ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: کیفیت جمع میان حکم ظاهری و واقعی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: رضا إسلامي
مقدمة
ذكر الأصوليون تقسيمات متعددة للحكم؛ منها الحكم التكليفي والحكم الوضعي، الحكم الأولي والحكم الثانوي، الحكم الحقيقي والحكم الظاهري، الحكم الحقيقي والحكم الطريقي، وتقسيمات أخرى تتعلق بأحد فروع الحكم مثل تقسيم الوجوب إلى عيني وكفائي، تعييني وتخييري، مؤقت وغير مؤقت، مطلق ومقيد، منجز ومعلق، تعبدي وتوصلي، نفسي وغيري… رغم أن بعض هذه التقسيمات قد تدخل في فروع أخرى من الحكم. على أي حال، المقصود في هذا المقال هو دراسة كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، وتقديم صورة واضحة ومعبرة عن آراء العلماء في هذا الباب، وفي النهاية إثبات رأي جديد ومتميز للشهيد آية الله صدر(قدس سره). قبل الدخول في هذا الموضوع، من الضروري أن نمتلك تعريفًا صحيحًا للحكم الشرعي وكيفية تقسيمه إلى ظاهري وحقيقي، وبما أن أصل النقاش هو نتيجة حركة تطورية لعلم الأصول، فإننا نبحث عن التعريفات اللازمة في كلمات المتأخرين والنخبة بعد وحيد بهبهاني(قدس سره)، لأن المتأخرين عادة ما يكونون أكثر نجاحًا في تقديم تعريفات دقيقة.
يقول ميرزا القمي في تعريف الحكم الشرعي: «الحكم الشرعي هو ما كتب الله على عباده في نفس الأمر والكاشف عنه والدليل عليه هو كلامه وكلام رسوله؟ص؟ وأمنائه والعقل القاطع.»[۱]
المحقق النائيني وآية الله الخوئي «قدس سرهما» في مبحث الاستصحاب قسموا الحكم الشرعي أولًا إلى تكليفي ووضعي، ثم عرّفوا كلًا منهما ولم يقدموا تعريفًا جامعًا.[۲]
لكن الشهيد آية الله صدر(قدس سره) قدم تعريفًا جديدًا للحكم الشرعي يشمل جميع أنواعه. فقد قال: «الحكم الشرعي هو التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه سواء كان متعلقًا بأفعاله أو بذاته أو بأشياء أخرى داخل حياته، والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة مبرزة للحكم والكاشفة عنه وليست هي الحكم الشرعي نفسه.»[۳]
أما تقسيم الحكم إلى ظاهري وحقيقي فيتم على مقياسين، كلاهما منقول عن الشيخ الأنصاري(قدس سره) في مطارح الأنظار.[۴]
وفقًا للمصطلح الأول، الأحكام الظاهرية هي الأحكام المستفادة من الأصول والأدلة الفقهية، مقابلها الأحكام الحقيقية هي الأحكام المستفادة من الأمارات والأدلة الاجتهادية، وبالمصطلح الثاني، الأحكام الظاهرية هي جميع الأحكام المستفادة من الأدلة الظنية سواء كانت أمارات أو أصول.
المحقق النائيني(قدس سره) أشار إلى المصطلح الثاني في كلامه[۵]، وفي تقارير درس آية الله الخوئي «قدس سره» نجد كلا المصطلحين المذكورين في كلام الشيخ. وهو يؤكد أن مفاد الأصول والأمارات هو الحكم الظاهري.[۶]
ما ذكره المرحوم مظفر في تعريف الحكم الظاهري والحقيقي في بداية كتابه يتفق مع المصطلح الأول.[۷] لكن في كتاب «الأصول العامة للفقه المقارن» قدم المؤلف العالم كلا المصطلحين في عبارة بسيطة وواضحة.[۸]
على أي حال، هذا الاختلاف في المصطلحات لا يسبب مشكلة في مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، لأن أصل هذا النقاش هو شكل متطور من نقاش إمكانية أو استحالة التعبد بالظن، ونعلم أن الأمارات والأصول كلها أدلة غير قطعية، وإذا أخذنا في الاعتبار دليل الحجية ودليل التعبد بهذه الأدلة، يمكن القول إن مفاد الأمارات والأصول هو الحكم الظاهري، ولذلك يقول الأستاذ الشهيد آية الله صدر(قدس سره) في تعريف الحكم الحقيقي والظاهري: «الحكم الواقعي هو كل حكم لم يُفترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق، والحكم الظاهري هو كل حكم افترض في موضوعه الشك في حكم شرعي مسبق»، ثم يؤكد أن جميع الأمارات من حيث دليل الحجية وجميع الأصول مفيدة للحكم الظاهري.[۹]
أما اعتبار الأحكام المستفادة من الأمارات حقيقية كما ورد في كلمات الأصوليين، فقد يكون اعتبارًا لأن لسان الأمارة كشف الواقع، والأمارة دائمًا تدل على الواقع. فإذا قيل إن مفاد الأمارة هو الحكم الحقيقي، فهذا يعني أن محك الأمارة هو الحكم الحقيقي، لكن لا يمكن اعتبار مفاد الأصول حكمًا حقيقيًا لأنها لا تحمل صفة الحكاية، بل مفاد الأصول دائمًا هو الحكم الظاهري.
الآن حان الوقت للدخول في أصل النقاش. نجد في كتب المتقدمين حول خبر الواحد جذور هذا النقاش، والنقاط التي طرحوها في مقام الرد على المخالفين وشرح رأيهم. هذه النقاط عامة وشاملة ويمكن تعميمها على ظنون أخرى خاصة، وفلسفة التعبد ببعض الظنون تُستخدم من خلالها.
في رأينا، هذا النقاش أخذ شكلاً وترتيبًا خاصًا في زمن الشيخ الأنصاري(قدس سره) أو قريبًا منه، وأصبح محيط المسألة واضحًا إلى حد ما لإصدار الحكم النهائي، ولهذا نعتبر نقطة انطلاق النقاش الجدي والواسع في هذا الباب هي آراء الشيخ الأنصاري(قدس سره)، وما طرحه الآخرون قبله نعرضه تحت عنوان خلفية النقاش.
خلفية النقاش
السيد مرتضى(قدس سره) (م ۴٣۶هـ) يقبل إمكانية التعبد بخبر الواحد كأحد الأدلة الظنية ويرد على أدلة القائلين بالاستحالة. لكنه في جانب الوقوع يرى عدم وجود دليل معتبر على حجية خبر الواحد. في جواب هذا الاعتراض بأن خبر الواحد ظني، وإذا لم يطابق الواقع يؤدي إلى فقدان المصلحة الواقعية، يقدم جوابًا نقضيًا بأن نفس الاعتراض وارد في الأدلة الظنية الأخرى مثل البيّنة، ويقدم جوابًا حليًا بأن نفس العمل بخبر الواحد يمكن اعتباره فيه مصلحة ترد فقدان المصلحة الواقعية، لكنه لا يحدد نوع هذه المصلحة، ثم يضيف أن القياس بين الفروع والأصول غير جائز.[۱۰]
الشيخ الطوسي(قدس سره) (م ۴۶٠هـ) في عده الأصول يقول إن التعبد بخبر الواحد عقلاً جائز، ويرد على القائلين بالاستحالة بالبيّنة كدليل نقضي.[۱۱]
المحقق الحلّي(قدس سره) (م ۶٧۶هـ) يذكر رسمياً ابن قبة كزعيم لشبهة استحالة، ويقبل في مقام الجواب مرةً حجية البينة وما شابهها كأدلة ظنية، ويعتبرها نقصاً في استدلال المخالفين، ومرة أخرى في مقام حل الإشكالات يقول: بما أن الخبر الواحد دليل ظني معتبر، وحجيته مأخوذة من دليل قطعي، فهو يخرج من دائرة الظنون المطلقة، ولا يمكن القول بأن العمل به مفسدة وممنوع. [۱۲]
صاحب معالم(قدس سره) (م ١٠١١هـ) لم يعتبر شبهة ابن قبة جديرة بالاعتبار، وتجاوزها بسهولة. [۱۳]
وكذلك وحيد بهبهاني(قدس سره) (م ١٢٠۶هـ) لم يشأ الإشارة إلى المحاذير العقلية في تعبد الظن، وكأنه لم يعتبرها إشكالاً جديراً بالاهتمام. [۱۴]
ميرزاي قمي(قدس سره) (م ١٢٣١هـ) بعد أن يصرح بأن الخلاف الموجود في باب جواز العمل بالخبر الواحد هو عين النزاع في جواز العمل بالمطلق الظني، ينقل شبهة ابن قبة بتفصيل أكثر، ويرد عليها بالإضافة إلى نقضها بأسباب أخرى ظنية، قائلاً إن المصلحة التي يضيعها الجابر هي مصلحة الطاعة والتعبد لأمر المولى. عبارته في الرد على الشبهة تحليل الحرام وتحريم الحلال وشبهة تفويت المصلحة وإلقاء المفسدة هي كما يلي: «ويمكن دفعها بأننا نرى بالعيان أن الشارع الحكيم جاز لنا أخذ اللحم من أسواق المسلمين وحكم بالحل، وإن لم نعلم كونه مذكى، وكذلك دفع المؤاخذة عن الجاهل والناس وغيرهم، فعلم من ذلك أنه تدارك هذا النقص من شيء آخر من الشرائع من الأعمال الشاقة والمجاهدات الصعبة وسائر التكليفات، فلا مانع من أن يجوز العمل بالظن الحاصل من خبر الواحد، وإن كان في نفس الأمر موجباً لارتكاب الحرام وترك الواجب.» [۱۵]
عبارته في بحث مقدمات الدليل أكثر وضوحاً في أن فلسفة التعبد بالإمارات الظنية هي حصول الانقياد والطاعة، وفي حال كان الإمارة على خطأ، مع أن مصلحة نفس الأمر تُفوت على المكلف، إلا أن تعبد المكلف يرفع درجة الطاعة والانقياد، وهذه المصلحة العامة تعوض فوت تلك المصلحة الخاصة التي هي في نفس الأمر، وفي النهاية يعتبر هذا الكلام حلاً للجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. عبارة المحقق القمي(قدس سره) هي: «فإذا فهم المكلف من خطاب الشارع فهماً علمياً بنفس الحكم وامتثل به فهو جامع للسعادتين أعني الفوز بالمصلحة الخاصة الكامنة فيه والفوز بالمصلحة العامة التي هي نفس الانقياد والطاعة، وإذا فهم فهماً ظنياً على مقتضى محاورة لسان القوم الذي أنزل الله الكتاب وبعث الرسول؟ص؟ فهو وإن فقد المصلحة الخاصة لكنه أدرك المصلحة العامة بل عوض المصلحة الخاصة أيضاً لئلا يخلو عمله من الأجر وفاقاً للعدل لحصول الانقياد بدونه أيضاً وبعد ملاحظة هذا السر يندفع ما يتوهم أنه كيف يجمع هذا مع القول بكون الأحكام ثابتة في نفس الأمر في كل شيء على نهج المستقر ثابت وأن التصويب باطل».[۱۶]
صاحب فصول(قدس سره) (م ١٢۵٠هـ) يقول: «لا نعرف محظوراً في التعبد بالظن، مع أن المحظور قد يكون واقعاً في الحقيقة.» هذا القول لصاحب فصول هو نفس دليل الوجدان الذي أقامه الشيخ في الرسائل. ثم يشير صاحب فصول لدفع المحظور إلى مقياس المصلحة في تسهيل جعل حجية الإمارات، ويقول: «فإن ثبوت الأحكام عندنا تابع لحسن تشريعها، فقد يحسن وضع القاعدة وتعميمها إلى مواردها تسهيلاً لأمر التكليف، وإن أدى إلى ارتكاب القبيح الواقعي، ومن هذا الباب جواز الاعتماد على الإمارات الشرعية من الاستصحاب وقول ذي اليد والشهادة مع إمكانية الفحص عن الواقعة وتحصيل العلم بها».[۱۷]
السير التاريخي للنقاش حتى الآن يوضح لنا عدة نقاط:
١- القدماء من الأصوليين لم يعتبروا بحث إمكانية التعبد بالظن مفيداً ومهماً إلا بالنسبة للخبر الواحد وإثبات حجية ذلك.
٢- في مقام الرد على شبهة ابن قبة، كان الجميع يعتبرون أفضل وأبسط دليل هو الدليل النقضي، أي وقوع التعبد القطعي في بعض الحالات كدليل على إمكانية التعبد بالظن.
٣- في مواجهة شبهة تفويت المصلحة، اضطر بعضهم إلى افتراض مصلحة في جعل الحكم الظاهري، سواء كانت مصلحة التعبد أو مصلحة التسهيل أو مصلحة أخرى.
٤- لم يُذكر شيء عن شبهة اجتماع مثلين، أي اجتماع مثلاً وجوب ظاهري ووجوب حقيقي في حالة اصابة الإمارة، وشبهة اجتماع ضدين، أي اجتماع مثلاً وجوب ظاهري وحرمة حقيقية في حالة خطأ الإمارة، التي أشار إليها صاحب الكفاية وسُميت بالمحظور الخطابي في كلمات المحقق النائيني.
لكن بعد ذلك في كلمات الشيخ الأنصاري(قدس سره) وتلميذه المحقق الخراساني(قدس سره)، وبعدهما المحقق النائيني(قدس سره) وتلميذه آية الله الخوئي(قدس سره)، وأخيراً آية الله الصدر الذي أخذ بمبنى هؤلاء العظماء، توسع النقاش وتوسع أكثر فأكثر. المقارنة بين آراء هؤلاء الخمسة من كبار الأصوليين هي المهمة الأساسية في هذا المقال، وهذا الهدف لا يتحقق دون تحرير النزاع.
تحرير محل النزاع
في هذا القسم يجب الإجابة على عدة أسئلة:
١- ما المقصود بالإمكان في بحث إمكانية التعبد بالظن؟
٢- هل هذا البحث يخص الخبر الواحد فقط، أم كل الإمارات الظنية، أم مطلق الأحكام الظاهرية؟
٣- على أي أساس يُطرح هذا البحث في باب حجية الأدلة الظنية، في فرض انسداد أو انفتاح باب العلم، في فرض طريقية الإمارات أو سببيتها وموضوعيتها؟
سيُجاب عن السؤالين الثاني والثالث خلال المباحث القادمة، وسنعرف أن النقاش مطروح في كل الصور والافتراضات، وأنه جاري أيضاً في مطلق الأحكام الظاهرية، بل إن نطاق الإشكالات المطروحة في باب الظن يمتد أحياناً إلى باب القطع، ووفق قول الشهيد آية الله الصدر(قدس سره) فإن حفظ الأحكام الحقيقية في حالات القطع يحتاج إلى تفسير وتوجيه. [۱۸]
أما بالنسبة للسؤال الأول، فيجب أن نقول إن المشهور بين علماء الأصول هو أن حجية الظن ليست ذاتية، بل عرضية وبموجب جعل من الجاعل، ولكن آية الله صدر(قدس سره) يعتقد أن حجية الظن في جانب المنجزية كقطع ذاتي. هذا الأساس الذي يُعرض في قالب مذهب حق الطاعة يحتاج في موضعه إلى تفسير وتحليل، والآن النقاش هو أي قسم من أقسام الإمكان بحسب المشهور هو المقصود من قبل الأصوليين في عنوان البحث.
آية الله حكيم(قدس سره) شرح في هامش كتاب الكفاية أقسام الإمكان الأربعة:
١ ـ الإمكان الذاتي: وهو رفع الضرورة من جانب الخصم بالنظر إلى الذات نفسها، ومقابله الامتناع الذاتي مثل امتناع اجتماع النقيضين.
٢ ـ الإمكان الوقوعي: وهو رفع الضرورة من جانب الخصم بالنظر إلى ما هو خارج الذات، ومقابله الامتناع الوقوعي، مثل أن نقول إن التعبد بالظن ممتنع، أي أن وقوعه يستلزم فساداً كتحليل الحرام وتحريم الحلال.
٣ ـ الإمكان القياسي: وهو رفع الضرورة [من جانب الخصم] بالنظر إلى قواعد شرعية وعقلية معلومة، كما يقولون إن التكليف بالضدين بطريقة الترتب ممكن، أي مع مراعاة القواعد المعروفة التي بين أيدينا لا وجه لامتناع ذلك، لأن اجتماع الضدين أو اجتماع النقيضين أو الدور أو المحذورات الأخرى لا يلزم منه.
٤ ـ الإمكان الاحتمالي: والمقصود به مجرد الاحتمال قبل النظر في البرهان أو بعده، ولكن مع العجز عن إقامة برهان على الإمكان أو الامتناع بأحد المعاني الثلاثة التي سبق ذكرها. [۱۹]
وقد أضاف المرحوم نائيني على هذه الأقسام قسمًا خامسًا وهو الإمكان التشريعي، وسيأتي شرحه.
الشيخ الأنصاري(قدس سره) في الرسائل لم يذكر الإمكان الذاتي، ويعتبر الإمكان الوقوعي محل نزاع، وأقام دليلين على إمكان التعبد بالظن، أحدهما دليل الوجدان والآخر سيرة العقلاء. ثم شكك في الدليل الأول وقبل الدليل الثاني. يقول الشيخ(قدس سره): نحن لا نحيط بكافة جوانب الحسن والقبح في الأشياء. قد نعتبر شيئًا ممكنًا ولكن وقوعه يستلزم مفسدة، ولكن يمكننا القول إن العقلاء عند الشك في امتناع أو إمكان وقوع شيء، يبنون على الإمكان. [۲۰]
المحقق الخراساني(قدس سره) تحدث عن الإمكان الذاتي والإمكان الوقوعي، وقال إن حجية الأمارات غير العلمية ليست ضرورية الثبوت لا بطريقة العلة ولا بطريقة الاقتضاء، بل ثبوت الحجية للأمارة يحتاج إلى جعل. ثم بعد الانتهاء من الإمكان الذاتي، تناول حجية الأمارة من جهة الإمكان الوقوعي، واعتبر نفس الوقوع دليلاً على الإمكان الوقوعي، وناقش دليل الشيخ(قدس سره) صغريًا وكبريًا بأن أولاً تحقق مثل هذه السيرة عند العقلاء ووجود أصل يسمى أصالة الإمكان محل إشكال، وثانيًا على فرض تحقق هذه السيرة، لا دليل قطعي على حجيتها، والظن بالحجية غير مفيد، لأن اعتبار الظن هو بداية الكلام، وثالثًا لأن هناك دليلًا على وقوع التعبد بالظن، فلا حاجة لإثبات أصالة الإمكان، والبحث عن الإمكان لغو، وإذا لم يكن هناك دليل على الوقوع، فالحديث عن الإمكان لا فائدة منه. وأخيرًا أشار إلى الإمكان في كلام شيخ الرئيس حيث قال: «كل ما قرع سمعك من الغرائب فذرّه في بقعة الإمكان ما لم يزدك عنه دافع البرهان» وقال: الإمكان هنا بمعنى الإمكان الاحتمالي وخارج النزاع، ولا يمكن أن يكون مؤيدًا لأصالة الإمكان التي ادعاها الشيخ. [۲۱]
حتى الآن علمنا أن هناك ثلاثة أدلة على وقوع التعبد بالظن:
الأول: دليل الوجدان الذي قال به المشهور وناقشه الشيخ(قدس سره).
الثاني: سيرة العقلاء التي لم يقبلها الشيخ(قدس سره) وعلق عليها المحقق الخراساني(قدس سره).
الثالث: دليل الوقوع الذي ورد في الكفاية وانتقده المتأخرون من أصحاب الكفاية.
ميرزا نائيني(قدس سره) قال إن المقصود من الإمكان في محل البحث هو الإمكان التشريعي، أي هل التعبد بالظن يستلزم محظورًا في عالم التشريع مثل تقوية المصلحة، والإلقاء في المفسدة، واستلزام الحكم بلا ملاك، واجتماع حكمين متنافيين، وغيرها من التوالي الفاسد الذي ظن أنه حاصل، أم أنه لا يلزم أي من هذه المحظورات، والمقصود ليس الإمكان التكويني المختص بالأمور الخارجية ليُبحث هل الأصل العقلي هو الحكم بالإمكان حتى يثبت الإمكان أم لا؟ [۲۲]
لكن كلام المحقق نائيني لم يقبله أي من الأصوليين المتأخرين، رغم ادعائه الوضوح، فقال آقا ضياء العراقي(قدس سره) في هامش هذا القسم من فوائد الأصول: «أن يكون موضوع الإمكان والاستحالة أمرًا تشريعيًا لا يخرج الإمكان من عالم التكوين، وإذا كان التعبد بالظن في التشريع يستلزم محظورًا كاجتماع الضدين، فهذا معناه أن هذا التعبد والتشريع في عالم التكوين محال.»
وكذلك آية الله الخوئي(قدس سره) في تأييد هذا الاعتراض قال: الإمكان والاستحالة من الأمور الواقعية التي يدركها العقل، والإمكان ليس له قسمان تكويني وتشريعي، بل هو دائمًا إمكان تكويني. أقصى ما في الأمر أن موضوع الإمكان أحيانًا يكون من الأمور التكوينية، كما نقول إن هطول المطر في يوم معين ممكن، وأحيانًا يكون من الأمور التشريعية، كما نقول إن وجود حكم معين أو التعبد بالظن ممكن. [۲۳]
آية الله حكيم(قدس سره) في تعليق الكفاية بعد شرح أقسام الإمكان الأربعة التي ذكرناها سابقًا، جعل محل النزاع الإمكان القياسي، وقال: من نوع الاستدلالات التي وردت على امتناع التعبد بالظن نستنتج أن المعنى الأول والرابع ليسا محل نقاش، فمدار النقاش هو المعنى الثاني أو الثالث.
من كلام صاحب كفايه يتضح أن المعنى الثاني محل نزاع، والمعنى الثالث خارج عن النزاع، لأن أصالة الإمكان التي طرحها الشيخ (قدس سره) قد وُضعت موضع مناقشة، فقال: يجب أن نعلم أنه في الواقع لا محذور من التعبد بالظن اللازم؛ أي العلم بعدم وجود المحذور ضروري، لا عدم العلم بالمحذور حسب القواعد المنطقية والعقلية المعروفة. ثم قال المرحوم الحكيم في التعليق: الدليل المشهور، وهو دليل الوجدان، قابل للدفاع عنه، ولا يمكن تجاهله بسهولة، لأن احتمال لزوم محال لم يصل إليه العقل هو من الاحتمالات السفسطائية التي يمكن القطع بعدمها، فبالتالي يمكن بدليل الوجدان إثبات إمكانية وقوع التعبد بالظن، وليس الأمر كما لو أن النقاش حول الإمكانية بدون مراعاة وقوعها أو عدم وقوعها لغو، لأن أولاً النزاع في الإمكانية يسبق النزاع في الوقوع، ولو كان دليل الوقوع كافياً لما كان هناك نزاع، وثانياً النزاع في الإمكانية من قبيل النزاع في أمر عقلي، فلا يمكن الاستدلال عليه بدليل سمعي، وثالثاً صحيح أنه إذا لم يثبت وقوع التعبد فلا فائدة عملية للنقاش في الإمكانية، لكن وجود الفائدة العملية ليس شرطاً لصحة النزاع الأصولي، فهناك كثير من المسائل الأصولية، خصوصاً المسائل المطروحة في كفايه الأصول، التي لها فائدة علمية فقط. [۲۴]
خلاصة كلام المرحوم الحكيم (قدس سره):
الإمكانية الوقوعية والإمكانية القياسية كلاهما يمكن أن يكونا محل نزاع، لأن في اصطلاحنا تعني العلم بعدم لزوم المحذور، ونحن وجداناً لا نعرف محذوراً للتعبد بالظن، واحتمال وجود محذور يتجاوز إدراكنا غير معتبر، فنحكم بلزوم المحذور. أما الإمكانية القياسية فيمكن أن تكون محل نزاع، لأنها في اصطلاحنا تعني عدم العلم بلزوم المحذور، وبالطبع إثبات الإمكانية بهذا المعنى أسهل.
أما دليل الوجدان، مع التبرير الذي ذُكر له، فهو مقبول، مع أن دليل الوقوع صحيح أيضاً، لكن لا يمكن بالاستناد إلى دليل الوقوع القول بأن النقاش حول إمكانية أو عدم إمكانية التعبد بالظن لغو. لكنه صمت عن الاعتراضات الثلاثة للمحقق الخراساني على أصالة الإمكان، ويبدو أنه اعتبرها واردة.
آية الله الخوئي (قدس سره) بعد طرح الاعتراضات الثلاثة للمرحوم آخوند قال: كلام ميرزا النائيني هو الاعتراض الرابع على الشيخ (قدس سره). ميرزا النائيني يرى أنه إذا قبلنا أصالة الإمكان كأصل عقلي، فإن المراد من الإمكان في هذا الأصل هو الإمكان التشريعي لا التكويني. ثم قال المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره): كل الاعتراضات الأربعة على الشيخ غير واردة.
أما الاعتراضات الثلاثة للآخوند الخراساني (قدس سره) فهي غير واردة؛ لأنه تصور أن مراد الشيخ من أصالة الإمكان هو البناء على الإمكان المطلق، لكن الظاهر أن مراد الشيخ هو البناء على الإمكان عند قيام دليل معتبر على الوقوع. مثل أن ظاهر كلام المولى يدل على حجية الظن ووجوب الحكم بالظاهر، على الأقل يجب القول إن الاحتمال وارد أن يكون مراد الشيخ البناء على الإمكان في هذا الفرض، ثم يمكن بسهولة فهم ما ثمرته بناء العقلاء على إمكانية التعبد بالظن أو استحالته؟ لأنه إذا كان التعبد بالظن من وجهة نظر العقلاء ممكنًا، فيجب أخذ ظاهر كلام المولى والعمل بالظن، وإذا كان التعبد بالظن محالاً عند العقلاء، فهذه الاستحالة قرينة عقلية قطعية على أن كل ما صدر عن الشارع وظاهره التعبد بالظن يجب تأويله والتخلي عن ظاهره. مثلاً إذا أمر المولى بأخذ الخبر الثقة أو ظاهر الكتاب، يجب القول إن أمره امتحاني أو إيجاد تبرير آخر.
الآن إذا صدر أمر من المولى بأخذ ظن معين واحتُير هل العقلاء يرون وقوع هذا الأمر ممكنًا ويجب العمل بظاهر الأمر، أم محال ويجب أن يكون المراد غير ظاهر الأمر، ففي مثل هذا الموضع يبني العقلاء على الإمكان، ولا شك أن الشارع أقر هذا البناء. هكذا تُدفع كل الاعتراضات الثلاثة للمرحوم آخوند (قدس سره). أما الاعتراض الرابع فهو مبني على تقسيم الإمكان إلى تكويني وتشريعي، وقد علمتم أن الإمكان دائمًا تكويني، بل موضوعه أحيانًا أمر تكويني وأحيانًا أمر تشريعي. لذلك يجب اعتبار كلام الشيخ متينًا ومستقيمًا تمامًا. [۲۵]
ولكن الحق أن دفاعات المرحوم خوئي(قدسسره) عن الشيخ(قدسسره) تثير إشكالات أخرى، بالإضافة إلى أننا لا نعلم كيف تكون أقواله دافعة للإشكال الثالث. في هذه المرحلة يدخل الشهيد آية الله صدر(قدسسره) إلى ميدان النقاش ويقضي على هذا النزاع. يقول: أولاً لا بد من إتمام كلام المحقق الخراساني ثم نحكم. يجب أن نرى لماذا أشار المحقق الخراساني في إشكاله الثاني إلى أننا لا نملك يقيناً بموافقة الشارع على هذا السيرة وتأييدها، مع العلم أن السيرة العقلائية بلا كشف تأييد الشارع لا تكون ذات حجية في ذاتها. فما الفرق بين سيرة العقلاء على أصالة الإمكان وسيرة العقلاء على حجية الظهور، حتى يقول المحقق الخراساني في الحالة الثانية: لدينا يقين بموافقة الشارع، أما في الحالة الأولى فيقول: أقصى ما لدينا ظن بموافقة الشارع؟ لابد أن السبب هو أنه إذا كان لدينا يقين بتأييد الشارع، فهذا يعني يقين بوقوع الحكم الظاهري، ونتيجة لذلك لا يبقى مجال لأصالة الإمكان ويُلغى موضوعها، لأنه لا شك في الأمر، ونتيجة لذلك يكون اليقين بتأييد الشارع مخالفاً للفرض ومستحيلًا. يجب أن نعتبر هذا الكلام غير المصرح به تتمة لكلام المحقق الخراساني ونحكم بناءً عليه. لقد فهم أستاذنا آية الله خوئي(قدسسره) من كلام الشيخ الأنصاري(قدسسره) أن مراده من أصالة الإمكان هو أصالة حجية ظاهر كلام المولى وتشريعه، طالما لم يكن لدينا يقين بعدم إمكان مدلول ذلك. مثل أن يقول المولى: «أكرم كل فقير» ونحن نحتمل أن يكون إيجاب إكرام الفقير الفاسق محالاً، فلا نرفع يدنا عن عموم الدليل بمجرد هذا الاحتمال. وكذلك الأدلة التي ظاهرها جعل حجية وجعل حكم ظاهري، ما دام لم يكن لدينا يقين بعدم إمكان جعل الحجية، نحكم بحجية ظاهر ذلك الدليل. ولكن هذا الكلام واضح السهو، لأنه أساساً لا يمكن وضع محل النزاع حيث تكون هناك علامة ظنية معتبرة على الحكم الظاهري، لأننا ننقل الكلام إلى تلك العلامة الظنية ونقول إن حجيتها إما مثبتة باليقين أو بالظن. فإذا ثبتت باليقين، فلدينا يقين بتحقق الحكم الظاهري، وإذا ثبتت بالظن، فإمكان حجيتها هو بداية الكلام. نقاشنا هو في أصل إمكانية جعل الحجية، لا في إمكانية أو استحالة ثبوت مدلول الدليل. نعم، كما قال، لا شك أنه إذا كان شيء حجّة، فلا يمكن رفع اليد عنه إلا إذا ثبت بقطع أو بحجة أقوى بطلانه. بالطبع إذا ثبتت حجية الظهور، ولكن شككنا في حجية صنف خاص من الحجج والأحكام الظاهرية مثل الخبر الواحد، يمكن الاستناد إلى حجية الظهور لإثبات حجية الخبر الواحد، ولكن محل نقاشنا هنا هو إمكانية أو استحالة أصل جعل الحكم الظاهري. [۲۶]
الشهيد آية الله صدر(قدسسره) في مقام التحكيم بين الشيخ الأنصاري والأخوند الخراساني «قدس سرهما» في مسألة أصالة الإمكان والإشكالات الثلاثة للأخوند الخراساني في الكفاية يقول: أما بالنسبة للإشكال الثالث، فيمكن القول إن النقاش في الإمكان قبل النقاش في الوقوع في حالتين صحيح.
الأولى: نفترض وجود دليل قطعي على التعبد بالحكم الظاهري، بحيث يكون قطع دلالته مشروطاً بثبوت إمكانية التعبد بالظن. بل إذا كان دليل وقوع آية قطعي السند والقطع بالدلالة، يمكن القول إن هذا الدليل يدل قطعاً على وقوع التعبد بالظن، فهو أخص من دليل الإمكان، ومع وجوده يكون النقاش في الإمكان لاغياً. أما إذا افترضنا دليل الوقوع هو السيرة العقلائية، فإن دلالته مشروطة بتأييد الشارع وعدم منعه، وفي إثبات عدم المنع يمكن القول إن الشارع ربما وثق بأصل عقلائي إمكانية التعبد بالظن. إذن قطع دلالة هذا الدليل متوقف على ثبوت أصالة الإمكان، وإذا قبلت أصالة الإمكان في المرحلة السابقة، فإن دلالتها التزامية هي أن الشارع أيضاً أقر أصالة الإمكان.
الثانية: نفترض وجود دليل قطعي على جعل حكم في حالات الشك أو الظن، ولكن مجرد هذا الدليل لا ينفي موضوع أصالة الإمكان، لأن عدم إمكانية جعل الحكم الظاهري قد يكون من جهة كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، أي أن القائلين باستحالة جعل الحكم الظاهري ربما رأوا أنه لا يمكن تبرير وجود حكمين لموضوع واحد. الدليل المذكور يثبت أنه في حالات الشك أو الظن، يوجد حكم ونحن لا نعلم هل هو حقيقي أم ظاهري. فإذا أردنا أن نستخلص التزام وجود الحكم الحقيقي في ظرف الشك من عموم أدلة الأحكام الواقعية، نضطر إلى قبول حجية العموم كأحد الأحكام الظاهرية، فإذا كنا قد أثبتنا أصالة الإمكان سابقاً كأصل عقلائي، فلن نعتبر مدلول هذا العموم مستحيلاً، وهذا يشبه تماماً ما أشار إليه آية الله خوئي(قدسسره) أنه إذا قال المولى: «أكرم كل فقير» واحتملنا أن إيجاب إكرام الفقير الفاسق محال، نتمسك بظاهر الدليل ولا نعير اهتماماً لاحتمال الاستحالة.
كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي والرد على الشبهات الموجودة في باب إمكانية التعبد بالظن وجعل الحكم الظاهري
الفصل الأول: آراء الشيخ الأنصاري(قدسسره)
نقل الشيخ من رسائل استدلالين من ابن قبّة على استحالة التعبد بالخبر الواحد:
١ ـ إذا كان العمل بالخبر الواحد جائزاً في الفروع، فهو جائز أيضاً في الأصول، وهذا باطل.
٢ ـ العمل بالخبر الواحد يؤدي إلى تحليل الحرام وتحريم الحلال وانقلاب الأحكام من وجهها، وهذا الاستدلال ينطبق على كل علامة غير علنية.
ثم يرد الشيخ على الإشكال الأول قائلاً: أولاً هذا القياس باطل، وثانياً في الأصول لدينا دليل على عدم الوقوع وليس على عدم الإمكان، وثالثاً إذا كان التعبد بالظن واقعاً حتى في الأصول فهو في حالات نادرة، وأساس الدين مثبت بالأدلة القطعية. أما الإشكال الأول والثاني للمحقق الخراساني بأننا لا نملك مثل هذه السيرة، وإذا كانت موجودة فهي أقصى ظني، وحجية الظن هي بداية الكلام، فلا مهرب من هذين الإشكالين. [۲۷] والنتيجة أنه لا يمكن السير في إثبات أصالة الإمكان بالطريقة التي سار فيها الشيخ(قدسسره).
وفي الرد على الشبهة الثانية، بالإضافة إلى نقض الأدلة الظنية الأخرى مثل الفتوى والبينة واليد، يقدم جوابًا حليًا مفصلًا على النحو التالي: إذا كان باب العلم منسدًا وكانت الأحكام الواقعية في حق الجميع نافذة، فعقلاً وشرعًا لا مفر من العمل بالظن. لأن بعد العلم، أفضل طريق للعمل هو الظن، وإذا كان باب العلم مفتوحًا واعتُبر أن خطأ الظنون أكثر من العلوم، وإذا قبلنا مبدأ طريقية الإمارة، فلا بد من القول بأن التعبد بالظن قبيح، لأن العمل بالظن يسبب خسارة ولا توجد مصلحة فائقة فيه، ولكن على أساس السببية التفصيلية في الأمر. السببية المنسوبة إلى الأشاعرة هي أن الجاهل قبل قيام الإمارة لا حكم له، وحكمه هو ما تقوله الإمارة؛ هذه السببية تدفع شبهة ابن قبة لكنها نفسها باطلة؛ لأنها تخالف قاعدة الاشتراك. السببية المنسوبة إلى المعتزلة هي أن الحكم الواقعي في حق الجاهل مُجعل، لكنه مشروط بعدم قيام الإمارة على خلافه، وهذه السببية أيضًا تخالف قاعدة الاشتراك وهي باطلة. وبيان الشيخ في بطلان هذا الوجه هو: «فالحكم الواقعي فعلي في حق غير الظان بخلافه وشأني في حقه بمعنى وجود المقتضي لذلك الحكم لولا الظن على خلافه، وهذا أيضًا كالاول في عدم ثبوت الحكم الواقعي للظان بخلافه».[۲۸]
أما القسم الثالث من السببية فهو الذي يُعتبر تصويبًا شيعيًا، والمعروف بمسلك المصلحة السلوكية. الشيخ الأنصاري (قدس سره) الذي يُعتبر رسميًا مؤسس هذا المسلك، في شرحه يقول: نحن لا نقول إن حكم الجاهل محصور في مؤدى الإمارة، بل الحكم الواقعي في حق العالم والجاهل مشترك، ولكن العمل وفق الإمارة واستنادًا إليها، وبعبارة أخرى، سلوك الإمارة له مصلحة تعوّض في حال خطأ الإمارة فقدان المصلحة الواقعية، ثم يبذل الشيخ جهدًا كبيرًا ليُظهر الفرق بين القسم الثالث من السببية والقسم الثاني. فقد قال في القسم الثاني: عندما تقوم الإمارة على وجوب الجمعة مثلاً، يكون مؤدى الإمارة هو الحكم الواقعي، وإذا ظهر كشف خلاف ذلك وظهر خطأ الإمارة، فإن موضوع الحكم الواقعي يتغير. مثل تحوّل الخلّ إلى خمر. أما بناءً على القسم الثالث، إذا كانت الإمارة مخالفة للواقع، فلا توجد مصلحة في مؤدى الإمارة حتى يحدث تعارض. ذات العمل تبقى على حالها، فقط مطابقة العمل مع الإمارة فيها مصلحة، وهذه المصلحة لا تتصادم مع المفسدة الواقعية لتُبطلها، فلا يوجد كسر أو انكسار في الأمر، بل المصلحة السلوكية تتكوّن تدريجيًا وبقدر السلوك، وتُعوّض المصلحة الواقعية المفقودة. ويجب التأكيد مرة أخرى أن المصلحة السلوكية بقدر السلوك. الشيخ يعتقد أن المصلحة السلوكية ممكنة وواقعية؛ ممكنة لأنها لا تفضي إلى محذور، بل ترد شبهة ابن قبة، وواقعية لأنها تستلزم التصويب ولا تخالف قاعدة الاشتراك، بل هي ضد التصويب.
من الشيخ (قدس سره) يُفهم وجه الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. الوجه الأول المعروف بنظرية المصلحة السلوكية التي شرحناها، وترد شبهة تفويت المصلحة وإلقاء المفسدة، وشبهة نقض الغرض، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وتقدم تفسيرًا لثبوت نوعين من الحكم على موضوع واحد. لكن هذا الوجه قائم على السببية والموضوعية في جعل الأحكام الظاهرية، وليس على طريقية.
بعد الشيخ الأنصاري (قدس سره) يمكن اعتبار المحقق النائيني من المدافعين عن نظرية المصلحة السلوكية. فهو يرى لهذه النظرية ثلاث خصائص مهمة: أولًا، خلافًا للسببية المعتزلية والأشعرية، لا تستلزم التصويب، وثانيًا، هذه السببية عين الطريقية، وثالثًا، بناءً على هذه النظرية لا يمكن القول بإجزاء الحكم الظاهري مطلقًا.[۲۹]
بعد المحقق النائيني (قدس سره)، وجه معظم أئمة أصول الفقه اعتراضات على هذه النظرية. آية الله فيروزآبادي (قدس سره) في تعليقه على الكفاية يقول: «هذا المسلك لا محذور ثبوتي له، ولكن لا دليل إثباتي عليه».[۳۰] أما آية الله الخوئي (قدس سره) فقد ادعى وجود محذور ثبوتي لها. يقول: السببية من النوع الثالث تستلزم تبدل الحكم الواقعي ونوعًا من التصويب، لأنه إذا افترضنا أن سلوك الإمارة يتضمن مصلحة تعوّض المصلحة الواقعية، فلماذا فرض الشارع استيفاء المصلحة الواقعية وجوبًا تعيينيًا؟ بل يجب أن يكون هناك تخيير بين إيجاب الواقع وسلوك الإمارة. مثلاً، يجب افتراض أن مصلحة صلاة الظهر قائمة على أمرين: أحدهما الصلاة نفسها، والآخر سلوك الإمارة التي تدل على صلاة الجمعة ولم يُكشف خلاف ذلك. هنا إذا خصّص الشارع الوجوب الواقعي بصلاة الظهر، فالترجيح يكون بلا مرجح.
لذا يجب أن يكون الواجب الواقعي لأحد الأمرين تخييريًا: إما صلاة الظهر أو سلوك الإمارة المذكورة، وحينها تُخدش قاعدة الاشتراك؛ لأن الحكم الواقعي في حق العالم تعييني، وفي حق الجاهل تخييري، وهذا نوع من التصويب.[۳۱]
يقول الشهيد آية الله صدر(قدس سره): في باب جعل الأحكام الظاهرية، إذا كان الأساس على السببية أو بمعنى آخر على الموضوعية، أي أن الأحكام الظاهرية لها مبادئ خاصة بها ومستقلة عن مبادئ الأحكام الواقعية، وقيام العبرة يؤدي إلى حدوث مصلحة غير المصلحة الواقعية، ففي هذه الحالة يحدث تعارض بين مبادئ الأحكام الظاهرية ومبادئ الأحكام الواقعية، ويجب البحث عن سبيل للجمع بينهما. وقد بيّن الشيخ الأنصاري المصلحة السلوكية كطريق للجمع لحل هذه المشكلة، ونحن نعرضها في قالب جديد. وفقًا لما قاله الشيخ(قدس سره)، فإن المصلحة ومرتكز الحكم الظاهري في نفس الفعل ليست هي الأولى التي يكون عليها الحكم الواقعي، بل المصلحة في الحكم الظاهري تكون في عنوان آخر مثل عنوان اتباع العبرة وسلوك العبرة، ونتيجة لذلك لا يحدث اجتماع حكمين متضادين في عنوان واحد. وأما التلازم والتزاحم بين المعيارين الناتج عن تلازم العنوانين في الخارج، فهو محذور فقط إذا كان كلاهما تكليفًا واصلًا، أما وجود تكليفين حقيقيين إذا لم يكونا واصلين فلا محذور فيه. مثلاً، يمكن أن يكون صلاة الجمعة في الواقع محرمة، ولكن تقوم العبرة على وجوبها، حينئذ يكون سلوك العبرة واجبًا ظاهريًا، ولا تعارض بين هذا الوجوب وتلك الحرمة، لأن كلاهما لن يكون واصلًا مع الآخر، إذ إن الحكم الظاهري مشروط بعدم وصول الحكم الواقعي. [۳۲]
توضيح الأستاذ الشهيد في هذا القسم يجيب على اعتراض آية الله الخوئي(قدس سره)، وسيأتي شرح أكثر لذلك. ثم يضيف الأستاذ الشهيد في توضيحاته أن هذا الجمع مبني على مسلك خاص في باب اجتماع الأمر والنهي. بناءً على هذا المسلك، فإن تعدد العناوين كافٍ لدفع مشكلة اجتماع الأمر والنهي؛ لأن مصب الأحكام هو العناوين في الذهن بما هي حاكٍة عن الخارج وليس المعنونات؛ رغم أن المصلحة والغرض المعروض معنوان، إلا أن المعروض حكم العنوان نفسه بحمل أولى. أي ما يُنظر إليه باعتباره خارجًا، والعنوان بهذا الشكل متعدد كما شرحنا، وإنصاف المعنون الخارجي يكون بالمطلوبية أو المحبوبة والمكروهة بالعرض والعناية لا بالحقيقة… بناءً على ذلك، يجوز اجتماع الأمر والنهي على موجود واحد خارجي يحمل عنوانين، مثل أن يكون الأمر بجنس والنهي بفعل، رغم أن تركيب الاثنين في الخارج اتحاد. المصلحة السلوكية بالتقريب المذكور، إذا كانت مقبولة في حد ذاتها، فهي على الأقل مختصة بالحالات التي يكون فيها الحكم الظاهري مثل الحكم الواقعي محتمل الإلزام، أما في الحالة التي يكون فيها الحكم الظاهري ترخيصًا فلا تجري، مثلاً افترض أن العبرة قائمة على الترخيص والإباحة، إذا كان موضوع ومصب هذه الإباحة الظاهرية نفس العنوان الذي هو متعلق بالحكم الواقعي، فسيحدث المستحيل بسبب تعارض الحكمين، وإذا كان عنوانًا آخر، فإن جعل الإباحة بالنسبة لهذا العنوان لا يمكن أن يزعج الحكم الواقعي الإلزامي، لأن الترخيص لا يمكن أن يزعج الإلزام، ومنطقياً يُعتبر مؤمناً به، فبالتالي جعل هذه الإباحة بمثابة جعل إباحة واقعية على عنوان ملازم للواجب الواقعي ولا يزعجه بأي وجه. ونتيجة لذلك، فإن جعل مثل هذه الإباحة لا يستلزم تأمينًا من الوجوب الواقعي. [۳۳]
ثم يتناول في نقد اعتراض آية الله الخوئي(قدس سره) على المصلحة السلوكية، ويقول:
لقد طابق اعتراضه بمثال الظهر أو الجمعة، ولكن كان بإمكانه الإشارة إلى حالة أخرى يكون فيها الاعتراض أشد وأوضح، وهي حين نفترض أن شيئًا ما في الواقع حرام، وتقيم العبرة على إباحته، في هذه الحالات، فوات المفسرة الواقعية وتداركها بالمصلحة السلوكية يعني أن الحرام الواقعي يتحول إلى مباح، وهذا أسوأ أنواع التصويب، ويجب أيضًا الانتباه إلى أنه وفقًا لهذا الاعتراض لا فرق بين أن تكون المصلحة السلوكية استيفائية أو تداركية بمعنى أنها من جنس المصلحة الواقعية أو مصلحة أخرى تعوض فوت المصلحة الواقعية. لكن يبدو أن القائلين بنظرية المصلحة السلوكية كانوا مدركين لهذا الاعتراض، ولذلك أشاروا في كلامهم إلى أن العلاقة الطولية بين المصلحة والحكم الواقعي قائمة، والشيخ(قدس سره) نفسه يصرح بأن استيفاء المصلحة السلوكية مشروط ببقاء الواقع، وإذا افترضنا أن المولى قد رفع يده عن الحكم الواقعي وأن العبرة ليست معرضة للخطأ، فلا تكون سلوكه مصلحة، إذًا المصلحة السلوكية في طول المصلحة الواقعية، وبعبارة أخرى، بقاء المصلحة الواقعية شرط تحقق المصلحة السلوكية، ولكن هذا لا يعني أن المصلحة السلوكية هي عِدل المصلحة الواقعية، رغم أن المصلحة السلوكية استيفاءً أو تداركًا تكون بمقدار المصلحة الواقعية، لأن العِدلية تكون في طول بقاء الواقع، ولذلك لا يمكن أن تكون رافعة له، وإلا لزم من وجودها عدمها. نعم في النهاية يحدث نوع من التوسع القهري التكويني في مبادئ الحكم وفي دائرة الغرض، لكن هذا التوسع لا يؤدي إلى توسع في الجعل الشرعي، ولذلك يصر الشيخ الأنصاري على أن هذه النظرية ضد التصويب. ونقول: إذا كان رأيهم هو عدم التصويب من حيث الجعل، فقولهم صحيح، وإذا كان التصويب من حيث المبادئ هو المقصود، فبالطبع وفقًا لمسلك المصلحة السلوكية يحدث مثل هذا التصويب، لكن الشيخ وأتباعه قد اعتبروا التصويب من حيث الجعل فقط باطلًا.[۳۴]
ثم يذكر الأستاذ الشهيد نقده الأساسي على مسلك المصلحة السلوكية هكذا: لا نعلم ما الفرق بين أن تكون المصلحة في المؤدي كما يقول المعتزلة والأشاعرة، أو في السلوك كما يقول الشيخ(قدس سره).
الاحتمال الأول: طرح هذه النظرية بأن المصلحة في العنوان الثانوي للفعل أي في السلوك وليس في المؤدي والفعل كأولى له، ربما كان بسبب أننا إذا اكتشفنا خلافًا لا نكون ملزمين بالإجزاء.
الجواب: الحق أننا يمكن أن نلتزم بعدم الإجزاء حتى مع فرض وجود المصلحة في المؤدي. لأن فرض المصلحة في المؤدي مشروط ببقاء الحكم الظاهري، وبقاء الحكم الظاهري مشروط بالشك، فإذا اكتشفنا خلافًا وثبت خطأ العبرة، فلا شك بعد ذلك في عدم وجود حكم ظاهري، وفي النهاية نقول المصلحة في المؤدي.
الاحتمال الثاني: كان رأي أصحاب هذا المذهب هو حل مشكلة التضاد ضمنيًا بالطريقة التي تقول إن مركز المصلحة في الحكم الظاهري وأسبابه هو العنوان الثانوي للفعل، أما أسبابه في الحكم الحقيقي فهي قائمة على الفعل نفسه كعنوان أولي، فمركز كل منهما غير الآخر.
الجواب: كما شرحنا سابقًا، هذا الكلام لا ينطبق في حالة كان الحكم الظاهري هو الإباحة.
الاحتمال الثالث: قصد أصحاب هذا المذهب أن [يحدث اختلاف بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي لأن] إذا كانت المصلحة في الفعل كعنوان أولي، فالحكم سيكون الحكم الحقيقي [ولا يحدث اختلاف ظاهري].
الجواب: إن ظاهرة الحكم لا تعتمد على أن تكون المصلحة في الحكم قائمة على العنوان الثانوي حتى يحدث اختلاف عن الحكم الحقيقي التي مصلحته في العنوان الأول، بل يكفي في ظاهرة الحكم أن يكون الحكم معتمدًا على الشك والتردد، سواء كان ذلك قائمًا على العنوان الأول أو على العنوان الثانوي.
الاحتمال الرابع: كان رأيهم في دفع الشبهة هو التصويب. [بشرح أنه يمكن القول إن المصلحة في سلوك الإمارة، والمصلحة الحقيقية محفوظة في مكانها، وفي حالة خطأ الإمارة تعوّض هذه المصلحة مصلحة الواقع].
الجواب: سواء كانت المصلحة في المؤدي أو في سلوك الإمارة، إذا كانت هذه المصلحة في استمرار الحكم الحقيقي وبقائه، فليس التصويب من حيث الوضع، وإلا يلزم التصويب كما أوضح السيد الأستاذ.[۳۵]
وجه جمع آخر يستفاد من كلمات الشيخ (قدس سره) هو أن موضوع الحكم الظاهري يختلف عن موضوع الحكم الحقيقي، وبما أنه لا وجود لوحدة الموضوع، فلا إشكال في وجود نوعين من الحكم الفعلي.
موضوع الحكم الحقيقي هو ذات الشيء، أما موضوع الحكم الظاهري فهو الشيء باعتبار أن حكمه الحقيقي مشكوك فيه.
هذا الجمع نسبه المشكيني في حاشية الكفاية إلى السيد محمد الأصفهاني (قدس سره)، ووفقًا لما ورد في أجود التقريرات نسبه المحقق النائيني إلى العلامة المجدد الشيرازي [۳۶]، لكن نسبته إلى الشيخ (قدس سره) مبنية على كلامه في بداية بحث البراءة حول تعارض الأصل والدليل الإيجابي، وكذلك كلامه في بداية بحث التوازن والتراجح.
أول وأهم ناقد للشيخ (قدس سره) في كثير من المسائل الأصولية ومنها هذه المسألة هو المحقق الخراساني. فقد قال إنه حيثما يوجد الحكم الحقيقي، لا يلزم وجود الحكم الظاهري، ولكن حيثما يوجد الحكم الظاهري يوجد الحكم الحقيقي في درجته. ونتيجة لذلك، بالنسبة لغير العالم، يتجمع الحكم الظاهري والحكم الحقيقي.[۳۷]
حاول المحقق القوجاني في حاشية الكفاية تقريب الجمع المذكور بطريقة لا تدخل فيها إشكالية صاحب الكفاية. فقد قال: موضوع الحكم الحقيقي ليس مطلقًا يشمل حالة العلم والشك، لأن الإطلاق يكون حيث يمكن التقييد، وكما أنه من المستحيل أن يؤخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم نفسه، فلا يمكن أيضًا أن يؤخذ الشك في الحكم في موضوع ذلك الحكم نفسه. ونتيجة لذلك، عند الشك في الحكم الحقيقي، لا يوجد إلا الحكم الظاهري فقط.
لكن الحق أن دفاع المحقق القوجاني لا يصلح، ولا مفر من إشكال المحقق الخراساني، لأن الإهمال في مقام الثبوت غير جائز، والمراد من الإطلاق في محل البحث ليس الإطلاق الاعتباري الإثباتي، بل الإطلاق الناتج عن الثبوت. بالإضافة إلى أن إنكار الحكم الحقيقي في حالة الشك يعادل التصويب ومخالف لقاعدة الاشتراك.
حان الآن الوقت لرؤية ما سبق مع فوائد أخرى مجتمعة في كلام الشهيد آية الله صدر (قدس سره). فقد قال:
هذا الجمع فسّر وقُرّب بطريقتين:
أ- قال المحقق الخراساني إن الحكم الظاهري باعتبار أنه في موضوعه أخذ الشك في الحكم الحقيقي، هو في درجتين متأخرتين عنه. ثم قال بنفسه إن الحكم الظاهري رغم أنه ليس في مرتبة الحكم الحقيقي، إلا أن الحكم الحقيقي موجود في مرتبة الحكم الظاهري. ولكن يجب القول إن هذا الإشكال غير وارد على الشيخ، لأن كما أن المعلول ليس في مرتبة سببه ولا يجتمع معه، فالسبب أيضًا ليس في مرتبة معلوله. في الواقع، تعاصر السبب والمعلول هو زماني وليس رتبي، أي إن هذا الاختلاف في المرتبة والامتداد محفوظ دائمًا. فلا الحكم الحقيقي يقع في مرتبة الحكم الظاهري، ولا العكس.
الرد الصحيح على هذا الجمع هو أن أولًا الامتداد بين الحكم الحقيقي والظاهري وفق المعيار المذكور (أن أحدهما مأخوذ في موضوع الآخر) غير مقبول، لأن الشك متأخر عن المشكوك بذاته وليس المشكوك بعبارته، والتنافي والتضاد بين حكمين يكون بسبب وجودهما الحقيقي وليس وجودهما العلمي، والأساس أن الكلام في كيفية الجمع بين حكمين في حد ذاته وفي نظر المكلف وبالنظر إلى مبادئهما، وليس من حيث المكلف ونظرته، والمسألة يمكن أن تكون أن المكلف في موضوع الوضع الظاهري قد أخذ فرض الشك في الحكم الحقيقي، وليس أن المكلف يجب أن يكون بالفعل في حالة شك ليتمكن من الوضع.
وثانيًا، إذا قبلنا تعدد الدرجات، فلا تُحل المشكلة لا مشكلة التضاد ولا مشكلة نقض الغرض، كما لو فرضنا مثلاً في موضوع الحَم أن وجوب شيء ما قد أخذ حرمة ذلك الشيء، فإن مشكلة التضاد بين الوجوب والحرمة لا تُحل، لأن الممنوع هو اجتماع حكمين في وقت واحد، لا اجتماع في مرتبة، فإذا افترضنا أن أحد الضدين سبب للآخر، فلا يزال اجتماعهما محالًا، بل من وجود علاقة التضاد بينهما نفهم أنه لا توجد علاقة سببية، وليس أن هذا التضاد معلق على عدم السببية. وكذلك تبقى مشكلة نقض الغرض، مثلاً إذا كان الحكم الظاهري الإباحة والحكم الحقيقي الحَم هو الوجوب، فهل لهذه الإباحة أثر وتكون سببًا للإعفاء من الالتزام؟ في الحالة الأولى تثار شبهة نقض الغرض سواء افترضنا تعدد الدرجات أو توحدها، وفي الحالة الثانية يكون الحكم الظاهري ملغى وعديم الأثر، وهذا خلاف الفرض.
ب: تحقيق نائيني ذكر تفسير صاحب كفاية من هذا الطريق وجواب صاحب كفاية من ذلك، وقال إن أصل هذا الجمع لم يُفهَم على وجه الصواب، ثم أورد كلامًا مشوشًا ومعقدًا وخلاصته أن الحكم الظاهري في طول الحكم الحقيقي، أي أن الحكم الحقيقي مقتضٍ للحكم الظاهري وسبب وجوده بحيث لا معنى لوجود الأحكام الظاهرية بدون وجود الأحكام الحقيقية. وعلى هذا الأساس، من المستحيل أن يكون الحكم الظاهري دافعًا للحكم الحقيقي أو مانعًا له، لأن الشيء لا يمنع ما يتوقف عليه وجوده، وإلا لزم من وجوده عدمه.
ردنا على تحقيق نائيني (قدس سره) هو: نعم، الحكم الظاهري لا يمنع الحكم الحقيقي، ولكن لا مانع من افتراض أن الحكم الحقيقي يكون مانعًا للحكم الظاهري. لذا يجب علينا حل مشكلة التضاد قبل دراسة علاقة التوقف والطولية؛ لأن من المستحيل أن يكون أحد الضدين سببًا في وجود الضد الآخر. وإذا حُلت هذه المشكلة، فقد حُلت، وإلا فافتراض الترتب في حد ذاته مستحيل. «وبتعبير أوضح: من يدعي التضاد بين الحكمين لا يفهم الحكم الظاهري إلا كحكم حقيقي، ومع ذلك لا تكون طولية بينه وبين الحكم الحقيقي، بل يكون في عرضه، فافتراض الطولية بالنحو المبين في التقريب إنما يكون بعد تعقل الحكم الظاهري وإمكانه كما هو واضح».[۳۸]
تلخيص كلام الشهيد آية الله صدر (قدس سره):
الإيمان بتعدد الرتب لا يحل مشكلة الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي، وعلى الرغم من دفاعات تحقيق نائيني، تبقى شبهات اجتماع مثلين أو ضدين وكذلك شبهة نقض الغرض وتفويت المصلحة، ومع ذلك لا يمكن قبول اعتراض تحقيق خراساني عليه.
هذا الطريق في الجمع قبله الأستاذ الشهيد في الحلقة الثانية من تلقّي، وقال: «ما دام أحدهما من سنخ الأحكام الواقعية والآخر من سنخ الأحكام الظاهرية فلا محذور في اجتماعهما، وإنما المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة وجوب حقيقي وإباحة واقعية».[۳۹] ولكن في الحلقة الثالثة أبدى رأيه النهائي وقال: «وما قيل سابقًا من أنه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري؛ لأنهما سنخان مجرد كلام صوري إذا لم يُعطَ مضمونًا محددًا، لأن مجرد تسمية هذا بالواقعي وهذا بالظاهري لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الأحكام التكليفية وهي متضادة».[۴۰]
وجه الجمع الثالث الذي يستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري (قدس سره) مختص بالإمارات. فقد أورد في التنبيه الأول من تنبيهات باب الانسداد في جواب صاحب هداية المسترشدين ضمن كلامه: «فيه أن تفريغ الذمة عما اشتغلت به إما بفعل نفس ما أراده الشارع في ضمن الأوامر الواقعية وإما بفعل ما حكم حكمًا جعليًا بأنه نفس المراد وهو مضمون الطرق المجعولة.»[۴۱]
تحقيق نائيني في مقام دراسة هذا الوجه من الجمع قال: الشيخ (قدس سره) يرى أن جميع الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية، ويعتقد أن الحجية منتزعة من حكم الشارع بأن مؤدى الطريق هو الواقع نفسه. لذلك لا ينشأ حكم تكليفي آخر مقابل الحكم الحقيقي الموجود بحيث يؤدي اجتماع الضدين إلى لزومهما معًا. لكن وجهة نظره من وجهة نظرنا غير مقبولة، لأن الواجب الحقيقي إذا كان مثلاً صلاة الجمعة وأشارت الإمارة إلى وجوب صلاة الظهر، فإن حكم الشارع بأن صلاة الظهر هي الواجب الحقيقي إما أن يكون مجرد خبر أو إنشاء، فالوجه الأول غير معقول، والوجه الثاني معناه أن الشارع حسب صلاة الظهر كصلاة الجمعة وأثبت الوجوب الحقيقي لها، وهذا التصور معتزلي ومعناه انقلاب الواقع بعد قيام الإمارة وهو مخالف، أو معناه أن الجريان العملي يجب أن يكون وفق الإمارة، وفي هذه الحالة لا يبقى فرق بين الإمارة والأصل، ويقعان في عرض بعضهما، وتزول علاقة الحكم بين الإمارات والأصول.[۴۲]
الفصل الثاني: آراء تحقيق خراساني (قدس سره)
قسم محذورات التعبد بالظن إلى ثلاثة أقسام:
١ ـ إما أن نؤمن بوجود أحكام لا تتغير وثابتة غير مؤديات الإمارات، أو نؤمن بالتصويب.
في الحالة الأولى إذا صَدَقَت الإمارة على الواقع ينشأ اجتماع مثلين، وإذا أخطأت الإمارة ينشأ اجتماع ضدين، وبما أن الأحكام الشرعية ليست مجرد اعتبارات خالية من المبادئ، فإن محذور اجتماع الإرادة والكراهة واجتماع المصلحة والمفسدة دون نقصان أو انكسار ينشأ كذلك، والحالة الثانية رغم أنها لا تستلزم هذه الإشكالات، إلا أنها في حد ذاتها باطلة.
٢ ـ بناءً على التخطيئة، إذا أخطأت الإمارة ودلت على وجوب عملي مضاد للواجب الحقيقي، ينشأ طلب ضدين. في الفرض السابق متعلق الحكم الظاهري والحقيقي واحد، وفي هذا الفرض متعدد، وطلب الضدين للمكلف من قبيل المتزاحمين.
٣ ـ إذا دلت الإمارة على عدم وجوب ما هو واجب في الواقع، أو دلت على عدم حرمة الحرام الحقيقي، ينشأ تفويت المصلحة وإلقاء المفسدة.
في الرد على صاحب كفاية (قدس سره) يذكر الأقوال الثلاثة في باب حجية الإمارات كما يلي:
١ ـ الحجية من الاعتبارات المتأصلة التي لها قدرة جعل مستقلة، مثل الملكية والزوجية، وجعلها لا يستتبع حكمًا تكليفيًا، بل جعل الحجية للإمارة بمعناها مثل العلم المنجز والمعذّر.
٢ ـ الحجية من جملة الأحكام الوضعية التي لها قدرة جعل مستقلة لكنها تستلزم أحكامًا تكليفية.
٣ ـ الحجية لا تملك قدرة جعل مستقلة، بل هي تبعية لجعل منشأ انتزاعها وهو وجوب العمل بمؤدى الإمارة، وهو مجعول.
وبناءً على القول الأول، من قيام الإمارة لا ينشأ حكم تكليفي آخر حتى لا نصاب بمحذور اجتماع مثلين أو ضدين، فبالنسبة للمحذور الأول والثاني نمنع الصغرى أي أن ما يدعى لزومه غير لازم، وبالنسبة للمحذور الثالث نمنع الكبرى أي أن ما يدعى لزومه غير باطل، لأنه يمكن افتراض أن التعبد بالظن يشمل مصلحة أكثر من مصلحة الواقع.[۴۳]
لكن صاحب كفاية لم يحدد كيف تكون هذه المصلحة، وعلق المرحوم الحكيم والمرحوم فيروزآبادي (قدس سرهما) على كفاية فقالا: المراد ليس المصلحة السلوكية، بل مصلحة التسهيل.[۴۴]
وفقًا للرأي الثاني والثالث اللذين يقرّان بأن جعل حجية الدليل يعني جعل حكم أو ما يستلزم جعل حكم، تعود المحاذير السابقة، وللتملص منها يطرح المحقق الخراساني سلاحًا جديدًا في الميدان فيقول إن الحكم الظاهري طريقي والحكم الحقيقي واقعي، والمراد من الحكم الطريقي هو حكم لا يوجد وراءه مصلحة أو مفسدة في الموضوع، بل المصلحة فيه في ذات الجعل، وبهذا يكون إصدار حكمين مختلفين، أحدهما حقيقي والآخر طريقي، لا يحمل محذور اجتماع مثلين ولا محذور اجتماع ضدين؛ لأن الحكم الظاهري حكم شكلي وليس من جنس الحكم الحقيقي ليُعدّ مثيلاً له أو ضده.
وقد قال المرحوم فيروزآبادي «قدس سره» في نقد ومراجعة آراء صاحب كفايه:
الرأي الأول المعروف بمذهب تتميم الكشف، ومعناه تنزيل الدليل بمثابة العلم، ولو افترض قبوله فهو خاص بالدلائل ولا يفيد في أصول الفقه، لأننا في الأصول مضطرون للالتزام بجعل حكم ظاهري، بالإضافة إلى أنه لا يمكن قبول هذا الجواب في الدلائل نفسها، لأن جعل الحجية ملازم لجعل الحكم الظاهري، وهذان لا ينفصلان. والأخبار التي تدل على حجية الخبر الثقة ظاهرها يدل على جعل حكم ظاهري، مثل «فما أدّيا إليك عنّي فعني يؤديان» و«لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا».
وأما الرأي الثاني والثالث: فبالإضافة إلى أنهما غير مقبولين في باب الأصول العملية، فإنهما يستلزمان أن حكمًا مثل الحكم الظاهري ليس بالضرورة، لأن مصلحة الحكم الطريقي في ذات الجعل، وبمجرد الجعل يتحقق، ولا يكون للموضوع أي وجه من الوجوه. [۴۵]
دخول هذه الاعتراضات ونقص هذين الحلين دفع صاحب كفايه إلى التفكير في إيجاد حل شامل يسري في الأصول العملية أيضًا، وفي النهاية قال:
«نعم يشكل الأمر في بعض الأصول العملية كالأصالة الإباحة الشرعية، فإن الإذن في الإقدام والاقتحام ينافي المنع فعلاً كما في ما صادف الحرام، وإن كان الإذن فيه لأجل مصلحة فيه لا لأجل عدم مصلحة أو مفسدة ملزمة في المأذون فيه، فلا محيص في مثله إلا عن الالتزام بعدم انقداح الإرادة أو الكراهة في بعض المبادئ الغالية أيضًا كما في المبدأ الأعلى لكنه لا يوجب الالتزام بعدم كون التكليف الواقعي بفعلي بمعنى كونه على صفة ونحو لو علم به المكلف لتنجّز عليه كسائر التكليفات الفعلية التي تتنجّز بسبب القطع بها.»[۴۶]
من كلام صاحب كفايه (قدس سره) يُفهم أن الفعليّة على نوعين: فعليّة منجزة تتعلق بحكم يعلم المكلف به أو قائم عليه دليل معتبر، وفعليّة معلقة تتعلق بحكم لا يعلم المكلف به ولا قائم عليه دليل، وبمجرد أن يُعلم أو يُدلّل عليه بالدليل تصبح فعليّة، والمراد من فعليّة الحكم الحقيقي في الحالات التي يكون فيها الدليل مخالفًا له هي الفعليّة المعلقة، وهذه النوعية من الفعليّة لا تستلزم بعثًا وزجزًا من المولى.
وقد أوضح المرحوم فيروزآبادي أن هذا الجمع يَجد طريقه في الأصول وفي الدلائل، ويُزال به محذور اجتماع المثلين أو الضدين، وغير محذور طلب الضدين، لأنه عندما يصبح الحكم الحقيقي فعليًا غير منجز، لا يكون هناك إرادة أو كراهة عليه لتتنافى مع الحكم الظاهري، وإذا صادفت الدلائل ووافقت الأصول الواقع، يجتمع حكمان متماثلان، وهذا الاجتماع سبب تأكيد وليس محذورًا. [۴۷]
وقد قال المرحوم الحكيم (قدس سره) في نقد هذا الجمع: إذا لم تكن وراء الحكم الحقيقي إرادة وكراهة، فكيف يتحقق التنجّز بسبب العلم؟ إذا رأينا أن الحكم الفعلي يتنجّز بسبب العلم، فذلك باعتبار أنه يدل على الإرادة أو الكراهة، والعلم لا يسبب الموضوعية في التحريك. لذلك، الالتزام بعدم الإرادة والكراهة الحقيقية للحكم الحقيقي مع الالتزام بأن الحكم الحقيقي «لو علم به لتنجّز» هو التزام بأمرين متنافيين. نعم يمكن القول إن العلم بالأحكام الحقيقية الإنشائية يؤدي إلى وصولها إلى مرتبة الفعليّة، وفي هذه الحالة لا يكون للعلم طريقية ومنجزية، بل يُؤخذ في موضوع الحكم الفعلي، وإذا حصل علم آخر بهذا الحكم، عندها يكون منجزًا، إذًا التنجّز مستند إلى العلم الثاني لا العلم الأول.
ومن هنا يُعلم أن قيام الدليل على الأحكام الحقيقية، حتى لو كان الدليل مصيبًا، لا يمكن أن يكون منجزًا لها، لأن الدليل في المنجزية ليس أفضل ولا أرفع من العلم. ومن هنا يُعلم أيضًا أنه بحسب ما يقول المحقق الخراساني: لا يمكن أبدًا اعتبار الحكم الحقيقي فعليًا إلا إذا كان مراده من الفعليّة معنى جديدًا غير المعنى المعتاد والمصطلح. [۴۸]
وقد قال آية الله الخوئي (قدس سره) إن من المحقق الخراساني في كفايه الأصول وحاشية رسائل ثلاث طرق للجمع، وهي مبنية على أن حجية الدلائل المفروضة مستتبعة لحكم تكليفي، أو في الحقيقة هي الحكم التكليفي المفروض ويُستنبط منها الحجية، أما إذا كانت الحجية نفسها مفروضة وليست مستتبعة لحكم تكليفي، فلا ينشأ محذور اجتماع الحكمين، ولكن الأصل في هذا المبدأ غير صحيح، وتلك الطرق الثلاث للجمع تُختصر في:
أ) الحكم الحقيقي شأن، والحكم الظاهري فعلي.
ب) الحكم الحقيقي إنشائي، والحكم الظاهري فعلي.
ج) الحكم الحقيقي فعلي من بعض الجوانب، والحكم الظاهري فعلي من جميع الجوانب.
ثم بحث كل واحد منها تفصيلاً واعتبر وجود عيب التصويب في جميعها. [۴۹]
وقال المحقق النائيني (قدس سره): «في الجمع بين الحكم الحقيقي والظاهري حمل المحقق الخراساني (قدس سره) الأول على الشأن أو الإنشاء، والثاني على الفعلي، ولكن في كلتا الحالتين هذا الجمع غير مقبول.» [۵۰]
ثم ذكر استدلاله مطولًا، وقد نُقل ونُقد جزء منه في كلام الشهيد آية الله صدر. ثم ننتقل إلى كلام ذلك الشهيد الجليل ونختم هذا الفصل بقول فصل له.
وقد اعتبر المرحوم آخوند خراساني «قدس سره» للحكم أربع مراتب:
١ ـ مرتبة الاقتضاء والشأن.
٢ ـ مرتبة الإنشاء بمعنى الاعتبار والجعل الذي يُعبَّر عنه باللفظ أو بمعنى وجود إنشائي للحكم بحسب مذهب القائلين بخلق بعض المعاني.
٣ ـ مرتبة الفعليّة التي فيها الإرادة الفعلية أو الكراهة وفق الحكم لتحفيز المكلف موجودة.
٤ ـ مرتبة التنجّز التي فيها يطلب العقلاء الامتثال للحكم، والمخالفة لها تستوجب العقاب.
ثم توصل المرحوم الآخوند في الجمع بين الحكمين إلى نتيجة مفادها أن الأحكام الواقعية فعلية، ولكن فعليتها معلقة على عدم فعليّة الحكم الظاهري، أي أنها فعالة من جميع الجهات وجميع شروط الفعليّة متوفرة فيها إلا شرطًا واحدًا وهو ألا تكون مخالفة للحكم الواقعي.
وقد اعترض المرحوم النائيني(قدس سره) على ما قاله الآخوند الخراساني بأنه لا يفهم الفرق بين الحكم الإنشائي والحكم الفعلي، وكيف يكون من المعقول فصل إنشاء الحكم عن فعليته. لأن العلم بموضوع الجعل والإنشاء إما أن يكون مقيدًا أو لا. فإذا كان مقيدًا بالموضوع، ففي حالات عدم العلم لا يكون الحكم لا مخلوقًا ولا مخلوقًا له، وإذا لم يكن مقيدًا بالموضوع، فكل من الجعل والمخلوق في حالات الحكم الظاهري ثابت، لأن موضوعه محقق، والتحقيق في الموضوع بلا شك يستلزم فعليّة الحكم.
ثم يقول الشهيد الصدر(قدس سره) إن اعتراض النائيني ناشئ من رغبته في فرض مصطلحاته على صاحب الكفاية. فميرزا النائيني يفسر مرتبة الإنشاء على أنها الجعل في قالب القضية الشرطية، ومرتبة الفعليّة على أنها المخلوق والقضية الفعلية. بينما قصد المرحوم الآخوند من فعليّة الحكم هو مرحلة من الحكم تتجلى فيها الإرادة والكراهة في نفس المولى بشكل فعلي، وقصدهم من إنشاء الحكم أو اعتبار الحكم هو ما يُعبَّر عنه لفظًا أو بمعنى وجود إنشائي للحكم، والتضاد بين الأحكام من حيث الفعليّة هو في مبادئها، أي أن المولى يجب أن يكون له إرادة فعليّة وكراهة فعليّة. أما الأحكام في مرحلة وجود الإنشاء، فلا تضاد بينها بأي من التفسيرين، لأن الإنشاء والاعتبار أمر سهل، ولأن بطلان التصويب ثابت في موضعه وقد قبلنا أن الأحكام الواقعية تثبت في مرتبة الإنشاء أيضًا، فإن وصولها إلى الفعليّة معلق على عدم انبثاق الحكم الظاهري، فلا تضاد ولا نقض للغرض، لأن الغرض هو المعيار الذي يطلبه المولى بالفعل. [۵۱]
وبعد تجاوز اعتراض المرحوم النائيني، يمكن تقديم تبرير لكلام صاحب الكفاية(قدس سره) وإظهار طريق الجمع بين آرائهما بشكل مقبول. وسيأتي شرح هذا بعد بيان ثلاثة مقدمات لإثبات الرأي المختار في الفصل الخامس.
الفصل الثالث: آراء المحقق النائيني(قدس سره)
لقد قسم المحقق النائيني المحذورات في التعبد بالظن إلى قسمين: محذورات ملاكية ومحذورات خطابية.
في القسم الأول قال: بما أن احتمال الخطأ في الأمارات الظنية موجود، فإن التعبد بالظن قد يؤدي أحيانًا إلى تفويت المصلحة أو إحداث المفسدة، واشتغال ابن قبة بمسألة تحليل الحرام وتحريم الحلال يتعلق بهذا المعنى. وهذا الاعتراض له أسس خاصة به لا يتم قبوله إلا بها.
أولًا: الأحكام الشرعية تتبع مصالح ومفاسد في متعلقاتها، وفي نظام التشريع مبادئ الأحكام بمثابة الأسباب، وليست من قبيل المرجحات والمحسنات.
ثانيًا: المخلوق في باب الأمارات هو طريقية النفس، ولا ينبغي قبول المصلحة السلوكية، وإلا فإن المحذور الملاكي يزول.
ثالثًا: باب العلم مفتوح، ولكن في فرض الانسداد يكون التعبد بالظن ليس محظورًا فحسب، بل واجبًا.
وفي النهاية، طرح المحقق النائيني من أجل تفادي المحذور الملاكي في فرض الانفتاح مبدأ مراعاة مصلحة التسهيل، وربما يمكن القول إن تقدم المصلحة نوع من التسهيل على المصالح الشخصية، وبذلك يجيب على شبهات نقض الغرض.
ثم قال: إذا افترضنا أن خطأ الأمارة أكثر من خطأ العلم، أو على الأقل يقتضي خطأً أكبر، وأن اعتبارها يؤدي إلى فوت المصلحة، وإذا افترضنا أن مصلحة التسهيل ليست ملزمة بحيث تعوض فوت المصلحة الواقعية، مع ذلك يمكن اعتبار التعبد بالظن صحيحًا والاعتراف بالمصلحة السلوكية. وهذا السببية متوافقة مع الأصول المخطئة ولا تستلزم التصويب الباطل.
أما المحذور الخطابي فيختصر في اجتماع مثلين عند وقوع الأمارة أو الأصل، واجتماع ضدين عند خطأ الأمارة أو الأصل، والرد عليه هو أنه في الحالة الأولى يتحقق التأكيد، ولا محذور في اجتماع حكمين.
أما في الحالة الثانية، فيجب الرد تفصيليًا، ويفترض التمييز بين كل من الأمارات والأصول المحرزة والأصول غير المحرزة.
في طرق الأمارات أساسًا، الحكم المخلوق ليس حكمًا تكليفيًا حتى يظهر تضاد بينه وبين الحكم الواقعي، بل هو طريقية ووسطية في إثبات المخلوق، ولو اعتبرنا جعل طريقية الأمارات تصديقًا. بل حالة الأمارة المخالفة ليست إلا كحالة العلم المخالف. إذًا في ميدان التشريع تبقى الأحكام الواقعية فقط، والأمارات مثل العلوم أحيانًا توصّلنا إليها فتكون منجزًا وأحيانًا لا توصّل. ومن هنا يظهر فساد قول صاحب الكفاية(قدس سره) الذي يقول إن النفس المعذرة والمنجزة مخلوقتان، لأن هذين من الأحكام العقلية المحضة التي ترتب على وصول الحكم وعدم وصوله، وإذا لم نعترف باعتبار العلم في الأمارة وكونها وسيطًا في الإثبات، فلا يمكن ترتيب هذين، وإذا قبلنا أن الأمارة علم اعتباري، فحينئذ يكون ترتيب هذين قهريًا. أما من وجهة نظر الشيخ، في الأمارات يكون الحكم التكليفي مباشرًا مخلوقًا، ويظهر اشكال التضاد الذي لا يمكن دفعه من وجهة نظرنا.
أما في الأصول المحرزة، فالاشكال قوي، وفي الأصول غير المحرزة أقوى، لأن جميع الأصول تفتقر إلى الطريقية المحضة، إذ في موضوعها يؤخذ بالشك، والشك فيه لا يكون من قبيل العرض والكشف عن الواقع، ولذلك لا يمكن في الأصول مثل الأمارات أن نقبل التتميم بالكشف، ولا بد من قبول جعل الحكم الشرعي، وحينئذ يظهر اشكال التضاد.
ولكن في الأصول المحرزة يمكن الرد على هذا الإشكال بأن الشارع في موارد الأصول المحرزة أمرنا بأن نعتبر مؤدّى الأصل كأنه واقع ونعمل بناءً عليه، وأن الطرف الآخر ألغاه الشارع واعتبره كعدم. في الحقيقة، هو الهوية التي كان الشيخ الأنصاري (قدس سره) يدعيها في باب الأمارات والتي كنا لا نعتبرها صحيحة، يجب قبولها هنا مع الفرق أن الهوية في باب الأمارات تستلزم جعل حكم، أما في باب الأصول فهي هوية عملية، أي بناء عملي على أن المؤدي هو الواقع، وهذا لا يستلزم جعل حكم.
ويبقى الأصول غير المحرزة مثل أصل الاحتياط والبراءة التي فيها أمر الشارع بأن نبني على طرف واحد ولكن لم يلغِ احتمال الطرف الآخر، هنا لا يُعد مؤدّى الأصل كواقع، ولذلك فإن الهوية مجعولة وجريان عملي على بقاء الواقع غير موجود. في هذه الحالات لا شك أن حكماً يولد يتعارض أحياناً مع الحكم الحقيقي أو يتناقض معه. بعضهم طرحوا اختلاف الرتبة والعلاقة الطولية بين الحكمين لحل الإشكال، ولكن كما تعلمون الحكم الحقيقي موجود في مرتبة الشك أي في مرتبة الحكم الظاهري باعتباره «نتيجة الإطلاق»، فالمحذور في اجتماع حكمين يعود. لذلك يجب القول إن مسألة تأخر رتبة الحكم الظاهري عن الحقيقي لا تحل المشكلة إلا إذا أضفنا مقدمة أخرى لهذا الحل ونقول إن وجود نفس الأمر في الأحكام الحقيقية في حالة الشك لا يدعو إلى ذلك ولا يمكن أن يكون دافعاً لإرادة المكلف نحو الامتثال، والحكم الحقيقي وإن وُجد في حالة الشك، فإن نفس جعل الحكم الحقيقي لا يمكن أن يبين وجوده في ظرف الشك، فلا بد أن نلتزم بالمتمم للجعل، أي جعل ثانوي يتكفل بيان وجود الحكم في جميع الحالات بما فيها حالة الشك.
ثم يتناول المحقق النائيني شرح مسلكه ونقتبس هنا جزءاً من عبارته ليتضح أن كلامه كان مصدر إلهام لنظرية الشهيد آية الله صدر (قدس سره):
«الشك باعتبار كونه موجباً للحيرة في الواقع وعدم كونه موصلاً إليه ومنجزاً له، وهو بهذا الاعتبار يمكن أخذه موضوعاً لما يكون متمماً للجعل ومنجزاً للواقع وموصلاً إليه، كما أنه يمكن أخذه موضوعاً لما يكون مؤمناً عن الواقع ـ حسب اختلاف مراتب الملاكات النفس الأمريّة ومناطات الأحكام الشرعية ـ فلو كانت مصلحة الواقع مهمة في نظر الشارع كان عليه جعل المتمم ـ كمصلحة احترام المؤمن وحفظ نفسه ـ فإنه لما كان حفظ نفس المؤمن أولى بالرعية وأهم في نظر الشارع من مفسدة حفظ دم الكافر اقتضى ذلك تشريع حكم ظاهري طريقي بوجوب الاحتياط في موارد الشك حفظاً للحمى وتحرزاً عن الوقوع في مفسدة قتل المؤمن، وهذا الحكم الطريقي إنما يكون في طول الحكم للواقع نشأ عن أهمية المصلحة الواقعية.»[۵۲]
وخلاصة قوله: الحكم الظاهري طريقي بمعنى أنه نظر إلى مصالح ومفاسد مشتبهة. فإذا مثلاً صار الاحتياط الظاهري مطابقاً للواقع، أي أن مورد الشبهة فعلاً كان حفظ حياته واجباً، فإن وجوب الاحتياط الظاهري يتحد مع الوجوب الحقيقي ولا يكون هناك إشكال، وإذا خالف وخرج مورد الشبهة عن الواجب الاحترام، يجب القول إن الاحتياط الظاهري لم يكن واجباً أصلاً والمكلّف كان يظن أنه واجب. وبهذا يتضح أن الحكم الظاهري في طول الحكم الحقيقي ولا يمكن أن يكون مضاداً له.[۵۳]
دراسة آراء المحقق النائيني
رحم الله آية الله الخوئي (قدس سره) فقد اعتبر ما قاله المحقق النائيني في باب الأمارات والأصول المحرزة صحيحاً ومتينا، لكنه قال في الأصول غير المحرزة:
اختلاف الرتبة لا يحل إشكال التضاد بين حكمين، كما أنه من المستحيل أن يأمر المولى بشيء ثم يقول إذا علمت بوجوبه فلا يجب عليك، مع أن الترخيص المتأخر عن الوجوب هو في مرتبتين، سر الأمر أن التضاد متعلق بفعليّة الحكمين في زمن واحد، سواء من جهة الجعل في مرتبة واحدة أو من جهة الجعل في مرتبتين.
أما ما قاله المحقق النائيني في الاحتياط من أن وجوبه طريقي ولأجل حفظ الملاك الحقيقي، فهذا صحيح لكنه لا يختص بصورة المصادفة مع الواقع، لأن وجوب الاحتياط ليس تابعاً لملاك شخصي ليختص بصورة المصادفة، بل تابع لملاك نوعي، أي أن الشارع لا يميز بين مورد الشبهة الذي يوجد فيه الملاك الحقيقي ومورد الشبهة الذي لا يوجد فيه، فيجعل الاحتياط واجباً بشكل عام ليحفظ الملاك الحقيقي في المورد الذي يوجد فيه، وإلا يفوت الملاك الحقيقي، ولذلك فإن نصوص أدلة الاحتياط مطلقة وليست مقيدة بصورة الموافقة للواقع، والتعبير بـ «قف عند الشبهة، فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في المهلكة» دليل على ذلك. بالإضافة إلى أن تقييد الاحتياط بصورة المصادفة مع الواقع غير معقول أساساً، لأن المفروض أن المكلف لم يصل إلى الواقع ولم يحوزه، وإلا لما كان الاحتياط واجباً، فصحة أو عدم صحة الاحتياط للمكلف غير معروفة، وإذا كان وجوب الاحتياط مشروطاً بصورة الصحة، وبما أن صحتها غير محققة، فلا يكون الاحتياط واجباً ويجري البراءة على المكلف، ونتيجة ذلك إلغاء وجوب الاحتياط.[۵۴]
قام الشهيد آية الله صدر بنقد ودراسة آراء المحقق النائيني بالنسبة للأمارات والأصول، لكنه لم يتعرض للجزء الثالث من كلامه، حيث قال: «يرى بعضهم أن الحكم الظاهري على الأقل في بعض الحالات مثل الأمارات، ليس حكماً تكليفياً أصلاً بل من قبيل الأحكام الوضعية. صاحب الكفاية يرى أن المجعول في باب الأحكام الظاهرية هو الإنجاز والمعذّرة، ومرزا النائيني يرى أن المجعول هو العلمية والطريقية، بينما الأحكام الحقيقية هي أحكام تكليفية، وجمع الحكم الوضعي والحكم التكليفي لا يفضي إلى محذور، ما يسبب المحذور هو اجتماع حكمين تكليفين متشابهين أو متضادين.
الفرق بين ميرزا النائيني والأخوند الخراساني «قدس سرهما» هو أن ميرزا يقول: جعل الإنجاز غير معقول؛ لأن القاعدة هي قبح العقاب بلا بيان، ولكن إذا قلنا إن الحجية بمعنى جعل العلم، فإن موضوع هذه القاعدة يُرفع.
ومن وجهة نظرنا، كل هذه اختلافات لفظية. هذا التنوع والتعدد في التعبير لا يؤثر على حقيقة المسألة، وفي كل الأحوال تُخصص قاعدة قبح العقاب بلا بيان. نعم، أثر اعتبار العلم وجعل الطريقية هو أن الدليل يمكن أن يقوم مقام القطع الموضوعي. ومن وجهة نظرنا، جعل الإنجاز أو العذرية أو جعل العلم أو أي اعتبار آخر إذا لم يؤثر على عمل المكلف سواء كان فعلاً أو تركاً، فإن اعتباره سيكون بلا فائدة، وإذا كان هذا الحكم الوضعي يستلزم حكماً تكليفياً ويطلب من المكلف عملاً خاصاً، فإذا لم نعتبر الأحكام التكليفية ناشئة عن مبادئ خاصة بها، ولم نعتقد وراء الأحكام التكليفية بإرادة وشوق أو كراهة وبغض، فلن يكون هناك إشكال في الجمع بين الحكمين، لأن التنافي بين الأحكام يكون من حيث مبادئها، لا مجرد الإنشاء واعتبارها دون مراعاة المبادئ، بالإضافة إلى أن كل ذلك سيترك محذور نقض الغرض بناءً على هذا القول بلا جواب. [۵۵]
وقد ذكر الأستاذ الشهيد في الحلقة الثالثة باختصار ووضوح طريق الجمع عند المرحوم النائيني وأجاب عنه. عبارته كما يلي:
أمّا الاعتراض الأوّل [أي إشكال اجتماع الضدين أو المثلين] فقد أُجيب عليه بوجوه:
منها: ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن إشكال التضادّ [والتماثل] نشأ من افتراض أن الحكم الظاهري حكم تكليفي، وأن حجّيته خبر الثقة ـ مثلاً ـ معناها جعل حكمٍ تكليفيٍّ يطابق ما أخبر عنه الثقة من أحكام، وهو ما يُسمّى بجعل الحكم المماثل، فإن أخبر الثقة بوجوب شيءٍ وكان حراماً في الواقع، تمثّلت حجّيته في جعل وجوبٍ ظاهريٍّ لذلك الشيء وفقاً لما أخبر به الثقة، فيلزم على هذا الأساس اجتماع الضدين، وهما: الوجوب الظاهري والحرمة الواقعية.
ولكن الافتراض المذكور خطأ؛ لأن الصحيح أن معنى حجّية خبر الثقة ـ مثلاً ـ جعله علماً وكاشفاً تاماً عن مؤداه بالاعتبار، فلا يوجد حكم تكليفيّ ظاهريّ زائد على الحكم التكليفيّ الواقعي ليُلزِم اجتماع حكمين تكليفين متضادين؛ وذلك لأن المقصود من جعل الحجية للخبر ـ مثلاً ـ جعله منجزاً للأحكام الشرعية التي يُحكى عنها، وهذا يحصل بجعله علماً وبياناً تامّاً؛ لأن العلم منجز، سواء كان علماً حقيقياً كالقطع، أو علماً بحكم الشارع كالإمارة. وهذا ما يُسمّى بمسلَك (جعل الطريقية).
والجواب على ذلك: أن التضادّ بين الحكمين التكليفين ليس من حيث اعتباريتهما حتى يُدفع بمجرد تغيير الاعتبار في الحكم الظاهري من اعتبار الحكم التكليفي إلى اعتبار العلم والطريقية، بل من حيث مبادئ الحكم، كما تقدّم في الحلقة السابقة.
وحينئذٍ فإن قيل بأن الحكم الظاهري ناشئ من مصلحة ملزمة وشوق في فعل المكلف الذي تعلّق به ذلك الحكم، حصل التنافي بينه وبين الحرمة الواقعية مهما كانت الصيغة الاعتبارية لجعل الحكم الظاهري. وإن قيل بعدم نشوئه من ذلك – ولو بافتراض قيام المبادئ بنفس جعل الحكم الظاهري – زال التنافي بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، سواء جُعل هذا حكماً تكليفياً، أو بلسان جعل الطريقية».[۵۶]
الفصل الرابع: آراء المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره)
قال: إن الإشكال المنسوب إلى ابن قبة مع التوضيحات التي قدمها المتأخرون، يختصر في محذور ملاكي ومحذور خطابي.
وفي الرد على محذور ملاكي يجب التفصيل بين ثلاثة صور:
١ ـ صورة تدل فيها الإمارة على وجوب أو حرمة ما هو مباح فعلاً.
٢ ـ صورة تدل فيها الإمارة على إباحة ما هو واجب أو حرام.
٣ ـ صورة تدل فيها الإمارة على وجوب ما هو حرام أو العكس.
الصورة الأولى
في الصورة الأولى يجب القول: رغم أن الأحكام تتبع المصالح والمفاسد الواقعية، إلا أن مراعاة المصلحة النوعية كافية، ولا يلزم وجود المصلحة الشخصية دائماً في كل حالة، فالأمر الشرعي بالعمل بالإمارة يكون بشكل عام ولحفظ الواجب والحرام الواقعي، رغم أن الإمارة تدل على إباحة التكليف الواقعي، فهي غالباً ما تقود إلى الواقع، وتفويت الملاك الواقعي في هذه الحالة أقل من الحالة التي يكون فيها المكلف على حاله.
الصورة الثانية والثالثة على فرض الانفتاح
إذا كان المقصود انفتاح باب العلم، سواء كان قطع مصاب أو جهل مركب، فهذا الافتراض في الواقع يعود إلى باب الانسداد، لأن المقصود من انسداد باب العلم هو انسداد باب الوصول إلى الواقعيات وليس انسداد باب القطع. أما إذا كان المقصود انفتاح باب إمكانية الوصول إلى الواقعيات، فلا إشكال في التعبد بالإمارة سواء كان بناءً على السببية أو بناءً على الطريقية.
أما بناءً على السببية، فذلك لأن مصلحة تنشأ في المؤدي تزيل إشكال تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة، وأما بناءً على الطريقية، فذلك لأن المصلحة النوعية هي تسهيل المصحح لجعل حجية الإمارات. مع أن الانفتاح بهذا المعنى مجرد فرض.
وأما الرد على محذور خطابي فهو في عدة مقامات:
المقام الأول: إذا كانت الإمارة موافقة للواقع، تنشأ شبهه اجتماع مثلين، والرد على هذه الشبهة يعتمد على اختلاف المبادئ المختلفة.
على أساس الطريقية يكون الحكم واحداً، لكن الإنشاء وإظهار الحكم لغرض إيصال المكلف إليه متعدد، مثل أن السيد يقول مرة: «أكرم زيداً» ومرة أخرى لأنه يرى أن عبده لم يتعرف عليه يقول: «أكرم هذا الرجل». وفي محل النقاش أيضاً يقول مرة باعتبار الشيء نفسه: «شرب الخمر حرام» ومرة أخرى باعتبار حجية الإمارة يقول: «صدق العادل».
أما على معنى السببية، فلا بد من وجود حكمين، والعلاقة بين الحكم الظاهري والواقعي عامة من جهة، لأن الإمارة أحياناً تكون مخالفة للواقع، والحكم الواقعي أحياناً يتحقق بدون وجود إمارة [كحالة القطع] وأحياناً تكون الإمارة مطابقة للواقع، وهذه الحالة تؤدي إلى الاجتماع، ونتيجتها التأكيد.
المقام الثاني: إذا كانت العلامة مخالفة للواقع ينشأ شبه اجتماع الضدين، وفي الجواب يجب التفصيل بين العلامات والأصول المحرزة والأصول غير المحرزة. ما قاله المحقق النائيني في باب العلامات متين. فقد اعتبر المزيف في العلامات طريقية وكاشفية لا حكماً تكليفياً حتى يستلزم اجتماع حكمين، وكذلك ما قاله في باب الأصول المحرزة بأن المزيف طريقية فقط من جهة الجري العملي. وهذا أيضاً قول صحيح، بل الأصول المحرزة عند التحقيق علامات، وهذا لا يتعارض مع تقدم العلامات على الأصول المحرزة، لأن في العلامات نفسها بعضاً منها مقدم على بعض، مثل تقدم البينة على حكم الحاكم.
أما بالنسبة للأصول المحرزة، فإن حل المرحوم النائيني (قدس سره) غير مقبول، والتحقيق في الجواب هو أن الحكم الشرعي نوع من الاعتبار، ومن الواضح أنه لا تنافي بين الأمور الاعتبارية. التنافي قد يظهر فقط في حالتين: في المبدأ وفي المنتهى. المراد بالمبدأ المصلحة أو المفسدة التي وراء الحكم والتي تسمى بالسبب بشكل مجازي، والمراد بالمنتهى مقام الامتثال.
أما التنافي بين الحكم الظاهري والحقيقي فلا يكون من حيث المبدأ، لأن مصلحة الحكم الظاهري في نفس جعله لا في متعلق الحكم، على عكس الحكم الحقيقي الذي مصلحته في متعلق الحكم. فاجتماع حكمين من هذا النوع لا يؤدي إلى اجتماع مصلحة ومفسدة.
العبارة المنقولة عنه في هذا القسم هي:
«وجعل وجوب الاحتياط لمصلحة في نفس الاحتياط وهي التحفظ على مصلحة الواقع على تقدير وجودها والتحذر عن الوقوع في المفسدة الواقعية أحياناً وفي موارد الترخيص كما في الشبهة الحكمية بعد الفحص أو في الشبهة الموضوعية مطلقاً جعل الترخيص لها في نفسه من المصلحة وهي التسهيل على المكلفين.»
أما من حيث المنتهى فلا تنافي؛ لأن في موضوع الحكم الظاهري شك في الحكم الحقيقي قد أُخذ. لذلك الحكم الظاهري دائماً في طول الحكم الحقيقي، ووصولهما معاً في عرض بعضهما محال.
نفس الجواب يمكن أن يُقال في شأن الأصول المحرزة [والعلامات] إذا أصر أحدهم على أن المزيف فيها حكم تكليفي.[۵۷]
هناك عدة نقاط في كلام المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره) تستحق الانتباه:
١. يبدو أنه اعتبر كلامه الختامي حلاً جامعاً في جميع الحالات.
٢. في القسم المتعلق بالمحذور ناقش خطاب الشافعي من حيث المبدأ والمنتهى، وما قاله في شرح تعارض الحكم الظاهري والحقيقي من حيث المبدأ يعود إلى المحذور المُلَاكِي الذي سبق ذكره.
٣. قال إن مصلحة الحكم الظاهري في نفس الجعل، وفسر ذلك بالنسبة لجعل وجوب الاحتياط بطريقة، وبالنسبة لجعل الترخيص الظاهري بطريقة أخرى، وهذان التفسيران غير متوافقين مع بعضهما، رغم أن التفسير الأول قد يكون مستلهماً من نظرية الشهيد الصدر (قدس سره).
٤. في المقام الأول فصل بين أساس الطريقية والسببية، لكن في المقام الثاني لا نعلم لماذا لم يقدم مثل هذا التفصيل، وبشكل عام كلامه خالٍ من نوع من التكلف وعدم التناسق في الجواب.
الشهيد آية الله الصدر (قدس سره) علق على آراء المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره) قائلاً: «أستاذنا يعتقد أن مبادئ الأحكام الظاهرية ومصلحتها خلاف الأحكام الحقيقية في نفس الجعل لا في متعلق الحكم، وبهذا يُزال التعارض بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي. لكن في رأينا ليس معقولاً أن تكون مصلحة الحكم الظاهري في نفس الجعل، بل يجب أن تكون مصلحة كل حكم في متعلق ذلك الحكم، حتى في الأمور التي تصدر فقط لغرض طاعة العبد. في النهاية، مرة تكون المصلحة الموجودة في المتعلق في طول الحكم وببركة ذلك تتحقق، ومرة أخرى بغض النظر عن الأمر تكون المصلحة في المتعلق ثابتة كما هو متعارف. أما إذا كانت مصلحة الجعل في الجعل نفسه، وهو فعل المولى، والمتعلق خالٍ من أي مصلحة حتى في طول الجعل، فإن هذا الحكم لا يطلب الامتثال أساساً، والعقل لا يدخل ذلك في دائرة موضوع حق الطاعة؛ لأن الغرض منه يتحقق بمجرد الجعل، وهو فعل المولى، فلماذا يجب الامتثال؟ بالإضافة إلى أن هذا الوجه لا يجيب على شبه نقض الغرض».[۵۸]
الشهيد الأستاذ في جواب شبه تفويت المصلحة وإلقاء المفسدة انتقد وراجع مرة أخرى رأي أستاذه آية الله الخوئي (قدس سره) قائلاً: مصلحة تعبد الحكم الظاهري إذا كانت مصلحة طريقية، وفي الواقع تعود إلى نفس الملاك الحقيقي المتزاحم، والشارع في مقام التزاحم يحفظ الأقوى منها، نعم هذا صحيح ومقبول ويزيل إشكال قبح تفويت المصلحة؛ لكن هذا هو جوابنا عن إشكالات العقل النظري، وإذا كانت مصلحة الحكم الظاهري مصلحة مستقلة أخرى غير المصلحة الموجودة في الالتزامات أو التراخيص الحقيقية، فهي تُدرس بطريقتين:
- أن تكون مصلحة الحكم الظاهري في نفس الجعل والإنشاء، وربما تكون حالات التقية التي يرجع فيها إلى الإمام من هذا القبيل.
- أن تكون مصلحة الحكم الظاهري في نتيجة الجعل، أي في إطلاق عنان العبد، مثل التقية التي في قصة علي بن يقطين المشهورة.
الشكل الأول يستلزم أن الحكم الظاهري لا يطلب الامتثال لأن موضوع الحكم عقل لا لزوم الطاعة ومنجزيتها.
أما في الشكل الثاني، إذا افترضنا أن هذه المصلحة في نفس عمل المكلف، لكنها نتيجة قيام العلامة، فهذه رجوع إلى المصلحة السلوكية وأساس السببية، وإذا افترضنا أن هذه المصلحة في نفس عمل المكلف لكنها من جهة المولى، مثل مصلحة الإباحة الاقتضائية، فهذا يتعارض مع مبادئ الأحكام الواقعية، وفي كل الأحوال يبقى الإشكال، لكننا ندفع إشكال التضاد بافتراض أن الحكم الظاهري طريقية محضة.[۵۹]
الشهيد الأستاذ في الحلقة الثالثة ذكر باختصار وبشكل موجز طريقة الجمع عند المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره) وقدم الجواب عليها. عبارته كما يلي:
«ومنها: ما ذكره السيد الأستاذ من أن التنافي بين الحرمة والوجوب مثلاً، ليس بين اعتباريهما، بل بين مبادئهما من ناحية؛ لأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون مبغوضاً ومحبوباً، وبين متطلباتهما في مقام الامتثال من ناحية أخرى؛ لأن كلاً منهما يستدعي تصرفاً مخالفاً لما يستدعيه الآخر، فإذا كانت الحرمة واقعية والوجوب ظاهرياً، فلا تنافي بينهما في المبادئ؛ لأننا نفترض مبادئ الحكم الظاهري في نفس جعله، لا في المتعلق المشترك بينه وبين الحكم الواقعي. ولا تنافي بينهما في متطلبات مقام الامتثال، لأن الحرمة الواقعية غير واصلة، كما يقتضيه جعل الحكم الظاهري في موردها فلا امتثال لها، ولا متطلبات عملية، لأن استحقاق الحكم للامتثال فرع الوصول والتنجز.
ولكن نتساءل هل يمكن أن يجعل المولى وجوباً أو حرمة لملاك في نفس الوجوب أو الحرمة؟ ولو اتفق حقاً أن المولى أحس بأن من مصلحته أن يجعل الوجوب على فعل بدون أن يكون مهتماً بوجوده إطلاقاً، وإنما دفعه إلى ذلك وجود المصلحة في نفس الجعل، كما إذا كان ينتظر مكافأة على نفس ذلك من شخص ولا يهمه بعد ذلك أن يقع الفعل أو لا يقع، أقول لو اتفق ذلك حقاً فلا أثر لمثل هذا الجعل، ولا يحكم العقل بوجوب امتثاله، فافتراض أن الأحكام الظاهرية ناشئة من مبادئ في نفس الجعل، يعني تفريغها من حقيقة الحكم ومن أثره عقلاً.
فالجواب المذكور في افتراضه المصلحة في نفس الجعل غير تام، ولكنه في افتراضه أن الحكم الظاهري لا ينشأ من مبادئ في متعلق بالخصوص تام، فنحن بحاجة إذن في تصوير الحكم الظاهري إلى افتراض أن مبادئه ليس من المحتوم تواجدها في متعلق بالخصوص لئلا يلزم التضاد، ولكنها في نفس الوقت ليست قائمة بالجعل فقط لئلا يلزم التضاد، ولكنها في نفس الوقت ليست قائمة بالجعل فقط لئلا يلزم تفريغ الحكم الظاهري من حقيقة الحكم، وذلك بأن نقول إن مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية.[۶۰]
الفصل الخامس: آراء الشهيد الصدر (قدس سره)
يمكن ذكر محذورات التعبد بالظن في قسمين:
- حجية غير العلم تنافي مع القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان، ونعلم أن الأحكام العقلية ليست قابلة للتخصيص. قال بعضهم إن العقوبة في حالات الحكم الظاهري هي على مخالفة نفس الحكم الظاهري وليس الواقع، وذكر ميرزا النائيني (قدس سره) أن هذا موضوع في باب إمارات العلم والطريقية. ورأينا الصحيح هو إما إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو الالتزام بأن موضوع هذه القاعدة هو عدم بيان الحكم الحقيقي وعدم بيان اهتمام المولى بالواقع، ودليل الحجية كاشف عن هذا الاهتمام، وبهذا يُرفع موضوع القاعدة العقلية.
- القسم الثاني من المحذورات ينقسم إلى ثلاثة أجزاء. بعضها متعلق بمدركات العقل النظري وبعضها متعلق بمدركات العقل العملي.
القسم الأول: جعل حجية الظن بل مطلق الحكم الظاهري يؤدي إلى محذور اجتماع ضدين أو مثلين بشكل قطعي أو احتمالي. وهذا المحذور في دائرة مدركات العقل النظري.
القسم الثاني: جعل الحكم الظاهري بمعناه أن المولى ينقض غرضه من جعل الأحكام الواقعية. وهذا المحذور أيضاً متعلق بمدركات العقل النظري.
القسم الثالث: بناءً على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية، يجعل الحكم الظاهري يؤدي إلى تفويت المصلحة وإدخال المفسدة، وهذا المحذور متعلق بمدركات العقل العملي.[۶۱]
إلى جانب الإشكالات المذكورة، هناك نوع آخر من الإشكالات في جعل الأحكام الظاهرية لم يتعرض له أي من العلماء، وهو أن تشريع الأحكام الواقعية في حق الجميع وحتى في حق الجاهل غير معقول أساساً. تقريب هذا الإشكال بعدة وجوه:
- كيف يكون معقولاً بقاء الحكم الحقيقي مشتركاً في مكان نقطع بعدم وجود حكم حقيقي فيه؟ الحكم الحقيقي في هذه الحالات لا يحفز، وفرض وجوده غير معقول، ولكن عند الشك في الحكم الحقيقي يمكن اعتبار تحفيزية الحكم الحقيقي بشكل ناقص وفي قالب حسن الاحتياط.
روح هذا الإشكال هو لزوم بطلان تعميم الأحكام الواقعية.
- إذا كان نقيض الحكم الحقيقي قطعيًا، كما نفترض أن صلاة الجمعة في حق الجميع واجبة حقاً ولكن شخصاً قطع بحرمتها، فإن تكليفه بالحكم الحقيقي تكليف لغير الممكن، وهذا الإشكال يتسع في باب العبادات لأن حتى لو لم يقطع بحرمة العبادة، لكن بمجرد قطعه بعدم المصلحة والشرعية، لا يستطيع أن يقصد القرب، وإذا قصد فسيكون تشريعاً، وفي النهاية تصبح العبادة الواقعية غير ممكنة.
يمكن اعتبار هذين الإشكالين في بعض الحالات التي يكون الحكم الحقيقي فيها مشكوكاً، وهي الحالة التي تكون فيها الفترة بين المحذورين، أي أن المكلف يحتمل وجوب العمل الحقيقي بقدر ما يحتمل حرمة ذلك. في هذه الحالة، تحفيزية الحكم الحقيقي مستحيلة، وتشريعه لغو، وإذا كان العمل عبادة، فامتثاله مستحيل.[۶۲]
كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية
قال الأستاذ الشهيد في بيان كيفية الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في الحلقة الثانية:
«ما دام أحدهما من سنخ الأحكام الواقعية والآخر من سنخ الأحكام الظاهرية فلا محذور في اجتماعهما وإنما المستحيل أن يجتمع في واقعة واحدة وجوب واقعي وإباحة واقعية».[۶۳]
ولكن في الحلقة الثالثة أبدى رأيه النهائي بشأن هذا الجمع وقال:
«وما قيل سابقاً من أنه لا تنافي بين الحكم الواقعي والظاهري لأنهما سنخان مجرد كلام صوري إذا لم يعط مضموناً محدوداً لأن مجرد تسمية هذا بالواقعي وهذا بالظاهري لا يخرجهما عن كونهما حكمين من الأحكام التكليفية وهي متضادة».[۶۴]
وقد تناول في درسه الخارج بالتفصيل محاولة حل هذه الإشكالات وقال: تقديم رأي صحيح في هذا الباب متوقف على بيان مقدمات:
المقدمة الأولى: إذا كان غرض المولى، سواء كان غرضًا تكوينيًا أو تشريعيًا، معرضًا للخطأ والارتباك، وإذا كان هذا الغرض مهمًا إلى درجة أن المولى لا يرضى بفواته، فإنه يوسع دائرة التحريك ويجعلها أوسع من موضوع الغرض الحقيقي. فمثلًا، إذا كان إكرام زيد موضوع الغرض التكويني للمولى، وكان العبد لا يعلم من بين هؤلاء العشرة من هو زيد، وفي حال عدم رضا المولى عن ترك إكرام زيد بأي حال، فإنه يضطر إلى الأمر بإكرام جميع هؤلاء العشرة حتى يُكرم ذلك الشخص في كل الأحوال. إن توسيع دائرة التحريك لا يعني أن إكرام غير زيد يُعتبر من المولى، بل إكرام غير زيد لا يكون أبدًا موضوع غرض المولى، ولا يعني أيضًا أن إرادة غيره تتعلق بإكرام غير زيد، لأن إكرامهم ليس مقدمة لإكرام زيد.
ونرى أمرًا مشابهًا في باب الأغراض التشريعية. فإذا جعل المولى إكرام العالم واجبًا، وكان العبد لا يعلم من بين هذه الجماعة من هو العالم، وفي حال اهتمام المولى بغرضه إلى درجة عدم رضاه بالترك في أي حال، فإنه يوسع دائرة تحريك الغرض دون أن تتوسع دائرة الغرض نفسه، أي في حالة الشك والارتباك يظل الغرض التشريعي للمولى هو إكرام العالم، ومبادئ الحكم سواء كانت مصلحة أو إرادة في إكرام العالم، ولكن للوصول إلى هذا الهدف في حالة الشك والارتباك يأمر بإكرام جميع هذه الجماعة حتى يُكرم من بينهم العالم أيضًا. إن توسيع دائرة التحريك هنا يعني وضع خطاب للحفاظ على الغرض الحقيقي، وهذا الخطاب الثاني عقلاً ملزم للعبد ويزيل موضع البراءة العقلية التي يذهب إليها الجمهور؛ لأن البراءة العقلية كانت مشروطة منذ البداية بعدم ثبوت اهتمام المولى بالأغراض التشريعية وعدم رضاه بالترك في حالات الخطأ. بناءً على ذلك، يجب القول إن غرض المولى في موضوع الخطاب الموسع ليس خطابًا ظاهريًا، ولكنه أيضًا ليس كما يقول السيد الأستاذ آية الله الخوئي (قدس سره) بأن الغرض والمصلحة في ذات جعل الخطاب الظاهري، بل الخطابات الظاهرية خطابات جادة، والمولى يريد فعلاً تحريك العبد لتحقيق ذلك الغرض الحقيقي المهم. أما إذا كانت مصلحة الخطابات الظاهرية في ذات جعلها، فلا تكون ملزمة عقلاً ولا ترفع البراءة العقلية.[۶۵]
المقدمة الثانية: التزاحم بين حكمين يكون بثلاثة أنواع:
- تزاحم ملاكي: وهو حينما يوجد نوعان من الملاك في موضوع واحد، أحدهما يقتضي المحبة والآخر يقتضي النقيض والمضاد مثل الكراهية، كما في قوله تعالى عن الخمر والميسر: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إِثْمٌ كَبيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)[۶۶].
في هذه الحالة من المستحيل أن يؤثر كلا الملاكين في مقتضاهما؛ لأن بينهما تضاد وتنافر. في النهاية ينكسر أحدهما، ويُفعّل المقتضي الأقوى، ويُسقط الآخر، ويكون للحب والبغض شأن.
- تزاحم امتثالي: هذا النوع من التزاحم يكون حينما يكون هناك ملاكان في موضوعين مختلفين، ولكن في مقام الامتثال بسبب التضاد بين الموضوعين لا يستطيع المكلف الامتثال لكليهما. إذا افترضنا أن القدرة متعلقة بالتحريك والأمر وليست متعلقة بالملاك أو مبادئ الحكم، فلا بد أن تكون مبادئ كل حكم موجودة، وفي مقام الامتثال يُقدم المبدأ الأقوى. من أمثلة ذلك وجوب إزالة النجاسة فورًا من المسجد ووجوب إضاقة الصلاة في آخر وقتها، حيث يُقدم المبدأ الأقوى والأهم، ويبقى المبدأ الآخر قائمًا في ذاته.
في هذا القسم، لا يُعقل فرض تزاحم بين حكم إلزامي وحكم ترخيصي؛ لأن الحكم الترخيصي لا يطلب الامتثال، وهذا هو التزاحم المعروف عند المحقق النائيني.
- تزاحم حفظي: مثل أن يكون إكرام العالم واجبًا وإكرام الجاهل حرامًا، ولدينا جماعة لا يُعرف بينهم من هو العالم ومن هو الجاهل. هذا النوع من التزاحم ليس تزاحمًا ملاكيًا؛ لأن الموضوع متعدد، وليس تزاحمًا امتثاليًا؛ لأن الجمع بين التكليفين ممكن فعلاً، أي إذا زال الخطأ والاختلاط وعرفنا العالم والجاهل بعينهما، يُمتثل لكل التكليفين.
هنا التزاحم في المحرك، أي أن الشارع في حالات الخطأ يوسع دائرة التحريك للأغراض الإلزامية مع الأغراض الترخيصية أو الأغراض الوجوبية مع الأغراض التحريمية، إذا كان يعلم كل منهما، لأنه لا يمكن توسيع دائرة التحريك لكل الغرضين، فيحدث تزاحم بين الغرضين والملاك الحقيقيين في مقام الحفظ.[۶۷] [مماثل لما كان يقوله المحقق النائيني (قدس سره) عن متمم الجعل.]
المقدمة الثالثة: الترخيص نوعان: أحيانًا ناشئ عن عدم مقتضٍ للإلزام، وأحيانًا ناشئ عن وجود مقتضٍ للإباحة وإطلاق العنان. والسؤال الآن: هل يمكن أن يحدث تزاحم بين مبادئ الإباحة المقتضية ومبادئ التكليفات الإلزامية كوجوب أو حرمة؟ الجواب هو أن تزاحمًا ملاكيًا وتزاحمًا حفظيًا ممكنان، أما التزاحم الامتثالي فلا يمكن؛ لأن الترخيص لا يطلب الامتثال كما قلنا.
توضيح الموضوع هو أنه أحيانًا يُفترض أن الحكم الظاهري إلزامي والحكم الحقيقي ترخيصي، كما في حالات شبهات الوجوبية أو التحريمية التي جعل الشارع الاحتياط فيها واجبًا، وأحيانًا يكون العكس. أما وجوب الاحتياط في القسم الأول فمعناه أن الشارع يولي أغراضه الإلزامية اهتمامًا أكبر ولا يرضى بفواتها حتى في فرض الخطأ مع المباحات الحقيقية. في الواقع، يوسع الشارع دائرة التحريك حفاظًا على أغراضه الإلزامية دون أن يكون هناك توسع في غرض الغرض ومبادئ الحكم، بل إن موضوع الغرض المولى والمحبوب والمراد هو الفرد الحقيقي، ولذلك لا يحدث اجتماع ضدين في المباح الحقيقي ولا اجتماع مثلين في الحرام الحقيقي. وبالطبع تقديم الغرض الإلزامي والحكم على الاحتياط لا يعني زوال الغرض الترخيصي الحقيقي، بل يعني أن أغراضه في مقابل الأغراض الإلزامية ليست ذات أهمية كافية لتوسيع دائرة تحريكها في حالات الخطأ.
أما في القسم الثاني، فالموضوع صحيح تمامًا كما قلنا في القسم الأول مع إضافة هذه النقطة أن الحكم الترخيصي الحقيقي في هذا القسم يجب أن يكون اقتضائيًا؛ لأن الإباحة غير الاقتضائية لا يمكن أن تتعارض مع حكم إلزامي، والدليل على جعل الحكم الظاهري ترخيصي هو نفسه دليل على أن الغرض الترخيصي المولى من قبيل الترخيص الاقتضائي، وكذلك الحال حين يكون الحكم الظاهري إلزاميًا مخالفًا للحكم الحقيقي الإلزامي.
ممّا قيل حتى الآن في الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي يمكن القول إن الغرض الحقيقي للمولى يمكن أن يكون له نوعان من الفعالية. فعالية واحدة بغض النظر عن التعارض الحفظي، حيث يكون الغرض الحقيقي للمولى في موضوعه الحقيقي مع جميع مبادئه موجودًا بالفعل، وفعالية أخرى للحكم الظاهري متصورة في التعارض الحفظي. أي في حالات الخطأ واختلاط الأغراض الحقيقية، تكون فعالية التحريك وفق الغرض الأهم، والدليل الذي يثبته القائلون ببطلان التصويب والاشتراك في الأحكام الحقيقية بين العالم والجاهل هو أقصى ما يثبت فعالية بالمعنى الأول، أي نفس الجعل والاعتبار وحتى مبادئه، وهي المصالح الحقيقية والحب والإرادة المشتركة بين العالم والجاهل، وما قاله صاحب الكفاية في باب المراحل الأربع للحكم ووجود نوعين من الفعالية [الفعالية التعليقية والتنجيزية] للحكم يمكن أن يُحمل على هذا المعنى، مع أن تعبيره قاصر عن إرادة هذا المعنى.
ما قُدم حتى الآن في الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الحقيقي واضح جدًا في فرض انسداد باب العلم، ولكن في فرض انفتاح باب العلم وإمكانية وصول المكلف إلى الواقع بيقين، فإن تصور وقوع التعارض الحفظي ليس خاليًا من الإشكال؛ لأن في فرض انفتاح باب العلم يمكن للمولى أن يجعل تحصيل العلم واجبًا حتى تُعرف المباحات من غير المباحات ولا ينشأ شبه، وبالتالي يحدث تعارض بين أغراض المولى. والجواب عن هذا الإشكال هو أن الشارع في فرض انفتاح باب العلم قد أخذ بعين الاعتبار مصلحة مطلق العنان للمكلف ولم يجعل تحصيل العلم واجبًا عليه، ثم يحدث تعارض بين أغراض الترخيص الشرعي ومنها هذا الغرض الترخيصي من جهة، وأغراض الشارع الإلزامية من جهة أخرى، والشارع في مقام الحفظ التشريعي يرى مصلحة إطلاق العنان أقوى.[۶۸]
[لذا في فرض الانفتاح لا يمكن تجاهل مصلحة التسهيل التي طرحها كثير من الأصوليين.]
ومن مزايا طريق الجمع الذي نتبناه أنه يبرر ويفسر جعل الحكم الظاهري في حالات الخطأ في الأحكام غير الإلزامية أيضًا.
توضيح الموضوع: قال بعضهم إن جعل الحكم الظاهري في حالات الخطأ في الأغراض غير الإلزامية مثل الاستحباب والكراهة غير معقول، لأنه إذا كان الحكم الظاهري ترخيصًا وجُعل لدفع العقاب، فإن هذه النسبة بين المستحبات والمكروهات معدومة تمامًا، وإذا كان جعل الحكم الظاهري لنفي حسن الاحتياط، فهذا في كل الأحوال مثبت تمامًا.
لكن هذا القول غير صحيح، لأنه إذا كان الأمر قائماً بأن شيئًا ما مستحب أو مباح بالمعنى الأخص، أو مكروه أو مباح، فإن جعل الحكم الظاهري يعني معرفة أي من هذين الغرضين الحقيقيين هو الأهم. أحيانًا ترجح مصلحة الإباحة ويصبح الحكم بالإباحة ظاهريًا، وأحيانًا ترجح مصلحة الاستحباب أو الكراهة ويصبح الحكم بالاستحباب أو الكراهة ظاهريًا. وإذا كان الحكم بالإباحة، فهذا يعني أنه لا شيء على عاتق المكلف، أي بقدر ما تجلب المستحبات والمكروهات شيئًا على الإنسان، بقدر ذلك لا شيء عليه، وإذا ترجح جانب المستحبات والمكروهات، فهذا يعني أن تلك المصلحة غير الإلزامية تقع على عاتق الإنسان، بالطبع بالقدر الذي يتناسب مع المستحبات والمكروهات.[۶۹]
استاذ الشهيد في الحلقة الثالثة من حلقات علم الأصول اختصر الإشكالات المتعلقة بجعل الأحكام الظاهرية في ثلاث نقاط، واعتبر طريق الجمع الذي تبناه دافعًا لكل هذه الإشكالات. فقد قال: بناءً على هذا الجمع تُجاب كل الإشكالات التي أثيرت من قبل الأصوليين على جعل الأحكام الظاهرية. أما إشكال اجتماع ضدين أو مثلين فيُجاب، لأننا علمنا أن مبادئ الحكم الظاهري ليست في الجعل ولا في نفس المتعلق، بل مبادئ الحكم الظاهري هي نفسها مبادئ الحكم الحقيقي. وعبارته كانت: «وهكذا يتضح أن الأحكام الظاهرية خطابات تعين الأهم من الملاكات والمبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر.»[۷۰]
وأما إشكال تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، وهو نفسه إشكال نقض الغرض، فيُجاب؛ لأن جعل الحكم الظاهري رغم احتمال إحداث مثل هذه الإشكالات، إلا أنه لما كان الجعل من أجل حفظ الغرض الأهم، فيمكن قبول هذا الضرر.
أما الإشكال الثالث الذي هو شبهه تنجُّز التكليف الحقيقي المشكوك فيه، فيُجاب عنه أيضًا؛ لأننا منكرون لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وبناءً على مذهب حق الطاعة لا يبقى موضوع لهذا الإشكال أساسًا. أما بناءً على المذهب المشهور، فمن المستحيل أن يكون الحكم الظاهري المنجز تكليفًا حقيقيًا مشكوكًا فيه؛ لأن العبرة أو الأصل الذي يثبت التكليف لا يُعد بيانًا، ومع وجود العبرة أو الأصل، يبقى الحكم الحقيقي مشكوكًا فيه. ثم بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان يجب أن نبرئ، بينما المشهورون يرون أنه يُعمل بمقتضى العبرة أو الأصل، ومن جهة أخرى نعلم أن هذه القاعدة حكم عقلي ولا تُخصَّص الأحكام العقلية. وقد قال بعضهم إن الشارع باعتبار العبرة حجةً قد عدَّها علمًا، فيصبح التكليف الحقيقي الذي أخبر عنه الثقة معلومًا بعلم تعبدي، ويبدو أن الشارع قد وسَّع معنى البيان ليشمل العلم الوجداني والعلم التعبدي معًا. ولكن يجب القول إن هذا الحل لا يجد طريقه إلى القبول حتى في أصول العمل غير المحرزة، فكيف إذا كنا لا نراه مقبولًا حتى في الأمارات والأصول المحرزة.
ثم الأستاذ الشهيد بناءً على طريق الجمع بين الأمارات والأصول فرق بينهما بطريقة أخرى. فهو يرى أن الفرق بين هاتين الفئتين من الأحكام الظاهرية، كما يقول المحقق النائيني (قدس سره)، ليس فقط في كيفية الجعل وطريقة الاعتبار، بحيث إذا كان الجعل طريقًا وكاشفًا يكون الأمر عُبرة، وإذا كان جعل الحكم الظاهري بلسان إنشاء واجب عملي يكون أصلًا عمليًا. بل بعد أن عرفنا أن الأحكام الظاهرية تدل على اهتمام الشارع بالحفاظ على المعيار الحقيقي الأهم في أحد الطرفين من الطرفين المحتملين؛ يجب القول: في الأمارات يُراعى قوة الاحتمال، ويُجعل الحكم الظاهري بناءً عليها لأن جانب المصادفة مع الواقع في خبر الثقة أو ظواهر الكتاب غلب على الطرف المحتمل الآخر الذي ليس كذلك، أي أن الطرف المحتمل المحكَّم بخبر الثقة أو مطابق لظاهر الكتاب غلب الطرف المحتمل الآخر، وفي الأصول غير المحرزة يُراعى فقط قوة المحتمل، وفي الأصول المحرزة يُراعى قوة الاحتمال والمحتمل معًا.
«لقد عرفنا سابقًا أن الأحكام الظاهرية مردها إلى خطابات تعيين الأهم من الملاكات والمبادئ الواقعية حين يتطلب كل نوع منها ضمان الحفاظ عليه بنحو ينافي ما يضمن به الحفاظ على النوع الآخر، وكل ذلك يحصل نتيجة الاختلاط بين الأنواع عند المكلف وعدم تمييزه المباحات عن المحرمات مثلاً، والأهمية التي تستدعي جعل الحكم الظاهري وفقًا لها، تارة تكون بلحاظ الاحتمال، وأخرى بلحاظ المحتمل، وثالثة بلحاظ الاحتمال والمحتمل معًا، فإن شك المكلف في الحكم يعني وجود احتمالين أو أكثر في تشخيص الواقع المشكوك، وحينئذ فإن قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر، وجعل الحكم الظاهري وفقًا لها لقوة احتمالها وغلبة مصادفتها للواقع بدون أخذ نوع المحتمل بعين الاعتبار، فهذا هو معنى الأهمية بلحاظ الاحتمال، وبذلك يصبح الاحتمال المقدم عُبرة، سواء كان لسان الإنشاء والجعل للحكم الظاهري لسان جعل الطريقية، أو وجوب الجري على وفق العبرة. وإن قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر لأهمية المحتمل بدون دخل لكاشفية الاحتمال في ذلك كان الحكم من الأصول العملية البحتة، كأصل الإباحة وأصل الاحتياط، الملحوظ في أحدهما أهمية الحكم الترخيصي المحتمل، وفي الآخر أهمية الحكم الإلزامي المحتمل بقطع النظر عن درجة الاحتمال، سواء كان لسان الإنشاء والجعل للحكم الظاهري لسان تسجيل واجب عملي، أو لسان جعل الطريقية، وإن قدمت بعض المحتملات على البعض الآخر بلحاظ كلا الأمرين من الاحتمال والمحتمل، كان الحكم من الأصول العملية التنزيلية أو المحرزة كقاعدة الفراغ.
نعم الأنسب في موارد التقديم بلحاظ قوة الاحتمال أن يُصاغ الحكم الظاهري بلسان جعل الطريقية، والأنسب في موارد التقديم بلحاظ قوة المحتمل أن يُصاغ بلسان تسجيل الواجب، لا أن هذا الاختلاف الصياغي هو جوهر الفرق بين الأمارات والأصول.»[۷۱]
كل ما ذُكر كان بناءً على أن نكون من أصحاب مذهب الطريقية في الأحكام الظاهرية بمعنى أن مبادئ الأحكام الظاهرية ليست سوى أغراض حقيقية، وأن المبادئ الحقيقية ليست خاصة بها. أما بناءً على مذهب السببية والموضوعية الذي يُفترض فيه مبادئ خاصة للأحكام الظاهرية فلا مفر من شبهه وقوع تضاد بين مبادئ الأحكام الحقيقية والظاهرية، مع أن الشيخ الأنصاري بنظرية المصلحة السلوكية والمحقق العراقي بنظرية تعدد معروض حكم قد أرادا دفع هذه الشبهة، إلا أن ذلك غير مقبول من وجهة نظرنا.[۷۲]
النتائج والآثار المترتبة على هذا الجمع
١. التنافي بين الأحكام الظاهرية
نعلم أن الأحكام الحقيقية، سواء علم المكلف بها أو جهله، تتنافى مع بعضها البعض، وهذا التنافي بسبب مبادئها، فهل تتنافى الأحكام الظاهرية أيضًا؟ وهل من الممكن أن يكون المشكوك في حرمة شيء في الظاهر حرامًا ومباحًا في آن واحد؟
جواب هذا السؤال يعتمد على تفسير الحكم الظاهري والمبنى المختار في كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية والحقيقية. إذا كنا نعتقد أن مبادئ الحكم الظاهري تكمن في نفس الجعل لا في موضوعه، فيمكن قبول أن حكمين ظاهريين مختلفين مثل الإباحة والحرمة في وقت واحد ينطبقان على شيء ما، بشرط ألا يكون كلاهما واصلًا معًا؛ لأنه في هذه الحالة لا يوجد تنافي من حيث الجعل، إذ أن الجعل اعتباري فقط، ولا من حيث المبادئ التي هي في نفس الجعل ولا تتجمع في مكان واحد، ولا من حيث عالم الامتثال والتنجير والتعذير؛ لأن على الأقل أحدهما ليس واصلًا.
أما بناءً على التفسير الذي قدمناه من الناحية الظاهرية وقلنا إن الأحكام الظاهرية هي الخطابات التي تظهر عند اختلاط المعايير الواقعية دلالة على أهمية المعايير، ففي هذه الحالة يكون خطابان ظاهريان مختلفان مثل الإباحة وعدم الإباحة متضادين سواء كان كلاهما واصلين أم لا؛ لأن أحدهما يدل على أن معيار الإباحات الواقعية هو الأهم، والآخر يدل على أن معيار المحرمات الواقعية هو الأهم، ومن الواضح أنه لا يمكن الإقرار بأهمية كلا المعيارين معًا.[۷۳]
٢. وظيفة الأحكام الظاهرية
بعد أن علمنا أنه لا توجد مبادئ مستقلة للأحكام الظاهرية مقابل مبادئ الأحكام الواقعية، بل إن مبادئ الأحكام الظاهرية هي نفسها مبادئ الأحكام الواقعية، نصل إلى نتيجة أن الخطاب الظاهري له وظيفة التنجيس والتعذير بالنسبة للأحكام الواقعية المشكوك فيها، وهو بحد ذاته لا يحمل موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة بشكل مستقل. عندما يصبح الاحتياط في الظاهر واجبًا، نفهم أن المقصود هو احتمال بقاء الوجوب الواقعي، وأن عدم الحفظ مقابل الوجوب الواقعي المحتمل يكون سببًا لاستحقاق العقاب، وليس أن مخالفة وجوب الاحتياط بما هو هو سبب لاستحقاق العقاب. ما ترونه عندما يقولون إن الأحكام الظاهرية طريقية وليست حقيقية يعني أن هذه الأحكام هي وسيلة لتنفيذ الحكم الواقعي المشكوك فيه، وهي بحد ذاتها لا تفرض شيئًا على الإنسان مستقلًا ومنفصلًا عن الواقع؛ لأن الأحكام الظاهرية لا تملك مبادئ خاصة بها. لذلك، إذا لم يحتاط شخص في مكان يجب عليه الاحتياط فيه وضاع الواجب الواقعي، فلا يستحق عقابين، أحدهما لمخالفة الوجوب الواقعي والآخر لمخالفة وجوب الاحتياط الظاهري، بل له عقاب واحد فقط. في النهاية، حال هذا الشخص ليست أسوأ من حال شخص يعلم بالواجب الواقعي لكنه لا ينفذه، والجميع يقولون إنه يستحق عقابًا واحدًا فقط.
أما في المقابل، فإن الأحكام الواقعية هي أحكام حقيقية، أي لها مبادئ خاصة بها، ولذلك تقع على المكلف بشكل مستقل وتشكل موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال واستحقاق العقاب على المخالفة.[۷۴]
٣. شبهات التصويب في بعض الأحكام الظاهرية
قلنا إن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل، وعلمنا أن الأحكام الظاهرية في حق الجاهل يمكن جمعها مع الأحكام الواقعية ولا تعارض بينها، وهذا يعني أن الحكم الظاهري لا يغير الحكم الواقعي. لكن بعض الأصوليين يعتقدون أن الأصول الجارية في الشبهات الموضوعية مثل أصالة الطهارة تؤثر على الحكم الواقعي. مثلاً، الحكم الواقعي بشرطية الثوب الطاهر في الصلاة يتسع بفضل أصالة الطهارة، ونتيجة لذلك يُعتبر الثوب المشكوك في طهارته طاهرًا واقعيًا حتى لو كان في الواقع نجسًا، وهذا النوع من التصويب يؤدي إلى القول بأن الصلاة بهذا الثوب صحيحة في الواقع ولا تحتاج إلى إعادة، لأن موضوع الشرطية توسع. في تبرير هذا الأمر بناءً على مصطلحات الأصول يجب القول إن دليل أصالة الطهارة الذي يقول «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر» هو أرجح من دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة؛ لأن لسان الدليل الأول هو لسان توسعة موضوع الدليل الثاني، ويصحح له.
أما في الأمارات فالأمر ليس كذلك، لأنه إذا كانت طهارة الثوب مستندة إلى أمارة، فإن مدلول دليل حجية الأمارة ليس جعل الحكم مماثلًا، بل جعل الطريقية والتنجيس، ولذلك لا يمكن لدليل حجية الأمارة أن يوسع موضوع دليل شرطية الثوب. وبعبارة أخرى، دليل حجية الأمارة لا يقول إن هذا الثوب طاهر، بل يقول إن طهارته قد ثبتت بالأمارة، ولذلك لا يهيمن على دليل شرطية الثوب الطاهر.
وبناءً على ذلك، فقد فصل صاحب الكفاية بين الأمارات والأصول المنقحة موضوعًا، وذهب إلى أن الأصول الموضوعية بخلاف الأمارات توسع دائرة الحكم الواقعي المترتب على الموضوع، لكن في رأينا هذا القول غير صحيح.[۷۵]
٤. إمكانية دخول الترخيص في جميع جوانب العلم الإجمالي
المشهورون يرون أن الترخيص الشرعي في مخالفة العلم الإجمالي القطعي مستحيل، لأن هذا الإذن يعني الإذن في المعصية وهو قبيح عقلاً، لكن في رأينا هذا التعبير غير صحيح. من الأفضل أن نطرح النقاش بهذا الشكل: هل من المعقول أن يصدر ترخيص من المولى يتوافق مع ثبوت الأحكام الواقعية؟ الجواب هو أن هذا شيء معقول؛ لأن العلم جامع وإن كان معلومًا، لكن إذا افترضنا في حالات العلم الإجمالي بالتكليف أن المعايير الاقتضائية للإباحة لها أهمية بحيث يلزم الترخيص في مخالفة القطعية للحفاظ عليها، فيمكن للمولى أن يصدر مثل هذا الترخيص. هذا الترخيص ليس حكمًا حقيقيًا ناتجًا عن مبادئ خاصة في المتعلق، بل هو خطاب طريقي صادر للحفاظ على المعايير الواقعية للإباحة الاقتضائية، وعلى هذا الأساس لا تعارض بين هذا الترخيص والتكليف المعلوم إجمالًا.
الفرق بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي هو أن العالم بالعلم التفصيلي لا يتصور أبدًا أنه إذا عمل بعلمه فسوف تضيع المعايير الاقتضائية للإباحة، لأنه عالم بالتكليف وعالم بعدم الترخيص، فلا يمكن أن يوجه إليه الترخيص الطريقي، أما العالم بالعلم الإجمالي فيمكنه أن يتصور أن الشارع راضٍ عن المخالفة القطعية للحفاظ على المعايير الواقعية، ولذلك يمكن أن يوجه إليه الترخيص الطريقي في كلا جانبي العلم الإجمالي. مع أننا نعتقد أنه لم يصدر مثل هذا الترخيص في مقام الإثبات.[۷۶]
٥. إثبات مدلولات الالتزامية للأدلة
المشهور بين الأصوليين أن مدلولات الالتزامية للأمارات، وبعبارة أخرى المثبتات للأمارات، هي حجة، لكن مدلولات الالتزامية للأصول، وبعبارة أخرى المثبتات للأصول، ليست حجة.
المحقق النائيني (قدس سره) يفسر هذا الفرق بناءً على نفسه بأن سبب حجية الأمارة هو العلم، فكل آثار العلم مترتبة على الأمارة، ومن الواضح أن العلم بشيء هو العلم بلوازمه، لكن في باب الأصول العملية، فإن دليل التعبد بالجري العملي على وفق لوازم الأصل لا يقتضي ذلك، بل يدل فقط على الجري العملي وفق مؤدى الأصل.
لقد اعترض أستاذنا آية الله الخوئي (قدس سره) على هذا الموضوع، وقال: صحيح أن الدليل على الحجية يقول إن العبرة دلالة العلم، ولكن العلم هنا علم مزوَّر وليس علماً وجدانيًا، والعلم المزور حجّيته بمقدار التزوير [أي في حد مدلول مطابق فقط].
ومن وجهة نظرنا، الرأي المشهور صحيح، ولكن ليس كما كان يستدل عليه المحقق النائيني (قدس سره)، بل كما فرقنا سابقًا بين الأمارات والأصول، فقد علمنا أن جوهر الفرق بين الأمارات والأصول هو أن جعل الحكم الظاهري وفقًا للأمارة يكون على مقياس الأهمية الناشئة عن قوة الاحتمال، وجعل الحكم الظاهري وفقًا للأصل يكون على مقياس الأهمية الناشئة عن قوة الاحتمال القطعي، فإذا جعل الشارع شيئًا على مقياس الأهمية الناشئة عن فوت الاحتمال حجّة، فستكون أمارة، سواء كان جعلها بلغة اعتبار العلم أو بلغة الأمر بجريان عمل وفقًا لها. بناءً على هذا التفسير يمكننا القول إن المثبتات في الأمارات على القاعدة حجّة؛ لأن مقياس الحجية في الأمارات هو اعتبار كشف تكويني، وعلاقته بالمدلول المطابق والالتزامي من نوع واحد.[۷۷]
٦. مكونات الأمر الظاهري من الحقيقي
في حال الكشف القطعي عن مخالفة الحكم الظاهري للواقع، مقتضى الأصل هو عدم وجود مكونات؛ لأن الحكم الظاهري لا يرفع الحكم الحقيقي، فإذا لم يُمتثل الحكم الحقيقي وافترضنا فعاليته، فلا بد من الإقرار بوجوب الإعادة أو القضاء. ومع ذلك، أحيانًا يُطرح الحديث عن المكونات، وغالبًا يكون ذلك في أحد التعبيرين.
التعبير الأول: وهو التعبير المبني على تفصيل صاحب الكفاية في الأحكام الظاهرية. يقول إن الحكم الظاهري أحيانًا يكون بلغة جعل مماثل، كما نرى في أصالة الطهارة وأصالة الحل، وأحيانًا يكون بلغة إحراز الواقع. في الحالة الأولى مقتضى قاعدة المكونات، على عكس الحالة الثانية.
أي إذا أتى المكلف بأداء الصلاة بناءً على أصالة الطهارة، وانكشف خلاف ذلك، فالصلاة نفسها تكفي؛ لأن دليل أصالة الطهارة يوسع موضوع دليل اشتراط الطهارة في الصلاة.
المحقق النائيني والسيد الأستاذ آية الله الخوئي (قدس سرهما) ناقشا كلام صاحب الكفاية، وقالا إن حكم أدلة الأحكام الظاهرية على أدلة الأحكام الحقيقية حكم ظاهري وليس حقيقيًا؛ لأن الحكم الظاهري في طول الحكم الحقيقي ومرتبة متأخرة عنه، فلا يمكنه إلا في الظاهر وفي مقام الواجب العملي أن يوسع الحكم الحقيقي، وينكشف خلاف هذا التوسع.
في الرد على هذا النقاش، يجب أن نقول إن أصالة الطهارة في طول النجاسة الحقيقية مشكوك فيها، لكنها ليست كذلك في طول اشتراط الطهارة في الصلاة، لذا يمكن أن يكون لها حكم حقيقي على دليل اشتراط الطهارة.
التحقيق في جواب صاحب الكفاية (قدس سره) هو أن قاعدة الطهارة تقف مقابل دليلين من أدلة الأحكام الحقيقية: الأول دليل موانعة النجاسة، والثاني دليل اشتراط الطهارة في الصلاة. إذا قورن قاعدة الطهارة بالدليل الأول، يتضح أنها لا تحكم عليه، لأنها لا توسع أو تضيق موضوعه، فالأمر إما أن تكون مخصصة لدليل النجاسة كما يظهر من كلام صاحب الحدائق، أو تكون حكمًا ظاهريًا يؤمن من النجاسة الحقيقية. في الحالة الأولى لا شك في وجوب صحة الصلاة وإجزائها، ولكن هذا خارج عن بحث إجزاء الحكم الظاهري من الحقيقي، وقد قلنا في الفقه إن قاعدة الطهارة ليست مخصصة لدليل النجاسة، بل مفادها حكم بالطهارة الظاهرية، وموضوعها الشيء المشكوك في النجاسة والطهارة. أما بالنسبة للدليل الثاني، فهناك احتمالان:
الأول: أن تضع هذه القاعدة المشكوك في الطهارة في عالم الجعل كأنه طاهر حقيقي، ونتيجة لذلك يتوسع نطاق اشتراط الطهارة حقيقةً، وتكون القاعدة المذكورة مفيدة حكم حقيقي.
الثاني: أن تضع هذه القاعدة المشكوك في الطهارة من حيث الجريان العملي كأنه طاهر، وتوضح واجب المكلف في حالات الشك والحيرة والالتباس. بناءً عليه، لا تفيد القاعدة المذكورة أكثر من أن المكلف بتنفيذها يكون آمناً من النجاسة الحقيقية، وعند كشف الخلاف لا يمكن الإقرار بالإجزاء.
في البداية، وإن كان من السنة التنزيلية مثل «الصلاة بالبيت طواف» الاحتمال الأول ظاهرًا، بل غالبًا هو الاحتمال المؤكد، لكن في الحالات التي يكون فيها الشك في موضوع التنزيل مأخوذًا، كما هو الاحتمال الأول معقول، فالاحتمال الثاني معقول أيضًا. في هذه الحالات، إذا لم نستظهر من أخذ الشك في لسان التنزيل إرادة المعنى الثاني حسب مناسبات الحكم والموضوع، على الأقل يظهر الإبهام، ولا يمكن إثبات الإجزاء على مقياس التوسع الواقعي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تأييد الاحتمال الثاني، أي عدم الإجزاء، بما ورد في أسفل موثقة عمار، حيث جاء: «فإذا علمت فقد قذر»، أي مع حصول العلم بالقذارة، تكون آثارها نافذة، ومقتضى إطلاق ذلك أن كل الآثار، حتى التي كانت قبل حصول العلم، مترتبة، ومن ضمن آثار القذارة بطلان العمل السابق ووجوب الإعادة. وحتى لو افترضنا احتمال هذا الإطلاق، فهذا يكفي لجعل صدر الحديث مبهمًا وغير قابل للاستدلال.
التعبير الثاني: هذا التعبير لإثبات الإجزاء في الحكم الظاهري بناءً على القول بالسببية في حجية الأمارات والأصول، أي أن مصلحة فوت الواقع تعوَّض بوجود الأمارة، فلا حاجة إلى الأمارة والقضاء.
تفصيل الموضوع هو أنه في باب حجية الأمارات والأصول هناك عدة احتمالات:
الأول: ما يسميه أصحابنا بالسببية الأشعرية. هذا النوع من السببية يستلزم التصويب والإجزاء، لأنه لا يُتصور أمر غير الأمر الذي امتثل، ولا يمكن تصور انكشاف خلاف وعدم الإجزاء.
الثاني: ما يسميه أصحابنا بالسببية المعتزلية. هذا النوع من السببية أيضًا يستلزم التصويب والإجزاء، لأنه بعد قيام الأمارة يكون أصل الحكم الحقيقي مطابقًا لها، ولا يمكن تصور انكشاف خلاف.
الثالث: السببية المحضة التي اخترناها في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والحقيقي، وقلنا إن منشأ جعل الحكم الظاهري هو حفظ الملاك الحقيقي المتزاحم، وهذا القول مساوق لعدم التصويب وعدم الإجزاء، لأن مقتضاه أن الحكم الحقيقي في موارد الأحكام الظاهرية يبقى على فعاليته وإطلاقه، فلا بد من الإعادة والقضاء.
الرابع: الأمر بالسلوك الأمارة أو الأصل فيه ظهور أن هناك مصلحة في مؤدى الأمارة أو الأصل. هذا النوع من السببية مقابل الطريقيّة، لكنه لا يستلزم التصويب ولا الإجزاء؛ لأن في هذا النوع من السببية لم يُفترض أن تكون المصلحة الظاهرية بالضرورة من نوع المصلحة الواقعية وتكون بديلاً عنها، فمقتضى إطلاق الحكم الواقعي هو عدم التصويب وعدم الإجزاء.
الخامس: نفترض وجود مصلحة في جعل الحكم الظاهري لكي يُدفع شبهة ابن قبة القائلة بقبح تفويت المصلحة الواقعية. فيمكن الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي؛ وذلك بأن يُقال إن هناك مصلحة في تفويت المصلحة الواقعية. هذا النوع من السببية لا يؤدي إلى التصويب ولا الإجزاء؛ لأن المصلحة الواقعية محفوظة في محلها ولا يتم تعويضها بأي وجه.
السادس: الاحتمال السادس هو نوع من السببية يُسمى عند المحقق النائيني بالمصلحة السلوكية، وهو في مقام دفع شبهة ابن قبة. الفرق بين هذا النوع من السببية والنوع السابق هو أنه في السابق كانت المصلحة مفترضة في ذات جعل الحكم الظاهري، أما هنا فالمصلحة مفترضة في سلوك الأمارة بوصفه عنواناً ثانوياً للعمل، وهذه المصلحة بمقدار السلوك. لذلك إذا ظهر العلم بالخلاف أثناء العمل، فالرد واجب؛ لأن سلوك الأمارة هو السبب الوحيد لفقدان فضيلة الوقت الأول، والتعويض الذي يثبت بالبرهان على قبح التفويت لا يتجاوز المقدار، ومقتضى إطلاق الدليل على الحكم الواقعي هو وجوب الرد، وإذا ظهر العلم بالخلاف خارج الوقت، فإذا قلنا إن القضاء بأمر الأول بلا شك يكون القضاء واجباً؛ لأن التعويض يكون بمقدار ما فُقد من المصلحة الوقتية وليس أصل الفعل. وإذا كان القضاء بأمر جديد، فلا بد أن نقول أيضاً إن القضاء واجب؛ لأن هذا النوع من السببية لا يقتضي أكثر من أن خسارة فقدان مصلحة الوقت يمكن تعويضها باعتبار المصلحة السلوكية، أما مصلحة أصل الفعل فيجب تعويضها بوجوب القضاء، ولا وجه بعد لذلك لأن نستنتج من دليل الحكم الظاهري تعويضه أيضاً «والضرورات تُقدَّر بقدرها».
كل هذا في حال افترضنا أن مصلحة القضاء مصلحة مستقلة عن مصلحة الأداء، أما إذا قلنا إن مصلحة القضاء هي ذات مصلحة الفعل التي تبقى بعد الوقت، فلا يكون سلوك الأمارة سبباً في الفقدان، وهذا وجه للرجوع إلى القول بأن القضاء بأمر الأول.
خلاصة القول: بناءً على الاحتمال السادس أيضاً يجب الإقرار بعدم التصويب وعدم الإجزاء في الوقت وخارجه. نعم، إذا لم يظهر العلم بالخلاف حتى نهاية العمر، فيجب الإقرار بالتصويب؛ لأن المصلحة الواقعية أصل الفعل تعوَّض أيضاً بسلوك الأمارة أو الأصل، فلا يكون هناك فقدان للصدق «ولعلّه لا محذور فيه».
حتى الآن علمنا أنه بناءً على كل واحد من الاحتمالات الستة، الإجزاء والتصويب متلازمان إثباتاً ونفياً. بناءً على الاحتمال الأول والثاني يثبت كل من الإجزاء والتصويب، وبناءً على الاحتمالات الأربعة التالية لا يكون هناك تصويب ولا إجزاء.[۷۸]
[۱] . قوانين الأصول، الجزء ٢، ص ١٣٤ (مخطوط).
[۲] . فوائد الأصول، الجزء ٤، ص ٣٨٤ ومصباح الأصول، الجزء ٣، ص ٧٧.
[۳] . الحلقة الأولى، ص ١٦١، الحلقة الثانية، ص ٢٣.
[۴] . مطارح الأنظار، ص ٢٢ (مؤسسة آل البيت ـ إيران ـ قم ١٤٠٤).
[۵] . فوائد الأصول، الجزء الأول والثاني، ص ٢٥٢.
[۶] . مصباح الأصول، الجزء ٢، ص ٢٤٧ ومحاضرات، الجزء ٢، ص ٢٥٢.
[۷] . أصول الفقه، الجزء ١، ص ٦.
[۸] . الكتاب المذكور، ص ٧٤ (مؤسسه آل البیت، الطبعه الثانیه، ١٩٧٩).
[۹] . الحلقة الثانية، ص ٢٧ (تحقيق وتعليق مجمع الفكر الإسلامي).
[۱۰] . الذريعة إلى أصول الشريعة، الجزء ٢، ص ٥١٩ (تصحیح ابوالقاسم گرجی، ط. دانشگاه ، تهران ١٣۴٨).
[۱۱] . العدة في أصول الفقه، الجزء ١، ص ٩٨ (تح. محمدرضا انصاری، ط. ستاره قم، ١٣٧۶).
[۱۲] . معارج الأصول، ص ١٤١ (مؤسسه آل البیت، قم، ١۴٠٣).
[۱۳] . معالم الدين، ص ٢١٥ (به اهتمام دکتر مهدی تح.، مرکز انتشارات علمی و فرهنگی، تهران ١٣۶٢).
[۱۴] . الفوائد الحائرية، ص ١١٧ (مجمع الفکر الاسلامی، قم، شعبان ١۴٢۵).
[۱۵] . قوانين الأصول، الجزء ١، ص ٤٤٥ (انتشارات علمیه اسلامیه، تهران، ص ١٣٧٨).
[۱۶] . المرجع نفسه، ص ٤٥٠.
[۱۷] . الفصول الغروية في الأصول الفقهية، ص ٢٧٢ (دار احیاء العلوم الاسلامیه، ایران، قم، ١۴٠۴).
[۱۸] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢١٢.
[۱۹] . حقائق الأصول، الجزء ٢، ص ٦١. (مكتبة بصيرتي، قم).
[۲۰] . فرائد الأصول، ص ٢٤ (مخطوط).
[۲۱] . كفاية الأصول، الجزء ٢، ص ٤٣. (مخطوط).
[۲۲] . فوائد الأصول، الجزء ٣، ص ٨٨ (انتشارات جامعه مدرسین، قم، ١۴٠۶) وكذلك أجود التقارير، الجزء ٢، ص ٦٢ (مكتبة مصطفوي، قم).
[۲۳] . مصباح الأصوف، الجزء ٢، ص ٩١.
[۲۴] . حقائق الأصول، الجزء ٢، ص ٦١ – ٦٤ (منشورات مكتبة بصيرتي).
[۲۵] . مصباح الأصول، الجزء ٢، ص ٩١.
[۲۶] . مباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٢٧ والبحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٠.
[۲۷] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٢ وكذلك مباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٢٨.
[۲۸] . فرائد الأصول، ص ٢٤ (مخطوط).
[۲۹] . فوائد الأصول، الجزء ٣، ص ٩٧.
[۳۰] . عناية الأصول، الجزء ٣، ص ٨٦.
[۳۱] . مصباح الأصول، الجزء ٢، ص ٩٧.
[۳۲] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠٩.
[۳۳] . المرجع نفسه، ص ٢١٠.
[۳۴] . المرجع نفسه، ص ٢١٨.
[۳۵] . المرجع نفسه، ص ٢١٩: من تقارير الدورة الأولى لدرس الأستاذ الشهيد يتبين أنه كان يسعى بطريقة ما لتصحيح نظرية المصلحة السلوكية، لكن في الدورة الثانية يبدو أنه قد يئس من ذلك. (مباحث الاصول، ج٢، ص ۶٨).
[۳۶] . تعليق آية الله الحائري «حفظه الله» على مباحث الأصول، ص ٤٥.
[۳۷] . كفاية الأصول، الجزء ٢، ص ٥٣.
[۳۸] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٨ ومباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٤٨.
[۳۹] . الحلقة الثانية، ص ٢٩ (تحقيق وتعليق مجمع الفكر الإسلامي).
[۴۰] . الحلقة الثالثة، ص ٢٣ (الطبعه الأولی، ١٩٨٠).
[۴۱] . فرائد الأصول، ص ١٣٥ (مخطوط).
[۴۲] . أجود التقارير، الجزء ٢، ص ٧٧ وفوائد الأصول، الجزء ٣، ص ١٠٩.
[۴۳] . كفاية الأصول، الجزء ٢، ص ٤٤ (مخطوط).
[۴۴] . حقائق الأصول، الجزء ٢، ص ٦٦ وعناية الأصول، الجزء ٣، ص ٩٠.
[۴۵] . عناية الأصول، الجزء ٣، ص ٨٧ ـ ٨٥.
[۴۶] . كفاية الأصول، الجزء ٢، ص ٥٢.
[۴۷] . عناية الأصول، الجزء ٣، ص ٩٩ ـ ٩٧.
[۴۸] . حقائق الأصول، الجزء ٢، ص ٧٢.
[۴۹] . مصابيح الأصول، الجزء ٢، ص ١٠١ و ١٠٢.
[۵۰] . فوائد الأصول، الجزء ٣، ص ١٠١ وأجود التقارير، الجزء ٢، ص ٧٢.
[۵۱] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٦ ـ ١٩٤ وكذلك مباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٣٧ ـ ٣٢.
[۵۲] . فوائد الأصول، الجزء ٣، ص ١١٥.
[۵۳] . المرجع نفسه، ص ١١٩ ـ ٨٨.
[۵۴] . مصباح الأصول، الجزء ٢، ص ١٠٦ – ١٠٤.
[۵۵] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٤.
[۵۶] . دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، ص ٢٥. (الطبعه الاولی، ١٩٨٠)
[۵۷] . مصباح الأصول، الجزء ٢، ص ١١١ ـ ٩١.
[۵۸]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٩٤.
[۵۹]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢١٩.
[۶۰]. بحوث في علم الأصول، الحلقة الثالثة، ص ٢٦ (الطبعه الاولی، ١٩٧٨).
[۶۱]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ١٨٨.
[۶۲]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢١٢.
[۶۳]. الحلقة الثانية، ص ٢٩ (تحقيق وتعليق مجمع الفكر الإسلامي).
[۶۴]. الحلقة الثالثة، ص ٢٣ (الطبعه الاولی، ١٩٨٠).
[۶۵] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠١.
[۶۶] . سورة البقرة، آية ٢١٩.
[۶۷]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠٣؛ مباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٥١.
[۶۸]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠٤ وكذلك مباحث الأصول، الجزء ٢، ص ٥٢.
[۶۹]. بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠٨.
[۷۰]. الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٣٠ (الطبعة الأولى ١٩٧٨).
[۷۱]. الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٣٤ و ٣٥.
[۷۲] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٤، ص ٢٠٩.
[۷۳] . الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٣٦ و ٣٧.
[۷۴] . الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٣٩ – ٣٧.
[۷۵] . الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٣٩ و ٤٠. استدلال الأستاذ الشهيد بعدم صحة نظر صاحب كفاية، في بحث الأجزاء سيأتي في نهاية هذا المقال.
[۷۶]. الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٥٩ – ٥٤.
[۷۷] . الحلقة الثالثة، الجزء الأول، ص ٧٤ – ٧٠.
[۷۸] . بحوث في علم الأصول، الجزء ٢، ص ١٥٧-١٦٦.

