ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: معرفتشناسی نظریه توالد ذاتی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تتناول هذه المقالة تقييم ونقد «نظرية التولد الذاتي» الشهيد الصدر كواحدة من أشهر النظريات المعرفية في أصول الفقه. هذه النظرية التي تتعلق بطريقة الحصول على الاعتقاد المبرر وفي سياق مسألة «الحجية الذاتية للقطع» باعتبارها اعتقادًا واقعيًا، تواجه تحديات. في السنوات الأخيرة، ومع دخول بعض فروع الفلسفة المعاصرة (مثل الإبستمولوجيا) إلى العلوم الدينية، ازدادت الحاجة إلى توظيف هذه الأسس الجديدة في العلم والمعرفة الدينية؛ رغم أنه في أصول الفقه أيضًا تم تناول التبرير المعرفي، إلا أن هذه الأمور لم تُقيَّم تفصيليًا أو تختلف اختلافًا جوهريًا عن الإبستمولوجيا السائدة. يبدو أنه بالرغم من جهود الشهيد الصدر في توضيح كيفية التبرير المعرفي في علم أصول الفقه، إلا أن الجو الذهني المثالي في مسألة الحجية الذاتية للقطع يغلب على النزعة الموضوعية لنظرية التولد الذاتي ومسألة الاستقراء؛ ومن هنا، من الضروري إعادة النظر في التفسيرات الموضوعية وتطبيقاتها في أصول الفقه، وكذلك في آلية الواقعية الميتافيزيقية المتعلقة بالأحكام الإلهية.
المؤلف: محمدحسین صفائی
المصدر: مطالعات فقه و حقوق اسلامی، ربيع 1402، العدد 30، ص 205 إلى 232.
المقدمة
على الرغم من أن طرح نظرية التولد الذاتي من قبل الشهيد الصدر كان لحل مشكلة الاستقراء وتبرير العلم الناتج عنه، إلا أنه بسبب أن بعض الأصوليين المعاصرين مثل السيد علي السيستاني (سیستانی، ١٤١٤: ٢٢/١) يستفيدون من هذه النظرية في إعادة صياغة نظرية الحجية الذاتية للقطع في استنباط الأحكام الثابتة والسابقة الإلهية من نفس الأمر، وقبل الدخول في النقاش الرئيسي ودراسة النظرية الإبستمولوجية لنظرية التولد الذاتي للشهيد الصدر (للحصول على معرفة أو إدراك صحيح للأحكام الإلهية)، تُناقش مسألة الحجية الذاتية للقطع باعتبارها النقاش الأهم في أصول الفقه حول الاعتقاد الواقعي والمبرر في مدرستين بارزتين في الفكر الإسلامي، وهما الأصولية والأخبارية. في القسم الأول، يُشرح أولًا سبب ابتكار مسألة الحجية الذاتية للقطع في علم أصول الفقه، ويتم تحديد كيفية واقعيتها، وفي النهاية تُقارن بالأسس الإبستمولوجية للأخباريين. توضيح مسألة الحجية الذاتية للقطع يؤدي إلى تقديم صورة أدق لأصل نظرية التولد الذاتي أيضًا.
السؤال الرئيسي الذي نسعى للإجابة عليه هو دراسة مدى فعالية (بمعنى الواقعية) نظرية التولد الذاتي في استنباط الأحكام الإلهية[1]. وبسبب معالجة المسائل الإبستمولوجية من حيث واقعية معتقدات الفاعل العارف، يمكن أن تكون إبستمولوجيا نظرية التولد الذاتي كافية لهذا الغرض (واقعية نظرية التولد الذاتي). يمكن صياغة هذا النقاش في إطار سؤالين فرعيين كما يلي:
1- ما المقصود بكشف الواقع والواقعية في تعبيرات الأصوليين (واقعية القطع)؟
2- هل نظرية التولد الذاتي للشهيد الصدر قد عالجت النواقص الموجودة في نظرية الأصوليين حول الحجية الذاتية للقطع؟
فيما يخص خلفية البحث، يمكن القول إنه رغم وجود عدد محدود من الأعمال التي شرحت وبيّنت مضامين نظرية التولد الذاتي[2]، إلا أنه لم يُعطَ في أي من هذه الدراسات اهتمامًا لأصل النظرية ودراسة مدى استجابتها كبديل للرأي مقابل الأخبارية. علاوة على ذلك، يسعى هذا البحث إلى بيان مسألة مشكلة الاستقراء بدقة من خلال الرجوع إلى آثار الإبستمولوجيين الغربيين ومدى توافق نظرية التولد الذاتي مع الحلول المطروحة لهذه المشكلة. ومن هذا المنطلق، يعتبر هذا البحث، في رأي المؤلف، جديدًا وفريدًا من نوعه من جهتين مذكورتين.
1- مسار نشوء مسألة الحجية الذاتية للقطع في أصول الفقه
تُعد الحجية الذاتية للقطع من المسائل المبتكرة في التراث الإسلامي التي حظيت باهتمام العلماء المسلمين في علوم مختلفة منها أصول الفقه والكلام.
بدأ النقاش حول الحجية الذاتية للقطع كمسألة مستقلة في علم أصول الفقه مع فصل أدلة الاجتهاد (القسم الثالث من مباحث الأصول) عن أدلة الفقه (القسم الرابع من مباحث الأصول). يرى الشيخ الأنصاري في بداية مقصد ثالث من كتاب فروع الأصول أن التمييز بين الأمارات، والأصول العملية، وكذلك تسمية هذين القسمين بأدلة اجتهادية وأدلة فقهية هو من ابتكارات وحيد بهبهاني (شیخ انصاری، ١٤١٩: ١٠/٢).
تنقسم الأدلة الشرعية التي توصّل المكلف إلى الحكم الشرعي إلى فئتين: الأولى، الأدلة التي يستخدمها المجتهد للوصول إلى الحكم الحقيقي، والتي سمّاها وحيد بهبهاني بالأدلة الاجتهادية أو الأمارة. الثانية، الأدلة التي وُضعت لتوصيل المكلف إلى الواجبات الشرعية عند جهله بالحكم الحقيقي، والتي أطلق عليها أيضًا الأدلة الفقهية أو الأصول العملية (وحيد بهبهاني،.(48:1415[3]
في الهيكل الحالي لعلم الأصول، يُطرح نقاش مسألة الحجية الذاتية للقطع قبل نقاش أدلة الاجتهاد (الظنون المعتبرة). في الواقع، يثبت علماء الأصول الحجية الذاتية للقطع، ويعتبرون حجية الأمارات عرضية، ويبررون حجية الظنون بالرجوع إلى الحجية الذاتية للقطع (كاظمي، 1406: 7/3؛ مظفر، 1370: 18/2؛ حائري، 1418:.(325
يُعد الشيخ الأنصاري مبتكر نظرية حجية القطع، حيث يذكر في بداية كتاب فروع الأصول تقسيمًا للحالات الذهنية للمكلف ويقول: «اعلم أن المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فإما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن» (الشيخ الأنصاري،.(25/1:1419
في تقسيم الشيخ الأنصاري، المقسم هو المكلف المتنبه، والمتنبه إليه هو الحكم الشرعي، والأقسام ثلاثة. سبب طرح هذا الباب من قبل الشيخ الأنصاري هو إقامة توازن بين مدرستين متطرفتين في ذلك العصر. فالأخباريون، بجمود فكري، كانوا يقتصرون في استنباط الأحكام الفقهية على نصوص الأحاديث فقط، بينما كان الأصوليون الانسداديون، بالتمسك بانسداد باب العلم، يؤمنون بحجية الظنون الشخصية في استنباط الأحكام الفقهية. وفي هذا السياق، أقام الشيخ الأنصاري نوعًا من التوازن، مؤمنًا بحجية الأدلة القطعية العقلية والأدلة الظنية السمعية (سیستانی، ١٤١٤: ٣٤/١).
علاوة على ذلك، يمكن اعتبار انتقادات الشيخ الأنصاري لنظرية «عدم حجية القطع الوسواسي» (کاشف الغطاء، د.ت.: ٣٠٨/١؛ نجفی، ١٣٦٢: ٤٢٢/١) التي كانت شائعة في تلك الفترة من الأسباب الأخرى التي دفعت الشيخ الأنصاري إلى معالجة حجية القطع كمسألة مستقلة.
بعد طرح هذا النقاش من قبل الشيخ الأنصاري، حظيت الحجية الذاتية للقطع باهتمام جميع الأصوليين الذين جاءوا بعده؛ بحيث أصبحت هذه المسألة دائمًا جزءًا ثابتًا في البنية الحالية لأصول الفقه (هدایی وآخرون، ١٣٩٤: ٢٨٩). هذا الفكر الأصولي يسعى إلى إظهار الفرق بين الأدلة المختلفة في مقدار اليقين بإصدار الحكم أو كشف الحقيقة. ونتيجة لذلك، عندما تتشكل معظم مباحث علم الأصول حول محور القطع والظن والشك والحجة، فهذا يدل على أن النقاشات الأصولية ذات طابع معرفي.
٢- كيفية كشف الواقع وتحقيق الحكم الإلهي في القطع
ما كان دائمًا يُعتبر جزءًا أساسيًا في مفهوم القطع هو طريقية القطع بالنسبة للواقع أو ما يُسمى بكاشفية القطع. الشيخ الأنصاري، كمبتكر لمبحث حجية القطع، يرى طريقية القطع بالنسبة للواقع كمفهومه (شیخ انصاری، ١٤١٩: ٤). أما آخوند خراساني فقد فسّر كلام الشيخ بهذا المعنى أن الشخص القاطع لا يجد أي حجاب بينه وبين الواقع (آخوند خراسانی،١٤١٠: ٢٥). وفيما بعد، اعتُبرت طريقية القطع ذاتية بل هي جوهره ذاته (اصفهانی، ١٤١٤: ١٨). بعضهم يرى القطع نورًا محضًا وطريقية هذا النور هي جوهره (کاظمی، ١٤٠٦: ٦/١). كما أن آقا ضياء العراقي، بتوسيع مفهوم دلالة القطع، عرف حقيقته بأنه انكشاف من الواقع حقيقةً واعتقادًا. فالشخص القاطع، لأنه يعتقد أن الواقع قد انكشف له، يكون هذا القطع ذاتيًا حجة له، حتى وإن لم يكن الاعتقاد القطعي مطابقًا للواقع حقيقةً (کرباسی، ١٤١١: ١٠/٣). ومع مرور الزمن ودخول المبادئ الفلسفية الصدرائية إلى هذا المبحث، يرى الإمام الخميني (قده) آثار القطع على وجود القطع وليس على مفهومه؛ فهو يعتقد أن الكاشفية والطريقية يمكن طرحها تحت عنوان الوجود – وليس ماهيته – (خمینی، ١٤٢٠: ٣٧٤).
لكن ما المقصود بالكاشفية في هذه التعابير؟ هل هذه الكاشفية موجودة فقط في ذهن القاطع دون الحاجة إلى التطابق مع الواقع؟ بمعنى آخر، هل تُؤخذ الأمور كما هي بالفعل أم كما يجب أن تكون؟
وفقًا للمبادئ القائمة، فإن الحجية الذاتية للقطع من أي سبب – حتى غير المألوف وغير العلمي – تكون ملزمة للمكلّف. وفيما يلي عبارة الشيخ الأنصاري في نفي السببية الخاصة للعلم في القطع: «ثم ما كان منه طريقا لا يفرق فيه بين خصوصياته، من حيث القاطع و المقطوع به وأسباب القطع و أزمانه، فإذا قطع بكون مائع بولا – مناي سبب كان – فلايجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته أو عدم وجوب الاجتناب عنه» (شیخ انصاری، ١٤١٩: ٣١).
أو قول آخوند خراساني الذي يقول: «لا تفاوت في نظر العقل أصلا فيما يترتب علي القطع من الآثار عقلا بين أن يكون حاصلا بنحو متعارف، ومن سبب ينبغي حصوله منه أو غير متعارف لاينبغي حصوله منه كما هو الحال غالبا في القطاع» (آخوند خراسانی، ١٤١٠: ٢٦٩).
وبالتالي، القطع حالة نفسية يمكن أن تنشأ من دليل كاذب لدى المكلّف. علماء الأصول لا يشترطون تحقق العلم في المكلّف (أي حالة يكون فيها القطع مطابقًا للواقع ومنشأ حصول الاعتقاد صحيحًا) لحجية القطع. فالقطع مبرر مهما كان سببه. ويمكن رسم هذا الأمر تحت عنوان القطع القطّاع وفهم الأصوليين لقول الإخباريين بشأن شرط حجية القطع بشكل أدق. وهنا، ولأجل الاختصار، يكتفى بشرح الجزء الثاني.
القطع الذي لم يحصل من الكتاب والسنة (القطع الناتج عن مقدمات عقلية): يُنسب إلى الشيخ الأنصاري وتابعيه أن الإخباريين لا يعتبرون القطع الناتج عن مقدمات عقلية حجة (روحانی، ١٤١٣: ١٠٩/٤؛ خوئی، ١٤١٢: ٥٨/١). الشيخ الأنصاري في تفسير كلام الإخباريين يستشهد بآثار ثلاثة من كبار الإخباريين، وهم المحدث الأسترآبادي، المحدث البحراني، وسد جزائري؛ لكنه كما ذكر بنفسه، لم يكن لديه وصول إلى نصوص كتب كبار الإخباريين (شیخ انصاری، ١٤١٩: ٥٥/١). في الواقع، سبب الاستشهاد بكتاب فوائد المدنية واقتباس كلام المحدث الأسترآبادي هو اقتباس واتباع الشيخ الأنصاري لمحمد تقي الأصفهاني وهامشه على كتاب معالم (نوری، ١٤١٥: ٣١٣/٩).[4]
آخوند خراساني، خلافًا للشائع وبحق، يعتبر هذا النزاع نزاعًا صغرى؛ بمعنى أنه من مقدمات العقل النظري لا يحصل عند الإخباريين قطع قطعي. مدلول الأدلة العقلية النظرية بالنسبة للإخباري هو مجرد ظن، وليس أن القطع الناتج عنها ليس بحجة (آخوند خراسانی، ١٤٠٩: ٢٧٠).
المحدث الأسترآبادي في الفصل الأول من كتاب فوائد المدنية تحت عنوان «في إبطال جواز التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى، ووجوب التوقف عند فقد القطع بحكم الله أو بحكم ورد عنهم (ع)» يسعى إلى إبطال التمسك بالاستنباطات الظنية في الأحكام الإلهية. وفي الفصل الثاني من نفس الكتاب، تحت عنوان «في بيان انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية، أصلية كانت أو فرعية في السماع عن الصادقين عليهما السلام» يبيّن انحصار مدرك الأدلة الشرعية غير الضرورية في السماع عن أهل البيت (ع) دون ذكر دليل لذلك. وفي الدليل الخامس تحت عنوان «أنه تواترت الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بأن مراده تعالى من قوله فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ومن نظائرها من الآيات الشريفة أنه يجب سؤالهم عليهم السلام في كل ما لم يعلم» اعتبر كل طريق سوى التمسك بأهل البيت (ع) ظنيًا، وفي الدليل التاسع الذي استند إليه الشيخ الأنصاري أيضًا، تحت عنوان «دقيقة شريفة تفطنت لها بتوفيق الله تعالى وهي أن العلوم النظرية قسمان»، اعتبر الحفظ من الخطأ سببًا للامتناع عن التمسك بغير أهل البيت.
النتيجة أن استرآبادي يقسم العلم إلى قسمين: العلوم العقلية الضرورية والعلوم العقلية النظرية. في القسم الأول، وبسبب انتهائه إلى مادة قريبة من الحس، يكون العلم محصناً من الخطأ في الصورة والمادة. فالخطأ من جهة الصورة لن يحدث، لأن العلم المنطقي يبحث في صورة الاستدلال الصحيحة. كما أن الخطأ من جهة المادة لن يحدث بسبب قرب المادة في العلوم العقلية الضرورية من الحس. وقد احتل علم الهندسة، الحساب، معظم أبواب المنطق في هذا القسم. أما القسم الثاني، أي العلوم العقلية النظرية، فرغم إقامتها على وجه صحيح من جهة الصورة، إلا أنها بسبب عدم قرب موادها من الحس، لا تكون محصنة من الخطأ في المادة، ولا ينتج عنها إلا ظن. ومن هذا القسم الحكمة، الكلام، أصول الفقه، مسائل نظرية الفقه وبعض القواعد المنطقية مثل «الماهية لا تتركب من أمرين متساويين» أو «نقيض المتساويين متساويان». ولهذا السبب، فإن السبيل الوحيد لتجنب الخطأ هو التمسك بأخبار أهل البيت (ع) (استرآبادی، ١٤٢٦: ٢٥٧/١-٢٥٥).
المحدث استرآبادي وتابعيه (المحدث البحريني وسيد الجزائري) يرون أن الإدراك العقلي في الأمور العقلية النظرية (مقابل الأمور العقلية الضرورية) إدراك ظني وليس قطعيًا. ويعتبر المحدث استرآبادي التمسك بالتفضيلات الاستحسانية الظنية عند تعارض الأدلة الظنية مردودًا بسبب عدم وجود رخصة من الشارع وعدم وجود حكم عقل قطعي (کاظمی، ١٤٠٦: ٢٧٢/١). وهذا دليل على أن الأخباريين يقبلون حكم العقل القطعي الضروري مقابل حكم العقل في النظريات.
يواصل استرآبادي في الفصل ١٢ تحت عنوان «أن الفلاسفة وعلماء الإسلام قسموا الاعتقاد الجازم إلى مطابق للواقع وغير مطابق له ويفهم من كلام أصحاب العصمة صلوات الله وسلامه عليهم امتناع القسم الثاني» بأن تقسيم الاعتقاد الجازم إلى اعتقاد جازم مطابق للواقع واعتقاد جازم غير مطابق للواقع خطأ ومخالف لتفسير كلام أهل البيت (ع). فاليقين عنده موجب خاص كالإحساس لا يتحقق إلا به (كاظمي، ١٤٠٦: ج.١، ص ٤٧٦-٤٧٨).
٣- نظرية التوالد الذاتي للشهيد الصدر لتبرير معرفي القطع
كما ذُكر، إحدى النظريات المعرفية التي طرحت في أصول الفقه هي نظرية التوالد الذاتي للشهيد الصدر. فهو يسعى، مع نفي منهج علماء السلف في إثبات الحجيّة لكل قطعي، إلى تقديم تفسير معاصر مع تبرير لطريقة حصول القطع الصحيح للمكلّف عبر حساب الاحتمالات. وقد حظيت هذه النظرية بعد الشهيد الصدر بترحيب بعض كبار علماء الأصول، بحيث اعتبر السيد علي السيستاني (من أهم علماء الأصول في العصر الحاضر) اليقين الموضوعي الناشئ عن التوالد الذاتي وحساب الاحتمالات حجة (سیستانی، ١٤١٤: ٢٢/١)، ورفض نسبتي الإنجاز والمعذرة إلى اليقين الذاتي (القطع الأصولي) – الذي ينشأ عن عوامل مزاجية وشخصية – باعتبارها غير معتبرة (سیستانی، ١٤١٤: ١٣١/١).
في نظريته، تناول الشهيد الصدر تفسير الاستقراء واليقين الناتج عنه في مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي. فقد قسم اليقين إلى ثلاثة أنواع: منطقي، ذاتي وموضوعي، وبالاستفادة من مسألة العلم الإجمالي في علم أصول الفقه، حاول تبرير اليقين المستمد من الاستقراء. ووفقًا لصدّر، فإن الجزء الأكبر من المعارف واليقين البشريين يُكتسب عبر الاستقراء.
ومع ذلك، لم يكن الصدر رائدًا في تبرير المعرفة المستمدة من الاستقراء، بل كانت المحاولات الأولى في هذا المجال من قبل التجريبيين لرفض موقف العقلانيين الذين يرون أن السبيل الوحيد للاستنباط هو القياس (ارسطو، ١٩٨٠: ٢٨) (خرمشاهی، ١٣٧٠: ٩٣/٨- ٧٩). وفي كتابه الأسس المنطقية، ردّ على نظريات العقلانيين (إحالة الاستقراء إلى القياس في توليد العلم) والتجريبيين (كمثال نظرية العادة الذهنية لدى هيوم في الاستقراء (٣٥-٢٦ pp:١٩٠٢ ,Hume))، محاولًا تقديم تفسير جديد لمسألة الاستقراء وطريقة حصول القطع الصحيح الذي له حجيّة في أصول الفقه (صدر، ١٤٠٦: ص ١١٣).
وفي كتابه الآخر «فلسفتنا»، عبّر عن موقفه قائلاً: المسألة الأساسية في المعرفة التصديقية هي ما يقوم عليه العلم الإنساني. ما هو أصل المعارف البشرية في بنية المعتقدات الموجّهة وما الذي يميّز الحقيقة عن غيرها؟ في هذا الصدد، هناك مدرستان: المدرسة العقلية التي يتفق عليها الفلاسفة الإسلاميون، والمدرسة التجريبية التي هي معتقد الفلاسفة الماديين مثل الماركسية. المدرسة الذاتية تتفق مع المدرسة العقلية في عدم حصر المعرفة في التجربة والحس، لكنها خلاف العقلانيين ترى أن نمو المعرفة ممكن ليس فقط عبر التوالد الموضوعي بل أيضًا عبر التوالد الذاتي (صدر، ١٤٠١: ٨٤). وبناءً على ما ذُكر، فإن نظرية الشهيد الصدر تقع بين العقلانية والتجريبية.
المشكلة الأساسية في العلم الناتج عن الاستقراء هي أن النتيجة التي تُستخلص منه قد تكون صحيحة فقط في الحالات التي تم اختبارها، وقد تخطئ في تعميم الحكم على جميع الحالات من النوع الذي تم اختباره. وهذه هي أهم عيوب الدليل الاستقرائي التي تمنع تقديم نتيجة منطقية فيه؛ لذلك، فإن كل استقراء يكون علمًا فقط إذا قُبلت وشُرطت فيه الأمور التالية:
– كل ظاهرة تحتاج إلى سبب.
– يجب التمييز بين السبب الرئيسي والسبب العرضي في كل ظاهرة. على سبيل المثال، يجب تحديد أن سبب تمدد الحديد هو الحرارة (قد يكون حدوث التمدد في الحديد عند الحرارة عرضيًا).
– يجب أن يستمر هذا السبب في المستقبل أيضًا.
لكن هل هناك ضمان لتحقيق هذه الشروط في كل استقراء؟ هذا السؤال معروف في المصطلح بمسألة الاستقراء (problem of induction). وفي نظريته، كان الشهيد الصدر يسعى إلى كيفية الوصول إلى آلية تكوين المعتقد الموجه لدى الإنسان مع الحفاظ على التبرير المعرفي والملاحظة المباشرة لعدد من الأمثلة من كل نوع.
وفقًا لتقسيمه، تنقسم المعارف البشرية إلى ثلاث فئات: ١- المعرفة العقلية والقبلية مثل مبدأ عدم التناقض؛ ٢- المعارف الثانوية التي تُستمد من المعارف الأولية عبر التوالد الحقيقي، مثل مسائل الهندسة الإقليدية النظرية؛ ٣- المعارف الثانوية التي تُستمد من المعارف الأولية عبر التوالد الذاتي والشخصي، مثل الاستنباطات العامة من الاستقراء التي لا يوجد فيها ترابط منطقي بين التجربة والاستنباط العام الناتج عنها. هنا يحدث الولادة الشخصية أو الذاتية. كل المعارف التي يحصل عليها العقل بناءً على التوالد الذاتي يجب أن تمر بمرحلتين: أ – في البداية تمر بمرحلة الولادة الحقيقية والموضوعية بمساعدة حساب الاحتمالات. في هذه المرحلة لا يتحقق إلا زيادة في الاحتمال ولا يتحول الظن الناتج عن الاستقراء إلى يقين؛ ب – في المرحلة التالية، مع الولادة الذاتية من الاستقراء، يتحقق اليقين (صدر، ١٤٠٦: ١٣٣). فيما يلي تُعرض مراحل الوصول إلى اليقين عبر الاستقراء بالتفصيل.
٣-١- المرحلة الأولى في الاستقراء للوصول إلى اليقين الموجه
الاستقراء في المرحلة الأولى (التوالد الموضوعي) يقوم على الاستنباط الحقيقي، دون المرور بمرحلة الظن إلى حد اليقين، ويتقدم حتى بلوغ أعلى درجة من الاحتمال[5]. هنا يحاول الشهيد صدر لشرح «الاحتمال» أن يبين تعريفه الخاص بالاحتمال معتمدًا على العلم الإجمالي في أصول الفقه، مع نقل بعض التعريفات الشائعة له.
الاحتمال في التعريف الشائع هو قسمة عدد الوجوه المرغوبة على مجموع الوجوه المتصورة. هذا التعريف يواجه مشكلات مثل كونه تعريفًا دائريًا (في تعريف الاحتمال تم استخدام الاحتمال نفسه) وعدم شمولية (جميع الوجوه الاحتمالية متساوية) (صدر، ١٤٠٦: ١٦٤-١٥٧). لهذا السبب، يقدم الشهيد صدر تعريفًا وشروطًا للاحتمال مستفيدًا من مسألة العلم الإجمالي في أصول الفقه ليكون محصنًا من هذه المشكلات (صدر، ١٤٠٦: ١٦٥).
يبدأ صدر ببيان ضرورة تحويل كل علم إجمالي متوافق مع الأطراف (أي احتمال وقوع طرفين أو أكثر في آن واحد متصور) إلى علم إجمالي غير متوافق مع الأطراف (حيث لا يمكن وقوع سوى طرف واحد فقط)، موضحًا كيفية هذه العملية[6]، وتعريفه للاحتمال مبني على العلم الإجمالي غير المتوافق مع الأطراف.
التعريف الأول: كل احتمال يمكن تحديد قيمته هو عضو في مجموعة الاحتمالات التي تتناظر مع مجموعة أطراف العلم الإجمالي. إذا كانت قيمة اليقين «ألف» وعدد الأعضاء «باء»، فإن قيمة احتمال كل طرف تساوي ألف على باء. وفقًا لهذا التعريف، الاحتمال ليس علاقة حقيقية بين حدثين ولا نسبة تكرار مجموعة في مجموعة أخرى، بل هو تصديق ناقص بدرجة معينة.
التعريف الثاني: احتمال كل حدث هو كسر يكون مقامه عدد أطراف العلم الإجمالي، وبسطه عدد الحالات المواتية لذلك الحدث. في هذه الحالة، الاحتمال لا علاقة له بدرجات تصديق الإنسان (صدر، ١٤٠٦: ١٧٨-١٧٧).
التعريف الثاني هو التفسير الكلاسيكي للاحتمال، والتعريف الأول يشبه التفسير الذهني للاحتمال[7].
بالنظر إلى ما سبق، الاحتمال عند الشهيد صدر دائمًا قائم على العلم الإجمالي، ودرجة احتمال كل قضية تساوي نسبة الأعضاء إلى العدد الكلي لأعضاء العلم الإجمالي: «لقد انتهينا الآن من دراسة نظرية الاحتمال على ضوء تعريفنا الخاص للاحتمال… الاحتمال يقوم دائمًا على أساس العلم الإجمالي والقيمة الاحتمالية لأي قضية تحددها نسبة عدد الأعضاء التي تستلزم تلك القضية من مجموعة أطراف العلم الإجمالي إلى عددها الكلي» (صدر، ١٤٠٦: ٢٢٤-٢٢٣).
الاستقراء في المرحلة الأولى يرفع احتمال التعميم إلى درجة عالية من التصديق الاحتمالي. وهذه النقطة أيضًا من مبادئ نظرية الاحتمال. في الواقع، سبب الاستقراء في المرحلة الاستنباطية والتوالد الموضوعي ليس سوى تطبيق نظرية الاحتمالات.
٣-٢- المرحلة الثانية في الاستقراء للوصول إلى اليقين الموجه
المرحلة الاستنباطية في كل استقراء لا تثبت حقيقة، بل تظهر فقط درجة تصديق أقل من اليقين بأن «ألف» هو «باء» في قالب مقدار احتمال كبير يُستمد من جمع عدد كبير من الاحتمالات (صدر، ١٤٠٦: ٣٢٢-321).
لكن كيف يتحول الاحتمال الكبير في المرحلة الثانية إلى يقين؟ يذكر الشهيد صدر ثلاثة معانٍ لليقين:
– اليقين المنطقي، وهو العلم بقضية ما والعلم باستحالة نقيضها.
– اليقين الذاتي، وهو الجزم بقضية بحيث لا يقبل الفاعل العارف الشك أو الاحتمال المخالف للجزم، لكن استحالة احتمال خلاف الجزم ليست ضرورية.
– اليقين الموضوعي، وهو المقصود باليقين الموجه والمدلل بواسطة القرائن الموضوعية والخارجية (صدر، ١٤٠٦: ٣٢٤-٣٢٢).
يرى أن لكل يقين متعلق ودرجة تصديق. ومن هنا يمكن تعريف نوعين من الصدق والكذب في المعارف البشرية: الصدق والكذب المرتبط بالقضية التي يتعلق بها اليقين، ومرجعه تطابق أو عدم تطابق القضية مع الواقع. والصدق والكذب الثانيان مرتبطان بدرجة التصديق في اليقين. فإذا رمى شخص ساذج عملة إلى الهواء وجزم بأن الوجه سيكون صورة، وحدث ذلك صدفة، فإن اليقين بالقضية، رغم كونه صادقًا ومتطابقًا مع الواقع، إلا أن اليقين بدرجة التصديق ليس صحيحًا. فالفاعل العارف لا يجوز له أن يزداد تصديقه بخصوص ظهور صورة. التصديق له درجة محددة في العالم الواقعي يجب أن تُحدد وفقًا لتلك الحقائق الخارجية.
الفرق بين اليقين الذاتي والموضوعي هو أن اليقين الذاتي يمتلك أعلى درجة ممكنة من التصديق دون أن يثبت الواقع الخارجي ذلك، أما اليقين الموضوعي، بالإضافة إلى امتلاكه أعلى درجة تصديق، فهو مؤيد بالواقع الخارجي (صدر، ١٤٠٦: ٣٢٥). المقصود من تحويل الظن إلى يقين في المرحلة الثانية من الاستقراء هو اليقين الموضوعي (وليس اليقين المنطقي بمعنى استحالة تحقق نقيضه). إذا كان أحد أطراف العلم الإجمالي، بسبب تراكم كمية كبيرة من الاحتمال، يمتلك قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيمة الاحتمالية الكثيرة – في الظروف المعنوية – تتحول إلى يقين موضوعي (صدر، ١٤٠٦: ٣٣٣).
إن احتمال ظهور وجه الكتابة في كل مرة عند رمي العملة عشر مرات هو احتمال ضعيف جدًا؛ لأن ظهور وجه الصورة أو وجه الكتابة هو نتيجة لعوامل مثل قوة اليد، حالة الطقس، وكيفية وضع العملة على اليد؛ وبما أن هذه العوامل ليست متشابهة، فلا تظهر النتيجة دائمًا بنفس الحالة؛ وهنا أيضًا يوجد علم إجماليان. العلم الإجمالي الأول يشمل الفرضيات الاحتمالية لوجهَي العملة؛ والعلم الإجمالي الثاني يشير إلى العوامل والظروف التي تؤدي إلى ظهور وجه الصورة أو الكتابة على العملة. العلم الإجمالي الثاني يمتلك احتمالات أكثر من العلم الإجمالي الأول، وتراكم القيم الاحتمالية الأكبر يؤدي إلى زوال القيم الاحتمالية الأقل (صدر، ١٤٠٦: ٣٦٠-٣٥٥).
تجاهل القيمة الصغيرة وتحويل القيمة الاحتمالية الكبيرة إلى يقين هو شرط الحركة الطبيعية للمعرفة البشرية. هذا النوع من اليقين الذي لا يزول يجده كل إنسان معتدل في نفسه، على عكس اليقين الذاتي الذي قد يزول بسبب حصوله بدون أساس (صدر، ١٤٠٦: ٣٣٤-٣٣٣).
ما تم عرضه يمكن ملاحظته في المخطط التالي:

٤- بنية التبرير المعرفي الجديد في نظرية الشهيد صدر
يعتقد الشهيد صدر أن هناك نقطتين أساسيتين في المعرفة البشرية، الأولى هي مصدر المعرفة والثانية هي كيفية نموها (صدر، ١٤٠٦: ١٢٤-١٢٣).
تُطرح جميع هذه المناقشات تحت عنوان «في تفسير نمو المعرفة بمعنى كيف يمكن أن تنشأ معارف جديدة من هذه المعارف القبلية الأولية؟». ومن هذه التعبيرات (عبارة نمو المعرفة) يتضح أن الشهيد صدر أيضًا اعتبر بنية تبرير المعرفة كأساس مثل غيره من المبدئيين[8]، وكان يسعى إلى طرح التوالد الذاتي (اليقين الموضوعي) بالإضافة إلى التوالد الموضوعي (اليقين المنطقي) كمصدر معرفي آخر.
إقرار الشهيد صدر بحصر القضايا البديهية الأساسية في المعارف العقلية مثل مبدأ تناقض النفي، مبدأ العلية، والأسس الرياضية (الأساس العقلي) يدل على وجود نوع من التناقض في مبادئه. لكن ربما يمكن تفسير القول بأن الشهيد صدر، رغم كونه مبدئيًا عقليًا في بنية تبرير المعتقدات في التوالد الموضوعي، ويقر بأن القضايا الأساسية عقلية وليست تجريبية، فإن نظريته في التوالد الذاتي، من حيث بنية التبرير، لا تنتمي إلى أي من نماذج التبرير المتداولة (المبدئية، التماسكية، والثقة). المقصود بالتوالد الذاتي كما يدل اسمه، هو ولادة العلم والمعرفة من ذات القضية (سواء كانت عقلية أو تجريبية) دون الاستعانة بقضية أخرى؛ وهذا على عكس التوالد الموضوعي حيث يحدث استنتاج حقيقي من بين قضيتين أو أكثر.
٥- النقد الموجه إلى نظرية الشهيد صدر
٥-١- الخلط بين علم النفس والمعرفة
علم النفس يصف فقط عملية إنتاج الفكر ولا يبرر الأفكار أو يثبت صحة المعرفة. في تعريفه لليقين الموضوعي، يحاول الشهيد صدر أن يضع نوعًا من التبرير بناءً على الأدلة الموضوعية والخارجية. لقد حاول التمييز بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي من حيث الأسباب والدلائل المعرفية في اليقين الموضوعي والأسباب النفسية في اليقين الذاتي. من هذه الناحية (الاعتماد على الأدلة الخارجية) يمكن اعتبار جهده نسبيًا أكثر معرفية وأقل نفسية.
لكن يبدو أن النتيجة النهائية لهذه العملية هي أن نظرية الشهيد صدر تعبر فقط عن انتقال نفسي معقول (مقابل نفسي شخصي). الدليل على هذا الفهم هو تقسيم الصدق إلى صدق قضائي وصدق تصديقي في ذهن الفاعل العارف. على أي حال، ربط الصدق بذهن الفاعل العارف دون النظر إلى مطابقته مع الخارج هو تفسير نفسي. وهذا في حين أن المشكلة الأساسية في الاستقراء في المعرفة هي الصدق بمعنى المطابقة مع الخارج.
يقول بونجور، عالم المعرفة المعاصر، إن المشكلة الأساسية في الاستقراء هي: ما هي الأسباب أو التبريرات التي تجعلنا نستنتج قاعدة عامة من الوقائع الجزئية تحتها (٢٠٠٩:٤٧، Bonjour)؛ ولماذا يكون هذا التعميم من الحالات المرصودة إلى الحالات غير المرصودة في الاستقراء مبررًا ومن المحتمل أن يؤدي إلى الصدق (صادقی، ١٣٨٢: ٢١٥). لذلك، فإن مسألة الاستقراء في المعرفة تهدف إلى حل مشكلة صدق القضية.
عندما يُعتبر الخلو من الخطأ من خصائص المعرفة، فإن الصفات النفسية للفاعل العارف مثل اليقين، مهما كانت قوية، لا تعد دليلاً على خلو ذلك الاعتقاد من الخطأ. اليقين النفسي لا يعني بالضرورة عدم القابلية للتصحيح أو الخلو من الخطأ دون إضافة قيود معرفية. هذا اليقين دائمًا تابع لظروف ذهن الفاعل العارف. بتغير هذه الظروف، تتغير أحوال الفاعل العارف أيضًا. رغم أن كل اعتقاد يصاحبه درجة من اليقين النفسي، إلا أنه في إطار معرفي، يجب أن يكون مقياس اليقين في الاعتقاد تابعًا لمعقولية قبوله. وإذا كان قبول الاعتقاد يحمل تبعات مهمة، فإن فحص الأدلة والمبررات لقبوله يصبح أكثر ضرورة. لذلك، لا ينبغي أن يكون اليقين النفسي معيارًا لقبول الاعتقاد، بل هو في الواقع مقياس نسبة الاعتقاد إلى الحالات غير الثابتة للفاعل العارف. وهذا يؤكد نسبية اليقين وعدم نسبية الصدق والكذب. فاليقين مهما كانت درجته وشدته يمكن أن يتوافق مع الكذب والخطأ.
بالطبع، رغم وجود اليقين في كل معرفة، إلا أن اليقين ليس من مكونات المعرفة ولا شرطًا لتحليلها. اليقين شرط لادعاء المعرفة بشيء ما. عندما يدعي الفرد معرفة شيء ما، فإنه يطرح هذا الادعاء بيقين (١٩٥٣:١٥١، Woozley).
٥-٢- عدم تحديد مقدار تراكم الاحتمال للوصول إلى اليقين
إلى أي حد يجب أن ينخفض الاحتمال الصغير ليزول، ويتحول الاحتمال الكبير إلى يقين؟ هذه العملية تختلف بين الأفراد. الشهيد صدر لم يحدد مقدار الزيادة الاحتمالية التي تؤدي إلى وصول الشخص إلى اليقين ولم يرَ ضرورة لذلك:
نعلم من واقع الممارسة أن الإنسان العادي لليقين الذاتي: أن الناس يختلفون في هذه النقطة، فدرجة من تراكم القيم الاحتمالية في محور معين قد تؤدي عند إنسان إلى تحول القيمة الاحتمالية الكبيرة الناتجة عن ذلك التراكم إلى يقين وانعدام القيمة الاحتمالية المضادة، بينما لا تحصل هذه النتائج عند إنسان آخر، إلا إذا بلغ تراكم القيم الاحتمالية في محور معين درجة أكبر، وليس من الضروري للمصادرة – التي يحتاجها الدليل الاستقرائي – أن تحدد درجة التراكم التي تؤدي إلى تلك النتائج (صدر، ١٤٠٦: ٣٣٤).
بالنظر إلى اختلاف حصول اليقين الموضوعي لدى الناس، وضرورة تنظيم عملية تحقق اليقين في الاستقراء، يبدو أن تحديد حدود اليقين الموضوعي أمر لازم، فهل يمكن فعلاً تحديد حدود درجة التراكم؟ علاوة على ذلك، هل يمكن لأصولي يقبل بهذا المنهج أن يتحرر من الإيديالية المعرفية؟
هل يسعى الأصولي إلى استنباط الحكم الحقيقي، أم يكتفي بالحصول على حجة (معذرة ومنجزة) أمام الله؟ بمعنى آخر، هل هو من أنصار الواقعية أم الإيديالية المعرفية؟ لتوضيح مقصد الأصولي من التكليف يمكن الرجوع إلى مناقشات متعددة في علم الأصول. مسألة التخطيء أو التصويب، القياس، وإصرار علماء الأصول على حجية القطع بسبب واقعية دلالته كلها تشير إلى واقعية الأصوليين، رغم أنه يبدو أن التطبيق العملي لم يولي هذا المقصد الاهتمام الكافي.
٦- سبب انحراف الأصوليين عن الواقعية إلى القطع
يرى بعضهم أن من وجهة نظر شهيد صدر، ما أدى إلى نمو وتفوق الإخباريين على الأصوليين في بعض الفترات هو تمسكهم بمباحث المعرفة واستخدامهم للأدوات الفلسفية: «من وجهة نظر شهيد صدر، وقف الإخباريون في مناسبات متعددة ضد العقل، وكانوا يرون أن العقل معرض للخطأ والزلل. وكانوا يرون أن تاريخ الفكر العقلي مليء بالأخطاء، لذا لا يستحق أن يُستخدم كأداة أو وسيلة إثبات في أي من مجالات العلوم الدينية (موسوی، ١٣٨٨: ٥٣)».
ويعتقد شهيد صدر أنه مع مرور الزمن، وبداية المرحلة الأخيرة لعلم الأصول والابتكارات التي أدخلها الشيخ الأنصاري، غاصت مباحث الأصول بذكاء وعمق في دراسة المشكلات الفلسفية، متحررة من أي تقليد أو رهبة من كبار الفلاسفة. وعلى هذا الأساس، شمل علم الأصول عدداً من القضايا الفلسفية والمنطقية التي تتعلق بأهدافه، وابتكر ابتكارات لم تكن موجودة في المباحث الفلسفية التقليدية. ومن هذه الابتكارات نظرية المعرفة، التي تناقش قيمة المعرفة البشرية وشروط الاعتماد عليها. وقد جرت مناقشات أصولية كثيرة في هذا المجال، كانت نتيجة صراع فكري شديد بين الإخباريين والأصوليين (صدر، ١٣٧٩: ١١٩-١١٨).
ومقصود شهيد صدر من نظرية المعرفة هو تقسيم الأدلة بناءً على الحالات الذهنية للمكلف وابتكار مسألة حجية القطع؛ لكن الحقيقة أن أصل طرح هذه المسألة في علم أصول الفقه هو معارضة الشيخ الأنصاري لموقف الإخباريين القائل بعدم علمية أدلة العقل النظري في استنباط الأحكام الشرعية.
كما ذُكر في مقدمة هذا المقال، يرى الإخباري أن مقدمات العقل لا تحقق القطع بسبب عدم واقعيتها وكثرة وقوع الخطأ فيها. وطبيعي أن موقف الأصولي في معارضة الإخباري يجب أن يكون إثبات واقعيتها وعدم الخطأ في مقدمات العقل النظري. علاوة على ذلك، يجب أن يكون الأصولي واقعياً، وبصرف النظر عن الخلاف مع الإخباري، يسعى إلى تحصيل الحكم الإلهي الذي وضعه الشارع مسبقاً؛ ومع ذلك، فقد وجه الأصوليون عملياً اهتمامهم إلى القطع، وأهملوا علاقة الحكم بالواقع. فموقف الإخباري هو أن القطع يتحقق عند الفاعل العارف إذا كانت الواقعية متحققة، بينما الأصولي جعل القطع معياراً للحجية بغض النظر عن الواقع. فإذا أراد الأصولي دحض موقف الإخباري، فعليه أولاً إثبات واقعوية الأدلة العقلية النظرية، ثم ثانياً حصول القطع بسبب الوصول إلى الواقع في الاستدلالات العقلية النظرية.
ربما سبب هذا الانحراف من الواقعية إلى القطع في طريقة استنباط الأحكام من نفس الأمر في أصول فقه الإمامية هو عدم فهم كلام الإخباريين من قبل الشيخ الأنصاري، واتباع جميع الأصوليين المتأخرين له (نوری، ١٤١٥: ٣١٣/٩). فقد ظن الأصوليون أن الإخباريين لا يعتبرون القطع الناتج من مقدمات العقل النظري حجة، بينما الإخباريون في الأصل ينكرون حصول القطع من مقدمات العقل النظري بسبب كثرة الخطأ وعدم الواقعية (فالقطع والواقعية ملازمان لبعضهما). هذا الخطأ في تفسير كلام الإخباريين من قبل الأصوليين أدى إلى انحراف مدار الحجية من الواقعية إلى القطع. ونتيجة لذلك، يجب على الأصولي لنفي موقف الإخباري أن يشرح عملية تحقيق الواقعية في الأدلة العقلية النظرية. أما الإخباري فقد رأى أنه عاجز عن إثبات ذلك، ورأى أن الطريق الوحيد للوصول إلى الأحكام الإلهية هو السماع من أهل البيت (ع). وتحول النزاع المعرفي بين الإخباري والأصولي إلى نزاع نفسي من جانب الأصولي مع الإخباري. فالإخباري يرى أن مقدمات العقل النظري لا تحقق القطع بسبب كثرة الخطأ وعدم الواقعية، بينما الأصولي ظن أن الإخباري لا يعتبر القطع الناتج من مقدمات العقل حجة، فوجه كل جهده للرد على الإخباري ليس بإثبات واقعية الأدلة العقلية، بل بإثبات عقلانية حجية القطع.
هذا التيار مستمر حتى الوقت الحاضر. بعضهم يعرّف صراحة تقسيم مباحث أصول الفقه على أساس حالات الذهن المكلف بأنها ذات صلة بمعرفة المعرفة والدقة الفلسفية.[9]
٧- اتباع الشهيد الصدر لعلماء السلف في توضيح سبب حجية القطع
الشهيد الصدر، مثل باقي الأصوليين، يوجه انتباهه في المعرفة إلى القطع، ولهذا السبب، في حساب الاحتمالات يسعى إلى تبرير اليقينيات التي تنشأ للفاعل العارف. كل جهده منصب على بيان كيفية عمل ذهن الفاعل العارف، بينما كما أُشير، فإن معرفة المعرفة تهتم بصحة المعتقدات ومعيار مطابقة الاعتقاد للواقع[10]. ولهذا السبب، في معرفة المعرفة يتم دراسة المعرفة الجملية.
لتوضيح المعرفة المعرفية، يجب أن يُنظر إلى الجملة بدلاً من اليقين. يبدو أن الشهيد الصدر في توضيحه المعرفي للجمل، تأثر بإملاءات الأصوليين نحو اليقين والقطع وانحرف عنهما.
مع أن في كل علم يجب البحث عن الجمل المطروحة في ذلك العلم وتقييم مطابقتها للواقع، إلا أن في علم الأصول يُعنى بالقطع دون ضرورة المطابقة أو عدم المطابقة مع الواقع. الشهيد الصدر، مثل غيره من الأصوليين، أكثر من أن يتناول مسألة المطابقة والصدق، تناول آلية حصول القطع في المكلف. الفرق بين الشهيد الصدر وغيره من الأصوليين هو اهتمامه بالتبرير وتقديم نوع من العقلانية في كيفية حصول اليقين غير المنطقي.
هو نفسه يعترف بأن اليقين الموضوعي لا علاقة له بالواقع ولا يعبر عن حقيقة من حقائق العالم، بل يتعلق بذات المعرفة البشرية… مع الفرق أن اليقين الموضوعي لا ينشأ من عوامل نفسية مثل الحظ السيء أو الحظ الجيد بحيث يمكن زواله في أي لحظة(صدر، ١٤٠٦: ٣٣٣).
لكن هل مجرد تعداد العوامل والدوافع التي تؤدي إلى حالة ذهنية-نفسية يمكن أن يكون مبرراً منطقياً ودليلاً على صحتها؟ البشر يؤمنون بالخرافات كثيراً، ويمكن إيجاد أسباب نفسية للاعتقاد بتلك الخرافات، لكن إيجاد تلك العوامل ليس مبرراً للاعتقاد بالخرافات! تفسير الشهيد الصدر هو استبدال علم النفس بالمنطق؛ فهو بدلاً من الإذن المنطقي لجأ إلى الإذن النفسي، وآخر تلوث يجب أن تنقذ الفلسفة نفسها منه هو علم النفس(سروش، 1366: 461-444).
النتيجة أن نظرية الشهيد الصدر نفسية وليست معرفية. فقد شرح نفسياً كيف يصل الإنسان إلى اليقين بناءً على الحس أو التجربة أو الجمل الظنية. ومع ذلك، استطاع في هذا المجال تقديم مسار نفسي أكثر عقلانية مقارنة باليقين الفطري.
في الختام، من الضروري الإشارة إلى أنه رغم أن منهج جمهور علماء الأصول هو تقسيم مباحث الأصول على أساس حالات الذهن المكلف واعتبار هذا التقسيم معرفياً، إلا أن في السنوات الأخيرة قلة من المفكرين المعاصرين أدركوا الفرق بين معرفة المعرفة ومسألة الحجية الذاتية للقطع، ونبهوا إلى ضرورة إعادة النظر في ترتيب مسائل علم الأصول.[11]
الخلاصة
على عكس المراحل الأولى لأصول الفقه أو فترة الغيبة الصغرى وحضور الإمام المهدي (عج) غير المباشر، حيث كان العلم (المعرفة) والواقعية محور الاستنباطات الفقهية، فإن النظام المعرفي الحالي بسبب اتباعه لمنهج الشيخ الأنصاري أصبح شخصياً. التفسير غير الواقعي أو النفسي للقطع جعل هذه المسألة تفقد صلاحيتها لتكون تحت قواعد مثل ملازمة الحكم الشرعي للعقل. على سبيل المثال، العقل في قاعدة الملازمة لا يمكن أن يؤدي إلى العلم بالحكم الشرعي إلا إذا كان مبرراً وغير شخصي، بينما النظام الحالي في أصول الفقه (الحجية الذاتية للقطع من أي سبب عند أي شخص، وإحالة الحجية العرضية للقرائن إلى الحجية الذاتية للقطع) لا يحقق هذه القاعدة. الدليل على ذلك هو الحذر الشديد للشيخ الأنصاري في مقام الفتوى وعدم اعتبار الأصول أداة للفقه عند كبار علماء الفقه. مع أن هناك إمكانية للابتعاد عن النظام المعرفي الذي يدعيه الشيخ الأنصاري وطرح نظرية جديدة مع الحفاظ على التبرير اللازم، إلا أن البعض يرى أنه كما لا يمكن حذف أرسطو وأفلاطون من الفلسفة، لا يمكن حذف الشيخ الأنصاري وتعاليمه من الأصول والفقه. في هذه الحالة، للحفاظ على الهيكل الحالي، يبدو ضرورياً إضافة قواعد معرفية صحيحة ومتداولة لمسألة الحجية الذاتية للقطع بطريقة تضمن علاقة الجملة بالواقع (على عكس نظرية التولد الذاتي).
ولا بأس في الختام بالإشارة إلى قول الشهيد مطهري (رحمه الله) في كتاب “نقاش حول المرجعية والروحانية”:
«لا مفر، إذا كنا ندعي أن فقهنا هو أيضاً من العلوم الحقيقية في الدنيا، يجب أن نتبع الأساليب المتبعة في العلوم الأخرى، وإذا لم نتبع، فهذا يعني أن (الفقه) خارج عن دائرة العلوم(طباطبایی وآخرون، ١٣٤١: ٦٥-٦٤)».
المصادر والمراجع
– آخوند خراسانی، محمدکاظم (١٤٠٩ق)، کفایه الاصول، قم: مؤسسه آل البیت علیهم السلام لاحیاء التراث.
– ارسطو (١٩٨٠م)، منطق ارسطو، تحقيق: عبدالرحمن بدوی، بیروت: دار القلم.
– استرآبادی، محمدأمین (١٤٢٦ق)، الفوائد المدنیه، ج ١، چ ٢، تحقيق: الشیخ رحمه الله رحمتی الأراکی، الطبعة الثانية، قم: مؤسسه النشر الإسلامی.
– انصاری (شیخ)، مرتضی بن محمدامین (١٤١٩ق)، فرائد الاصول، ج ٢، قم: مجمع الفکر اسلامی.
– حائری، عبدالکریم (١٤١٨ق)، درر الفرائد، چ ٥، قم: مؤسسه النشر الاسلامی.
– خمینی(امام)، سید روح الله (١٤٢٠ق)، معتمد الاصول (تقریرات محمد فاضل لنکرانی)، تهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی(ره).
– خوئی، سید ابوالقاسم (١٤١٢ق)، مصباح الاصول، ج ١، قم: مکتبه الداوری.
– روحانی، سید محمد (١٤١٣ق)، منتقی الاصول، ج ٤، قم: مطبعه الامیر (نسخه غیر المصحح).
– سروش، عبدالکریم (١٣٦٦ش)، تفرج صنع (گفتارهایی در اخلاق و صنعت و علم انسانی)، تهران: صراط.
– سیستانی، سید علی (١٤١٤ق)، الرافد فی علم الاصول، ج ١، قم: کتابخانه آیه الله سید علی سیستانی.
– صدر، سید محمدباقر (١٣٧٩ش)، المعالم الجدیده للاصول، غایه الفکر (طبع جدید)، قم: کنگره شهید صدر.
– صدر، سید محمدباقر (١٤٠١ق)، فلسفتنا، قم: دار الکتاب الاسلامی.
– صدر، سید محمدباقر (١٤٠٦ق)، الأسس المنطقیه للاستقراء، چ ٥، بیروت: دار التعارف.
– صدر، سید محمدباقر (١٩٨٦م)، دروس فی علم الأصول (الحلقه الاولی)، چ ٢، بیروت: دار الکتب اللبنانی.
– صفایی حائری، علی (١٣٨٠)، درآمدی بر علم اصول، قم: لیله القدر.
– طباطبائی حکیم، سید محسن (١٤٠٨ق)، حقائق الاصول، چ ٥، قم: بصیرتی.
– طباطبائی، محمدحسین؛ مطهری، مرتضی؛ طالقانی، سید محمود؛ بازرگان، مهدی؛ مجتهد زنجانی، ابوالفضل؛ جزایری، مرتضی (١٣٤١ش)، بحثی درباره مرجعیت و روحانیت، تهران، شرکت سهامی انتشار.
– عابدی شاهرودی، علی (١٣٦٨ش)، نظریه ثبات و تحول اجتهاد، کیهاناندیشه، ٢٤.
– عراقی، ضیاء الدین (١٤١٧ق)، نهایه الافکار، چ ٣، قم: مؤسسه النشر الاسلامی.
– غروی اصفهانی، محمدحسین (١٤١٤ق)، نهایه الدرایه فی شرح الکفایه، قم: مؤسسه آل البیت لاحیاء التراث.
– فردریک چارلز کاپلستون (١٣٧٠ش)، تاریخ فلسفه، ترجمة: بهاءالدین خرمشاهی، ج ٨، تهران: سروش.
– کاظمی، محمدعلی (١٤٠٦ق)، فوائد الاصول، ج ١و٣، نسخه غیر مصححه، قم: مؤسسه النشر الاسلامی.
– کاشف الغطاء، شیخ جعفر بن خضر مالکی (دون تاريخ)، کشف الغطاء عن مبهمات الشریعه الغراء، ج ١، قم: مکتب الاعلام الاسلامی.
– کرباسی، محمدابراهیم (١٤١١ق)، منهاج الأصول، ج ٣، بیروت: دار البلاغه.
– لورنس بونژور (١٣٨٢ش)، توجیه استقراء: راه حلی عقلگرایانه برای مسأله کلاسیک استقراء»، ترجمة: رضا صادقی، نامه حکمت، ٢، ٢١٥-٢٥٢.
– محمدزاده، رضا (١٣٨٨ش)، معرفت شناسی مقدمهای بر نظریه شناخت، تهران: دانشگاه امام صادق (ع).
– مروارید، محمود (١٣٨٨ش)، شهید صدر و اصول موضوعه نظریه احتمالات، فصلنامه تخصصی نقد و نظر، ٥٥، ٤٠-٦٢.
– مطهری، مرتضی (١٣٧٧ش)، آشنایی با علوم اسلامی ٣، تهران: صدرا.
– مظفر، محمدرضا (١٣٧٠ش)، اصول الفقه، ج ٢، چ ٤، قم: دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه.
– موسوی، سید مهدی (١٣٨٨)، تعامل متقابل فلسفه و اصول فقه از منظر شهید سید محمد باقر صدر، ماهنامه معرفت، ٥، ٢٥-٤٩.
– نجفی(صاحب جواهر)، محمدحسن (١٣٦٢ش)، جواهر الکلام فی شرح شرائع الإسلام، ج ١، چ ٧، بیروت: دار احیاء التراث العربی.
– نوری(محدث)، حسین بن محمدتقی (١٤١٥ق)، خاتمه مستدرک الوسائل، ج ٩، چ ٢، قم: مؤسسه آل البیت لاحیاء التراث.
– هادوی تهرانی، مهدی (١٣٦٩ش)، معضل استقراء از نگاه شهید صدر، سمینار فلسفه و روش شناسی علوم تجربی، تهران، دانشگاه صنعتی شریف، ١٣٠-١٤٧.
– وحید بهبهانی، محمدباقر (١٤١٥ق)، الفوائد الحائریه، قم: مجمع الفکر الاسلامی.
– هدایی، علیرضا؛ داورزنی، حسین؛ حمیدی، محمدرضا (١٣٩٤ش)، بازپژوهی مبانی حجیت قطع و امارات در علم اصول، مطالعات فقه و حقوق اسلامی، ١٢، ٢٧٧-٢٩٨.
– Bonjour, Laurence,)2009) Epistemology: Classic Problems and Contemporary Responses 2nd.Ed, UK, Rowman & Littlefield.
– Dancy, Jonathan and Sosa, Ernest and Steup, Matthias ed)1992) A Companion to Epistemology, Wiley: Black well.
– Hume David)1902) An Enquiry Concerning the Human Understanding and Concerning the Principles of Morals, Oxford University Press, second edition.
– Woozley, A.D.)1953) Knowing and Not Knowing in Proceeding of The Aristotelian Society, Proceedings of the Aristotelian Society.
[1] المقصود بالواقع هنا الأحكام الثابتة الإلهية التي وُضعت من قبل الشارع كجزء من الدين قبل استنباط الفقيه لاكتشاف الأحكام الإلهية. قد تُعتبر هذه الأحكام بحسب بعض القراءات اعتباريّة، لكن في كل الأحوال، خبر الفقيه عن هذا الحكم الاعتباري هو أمر واقعي يتصف بالصحة أو الخطأ أيضًا.
[2] على سبيل المثال، انظر المقالات: هادوي تهراني، مهدي (١٣٦٩)، معضلة الاستقراء من منظور الشهيد صدر؛ موسوي، سيد مهدي (١٣٨٨)، التفاعل المتبادل بين الفلسفة وأصول الفقه من منظور الشهيد سيد محمدباقر صدر؛ خسروپناه، عبدالحسين (١٣٨٣) منطق الاستقراء من وجهة نظر الشهيد صدر.
[3] التفصيل بين الأدلة بشكل محدد غير موجود في كتاب الفوائد الحائرية الذي هو مجموعة من ابتكارات وحيد بهبهاني. ربما ورد هذا التقسيم في كتب أخرى له. قد يُرى هذا التفصيل ضمنيًا تحت الفائدة ٣٣ بعنوان “واجبات الموكلة إلى المجتهد” (وحید اهبهانی، ١٥١٥: ٤٩٩).
[4] في القسم الخامس من هذا المقال سيتم تناول هذا النقاش وسبب عدم فهم الإخباريين لكلام الأصوليين بالتفصيل.
[5] إذا رُميت قطعة نقود مرة واحدة في الهواء، فإن احتمال ظهور الوجه هو خمسون بالمئة. إذا تكرر هذا الحدث مرتين، فإن احتمال ظهور الوجه هو ٢٥ بالمئة. إذا تكرر ثلاث مرات، فإن احتمال ظهور الوجه هو ١٢.٥ بالمئة. إذا تكرر أربع مرات، فإن احتمال ظهور الوجه هو ٦.٢٥ بالمئة. إذا تكرر عشر مرات، فإن احتمال ظهور الوجه هو واحد على اثنين مرفوع للقوة عشرة (١٠٢٤ حالة). إذا رميت القطعة مئة مرة، وفقًا لحساب الاحتمالات، فإن احتمال ظهور الوجه في كل المرات المئة هو واحد على اثنين مرفوع للقوة مئة. كلما زاد عدد مرات رمي القطعة، وفقًا لحساب الاحتمالات، فإن احتمال ظهور الوجه لا يصل أبدًا إلى الصفر.
[6] معيار تحديد أعضاء مجموعة وميزان احتمال كل جانب من أطراف العلم الإجمالي عند الشهيد صدر هو كما يلي: – المرحلة الأولى: إذا كان كل جانب من أطراف العلم الإجمالي قابلًا للتقسيم ويمكن إجراء التقسيم في جميع الأطراف، فيجب إما تقسيم جميع الأطراف أو عدم تقسيم أي من الأطراف. – المرحلة الثانية: إذا كان أحد أطراف العلم الإجمالي مؤهلًا للتقسيم بينما الأطراف الأخرى غير مؤهلة، فيجب متابعة التقسيم في الطرف القابل (صدر، ١٤٠٦: ١٨٧-١٨٦). إذا كان التقسيم ممكنًا في أحد أطراف العلم الإجمالي ولم يكن ممكنًا في الأطراف الأخرى، فهذه أقسام رئيسية أو فرعية؛ إذا كان هذا الطرف من الأقسام الرئيسية، فهو عضو في مجموعة العلم الإجمالي. وإذا كان من الأقسام الفرعية، فهو ليس عضوًا في مجموعة الأطراف بل يُعتبر كلها عضوًا واحدًا (صدر، ١٤٠٦: ١٩٠-١٨٩). خلاصة القول إن مجموعة أطراف العلم الإجمالي لها أعضاء بالشروط التالية: ١. لا يكون أي طرف منها من الأقسام الفرعية لأطراف العلم الإجمالي. ٢. يتم إجراء تقسيم رئيسي على بعض أطراف العلم الإجمالي بحيث يتم إجراء تقسيم مماثل في الأطراف الأخرى أيضًا؛ انظر: هادوي تهراني، ١٣٦٩: ١٤٠).
[7] التفسير الكلاسيكي: الاحتمال يعني خارج قسمة عدد الحالات المرغوبة على مجموع الحالات الممكنة. على سبيل المثال، عند رمي نرد، احتمال ظهور عدد زوجي هو نصف؛ لأن عدد الحالات المرغوبة ثلاث حالات (٢، ٤، و٦) ومجموع الحالات الممكنة ٦. التفسير الذهني: احتمال جملة هو درجة الإيمان التي يملكها شخص معين بتلك الجملة. وفقًا للتفسير الذهني، ليس من الضروري أن يكون لجميع البشر العقلانيين درجات إيمان متساوية، بل قد تختلف شدة الإيمان حتى مع وجود أدلة متشابهة (مروارید، ١٣٨٨: ٤٥-٤٤).
[8] منذ زمن أرسطو ((B.C ٣٨٤-٣٢٢) إلى أكويناس (st. Thomas Aquinas summa)، وديكارت ((١٥٩٦-١٦٥٠) والى الوقت الحاضر، قدم العديد من الفلاسفة تحليلات حول المبناغرائية. الأصل المشترك لجميع تقارير المبناغرائية هو أن جميع المعتقدات لا تتبع نمطًا واحدًا في التبرير. هذه السلسلة تنتهي عند نقطة معينة. التوقف في الإيمان يحدث عندما لا يستمد تبريره من إيمان آخر لكنه مبرر بذاته. في المبناغرائية الهدف هو إثبات الجمل الأساسية وغير الاستنتاجية. مقابل كل جملة استنتاجية، يستمد تبريره من جملة أو جمل أساسية. الاختلافات في النظرة إلى الجملة الأساسية – المبنى (Foundation) وغير الأساسية – البنية الفوقية (Superstructure) أدت إلى تفسيرات متعددة للمبناغرائية، لكن ما ذُكر هو المبادئ المقبولة لدى جميع المبناغريين. على سبيل المثال، قد يكون مصدر تبرير المعتقدات الأساسية الإدراكات الحسية (Perception)، أو التأمل الداخلي (Introspection)، أو بشكل أعم غير الإيمانية (Nondoxastically)، لكن الأصل واحد. مفاهيم منطقية مثل البديهي الذاتي (Self evident) أو عدم القابلية للتصحيح (Incorrigibility) مرتبطة بالمعتقدات الأساسية. الجملة تكون بديهية عندما لا يجد الفرد بديلًا عن معرفتها بفهمه وتأمله. هذه الجمل واضحة، جلية ويقينية (٨٩-٩٣: ١٩٩٢، Dancy and Sosa). بعض الحقائق الضرورية في المنطق مثل مبدأ عدم التناقض، والجمل التي تتمتع بالصدق التحليلي مثل “كل العزاب غير متزوجين”، وبعض الجمل الممكنة الصدق مثل “أنا موجود” تُعتبر من أمثلة الجمل الأساسية (محمد زاده، ١٣٨٨: ٢٤٥.).
[9] كان كانط يعيش في مدينة صغيرة في ألمانيا ولم يسافر أبدًا ولم يلتحق بالجامعة، لكنه أصبح فيلسوف الحداثة وغير أساس الفلسفة؛ لأنه بعد أكثر من ألفي عام، حول الفلسفة من وجوديات إلى معرفيات. في نفس الفترة، كان شيخنا في ركن النجف، يراقب الحالات النفسية والمعرفية للمكلفين المدركين للحكم الشرعي، واقترح تنظيم الأصول في قسم الحجج، وهو ابتكار عظيم جدًا (رشاد، علی اکبر، مراسم نکوداشت شیخ اعظم، دومین نشست از سلسله نشستهای علمی پژوهشی در تاریخ ١٣٩٠/٣/٥، قم، مدرسه عالی خاتم الاوصیاء.).
[10] بالطبع، حساب الاحتمالات كما أنه مرتبط بذهن الفاعل العارف، فهو مرتبط أيضًا بالعالم الواقعي، لكن الشهيد صدر لم يذكر هذه النقطة. إذا رميت نردًا مرة واحدة في الهواء، فإن احتمال ظهور الرقم ستة هو سدس. معنى هذا الاحتمال هو أنه إذا كررت هذا الفعل في الخارج عددًا كبيرًا من المرات، فإن نسبة ظهور الرقم ستة إلى جميع الحالات ستكون تقريبًا سدس. إذا رميت النرد ستمائة مرة، فسيظهر الرقم ستة تقريبًا مئة مرة، ولن يظهر تقريبًا خمسمئة مرة. إذا رميت قطعة نقود في ظروف مماثلة ألف مرة، فإن عدد المرات التي يظهر فيها الوجه يساوي تقريبًا عدد المرات التي لا يظهر فيها.
[11] نحن مضطرون إلى متابعة خطة شاملة للفقه والأصول…؛ أصول يمكنها أن تقول الكلمة الفصل أمام المعرفية الحالية، وأن تقدم القول الفصل إلى جانب الطرق العلمية، وأن توفر أدوات ونظرة مفيدة للفقه (صفایی، ١٣٨٠: ٧٢). هذا الكشف، الحجية، العذرية والإنجاز، يحتاج إلى اعتبار وعناية، ويتطلب اعتبارًا مسبقًا. بدون اعتبار وعناية، حتى عمل القطع لا يتم تنظيمه (صفایی، ١٣٨٠: ٧٤).

