ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی قاعده «قبح عقاب بلابیان» و ارتباط آن با بحث «حق الطاعه» شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
هدف هذه المقالة هو دراسة قاعدة «قبح العقاب بلا بيان» وعلاقتها ببحث «حق الطاعة». الشهيد صدر في نقاش جديد، من خلال طرح موضوع حق الطاعة للشارع المقدس، يسعى لإثبات الاحتياط العقلي بسبب قبح العقاب بلا بيان، لذا في هذا المجال تم دراسة نقاش الشهيد صدر حول حق الطاعة لنرى أولاً ما العلاقة بين هذين الموضوعين، وثانياً ما النتيجة التي يجب استخلاصها من هذا النقاش وأي جانب يجب اتخاذه؛ هل قبح العقاب بلا بيان أم توسيع حق الطاعة للشارع حتى في التكليفات غير القطعية.
المؤلف: محمد عترتدوست
المصدر: بلاغ مبین، صيف وخريف ١٣٨٦، العدد ١١-١٢، ص ٩٥-١١٠
المقدمة
الشهيد صدر في نقاش جديد، من خلال طرح موضوع حق الطاعة للشارع المقدس، يسعى لإثبات الاحتياط العقلي في حالات الشك في أصل التكليف. بينما المشهور في هذه الحالات هو الإقرار بالبراءة العقلية بسبب قبح العقاب بلا بيان. من المناسب في هذا المجال أن نبدأ بدراسة نقاش الشهيد صدر حول حق الطاعة.
بعقلنا العملي ندرك أن الله تعالى، مولانا، في التكليف يكون مقطوعاً فيه أو مظنوناً أو مشكوكاً أو موهومًا. لذلك حتى في حالات عدم العلم، إذا لم نحصل على ترخيصه وإذنه ورضاه في ترك التكليفات الواقعية بسبب الشك، يبقى حق الطاعة للمولى ثابتًا. وبهذا لا تكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان أساسية، لأن العقاب يكون عقابًا بحق، والعقاب بحق ليس قبيحًا (صدر، 6731: ج 1 و 3).
فيما بعد، يرى الشهيد أنه بما أن إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان في هذا الزمن أمر غريب، وهذه القاعدة قد تم تلقينها بشكل شديد، فإنه يرى ضرورة بذل جهد أكبر لرفع الاستغراب وبيان أن هذه القاعدة من بديهيات ونتائج علم الأصول وليس من المسلّمات العقلية الفطرية.
1- النقاش التاريخي والجانب الإثباتي للقاعدة
النقاش الأول هو نقاش تاريخي، وهو هل هذه القاعدة من القواعد التي كان العلماء في كل عصر يفهمونها بنفس المفهوم الحالي، أم أن القاعدة بهذا الشكل لم تكن موجودة في ذهن العلماء قبل سبعمائة سنة أو أكثر. سنبين بوضوح أن هذه القاعدة مستحدثة.
النقاش الثاني يتعلق بالجانب الإثباتي لقاعدة قبح العقاب بلا بيان وبيان منشأ التزام واعتقاد العلماء بهذه القاعدة وحل هذا المنشأ بشكل علمي.
فيما يخص تاريخ البراءة العقلية، يجب القول أننا لا نعرفها بدقة ولا توجد آثار لها قبل الشيخ المفيد. مع أن الشيخ الصدوق (ره) يصرح بأن الأصل الإباحة، لكن كلامه يمكن أن يُفهم على أنه إباحة مثبتة بالنصوص والروايات وليس ظنًا علميًا بأن رأيه يتعلق بهذه القاعدة العقلية في المسألة المطروحة. أما الشيخ المفيد والشيخ الطوسي فوجهة نظرهما عكس هذه القاعدة، وهي في مسألة الحظر والإباحة التي كانت مسألة في الأصول القديمة، وبعد الشيخ الأنصاري وكتابه الرسائل أصبحت منسوخة؛ والعلماء الأصوليون الذين يؤمنون بالحسن والقبح العقلي يرون أن العقل أحيانًا يحكم تمامًا بقبح شيء ما ونسميه التحريم العقلي، وأحيانًا يحكم بقبح أقل درجة ونسميه المكروه، وأحيانًا يحكم تمامًا بحسن شيء ما ونسميه الوجوب، وأحيانًا يحكم بحسن أقل درجة ونسميه المستحب. ولكن إذا لم يدرك العقل وجود مصلحة أو مفسدة، ولم يتضح له الحسن أو القبح، فهل في هذه الحالة يحكم العقل بالقبح أو الحظر، أم يحكم بعدم القبح أو الإباحة؟ في هذه المسألة يوجد اختلاف. الشيخ الطوسي والشيخ المفيد – بناءً على ما ورد في العدة – أقرّوا بالتوقف؛ بمعنى أن العقل لا يحكم بالثبوت أو النفي، لأن العقل متردد ولا يستطيع أن يحكم لأحد الطرفين.
الشيخ الطوسي في ما بعد على حكم التوقف، يفسر وجوب الاحتياط بحكم العقل؛ مستدلًا بأن التصرف في ما هو آمن من المحذور والمفسدة، مثل التصرف في ما نعلم وجود مفسدة فيه، قبيح. فبالتالي في مقام الحكم، رغم توقف العقل، في مقام العمل يكون المكلف ملزمًا بالاحتياط. ثم يقول في ما بعد: ومن هذه القاعدة – أي قاعدة وجوب الاحتياط العقلي – لا نتخلى إلا في حال وجود نص شرعي، وهو الحديث: “إن كل شيء حلال حتى يأتي فيه النهي”. هذا الكلام من الشيخ الطوسي، الذي ينقله عن شيخه الشيخ المفيد، واضح تمامًا في معارضته لنظرية قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
أما ابن زهرة، بعد مئة سنة من الشيخ الطوسي، في الغنية يذكر حكم البراءة العقلية، لكنه ليس بمعنى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل من باب قبح التكليف بما لا يطاق، ومن الواضح أن هذا مختلف عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ولهذا السبب وُجهت له ملاحظة: لماذا يُحتسب التكليف بغير معلوم من ما لا يطاق؟ بل يمكن الامتثال له ولو بالاحتياط. الشيخ الأعظم الأنصاري تناول كلام ابن زهرة وفسره بأن المقصود من التكليف بما لا يطاق هو التكليف بما لا يطاق امتثاله بقصد الامتثال، لأن وجود الشك يمنع تحقق الامتثال. على أي حال كلامه لا علاقة له بالقاعدة المذكورة.
ولكن المحقق الذي هو من تلاميذ تلاميذ ابن زهرة المعاصرين، أي ابن إدريس، قد قرّب البراءة بتعبيرين: الأول ما ورد في كتابيه بهذا الشكل، حيث اعتبر البراءة استصحاب حال العقل، بمعنى أن الإنسان بحسب حالته السابقة بريء الذمة، فتصبح هذه البراءة استصحابًا إلى أن يُدفع بدليل. وهذا القول موجود في كلام كثير من المتأخرين المحققين، وانتشر إحالة البراءة إلى الاستصحاب؛ وكانوا يرون حكم العقل في الاستصحاب نظرًا لكشفه عن الحالة السابقة في نظرهم، وليس من باب حسن وقبح؛ لذا فإن البراءة عندهم لا علاقة لها بالمعنى الذي نتحدث عنه هنا، وهو قبح العقاب بلا بيان.
أما التعبير الثاني فهو ما ذكره في كتاب آخر، حيث قال إن الفقيه يقوم بعملين: الأول جمع الأدلة التي يعتمد عليها الشارع في إيصال الأحكام، مثل الكتاب والسنة والإجماع. أما العمل الثاني فهو حصول القطع عن طريق الفحص في هذا الأمر، بحيث لا يدل عليه أي دليل مشكوك فيه، وعندها يقول: هذا التكليف غير موجود، لأن التكليف بما لا يدل عليه دليل من الشارع هو تكليف بما لا يطاق. وإذا قيل ربما كان هناك دليل ولم يصلنا، نقول هذا يخالف عملنا الأول، لأن فرضنا هو الحصر وجمع الأدلة.
والفرق بين هذا القول وما نقل عن ابن زهرة هو أنه بناءً على هذا القول، إذا افترض احتمال وجود دليل آخر لم يصلنا، وكان عملنا الأول باطلاً، فلا يكون في التكليف قبح. أما ظاهر كلام ابن زهرة فهو قبح التكليف بما لا سبيل فعليًا لمعرفة دليله. وفي كل الأحوال، هذا الأمر أيضًا لا علاقة له بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
ومنذ زمن المحقق، شاع إدراج البراءة في الاستصحاب، وبناءً عليه أصبحت البراءة من الأدلة الظنية، لأن الاستصحاب عندهم دليل ظني، فهبطت البراءة – كما كان ابن إدريس يعتقد – من دليل قطعي إلى دليل ظني، وأصبحت حجية البراءة – كما صرح بها صاحب المعالم والشيخ بهائي في الزبدة – من باب إفادة الظن. وحتى زمن صاحب المعالم وصاحب الزبدة، لم يذكر أحد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وكانوا يعتقدون فقط بالبراءة من باب الظن؛ وقد أقرّ بهذا الشيخ الأنصاري في الرسائل، وقال: بناءً على فحصي الناقص في الزبدة لم أجدها، ولكن ما رأيته في المعالم في نقل أدلة القائلين بحجية الاستصحاب كدليل رابع هو أن العلماء متفقون على وجوب إبقاء الحكم في غياب دليل شرعي يدل على ما يقتضيه أصل البراءة، والاستصحاب ليس إلا هذا المعنى.
وظاهر كلام صاحب المعالم والشيخ بهائي هو أن اعتبار أصل البراءة من باب الظن، بل هذا الرأي انتقل إلى بعض المحققين في العصر الثالث مثل المحقق القمي، وذلك بسبب نقل الشيخ الأنصاري عنهم ما يوهم ويشير إلى ذلك. أما قاعدة قبح العقاب بلا بيان فقد طرحها الأستاذ وحيد، وحتى بعد طرح هذه القاعدة وتقريب الشيخ محمد تقي في حاشيته على المعالم وشريف العلماء في تقرير بحثه، وبعد ذلك الشيخ الأنصاري في كتابه، حاولوا فهمها بشكل لغوي لا عقلي، ولهذا كانوا يشكون دائمًا في إطلاقها أو عدمه؛ واعتبر بعض المحققين أن هذه القاعدة لا تشمل حالات الشبهات المفهومية، مثل حالة أن يقول المولى: الغناء حرام، وفي حرمة حداء الإبل بسبب الشك في دائرة المفهوم، يحدث الشك، لأن البيان من الشارع موجود، والحد الأقصى أن البيان يكون مجملًا. وبالطبع كان هناك من اهتم بهذه القاعدة بعمق أكثر وقال إن البيان في هذه الحالة غير موجود، لأن المراد من البيان ليس ما يظهر عرفًا من الكلام الدال على معنى بحد ذاته، بل المراد الكلام الدال عند السامع، والفرض أن الكلام عند السامع لا دلالة له.
أما المتقدمون الذين لم يروا البراءة في الشبهات المفهومية، فكيف حكموا بذلك مع ظهور اللفظ؟ كأنهم تعاملوا معها كدليل لفظي، أو أن عقلهم لم يدرك القبح في مثل ذلك؛ ثم جاء آخرون وقالوا: القاعدة لا تجري في الشبهات الموضوعية، لأن البيان فيها متعلق بالمولى، وما يتعلق بالمولى هنا كامل، وليس من واجب المولى أن يقول مثلاً: هذا خمر وذلك خمر، بل واجبه فقط أن يقول: الخمر حرام كما قال. ثم تعمق آخرون أكثر في القاعدة وقالوا: المراد من البيان ليس ظاهر الكلام الصادر عن الشارع، بل المراد العام والوصول، وبالتالي المرجع في القاعدة هو قاعدة قبح العقاب بلا علم وبلا وصول، وفي هذه الحالة لا فرق بين الشبهة الموضوعية والحكمية (صدر 6731: ج 1 و 3).
وفي النقاش التاريخي، يريد المرحوم الشهيد الصدر أن يستنتج أن السابقين من الأصوليين الذين طرحوا هذه القاعدة كانوا مختلفين ومشككين في كيفية إطلاقها وتعميمها؛ ولذلك لا يمكن أن تكون لهذه القاعدة اعتبار كبير.
لذلك، لم يكن هذا القاعدة واضحًا له بعد أن طُرحت في كتب الأصول، وكان هناك إشكال في إطلاقها وتعميمها؛ وكان المعيار البديهي في إشكال ظهور القاعدة، بمعنى أنه كان يُتعامل معها كدليل لفظي، وكان يُعتقد بناءً على الاستظهار أن هذه القاعدة مطلقة أو غير مطلقة. لذلك، هذه القاعدة ليست عظيمة إلى هذا الحد؛ كيف تكون هذه القاعدة من بديهيات العقل السليم مع أنها لم تُدرك؟
وقبل الأستاذ وحيد لم يذكرها أحد. وبعد أن طُرحت، طُرحت بشكل مشوش؛ أحيانًا يدعي البعض أن بعض الحالات خارجة عن شمولها، ويدعي آخرون العكس. هذه الأمور تدفعنا إلى القول بأن هذه القاعدة ليست بديهية. وإذا كانت هذه القاعدة صحيحة، فبعضهم يؤمن بها وبعضهم لا؛ وليس كما قال المحقق العراقي: “من كان لديه قليل من الفهم لا ينكرها”.
إذا اعترض أحدهم وقال: لدينا كثير من المسائل التي لم يدركها المحققون السابقون وأدركها المتأخرون، مثل وجوه الفرق بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، والفرق بين الواجب المشروط والمعلق والمطلق والمنجز؛ فربما ما نحن فيه من ذلك النوع أيضًا.
في الجواب نقول: عدم إدراك مثل هذه المسائل من قبل المتقدمين له وجهان؛ الأول: دقة وعمق المسألة، مثل دقة اجتماع الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، ومن هذا الباب لم يدركها المتقدمون؛ والافتراض هنا أن البراءة العقلية حكم من أحكام العقل العملي مدرَك للحسن والقبح. فبالنسبة للأمر البديهي، عدم الإدراك ليس بسبب هذا الأصل المعقول.
الوجه الثاني: أن المتقدمين لم يتصوروا كل جوانب المسألة، مثلًا لم يتصوروا تقسيم الحكم إلى حقيقي وظاهري حتى يدركوا وجه الجمع بينهما؛ وكذلك لم يدركوا أن الحكم أحيانًا مشروط وأحيانًا معلق، وأحيانًا مطلق وأحيانًا منجز، حتى يدركوا الفرق بين المشروط والمعلق أو بين المطلق والمنجز. لكن تصورات قضيتنا نحن فيها كانت لديهم، لأننا نرى أنهم تحدثوا في الحظر والإباحة والشك في المصلحة والمفسدة، وأن الأصل البراءة أو الاحتياط، وأن الحظر أو الإباحة أو التوقف، قد نوقشت.
خلاصة القول إن هذه القاعدة من شؤون الفكر الأصولي المجرد وليس من الأحكام العقلية البديهية (صدر، 6731: ج 1 و 3).
2- دراسة رأي السيد الغروي
السيد الغروي أيضًا في تأييد ما ذكره الشهيد الصدر يشير إلى أن سبب اعتقادهم بوجوب الاحتياط العقلي للشارع المقدس هو الاختلاف العظيم بين مولويته ومولويات العرف والعقل التي لا يمكن مقارنة حق الطاعة في هذين الموضوعين.
وقد استُدل على قاعدة قبح العقاب بلا بيان بطرق مختلفة. أحدها هو إحالتها إلى الضمير العرفي والعقلي في باب المولويات العقلية. بحيث نرى أن العقلاء في حالة الجهل وعدم العلم بالحكم الحقيقي أو الحكم الظاهري لا يلزمون مخالفة التكليف الحقيقي للشخص ولا يعاقبونه. هذه القضية تقودنا إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعقلانيتها. هذا الوجه ليس تامًا؛ بمعنى أنه مبني على أن حق الطاعة والمولوية أمر واحد وليس له درجات ومراتب. بينما نعلم أن المولويات العقلية والعرفية باعتبارها مخلوقة وغير ذاتية أو أن معاييرها ضعيفة، فإن هذا القدر المخلوق من المولوية العقلية يشمل فقط حالات العلم بالتكليف؛ بينما المولى الحقيقي ومن له مولويته ذاتية وبمعيار كامل ومطلق، أي المنعم الذي لا حد لمولويته، بل هو ملك وخالق الإنسان. لذلك، لا يجيز العقل أي تقصير في المولوية وحق الطاعة له، بل يرى حق طاعة عام لجميع حالات التكليف حتى في حالات عدم العلم. وبهذا فهمنا أن في تقريرهم لإثبات قاعدة قبح العقاب بلا بيان وقع خلط بين المولويات المخلوقة والمولوية الحقيقية والذاتية، وإذا ما أُعير الانتباه لهذا الفرق والتمييز، فلن يبقى مجال للإحالة على السيرة العقلية والضمير العرفي لإثبات وحقانية قاعدة باسم قبح العقاب بلا بيان (غروی، 4731: ج 5، 62).
3- إثبات البراءة العقلية
في بحث إثبات البراءة العقلية والرأي الشائع الذي يرى قبح العقاب بلا بيان في ما نحن فيه، اكتُفي بما ورد في كتاب فوائد الحائرية. حيث يقول صاحب فوائد في البداية في إثبات البراءة العقلية:
الأمر الذي لا يوجد فيه حجة ودليل شرعي على وجوب المكلف به، ولم يصل إلى المكلف بيان من أوامر أو نواهي المولى في شأنه، فإن مخالفة المكلف في ذلك الأمر لا تُعتبر ظلمًا أو خروجًا من العبودية، فلا يكون المكلف مستحقًا للعقاب، ولا يكون عقابه من قبل الشارع صحيحًا، بل يكون عقابه من جانب المولى الحكيم قبيحًا، لأنه لم يرتكب ظلمًا في حق مولاه حتى يكون عقابه مبررًا (بهبهانی، 3731: 66-87).
وفيما بعد يتناول مناقشة الشهيد الصدر في البراءة العقلية، ويقول:
المحقق الشهيد صدر (ره) في نفي البراءة العقلية والتشكيك في القيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان له نظرية معروفة. خلاصة رأيه هي أن القياس بين حق الطاعة في المولوية لله سبحانه على عباده وحق الطاعة في الموالية العرفية على من لهم موالية عليهم قياس باطل، وذلك لأن المولوية لله تعالى ذاتية والمولوية العرفية مصطنعة؛ وأحكام المولوية الذاتية لا تقارن بحق طاعة المولوية العرفية. بناءً على ذلك، حصر حق طاعة المولى على المكلفين في صرف ما يصل إليهم من التكليفات يختص بالموالي العرفيين؛ أما حق طاعة الله تعالى على عباده فلا ينبغي مقارنته بذلك، بل يشمل في حق الله تعالى التكليفات المحتملة أيضاً. ويضيف: “نحن في هذا المذهب نؤمن بأن المولوية الذاتية التي تثبت لله سبحانه لا تقتصر على التكليفات القطعية، بل تشمل مطلق التكليف الواصل ولو كان احتمالياً، وهذا من بديهيات العقل العملي التي ليست واضحة وجلية” (بهبهانی، 3731: 66-87).
وكما أن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق هو مدرك أولي للعقل العملي وغير جلي، فكذلك حدوده ومقاييسه على هذا النحو. لذلك القاعدة الأولية هي أصالة الاشتغال بحكم العقل حتى يأتي ترخيص مناسب في ترك التحفظ عليها.
ولكن أصالة الاشتغال العقلية بحسب رأي الشهيد صدر مقيدة بعدم ورود ترخيص من الشارع في حالات الشك في التكليف، لذلك فإن أدلة البراءة الشرعية بطبيعة الحال تتغلب على الأصل العقلي الحاكم بالاشتغال (بهبهانی، 3731: 66-87).
4- المناقشة في نظر الشهيد صدر
في متابعة، يعرض المرحوم بهبهاني نظرية قبح العقاب بلا بيان بطريقة تعالج ملاحظات المحقق الشهيد على هذه النظرية. وتقريرهم يتألف من ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: لا شك في أن المولى على المكلف له حق الطاعة، وهذا الحق من الحقوق الثابتة اليقينية ولا مجال للشك فيه، ولو كان هناك اختلاف في مصدر هذا الحق. الشكر للمنعم أمر قطعي في علم الكلام. وعلى أساس ما عند علماء الأصول، المولوية لازمة للخلق والملك، ولكل منهما حق، ولكن ضمن صيغة التي عرفها القرآن وهي الميثاق؛ والولاية والإنعام بصيغ أخرى لا تعد حق طاعة.
على كل حال، حق طاعة المولى على المكلف من المسلمات التي لا خلاف عليها. والعقلاء لا يختلفون في أن حق الطاعة للمولى على المكلف في التكليفات التي وصلت قطعيًا إلى المكلف ثابت، ولكن المولى على المكلف في التكليفات التي لم تصل قطعيًا إليه لا يملك حق طاعة. هذا الشرط، أي وصول التكليف القطعي، من أهم شروط حق الطاعة عند العقلاء عمومًا. ولا أحد يتوقف في ضرورة هذا الشرط لحق الطاعة للمولى غير الله تعالى على المكلفين؛ ولا فرق في ذلك بين هذا المولى وذلك، ولا يفرق الناس بين درجات الموالين المختلفة في هذا الشرط.
في هذا الأمر هناك إجماع بين العقلاء، والخلاف فيه خلاف في البديهيات؛ وحتى المحقق الشهيد لا ينفيه ولا يشك فيه. الآن يجب أن نعرف قيمة هذا الإجماع العقلي من الناحية العملية. لا شك أن هذا الإجماع قائم على حكم العقل العملي في نفي حق الطاعة في حالة عدم وصول التكليف القطعي بعد البحث عنه في موضع ذلك التكليف، وكذلك على ثبوت حق الطاعة للمولى على المكلف عند وصول التكليف القطعي. هذا الحكم العقلي من بديهيات العقل العملي، ومثله مثل حكم العقل في حسن العدل وقبح الظلم، وهو حكم عقلي قطعي؛ ودليله هو إجماع العقلاء عليه. ولا يحتاج حجية مثل هذه القاعدة إلى إمضاء الشارع، حتى يكون كلام المحقق الشهيد في ردها صحيحًا؛ حيث قال: «… لقد قاسوا مولوية الله تعالى على بعض المولويات العقلائية التي لا تثبت في غير حالات وصول التكليف. نعم، إذا قيل إن الشارع أقر السيرة والمنهج المعتاد في المولويات عند العقلاء، فلا بأس؛ ففي هذه الحالة يكون المرجع في هذا الأمر في الواقع البراءة الشرعية الناشئة عن إمضاء السيرة العقلائية».
لذلك، قضيتنا هذه ليست من قبيل السيرة العقلائية، بل من قبيل حكم العقل العملي؛ وشأنها شأن حكم العقل في حسن العدل وقبح الظلم، ودليلها هو الجزم والقطع العقلي وحكم العقل في ثبوت ونفي حق الطاعة عند وجود أو عدم هذا الشرط؛ والسيرة العقلائية هي السلوك الخارجي للعقلاء والثوابت العقلائية، وهي التعبير النهائي للعقلاء في شؤون حياتهم. مثلاً، يقول الله تعالى في مسألة الطلاق: «… فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان …». الإمساك بالمعروف هو الإمساك المتعارف بين العقلاء في كيفية الرفق والإنفاق والإحسان. فكيف يمكن أن يكون ذلك حكم جميع العقلاء في إثبات أو نفي حق الطاعة للمولى على المكلف عند وجود أو عدم وجود هذا الشرط؟ الآن وقد ثبت أن هذا الحكم هو حكم عقلي عملي، فلا حاجة إلى إمضاء الشارع في حجية ذلك؛ والحكم الشرعي يكون فقط عن طريق حكم العقل النظري من باب ملازمة حكم العقل وحكم الشرع، وهناك فرق كبير بين إمضاء السيرة العقلائية من قبل الشارع والملازمة بين حكم العقل العملي والحكم الشرعي.
نعم، لا شك أن للمولى هذا الحق في أنه إذا رأى أهمية كبيرة في بعض الأحكام، يأمر المكلف في تلك الأحكام التي لم تصل إليه بشكل يقيني وقطعي بالاحتياط؛ كما هو الحال في الدماء والأموال والفروج بسبب الاهتمام الشديد؛ ولكن هذا مشروط بأن يصل أمر الاحتياط إلى المكلف، وبدون تكليف بالاحتياط ووصول ذلك التكليف إلى المكلف، لا يثبت حق طاعة للمولى في ذلك الأمر.
المؤمنون بالبراءة العقلية لا يرون إشكالاً في وجوب الاحتياط عندما يأمر المولى بالاحتياط، وفي تلك الحالة يكون من موارد الاحتياط الشرعي.
النقطة الثانية: كذلك العقل يحكم قطعياً بقبح عقاب المكلفين من قبل المولى الحكيم، عندما يعارضون أمراً أو نهيًا لا يملك فيه المولى حق الطاعة على المكلفين؛ لأن العقاب والمحاسبة في ما لا يكون للمولى فيه حق طاعة على المكلفين قبيح وبعيد عن العدل والحكمة.
كما قال المحقق الشهيد: «يجب أن نرى هل يشمل حق الطاعة للمولى التكليفات التي قد تصل إلى المكلف، أم أنه يختص فقط بالتكليفات التي تصل إليه بشكل يقيني؟»
كنا نصر على إثبات هذا الأمر. في النقطة الأولى أثبتنا أن المولى لا يملك حق الطاعة في التكليفات التي لم تصل إلى المكلف بشكل قطعي بعد البحث والتحقيق في مواضعها. وعندما ثبت هذا الحكم بواسطة العقل العملي، ذكرنا الحكم القطعي للعقل بقبح عقاب المولى في معارضة المكلف في التكليفات التي لم تصل إليه بشكل قطعي؛ وهذا هو معنى القاعدة المشهورة عند الأصوليين المعروفة بقبح عقاب بلا بيان. إذن هذه القاعدة كما رأينا مركبة من حكمين عقليين وليست حكماً عقلياً واحداً فقط. والنقطة التي أدت إلى نقد المحقق الشهيد للأصوليين في هذا الموضوع هي اعتباره هذه القاعدة حكماً عقلياً واحداً وليس مزيجاً من حكمين عقليين.
النقطة الثالثة: آخر نقطة هي كيف نعمم هذه القاعدة التي ثبتت للموالي العرفيين على حق الطاعة لله تعالى؟
هذا التعميم يثبت بشكل قطعي بملاحظة وحدة مصدر الطاعة الشرعية أو وحدة حق الطاعة. والتوضيح: الطاعة ليست إلا في حالتين؛ إما طاعة شرعية أو غير شرعية. الطاعة الشرعية هي طاعة الله تعالى وكل من أمر الله تعالى بطاعته، مثل الأنبياء والرسل والأوصياء عليهم السلام، وكذلك الأمراء الذين أمروا الناس بطاعتهم بدرجة ثانية وثالثة وهكذا. في هذا السياق تدخل طاعة الزوج والوالدين والمأجور أيضاً، وفي جميع الحالات تعود إلى أمر إلهي. في الحقيقة هذه كلها مصاديق طاعة الله تعالى وتمتد من طاعته، ولها نفس القيمة والقوة، وإن اختلفت في السعة عن حق الطاعة الإلهي؛ وهذه السعة يحددها التشريع الإلهي، بحيث أن كل طاعة يحددها الله لشخص ما في أي سعة كانت، تكون تلك الطاعة واجبة في تلك السعة، دون اختلاف في القيمة. أي أن القيمة والثمن لكل طاعة شرعية متساوية، لأنها كلها تنبع من حق طاعة الله تعالى على عباده.
لا شك أن العقلاء متفقون على أن حق الطاعة مشروط بوصول التكليف إلى المكلف، وفي الحالات التي لا يصل فيها التكليف بشكل قطعي إلى المكلف، لا يكون للمولى حق طاعة على المكلف. وعندما فهمنا وحدة ويُسر حق ومصدر الطاعة، يمكننا تعميم الحكم العقلي السابق على حق الله تعالى على عباده في الطاعة. لا شك أن الله تعالى في حالات احتمال التكليف والشك بل وحتى الوهم، يمكنه أن يطلب الطاعة من عباده ولكن بشرط الإعلام، وبدون الإعلام يكون الحكم العقلي الثابت في حالات الطاعة الشرعية نافذاً في حق الله تعالى أيضاً بلا أي فرق، وذلك بسبب وحدة الحق ومصدره. إذن الشروط التي اشترطت في حق الطاعة الشرعية هي أيضاً شروط في حق طاعة الله تعالى، وما لم يشترط فهو غير شرط في حق طاعة الله تعالى؛ وذلك لأن هذه النماذج من الطاعة كلها متساوية وحق طاعتها وحق الله تعالى من المسلّمات القطعية التي لا تختلف بين الأفراد من حيث الكثرة والنقص، وليست من المسائل المشككة، وإن اختلفت في السعة.
لا يوجد فرق بين الوجوبات المختلفة والطاعات المتنوعة؛ مثلاً وجوب طاعة رسول الله (ص) ووجوب طاعة الأوصياء وخلفائهم والحكام والمسؤولين الشرعيين هو نفس وجوب طاعة الله تعالى. وعند التعارض بين هذه الوجوبات نفضل متعلق الأمر الأهم، لا مصدر الأمر الأهم، كما يقتضي باب التعارض. مثلاً رد السلام واجب صريح في القرآن؛ فإذا تعارض رد السلام مع تكليف الأب لابنه في أمر مهم، يفضل الابن أمر الأب على رد السلام، وذلك لأن طاعة الأب هي طاعة الله تعالى، ولا فرق بين هذه الطاعة وتلك إلا في متعلق الأمر؛ ووجود الوسائط لا يغير جوهر الطاعة حتى نفضل أمر القرآن في المثال السابق على أمر الأب. في الحقيقة مصدر الأمر في كل هذه الأمثلة هو الله تعالى. هذه مسألة مهمة تساعدنا في فهم قاعدة قبح عقاب بلا بيان في حق طاعة الله تعالى وعدم وجود استثناء.
في ما يتعلق بالفرق بين الولايتين بمعنى أن إحداهما ذاتية والأخرى مصنوعة وعرضية، يجب أن نقول إن هذه المسألة لا تغير ولا تؤثر فيما هو مهم لنا هنا وهو اشتراط أو عدم اشتراط حق طاعة المولى بوصول التكليف.
الآن إذا ثبت بالدليل العقلي اشتراط حق الطاعة الشرعية لغير الله تعالى بوصول وبلوغ، فإن معناه بالضرورة اشتراط حق طاعة الله تعالى على عباده بوصول وبلوغ، لأن ذلك الحق هو من نوع هذا الحق، بل لا وجود لحق آخر للطاعة، وكل حق آخر للطاعة بنظرة عقلية دقيقة هو وهمي.
هو. سبب هذا القول هو ذات الأمر الذي ذكرناه سابقًا بشأن تعارض أمرين مولويين وترجيح الأمر الذي يتعلق به الأمر الأهم، وليس أن مصدر الأمر هو الأهم. وبالطبع كلام المحقق الشهيد صحيح إذا كان مصدر حق الطاعة غير الله تعالى. فمثلاً في حق طاعة الحكام في المجتمعات الديمقراطية، مصدر الطاعة هو الناس وليس الله تعالى. فإذا ثبت شرط عقلي في طاعة ما في النظام الديمقراطي، فهذا لا يعني بالضرورة أن نفس الشرط ثابت في طاعة الله تعالى، لأن هناك اختلافًا عظيمًا بين ولاية الله تعالى والولاية الوهمية للشعب.
وفي الختام يجب القول إن حق الطاعة حق لا جدال فيه، ولكن المسألة هي أن شرط وصول التكليف إلى المكلف يشمل عقلاً جميع حالات الطاعة المشروعة؛ لذلك إذا ثبت هذا الشرط العقلي في حالة من حالات الطاعة المشروعة، فإنه بالضرورة يثبت في حق طاعة الله تعالى على عباده(بهبهانی، 3731: 66-87).
النتيجة
هنا يجب بيان ما يبدو للكاتب صحيحًا. لقد طرح المرحوم الشهيد صدر الموضوع بطريقة تثير الشك والتردد لدى المبتدئ في البداية، ولكن بعد قليل من التأمل يتبين أن كلامه ليس صحيحًا تمامًا. خطأه كان في اعتقاده بوجود فرق بين مولوية الله تعالى وسائر المولويات، وهذا جعله يستنتج أنه في مسائل التكليف غير القطعية يجب الحذر، واعتبر ذلك أمرًا مسلمًا به. يبدو أن مناقشة المرحوم بهبهاني قد أوضحت الأمر. نعم، إذا أردنا مقارنة مولوية الحق سبحانه وتعالى بمولوية حكام الأنظمة الشعبية والديمقراطية، فحكمه مقبول بأن هناك فرقًا بين هاتين المولويتين؛ لكن مولويات أمثال النبي الأعظم(ص) وسائر المعصومين(ع) وحتى الوالدين والزوج هي في الحقيقة امتداد لمولوية الله تعالى، بمعنى آخر، الخضوع للولاية الربوبية يستلزم قبول الولايات التي فرضها الله على المكلفين، وقد أشار المرحوم بهبهاني إليها بالطاعة الشرعية مقابل الطاعة غير الشرعية. كما نرى، القاسم المشترك البارز الذي جعل رأي الشهيد ورأي المرحوم غروي متقاربين هو أنهما كلاهما أشارا إلى الفرق بين مولوية الحق تعالى وسائر الموالي.
وبناءً على ما ذُكر، لا يبقى مجال للنقاش بين الشهيد صدر والسيد غروي؛ ونحن مثل الجمهور نؤمن بثبوت قاعدة تسمى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويبدو منطقيًا تمامًا أن الشارع المقدس إذا لم يصل التكليف إلى المكلف فلا يعاقبه.
قائمة المصادر والمراجع:
1- بهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل (3731)، الفوائد الحائرية، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
2- صدر، محمد باقر (6731)، مباحث الأصول، مقرر كاظم الحائري، [د.م.]: كاظم الحسيني الحائري.
3- غروي، محمد حسين (4731)، بحوث في الأصول، [د.م.]: مؤسسة النشر الإسلامي.

