المصلحة والمفسدة والحسن والقبح: هل هما متطابقان أم مختلفان؟

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مصلحت و مفسده و حسن و قبح؛ این همانی یا تباین؟ ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: إن دراسة العلاقة بين «المصلحة والمفسدة» و«الحسن والقبح» كأحد المسائل المهمة في علم أصول الفقه وبيان رؤية الشهيد صدر في هذا الشأن، هو الموضوع الرئيسي لهذا المقال. في هذه المسألة، كان الشهيد صدر يؤمن بتباين هذه المفاهيم مع بعضها البعض؛ بينما كان المحقق الأصفهاني يعتقد بهويتها. «المصلحة والمفسدة» في الاصطلاح الفقهي هي مصدر تشريع الأحكام، أما «الحسن والقبح» فهي مفاهيم ذات تاريخ أقدم ومعانٍ مختلفة (مثل الكمال والنقص أو استحقاق المدح والذم). حاول هذا المقال من خلال بيان وجهة نظر هذين العالمين وبمنهج نقدي-تحليلي، إلى جانب تقديم تعريف مختار للحسن والقبح، تأكيد وإثبات نوع من الهوية بين «الحسن والقبح» و«المصلحة والمفسدة».

المؤلف: محمدحسن سموعی، سید مصطفی حسینی‌نسب

المصدر: اخلاق وحیانی، شتاء 1402، العدد 29، ص 89 إلى 114.

المقدمة

المصلحة والمفسدة مصطلحان يُعتبران أساسًا ومصدرًا للأحكام والمصنوعات الشرعية. بعبارة أخرى، وفقًا للمبادئ الكلامية الشيعية، فإن الله الحكيم شرّع الأحكام الشرعية بناءً على المصالح والمفاسد الواقعية.

الحسن والقبح لهما تاريخ طويل في العلوم المختلفة، وعلاقتهما بالأخلاق تكمن في كونهما يعبران عن مفاهيم قيمية. المفاهيم التي تقع ضمن محمول الجمل الأخلاقية هي مفاهيم سباعية تدل على قيمة أو وجوب فعل اختياري أو صفة مكتسبة. رغم أنه من الناحية اللغوية يمكن وضع كلمات مختلفة بدلًا من «جيد» و«سيء» مثل «صحيح» و«خطأ»، «صواب» و«خطأ»، «خير» و«شر» و«حسن» و«قبح»، إلا أن جميعها تعبر في الحقيقة عن مفهوم القيمة. (مصباح یزدی، ۱۳۹۴‌: ۸۶‌) وبسبب تاريخ النقاش حول كلمتي الحسن والقبح في المصادر القديمة من جهة، وتنوع العلوم التي ناقشتهما من جهة أخرى، تم اختيار هذين المصطلحين للمقارنة مع مصالح ومفاسد الأحكام الفرعية.

ونظرًا لأن المصلحة والمفسدة هما أساس الحكم الفقهي، والحسن والقبح عنوان عام لمحمولات المسائل الأخلاقية، فإن توضيح إجابة هذا السؤال يحدد علاقة العلمين الفقه والأخلاق، كما يمكن من خلاله الاستفادة بشكل أوضح وأدق من مصدرية العقل في كشف الأحكام الشرعية وكذلك الأحكام الأخلاقية؛ لأنه في حال تحقق هذه الهوية بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح، يصبح المعيار في الأحكام الشرعية هو علاقة التأثير والتأثر بين الفعل والنتيجة، والتي يمكن للعقل البرهاني كشفها على الأقل في بعض الحالات.

خلفية البحث

فيما يتعلق بالسؤال: «هل الحسن والقبح الذي يُطرح في الأخلاق هو نفسه المصلحة والمفسدة التي تُطرح في علم الكلام كمبادئ للأحكام الشرعية والمصنوعات الشرعية أم أنهما مختلفان؟» تم طرح إجابات متنوعة. مكانة هذا النقاش في علم أصول الفقه. عمومًا هناك مدرستان معروفتان في علم أصول الفقه: 1. الحسن والقبح العقلي 2. الحسن والقبح العقلي.

علاقة المذهب الأول بـ«الحسن والقبح العقلي» الذي يُطرح مقابل «الحسن والقبح الشرعي» يجب أن تُبحث بعد تعريف هذه المصطلحات. يبدو أنه من خلال تجميع المناقشات المتعلقة بالحسن والقبح في علوم الفلسفة والكلام وأصول الفقه يمكن التوصل إلى إجابة واضحة في هذا المجال. ربما يمكن القول إن علماء أصول الفقه بعد ظهور نقاش التجري وتحريمه ضمن مباحث القطع، طرحوا هذا السؤال: ما هي العلاقة بالضبط بين المصلحة والمفسدة كمبادئ للأحكام الشرعية، والحسن والقبح كصفة للأفعال الاختيارية للإنسان؟ أساسًا، يرتبط أصل السؤال حول ترابط المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح عندما يرتبط بنقاش التجري، حيث يُطرح التمييز بين الحسن الفعلي والحسن الفاعلي. استنتج المرحوم الشيخ الأنصاري من خلال التفريق بين هذين النوعين من الحسن أن الحسن في الفعل يُضاف أيضًا إلى الفاعل، في حين أن المصلحة والمفسدة تتعلق بالفعل نفسه ووصف الأفعال. (انصاری‌، ۱۴۱۹هـ، ج. ۱، ص. ۴۰) على أي حال، يُلاحظ امتداد هذا النقاش في المدارس اللاحقة بعد الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني بتفصيل أكبر، رغم أن جميعهم لم يناقشوا الحسن والقبح بالضرورة ضمن مبحث التجري.

عمومًا بين هؤلاء المفكرين هناك رأيان: علاقة الوحدة والهوية؛ وعلاقة التباين.

من المؤمنين بالرأي الأول يمكن ذكر المحقق الأصفهاني (اصفهانی، ۱۳۷۴هـ، ج.۲، ص. ۳۱۳)، ومن القائلين بالرأي الثاني يمكن الإشارة إلى الشهيد صدر. (صدر، ۱۴۱۷هـ، ج. ۴، ص. ۴۶)

قبل المحقق الأصفهاني والشهيد صدر، كان في علم الأصول تُطرح نفس المناقشات الكلامية حول الحسن والقبح، ولم يُعطَ أحد اهتمامًا لمقارنة المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح. من أوائل من طرح هذا النقاش بهذا الشكل هو المحقق الأصفهاني، الذي ربط نظريته في الهوية بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح بمبناه في مناقشات الوجودية للحسن والقبح وقبوله لما يُسمى «الحسن والقبح العقلي». في حين أنه بالنظر الدقيق يتضح أنه لا يوجد تلازم بين قبول الحسن والقبح العقلي والقول بهوية المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح، بل على العكس، يبدو من ظاهر أقوال العلماء قبله الذين لم يعالجوا هذا النقاش بشكل مستقل، أن الحسن والقبح بالمعنى الوجودي المعروف في الكلام، أي قبول الحسن والقبح الذاتي، لهما هوية مع المصلحة والمفسدة ومقام الاقتضاء بحيث كانوا يعتبرون الحسن والقبح أساسًا جنسًا للأحكام الخمسة التكليفية. (علم الهدی‌، د.ت.‌، ص. ۸۸-۸۷ و طوسی، ۱۴۱۷هـ، ج. ۲، ص. ۷۴۱ و تح. حلی، ۱۴۰۳هـ، ص. ۴۸-۴۷)

بعضهم لفهم مكانة النقاش حول علاقة الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة، بعد بيان هذه النقطة بأن الحجية تعني الإلزامية والعذرية، وتفسير الإلزامية بأنها استحقاق العقاب، والعذرية بأنها عدم استحقاق العقاب، قالوا: «استحقاق العقاب أو عدمه هو تعبير آخر عن قبح أو عدم قبح مخالفة التكليف، ومن هنا تنشأ علاقة عميقة بين نقاش الحجية باعتبارها المحور الأهم في علم أصول الفقه، وبين كيفية تفسير الحسن والقبح.» (لاهوتیان وآخرون، ۱۳۹۹، ص. ۱۲)

ربط مكانة هذا النقاش بقبح أو عدم قبح عقاب المخالف ليس ضرورياً فحسب، بل يبدو مضللاً. لأن النقاش حول قبح أو عدم قبح عقاب المخالف هو من تبعيات نقاش أفعال الله تعالى، وهو في الأصل والذات من اختصاص علم الكلام، وإن كان في علم الأصول أيضاً في مسائل مثل البراءة وغيرها يُتناول مثل هذه القضايا الكلامية تحت عناوين مثل قبح العقاب بلا بيان، والتكليف بالمحال أو التكليف إلى المحال وما شابه ذلك. أن يكون النقاش حول الحسن والقبح ومكانته في تشريع الأحكام نقاشاً مهماً، ليس بسبب ارتباطه بمفهوم ومعنى الحجية، بل بسبب جانب أفعال المكلفين. أي في أفعال المكلفين يوجد نقاش حول ما إذا كان حسن الفعل يعني ذات المصلحة التي على أساسها وُضع التكليف أم لا؟ وهذا السؤال يُطرح كأحد خطوات الربط بين علم الفقه وعلم الأخلاق. وبعبارة أخرى، للوصول إلى أساس مطابق للواقع في الربط بين العلمين، الفقه والأخلاق، يجب الرجوع إلى المفاهيم الأساسية في كل من هذين العلمين مثل المصلحة والمفسدة، الحسن والقبح، وهذا بحد ذاته يتطلب نقاشاً كلامياً أصولياً مستقلاً، ويسعى كاتبوا هذا المقال إلى تقديم نقاش كافٍ في هذا المجال.

مفهوم المصلحة و المفسدة

«المصلحة» و«المفسدة» في اللغة تعنيان على التوالي الخير وضده، وجمعهما «مصالح» و«مفاسد». (فیومی، د.ت.، ج. ۲، ص. ۳۴۵ و ابن منظور، ۱۴۱۴هـ، ج. ۳، ص. ۳۳۵)

في المصادر الكلامية، وفي نقاش ضرورة الدين والوحي والنبوة، يُستخدم هذا الحد الأوسط بأن العقل والحس، وهما الطريقان الرئيسيان لمعرفة الإنسان، غير كافيين لوصول الإنسان إلى السعادة التي هي مجموعة من المصالح، وكذلك الابتعاد عن المفاسد، والإنسان يحتاج لمعرفة لا نهائية المصدر مثل الوحي ليعرف طريق سعادته. (علامه حلی، د.ت.، ص. ۴۸۲) ومن هذه النقطة يُستفاد أن أحكام الشريعة تحتوي على سعادة الإنسان التي هي تحصيل مجموعة من المصالح والابتعاد عن مجموعة من المفاسد. ونتيجة لذلك، كما يقول الفقهاء، فإن الأحكام الشرعية تتبع المصالح والمفاسد الواقعية. (طوسی، ۱۴۱۷هـ، ج. ۲، ص. ۷۳۱ و تح. حلی، ۱۴۰۳هـ، ص. ۲۳۲) ولهذا السبب، عبّر بعض العلماء عن المصلحة والمفسدة بـ«الأغراض» أيضاً. (آخوند خراسانی، ۱۴۰۹، ص. ۳۶۴)

وكذلك الغزالي يذكر للمصلحة معنى أصلياً ومعنى مقصوداً. فالمصلحة في الأصل هي جلب المنفعة ودفع الضرر. والمعنى المقصود من المصلحة هو أن يُحفظ المقصود الشرعي، والمقصود الشرعي خمسة أشياء:

١- حفظ دين الخلق.

٢- حفظ أرواح الناس.

٣- حفظ عقول الناس.

٤- حفظ نسل الناس.

٥- حفظ أموال الناس. (غزالی، ۱۴۱۷هـ، ج. ۱، ص. ۴۱۷-۴۱۶)

تعريف آخر يمكن الإشارة إليه للمصلحة، مع اختلاف أنه يحمل جانباً فلسفياً أكثر، هو تعريف العلامة طباطبائي في الميزان حيث يقول: «صلاح كل شيء مقابل فساده، ويعني مطابقته للذات ومقتضى الفطرة.» (طباطبایی‌، ۱۳۹۲هـ، ج. ۱۵، ص. ۲۸۶) مع أن المعنى المطروح في أصول الفقه والكلام، الذي تقوم عليه الأحكام الشرعية الفرعية أو بمعنى آخر الغرض والهدف من الأحكام، يمكن إرجاعه إلى هذا المعنى، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى مقدمات خارج نطاق هذا المقال. بناءً عليه، في هذا المقال يُراد التأمل في المعنى الكلامي والأصولي للمصلحة باعتبارها أساس وغاية الأحكام.

ومن الجدير بالذكر أن في علم الأصول توجد تقسيمات لهذه المصالح والمفاسد مثل تقسيم المصالح إلى مصالح ملزمة وغير ملزمة، ومصالح محضة وراجحة، وبما أن كشف العلاقة بين المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح لم يتوقف عند هذه التقسيمات، فقد تم تجاهل هذه التقسيمات.

الحسن والقبح في الفلسفة و الكلام

النقاش حول الحسن والقبح في الفلسفة كان موجوداً منذ زمن الفلسفة اليونانية. وبعضهم يربط أصول هذا النقاش بتاريخ الهند والأوبنشاد التي يعود تاريخها إلى ما قبل الفلسفة اليونانية. (سند، ۱۳۸۰، ۲۶) لكن يبدو أن الأقوال المنقولة منهم لا تشير إلى وجود مثل هذه المفاهيم كنقاش علمي، بل كانت هذه المواضيع مثل وجودية الحسن والقبح تُعتبر مفروغاً منها في الذهن والارتكاز، ولم يُناقشوا فيها ولا أقروا بكونها مفروضة. بناءً عليه، يمكن ملاحظة تاريخ نقاش الحسن والقبح في آثار الفلسفة اليونانية. أرسطو في كتابه الأخلاق النيقوماخية يؤكد على هذه النقطة: «الخير هو غاية كل الأمور.» (ارسطو، د.ت.، ج. ۱، ص. ۱۶۷)

ومن الجدير بالذكر أن نقاش فلاسفة اليونان حول الخير والشر كان بمعناه المرادف للحسن والقبح، وكان مرتبطاً بفعل الإنسان.

المصطلحات التي توجد في علم الكلام حول الحسن والقبح هي: الحسن والقبح الشرعي، الحسن والقبح العقلي، الحسن والقبح الذاتي.

قبل الدخول في خلفية هذا النقاش بين العلماء المسلمين وتعريف المصطلحات المتعلقة بالحسن والقبح، يجب القول إن نقاش الحسن والقبح ليس له مكانة في المناقشات الكلامية فقط، بل يُطرح في مناسبات مختلفة منها: العدل الإلهي والشرور والاختلافات، كون الحسن والقبح فطريين أو شرعيين، وغيرها.

الحسن والقبح الشرعي

أبو الحسن الأشعري من كبار مدرسة الأشاعرة، وهو أساسًا ينكر وجود معيار للحسن والقبح، ويُقال إنه يؤمن بالحسن والقبح الشرعي. (اشعری، د.ت.، ص. ۱۱۶) الحسن والقبح الشرعي يعني أن كل ما يفعله الله تعالى هو حسن، وكل ما ينهى عنه فهو قبيح. ومن الأمثلة التي يوردها الأشعري في هذا الصدد أن عذاب المؤمنين من قبل الله لا يحمل أي قبح، ومن هنا لا يجوز الكذب على الله، فنقول إن الله لا يعذب المؤمنين. (اشعری، د.ت.، ص. ۱۱۶)

بعد الأشعري، طرح الأشاعرة نقاشًا دلاليًا للاستدلال على الحسن والقبح الشرعي. للحسن والقبح ثلاثة معانٍ. المعنى الأول هو الكمال والنقص، وهذا غير محل نزاع، فجميع العقول تدركه. المعنى الثاني هو الموافقة أو المعارضة للغرض، ويُشار إليه أحيانًا بالمصلحة والمفسدة. أما محل النزاع في الحسن والقبح الشرعي أو العقلي فهو المعنى الثالث، وهو استحقاق المدح والثواب أو استحقاق الذم والعقاب. (القوشجی، د.ت.، ص. ۳۳۸-۳۳۷‌) وقد ذكر آخرون ثلاثة معانٍ للحسن والقبح بهذا الترتيب: ١. الملاءمة أو المعارضة للطبع؛ ٢. صفة الكمال أو النقص؛ (وهذان المعنيان غير محل نزاع) و٣. صفة تستلزم الثواب والعقاب والمدح والذم التي تُطرح بالنسبة للأفعال. (فخر رازی، ۱۴۱۱هـ، ص. ۴۷۹-۴۷۸) ويستند الأشاعرة في هذا الادعاء إلى أدلة منها: الملكية المطلقة لله (اشعری‌، د.ت.‌، ص. ۱۱۶‌) وعدم قبح التكليف بما يفوق القدرة (فخر رازی، ۱۴۱۱هـ، ص. ۴۷۹).

الحسن والقبح العقلي

في المقابل، كان هناك العدليون الذين أقروا بالحسن والقبح العقلي مقابل الحسن والقبح الشرعي. العدليون يشملون الإمامية والمعتزلة، الذين اختلفوا في بعض الفروع. على سبيل المثال، كان العدليون يرون وجوب الثواب على من يستحقه من الله، ولكنهم لم يروا وجوب العقاب على من يستحق العقاب، بينما كان المعتزلة يرون وجوب الوفاء بالوعد والوعيد على الله. (طوسی، ۱۴۱۶هـ، ص. ۸۰) ومن الواضح أن هذا الوجوب ينبع من قبول الحسن والقبح الذي يُدرك بالعقل بداهة، ولا يحتاج إلى أمر ونهي أو، بدقة أكثر، إلى مدح وذم من الشارع.

الحسن والقبح العقلي يعني حكم العقل بعدم استحقاق الذم لفاعل الفعل الحسن، وكذلك حكم العقل باستحقاق الذم لفاعل الفعل القبيح. بناءً عليه، فإن هذا المصطلح يقابل الحسن والقبح الشرعي الذي لا يقبل أساسًا حكمًا للعقل في أي من الحسن أو القبح. (طوسی، ۱۴۱۶هـ، ص. ۸۰‌ و لاهیجی‌، ۱۳۷۷هـ‌، ص. ۲۴۵)

بالطبع، بعضهم لم يقبل التقسيم الدلالي الذي ذكر في كلام متكلمي الأشاعرة. (سند، ۱۳۸۰، ص. ۱۸) خواجه نصير يستخدم نفس المعاني الثلاثة التي ذكرها فخر الرازي للحسن والقبح (‌طوسی، ۱۴۱۶هـ، ص. ۷۷)، لكن المحقق اللاهجي في هذا النقاش يستشهد بكلام أحد الأشاعرة ويورد ثلاثة معانٍ للنقاش تختلف قليلاً عن المعاني الثلاثة السابقة. على سبيل المثال، في المعنى الثالث الذي حسب تعبير الأشاعرة هو محل الخلاف ولا يقبلون عقليته، لا يطرح استحقاق الذم وعدم استحقاق الذم، بل يطرح استحقاق الثواب الأخروي واستحقاق العقاب الأخروي، مع أن المحقق اللاهجي يذكر لاحقًا أن هذا أحد مصاديق المعنى الثالث، والمعنى الثالث للحسن والقبح هو استحقاق المدح والعقاب سواء من جانب الخالق أو من جانب المخلوق. كما يقول إن المعنى الثاني، أي الموافقة أو المعارضة للغرض، ليس معنى الحسن والقبح بل هو اتجاه الحسن والقبح. (لاهیجی، ۱۳۷۷هـ‌، ص. ۲۴۶‌)

الحسن والقبح الذاتي

من النقاط التي يذكرها المتكلمون الإمامية في نقاش الوجودية للحسن والقبح ومصطلح الحسن والقبح العقلي دائمًا، أن الحسن والقبح العقلي يعني أن الأفعال تحتوي على اتجاه للحسن والقبح، بحيث يصل العقل إلى هذا الاتجاه للحسن أو القبح على الأقل في بعض الحالات بشكل مستقل. (المرجع نفسه‌، ص. ۲۴۶ و علامه حلی‌، د.ت.‌، ص. ۴۲۲) ومن هذه النقطة الأخيرة يولد مصطلح ثالث في هذا النقاش باسم الحسن والقبح الذاتي.

في الحسن والقبح الذاتي، الأفعال بغض النظر عن أمر ونهي الشارع تحتوي على اتجاه للحسن أو القبح. (نفس المرجع) ومن الجدير بالذكر أن مصطلح الحسن والقبح الذاتي مر بسير تطوري بحيث لم يعد يُستخدم بهذا المعنى في علم الأصول، بل في إطار تقسيم الحسن والقبح الذي يُحمّل للأفعال، سواء كان ذاتيًا أو اقتضائيًا أو لا اقتضائيًا. (اصفهانی، ۱۳۷۴هـ، ج. ۲، ص. ۴۴‌ و مظفر‌، ۱۴۳۰هـ‌، ص. ۲۸۵‌-۲۸۴‌)

مع تعريف هذه المصطلحات الثلاثة التي وردت في التراث الكلامي للشيعة وأهل السنة، يتضح أن الحسن والقبح العقلي له وجهان: وجه معرفي ووجه وجودي. هل يستطيع العقل إدراك الحسن والقبح لفعل ما أم لا هو نقاش معرفي، أما هل الأفعال، منفصلة عن حكم الشارع، تحمل اتجاهًا وصفياً للحسن والقبح أم لا فهو نقاش وجودي. وبناءً عليه، فإن مصطلح الحسن والقبح الذاتي يأتي في سياق إكمال الحسن والقبح العقلي، ويشير إلى أن لازمة كون العقل مدركًا لبعض الحسن والقبح هي أن تكون للأفعال مثل هذه الاتجاهات بغض النظر عن أمر ونهي الشارع، وهذا نقاش وجودي.

في تاريخ حسن وقبح يوجد نقاش معرفي ومنطقي أيضًا كان مطروحًا في المنطق والفلسفة، وهو: إلى أي فئة تنتمي الأحكام التي تحتوي على حسن وقبح، ومن الناحية المنطقية في أي صنعة من الصناعات الخمس تُستخدم. بعضهم كان يعتبر هذه الأحكام من المشهورات التي بطبيعة الحال لا تستخدم كثيرًا في صنعة البرهان التي الأصل فيها المطابقة مع الواقع. هناك اختلاف في الرأي حول موقف بوعلي سينا في هذا الباب، وهذا ناشئ عن تذبذب عباراته(بوعلی‌، د.ت.، مقاله‌ ۱، فصل ۴ و فن ۶، مقاله ۱، فصل ۵). ولكن وفق تحليل معين، اعتبار الأحكام المتعلقة بالحسن والقبح من المشهورات لا يعني عدم قبول حقيقة وجود الحسن والقبح، بل لأن بعض المنطقيين صرحوا بأن هذه الجمل تُطرح كقضية مشهورة دون النظر إلى القيود الخاصة التي تُستنتج من علاقتها بالنتيجة(مصباح‌ یزدی‌، ۱۳۹۱، ج. ۱، ص. ۲۵۲-۲۵۱). كما أنه لا تناقض أصلي في أن تكون القضية من جهتين مشهورة وضرورية مفيدة لليقين(مصباح یزدی، ۱۳۹۴، ص. ۱۳۰-۱۲۹). في هذه الحالة يُحل التهافت الأولي في كلام شيخ الرئيس. على أي حال، رغم أن المنهج المنطقي في دراسة الحسن والقبح تاريخيًا أقدم من بعض المناقشات الحديثة مثل المعرفية وأيضًا بعض المسالك الوجودية، إلا أنه بما أن هذا النقاش لا يتعلق مباشرة بعلاقة الحسن والقبح بالمصلحة والمفسدة التي هي من خطوات ربط الفقه بالأخلاق، فإننا نكتفي بهذا القدر من المنهج المنطقي في هذا النقاش.

من المناقشات التي طرحت كمبادئ إنسانية في علم الكلام والمتعلقة بمسألة الحسن والقبح، هي مسألة ماهية العقل العملي وعلاقته بالعقل النظري. ينقسم الحكماء والمتكلمون المسلمون في تعريف العقل العملي كمدرك للحسن والقبح إلى خمس وجهات نظر:

١. في الرأي الأول، اختلاف العقل العملي والنظري وثنائيتهما تعتمد على اختلاف وتعدد المدركات العقلية. أي أن العقل كقوة مدركة واحد، والتنوع في المدركات.

٢. الرأي الثاني يقول إن الإنسان له قوتان مدركتان: إحداهما قوة تدرك الأمور الكلية، والأخرى قوة تدرك التفاصيل المتعلقة بالعمل.

٣. وفق الرأي الثالث، الإنسان له قوة واحدة فقط وهي العقل النظري، وما يُقصد بالعقل العملي هو القوة الفاعلة للنفس.

٤. الرأي الرابع هو نفسه الرأي الثالث مع اختلاف في تفسير العقل العملي بأنه مسؤول عن تحقيق مسائل الحكمة العملية.

٥. الرأي الخامس يشبه الرأي الأول في اعتبار الإنسان ذا قوة مدركة واحدة، مع الفرق في أن المدركات التي تؤدي إلى العمل تتعلق بالعقل العملي، وتلك التي لا تؤدي إلى العمل مرتبطة بالعقل النظري.(مصباح یزدی، ۱۳۹۴، ص. ۱۲۴-۱۲۳ و شریفی‌، ۱۳۸۸‌، ص. ۳۱۹‌-۳۱۷)

الحسن والقبح في أصول الفقه

سبق الحديث عن العلاقة الأساسية لعلم الكلام بالنسبة لعلم أصول الفقه. بالرجوع إلى نصوص القدماء من الأصوليين يتضح أن حسن وقبح بمعناهما كاستحقاق المدح والذم يُعتبران جنسًا للأحكام الخمسة التكليفية. على سبيل المثال، بعد أن يعرف سيد مرتضى القبيح بأنه الفعل الذي يستحق فاعله الذم، والحسن بأنه الفعل الذي لا يستحق فاعله الذم، يقول: «إذا لم يكن لذلك الفعل صفة زائدة على الحسن، فهو مباح…» وتستمر هذه التقسيمات لتشمل أقسام المستحب والواجب المخير والواجب المضيق.(علم‌ الهدی، د.ت.، ص. ۸۸-۸۷ و طوسی، ۱۴۱۷هـ، ج. ۲، ص. ۷۴۱ و تح. حلی، ۱۴۰۳هـ، ص. ۴۸-۴۷‌)

في نقاش المعنى الدلالي للحسن والقبح، قدم بعضهم مثل صاحب هداية المسترشدين تلخيصًا لمعاني الحسن والقبح التي تصل إلى ستة معانٍ، ثلاثة منها ينسبونها إلى الأشاعرة، وثلاثة أخرى إلى المعتزلة. وهذه المعاني الستة هي:

١. الكمال والنقص

٢. الموافقة والمخالفة للمصلحة

٣. الموافقة والمخالفة للغرض

٤. الملاءمة والتنافر مع الطبيعة

٥. كون الفعل متضمنًا للحرج أو غير متضمن له

٦. صفة للأفعال بسببها يُمدح أو يُذم فاعله.(اصفهانی نجفی، ۱۴۲۹هـ، ج. ۳، ص. ۵۰۵-۵۰۴)

كما يشير إلى أنه إذا أخذت الحسن بمعنى ترتب المدح وما يساويه، فإنه يختص بالواجب والمندوب، أما إذا أخذ بمعنى عدم ترتب الذم، فإنه أعم من هذين ويشمل المكروهات أيضًا. (نفس المرجع)

تاريخيًا في علم الأصول كان يُناقش نفس الأساس الكلامي للإمامية، وكانت أقوال العلماء في مسائل مثل دراسة قبح التجري وما شابهها تعبر عن اختلاف في تفاصيل مثل إدراك قبح التجري أو عدمه، ولم تُطرح نظرية في أصل مسألة الحسن والقبح سواء من الناحية الوجودية أو المنطقية والمعرفية. يمكن اعتبار أول نظرية في هذا المجال ذات الطابع المعرفي نظرية محقق أصفهاني، ويجب الإشارة لاحقًا إلى الناقد الجاد لهذا المذهب وهو شهيد صدر.

محقق أصفهاني

وفق رأي محقق أصفهاني، الأحكام التي تحتوي على حكم الحسن أو القبح من حيث تقسيم الأحكام في المنطق تُعد من المشهورات. بالطبع هذه النقطة ليست موضوع هذا البحث، لكن لتوضيح النقاش نشير إلى أركان هذه النظرية.

النظرة المنطقية إلى أحكام الحسن والقبح: يذكر الضروريات أو ما يُسمى بالبدهيات التي هي ستة أقسام، ويقول إن الحسن والقبح ليسا من هذه الأقسام الستة. الأحكام الضرورية هي الأوليات، الحسيات، الفطريات، التجارب، المتواترات، والحدسيات التي تؤدي إلى اليقين.(اصفهانی، ۱۳۷۴هـ، ج. ۲، ص. ۴۲و۴۳)

المقصود بذاتيّة الحسن والقبح: يقول إن المقصود بالذاتي ليس الذاتي في باب الكليات الخمس ولا الذاتي في باب البرهان، بل المقصود هو العرض الذاتي بمعنى أن الحسن عدل والقبح ظلم يُنسبان بدون واسطة إلى المتصفين بالحسن والقبح أو بمعنى آخر استحقاق المدح واستحقاق الذم.

المرحوم أصفهاني يطرح هذا النقاش في مناسبات مختلفة ويقدم أدلة على هذا المذهب. مجموع أدلته هي:

١. الحسن والقبح من المسلّمات؛ لأنها ليست من مواد الضروريات. وليست من الأوّليات أيضاً؛ لأن تصور موضوع العدل والظلم لا يُدرك بحكم الحسن والقبح. وكذلك ليست من الحسّيات؛ لأنها لا تستحق المشاهدة، وليست من الفطريات؛ لأنها لا تقوم على قياس يُثبتها. (اصفهانی، ۱۳۷۴هـ، ج. ۲، ص. ۴۲و۴۳)

٢. الواقع والحقيقة ليست سوى تطابق آراء العقلاء في قضايَا المسلّمات؛ وهذا في حين أن معيار الصدق والكذب في القضايا البرهانية هو التطابق مع الواقع.

(اصفهانی، ۱۳۷۴هـ، ج. ۲، ص. ۳۱۲)

٣. ما يُبحث فيه في التحسين والتقبيح العقلي هو صفة استحقاق المدح واستحقاق الذم التي تُكتشف في نسبة الفعل إلى المصلحة العامة أو المفسدة العامة، لا التأثير الذي يتركه على الفرد بشكل شخصي. مثل أن شخصاً ما، لأنه يحب ذاته، يحب الإحسان والبرّ ويكره الظلم والشرّ. من الواضح أن الحسن والقبح بهذا المعنى من المصلحة والمفسدة الشخصية أو الملاءمة والتنافر لا يُبحث فيه، ولا شكّ في وجود هذه الأمور واقعاً. ما هو موضع البحث هو الحسن والقبح بمعنى استحقاق الفعل للمدح أو الذم نسبةً إلى تأثيره في المصلحة العامة أو المفسدة العامة.

يقول في شرح هذا الدليل إن اقتضاء الفعل بالنسبة للمدح والذم نوعان:

– بحيث يكون السبب للمسبب والمقتضي للمقتضى مقتضياً.

– بحيث تكون الغاية لذوي الغاية مقتضية.

لا شكّ أن سببية الفعل للمدح بالنسبة للأثر الذي له أمر واقعي، لكن النقاش يدور حول أن العلاقة التي يربطها الفعل بالمصلحة العامة تدفع الإنسان إلى مدح الفاعل، والعكس صحيح. هذا الاقتضاء ليس واقعياً، وهذا الاقتضاء هو الذي يتناسب مع المقام، أي المدح والذم، الذي يقوم به العقلاء لتحقيق المصالح العامة وتجنب المفاسد العامة وإصلاح الأمة. (اصفهانی، ۱۳۷۴هـ: ۲، ص. ۳۱۲‌-۳۱۴‌)

الشهيد الصدر

في علم الأصول، مصادر البحث في الحسن والقبح متعددة. على سبيل المثال، كان المرحوم الأصفهاني قد طرح هذا البحث تحت دليل العقل وتقسيم المستقلات العقلية وغير المستقلات العقلية؛ لكن من المسائل الأخرى التي تحتاج إلى بحث في الحسن والقبح هو بحث التجري. بحث التجري ودراسة قبحه من الأبحاث التي تُناقش بشكل مفصل، خاصة في دور المدارس الأصولية المعاصرة، حيث يُتأمل في الحسن والقبح فيه.

يفصل الشهيد الصدر أولاً النزاع الموجود في أصول الفقه عن النزاع الكلامي حول شرعية أو عقلانية الحسن والقبح، ويقول إن هذا النزاع هو بين القائلين بالحسن والقبح العقلي.

نسبة المصلحة والمفسدة إلى الحسن والقبح

ما يهم في هذا المقام هو شرح وإثبات ذات الأساس الكلامي للحسن والقبح العقلي الذي تم بحث تاريخه ودراسته. يبدو أن ما كان العلماء والأصوليون يفكرون فيه عبر القرون هو ذاتية وجود الحسن والقبح وكونه أصلاً لهذه الصفة والاتجاه في الأفعال. وهي الصفة والاتجاه التي تُعبّر عنها الأخلاق بالقيمة الإيجابية أو السلبية.

وعليه، ما يكتسب أهمية في هذا البحث هو تجاوز المعاني التقليدية للحسن والقبح. والشرح أن رغم وجود ثلاثة معانٍ مشهورة مع اختلافات جزئية للحسن والقبح في النزاع بين الأشاعرة والعدلية، فإن المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من هذين اللفظين هو القيمة الأخلاقية بمعنى المرغوبية. هذه المرغوبية يمكن تفسيرها بأنها الكمال أو الملاءمة أو استحقاق المدح، لكن من الواضح أن أياً من هذه المعاني ليس المرغوبية ذاتها. هذه النقطة ينوّه إليها الشهيد الصدر جيداً ويعتبر معنى الحسن والقبح هو ما ينبغي فعله أو ما لا ينبغي فعله. (صدر، ۱۴۱۷هـ، ج. ۴، ص. ۴۱‌)

الضرورة بالقياس

امتداداً لمعنى القيمة الأخلاقية والمرغوبية للحسن والقبح، فإن أساس الضرورة بالقياس الذي طرحه بعض المفكرين يُعدّ جواباً مهماً لمسألة التماثل أو التباين. ما يجب الانتباه إليه هو أن الحسن والقبح من حيث الدلالة اللغوية قابلان للوصف، ويشيران إلى المرغوبية والقيمة الأخلاقية، ومن الناحية الوجودية يشيران إلى واقع سبب ومسبب بين الفعل ونتيجته، ولهما واقع. ومن الناحية المنطقية لا يلزم إنكار ضروريتهما وكونهما من مواد البرهان، مع أن ذلك يحتاج إلى بحث ودراسة.

بعبارة أخرى، في النسبة التي توجد بين المحمولات المختلفة لموضوعها، يطرح الامتناع والضرورة والإمكان. والضرورة نفسها لها أقسام ثلاثة؛ الضرورة بالذات، الضرورة بالغير، والضرورة بالقياس إلى الغير. وقوام الضرورة بالقياس هو مقارنة وميزان بين شيئين مع بعضهما البعض، ولكل سبب، سواء كان تامًا أو ناقصًا، بالنسبة لمسببه «وجوب بالقياس»، وكذلك لكل مسبب بالنسبة لسببه التام «وجوب بالقياس»، وكذلك بين مسببين لسبب واحد وجوب بالقياس بينهما. (مصباح یزدی، ۱۳۹۴، ۷۱)

نظرية التطابق

لم يقدّم المحقق الأصفهاني دليلًا منفصلًا على علاقة التطابق بين المصلحة والمفسدة، والحسن والقبح، وهذا التطابق بين هذه المفاهيم هو نتيجة قهرية لقبول الحسن والقبح العقليين. بمعنى أن ما يكون موضوعًا للحسن والقبح بالنسبة لأحكام الشريعة هو المصالح العامة التي تترتب عليها المدح والذم من قبل العقلاء، والشارع المقدس أيضًا يأخذها بعين الاعتبار.

النقد والمراجعة

في القسم الأول من هذه المقالة، تم طرح أدلة متنوعة من قبل القائلين بشرعية الحسن والقبح. كما تم عرض نظرية أولئك من الإمامية الذين، رغم قبولهم للعقلانية في الحسن والقبح، اعتبروهما غير واقعيين، ومن الناحية المنطقية والمعرفية، اعتبروا أساس قضايا الحسن والقبح هو ما يُعرف بالمشهورات التي لا حقيقة لها سوى تطابق آراء العقلاء. وقد تم عرض تقرير نظريتهم. ومن البديهي أن الرد المفصل على كل من هذه الآراء والمذاهب لا يتسع له هذا المجال، ولكن ما يمكن قوله للقائلين بالحسن والقبح العقليين مقابل الحسن والقبح الشرعي هو أنه إذا تم قبول العقلانية في الحسن والقبح، فلا يمكن اعتباره غير واقعي، وهذا نوع من التناقض. على سبيل المثال، أن المحقق الأصفهاني فرق بين المصالح الشخصية والمصالح العامة واعتبر الأخيرة بلا واقع، فهذا يعود إلى اعتبار الحسن والقبح اعتباريًا، في حين أن الانتباه الشديد إلى الغاية والسببية للغاية له واقع.

يبدو أنه إذا تم التفريق بين المبدأين للمحقق الأصفهاني، أي الحسن والقبح العقليين، والتطابق بين الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة، ومن جهة أخرى، اعتبار الحسن والقبح من المعقولات الثانوية ودلالتهما على الضرورة بالقياس، فإن الحكم سيكون بالمساواة بين الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة.

حتى الآن، فإن هذا التطابق أو المساواة التي هي نتيجة قهرية لنظرية الحسن والقبح العقليين قد بطل بإظهار التناقض الداخلي، لكن ادعاء هذه المقالة هو أن الطريق الوحيد لقبول هذا التطابق بين المصلحة والمفسدة في الفقه مع الحسن والقبح في الأخلاق ليس هو نظرية الحسن والقبح العقليين فقط. في ما يلي، ستُعرض أدلة التباين ونقدها، وسيُتضح أن الاعتراضات على نظرية التطابق إما لا ترفض مباشرة ادعاء التطابق وإنما تعود إلى مقدماته التي هي الحسن والقبح العقليان، أو إذا كان مضمونها رفض التطابق، فهي سقيمة ولا تبطل ادعاء التطابق. وفي النهاية، مع قبول مبدأ الضرورة بالقياس، ستثبت هذه النظرية للتطابق.

نظرية التباين

أحد أدلة الشهيد الصدر على عدم العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح هو القبح التجري. يقول: في التجري (أي أن يظن شخص أنه يقوم بفعل معصية لله ولكنه ليس معصية، مثل شرب سائل مع اليقين بأنه خمر ولكنه ماء) مع أنه قبيح، إلا أنه لا مفسدة فيه. (صدر، ۱۴۱۷هـ، ج. ۴، ص. ۴۶)

دليله الآخر يتعلق بمسألة التزاحم في المبادئ أو المصلحة والمفسدة. يقول: إذا كان الحسن والقبح مرتبطين بالمصلحة والمفسدة، لكان الظلم الذي فيه مصلحة يفقد قبحه، والعدل الذي فيه مفسدة يفقد حسنَه، في حين أن القبح دائمًا مع الظلم، والحسن دائمًا مع العدل. (صدر، ۱۴۱۷هـ، ج. ۴، ص. ۴۶)

النقد والمراجعة

يبدو أن المرحوم الشهيد قدّم هذه الأدلة ردًا على القائلين بالحسن والقبح العقليين، واعتبر رفض التطابق والارتباط بين الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة دليلًا على خطأ ذلك المذهب. بغض النظر عن هذا النزاع بين الحسن والقبح العقلي والحسن والقبح العقلي، فإن الملاحظتين اللتين تُطرحان على العلاقة بين المصلحة والمفسدة والحسن والقبح فيهما خلل؛ لأنه في مسألة التجري، إذا قبلنا قبح التجري على المولى، فإن الفعل الذي في ذاته لا مفسدة فيه، في حالة اليقين بأنه معصية، يصبح فيه مفسدة. بمعنى آخر، للفعل وجهان؛ وجه نوع الفعل نفسه، ووجه النية. كلاهما يؤثر في الحسن والقبح وكذلك في المصلحة والمفسدة.

وكذلك في الرد على الملاحظة الثانية، يجب القول إن في كلامه، الحسن والقبح يُفهمان بمعنى الاستحقاق للمدح والذم، وهو ما يذكره المرحوم الشهيد في بداية نقاشه بأن تفسير الحسن والقبح بالاستحقاق للمدح والثواب والذم والعقاب ليس صحيحًا، وهذه الأمور من لوازم معانيهما. والمختار عنده هو المعنى “ما ينبغي أن يُفعل” و”ما لا ينبغي أن يُفعل”. إذا قبلنا هذا المعنى للحسن والقبح، فإن كون الفعل مستحقًا للقيام به أو لا، يتوقف على حساب المصلحة والمفسدة الإجمالية.

بعبارة أخرى، بالنظر إلى النقاط التي ذُكرت حول أساس الضرورة بالقياس، يتضح أن ما ينبغي فعله يجب استنتاجه بحساب العلاقة ذاتها بين الفعل ونتيجته، لا بصفة ذاتية أو اقتضائية للفعل بالنسبة لاستحقاق المدح أو الذم وما شابه ذلك. وفي الرد على الإشكال الذي طرحه الشهيد صدر بشأن قبح فعل ما مع وجوده بالنسبة للمصلحة الكلية في مقام التزاحم، يجب القول إن المقصود أساسًا بالمصلحة والمفسدة في مقام الاقتضاء هو ذات المصلحة والمفسدة الكلية بعد الخصم والانكسار. وفي الرد على هذا الإشكال القائل بأن هذا الجواب ينقل مكانة بحث التنافي بين الحسن والقبح مع المصلحة والمفسدة، التي هي في الحقيقة متعلقة بمقام الجعل، إلى مقام الامتثال والتزاحم، ويظل التنافي في مقام الجعل قائمًا بقوته، يجب القول إن المقصود من التزاحم في لسان الشهيد صدر هو ذات التزاحم في المبادئ والمتعلق بمقام الجعل. والتوضيح أن الفقهاء في ذات بحث المصالح والمفاسد في أقسام مختلفة، ومنها بحث التضاد والاجتماع بين الأمر والنهي، قد نبهوا إلى أن المقصود بالمصلحة التي هي أصل الحكم والمتعلقة بمرتبة اقتضاء الحكم هي المصلحة الكلية بعد الخصم والانكسار، بمعنى أن الفعل قد يحمل مصالح ومفاسد متعددة، وما يؤثر في جعل الشارع ليس كل مصلحة أو مفسدة، بل حساب المصلحة والمفسدة التي تكون لها شدة أكبر، فهي في النهاية مصدر ومقتضي الجعل. وهذه النقطة هي ذاتها التي ذُكرت بتعبير فلسفي في شرح أساس الضرورة بالقياس (علم الهدی‌، د.ت.‌، ص. ۸۸-۸۷ و طوسی، ۱۴۱۷هـ، ج. ۲، ص. ۷۴۱ و تح. حلی، ۱۴۰۳هـ، ص. ۴۸-۴۷).

النتيجة

من خلال دراسة المعنى المعرفي والوجودي للحسن والقبح، يتبين أنه بتجاوز المعاني التقليدية للحسن والقبح يمكن القول إن الحسن والقبح بمعنى الضرورة بالقياس هما في الواقع ذات المصلحة والمفسدة التي توجد في مقام ومرحلة اقتضاء الحكم.

أما الإشكالات التي أُثيرت حول تماثل المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح، فهدفها في الحقيقة هو إبطال أساس الحسن والقبح العقلي، والذي من لوازمه يمكن الإشارة إلى عدم واقعية الحسن والقبح للأفعال. وفي هذا المقام تبين أن بطلان ملزوم هذا التماثل لا يعني بالضرورة بطلان هذا التماثل ذاته، ويمكن قبول هذا التماثل بين المصلحة والمفسدة مع الحسن والقبح بناءً على أساس الضرورة بالقياس. وبالطبع يجب الانتباه إلى أن المقصود بالمصلحة والمفسدة هو المصلحة والمفسدة النهائية لكل فعل، التي تُعد أصلًا لوضع الأحكام الشرعية {{F3}}.

المصادر والمراجع

۱. ابن سینا، حسین بن عبداٰلله (۱۳۷۵ق). الشفاء المنطق البرهان، قاهره: وزاره التربیه و التعلیم.

۲. ابن منظور، محمد‌ بن‌ مکرم (۱۴۱۴ق). لسان العرب‌، تصحيح‌ احمد فارس صاحب الجوائب، المجلد الثالث، بیروت: دارالفکر للطباعه و النشر و التوزیع.

۳. ارسطو (دون تاريخ). علم الاخلاق الی نیکوماقوس.‌ترجمه سانت هیلر بارتلمی و سید احمد لطفی، المجلد الأول، بیروت: دار صادر.

۴. اشعری‌، ابوالحسن‌ (دون تاريخ). اللمع فی الرد علی اهل الزی و البدع، قاهره: المکتبه الازهریه للتراث.

۵. اصفهانی، محمدحسین (۱۳۷۴ق). نهایة الدرایة فی شرح الکفایة. المجلد الثاني و سوم، قم: سید الشهداء.

۶. اصفهانی نجفی، محمد تقی‌ بن‌ عبد الرحیم‌ (۱۴۲۹ق). هدایه المسترشدین. المجلد الثاني، قم: موسسه النشر الاسلامی.

۷. القوشجی، علی بن محمد (دون تاريخ). شرح تجرید العقائد‌، دون مكان النشر: منشورات رضی بیدار عزیزی.

۸. انصاری، مرتضی (۱۴۱۹ق). فرائد الاصول. المجلد الأول‌، قم‌: مجمع الفکر الاسلامی.

۹. حلی (علامه)، حسن بن یوسف (دون تاريخ). کشف المراد.‌ترجمه ابوالحسن شعرانی، تهران: کتابفروشی اسلامیه‌.

‌‌۱۰‌. حلی (المحقق)، جعفر بن حسن (۱۴۰۳ق). معارج الاصول. قم: موسسه آل البیت علیهم‌ السلام.‌

۱۱‌. سند، محمد (۱۳۸۰). گزاره‌های اخلاقی از سقراط تا علامه طباطبایی، نگارش مصطفی اسکندری، تهران‌: مهراندیش.

۱۲. شریفی، احمد حسین (۱۳۸۸). خوب چیست بد کدام است؟. قم: موسسه‌ آموزشی و پژوهشی امام خمینی‌ ره‌.

۱۳. صدر، محمد باقر (۱۴۱۷ق). بحوث فی علم الاصول. تقریر سید محمود‌هاشمی شاهرودی، المجلد الأول و چهارم، قم: دائرٔە المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت علیهم السلام.

۱۴. طباطبایی‌، محمدحسین (۱۴۰۳ق). المیزان فی تفسیر القرآن، ج. ۱۵، بیروت: موسسه الاعلمی للمطبوعات.

۱۵. طوسی، خواجه نصیر الدین (۱۴۱۶ق). قواعد العقائد، قم: مرکز مدیریت حوزه علمیه قم.

۱۶. علم الهدی (سید مرتضی)، علی‌ بن‌ الحسین (دون تاريخ). الذریعٔە الی اصول الشریعٔە. المجلد الأول، تهران: منشورات دانشگاه تهران.

۱۷. غزالی، محمد (۱۴۱۷ق). المستصفی فی علم الاصول، ‌ج ۱، بیروت: موسسه الرساله.

۱۸. فخر رازی، محمد بن عمر (۱۴۱۱ق‌). المحصل‌، قاهره: مکتبة دار التراث.

۱۹. فیومی، احمد بن محمد مقری (دون تاريخ). المصباح المنیر فی غریب الشرح الکبیر للرافعی، المجلد الثاني، قم: منشورات دار الرضی.

۲۰. لاهوتیان، حسن و بهروز محمدی‌ منفرد‌ (۱۳۹۹)، واکاوی مناسبات حسن و قبح و مصلحت و مفسده مبتنی بر رویکرد شهید صدر، پژوهش‌های اصولی، سال هفتم، العدد ۲۴، ص ص..۱۴۴-۱۲۱، قم: منشورات مدرسه ولیعصر عجل الله تعالی‌ فرجه‌ الشریف‌.

۲۱. لاهیجی (المحقق)، ملا عبد‌ الرزاق‌ (۱۳۷۷ق‌)، گوهر مراد، تهران: منشورات کتابفروشی اسلامیه.

۲۲. مصباح یزدی، محمد تقی، (۱۳۹۴). فلسفه اخلاق، تصحيح احمدحسین شریفی، قم: موسسه آموزشی و پژوهشی‌ امام‌ خمینی‌ ره.

۲۳. مصباح یزدی، محمد تقی، (۱۳۹۱)، آموزش‌ فلسفه‌. قم: موسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی ره.

۲۴. مظفر، محمد رضا، (۱۴۳۰ق)، اصول الفقه. المجلد الثاني و سوم، قم: موسسه النشر‌ الاسلامی‌.