعى لاستنباط الخطوط الرئيسية المذهبية. وتزداد حدة هذه المشكلة في حالة اختيار بعض الأحكام التي لا يؤمن بها المجتهد نفسه والمأخوذة من اجتهادات الآخرين. وعندما تفقد هذه الخطوط الاستنباطية حجيتها، تفقد عذرها ويقينها وصحة نسبتها إلى الإسلام، فكيف يمكن حينئذ تسميتها «نظرية إسلامية»؟!

والجواب على هذه المشكلة هو:

نحن نؤمن أيضًا بأن الأصول العملية لا تثبت لوازمها، كما نؤمن بأن دليل الحجية لا يثبت لوازم الجمع بين «أمارتين»، وأخيرًا نؤمن بأن الشك في الحجية بمثابة عدمها، ولكن في الوقت نفسه نعتقد أنه فيما يخص النظريات، لا نحتاج إلى عنصر الحجية الذي هو ضروري في مجال الأحكام العملية الفرعية، وإنما يكفي صحة نسبتها إلى الإسلام، وهذه النقطة هي أساس اختلافنا مع من يطرحون مثل هذه المشكلة، وهي بالضبط ما أشار إليه «الشهيد الصدر»( في هذا المقام: «لهذا السبب، قد يقدم اثنان من المفكرين الإسلاميين المختلفين، بناءً على اختلاف اجتهاداتهما، صورًا مختلفة من المذهب الاقتصادي [الإسلامي]، وكل صورة من هذه الصور المقدمة تمثل المذهب الاقتصادي للإسلام». وهو بهذا الكلام كان يؤكد على عدة نقاط كما يلي:

1- كل ما يُستخلص من العمليات الاجتهادية هو شرعي وإسلامي؛

2- تتميز الإسلام بنسب متفاوتة هنا وهناك؛

3- أقل ما يمكن قوله عن الصورة المستنبطة من مجموعة الأحكام المتناسقة مع بعضها البعض هو أنها تمثل بكل صدق وصحة كل واقع التشريع الإسلامي، وأن صحتها وصدقها لا تقل أبدًا عن أي صورة أخرى من بين العديد من الصور التي يزخر بها فقه الاجتهاد لدينا، ولها مبرراتها الشرعية، لأنها تدل على اجتهادات إسلامية مشروعة تدور جميعها في نطاق كتاب الله وسنة النبي الشريف.

والنتيجة هي: أن هذا القدر من الارتباط بالواقع الإسلامي يوفر إيمانًا بنسب عرفًا مقبول إلى الإسلام، وفي مثل هذه الحالة، ومع الأخذ في الاعتبار أن احتمال تمثيلها للواقع الإسلامي في مستوى احتمال أي صورة أخرى منه، لا يمكننا إنكار هذه النسبة [الإسلامية].

وعلاوة على ذلك، إذا أضفنا إلى ما ذكره «الشهيد الصدر»( هذا الاستنتاج، فإن القبول الشرعي لهذا القدر من النسبة إلى الإسلام، وإن كان باستخدام مقدمات دليل الانسداد التي نقبلها في مثل هذه الحالات، يصبح عقلاً يقينيًا للإيمان.

لكن يبقى هذا السؤال قائمًا: على فرض قبولنا للنسبة الإسلامية للعمل الاجتهادي المذكور، كيف نصل إلى الحجية المطلوبة التي هي هدفنا؛ حجية إذا تعارض هذا التصور مع الواقع الإسلامي، أي ما يجب تنفيذه فعلاً، يمكننا الاعتماد عليها أمام الله تعالى لنعتبر أنفسنا معذورين؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن أن تتوفر لهذه الصيغة عنصر القطعية (التنفيذ) واللزوم الشرعي الذي نبتغيه؟

في هذا المقام نقول: هنا يتداخل الحكم العملي الفردي من جهة، والمسار الاجتماعي الحكومي من جهة أخرى، وإذا كنا في مرحلة الاجتهاد الأولى بحاجة إلى حجية ملازمة لقطعية الحكم المستنبط أو حجية ناتجة عن ظن معتبر، فإننا في هذه المرحلة لا نحتاج إلى مثل هذه الحجية، لأن ما يمنح هذه الخطوط النظرية صفة الإلزام والمعذورية الشرعية هو حكم الولي الأمر واعتبارها سياسة عامة تتحرك الدولة في ظلها؛ بلا شك، الحكم الولائي إلزامي ومعذور، لأن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم؛ …فأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.» (نساء/59).

نعلم أن ولي الأمر في ظل التمسك بعنصر «الشورى» ومع الأخذ بعين الاعتبار «الأشعة الكاشفة» (الدلائل الإرشادية) التي وضعها الشرع المقدس بين يديه، وكذلك مع مراعاة المصالح العليا للأمة، يمكنه أن يصدر أوامره للامتثال للخطوط الأساسية العليا من أجل تحقيق تلك المصالح حتى وإن لم يكن هو شخصياً قد توصل إليها، لأن جميع هذه الأحكام «ذات حجية»، كما يمكنه أن يُلزم الأمة بحكم شرعي مستنبط من الشرع ومن قبل الآخرين، وكذلك يمكنه أن يُلزم جميع الأمة بالعمل وفق فتواه في سبيل تحويلها إلى أحكام حكومية، ويُلزم المجتهدين الآخرين بالعمل الجماعي لتحقيق الوحدة في المسار الاجتماعي وعملاً بمقتضيات الطاعة لولي الأمر. وفي هذه الحالة، إذا قرر ولي الأمر اتباع هذه الخطوط، يمكنه إصدار أمره بالعمل بها وتوفير «الحجية» اللازمة لها وتحقيق الهدف المنشود.

المصادر والمراجع:

1. القرآن الكريم.

2. ابن عاشور، محمد طاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، الأردن، 1393هـ.

3. ابن قدامة المقدسي، عبد الله بن أحمد، المغني، القاهرة، الطبعة الثالثة، ج5.

4. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، أعلام الموقعين، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ج3.

5. الإمام الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، مؤسسة مطبوعات الإسماعيليين، قم، 1410هـ.

6. كتاب البيع، مؤسسة مطبوعات الإسماعيليين، قم، الطبعة الرابعة، ج2، 1410هـ.

7. الأمين، حسن عبد الله، الودائع النقدية، منشورات أمير كبير، طهران.

8. باجي، سليمان بن خلف، المنتقى، مطبعة السعادة، القاهرة، الطبعة الأولى، ج2، 1331هـ.

9. بهوتي، منصور بن يونس، كشف القناع، مطبعة مصر، 1947م.

10. تسخيري وآخرون، القواعد الأصولية والفقهية على مذهب الإمامية، مطبعة المجمع العالمي لتقريب المذاهب الإسلامية، طهران، الطبعة الأولى، ج3، 1425هـ.

11. حبيب بن خوجه، حول نظرية المقاصد.

12. حر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، مطبعة المكتبة الإسلامية، طهران، الطبعة السادسة، ج12، 1403هـ.

13. الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقهاء، مطبعة سيد الشهداء، قم، الطبعة الثانية، ج2، 1413هـ.

14. زيلعي الحنفي، تبين الحقائق، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، ج5.

15. السمرقندي، محمد بن أحمد، تحفة الفقهاء، دمشق، الطبعة الأولى، ج3.

16. صدر، محمد باقر، اقتصادنا، مطبعة مكتب الدعوة الإسلامية، قم، ج2، 1400هـ.

17. الأبعاد الإنسانية والحضارية في الصحيفة السجادية، مطبعة دمشق، 1425هـ.

18. البنك الربوي في الإسلام، دار التعارف، بيروت، د.ت.

19. عمر عبيد حسنة، حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة.

20. الغزالي، محمد بن محمد، المستصفى، ج1، دار الفكر، بيروت، 505هـ.

21. قاضي خان، حسن بن منصور، شرح الزيادات.

22. الكاساني، أبو بكر بن مسعود، بدائع الصنائع، مطبعة القاهرة، ج5 و8.

23. الكندري، محمد بن حسين، أصباح الشيعة، تحقيق إبراهيم بهادري، مطبعة مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم، الطبعة الأولى، 1416هـ.

24. مجلة نظر، قم، العدد 200.

25. المراغي، العناوين، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى، ج2، 1417هـ.

26. مطهري، أحمد، مستند تحرير الوسيلة، مطبعة خيام، قم، الطبعة الأولى، 1403هـ.

27. مهريزي، مهدي، «مقاصد الشريعة»، مجلة رسالة التقريب، العدد 48.

28. النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة السابعة، ج22 و23، 1401هـ.

29. الندوي، علي بن أحمد، موسوعة القواعد والضوابط الفقهية، مطبعة عالم المعرفة، ج1، 1419هـ.

30. النراقي، عوائد الأيام، مركز النشر التابع لمكتب الدعوة الإسلامية، قم، الطبعة الأولى، 1417هـ.

31. بارودي، علي، قانون التجارة اللبناني، مطبعة بيروت.

32. محمود، سامي حسن أحمد، تطور الأعمال المصرفية بما يتفق مع الشريعة الإسلامية، منشورات أمير كبير، طهران.

[1]. قصدهم من هذا التعبير هو أن بعضهم في الرد على هذا الاعتراض يذكرون أننا ملزمون بقبول ما ورد في النصوص على سبيل التعبد ودون أي اعتراض، بينما هذا الرد لا يحل المشكلة.

[2]. جميع الروايات المتعلقة بالاحتياط واردة في مجموع كتب أصول الفقه التي تناقش «أصل الاحتياط».