ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: فقه حکومتی از منظر شهید صدر؛ با مروری بر ویژگیهای «فقه نظامات» ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: دراسة الفقه الحكومي من منظور الشهيد صدر؛ مع التأكيد على خصائص فقه الأنظمة، تُظهر أنَّه مبتكر نهج جديد في التفقيه يسعى إلى استنباط «الأنظمة الاجتماعية» من المصادر الدينية. في هذا المنظور، لا تُدرس المسائل والموضوعات الفقهية كموضوعات منفصلة عن بعضها البعض -كما هو شائع في الفقه الموجود- بل يُنظر إلى «النظام» ككل متكامل مترابط تتحول موضوعاته إلى شبكة موحدة. استنباط «النظام» كـ «مجموعة» و «كل» يختلف عن استنباط حكم كل «عنصر» منه عبر أحكام «الموضوعات الكلية»، وهو ما يتطلب بابًا جديدًا من التفقيه. تتناول هذه المقالة في قسمين عرض نظرية الشهيد صدر والاختلافات الجوهرية بين فقه الأنظمة والفقه الموجود (في الموضوع، المكلف، نوع التكليف، وغيرها).
المؤلف: سید محمدمهدی میرباقری، یحیی عبداللهی، حسن نوروزی
المصدر: راهبرد فرهنگ، شتاء 1395، العدد 36، ص 61 إلى 86.
المقدمة
كان فتح الفتوحات للثورة الإسلامية في إيران مصحوبًا بتألق وبريق الدين في مجال الحياة الاجتماعية للبشر، مما أدى إلى نشوء نظام ولاية الفقيه المقدس في إيران. إن استمرار وازدهار هذا النظام المقدس يتطلب إنتاج نماذج وبرمجيات لإدارة المجتمع تستند إلى التعاليم الوحيّة. بناءً على ذلك، فإن دخول مجال الفقه إلى «بناء النظام» و«الفقه الحكومي» ضرورة لا يمكن إنكارها. في الوقت الحاضر، توجد تعريفات ومقاربات مختلفة لـ «الفقه الحكومي» يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة توجهات كبرى هي: «فقه الموضوعات»، «فقه الأنظمة» و«فقه الإشراف».
«فقه الموضوعات» هو الفقه الذي يتناول الأحكام (الالتزامية أو الوضعية) التي تخص كل منها موضوعًا مستقلاً، سواء كانت الموضوعات واردة في الخطابات الشرعية أو كانت موضوعات جديدة ومستحدثة. وفقًا لتوجه «فقه الموضوعات»، فإن الطريقة العامة للتعرف على حكم الموضوعات المستحدثة هي أن يسعى الفقيه إلى فهم هذه المسائل المستحدثة ضمن عناوين وموضوعات فقهية كلية، ثم يبحث عن حكمها ضمن النصوص الشرعية، أو العمومات والإطلاقات، وإذا لم يجد حكمها في الأدلة الاجتهادية، يبيّن حكمها عبر الأصول العملية (الأدلة الفقهية).
تندرج تحت توجه «فقه الموضوعات» آراء مختلفة في الفقه الحكومي يمكن تصنيفها إلى قسمين: القسم الأول يرى أن «الفقه الحكومي» جزء من الفقه الموجود يتناول بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالحكومة. فبعض المسائل الفقهية مثل الجهاد، الصلح والحرب، التعزيرات، الحدود والقصاص، صلاة الجمعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تتحقق بشكل كامل فقط في ظل الحكومة، كما أن بعض المسائل المستحدثة مثل: هيكل السلطة وتقسيم السلطات، الانتخابات ودور الشعب في الحكم، المعاهدات الدولية وغيرها، هي مسائل مستحدثة يجب تناولها. أما القسم الثاني فيعتبر «الفقه الحكومي» منهجًا شاملاً للفقه ويرى أن الفقه كله يجب أن يُعاد تعريفه في ظل الحكومة.
«فقه الأنظمة» هو توجه أكثر شمولاً من «فقه الموضوعات» يقوم على محاولة استنباط «الأنظمة الاجتماعية» من مصادر الدين، متجاوزًا الأحكام الشرعية فقط. وفقًا لهذا المنظور، يجب أن يقدم الفقه الأنظمة الاجتماعية المختلفة مثل «النظام السياسي، النظام الثقافي والنظام الاقتصادي» كمجموعة متماسكة ومنسجمة ذات أساس وهدف واحد، وينظم بيئة الحياة الاجتماعية تحت تعاليم الدين.
أما «فقه الإشراف» فهو عنوان لتوجه يرى للفقه مكانة في التوجيه والإشراف الاجتماعي. ففقه الإشراف، بالإضافة إلى تصميم وتنظيم الأنظمة الاجتماعية، يعتبر الفقه موجهًا لشؤون المجتمع المختلفة، ويجب أن يدير ويرعى تطور المجتمع وارتقائه، كما يقدم عملية التغيير والتحول من الوضع الحالي إلى الوضع المرغوب. الموضوع المحوري في «فقه الأنظمة» هو الأنظمة الاجتماعية، أما في «فقه الإشراف» فالمبحث المركزي هو «الحكومة» والإدارة الاجتماعية.[1]
يمكن بحق اعتبار الشهيد سيدمحمدباقر صدر(ره) واحدًا من أبرز المفكرين المعاصرين في عالم الإسلام، الذين بحثوا وقدموا نظريات عملية في مجالات متعددة مثل الفقه وأصوله، الفلسفة، منهجية التفسير، الاقتصاد، علم الاجتماع، فلسفة السياسة، فلسفة التاريخ، فلسفة الأخلاق، وغيرها. كما أنه فقيه ابتكر في ميدان الاجتهاد والفقاهة، ففتح آفاقًا جديدة أمام الفقه، وطور مبادئه حتى مراحل متقدمة. يمكن اعتبار هذا المفكر الكبير رائدًا في ميدان «فقه الأنظمة»، إذ لا يزال نظرته المبتكرة في استنباط «المدرسة» من الفقه بلا بديل حتى الآن. بدأ هم الشهيد صدر(ره) في تقديم الأنظمة الاجتماعية لأول مرة في كتاب «فلسفتنا» الذي كتب في سن نحو ٢٦ عامًا. وقد عرض وجهة نظره بشكل رئيسي من خلال تطبيقها على النظام الاقتصادي في كتابي «اقتصادنا» و«البنك اللاربوي في الإسلام». في كتاب «اقتصادنا» نقد هذا المفكر المبادئ النظرية للاقتصاد الاشتراكي والرأسمالي، وطرح مدرسة الاقتصاد الإسلامي. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، عمل على تطبيق مبادئه في البنية السياسية واقترح نموذجًا سياسيًا لإيران، وكان نتاج ذلك كتاب «الإسلام يقود الحياة». كما ساهمت كتبه الأخرى مثل «المدرسة الإسلامية» و«ومضات» التي نُشرت عنه في توسيع هذا الفكر.
في هذا المقال، نسعى بعد تقديم عرض موجز لمسألة «الفقه الحكومي»، أولًا إلى تقديم تقرير موجز عن نظرية الشهيد سيدمحمدباقر صدر(ره) في ميدان «فقه الأنظمة»، ثم نقارن خصائص ومميزات منهجه مع الفقه السائد والمتداول (فقه الموضوعات). يتم تقرير نظرية الشهيد صدر(ره) بأسلوب وصفي ومكتبي، بينما يتم بيان خصائص «فقه الأنظمة» نظريًا وبمعالجة منطقية للموضوع من منظور فلسفة الفقه وفلسفة الأصول، إذ لم تُصرح هذه الخصائص في كلام الشهيد صدر(ره) مباشرة، بل استُخلصت من متابعة بعض النقاط أو مقتضيات مبناه.
بيان المسألة
في العصر الحاضر، يتم إدارة وتنظيم المجتمع أكثر من أي شيء آخر عبر «البنى والأنظمة الاجتماعية» التي يمكن اعتبارها موضوعات جديدة يجب استنباطها من الدين، لأنه في غير ذلك، يسير المجتمع عمليًا في طريق تحقيق مبادئ وأهداف الحداثة والتجديد من خلال تطبيق نماذج وأنظمة اجتماعية مستمدة من الحضارة الغربية، وفي هذا السياق، إما أن يُهمش الدين والثقافة الدينية ويُقتصر على الطقوس الشخصية في زوايا المنازل والمساجد، أو يتم استحالتها وتتحول مع قيم الحداثة. يجب على الحكم الديني أن ينقل قيمه ومثله العليا إلى جميع أبعاد وأطراف المجتمع، وأن يصمم وينفذ أنظمة وبرمجيات إدارة المجتمع على أساس المبادئ والقيم الدينية. فقط في هذه الحالة يتحقق الحكم الديني بالمعنى الحقيقي، وتتشكّل جميع القوانين والسياسات والبرامج الإدارية للمجتمع في سبيل توسيع العبادة والطاعة لله تعالى. لا شك أن الوصول إلى عقلانية إدارة المجتمع يمكن أن يكون مستندًا إلى الدين فقط إذا وصل إلى «الحجية الشرعية» وفقًا لمبادئ وضوابط المشرع، وهذا الأمر قد يصاحبه في بعض المستويات علوم وسيطة، لكنه لا يتحقق إلا من خلال «الفقاهة».
«الفقه الحكومي» هو علم استنباط الأحكام المتعلقة بـ«إدارة ورعاية المجتمع» عبر الأنظمة والبرمجيات الاجتماعية من المصادر الدينية. يوفر هذا العلم الأسس والقواعد لسريان المبادئ والقيم الدينية في مجال الإدارة الاجتماعية الكبرى. كما أن الفقه الفردي يتكفل ببيان الأحكام والواجبات المتعلقة بـ«الأفراد» ويتحمل مسؤولية دينية جعل أفعال وسلوكيات المكلفين دينية، فإن «الفقه الحكومي» يتكفل أيضًا باستنباط أحكام البنى والعلاقات الحكومية والاجتماعية ويتحمل مسؤولية إسلامية لتأسيس القوانين والسياسات والأنظمة الاجتماعية. الفقه والفقاهة الحالية غير قادرين على استخراج أحكام الأنظمة والبرمجيات الإدارية للمجتمع من المصادر الدينية، بل إن القدرة الحالية لهذا العلم تقتصر في الغالب على استنباط الأحكام المتعلقة بالموضوعات الجزئية للأفراد المكلفين. موضوعات تُدرس منفصلة عن بعضها، ثم يُخصص لكل منها حكم مستقل من الأحكام التكليفية أو الوضعية، وفي النهاية تُجمع مجموعة من الأحكام المنفردة تحت عنوان جامع لتشكيل أبواب فقهية. لا شك أن مثل هذا المنتج من جهاز الفقه بعيد جدًا عن الوصول إلى الأنظمة الاجتماعية (السياسية، الثقافية، والاقتصادية) وكذلك برنامج التطور والتقدم الاجتماعي.
في الوقت الحاضر، تتم عملية تدين أفعال الحكومة على مستوى التخطيط والإدارة [غالبًا] من خلال فلترة مجلس صيانة الدستور؛ حيث يقوم فقهاء مجلس الصيانة باستخدام الفقه الموجود بالإشراف على صياغة القوانين ويمنعون إقرار «القوانين المتعارضة مع الأحكام الشرعية». ورغم أن «عدم التعارض القطعي للقوانين مع الأحكام الشرعية» يضمن مستوى من تدين المجتمع، إلا أن هذا ليس كل طاقة الدين في توجيه وإدارة المجتمع، بل يجب أن تسري التعاليم الدينية في «المبادئ، المنهج، والأهداف» للقوانين والهياكل الاجتماعية. فهناك العديد من البرامج والنماذج الاجتماعية التي لا تتعارض مباشرة مع الأحكام الشرعية القائمة، لكنها مبنية على مبادئ وقيم مادية ومتعارضة مع الثقافة الإسلامية، وتطبيقها في المجتمع يعزز الأخلاق المادية والعلمانية.
يجب أن تُعرّف المهمة الرئيسية للحوزات العلمية بما يتناسب مع مكانة وموقف المجتمع الشيعي التاريخي؛ ففي العصر الحاضر، مع دخول التاريخ مرحلة جديدة من مسيرة الهداية الإلهية وتحقيق «الدين» في نطاق العالم وتوسيع «الولاية» في العلاقات الاجتماعية للبشر في جغرافيا إيران، يجب إعادة تعريف رسالة الحوزة العلمية كمركز لـ«إقامة الدين» والسعي لتقديم فهم أكثر تكاملاً لـ«الشريعة». وبناءً عليه، يمكن اعتبار الوصول إلى «الفقه الحكومي» الرسالة الأهم للحوزات العلمية في العصر الحاضر، إذ إن الغفلة عنه تسلم شرايين إدارة المجتمع إلى يد ولاية الكفار.
نظرة عامة على فكر الشهيد الصدر(ره) في «فقه الأنظمة»
ضرورة تصميم «الأنظمة الإسلامية» في مواجهة الأنظمة الماركسية والرأسمالية
كان الشعور بالضرورة لدى الشهيد السيد محمد باقر الصدر(ره) في تناول موضوع الأنظمة الإسلامية ناشئًا أساسًا من مواجهة الأنظمة الاجتماعية في عصره مثل النظام الاقتصادي الاشتراكي والشيوعي والنظام الرأسمالي. المسألة المستجدة التي سعى للرد عليها كانت «الأنظمة» و«الأنظمة الاقتصادية» وليس الموضوعات والقضايا الجزئية. هذه الأنظمة هي مجموعات مترابطة ذات «مبادئ» و«غايات» خاصة بها. الخطر الذي كان الشهيد الصدر(ره) يراه على المجتمع الإسلامي هو أن تصبح الأسس الفكرية غير الدينية أساس تشكيل الحياة الاجتماعية للمسلمين. في مثل هذه الظروف، لن تكون الأحكام الشرعية قابلة للتنفيذ وستفقد وظيفتها الأساسية، لأن كل نظام اجتماعي يُبنى على مفاهيم وقيم خاصة به؛ فعلى سبيل المثال، ما تحقق في المدرسة الاقتصادية للشيوعية هو مجموعة قواعد تحلل الاقتصاد بناءً على منطق الجدل والمادية الفلسفية والتاريخية. فهم يعتبرون العلاقات الإنتاجية أساس المجتمع ويعتقدون أنه بتغيير العلاقات الإنتاجية تتغير كل العلاقات الاجتماعية. يشرحون التحول في العلاقات الإنتاجية أيضًا وفقًا لمنطق الجدل ويعرفون نظامهم الاقتصادي بناءً على ذلك. (صدر، ١٤٢١هـ.ق (ب): ١١٩-١١٧)
في مثل هذه الظروف، إذا لم يستطع الإسلام تقديم أنظمة تنفيذية واكتفى بتقديم الواجبات الفردية فقط، فإن الإدارة الاجتماعية عمليًا ستخرج من يد الدين، كما أن الأحكام الفردية ستذوب داخل الأنظمة الاجتماعية. من هذا المنظور، هناك مرتبتان ناقصة وكاملة للشريعة؛ المرتبة الناقصة تحدد فقط واجبات «الفرد» في ظروف مختلفة، أما المرتبة الكاملة للشريعة فتنظم وتوجه حياة الإنسان الاجتماعية من خلال «الأنظمة الاجتماعية». (صدر، ١٤٢١هـ.ق (أ): ٦١).
التنسيق والتكامل بين «أحكام النظام الواحد» وبين «الأنظمة الاجتماعية»
من منظور الشهيد الصدر(ره) المدرسة الاجتماعية هي الطريق والمنهج لتنظيم الحياة الاجتماعية في الميدان العملي. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٣٧) أول نقطة يجب الانتباه إليها في تفسير المدرسة الاجتماعية هي الترابط والتنسيق بين عناصر المدرسة، على عكس الأحكام الفقهية الموجودة التي تتكون من أبواب منفصلة ومستقلة عن بعضها البعض ولا يُرى بينها ارتباط أو ترتيب خاص، لأن حكم كل موضوع يُستنبط بشكل مستقل ومنفصل وتنتمي الأحكام إلى عناوين عامة مستقلة. ولكن عندما نسعى للوصول إلى مدرسة ونظام اجتماعي مثل المدرسة الاقتصادية، لا يمكن اعتبار الأحكام مستقلة عن بعضها البعض، بل يجب أن تجتمع كل الموضوعات والعناصر المشاركة في مجال الاقتصاد بشكل منسق ومتكامل، بعلاقات محددة، مستندة إلى مبادئ قيمية خاصة وفي سبيل تحقيق أهداف محددة. لذلك يجب أن يسود إطار وبيئة واحدة على جميع الأنظمة الاجتماعية. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٣٣٧) هذه البيئة الواحدة تتشكل بواسطة ثلاثة عناصر «العقائد، المفاهيم، والعواطف». «العقائد» تحدد المبادئ الأساسية للإنسان تجاه العالم والوجود. «المفاهيم» تحت العقائد تعبر عن نظرية الإسلام تجاه الموضوعات المختلفة، وهذه المفاهيم تؤدي أيضًا إلى الموقف الروحي للإنسان وتولد «العواطف». (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٣٣٨)
داخل كل نظام اجتماعي، يجب أن تكون الأحكام متوافقة ومنسجمة مع بعضها البعض وتوضع بجانب بعضها ككل متكامل؛
«يؤكد الكتاب دائمًا على الترابط بين أحكام الإسلام، وهذا لا يعني أنها أحكام ارتباطية وضمنية بالمعنى (الأصولي)، حتى إذا تعطلت بعض تلك الأحكام سقطت سائر الأحكام الأخرى، وإنما المقصود من ذلك أن الحكمة التي تستهدف من وراء تلك الأحكام لا تتحقق كاملة دون أن يُطبق الإسلام، بوصفه كلاً لا يتجزأ، وإن وجب في واقع الحال امتثال كل حكم بقطع النظر عن امتثال حكم آخر أو عصيانه.» (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٣)
لذلك فإن أحكام النظام تتمتع بنظام وترتيب خاص، بحيث تُعد كأنها قطع من أحجية تُكَوّن «كلًا» وحزمة مقترحة في مجال السياسة أو الثقافة أو الاقتصاد، وتتواصل مع الأنظمة الاجتماعية الإسلامية الأخرى؛ مثل النظام الاقتصادي الذي يحتوي داخله على عناصر مترابطة، وهذه العناصر المترابطة لها علاقة خاصة بالنظام السياسي والثقافي أو النظام التربوي… وبشكل عام، هناك سلسلة من الأنظمة المستندة إلى الإسلام التي تشكل النظام الكلي الإسلامي. (صدر، ١٤٢٣ه.ق: ١٦٢)
الفرق بين «المدرسة الاقتصادية» و«علم الاقتصاد» و«الأخلاق الاقتصادية» و«القوانين الاقتصادية»
يفرق الشهيد صدر(ره) بين «المدرسة الاقتصادية» و«علم الاقتصاد» ويعتقد أن ما يمكن توقعه من «الاقتصاد الإسلامي» هو مدرسة وليست علمًا. ويقول في مقام المقارنة بين العلم والمدرسة إن العلم يفسر القواعد والضوابط الاقتصادية، أما المدرسة فتبيّن طريقة تنظيم الشؤون الاقتصادية في المجتمع. المدرسة هي نوع من «الطريقة والأسلوب»، أما العلم فهو «تفسير وبيان» القوانين. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤١٧) بناءً على ذلك، تختلف المدرسة والعلم من حيث المنهج والهدف والرسالة، وليس من حيث الموضوع ونطاق القضايا. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤١٩) وفقًا لهذا المنظور، لا يوجد علم اقتصاد إسلامي أو غير إسلامي، ولكن توجد مدرسة اقتصادية إسلامية وغير إسلامية؛ لأن المدرسة تبيّن «المفروضات والممنوعات»، أما العلم فيخبر عن الواقع ويتناول «الكيانات» ومعرفة الأسباب والعلاقات والنتائج. العلم يكتشف الواقع، أما المدرسة فهي تقييم القيم وبناء الهيكل. في الواقع، يُستخدم العلم في سبيل تحقيق الغايات والأهداف التي تبيّنها المدرسة. الهدف الأساسي من المدرسة الاقتصادية هو تحقيق «العدالة»، وبالتالي يمكن القول إن المدرسة تتناول طرق تحقيق «العدالة الاجتماعية» وتوجه المجتمع نحو نموذج مرغوب فيه. (صدر، ١٤٢١هـ.ق (ب): ١٣٠)
كما يفرق بين «المدرسة الاقتصادية» الإسلامية و«الأخلاق الاقتصادية» ويعتقد أن الأخلاق الاقتصادية هي سلسلة من التوصيات والنصائح في موضوع الاقتصاد، مثل التوصية بالعدل أو تجنب الظلم والتعدي على حقوق الآخرين… هذه التوصيات هي الأخلاق الاقتصادية. بينما المدرسة الاقتصادية لها نظام يحدد نقطة الإحداثيات لـ«العدالة» والتوازن في الاقتصاد. بعبارة أخرى، تقدم المدرسة الاقتصادية العلاقة بين عناصر بناء «العدالة الاقتصادية». في هذه الحالة، هذا التعريف ليس تعريفًا «شاملاً»، بل هو تعريف «للمقومات» و«العناصر» لمجموعة والعلاقة بينها التي تؤدي في النهاية إلى «العدالة الاقتصادية»، و«العدالة» هي نتاج ونتيجة هذا «الكل». بناءً على ذلك، يجب تعريف وتبيين مسائل متعددة لتوفير شروط تحقيق العدالة، مثل الإجابة على سؤال: ما دور الدولة في العدالة الاقتصادية؟ هل تدخل الدولة في العلاقات الاقتصادية عادل أم لا؟ هل للأفراد حرية في النشاط الاقتصادي وهل يمكنهم التملك وما هو نطاق الملكية الخاصة؟ كيف هي العلاقة بين الإنتاج والتوزيع في الإسلام؟ هذه عناصر تجيب عليها العدالة الاقتصادية. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٢٠)
يفرق الشهيد صدر(ره) أيضًا بين «النظام الاقتصادي» و«القوانين الاقتصادية»؛ فالنظام الاقتصادي هو مجموعة من المفاهيم والنظريات التي تنظم وتوجه السلوك الاقتصادي في المجتمع، أما القانون فهو تشريع الضوابط والحقوق المالية. وبالطبع هناك علاقة وثيقة بين الاثنين؛ فالنظام الاقتصادي بمثابة البنية التحتية والأساس للقوانين، ويوفر مبادئه وأركانه. وبعبارة أخرى، يجب أن تخلق القوانين قنوات وهياكل تحقيق النظام الاقتصادي في المجتمع، وتحقق العلاقات بين عناصره على أرض الواقع. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٢٤)
تنسيق النظام الاجتماعي مع تحولات الحياة البشرية
نقطة أخرى لفتت انتباه الشهيد صدر(ره) هي مراعاة العناصر المؤقتة والمتغيرة في تصميم النظام؛ فالحياة الاجتماعية للبشر لها بعدان: ثابت ومتغير؛ بعض حاجات الإنسان عبر التاريخ ثابتة ولا تتغير، ولكن بعضها الآخر يتغير باستمرار. وبما أن النظام الاجتماعي مكلف بتنظيم الحياة الاجتماعية، يجب أن يكون له بعدان ثابت ومتغير. ومن هنا يشكل جزء من هذه المدرسة مجال العناصر المتغيرة الذي يُسمى «منطقة الفراغ». [2]
كان الشهيد صدر(ره) واعيًا جيدًا لهذه النقطة أن صياغة القوانين في منطقة الفراغ يجب أن تكون «ضمن الإطار العام للشريعة». من هذا المنظور، لا يعني حق اتخاذ القرار للحاكم الشرعي أو المؤسسات التابعة له في منطقة الفراغ أن الحاكم يحدد المهام ويشرع القوانين واللوائح بناءً على سلسلة من التعريفات والمفاهيم العرفية والعقلانية. بمعنى أنه كما لا يمكن للحاكم أن يشرع قانونًا بناءً على أهوائه ورغباته، فلا ينبغي له مثلاً أن يعرّف «العدالة» أو «المصلحة» بناءً على ضوابط خبرائية وأسس علمانية ويجعلها أساسًا للتشريع. إذا استُمدت المفاهيم الأساسية والمبادئ والأطر التشريعية في منطقة الفراغ من أفكار أخرى، فإن العدالة الاشتراكية أو الرأسمالية ستتحقق في النهاية وليس العدالة الإسلامية! بناءً على ذلك، يجب على الولي الفقيه والحاكم الإسلامي أن يقدم أحكام منطقة الفراغ من خلال عملية اجتهادية، متناسبة مع مصلحة واحتياجات المجتمع [3] (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٣٧١) ومبنية على المفاهيم الإسلامية [4] وفي إطار الأهداف العامة للشريعة (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٤٣ و ١٤٢١ه.ق: ٥١) وضمن حدود الأحكام الثابتة (صدر، ١٤٢١ه.ق: ٤٧). [5]
من هذا المنطلق، يرى الشهيد الصدر(ره) للنبي الأكرم (ص) منزلتان ومقامان: مقام “النبوة” الذي في هذا المقام يُخبر عن الأحكام التي شرعها الشارع. وهذه الأحكام ثابتة مثل أحكام العبادات. وبعبارة أخرى، فإن الله تعالى قد مارس الولاية مباشرة في هذه الأحكام، ولذلك لا مجال لممارسة ولاية الحاكم فيها؛ مثل “أحل الله البيع وحرّم الربا” (بقره: ٢٧٥). أما غير مقام النبوة، فالنبي (ص) يمتلك مقام “الولاية على المجتمع” حيث يمارس الولاية ويصدر أحكامًا في منطقة الفراغ، ولذلك تكون هذه الأحكام متغيرة. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٤٤)
لذلك، يرى الشهيد الصدر(ره) أن أساس المذهب الاقتصادي يكمن في دائرة الأحكام المتغيرة، ويعتقد أن المذهب الاقتصادي الإسلامي قادر على الاستمرار في جميع العصور؛ لأن الظروف الاجتماعية في تغير مستمر، والهياكل الثقافية والسياسية والاقتصادية التي نواجهها في المجتمع المعقد اليوم تختلف كثيرًا عن الهياكل السابقة، ولا يمكن بأي حال إدارة المجتمع اليوم بالعلاقات والمؤسسات البسيطة للعصور الماضية.[6]
«الاكتشاف»، طريقة الوصول إلى المذهب
أحد الخطوات الأساسية لتحقيق فكرة أو نظرية هو تقديم “طريقة” وضوابط تحقيقها؛ وقد تناول الشهيد الصدر(ره) إلى حد ما طريقة الوصول إلى النظام الاجتماعي، وحاول تطبيقها في مجال الاقتصاد. والطريقة التي يقدمها للوصول إلى النظام هي “الاكتشاف”؛ أي أن استخراج النظام الاقتصادي الإسلامي يجب أن يتم من خلال التعمق والتدقيق في النصوص والفتاوى الفقهية، والوصول من خطاب الشارع والفروع الفقهية إلى المبادئ والمفاهيم المطلوبة. وهذه الطريقة، على عكس “التكوين” للنظم الاجتماعية في المذاهب الأخرى التي تبدأ من الأساس إلى البنيان، هي حركة من البنيان إلى الأساس. وذلك لأن النصوص الدينية تقدم مفاهيم عامة للاقتصاد بشكل أقل. في هذه الحالة، يجب أن تكون حركتنا اكتشافية، وننتقل من الفروع إلى الجذور. على سبيل المثال، العدالة الاجتماعية، نفي الطبقات الاقتصادية، مبدأ احترام الملكية، مبدأ كون العمل في إنشاء الملكية، وغيرها من الأمور التي لم تُصرّح بها الأحكام الفقهية بشكل مباشر، بل تُستنبط من خلال تحليل ودراسة مجموعة النصوص والفتاوى. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٣٢) ومن المهم عند الانتقال من الأحكام التفصيلية إلى المفاهيم الأساسية أن يكون النظر شاملًا، وتجنب النظرة الفردية؛ فالأحكام والقوانين تُقدم بشكل تفصيلي ومتعدد ومفرد ومستقل عن بعضها البعض، ولكن الوصول إلى النظام لا يتحقق إلا إذا تم تركيب هذه المفردات معًا، وأُخذ كل منها كجزء من الكل. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٣٨) يرى الشهيد الصدر(ره) أن التماسك والتنسيق بين النظريات والمفاهيم في النظام هو المعيار الأساسي لصحة وقبول النظام، ولذلك لا يمكن الاكتفاء بنتائج الاجتهاد الفردي لمجتهد واحد، لأن ذلك لا يحقق التنسيق والانسجام اللازمين في النظام. ومن ثم، هناك فرق بين “اجتهاد النظام والمذهب” و”اجتهاد الأحكام”. (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٥٩)
تحليل خصائص «فقه النظم» مقارنة بـ «فقه الموضوعات»[7]
إن نظريات الشهيد الصدر(ره) الجديدة في اكتشاف النظام الاجتماعي من المصادر الدينية ليست مجرد ابتكار في المسائل الفقهية، بل هي فتح آفاق تجاه منهج أكثر تطورًا من الفقه والاجتهاد الحالي، يؤدي إلى حضور أعمق للدين في ميدان المجتمع. هذا المنهج، على مستوى أرفع من “أحكام الموضوعات المنفردة”، يؤدي إلى الوصول إلى “النظام الاجتماعي”. هذان المنهجان (فقه الموضوعات وفقه النظم) يختلفان من زوايا متعددة، ولا يمكن فهمهما بشكل كامل دون توضيح هذه الفروقات وتحليل تبعات كل منهما. لذلك، سنعرض في ما يلي أهم المحاور التي تميز منهج “فقه النظم” عن منهج “فقه الموضوعات”، والتي تم تنظيمها تحت خمسة عناوين: “موضوع الحكم”، “المكلف”، “نوع الحكم”، “طريقة الاستنباط” و”الثواب والعقاب”.[8]
الفرق من منظور «موضوع الحكم»
من ناحية “الموضوع” و”موضوعية الموضوع” هناك فرق جوهري بين منهجي “فقه الموضوعات” و”فقه النظم”. كما ذُكر سابقًا، فإن “فقه الموضوعات” يعتمد على منطق وطريقة خاصة به، حيث يصنف الموضوعات باعتبارها “عناوين عامة” مستقلة عن بعضها البعض، ثم يستنبط حكمها. على سبيل المثال، “الخمر” هو كيان عام في الخطاب الشرعي يُنسب إليه حكم “تحريم الشرب”، ويُصنف ضمن المحرمات إلى جانب غيره دون إقامة علاقة بينها (في مقام الاستنباط). أما طريقة موضوعية الموضوع في “فقه النظم” فتعتمد على منطق “الشمولية” الذي يحاول النظر إلى موضوعات النظام في ارتباط وتفاعل وتكامل مع بعضها البعض، وفي النهاية الوصول إلى تركيب منسجم وتصميم “كل” متكامل.[9]
هاتان الطريقتان في التعرف على الموضوعات ودراستها تتناسبان أيضًا مع نوعين من الموضوعات والمصاديق الواقعية؛ فبعض الموضوعات التي يتناولها الفقه بسيطة ومبسطة أو تتكون من عناصر محدودة، أو أن بعض الجوانب المحدودة منها فقط هي التي تحظى باهتمام الفقيه، ومن ثم فإن معرفة هذه الموضوعات ليست صعبة جدًا ويمكن تمييزها بالدقة العرفية. على سبيل المثال: العديد من المأكولات والمشروبات المذكورة في الخطابات هي موضوعات جزئية لها حكم محدد في ذاتها، ويمكن تسميتها موضوعات «صغيرة» أو «جزئية». أما في المقابل، فهناك موضوعات ذات طبيعة معقدة ومركبة تتكون من مجموع عناصر ومكونات متعددة ومختلفة. هذه الموضوعات لها بنية منظمة، ومجموعة من التفاعلات والارتباطات بين العناصر هي التي تحدد آثارها النهائية. لذلك فإن معرفة هذه النوعية من الموضوعات تتطلب منطقًا يمكنه ملاحظة مكانة العناصر في تركيبها مع بعضها البعض وفي علاقتها بالكل، وفي النهاية إصدار حكم على مجموعها. موضوعات مثل البنك، التأمين، الشركات المساهمة… التي تشكل «النظام الاقتصادي» هي من هذا النوع، ويمكن تسميتها موضوعات «كُبرى». بناءً عليه، فإن نوعي التعرف على الموضوعات «الجزئي» و«الشامل» في «فقه الموضوعات» و«فقه الأنظمة» يتناسبان ويتوافقان مع نوعي الموضوع الخارجي «الصغير» و«الكبير» أيضًا.[10]
في الوقت الحاضر، مع ظهور الدول الحديثة التي تفكر في الإدارة القصوى للمجتمع، يصعب العثور على موضوع لم يتم تحديده ضمن البنى والأنظمة الاجتماعية، بناءً على السياسات والخطط الإدارية للمجتمع. ومن هنا يمكن القول إن الموضوعات «الصغيرة» تقع بطريقة ما تحت موضوعات «الكبرى». على سبيل المثال، كل من مصاديق المأكولات والملبوسات التي تُعتبر في ذاتها موضوعات صغيرة، تجد مكانة خاصة في «نموذج الغذاء واللباس» و«أسلوب الحياة الإسلامي» وتشكل مع بعضها نظامًا. ومن ثم يمكن ملاحظة كل موضوع صغير ضمن الموضوعات الكبرى، وهذا لا يتعارض مع ملاحظة الموضوع «الصغير» بشكل مستقل وبيان حكمه، كما هو الحال في «فقه الموضوعات».
وفقًا للنظرة «الشاملة»، في النظام، كل موضوع له مجموعة من العلاقات الزمنية والمكانية التي من خلالها يرتبط بالموضوعات الأخرى ويتحدد موقعه في النظام بحيث تكون طبيعة ووظيفة ذلك الموضوع قائمة على الموضوعات الأخرى وتتحدد في علاقته بينها. وبعبارة فقهية يمكن القول إن كل علاقة من هذه العلاقات تمنحه عنوانًا خاصًا، وملاحظة هذه العناوين وتصنيفها وعلاقاتها ضرورية وحيوية في تحديد موقعه الشرعي، لأن هذه النوعية من الموضوعات المعقدة والمركبة التي لها تركيب حقيقي تكتسب خاصية ووظيفة تتجاوز خصائص عناصرها، وبالتالي تحظى بوحدة معتبرة في عالم الاعتبارات الشرعية.
ما عزز ضرورة الملاحظة المنهجية للمسائل والموضوعات هو ظهور الحضارة الحديثة الشمولية، وهي حضارة تسعى إلى تنسيق جميع مجالات الحياة الحيوية للبشرية على محور فكرتها المادية. كانت مكونات الحياة قبل عصر النهضة، بسبب بساطة العلاقات والروابط السائدة فيها، قابلة للتعرف ضمن موضوعات صغيرة، لكن مع التحولات الاجتماعية الناشئة عن الحداثة والتجدد في مختلف مجالات الحياة، ظهر تدريجيًا نوع جديد من الموضوعات التي تتمتع بأبعاد واسعة وأجزاء مركبة وتتصل بشريحة واسعة من الناس.[11]
بالطبع يجب الانتباه إلى أن «فقه الموضوعات» أيضًا في بعض المواضع تناول دراسة العلاقة بين الموضوعات وسعى إلى ملاحظة القيود والحدود التي تفرضها الموضوعات الواقعية على بعضها البعض؛ من ذلك في باب «التزاحم»، حيث إذا لم يكن من الممكن تنفيذ التكليفين معًا، تناولوا معيار تفضيل أحدهما وتحليله. مثلاً في خطابين «أنقذ الغريق» و«لا تمس الأجنبية»، يحدث تزاحم بين موضوعي «إنقاذ الغريق» و«مس الأجنبية» فيجب اختيار أحدهما وفق قواعد باب التزاحم، أما في «فقه الأنظمة» وبحكم العلاقات والنسب بين عناصر النظام، فإن ملاحظة هذه العلاقات دائمة، وبعبارة أخرى هناك نوع من التزاحم الدائم بين عناصر النظام يؤدي إلى ترتيب وتنظيم خاص مع نظام أولويات محدد، وليس إلى رفض أحدهما وتنفيذ الآخر. بمعنى آخر، هناك دائمًا علاقة متبادلة بين عناصر وموضوعات النظام الصغيرة، وفي هذه الحالة تتعاون العناصر مع بعضها البعض وتنسجم.
الاختلاف من منظور «تطبيق الموضوع» على الخارج (الواقعية)
الواجبات المنهجية في مقام «التطبيق» و«التحقق» في الخارج تختلف أيضًا عن الحكم الفردي؛ ففي أحكام «فقه الموضوعات»، موضوع الحكم هو عنوان عام له أفراد في الخارج، وعلاقته بالخارج من نوع علاقة «الكل الطبيعي بالفرد»؛ مثلاً عناوين مثل «ماء»، «خمر» و«دم» لها في الخارج أفراد متعددون تنطبق عليهم، وبموجب صدق العنوان، ينطبق الحكم العام على هؤلاء الأفراد.
أما في «فقه الأنظمة»، فلا يكون عنوان متعلق الحكم له أفراد مستقلون في الخارج يطابق المكلفون العنوان العام على الفرد منه، بل يجب أن يُنشأ «نظام» في سياق اجتماعي بحيث ينظم التناسبات والعلاقات بين مجموعة من العناصر والمكونات الموجودة. في هذه الحالة، لا تكون موضوعات الأحكام منفصلة في الخارج ولا متباعدة عن بعضها البعض، بل يظهر شبكة من الموضوعات على شكل «نظام» في سياق المجتمع. على سبيل المثال، في النظام الرأسمالي، عناصر مثل الشركات، البنوك، التأمينات، البورصة وغيرها من المؤسسات الاقتصادية، والنقود الائتمانية… تشكل مجموعة مترابطة تُكوّن «النظام الاقتصادي الرأسمالي». لذلك، فإن «مطابقة النظام» في الخارج تتحقق من خلال تحقق نسب جديدة والتصرف في النسب القائمة بين عناصر ومكونات متعددة، وليس مجرد مطابقة العنوان العام على الفرد المحقق.
على سبيل المثال، يتحقق نظام مثل النظام الاقتصادي بإنشاء مجموعة من الموضوعات التي صُممت كقطع أحجية مترابطة، ويتم تحقيقها عبر مجموعة من الإجراءات والتخطيط، بحيث في مطابقة نظام الاقتصاد الإسلامي، يجب إعادة تعريف جميع المؤسسات والكيانات الاقتصادية الموجودة في هذا النظام، وكذلك عند الحاجة تأسيس مؤسسات أخرى ليتمكن النظام الاقتصادي الإسلامي من تحقيق أهدافه بشكل كامل.
الاختلاف من منظور «المكلف»
من الفروقات الأخرى بين منهج «فقه الموضوعات» و«فقه الأنظمة» هو الاختلاف في جهة «المكلف». أحكام «فقه الموضوعات» مبنية على كون «الفرد» و«الشخص» مكلفًا، وعلى هذا الأساس تسعى إلى استنباط تكليف الأفراد وجميع المكلفين[12]. في مقابل هذا النوع من المكلف، إذا قبلنا أن بعض الموضوعات الاجتماعية المعقدة هي نتاج مجموعة من الأفعال المنسقة التي تتصل ببعضها البعض، في هذه الحالة يجب أن يكون المكلف بهذا الفعل «مجموعة متماسكة من البشر». والشرح أن أحكام «فقه الأنظمة» لا تتوجه إلى كل فرد من المكلفين على نحو متساوٍ ومستقل، بل هي تكليف موجه إلى مجموعة من الأشخاص بشكل مشترك وتكاملي، وامتثالها يعود إلى كل المكلفين. في هذه الحالة، يجب على كل فرد أن يقوم بفعل يتناسب مع الأفعال الأخرى، ومجموع هذه الأفعال يرفع التكليف. على سبيل المثال، لا يتحقق أمر النصر في الحرب من قائد واحد إلا إذا تشكل جيش متماسك وبنظام من الأفعال المختلفة مع تقسيم العمل بينها، ليُحقق النتيجة المرجوة، وليس بأن يؤدي الجميع فعلًا متساويًا ومتماثلًا. مثلاً في جيش كلاسيكي، توجد وحدات مختلفة مثل القوات البرية، البحرية، الجوية والدفاع الجوي ضمن صفوف وهيئات، وكل منها يؤدي مهمته الخاصة ليخلق فعلًا مشتركًا وعظيمًا، بينما أحكام «فقه الموضوعات» تكون على شكل فعل مماثل ومتطابق مثل الصلاة أو الصيام في الواجبات العينية أو غسل الميت أو رد السلام في الواجبات الكفائية، وهي موجهة إلى كل فرد على حدة دون وجود ارتباط بين هذه الأفعال[13].
لذا في «فقه الأنظمة» نواجه تكليفًا جمعيًا يتطلب مجموعة من الأفعال «المتكاملة» و«المنسقة» التي يجب أن يؤديها مجموعة من المكلفين معًا، لأنه في غير ذلك لن يتحقق النتيجة المرجوة[14]. ومن هنا يجب في هذه الحالات قياس «العلاقة بين الأفعال» وتعريف الأفعال المتنوعة والمختلفة بناءً على المبادئ وموجهة إلى الأهداف والمقاصد، عبر التخطيط وتقسيم العمل، ليظهر نظام متماسك، بحيث يكون فعل الفرد متناسقًا، مؤيدًا ومكملًا لفعل الآخر[15].
«فقه الموضوعات» عند مواجهته موضوعات نظامية يتصرف بطريقتين؛ إما أن ينظر إلى الكل كوحدة واحدة تحت هوية قانونية، أو ينظر إلى الأفراد والحالات التي يتواجدون فيها ويحدد واجبات الأفراد. في الحالة الأولى، يعتبر الكل «شخصية قانونية» ويتحدث عن آثارها وأحكامها، مثل اعتبار شركة أو مصنع أو جامعة كشخصية قانونية ودراسة أحكامها كملكية أو وقف وغيرها، ولكن غالبًا ما لا تُعتبر الشخصية القانونية مكلفة في لسان الفقهاء، بل تكون مجرد موضوع لأحكام وضعية.
في الحالة الثانية، يركز «فقه الموضوعات» على الأفراد الحاضرين في المجموعة، ويهتم بـ«الصفة الاجتماعية للأفراد»، مثل اعتبار الفرد من حيث كونه أبًا (وليًا) في الأسرة أو من حيث كونه مواطنًا في المجتمع أو غيرها من الصفات الاجتماعية، ويحاول من خلالها تحديد موقع الفرد في مجموعة كبرى. لكن في هذه الحالة، يبقى المنهج الفردي لـ«فقه الموضوعات» محفوظًا. بمعنى آخر، في النظرة الأولى يرى «الكل» كـ«موضوع» ويتحدث عن أحكامه الوضعية، وفي النظرة الثانية يأخذ في الاعتبار «الفرد» بصورته الاجتماعية المختلفة، بينما «فقه الأنظمة» يسعى إلى ملاحظة الوحدة والتعدد معًا بحيث يتحدد موقع الأفراد بالنسبة لبعضهم البعض وبشكل تكاملي[16].
من منظور «فقه الأنظمة»، رغم أن «الواجب» يتحدد في النهاية للأفراد وهم الذين يصدر منهم الفعل، إلا أن هذا التحديد يُعرّف دائماً في سياق الهوية الجماعية وبالنسبة إلى الآخرين. الواجب المنظّم يتمثل بشكل نظامي وفي تواصل دائم بين العناصر المختلفة، لأن الهدف والغاية الجماعية لا تتحقق إلا بذلك. على سبيل المثال، من منظور «فقه الموضوعات»، تُحدد الأحكام المتعلقة بموضوعات مثل البنك، التأمين، البورصة، الشركات المساهمة… ويجب على المكلفين عند مواجهتهم أو ابتلائهم بأي من هذه الموضوعات الالتزام بها. كما يتم دراسة حكم موضوع مثل «البنك» من خلال تحليل أفعاله تحت عناوين فقهية مثل المضاربة، القرض الحسن… لكن «فقه الأنظمة» يجب أن يقدم من مجموعة هذه العناصر نظاماً اقتصادياً يحقق هدفاً محدداً؛ وفي هذه الحالة يُعتبر المجتمع بأكمله على مختلف مستوياته مكلفاً. غير أن هذا الواجب لا يُوزع بالتساوي، بل لكل فرد حسب موقعه ومنصبه واجب خاص به؛ من المسؤولين الحكوميين إلى القائمين على كل من المؤسسات الاقتصادية أو الخبراء والنخب الاقتصادية وحتى عامة الناس، لكل منهم واجبه الخاص. لذلك، نظام متماسك من المكلفين، مع الحفاظ على المستويات والمراتب، يُنجز الواجب. بعبارة أخرى، في النظرة النظامية إلى المكلف، حكم الفرد تابع لحكم الجماعة والهوية الجماعية، أما في النظرة الفردية، فيُستمد حكم الكل من أحكام الأفراد. بناءً على ذلك، يمكن تقسيم المكلف إلى «فردي» أو «نظامي» اعتماداً على منهجين «فقه الموضوعات» و«فقه الأنظمة»[17].
الفرق من منظور «نوع الحكم»
في الفقه السائد، يُصنف الحكم الواجب من جهات مختلفة إلى عدة أقسام، من بينها تقسيم الوجوب إلى «عيني وكفائي». في الواجب العيني يجب على كل مكلف، بغض النظر عن الآخرين، أداء الواجب، مثل الصلوات اليومية، الصيام، الحج… أما في الواجب الكفائي، إذا قام «بعض المكلفين» بأداء الفعل، يُعفى الآخرون، مثل دفن الميت، صلاة الجمعة… لكن بناءً على «فقه الأنظمة» هناك نوع آخر من الواجب يشارك فيه جميع المكلفين. في هذا النوع من الواجب، مجموعة كبيرة من البشر مكلفة بأداء فعل مركب، وهذا الفعل هو نتيجة فعل الجميع بشكل مشاع. لذلك، نوع الحكم في «فقه الأنظمة» ليس كواجب عيني حيث يكون كل الأفراد مكلفين بأداء فعل مماثل ومستقل عن الآخرين، ولا كواجب كفائي يُعفى به البعض عند قيامهم، بل مجموعة الأفراد تؤدي مجموعة من الأفعال بشكل منسق، متماسك ومتكامل، مما يؤدي إلى فعل مركب وكلي[18].
الفرق من منظور «طريقة الاستنباط»
بما أن نوع الحكم، الموضوع والمكلف في «فقه الأنظمة» يختلف عن «فقه الموضوعات»، فلا يمكن الاكتفاء بالطريقة والمنطق السائدين في استنباط الأحكام لاستنباط «الأنظمة». كما ذُكر، تعامل منهج «فقه الموضوعات» مع الموضوعات المعقدة والمنظمة يكون إما باعتبارها «موضوعاً» واحداً والتحدث عن أحكامه، أو بتجزئتها إلى موضوعات متعددة واستخلاص حكم «الأجزاء» و«العناصر» ثم نسبتها في النهاية إلى «الكل». مثلاً في تحديد حكم موضوع معقد مثل «البنك»، يُنظر إلى أحكام كل نشاط من أنشطة البنك بشكل مستقل ويحاول أن يُعرّف كل نشاط تحت أحد العقود الشرعية مثل الضمان، الإيجار، الرهن، الشركة وغيرها، ومن خلال ذلك يُحدد حكم «البنك»، بينما وفق منهج «فقه الأنظمة» فإن استشهاد الحكم بـ «مجموعة» و«نظام» من عند الشارع يختلف عن حكم «عناصر» ذلك، لأن تجزئة موضوع كلي وملاحظة أجزائه وعناصره بشكل تجريدي يغير طبيعتها ووظيفتها ويحدث تبدل الموضوع. لذلك، هوية العنصر تتبع موقعه في النظام والمنظومة، وإذا لم يُنظر إلى هذا الموقع وعلاقاته، لا يمكن الحصول على فهم صحيح للأجزاء والكل. بناءً عليه، لا يمكن اعتبار حكم موضوع منظّم هو نفسه حكم موضوعات منفردة؛ على سبيل المثال: في مركب كيميائي قد يكون تناول عناصره حلالاً، لكن بعد التركيب يتحقق موضوع جديد لا يمكن استنباط حكمه من تلك العناصر، لأن الموضوع الجديد قد يكون مسكراً أو مضراً. لذلك، حكم الكل لا يُستفاد دائماً من حكم العناصر. بناءً عليه، طريقة «فقه الموضوعات» في استنباط أحكام النظام غير فعالة.
المنهج العام والمختصر لـ «فقه الموضوعات» في الاستنباط هو أن الموضوعات إما أن تكون في الخطابات الشرعية ذات عنوان صريح والحكم الخاص بها مبيّن، أو تقع تحت العمومات والإطلاقات، وإلا يُرجع إلى الأصول العملية. أما في «فقه النظامات» فإن استنباط نظام الأحكام يحتاج إلى عملية أكثر تعقيدًا تتم بمراعاة عوامل ومؤلفّات متعددة. وما يكتسب أهمية في «فقه النظامات» هو استشهاد «النظام» بالمصادر الدينية، الذي كما تقدم، يتجاوز استشهاد العناصر. «النظام» هو هيكل يرتكز على «المباني والأركان» الخاصة به، يربط بين موضوعات وأحكام متعددة، ويحدد منزلة ومكانة لها، ويتبع «غايات وأهداف» خاصة، ويجب أن يكون هذا المنتج المركب مستندًا إلى المصادر الدينية. «الهدف» و«الأساس» عنصران أساسيان في النظام، تُرتب العناصر والأجزاء بناءً عليهما وتنظم. بلا شك، يجب أن تكون «المباني» في النظام كأركان البناء، داعمة لبقية العناصر[19] وفي النهاية، وظيفة ذلك النظام هي تحقيق «الأهداف» المرجوة. استنتاج هذه «المباني» و«الأهداف» وكذلك «العلاقات والنسب» في النظام يحتاج إلى منطق أكثر تطورًا، يحقق استنباطها بضوابط وقواعد حديثة[20].
الفرق من منظور «العقاب والثواب»
أحد المواضيع المتعلقة بالأحكام الشرعية هو موضوع «العقاب والثواب» الذي يُعتبر اليوم موضوعًا كلاميًا. في التكليفات النظامية، بسبب اعتماد الأفعال على بعضها البعض، يشترك جميع المكلفين في عقاب وثواب بعضهم البعض. في مثل هذه الأفعال التي يشارك فيها مجموعة من المكلفين، من خلال الروابط التي تُقام بينهم عبر «التآلف، والتفكير المشترك، والتعاون»، يتحقق عقاب أو ثواب فعلهم بشكل جماعي ومشترك، وهو أكثر من ثواب أو عقاب مجموع الأفعال الفردية. بعبارة أخرى، ارتباط الأفعال واجتماعها كما يؤدي إلى تآزر مضاعف في الآثار والنتائج، فإن جزاء أفعالهم يزداد تصاعديًا. في هذه الحالة، يكون للفرد نصيب في مجموع ثواب أو عقاب الأفعال حسب مشاركته. على سبيل المثال، إذا شارك شخص في الجهاد في سبيل الله ضمن جيش، ولو كان في زاوية ما، فإنه يشترك في ثواب كل فعل الجيش؛ والشخص الذي يعمل في الإمدادات خلف الجبهة يشترك في ثواب من يعمل في الخط الأمامي، والعكس صحيح، لأن الأفعال المترابطة تعتمد على بعضها البعض، وإذا لم تكن هناك إمدادات، فلن يتشكل الخط الأمامي.
في الأفعال الاجتماعية الكبرى أيضًا، يشترك جميع الذين يؤدون دورًا فيها في الثواب العظيم لذلك الفعل، مثل كل من شارك في الثورة الإسلامية يشترك نسبيًا في ثوابها كله[21]. حتى في الجبهة التاريخية، يظهر الثواب والعقاب المشترك، ويشارك الناس بتوليهم لوليهم وبحسب تأثيرهم في حركة جبهة الإيمان أو الكفر في كل جهاز الحق والباطل. يمكن أن يتجاوز هذا الحضور في فعل مشترك القيود الزمنية والمكانية ويخلق روابط تاريخية، مثل الذين لم يعاصروا واقعة عاشوراء ليُقتلوا في ركاب الإمام الحسين (ع)، يمكنهم بنية صادقة أن ينالوا من ثوابها[22].
الثواب والعقاب المشترك في هذا التكليف لا يعني أن الجميع يُجازى بنفس القدر، بل يشارك كل فرد حسب نسبة مشاركته، كما في شركة مساهمة قد يمتلك فيها شخص مئة سهم وآخر سهمًا واحدًا[23].
بالطبع، بناءً على تحليل «فقه الموضوعات» أيضًا، يختلف العقاب والثواب تبعًا للعنوان الذي ينطبق على الفعل، فمثلًا «الخدمة في الحرب والجهاد في سبيل الله» لها ثواب أكبر من «الخدمة في الحالة العادية وفي الأمن». لكن ما يميز «فقه النظامات» عن هذا التحليل هو نوعية حضور فعل الفرد في فعل المجموعة الكلية، وأنه حسب نسبة الحضور في النظام الكلي، يشارك في ثواب أو عقاب النظام كله.
الخلاصة
يمكن تصنيف التعريفات والارتكازات الموجودة لـ «فقه الحكم» في ثلاثة توجهات كبرى هي «فقه الموضوعات، فقه النظامات، وفقه الوصاية». «فقه النظامات» هو عنوان لمستوى أكثر تطورًا من الفقه، يباشر استنباط النظام والمدرسة الاجتماعية من المصادر الدينية.
يمكن اعتبار الشهيد سيد محمد باقر الصدر (قده) مبتكرًا وشخصية بارزة في هذا التوجه، حيث تناول هذا النظرية من جوانب متعددة لتبيينها وتنقيحها. كان تأصيله النظري مبنيًا على فهم هذه الضرورة الاجتماعية التي تفيد بأن الحكومات في العصر الحاضر تنظم الحياة الاجتماعية للناس عبر النظامات الاجتماعية، وهذه النظامات الاجتماعية القائمة مبنية على المدارس والمفاهيم الماركسية والرأسمالية، ومن هنا تأتي الحاجة إلى تقديم نظامات اجتماعية قائمة على التعاليم الإسلامية، مما يتطلب دخولًا إلى فضاء جديد من الفقه. النظام الاجتماعي المبني على مبانٍ ومفاهيم خاصة، وله أهداف وغايات محددة، ينسق مجموعة من العناصر والمؤلفّات بشكل متماسك. على سبيل المثال، في النظام الرأسمالي، هناك عناصر مثل الشركات، البنوك، التأمينات، البورصة، النقود الائتمانية… تشكل مجموعة مترابطة تشكل النظام الاقتصادي الرأسمالي. في هذا المنظور، لا تُدرس المسائل والموضوعات الفقهية كموضوعات منفصلة عن بعضها كما هو شائع في الفقه الحالي، بل النظام هو كل مترابط تتحول فيه هذه الموضوعات إلى نظام وشبكة متكاملة. استنباط هذا «المجموع» من المصادر الدينية يختلف عن حكم كل «عنصر» على حدة، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى باب جديد من الفقه.
مبني على فقه الأنظمة، هناك نوع آخر من التكليف يُتصور يختلف في عدة جوانب عن «الحكم» في الفقه الفردي؛ هذا النوع من التكليف يتميز من حيث «الموضوع»، «المكلف»، «نوع التكليف»، «العقاب والثواب» و«منهج الاستنباط» عن الأحكام الفقهية الشائعة. تنقيح وتبيين الفروقات بين «فقه الموضوعات» و«فقه الأنظمة» من المحاور المذكورة سابقًا هو الخطوة الأولى في الوصول إلى «فقه الأنظمة».

منابع
١. القرآن الكريم
٢. حب الله، حیدر. (١٤٣٢ه.ق). فقه الامربالمعروف والنهی عن المنکر. قم: دارالفقه الاسلامی المعاصر.
٣. رضی، محمد بن حسین. (١٤١٤ه.ق). نهج البلاغۀ. المحقق: صبحی صالح. قم: هجرت.
٤. زرگری نژاد، غلامحسین. (١٣٧٤). رسائل مشروطیت (١٨ رساله و لایحه درباره مشروطیت).
تهران: کویر.
٥. سوزنچی، حسین. (١٣٨٥). اصالت فرد، جامعه یا هر دو، بررسی تطبیقی آرای استاد مطهری و استاد مصباح یزدی. قبسات. العدد ٤٢.
٦. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢١ه.ق). فلسفتنا (موسوعۀ الشهید الصدر). المجلد ١. قم: مرکز الأبحاث
والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
٧. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢١ه.ق؛ الف). الإسلام یقود الحیاة (موسوعۀ الشهید الصدر). المجلد
٥. قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
٨. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢١ه.ق؛ ب). المدرسۀ الإسلامیۀ (موسوعۀ الشهید الصدر). المجلد ٥.
قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
٩. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢١ه.ق). المدرسۀ القرآنیۀ (موسوعۀ الشهید الصدر). المجلد ١٩. قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
١٠. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢٣ه.ق). ومضات (موسوعۀ الشهید الصدر). المجلد ١٧. قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
١١. صدر، سیدمحمدباقر. (١٤٢٤ه.ق). اقتصادنا. قم: مرکز الأبحاث والدراسات التخصصیۀ للشهید الصدر.
١٢. صدوق، محمد بن علی بن بابویه. (١٣٧٦). الامالی. تهران: کتابچی.
١٣. طباطبایی، محمدحسین (١٤١٧ه.ق). المیزان فی تفسیر القرآن. قم: دفتر منشورات اسلامی جامعه مدرسین حوزه علمیه قم.
١٤. مطهری، مرتضی. (١٣٧٢). مقدمهای بر جهان بینی اسلامی (٥) جامعه و تاریخ. تهران: صدرا.
١٥. نایینی، محمدحسین. (١٣٨٢). تنبیه الامه و تنزیه المله. المحقق: محمدجواد ورعی. قم: بوستان کتاب. منشورات دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم.
16. www.khamenei.ir
[1] يمكن اعتبار حضرة الإمام خميني (قده) أفقاً مفتوحاً لهذا المستوى من الفقه في ميدان الفقه الحكومي.
[2] مسألة ما إذا كان الحاكم الشرعي يستطيع أن يسن أحكاماً إلزامية ضمن دائرة المباحات أم لا، هي مسألة قديمة كانت موضوع آراء ونظرات الفقهاء؛ كما تناول فقهاء عصر الدستور هذا النقاش عند مواجهتهم لمجلس التشريع. يرى المرحوم النائيني (قده) في كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» أن الفقيه له الحق في جعل أحكام إلزامية بناءً على المصالح ضمن نطاق «ما لا نص فيه» حيث لا يوجد نص إلزامي؛ «اعلم أن مجموع الواجبات المتعلقة بالنظام والحفاظ على الدولة وسياسة أمور الأمة… لا يخرج عن قسمين: إما أن تكون بالضرورة أو منصوصات يكون الواجب العملي فيها معيناً وحكمها مضبوطاً في الشريعة المطهرة، أو أن تكون غير منصوصة يكون الواجب العملي فيها غير معين بسبب عدم إدراجها تحت ضابط خاص ومقياس مخصوص، وتُترك للرأي والترجيح من قبل الولي نوعاً ما، ومن الواضح أنه كما أن القسم الأول لا يمكن تغييره أو الاختلاف فيه عبر العصور والأمكنة ولا يمكن أن يكون إلا بالتعبد بالنص الشرعي حتى قيام الساعة، كذلك القسم الثاني تابع للمصالح ومقتضيات العصور والأمكنة وقابل للاختلاف والتغيير…» (نایینی، ١٣٨٢: ١٣٤) في المقابل، ينتقد المرحوم الشيخ فضل الله النوري في فترة ما سن القوانين الإلزامية من قبل مجلس التشريع في مجال المباحات ويعتبره غير مشروع: «أصل هذه الترتيبات والدستور والاعتداد بأغلبية الآراء، حتى وإن كان في الأمور المباحة بالأساس، لأنه يُلزم قانوناً ويُعتبر حراماً تشريعياً وبدعة في الدين. “وكل بدعة ضلالة” وإذا أُلزموا بالمباح واعتبروه واجباً وفرضوا عقوبة على مخالفته فهو حرام.» (زرگری نژاد، ١٣٧٤: ١٥٨)
[3] «يشمل النظام الاجتماعي في الإسلام أيضاً جوانب مفتوحة للتغيير وفقاً للمصالح والاحتياجات المستجدة، وهي الجوانب التي سمح فيها الإسلام لولي الأمر أن يجتهد فيها وفق المصلحة والضرورة على ضوء الجانب الثابت من النظام.» (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٣٧١)
[4] «وبعض المفاهيم الإسلامية تقوم بإنشاء قاعدة يرتكز عليها ملء الفراغ الذي أعطي لولي الأمر حق ملئه… فالمفاهيم الإسلامية تقوم إذن بدور الإشعاع على النصوص التشريعية العامة، أو بدور تموين الدولة بنوعية التشريعات الاقتصادية التي يجب أن تملأ بها منطقة الفراغ.» (صدر، ١٤٢٤ه.ق: ٤٤٣)
[5] بعض المثقفين، يخطئون في اعتبار «منطقة الفراغ» مجال «عدم تدخل الدين» ونوعاً من «نقص الشريعة» ويدعون أن الدين لا ينبغي أن يتدخل في هذا المجال الذي يعادلونه بمجال المعيشة والشؤون الدنيوية! وهم يعتقدون أنه في جزء كبير من حياة الإنسان لا يوجد حكم من الشارع، ويستنتجون أن الدين أساساً لا يتدخل في هذا المجال. هذا الفهم لـ«منطقة الفراغ» هو تحريف لنظرية الشهيد الصدر (قده)، لأنه تحدث صراحة عن شمولية الدين ورد على هذا المغالطة؛ وفقاً لرؤية الشهيد الصدر (قده) يستطيع الحاكم الشرعي في مجال الترخيصات وفي المنطقة التي لم يشرع فيها الشارع حكماً إلزامياً ابتدائياً، أن يصدر حكماً إلزامياً سواء على الفعل أو الترك: «ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث، بل تعبر عن استيعاب الصورة وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة؛ لأن الشريعة لم تترك منطقة الفراغ بشكل يعني نقصاً أو إهمالاً، وإنما حددت للمنطقة أحكامها بمنح كل حادثة صفتها التشريعية الأصلية، مع إعطاء ولي الأمر صلاحية منحها صفة تشريعية ثانوية حسب الظروف. فإحياء الفرد للأرض مثلاً عملية مباحة تشريعياً بطبيعتها، وولي الأمر له حق المنع عن ممارستها وفق مقتضيات الظروف.» (صدر، ١٤٢٤ه.ق، ٨٠٤)
[6] عموماً، من الحلول المقدمة لتطبيق «الدين الثابت» على «الظروف المختلفة» نظرية تقسيم الأحكام إلى «ثابتة ومتغيرة» التي تناولها كبار العلماء مثل المرحوم علامه طباطبائي (قده) والمرحوم الشهيد مطهري (قده). لكن تمييز هذين النوعين من الأحكام يحتاج إلى ضوابط لم تُبحث كثيراً في الفقه.
[7] كما ذُكر، المقصود بـ«فقه الموضوعات» هو الفقه السائد والمتداول الذي يصوغ المسائل الفقهية في قالب ثنائي «الحكم والموضوع».
[8] كما أُشير، هذه الخصائص لم تُذكر في كلام الشهيد الصدر (قده) بل استُنبطت تحليلياً من مقتضيات أساس «فقه النظامات»، مع محاولة في بعض المواضع لذكر مستندات من مباحثه.
[9] يؤكد الشهيد الصدر (قده) على أن النظام الاقتصادي لا يجوز دراسته بطريقة تجزيئية: «إننا في وعينا للاقتصاد الإسلامي لا يجوز أن ندرسه مجزأ بعضه عن بعض، مثل أن ندرس حكم الإسلام بحرمة الربا أو سماحه بالملكية الخاصة بصورة منفصلة عن سائر أجزاء المخطط العام. كما لا يجوز أيضاً أن ندرس مجموع الاقتصاد الإسلامي بوصفه شيئاً منفصلاً وكياناً مذهبياً مستقلاً عن سائر الكيانات الاجتماعية والسياسية الأخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات، وإنما يجب أن نعي الاقتصاد الإسلامي ضمن الصيغة الإسلامية العامة التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع.» (صدر، ١٤٢٤ه.ق)
[10] لا يرى الشهيد الصدر (قده) في تحديد وتقييم البنك كافياً لبلوغ البنك الإسلامي، إذ لا يكفي أن لا يتعارض مع الأحكام والقوانين الشرعية، بل يجب أن يحل «النظام الاقتصادي الإسلامي» محل «النظام الرأسمالي»: «من الواضح أن الإسلام لا يقر البنك الرأسمالي بصورته التي شرحناها؛ لأنه: أولاً: يتناقض مع أحكام الشريعة الإسلامية والقانون المدني للفقه الإسلامي التي حرمت الإقراض بفائدة، وثانياً: يتناقض مع أسس الاقتصاد الإسلامي وروحه العامة في توزيع الثروة واستثمارها… حل التناقض الأول بمفرده لا يعني سوى التخلص من الصيغ غير القانونية إسلامياً وفقهياً. والتخلص من صيغة تعامل غير مشروعة قانونياً كالتعامل بالقروض الربوية لا يؤتي كل ثماره الحقيقية، ولا يحقق الأهداف والمكاسب التي توخاها المذهب الاقتصادي من تحريم تلك الصيغ غير القانونية ما لم يمتد إلى خلفيات تلك الصيغ لاستئصال روحها العامة، وما لم يشمل الاقتصاد الإسلامي بصورته الكاملة كل جوانب الحياة؛ ليؤدي بحكم الترابط العضوي بين أجزائه إلى تلك الأهداف والمكاسب، فإن النظام الإسلامي كل مترابط الأجزاء، وتطبيق كل جزء يهيئ إمكانيات النجاح للجزء الآخر في مجال التطبيق ويساعد على دوره الإسلامي المرسوم… فلا يكفي فقط التخلص من التناقض الأول، بل لابد من حل كلا التناقضين بين البنك الرأسمالي والإسلام؛ لكي نحصل على بنك إسلامي حقيقي يشكل جزءاً أصيلاً في الصورة الكاملة لاقتصاد المجتمع الإسلامي، وليس مجرد عملية ترقيع للبنك الرأسمالي.» (صدر، ١٤٢١ه.ق؛ الف)
[11] ربما يمكن اعتبار أول موضوع نظامي واجه الفقه التقليدي هو «الدستور المشروط» الذي اختلف فيه الفقهاء عند مواجهته. يمكن اعتبار منهج المرحوم النائيني (قده) في كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» نموذجاً جيداً لمواجهة «فقه الموضوعات» لموضوع كلي، حيث استخلص عناصر ومفاهيم الدستور مثل الحرية والانتخابات والقانون والمساواة في الحقوق الإنسانية… من سياقها وبيئتها وحللها ضمن إطاره الفكري وبناءً على التعريفات والمفاهيم الدينية، وفي النهاية أقر هذا البناء السياسي الغربي.
[12] قد تُصنف بعض الأحكام ضمن «الأحكام الاجتماعية» التي تعني الأحكام المتعلقة بعلاقات الناس ببعضهم البعض ولها تبعات اجتماعية، مثل أحكام باب المعاملات والجهاد وصلاة الجمعة… لكن طالما أن مخاطب ومكلف هذه الأحكام هو كل فرد من أفراد المجتمع، يبقى مقياس الفقه «فردياً»، لأن الخطاب في هذه الأحكام موجه إلى الأفراد بشكل مستقل. بمعنى آخر، إذا وُجه الخطاب إلى مجموعة من الأفراد، فإن صفة الجمع هي عمومية استقرائية يتحلل التكليف فيها إلى الأفراد بالتساوي، مثل وجوب إقامة صلاة الجمعة على «المؤمنين» (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) (جمعه، آیه ٩) التي يجب على كل فرد أداؤها (وجوب تخييري).
[13] على سبيل المثال، خطاب الله تعالى في القرآن: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» (انفال، آیه ٦٠) يمكن تحليله من منظور «فقه النظامات» على أنه نظام من التكليفات اللازمة لإعداد القوة؛ في هذا النوع من التكليف، يجب على الجميع التعاون والمساعدة للوصول إلى قوة تحقق مقاومة وأمن المجتمع الإسلامي. جزء من هذه القوة هو تأمين المعلومات، وجزء آخر إنتاج المعرفة والتقنية والتكنولوجيا، وجزء ثالث يتعلق بالتثقيف وتعزيز الروح المعنوية للشعب… هذا الخطاب من منظور «فقه النظامات» يشمل التصميم والتخطيط إلى إنتاج وتجهيز السلاح وكذلك التثقيف الاجتماعي، وفي الأسلحة المتقدمة يحتاج الأمر إلى مراكز بحث ومختبرات وأبحاث منظمة، وتؤخذ هذه العوامل مجتمعة بشكل منسق ومنهجي بعين الاعتبار.
[14] السمة الأساسية لمجموعة السلوكيات التي تتم بشكل نظامي هي «قيام الأفعال ببعضها البعض»، وبناءً عليه قد يتعطل العمل كله بسبب خلل في عنق زجاجة واحد؛ مثلاً في مصنع ضخم ذو إنتاج صناعي معقد، قد يتوقف النظام وخط الإنتاج كله بسبب خلل في جزء واحد من المصنع.
[15] بالطبع في «فقه الموضوعات» أيضاً في بعض المواضع يُراعى ارتباط الأفعال، ومن هذه الناحية يقترب من وظيفة بناء النظام. على سبيل المثال، العلاقة بين المتعاملين أو المتعاقدين في كتاب «البيع» وغيره من أبواب الفقه من هذا النوع، وهذه المناقشات يمكن أن تكون جسراً بين «فقه الموضوعات» و«فقه النظامات».
[16] تلعب مبادئ «علم الاجتماع» دوراً بارزاً في تحليل هذا النوع من المكلفين الحاضرين؛ في تحليل المجتمع هناك أساسان رئيسيان: «أصالة الفرد» و«أصالة المجتمع»، حيث يعطي أحدهما الأصالة للفرد ويعرف المجتمع ككيان اعتباري، بينما يعطي الآخر الأصالة للمجتمع ككل. أصحاب «أصالة الفرد» يرون أن المجتمع مكون من أفراد ولا يمتلك وحدة حقيقية مستقلة، وبالتالي فإن الآثار المنسوبة للمجتمع تعود في الحقيقة إلى أفراد المجتمع ولا يمكن افتراض هوية مستقلة للمجتمع، والتأثيرات والعلاقات بين الفرد والمجتمع ليست أكثر من علاقات بين الفرد والآخرين. في المقابل، تؤكد نظرية «أصالة المجتمع» على الهوية الجماعية والوحدة الاجتماعية؛ حيث يعترف أصحاب هذا الأساس بهوية مستقلة للمجتمع عن الأفراد ويعتبرونه ذا وحدة حقيقية وله آثار وخصائص متميزة. وفق هذا الرأي، الأصالة للمجتمع والهوية للأفراد اعتباريّة. كلا الأساسين «أصالة الفرد» و«أصالة المجتمع» يعجزان عن تفسير «وحدة وتعدد المجتمع» لأن في المجتمع يجب أن يُؤخذ في الاعتبار «الوحدة والتعدد» أو «الفرد والمجتمع» معاً وبشكل متزامن، ويمكن تسمية هذا الأساس بـ«الوحدة التركيبية». وفق هذا الأساس، تنشأ هوية جماعية من تركيب الأفراد لها آثار وأحكام متميزة عن مجموع الأفراد، وهذا لا يعني وجود حقيقي ومستقل للمجتمع مقابل الأفراد. الشهيد الصدر (قده) يقارن بين رؤية الإسلام والمدرستين الليبرالية والماركسية، وينفي صحة الأساسين الفردي والمجتمعي، ويؤكد أن النظام الإسلامي يقوم على اعتبار الفرد والمجتمع معاً: «الميزة الأساسية للنظام الإسلامي تتمثل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة، وإحساس خلقي بها. والخط العريض في هذا النظام هو: اعتبار الفرد والمجتمع معاً، وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن. فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم، وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لحسابه. وكل نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس، فهو إما نظام يجري مع الفرد في نزعة ذاته، فتتعرض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات وأشد الأخطار، وإما نظام يحبس في الفرد نزعة ويشل فيه طبيعته؛ لوقاية المجتمع ومصالحه. فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته، والأفراد ونزعاتهم، بل يتعرض الوجود الاجتماعي للنظام – دائماً – للانتكاس على يد منشئه ما دام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً، وما دامت هذه النزعات تجد لها – بكبت النزعات الفردية الأخرى وتسلم القيادة الحاسمة – مجالاً واسعاً وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال.» (صدر، ١٤٢١ ه.ق: ٥٩) من بين المفكرين المعاصرين، كان علامه طباطبائي (علامه طباطبایی، ١٤٢١ ه.ق، ج ٤: ٩٥) والشهيد مطهري كل منهما يؤيد هذا الرأي بتقرير خاص به. الشهيد مطهري في بيان رأيه يقول: «تركيب الفرد والمجتمع نوع يكون فيه للفرد أصالة وشخصية وفي الوقت نفسه للجمع أيضاً أصالة وشخصية. تتحقق شخصية الفرد في المجتمع، وتتحقق شخصية المجتمع في الفرد، وهذا الكلام يشبه النقطة التي قالها فلاسفةنا في باب الوحدة في عين الكثرة، والكثرة في عين الوحدة.» (مطهری، ١٣٧٢) في المقابل، آية الله مصباح اليزدي في كتاب «المجتمع والتاريخ من منظور القرآن» نقداً للرأي السابق، استدل على اعتبارية المجتمع. (به منظور مقایسه دیدگاه شهید مطهری و آیت الله مصباح یزدی، رک: سوزنچی، ١٣٨٥)
[17] يرى الشهيد الصدر (قده) أن غالبية الفقه السائد في الرسائل العملية يختص بتحديد التكليف للفرد المتدين الذي لا يرتبط بالمجتمع: «وفي أكثر الرسائل العملية تقدم عادة الصورة المحدودة؛ لأنها تتعامل مع فرد متدين يريد أن يطبق سلوكه على الشريعة رغم تواجده في مجتمع غير ملتزم بالإسلام منهجاً في الحياة. ومن هنا لم تكن الصورة التي توحي بها تلك الرسائل كافية لاستيعاب التصور الشامل لأهمية الاقتصاد الإسلامي وثماره المرجوة في توفير السعادة والرفاه» (صدر، ١٤٢١ ه.ق؛ الف: ٦٤) كما يرى أن بعض الأحكام والسنن الإلهية في القرآن تتعلق بالمجتمع والتاريخ: «ومن الآيات الكريمة التي أعطيت فيها الفكرة الكلية، فكرة أن للتاريخ سنناً وله ضوابط ما يلي: “لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” (يونس، آية ٤٩). “ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” (الأعراف، آية ٣٤). نلاحظ في هاتين الآيتين الكريمتين أن الأجل أُضيف إلى الأمة، إلى الوجود الجمعي للناس، لا إلى هذا الفرد بذاته أو ذاك الفرد بذاته. إذن هناك وراء الأجل المحدود المحتوم لكل إنسان بوصفه فردياً، هناك أجل آخر وميعاد آخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد، للأمة بوصفها مجتمعاً ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقدرات.» (صدر، ١٤٢١ ه.ق، ج ١٩: ٥٦)
[18] بالطبع في «فقه الموضوعات» أيضاً في بعض المواضع يُراعى ارتباط الأحكام مثل مسائل «التخصيص»، «التقييد»، «الحكم»، «الدخول» أو «الثورة النسبية» من هذا النوع، لكن هذا المستوى من الربط لا يمكن أن يقدم نظاماً متكاملاً.
[19] على سبيل المثال، يتحدث الشهيد الصدر (قده) عن دور «المفاهيم» في عملية الاكتشاف، وهي نظريات كلية في ميدان الوجوديات، ونظرة العالم والمجتمع، وكذلك المبادئ العامة المتعلقة بالاقتصاد (في النظام الاقتصادي) مثل «مبدأ الملكية» وتعريف «المال»: «ويمكننا أن نضع في صف الأحكام في عملية الاكتشاف: المفاهيم التي تشكل جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية ونقصد بالمفهوم: كل رأي للإسلام أو تصور إسلامي يفسر واقعاً كونياً أو اجتماعياً أو تشريعياً. فالعقيدة بصلتها بالكون بالله تعالى وارتباطه تعبير عن مفهوم معين للإسلام عن الكون. والعقيدة بأن المجتمع البشري مر بمرحلة فطرة وغريزة قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل والتأمل تعبير عن مفهوم إسلامي عن المجتمع. والعقيدة بأن الملكية ليست حقاً ذاتياً وإنما هي عملية الإسلام كله مال الله والله يستخلف الأفراد أحياناً للقين ا،م وبهشون الماللمكايل ۀ،للومياعل ب،ر فإعن ن المهاذل ا افلايساتلمخفلاهوف استخلاف تعكس التصور الإسلامي الخاص للتشريع المعين تشريعياً بالملكية.» (صدر، ١٤٢٤ ه.ق: ٤٣٩)
[20] عموماً، تناول طريقة استنباط الحكم التي يتكفل بها علم أصول الفقه يأتي متأخراً بعد تعريف وتصوير الحكم وخصائصه، ولهذا لم يتناولها أصحاب «فقه النظامات» كثيراً، و«فقه النظامات» من هذه الناحية يحتاج إلى توسع وتطوير جدي. ومن المهم أن تطوير «منطق الاستنباط» لا يؤدي إلى توسع في «مصادر الأحكام» ولا إلى اتساع نطاق «مصادر الحجية الشرعية». بناءً عليه، لا يمكن لمكونات مثل العقل، المصلحة، مقاصد الشريعة، العرف والعقلاء… أن تُستخدم كمصدر مستقل للحكم إلى جانب الكتاب والسنة.
[21] تناول مقام المرشد الأعلى (دام ظله العالي) في إحدى خطاباته «ذنوب الجماعات القومية» التي يمكن أن تكون نموذجاً للفعل الاجتماعي المشترك: «… النوع الثالث، ذنوب الجماعات القومية. ليست مسألة شخص واحد يرتكب خطأً ويتضرر منه آخرون؛ أحياناً تصاب أمة أو جماعة مؤثرة من أمة بخطيئة. وهذه الخطيئة لها استغفارها. أمة أحياناً تصمت سنوات طويلة أمام منكر وظلم ولا تبدي أي رد فعل؛ وهذا أيضاً ذنب؛ وربما يكون ذنباً أصعب؛ هذا هو “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؛ هذا هو الذنب الذي يزيل النعم العظيمة؛ هذا هو الذنب الذي يسلط البلايا الشديدة على جماعات وأمم خاطئة. أمة وقفت في مدينة طهران وشاهدت أن يُشنق مجتهد كبير مثل الشيخ فضل الله النوري ولم تنطق؛ رأوا أنه مع أنه من مؤسسي وقادة الدستور، اعتُبر ضد الدستور لأنه لم يوافق التيار الإنجليزي والغربي، وبعد خمسين سنة جازوا ثمن ذلك: في نفس مدينة طهران عُقد مجلس تأسيسي ووافق على نقل الملكية والحكم إلى رضا شاه. لم يكونوا مجموعة من الأشخاص الخاصين؛ كان هذا ذنباً وطنياً وعاماً “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”؛ أحياناً العقاب لا يشمل فقط الذين ارتكبوا الذنب؛ العقاب عام؛ لأن الحركة كانت عامة؛ حتى لو لم يشارك كل الأفراد مباشرة. نفس الأمة في اليوم الذي خرجت فيه إلى الشوارع وصدت صدورها أمام دبابات محمد رضا بهلوي ولم تخف من الموت؛ أي تحملت وصبرت وكسرت صمت الذنب الذي دام خمسين سنة، جزاهم الله؛ سقط حكم الظلم، وحكم الشعب جاء، وزال التبعية السياسية المخزية، وبدأت حركة الاستقلال وإن شاء الله تستمر، وستصل الأمة بتوفيق الله وجهودها إلى أهدافها. هذا لأنهم تحركوا. لذلك الذنب من النوع الثالث له نوع من الاستغفار.» (مقام معظم رهبری در دیدار با کارگزاران نظام، ١٣٨٤/٨/٨)
[22] في نهج البلاغة ورد أن رجلاً كان يحب أن يكون أخوه أيضاً في حرب الجمل ليشهد نصر الله على أعدائه. فقال له أمير المؤمنين علي (ع): «أهوي أخيك معنا؟» (هل كان ميل ورغبة أخيك معنا؟) قال: نعم! قال: نعم! كان أخوك معنا، «لقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء» (في هذا الجيش وهذه المعركة، كان هناك جماعات شاركت وهم لا يزالون في أرحام النساء أو لم يولدوا بعد.) (سیدرضی، ١٤١٤ ه.ق: ٥٥)
[23] على سبيل المثال، الإمام خميني (قده) الذي أدار الدفاع المقدس كان حقاً شريكاً في ثواب جميع شهداء الصفوف الأمامية، لأن الذين كانوا يقاتلون في الصفوف الأمامية كانوا يقاتلون بدعم إيمان وصبر الإمام (قده) وبنفسه المعنوي، ولو لم يكن موجوداً لكان مصير الحرب مجهولاً.

