دراسة مقارنة لنظرية سيطرة النفس في فكر المحقق النائيني والمحقق الخوئي والشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی تطبیقی نظریه سلطنت نفس در اندیشه محقق نائینی، محقق خویی و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

مسألة تعارض قاعدة الضرورة السابقة مع الاختيار، وكذلك مسألة عدم إرادية الإرادة، من القضايا المهمة في مسألة الجبر والاختيار. قدم الفلاسفة حلولاً لتفسير هاتين المسألتين. بعض الأصوليين المتأخرين مثل المحقق النائيني، المحقق الخوئي، والشهيد الصدر، بعد اعتبار حلول الفلاسفة غير كافية، رأوا أن نفي الاختيار هو مقتضى وجهة نظر الفلاسفة، وقدموا رؤية جديدة لحل مسألة الجبر والاختيار تُعرف بنظرية الطلب أو نظرية سيطرة النفس. هذه النظرية تعاني من نواقص كثيرة وقد تم نقدها ومراجعتها في مقال «دراسة مقارنة لنظرية سيطرة النفس».

المؤلف: محمدعلی اسماعیلی

المصدر: الدورية العلمية البحثية في الكلام الإسلامي، المجلد ٢٢، العدد ٨٦، ص ٧٧-٩٤

المقدمة

بعض الأصوليين المتأخرين مثل المحقق النائيني، المحقق الخوئي، والشهيد الصدر، بالاعتماد على تعارض قاعدة الضرورة السابقة مع الاختيار، وكذلك مسألة عدم إرادية الإرادة، اتهموا الفلاسفة بالجبرية في مجال أفعال الإنسان، ورأوا أن نفي الاختيار هو مقتضى وجهة نظرهم بسبب عدم كفاية حلول الفلاسفة. قدموا في مسار حل مسألة الجبر والاختيار رؤية جديدة تُعرف بـ«نظرية الطلب» أو «نظرية سيطرة النفس». هذه النظرية طرحها المحقق النائيني بشكل منظم في مباحث الأصول، وطوّرها المحقق الخوئي والشهيد الصدر. وفقاً لهذه الرؤية، تُطرح قاعدة الضرورة السابقة على النحو التالي: «الشيء لم يوجد إلا بالوجوب أو بالسلطنة». السلطنة تحكم دائرة الأفعال الاختيارية، والوجوب يحكم دائرة غير الأفعال الاختيارية. هذا المقال يتناول دراسة مقارنة لنظرية سيطرة النفس في فكر المحقق النائيني، المحقق الخوئي، والشهيد الصدر، ويعرض هذه الرؤية في ضوء النقاط والأسس المتفق عليها بينهم، ثم ينتقدها ويحللها.

تبيين المسألة في نظرية سيطرة النفس

المسألة الأساسية التي تتبعها هذه النظرية هي: هل الإرادة هي السبب التام للأفعال الإرادية، أم أن بين الإرادة والأفعال الإرادية شيء يُسمى «الطلب» أو «السيطرة» أو «ممارسة قوة النفس» كوسيط؟ (نائینی، ١٣٧۶، ١: ١٣١). إذا كانت الإرادة السبب التام للأفعال الإرادية، فإن الجبر يحدث من جهتين: الأولى أن وفق قاعدة الضرورة السابقة، جميع الأفعال قبل تحققها تتصف بالضرورة والوجوب، واتصاف المعلول بالضرورة السابقة يتعارض مع الاختيار. الثانية أن الإرادة، التي هي الشوق الشديد، ليست اختيارية، وبالتالي فإن الأفعال الناشئة عن الإرادة ستكون غير اختيارية أيضاً.

نقد وجهة نظر الفلاسفة في مجال الأفعال الاختيارية

الفلاسفة، مع قبولهم لقاعدتين فلسفيتين، أصبحوا محكومين بالجبرية: ١) علة الإرادة بالنسبة لأفعال الإنسان؛ ٢) قانون الضرورة السابقة (الشيء ما لم يجب لم يوجد). هاتان القاعدتان هما أساس بيانات الثلاثة العلماء في نقد الفلاسفة. شرح بياناتهم في نقد كلتا القاعدتين هو كما يلي:

أ) نقد علة الإرادة بالنسبة لأفعال الإنسان

نقد وجهة نظر الفلاسفة القائلة بعلة الإرادة بالنسبة للأفعال، يُعتبر من نقاط الاتفاق بين العلماء الثلاثة. المحقق النائيني، مثل غيره من الأصوليين المتأخرين، في مبحث مادة الأمر تناول موضوع الطلب والإرادة، وضمن ذلك مسألة الجبر والاختيار. وفقاً لوجهة نظره، جميع العلماء متفقون على أن الإرادة هي كَيْفٌ نفسي. لكن الطلب يعني التصدّي لتحصيل شيء في الخارج. لذلك، مفهوم الطلب يتعارض مع مفهوم الإرادة. من جهة أخرى، الإرادة تدخل في مقولة الكَيْف، بينما الطلب من مقولة الفعل، ولا يمكن لشيء أن يدخل في مقولتين مختلفتين. النتيجة أن الطلب والإرادة متناقضان من الناحيتين المفهومية والمصداقية (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣۵؛ همو، ١٣٧۶، ١: ١٣١). ثم تناول موضوع الجبر والاختيار في سياق الطلب والإرادة، واعتبر أن الصفات القائمة على النفس مثل الإرادة، التصور، والتصديق غير اختيارية. فإذا كانت أفعال الإنسان معلولة بالإرادة، فإن جميع أفعال الإنسان ستكون غير إرادية وغير اختيارية، لأن المعلول لشيء غير اختياري هو غير اختياري (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣٧؛ همو، ١٣٧۶، ١: ١٣٢). الصدر المتألهين في حل شبه عدم إرادية الأفعال قدم ردوداً مختلفة، منها أن معيار اختيارية الأفعال هو أن تكون الأفعال نفسها مسبوقة بإرادة الفاعل المختار، وليس من الضروري أن تكون الإرادة نفسها مسبوقة بإرادة أخرى (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ۶: ٣٨٨)، وبالتالي فإن استحقاق الثواب والعقاب مترتب على الأفعال الصادرة عن الإرادة، سواء كانت الإرادة اختيارية أو غير اختيارية. المحقق النائيني لا يرى هذه الحلول مجدية، لأنه إذا لم تكن الإرادة نفسها اختيارية، فإن الأفعال الصادرة عنها لن تكون اختيارية، وسيحكم الجبر على أفعال الإنسان، ولا يحل مجرد تفسير «الفعل الإرادي» بأنه فعل مسبوق بإرادة المشكلة، ولن يؤدي إلى استحقاق الثواب والعقاب. بالإضافة إلى ذلك، وفقاً لهذا الحل، سيكون الله تعالى أيضاً مجبوراً، لأن إرادة الله هي ذات ذاته، وذاته غير اختيارية، وبالتالي فإن الأفعال الصادرة عن إرادة الله ستكون غير اختيارية (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣٨). النتيجة أن مقتضى وجهة نظر الفلاسفة القائلة بأن الإرادة هي العلة لأفعال الإنسان هو الالتزام بالجبر وعدم الإرادية، لأنه إذا لم تكن الإرادة نفسها اختيارية، فإن الأفعال الصادرة عنها لن تكون اختيارية.

الحل الذي اختاره المحقق النائيني هو وجهة نظر «الطلب والاختيار للنفس» التي بمقتضاها لا تصدر الأفعال الإنسانية عن الإرادة، بل يوجد بين الإرادة والأفعال شيء يُسمى «الطلب» كوسيط.

المحقق الخوئي تناول نقد وجهة نظر الفلاسفة القائلة بعلة الإرادة بالنسبة لأفعال الإنسان بتفصيل أكبر. وذكر تفسيران للإرادة:

الإرادة أحياناً تعني صفة نفسية هي الشوق، سواء كان الشوق ضعيفاً أو قوياً، وأحياناً تعني الاختيار وهو فعل من أفعال النفس (خویی، ١۴١٧، ١: ٢٠۶).

ولكن يجب الانتباه إلى أن ما يُستخدم ويُستعمل أكثر في كتبهم هو المعنى الأول للإرادة وليس المعنى الثاني. فهم يرون أن الإرادة في نظر الفلاسفة هي الشوق الشديد، والشوق من صفات النفس التي تكون غير اختيارية وتطرأ على نفس الإنسان، ونتيجة لذلك تكون الإرادة غير اختيارية (خویی، ١٣٠٠: ١٨۶). وفقًا لوجهة نظرهم، الإرادة هي المرجح للأفعال الاختيارية وليست السبب التام لها؛ لأن السبب التام لها هو ممارسة نفس الإنسان للقدرة. ودليلهم على إثبات هذا الادعاء هو الإحساس الداخلي:

نجد بالوجدان أن شيئًا ما يتوسط بين الشوق الشديد وأفعالنا، وهو الطلب والاختيار (المرجع نفسه)

لذا فإن الفعل الاختياري هو الفعل الذي يقوم به الإنسان باختياره وممارسة قدرته. يتضح الاستدلال على هذا من المطلب الأول، لأن الإرادة مهما كانت شديدة، ليست السبب التام للفعل. وبالتالي وجود الفعل في الخارج يعتمد على شيء آخر وهو ممارسة القدرة والسيطرة التي يُطلق عليها الاختيار (فیاض، ١۴٣٠، ١: ۴٠٣).

وبالتالي إذا كانت الإرادة السبب التام للأفعال الاختيارية، فإن ذلك يستلزم أن يكون الإنسان مجبرًا في أفعاله، لأن الإرادة غير اختيارية. ووفقًا لهم، فإن المعروف والمشهور بين الفلاسفة قديمًا وحديثًا هو أن كل الأفعال الاختيارية مسبوقة بالإرادة. ومن ناحية أخرى، إذا بلغت الإرادة درجة الشدة، تصبح السبب التام للأفعال الاختيارية. ونتيجة هذين المطلبين يجب أن نؤمن بالجبر وننفي السيادة للإنسان في أفعاله (فیاض، المرجع نفسه: ٣٩۴؛ اسماعیلی، ١٣٩١الف).

كما أن الشهيد صدر، ضمن تفريق الجانب الكلامي عن الجانب الفلسفي في بحث الجبر والاختيار، قام بتبيين ونقد وجهة نظر الفلاسفة. فهو يرى أن مسألة الجبر والاختيار في الحقيقة تعود إلى مسألتين: أ) المسألة الكلامية؛ وهي بحث من هو الفاعل للأعمال الصادرة عن الإنسان؟ المفوضة يرون أن الإنسان نفسه هو الفاعل، والمجبورة يرون أن الله هو الفاعل، والشيعة يرون لكل من الله والإنسان نصيبًا من الفاعلية. ب) المسألة الفلسفية؛ بغض النظر عن الفاعل، هل تصدر هذه الأفعال من الفاعل بصورة اختيارية أم لا؟ لذلك المسألة الكلامية تتناول تحديد أصل الفاعل، بينما المسألة الفلسفية تبحث نوعية فاعلية الفاعل (هاشمی شاهرودی، ١۴٢۶، ٢: ٢٧-٢٨).

في المسألة الكلامية، يطرح الشهيد صدر خمس وجهات نظر ويعتبر وجهتي نظر فقط جديرتين بالدراسة: أ) فاعلية الله مستمرة مع فاعلية الإنسان؛ فالإنسان هو الفاعل المباشر للأعمال، والله يُعتبر الفاعل غير المباشر بإعطائه القوة والطاقة للإنسان. ب) الله هو الفاعل المباشر لأفعال الإنسان، ولكن الإرادة ومبادئها هي أسباب معدة تمهّد المجال لإنزال الأعمال من جانب الله (المرجع نفسه: ٢٩). وبعد البحث في المسألة الفلسفية، يصل إلى نتيجة أنه رغم أن كلتا وجهتي النظر معقولة ومقبولة بالنظر إلى الجانب الكلامي لمسألة الجبر والاختيار، إلا أن بطلان وجهة النظر الثانية يتضح بعد إثبات سيادة النفس، لأن هذه الوجهة تستلزم الجبر. والسبب هو أنه إذا اعتبرنا الإرادة حالة نفسية تكون نسبتُها إلى نفس الإنسان نسبة عرض إلى موضوع، فإن هذه الإرادة تكون غير اختيارية وتمهد المجال لفعل الله، وبالتالي لا يبقى مجال للاختيار. أما إذا اعتبرنا الإرادة فعلًا من أفعال النفس، فلا بد أن نعتبرها فعل الله أيضًا، ولا يبقى مجال للاختيار (المرجع نفسه: ٣٨).

وفقًا لوجهة نظره، نشأت المسألة الفلسفية المذكورة في ضوء شبهه تعارض الضرورة مع اختيار الإنسان. وتتمثل صياغة الشبهة على النحو التالي: أ) صدور الأفعال من الإنسان يكون على نحو الضرورة والوجوب؛ لأن وفقًا لقاعدة الضرورة السابقة، لا توجد أفعال الإنسان إلا إذا بلغت مرتبة الضرورة والوجوب؛ ب) الضرورة تتعارض مع الاختيار. وبناءً على هذين المقدمين، تُطرح الشبهة الفلسفية التي تنفي الأفعال الاختيارية. وقد قُدمت حلول لهذه الشبهة. الشهيد صدر يبيّن أربعة مسالك (المرجع نفسه: ٢٩).

يُقرّب الشهيد صدر حل الفلاسفة على النحو التالي:

أفعال الإنسان مسبوقة بالضرورة والوجوب، ولكن هذه الضرورة لا تتعارض مع اختيار الإنسان. لأن حقيقة الاختيار تعود إلى القضية الشرطية «إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل». والقضية الشرطية لا تعبّر عن موضوعها (الشرط). لذلك إذا كانت هذه القضية الشرطية صحيحة، فهناك اختيار. ولا فرق إذا كان شرطها ضروريًا وبالتالي جزاؤه ضروريًا أو لم يكن كذلك. الأفعال الناشئة عن الإرادة أيضًا اختيارية، لأن الضرورة الناشئة عن الإرادة لا تتعارض مع الاختيار، بل تؤيده وتؤكده (المرجع نفسه: ٣١).

يمكن تلخيص هذا البيان بأن: وفقًا لحل الفلاسفة، كل من الإرادة اختيارية والأفعال الناشئة عن الإرادة كذلك. ولكن اختيارية الإرادة تعود إلى أنه حتى لو كانت الإرادة نفسها ضرورية وواجبة بالغير، فإن القضية الشرطية المذكورة تظل صحيحة، لأن شرط تلك القضية لا يهتم بضرورة أو إمكانية الإرادة (الشرط). أما اختيارية الأفعال الناشئة عن الإرادة فتعود إلى أنه رغم أنها متصفّة بالضرورة السابقة، إلا أن الضرورة الناشئة عن الإرادة لا تتعارض مع الاختيار.

بعد تبيين حل الفلاسفة، ينتقد الشهيد صدر هذا الحل ويعتقد أنه: بناءً على قبول الحسن والقبح العقلي، هذه النظرة غير كاملة؛ لأنه إذا كانت أفعال الإنسان على نحو الضرورة والوجوب ناشئة عن الإرادة، وكانت الإرادة نفسها على نحو الضرورة والوجوب ناشئة عن مبادئها، وهذه المبادئ ناشئة عن أسبابها، وهكذا حتى تصل إلى الواجب بالذات؛ ففي هذه الحالة تكون كلها ضرورية وخارجة عن نطاق الاختيار، ولا يُترتب عليها ثواب أو عقاب. أما بناءً على إنكار الحسن والقبح العقلي (كما ينسبها إلى الفلاسفة) فلا توجد مشكلة من ناحية الثواب والعقاب حتى نبحث عن حل. وتبقى فقط مسألة لغوية للتكاليف تُحل بحل الفلاسفة القائم على تفسير الاختيار.

ب) نقد استحالة التفضيل بدون مرجح

يناقش نقد وجهة نظر الفلاسفة القائلة باستحالة التفضيل بدون مرجح غالبًا في فكر سيادة النفس.

يعتقد المحقق النائيني أن صدور الأفعال من النفس الإنسانية متوقف على الفاعل والمرجّح. فالفاعل هو النفس نفسها، والمرجّح هو الصفات النفسية مثل الإرادة. وبالطبع، لزوم وجود المرجّح في الأفعال الاختيارية هو للخروج من اللغوية لا للاستحالة، لأن التفضيل بدون مرجّح ليس مستحيلاً. بالإضافة إلى أن وجود المرجّح يكفي للخروج من اللغوية في الأفعال الطبيعية، ولا ضرورة لوجود المرجّح في الأفعال الشخصية، كما هو الحال في مثال الهارب والجائع، حيث لا يوجد أي مرجّح بالنسبة للأفعال الشخصية (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣٩).

ويعتقد المحقق الخوئي أيضاً أن لزوم وجود الإرادة في الأفعال الاختيارية هو للخروج من اللغوية لا للاستحالة؛ لأن التفضيل بدون مرجّح ليس مستحيلاً لا في الأمور التكوينية ولا في الأمور التشريعية؛ لكنه قبيح، لأن العاقل لا يفضّل المرجوح على الراجح. وما هو مستحيل هو التفضيل بدون مرجّح. بالإضافة إلى أن وجود المرجّح يكفي للخروج من اللغوية في الأفعال الطبيعية، ولا ضرورة لوجود المرجّح في الأفعال الشخصية (خویی، ١۴١٩، ١: ٢١٣).

ج) نقد قاعدة الضرورة السابقة في مجال الأفعال الاختيارية

يتفق علماء الثلاثة على نقد وجهة نظر الفلاسفة في مسألة قاعدة الضرورة السابقة في مجال الأفعال الاختيارية. وقد تناول المحقق الخوئي والشهيد الصدر هذه المسألة بتفصيل أكبر.

يعتبر المحقق الخوئي قاعدة الضرورة السابقة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) خاصة بالأفعال الطبيعية ولا يراها سارية في مجال الأفعال الاختيارية. وتُعرض خلاصة وجهة نظره ضمن النقاط التالية:

النقطة الأولى: هذه القاعدة مبنية على مسألة التشابه بين السبب والمسبب، وهي سارية فقط حيث يوجد تشابه بين السبب والمسبب، وأينما لا يوجد تشابه بين السبب والمسبب لا تُطرح هذه القاعدة (فیاض، ١۴٣٠، ١: ۴٠١). لذلك، إذا كان السبب من الناحية الوجودية متضاداً مع المسبب، ولا توجد علاقة تشابه بينهما، فلا يمكن تصور وجوب وجود المسبب من جهة وجود السبب، وما هو موجود هو وجود المسبب بعد وجود السبب دون أي ضرورة سابقة (المرجع نفسه: ۴٠٢).

النقطة الثانية: مضمون القاعدة السابقة هو أن المسبب موجود في سببه التام، ويتولد من سببه التام الذي هو من جنسه، ووجود المسبب يكون ضرورياً بالنسبة لوجود سببه. لأن وجود المسبب هو مرتبة منخفضة من وجود السبب وليس شيئاً غريباً عنه، وبالتالي يصبح وجود المسبب في مرتبة وجود سببه ضرورياً، لأن المفروض أن وجود المسبب متولد من سببه وخارج عن ذات وحق حقيقة سببه، وهذا هو معنى اختفاء وجود المسبب بالضرورة السابقة (المرجع نفسه: ۴٠١).

النقطة الثالثة: القاعدة السابقة تشير في الحقيقة إلى احتفاف المسبب بالضرورة السابقة، ومعنى احتفافه بالضرورة السابقة هو أن المسبب موجود في مرتبة وجود سببه (نفس المرجع).

النقطة الرابعة: القاعدة السابقة خاصة بالمسببات الطبيعية ولا تسري على الأفعال الاختيارية، لأن الأفعال الاختيارية لا تشابه بين النفس الإنسانية وبينها لكي تكون موجودة في مرتبتها ثم تظهر (المرجع نفسه: ۴٠٢). ومن الجدير بالذكر أن بعضهم ظن أن خروج الأفعال الاختيارية من هذه القاعدة في تفسيره هو خروج تخصيصي لا تخصصي، وانتقدوا ذلك بأن القواعد العقلية لا تقبل التخصيص (سبحانی، ١۴٢۶؛ ٢: ٣١٠). لكن هذا غير صحيح، لأن من التعليل الموجود في كلامه يتضح أنه يعتبر الأفعال الاختيارية خارجة بطريقة تخصيص عن مضمون القاعدة.

والنتيجة أنه رغم اعتقاده بأن الوجوب الناشئ عن الاختيار وممارسة سلطان النفس لا يتعارض مع الاختيار، لأن الضرورة الناشئة عن الاختيار تؤكد الاختيار لا تنافيه (بهسودی، ١۴٢٢، ١: ٢۶٣)، إلا أنه إذا كانت الإرادة السبب التام للأفعال الاختيارية وتعطيها ضرورة الوجود، فإن الجبر يصبح ضرورياً، لأن الإرادة وفق تفسير الفلاسفة ليست اختيارية، والضرورة الناشئة عن الجبر تستلزم الجبر.

وقد انتقد الشهيد الصدر أيضاً، متوافقاً مع المحقق النائيني والمحقق الخوئي، قاعدة الضرورة السابقة. فهو يرى أن قاعدة الضرورة السابقة ليست قاعدة برهانية لا تقبل التخصيص والتقييد، بل هي قاعدة وجدانية ومن الإدراكات الأولية للعقل. ويذكر أن بعضهم لإثباتها استدلوا بأن كل حادث ممكن الوجود، ومعنى الإمكان هو تساوي النسبة بين الوجود والعدم؛ فلكي يحدث الحادث يجب أن يتفوق وجوده على عدمه، ولكي يكون هذا التفوق يجب أن يكون هناك مرجّح، لأن التفضيل بدون مرجّح مستحيل، وهذا المرجّح هو السبب، فكل حادث له سبب (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ٢: ١٣١). لكن الشهيد الصدر في موضوع السببية العامة وقاعدة الضرورة السابقة يرى أن الاستدلال عليها عبر المبادئ الأرسطية مستحيل، والطريقة الوحيدة لإثباتها هي استخدام منطق الاستقراء (صدر، ١۴٢۶: ١١٣). وينتقد البرهان المقدم من أنصار المنطق الأرسطي لإثبات السببية العامة، حيث يرى أن الدليل المذكور يقع في مغالطة الاستدلال الدائري، لأن القضية “استحالة التفضيل بدون مرجّح” التي استُخدمت هي تعبير آخر عن السببية العامة، لذا فإن استخدامها لإثبات السببية تستلزم أخذ المطلوب في المقدمات (المرجع نفسه: ١٣۵).

٢) توضيح نظرية الطلب وسلطنة النفس

بعد نقد وجهة نظر الفلاسفة في مجال الأفعال الاختيارية للإنسان، قدم المحقق النائيني، وبالتزامن معه المحقق الخوئي والشهيد الصدر، وجهة نظر جديدة. وتوضيح هذه الرؤية المعروفة باسم «نظرية الطلب وسلطنة النفس» هو كما يلي:

يعتقد المحقق النائيني أن الحل الوحيد لمسألة عدم اختيارية الأفعال الصادرة عن الإرادة هو ألا نعتبر الأفعال الاختيارية معلولة للإرادة، بل يوجد بين الإرادة وحركة العضلات شيء آخر تصدر عنه الأفعال الاختيارية، ويمكن أن نسميه «الطلب». علاقة الطلب بالنفس الإنسانية هي علاقة الفعل بالفاعل، لا علاقة الكيف بالموضوع، على خلاف الإرادة التي علاقتها بالنفس هي علاقة الكيف بالموضوع. «الطلب» حادث وممكن الوجود وهو عين اختيار النفس، والنفس الإنسانية هي علته، وصدوره من النفس لا يحتاج إلى وساطة شيء حتى لا تقع شبهه التسلسل. بطرح هذا الرأي يُنفى الجبر وتُرفع شبهه عدم اختيارية أفعال الإنسان (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣۵،١٣٨،١٣٩،١۴٠).

كما أن المحقق الخوئي، بنقده لرأي الفلاسفة، يطرح رأي سيطرة النفس، ولا يعتبر الإرادة السبب التام للأفعال الاختيارية. السبب التام للأفعال الاختيارية هو شيء يقع بين الشوق وحركات العضلات، ويسميه «أفعال النفس»، «الاختيار»، «سيطرة النفس» و«الطلب». لذلك يرى أن هذا الشوق ليس السبب التام للأفعال الخارجية، لأننا بالوجدان نعلم أن شيئًا ما يتوسط بين الشوق الشديد وأفعالنا، وهو الطلب والاختيار (خویی، ١٣٠٠: ١٨۶). في فكره، الشوق ينتج عن ملاءمة النفس مع المشتاق إليه، وعندما تشعر النفس بشوق لعمل ما، فإن هذا الشوق ليس السبب التام للقيام بذلك العمل، بل هناك مرحلة أخرى تسمى «إعمال القدرة» و«الاختيار»؛ حيث تختار النفس أحد الأطراف وتختار، والاختيار بمعنى طلب الخير، أي اختيار الطرف الأفضل، وهذا الاختيار هو فعل اختياري من أفعال النفس وهو نتيجة سيطرة النفس.

وفقًا لرأيه، علاقة الأفعال الاختيارية بالنفس تختلف عن علاقة المعلول بالسبب التام، لأن المعلول موجود في ذات السبب ويتولد منه، أما الأفعال الاختيارية فلا تتولد من النفس، ونتيجة لذلك، الأفعال الاختيارية تحتاج إلى فاعل لا إلى سبب؛ مع أن النفس تشترك مع السبب التام في هذه النقطة أن المعلول في كلتيهما هو عين التعلق بهما. ويرى أن علاقة المعلول بأسبابه الطبيعية تختلف عن علاقة المعلول بأسبابه الفاعلة في نقطة وتتفق في نقطة. نقطة الاختلاف هي أن المعلول في الأسباب الطبيعية ينبثق وينشأ من ذات السبب، ولهذا فإن تأثير السبب في المعلول يقوم على قانون التناسب، أما المعلول في الأسباب الإرادية فلا ينبثق من ذات السبب، ولهذا فإن تأثير السبب في المعلول لا يقوم على قانون التناسب. ونقطة الاتفاق هي أن المعلول في كلتيهما هو عين التعلق بهما (فیاض، ١۴٣٠، ١: ۴٣٨).

يرى المحقق الخوئي أن إعمال قدرة النفس واختيار النفس وسيطرة النفس هي ذاتية النفس وداخل في ذات وجوهر النفس الإنسانية، لذلك لا تحتاج إلى إرادة واختيار آخرين حتى يقع التسلسل، كما مر في المحور الثاني. ويكتب في هذا الشأن:

إن الأفعال الاختيارية تصدر عن الإنسان بالاختيار وإعمال القدرة، وأما الاختيار فهو غير مسبوق باختيار آخر، بل يصدر عن النفس بالذات أي بلا واسطة (المرجع نفسه: ۴۶٨).

ويكتب أيضًا:

فهذه المشيئة والسلطنة لا تتوقف على شيء آخر كالإرادة ونحوها، بل هي كامنة في صميم ذات النفس حيث إن الله تعالى خلق النفس كذلك (المرجع نفسه: ۴٠٠).

خلاصة رأي الشهيد الصدر هي كما يلي: كما قيل، قاعدة الضرورة السابقة ليست قاعدة برهانية بحيث لا يمكن تخصيصها أو تقييدها، بل هي قاعدة وجدانية ومن الإدراكات الأولية للعقل. لذلك قاعدة الضرورة السابقة قاعدة وجدانية، لأن الفطرة السليمة تحكم بأن مجرد الإمكان الذاتي لشيء ما لا يكفي لوجوده، بل يجب إلى جانب الإمكان الذاتي وجود أحد الأمرين التاليين: أ: وجوب بالغير يُمنح من جانب السبب؛ ب: سيطرة النفس على ذلك الأمر الممكن الوجود. من وجهة نظره، السيطرة مفهوم ثالث إلى جانب الوجوب والإمكان؛ فالسيطرة تشترك مع الإمكان في نقطة وهي أن نسبة كل منهما إلى الوجود والعدم متساوية؛ والفرق بينهما أن الإمكان لا يصحح أحد الطرفين، أما السيطرة فيمكنها أن تصحح الوجود أو العدم. كما تشترك مع الوجوب في نقطة وهي أن كلتيهما تصحح الوجود أو العدم. والفرق بينهما أن صدور الفعل من الوجوب ضروري وحتمي، أما صدوره من السيطرة فليس ضروريًا، وإلا لزم الخلاف، لأن الضرورة تعني نفي سيطرة الفاعل المختار (صدر، ١۴١٢، ١: ۵۴).

نقطة أخرى هي أن طريق إثبات وجود هذه السيطرة في نظره هو الوجدان أو الشريعة. كل إنسان يدرك بالوجدان أنه حتى بعد وجود الإرادة (الشوق الشديد) لا توجد حتمية وضرورة في الأمر، بل إن سيطرة النفس على الفعل أو تركه هي المحققة. لذلك يمكن إدراك سيطرة النفس بالعلم الحضوري، ونجد بالوجدان أننا نقوم ببعض الأفعال بدون مرجح. كما هو واضح في المثالين المشهورين «رغيف الجائع» و«طريق الهارب» (المرجع نفسه).

التقييم والنقد

١) قاعدة فلسفية «الشيء ما لم يجب لم يوجد» هي من القواعد الفلسفية المهمة التي استُشهد بها في مباحث فلسفية مختلفة وذُكر تحت عناوين متعددة (ابن‌سینا، ١٣٧٩، ۵۴٨؛ صدرالمتألهین، ١٩٨١، ١: ١٩٩). صياغة هذه القاعدة هي أن نسبة الممكن الوجود إلى الوجود والعدم متساوية، لذلك يتحدد وجوده عندما تزول كل احتمالات عدمه؛ وإذا بقيت حتى بعض احتمالات عدمه، فإن تحديد جانب الوجود بدون سبب يكون غير مبرر. لذلك حتى يصل وجوده إلى درجة الوجوب لا يكون موجودًا. وكذلك جانب العدم، حتى يصل إلى درجة الامتناع لا يكون معدومًا؛ ولهذا في مراتب تحقق الممكن الوجود قيل: الماهية تقررت فأمكنت فاحتاجت فأوجبت فوجبت فأوجدت فوجدت (طباطبائی، ١٣٨۵، ١: ٢٢٨). ولإثبات هذه القاعدة تمسكوا بأدلة مختلفة. فيما يلي نكتفي بصياغة برهانيْن:

الدليل الأول: إذا لم يكن وجود المعلول واجبًا بسبب وجود العلة التامة، فحينئذٍ يجوز أن لا يكون المعلول موجودًا رغم تحقق العلة التامة، وإذا كان عدم المعلول ممكنًا في ظرف وجود العلة التامة، فلو حصل المعلول، يبقى السؤال بلا جواب: لماذا حصل؟ كما كان هذا السؤال مطروحًا قبل حصول العلة التامة. لذلك يجب أن تأتي علة تقطع السؤال، وإذا حدث ذلك، يتضح أن العلة قد اكتملت، وإلا يحدث تسلسل في السؤال ولا ينقطع أبدًا. وإذا كان بالإمكان استمرار السؤال، ينتج عن ذلك تناقض؛ لأنه يتبين أن العلة التي اعتبرناها تامة لم تكن تامة (فیاضی، ١٣٨٨).

الدليل الثاني: إذا لم يوجب وجود المعلول وجود العلة التامة، فيجب أن يكون تحقق المعلول ممكنًا؛ لأنه إذا كان ممتنعًا، فلن يوجد. والآن إذا كان تحقق المعلول ممكنًا وليس ضروريًا، فلن يكون هناك فرق بين العلة التامة وأي شيء آخر؛ لأن ارتباط المعلول بأي شيء يكون حالة احتمالية، أي يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون. فإذا كان الارتباط مع العلة التامة أيضًا احتماليًا، فلا فرق بين العلة التامة والأمور الأخرى. لذلك، العلة التامة لن تكون تامة؛ مع أن الفرض كان أنها تامة (تناقض). لإثبات هذه القاعدة تم الاستناد إلى أدلة متعددة أخرى (ن.ک: فیاضی، ١٣٨٨).

٢) قاعدة التناسب من المسلّمات القضايا والحقائق القريبة من البديهة التي تثبت بأبسط التجارب الداخلية والخارجية. مع ذلك، من الضروري الانتباه إلى أن التناسب والملاءمة التي يجب أن تكون بين العلة والمعلول تختلف في حالة العلل المانحة للوجود (الموجدة) والعلل المادية والعددية. في الحالة الأولى يمكن إثبات خاصية هذا التناسب بالبرهان العقلي على النحو التالي: بما أن العلة الموجدة تمنح وجود المعلول، يجب أن تكون هي نفسها حاملة لذلك الوجود لكي تمنحه لمعلولها، وإذا لم تكن حاملة له، فلا يمكنها العطاء والمنح. وبالتعبير المشهور: معطي الشيء لا يكون فاقدًا له. وبما أن العطاء لا ينقص من ذات العلة شيئًا، يتضح أن العلة تحمل ذلك الوجود بصورة أكمل بحيث يكون وجود المعلول شعاعًا وامتدادًا منه. لذلك التناسب بين العلة الموجدة ومعلولها يعني أن كمال المعلول موجود بصورة أكمل في العلة، وإذا لم يكن في ذات العلة نوع من الكمال الوجودي، فلا يمكنها أبدًا أن تمنحه لمعلولها، وبعبارة أخرى، كل معلول يصدر من علة يكون كمالها موجودًا بصورة أكمل. يتضح هذا الأمر أكثر بالنظر إلى أن المعلول رابط بالنسبة إلى العلة الموجدة ووجود نوع من التشكيك الخاص بينهما. لكن مثل هذا التناسب لا يوجد بين العلل المادية والعددية ومعلولاتها، لأنها ليست مانحة للوجود، بل تأثيرها يقتصر على التغييرات في وجود المعلولات، وبما أن كل شيء لا يسبب أي تغيير، يتضح إجمالًا أن نوعًا من التناسب والملاءمة بينهما ضروري، لكن لا يمكن إثبات خاصية هذا التناسب بالبرهان العقلي، بل يجب تمييزه بالتجربة فقط (مصباح یزدی، ١۴٠۵: ٢۴٣). وبعبارة أوضح يمكن القول: إن أصل التناسب بين العلة والمعلول من القواعد العقلية المسلّم بها، لكن نوع هذا التناسب يختلف بحسب أنواع العلل. العلل الموجدة لأنها مانحة ومفاضة للوجود، يكون التناسب بينها وبين معلولاتها في الوجود. أما العلل العددية التي ليست مانحة للوجود، بل هي فقط سبب التغيير في معلولها، فإن التناسب بينها وبين معلولاتها ليس في أصل الوجود، بل تمييز نوع هذا التناسب يحتاج إلى التجربة. والنتيجة أن التناسب بين العلة والمعلول لا يعني أبدًا تولد المعلول من علته. ومن جهة أخرى من الواضح جدًا أن العلية ليست بمعنى التولد، لأن العلية تعني التوقف المطلق لوجود شيء على شيء آخر ( طباطبائی، ١٣٨۵، ٣: ۶۶۵).

٣) الضرورة السابقة لا تتعارض مع اختيار الفاعل. أنصار قاعدة الوجوب السابق في بيان عدم التعارض ذكروا نقاطًا مختلفة بتعابير متنوعة. أهم جواب على الإشكال هو أن الوجوب السابق يُمنح من قبل الفاعل (العلة التامة) لفعلها، لذلك صدوره من فاعله مثل باقي الأعمال الاختيارية للفاعل، يكون اختياريًا وبدون أي جبر، وبالتالي الجبر الفعلي لا يستلزم جبرًا فاعليًا، بل هو مؤكد ومؤيد له. العلامة الطباطبائي في جواب هذا المسألة يذكر أن الوجوب السابق يُستخلص من الفعل نفسه، لذلك لا يمكن أن يؤثر على فاعله (المرجع نفسه، ١: ٢٣۴).

٤) نسب الجبر إلى الفلاسفة كما يظهر في كلمات هؤلاء الثلاثة العظام لا يكون مقبولًا إلا في ظل قبول الفلاسفة لثلاثة أمور: أ: التفسير الوحيد الذي قدمه الفلاسفة للإرادة هو الشوق الشديد. ب: عدم إرادية الشوق الشديد. ج: أن الفلاسفة لم يقدموا حلًا معقولًا لدفع تسلسل الإرادة. لكن الثلاثة أمور المذكورة غير مقبولة. لأن تفسير الإرادة بالشوق الشديد قدمه بعض الفلاسفة فقط، وهناك تفسيرات أخرى حسب بعضها، الإرادة ليست من نوع الشوق بل هي أمر اختياري (صدرالمتألهین، ١٩٨١، ۶: ٣٣٧؛ سبزواری، ١٣٨۴، ٣: ۶۴٧؛ طباطبائی، ١٣٨۵، ۴: ١١۵٣). ومن جهة أخرى، عدم إرادية الشوق الشديد محل نظر، لأن في الروايات الدين يُعرف بأنه الحب والبغض، وفي بعضها الآخر الأمر بمحبة أهل البيت وبغض أعدائهم، ومن الواضح أن الأمور غير الاختيارية لا يمكن الأمر والنهي بها، وهي خارج دائرة التكليف (هاشمی شاهرودی، ١۴٢۶، ٢: ٣٨-٣٩). بشكل عام يمكن القول إن الحب والبغض أحيانًا يكون حيوانيًا نابعًا من الرغبات المادية الطبيعية وأحيانًا إنسانيًا وملكوكيًا، النوع الأول ينشأ من ملاءمة النفس أو منافرتها، لكن النوع الثاني اختياري وينتج عن التفكير والتدبر. الأمر الثالث أيضًا غير مقبول، وقد قدم الفلاسفة العديد من الحلول لإثبات إرادية الإرادة. الكاتب في كتابة آخر بيّن وحلل تسع حلول مقدمة، ولا يمكن التوسع في ذكرها هنا (انظر. اسماعیلی، ١٣٩١).

٥) نظرية سلطة النفس (طلب النفس) التي قُدمت كبديل لنظرية الفلاسفة تستحق التأمل من جوانب مختلفة، وسيُشار إليها فيما يلي:

النقطة الأولى: عند التدقيق في تعبيراتهم، يُلاحظ تعبيران: أ: ممارسة السلطة أو الطلب أو السيادة فعل للنفس. ب: ممارسة السلطة أو الطلب أو السيادة صفة ذاتية للنفس.[1] هذان التعبيران لا يمكن جمعهما معًا، لأن الأفعال تقع خارج مقام ذات الفاعل ولا يمكن أن تكون ذاتية له. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون ذاتيًا للفاعل هو مقومات الذات مثل الجنس والصفة. والأعراض الذاتية، رغم أنها لا تنفصل عن الذات، إلا أنها ليست داخل الذات. بالإضافة إلى ذلك، إذا كان الفعل للنفس، فهو إما اختياري أو غير اختياري، وبالتالي تثار شبهات وجوب الجبر أو تسلسل الإرادات على هذه النظرية أيضًا.

النقطة الثانية: أن مفهوم السلطة ليس في مقابل مفهوم الوجوب السابق، لأن حصر المواد الثلاثة في الوجوب والإمكان والامتناع هو حصر عقلي، إذ إن كل مفهوم إما أن يكون وجوده ضروريًا أو عدمه ضروريًا أو لا شيء منهما، الأول هو الوجوب، والثاني الإمكان، والثالث الامتناع (طباطبائی، ١٣٨۵، ١: ١۶٧). لذلك، إذا كان مفهوم السلطة يدل على تساوي النسبة بين الوجود والعدم، فهو داخل في مفهوم الإمكان، والشيء الذي يتساوى فيه الوجود والعدم لا يمكن أن يصحح أحد الطرفين.

النقطة الثالثة: أن حقيقة سلطة النفس وكذلك ممارسة السلطة للنفس ليست في مقابل وجهة نظر الفلاسفة القائمة على فكرة الوجوب السابق، بل في امتدادها، لأن النفس بسلطتها تفرض ضرورة على أفعالها الاختيارية. لذلك، الضرورة الفعلية ناشئة عن سلطة النفس الذاتية. لكن القول بأن صدور الفعل من السلطة ليس ضروريًا، وإلا لكان خلف لازمًا، غير مقبول، لأن الضرورة الفعلية لا تستلزم ضرورة فاعلية، بل الضرورة الناشئة عن اختيار الفاعل تؤيد اختياره. والنتيجة أن نظرية السلطة تعاني من مشكلة منطقية. ففي نظرية السلطة، إذا لم تمنع سلطة الفاعل العدم، تظهر مشكلة تفضيل بلا مرجح، وعندما يكون الشيء متساوي الطرفين -أي ممكن أن يوجد وممكن أن يفنى- من المستحيل أن يوجد أو لا يوجد دون وجود سبب ومرجح. والمراد بالمرجح هو تحويل الإمكان إلى ضرورة الوجود، وتحويل حالة تساوي الطرفين (الوجود والعدم) في حالة الإمكان إلى حالة عدم تساوي. في هذه الحالة، يتحول إمكان الطرفين إلى إمكان الطرف الذي ترافقه سلطة الفاعل (سواء العدم أو الوجود)، ويصبح الطرف الآخر ممتنعًا. ولكن إذا جعلها ممتنعة، فهي نفس وجوب الوجود وضرورة الوجود، ولا تختلف في الواقع عن نظرية الوجوب الفلسفية (مکارم شیرازی، ١۴٢٨، ١: ٢۴٣).

النقطة الرابعة: الاعتماد على الوجدان لإثبات سلطة النفس غير مقبول، لأن الأمور الوجدانية غامضة ويمكن تفسيرها بطرق مختلفة، كما أنه يمكن حمل الأمر الوجداني على الإرادة بعد إثبات إرادتها الاختيارية وليس على سلطة النفس. بالإضافة إلى أن السلطة والطلب… هي من المفاهيم المجردة التي يستخلصها العقل من الواقع الخارجي، وما يمكن إدراكه بالوجدان ليس من جنس المفاهيم.

النقطة الخامسة: الحل للمشكلة هو التفريق بين الإرادة الذاتية والإرادة الفعلية.[2] الإرادة الذاتية تعني أن يكون الفاعل في أداء أفعاله محررًا من الضغوط الداخلية والخارجية، وغير خاضع لها؛ والإرادة الفعلية هي الفعل الجوانحي الذي يصدر من النفس بعد تصور الفعل، والتصديق بفائدته، وإثارة الشوق في النفس، في ظل الإرادة الذاتية، وهو مصدر صدور الأفعال الإرادية الأخرى. تفسير الإرادة بـ «إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل» يتعلق بالإرادة الذاتية. معيار وصف الأفعال الإرادية والاختيارية بالإرادية والاختيارية هو صدورها من النفس مع التحرر من الضغوط الداخلية والخارجية، وعدم الخضوع لقهر داخلي أو خارجي؛ ومن الواضح أن هذا المعيار، كما ينطبق على الأفعال الاختيارية الجوانحية، ينطبق أيضًا على الأفعال الجوانحية ومنها الإرادة والاختيار الفعلي، لأن الإرادة والاختيار الفعلي أيضًا يصدران من النفس مع التحرر من الضغوط الداخلية والخارجية وعدم الخضوع لقهر داخلي أو خارجي؛ والفرق الوحيد بين الأفعال الجوانحية والإرادة والاختيار الفعلي التي هي من أفعال النفس الجوانحية هو وجود واسطة بين الأفعال الجوانحية والنفس وهي الإرادة والاختيار الفعلي، في حين لا توجد هذه الوساطة بين الإرادة الفعلية والنفس (اسماعیلی، ١٣٩١). بعض كلمات مؤيدي نظرية سلطة النفس تشير إلى هذا الحل، لكن تعبيراتهم ليست وافية للغرض.

الملخص والاستنتاج

نظرية طلب أو سلطة النفس التي قدمها تحقيق نائيني، تحقيق خوئي، وشهيد صدر كبديل لنظرية الفلاسفة، غير مقبولة من عدة جوانب:

١) تعتبر الطلب وممارسة السلطة فعلًا للنفس وصفة ذاتية لها، وهذان لا يجتمعان.

٢) تعتبر مفهوم السلطة في مقابل المواد الثلاثة، وهو ما لا يتوافق مع الحصر العقلي لها.

٣) هذه النظرية ليست في مقابل نظرية الفلاسفة، بل النفس بسلطتها تفرض ضرورة ووجوبًا على أفعالها.

٤) قاعدة الضرورة السابقة، كما هي سارية على الفاعل الموجب، سارية أيضًا على الفاعل المختار ولا تتعارض مع الاختيار.

قائمة المراجع

ابن‌‌سینا، حسین ‌بن عبدالله (١٣٧٩)؛ النجاة من الغرق فى بحر الضلالات، تهران، دانشگاه تهران.

اسماعیلی، محمّدعلی (١٣٩١)؛ تسلسل اراده ها در افعال ارادی و راه حل‌های آن، فصلنامه کلام اسلامی، ش٨١.

بهسودی، محمد سرور (١۴٢٢)؛ مصباح الاصول، دون مكان النشر، مکتبة الداوری.

خویی، ابوالقاسم (١٣٠٠)؛ مصابیح الاصول، تقریر علاءالدین ‌بحرالعلوم، تهران، مرکز نشر الکتاب.

(١۴١٧)؛ الهدایۀفی الأصول، تقریر حسن‌صافى اصفهانى، قم، موسسه صاحب الامر

(١۴١٩)؛ دراسات فی علم الأصول‌، تقریر على ‌هاشمى شاهرودى، قم، موسسه دائره المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل‌بیت:.

سبحانی، جعفر (١۴٢۶)؛ الإلهیات، قم، مؤسسة امام صادق.

سبزواری، ملاّهادی (١٣٨۴)؛ شرح المنظومة، تهران، نشر ناب.

صدر، محمّد باقر (١۴٢۶)؛ الأسس المنطقیّة للإستقراء، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصّصیّة للشهید الصدر

صدرالمتألهین، محمد بن ابراهیم (١٩٨١)؛ الأسفار الأربعة، بیروت، دار احیاء التراث العربی.

طباطبائی، محمّدحسین (١٣٨۵)؛ نهایة الحکمة، قم، مؤسسه آموزشی امام خمینی.

فیاض، محمد اسحاق (١۴٣٠)؛ محاضراتٌ فی اصول الفقه، تقریرات بحث المحقق خویی، دون مكان النشر، مؤسسۀ الخویی الإسلامیۀ.

فیاضی، غلامرضا (١٣٨٨)؛ جبر فلسفی از نگاه قاعده ضرورت سابق؛ نقد و بررسی قاعده الشیئ ما لم یجب لم یوجد، فصلنامه آئین حکمت، سال اول، ش٢.

مصباح یزدی، محمد تقی (١۴٠۵)؛ تعلیقۀٌ علی نهایۀ الحکمۀ، قم، مؤسسه در راه حق.

مکارم شیرازی، ناصر (١۴٢٨)؛ انوار الأصول، تقریر احمد قدسى، قم، نشر الامام علی بن ابی‌طالب.

نائینی، محمد حسین (١٣٧۶)؛ فوائد الاصول، تقریر محمدعلی کاظمی، قم، جامعه مدرسین.

(١۴٣٠)؛ أجود التقریرات، تقریر ابوالقاسم خویی، قم، مؤسسۀ صاحب الامر.

هاشمی شاهرودی، سید محمود (١۴٢۶)؛ بحوث ٌفی علم الاصول، تقریرات بحث السید الشهید الصدر، قم، مؤسسه دائرة المعارف فقه اسلامى بر مذهب اهل بیت.

[1]. لا إشكال في كونه حادثًا وممكنًا إلا أنه نفس الاختيار الذي هو فعل النفس وهي بذاتها تؤثر في وجوده فلا يحتاج إلى علة موجبة لا ينفك عنها أثرها (نائینی، ١۴٣٠، ١: ١٣٩). فهذه المشيئة والسلطنة لا تتوقف على شيء آخر كالإرادة ونحوها، بل هي كامنة في صميم ذات النفس حيث إن الله تعالى خلق النفس كذلك (فیاض، ١۴٣٠، ١: ۴٠٠، ٣٠۴).

[2]. للإرادة تطبيقات مختلفة: المحبة، القرار المطلق، وأيضًا اتخاذ القرار الناشئ عن التفضيل. المعنى الأخير هو محل النقاش. يبدو أن الإرادة ليست من قبيل الشوق، بل هي فعل من أفعال الاختيار النفسي، وعلاقتها بالنفس علاقة الفعل بالفاعل لا عرض بالموضوع؛ وبعد تصور الفعل، يأتي التصديق بفائدته، وخلق الشوق في النفس، ثم يصدر بعد هذه المقدمات كفعل اختياري من النفس. من جهة أخرى، الاختيار أيضًا له تطبيقات متعددة: في تطبيق عام يقابل الجبر المطلق، أي أن يكون الفاعل صاحب وعي يقوم بعمله بناءً على إرادته دون قهر قاهر. وفي تطبيق آخر يعني تفضيل أحد الاتجاهين المتضادين وهو ما يسمى بالاختيار؛ وفي التطبيق الثالث يعني القيام بالأعمال دون ضغط خارجي من أحد. وفي تطبيق آخر يعني القيام بالأعمال دون ضغط داخلي أو خارجي. وما هو محل النقاش هو المعنى الرابع للاختيار. في ضوء هذه النقطة، من الضروري الانتباه إلى أن الإرادة والاختيار اللذين يُبحث عنهما يُستخدمان بمعنى واحد، وهما في الحقيقة مفهومان مستخلصان من واقع خارجي في نفس الإنسان، وينقسمان إلى إرادة واختيار ذاتي وإرادة واختيار فعلي (اسماعیلی، ١٣٩١).