دراسة معايير تحقيق العدالة السياسية بناءً على فكر الشهيد صدر

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی معیارهای تحقق عدالت سیاسی بر مبنای اندیشه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: إن دراسة معايير تحقيق العدالة السياسية بناءً على فكر الشهيد صدر (قده)، هو موضوع هذا البحث الذي يُجرى بهدف استنباط مؤشرات العدالة في البنية السياسية للمجتمع الإسلامي. العدالة السياسية باعتبارها أسمى قيمة إنسانية – مدنية، هي الحارس على الحرية والأمن والصحة والرفاه والسعادة الإنسانية، التي تجعل ظروف الحياة المدنية للأفراد ممكنة وتضمن حقوقهم في البيئة الجماعية. ولكن أهم مسألة في ميدان العمل السياسي هي المعايير التي من خلال إدراكها يمكن التحقق من وجود العدالة السياسية في المجتمع. ومن ثم، فإن مسألتنا في هذا البحث هي دراسة معايير تحقيق العدالة السياسية بناءً على فكر الشهيد صدر. في الإجابة، ومن خلال استخدام منهج دراسة النصوص النظري – النصي المحوري والمنهج التأويلي القصداني بأسلوب استنباطي، نسعى إلى التعرف على قصد الشهيد صدر فيما يتعلق بهذه المعايير مع الاعتماد على البيانات الوثائقية. في هذا المنظور، «العدالة السياسية تعني المشاركة المتساوية لجميع أفراد المجتمع في مجال تدبير الشؤون العامة والتمتع بالحقوق والقانون المتساوي والدخول في سياسة المجتمع وتولي المناصب بناءً على الاستحقاق» وهو ما نسميه العدالة المرتكزة على الشعب أو العدالة المرتكزة على العموم. في هذا الرأي، تُؤخذ بعين الاعتبار معايير مثل تحقيق خلافة الإنسان على الأرض من خلال إقامة نظام سياسي عادل وشعبي، قانونية المجتمع في ميدان الشريعة الإسلامية والعقل، مساواة جميع الأفراد أمام القانون، المشاركة الجماعية، مراعاة كرامات الإنسان، العزة السياسية، استقلال المجتمع، والتوزيع العادل للمناصب السياسية.

المؤلف: محمدحسين جمشيدي

المصدر: مجموعه مقالات هفتمین کنفرانس الگوی اسلامی ایرانی پیشرفت(ملی)، ص 4498 إلى 4520.

1. المقدمة وبيان المسألة

العدالة هي أهم وأسمى قيمة إنسانية تضمن وتحمي (تحرس) الحرية وحدودها، والأمن، والصحة، والرفاه، والكمال، والسعادة. وعلى هذا الأساس، تحولت عبر تاريخ البشرية إلى أسمى الأهداف (جمشیدی، 1378: 73-74) ورغبة الإنسان، وقد خطى المفكرون والحكماء والعلماء والمصلحون خطوات متنوعة في سبيل توضيحها وتحقيقها. ومن أمثلة هذه الخطوات في الجانب النظري، تأليف كتاب الجمهورية لأفلاطون (افلاطون، 1396) أو صياغة نظرية العدالة لرالز (رالز، 1387). العدالة مسألة تشمل جميع أبعاد حياة الإنسان الفردية والاجتماعية (علیخانی، 1388: 17-19) وترتبط بشكل شامل ومتين بمصير الإنسان، أي أنها مسألة الإنسان بما هو إنسان، وبناءً عليه فهي ذات أبعاد واسعة وشاملة. ومن بين أهم المستويات والأبعاد للعدالة، العدالة السياسية التي لا تسهل فقط ظروف الحياة المدنية للأفراد في المجتمع وتضمن حقوقهم في البيئة الجماعية (جمشیدی، 1388: 129-130)، بل تحقق أيضاً أبعاد ومستويات أخرى متنوعة من العدالة مثل العدالة الاقتصادية والقضائية وغيرها. ورغم أن العدالة السياسية هي محور فكر غالبية المفكرين المعاصرين (پاکتچی، 1388: 319- 320) وترتبط ارتباطاً وثيقاً وشاملاً بهيكل المجتمعات، إلا أن أهم مسألتها في الأبعاد التطبيقية وفي ميدان العمل السياسي – الاجتماعي هي المؤشرات والمعايير التي لا يمكن من خلالها إلا بالإدراك والتشخيص التأكد من وجود وتحقيق العدالة السياسية في المجتمع. ومن ثم، فإن مسألتنا المهمة في هذا البحث هي دراسة معايير تحقيق العدالة السياسية. وهذا في حين أن المفكرين المعاصرين قد اهتموا بهذه المعايير من زوايا وأبعاد مختلفة – سواء بشكل مباشر أو خلال مناقشاتهم وأعمالهم.

أحد كبار المفكرين المعاصرين في العالم الإسلامي الذي تناول العدالة بشكل عام وأبعادها المختلفة بدقة وبصيرة ضمن إطار عام وشامل، وأيضاً في بعض الحالات – مثل الاقتصاد – بشكل خاص (صدر، 1399ه. 1979م: 696- 728) هو الشهيد العلامة سيد محمد باقر صدر، حيث إن دراسة أعماله وأفكاره تدل على اهتمامه بهذه المسألة المهمة. ومع ذلك، فإنه لم يتناول في أعماله العدالة السياسية بشكل خاص أو الحلول والمعايير لتحقيقها، بل بالنظر إلى أن العدالة بالنسبة له مسألة أساسية وحاسمة أولاً، وأن نظرته إلى العدالة شاملة ومتعددة الأبعاد ثانياً، والأهم من ذلك أن محور نظرته هو الإنسان والدين مع التركيز على العدالة باعتبارها مبدأً أساسياً في الوجود والحياة الإنسانية، وهي إحدى المحاور والأسس في فكره وتأمله، فإنه يمكن من خلال دراسة استنباطية لأعماله التوصل إلى كيفية ومعايير تحقيق العدالة ومنها العدالة السياسية. وبناءً عليه، فإن مسألتنا بشكل خاص في هذا البحث هي دراسة معايير تحقيق أو وجود العدالة السياسية بناءً على أفكار ورؤى الشهيد صدر في إطار استنباطي – تفسيري وتأويلي. والسؤال الأساسي لدينا هو: ما هي المعايير التي يمكن أن تعبّر عن تحقيق العدالة السياسية في المجتمع بناءً على فكر ونظرة الشهيد صدر؟

للإجابة على هذا السؤال، نعتمد في هذا البحث على مزيج من المنهج الاستنباطي والمنهج التأويلي القصداني لدراسة هذه المعايير بالاعتماد على آراء ورؤى الشهيد صدر استناداً إلى منهج دراسة النصوص النظري المحوري وبالاعتماد على البيانات الوثائقية والمكتبية. في هذا المنهج، نعتمد على أعمال الشهيد صدر كنص ونتكئ على نظرية محددة لتفسير وفهم مقاصد الشهيد صدر فيما يتعلق بكيفية تحقيق العدالة السياسية واستنباطنا وفهمنا لأفكاره حول معايير تحقيق العدالة السياسية.

2. فروض البحث

المقصود بالفروض هي العبارات التي يقبلها المؤلف أو الباحث قبل بدء البحث كمسلمات أو فروض ويبني عليها بحثه. الفروض أو المبادئ المقبولة في هذا البحث هي:

1) نحن في هذا البحث نرى العدالة السياسية في إطار نظرة عامة وشاملة ومتعددة الأبعاد للعدالة. نظرة يمكن اعتبارها منظومة شاملة وكاملة للعدالة. في هذه النظرة: «العدالة السياسية بعد من أبعاد العدل الكلي والعام، والمراد بالعدل الكلي والعام هو العدل الحاكم على الوجود والساري والجاري فيه، في كليته، أي العوالم الأربعة (عالم الملكوت والجبروت أو العالم فوق الطبيعة، والعالم والناسوت أو الطبيعة، والعالم الإنساني، والعالم الاجتماعي). ونتيجة لذلك، في هذه المنظومة، من الناحية الوجودية، العدالة السياسية جزء لا يتجزأ من العدل الكلي والعام. عدل يحكم على عالم الوجود وبالنتيجة على وجود الإنسان وكيانه.

2) من وجهة نظرنا، العدالة السياسية من الناحية المعرفية هي أيضاً جزء من المنظومة الكلية للفكر الإسلامي. لذلك، يُطرح النظر إلى العدالة السياسية ومعاييرها في إطار الفكر الإسلامي والتوحيدي، وترتبط وجودياً بالمعرفة الوجودية والأنطولوجيا والإنسانية، ومن الناحية المعرفية بالإلهيات والكلام والفلسفة والفقه وسائر المعارف الإنسانية الإسلامية.

3) نحن في هذا البحث نتناول معايير تحقيق العدالة السياسية، لأننا نعتقد أن العدالة وبالنتيجة العدالة السياسية هي معيار بحد ذاتها. ومن هذه الناحية، ما يُراد في ميدان معرفة العدالة السياسية هو تشخيص وجودها وتحقيقها في المجتمع، وهذا الأمر يحتاج إلى معيار ومؤشر.

4) العدالة في هذه النظرة ليست أمراً مبنياً أو ناتجاً عن عقد أو اتفاق بين الأفراد أو ثمرة المجتمع، بل هي أمر موضوعي ونفس الأمر.

3) المنهجية البحثية

المقصود بالمنهجية هو تقديم الطرق التي تُستخدم وتُؤخذ بعين الاعتبار في معرفة وعلم (ضیائی بیگدلی، 1384: 7) أو في بحث معين. بناءً على ذلك، فإن طريقة جمع بياناتنا في هذا البحث هي مكتبية ووثائقية. أما في شرح وتحليل المسألة، فإن منهج بحثنا مركب، حيث نستخدم مزيجاً من ثلاث طرق بحثية بالترتيب، من استخدام البيانات حتى الوصول إلى النتيجة:

1) طريقة دراسة النصوص النظرية – المحورية على النص: في هذه الطريقة نعتمد على النصوص والآثار المعنية، وتُستخرج البيانات في شكل مقولات من نصوص المؤلف. لكن معيار هذا الاستخراج ليس محور النص بل محور إطار نظري أو مفهومي محدد. في هذه الطريقة، بطريقة ما، «في مواجهة النص والنظرية، ترسم النظرية مسائل البحث» (محمدی کله سر، 1359: 54)، لذلك، عملنا من هذه الناحية ليس محصوراً على النص فقط بل هو محوري على النظرية أيضاً.

2) طريقة التفسير النية المقصودة: التفسير النية المقصودة الذي يقصده سكينر هنا يُؤخذ كطريقة (Skinner, 2002: 86). في هذه الطريقة، بناءً على تفسير المقولات المطروحة، تُكشف وتُعبّر فكرة ووجهة نظر المؤلف أو المفكر، وبعبارة سكينر، نية قصده (محمود پناهی، 1394)، بحيث تظهر تجسيد هدف أو مقصد معين، وكذلك نصل إلى أن النص يحتوي على نقطة مستخلصة (Skinner, 1972:401) لم تُذكر صراحة في النص.

3) نتيجة هاتين الطريقتين هي نوع من النظرة الاستنباطية أو الاجتهادية المستمدة من نصوص آثار وأفكار الشهيد الصدر، والتي تتم وفق قواعد عقلانية.

لذلك، إذا أردنا تعريف مفهوم العدالة السياسية ومعايير تحقيقها في نظر الشهيد الصدر، نجد أنه لم يتناول العدالة السياسية أو معايير تحقيقها بشكل صريح وكبحث خاص ومستقل، ولكن بما أن العدالة هي أهم مسألة وهدفه ونيته تحقيقها، وقد تناولها إلى حد ما في جميع أبعادها وبشكل متفرق في مؤلفاته المختلفة، فلا بد من استنباط رأيه بشأن معايير تحقيق العدالة السياسية من خلال دراسة مؤلفاته المتنوعة مثل مقدمة فلسفتنا، المدرسة الإسلامية، المدرسة القرآنية الإسلامية تقود الحياة، رسالتنا، الفتاوى الواضحة، فدك في تاريخنا واقتصادنا، وغيرها. لذلك، عنوان البحث ليس وجهة نظر الشهيد الصدر حول معايير تحقيق العدالة السياسية كما هي، بل بناءً على وجهة نظره، بل نناقشها في إطار هرمنوطيقي وتأويلي بنية مقصودة. وعليه، ما يُطرح في هذا المقال حول العدالة السياسية ومعايير تحقيقها هو استنتاج واستنباط من آراء ونظريات الشهيد الصدر.

4. الإطار النظري للنقاش

1.4. العدل الموضوعي والنفس الأمر

فيما يتعلق بنوع النظرة إلى العدالة، هناك نظريتان أو توجهان كليان:

أ) العدل كعقد واعتبار بشري؛ أي أمر تعاقدي، اتفاقي ومبني على العقل البشري، بمعنى «العدالة مثل غيرها من المؤسسات الاجتماعية، مؤسسة يجب أن تُنشأ» (اقتراح، 1376: 8). في هذه النظرة، العدالة وبالنتيجة معايير تحقيقها وعدم تحقيقها كلها من صنع الإنسان والمجتمعات المختلفة. من أهم منظري هذه النظرية إيمانويل كانط وجون رولز.

ب) العدل كأمر موضوعي وذات الأمر، العدل في هذا النظر يتمتع بالموضوعية وحالة الذات الأمرية، وليس من صنع أو وضع الأفراد والمجتمعات، أي أنه ليس نتيجة اتفاق أو بناء اجتماعي بين المجتمع وأفراده، وبالتالي فهو غير لغوي وغير بنيوي. بعبارة أخرى، العدل في هذا المعنى متجذر في عالم الوجود، وبالنتيجة متجذر في الذات والفطرة الإنسانية، ولهذا فهو صفة ذاتية، وهو بطبيعته حسن وجميل. لذلك، من الناحية المنطقية، نعتبر العدل من المفاهيم الفلسفية مثل العلم والقدرة، التي هي معيار ومقياس لكل أمر آخر. كما ورد في الحديث النبوي: «بالعدل قامت السماوات والأرض» (فیض کاشانی، د.ت.: ج 638: 2) أي إن السماوات والأرض قائمة بالعدل. كما يقول أمير المؤمنين الإمام علي (ع): «مَلَاكُ سِيَاسَةِ العَدْلِ» (محدث، 1373: 1-116) أو يقول: إنّ العدل ميزان الله سبحانه … (المرجع نفسه: 2/58) وفي موضع آخر يقول «العدل مَلَاك» (المرجع نفسه، 1/57)، مما يدل على أن العدل هو المقياس والمعيار ذاته. ونتيجة لذلك، إذا كان العدل هو أساس الوجود ومقياس الله، فإنه لا يكون اتفاقياً أو من صنع الأفراد. لذلك، فإن نظرة غالبية الحكماء المسلمين هي أن العدل أمر موضوعي وذات الأمر، بمعنى أن العدل وجه في العالم الموضوعي، وهو ما قبل التجربة وفطري، وله قابلية للإدراك العقلي. (جمشیدی 1380: 615) كما يشير معظم المفسرين في تفسير كلمة الميزان في الآية السابعة من سورة الرحمن إلى اعتبار العدل معياراً فطرياً وبديهياً. (انظر: طباطبایی، 19: 161) وفي نظر الشهيد الصدر يُرى العدل بهذه الصورة. وفي هذا السياق، أورد ثلاث مقولات للشهيد الصدر كدليل هنا:

1) كلنا نؤمن بالعقل البديهي والفطري أن العدل حق وخير، وأن الظلم والفساد باطل وشر. (صدر، 1981م : 53).

2) العقل النظري السليم يدرك أن الظالم يستحق العقاب والجزاء، والعادل يستحق الاحترام والمكافأة. (المرجع نفسه: 54).

3) نقدر العادل مباشرة، ونلوم ونذم الظالم المنحرف. (المرجع نفسه).

كما يطرح في كتاب مدرسة القرآنية أن العدل شرط لنمو بقية القيم الإنسانية. (صدر، 1388: 324) إذن، الإدراك الفطري والعقلي لدينا للعدل يدل على وجود العدل، بمعنى أنني أفهم العدل إذن العدل موجود ومعقول.

لذلك، النظرية السائدة في هذا المقال، على المستوى الكلي، هي نظرية العدل كذات أمر وموضوعي، والتي بموجبها يكون العدل معياراً ومقياساً لكل الأمور والجوانب الفردية والاجتماعية، ومعيار القانون، والحكم، والسياسة، والدين، والمجتمع، وغيرها. العدل بمعنى ذات الأمر والموضوعي، مما يثبت أن العدل هو معيار بحد ذاته، والعدل هو الدليل. وعلى هذا الأساس، لا يمكن الحديث عن معيار العدل فقط، بل يجب الحديث عن معيار تحقيق وتنفيذ العدل في المجتمع وفي نفس الإنسان.

2.4. علاقة العدل بالسياسة

يمكن تفسير علاقة العدل بالسياسة نظرياً على النحو التالي:

أولاً: أن يكون العدل وصفاً أو صفة، والسياسة هي الموصوف، أي أن التعبير عن العلاقة يكون بصيغة سياسة العدل (السياسة العادلة)، أي السياسة التي تتصف بالعدل. اعتبار السياسة عادلة في هذا السياق يقوم على النظرة النظامية أو الدولة المحورية، حيث يكون تحقيق العدل في مجال السياسة وداخل الحكومة والمؤسسات الحكومية والنظام السياسي، وسلوك القادة، والعلاقة بين القادة والمؤسسات مع المجتمع والشعب، وعلاقة الحاكم بالمجتمع، وهو ما يُطرح في إطار عدل التوازن وعدل التوزيع. لكن هذا الفهم ليس موضوع نقاشنا في هذا المقال. ويمكن أن يُدرج رأي الشهيد الصدر في موضوع التوازن الاجتماعي في كتاب اقتصادنا كواجب على الدولة والنظام السياسي (صدر، 1979م: 706- 720) ضمن هذا الإطار.

ثانياً: أن يكون العدل هو الوصف والسياسة هي الخاصية، أي أن العدل هو المحور والسياسة هي الصفة، أي العدل السياسي أو العدل السياسي. ونستخدم في هذا المقال العلاقة بين العدل والسياسة بهذا المعنى. وهذا الموضوع نفسه يُفسر بطريقتين:

1) الوصف التوضيحي: أن يكون وصف أو قيد العدل على السياسة وصفاً توضيحياً، أي أن العدل السياسي هو العدل الذي تفسره السياسة، أي تبيّنه. هنا، لا يعني العدل السياسي أحد أبعاد السياسة مثل العدل الاقتصادي أو القضائي، بل العدل أساساً أمر سياسي. وهو «مُتعلق بأفكار مفكرين رأوا العدل أساساً أمراً سياسياً، دون أن يقصدوا تقسيم العدل إلى مجالات.» (پاکتچی، 1388: 326) وبحسب هوفه، هناك أربعة نماذج أو نظريات في هذا الخصوص، وهي:

أ) نموذج التعاون أو النظرة الأرسطية،

ب) نموذج الصراع والعقد أو النظرة الروسية والكانتية،

ج) نموذج العدل كإنصاف أو النظرة الرولزية،

د) نموذج التبادل (هوفه، 1383: 60- 68)

إذا اعتُبر وصف السياسة للعدالة تفسيرًا، فهذا يعني أن العدالة في جوهرها أمر سياسي. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن العدالة والسياسة هما واحد أو أنهما يتبعان هدفًا واحدًا. كما أن رالز تقريبًا في النهاية يسعى لإثبات هذه النقطة ويناقش العدالة باعتبارها أمرًا سياسيًا. (رالز، 1387) كما أن الإمام الخميني والشهيد الصدر في هذا المجال يعتبران السياسة والعدالة واحدًا. في نظر هذين الاثنين، العدالة ليست مجرد وجود أو صفة إنسانية، بل هي طريق وسلوك (المضي والتحول). كما يؤكد الشهيد الصدر: «والاعتدال في السلوك» (صدر، 1399ه: 25 . د.ت.: 148) ويطرح الإمام الخميني أيضًا: «… العدالة هي الخط المستقيم والسير المعتدل» (خمینی، 1377: 152). لذلك، فإن تقسيم العدالة إلى مجالات اقتصادية وما يُسمى ثقافية أو غيرها يُطرح أيضًا في إطار السياسة وعلى أساسها. بعض مناقشات الشهيد الصدر تؤيد كون وصف السياسة تفسيرًا للعدالة. مثلاً في كتاب فدك في التاريخ يقسم الشؤون الاجتماعية للبشر إلى ثلاثة مجالات أو لنقل إلى ثلاثة أنواع من السياسة. الأولى هي السياسة العليا التي هي السياسة العليا والحكم على المجتمع. الثانية السياسة الاقتصادية أو السياسة الدونية، والثالثة السياسة القضائية أو السلطات القضائية. (صدر، 2001م: 59 و جمشیدی، 1389: 180-181)

2) الوصف التخصيصي: هنا يُعتبر قيد السياسة لتخصيص العدالة. أي العدالة التي تخص عالم السياسة. أو «العدالة التي يجب أن تُتبع في الحياة السياسية للمجتمعات وتقع إلى جانب عدالات مقيدة أخرى، مثل العدالة الاقتصادية.» (پاکتچی، 1388: 323) بمعنى آخر، تخصيص العدالة لمجال السياسة مقابل المجالات الأخرى مثل الحقوق والقضاء والاقتصاد… من هذا المنطلق تُعتبر العدالة السياسية إلى جانب العدالة الاجتماعية أو إلى جانب العدالة الاقتصادية أو كما يعبّر البعض كجزء من العدالة الاجتماعية. وقد اعتبر بعضهم هذا التعبير عن العدالة السياسية كحقوق عامة وواجب علم القانون والعلوم السياسية معًا (المرجع نفسه: 323- 324)

ولكن يجب أن يُعلم أن الوصف التخصيصي نفسه يمكن دراسته بطريقتين:

أ) أن الوصف التخصيصي هنا يعبر عن تحقق العدالة في مجال من مجالات السياسة التي غالبًا ما تُطرح في قالب الحق والواجب والمكافأة والجريمة السياسية، وفي الواقع هي وظيفة ركن سياسي يشرف على تنفيذ القانون أو عدم تنفيذه في المجتمع. أي أن العدالة السياسية هنا موضوع الحقوق العامة أو نوع من الحقوق القضائية. (باكتشي، المرجع نفسه) نحن لا نعتبر العدالة السياسية بهذا المعنى في هذا البحث.

ب) الوصف التخصيصي للعدالة السياسية هو العدالة في مجال مصير الإنسان الاجتماعي أو كل ما هو حق له أو ما يُسمى الاستحقاق. وبعبارة مطهري، مراعاة حقوق الأفراد ومنح كل ذي حق حقه (مطهری،1390: 56). وبعبارة الفارابي: تقسيم الخيرات العامة والمشتركة بشكل عادل وحق أهل المدينة بين جميع أهل المدينة (جمشیدی، 1380: 275- 276). في نظر الشهيد الصدر العدالة بهذا المعنى: صفة لها أثر ودور اجتماعي، تجعل المجتمع والحركة الاجتماعية غير محتاجين… (صدر، د.ت.: 197هـ). وبالنظر إلى محورية المصير المشترك الجمعي للبشر، نعتبر هذا الفهم للعدالة السياسية عدالة محورها الناس والمجتمع، أي عدالة تعود إلى المصير الاجتماعي وتحدد المصير الاجتماعي، وهي أيضًا أحد أسس النظام الاقتصادي الإسلامي (صدر، 1979: 295) كما هي أحد أسس النظام الحاكم والعلاقات الاجتماعية (صدر، 1399ه: 11-12). أي عدالة هي حق المجتمع أو حق الوجود الجمعي للبشر أو تعود إلى المجتمع بطريقة ما والسياسة تأخذ ذلك في الاعتبار تجاه المجتمع. (المرجع نفسه: 13).

لذا، إذا كانت السياسة هنا تعني المشاركة العامة للبشر في مصيرهم أو تدبير مصيرهم الجمعي (جمشیدی، 1385: 80)، فإن العدالة السياسية في الوصف التخصيصي ستكون كيفية عدالة حق تحديد مصير البشر، والتي نسميها العدالة المحورية على الناس أو العدالة المحورية على العموم، ولا تختلف كثيرًا من حيث المحتوى عن الوصف التفسيري. في مثل هذه العدالة، أولاً الناس متساوون في جميع الحقوق في الحياة الاجتماعية، وبعبارة الشهيد الصدر «متساوون بالنسبة إليه» (صدر، 1399ه: 12) وثانيًا في مجال تحقيق المسؤولية وتدبير الشؤون العامة على أساس الاستحقاق، يدخلون حيز العمل. في هذا المنظور، الخلافة أو الوصاية الإنسانية في جميع أبعادها (السياسية – الاقتصادية وغيرها) هي حركة قائمة على العدل والخير (المرجع نفسه: 19). بناءً على هذا وبالنظر إلى فهمنا للعدالة، العدالة السياسية في جوهرها وذاتها لها محوران أو ركيزتان أساسيتان. الأولى المساواة أو التساوي، والثانية الاستحقاق أو الكفاءة، وتركيب هذين الاثنين في مجال السياسة والمدنية هو التوازن السياسي أو الاجتماعي (صدر، 1979: 708). بناءً على ما سبق، المقصود بمعايير تحقق العدالة السياسية هو «المقاييس والآليات لتحقيق العدالة المحورية على العموم أو المحورية على الناس في المجتمع» أو العدالة في إطار الحقوق والكرامة المدنية في المجتمع السياسي.

5. المفاهيم الأساسية للبحث

1.5. المعيار: أحد المفاهيم المهمة لدينا في هذا البحث هو مفهوم المعيار الذي مأخوذ من العيار بمعنى القياس والاختبار والتشخيص والمعرفة (ابن منظور 1408: عیر). المعيار من الناحية النحوية اسم أداة ووسيلة، ويعني العيارسنج، المقياس، المعيار، والوسيلة التي يُقاس بها شيء ما (دهخدا، 1388: معیار). بناءً على ذلك، في نظرنا، المعيار هو آلية وأداة المعرفة والتشخيص لدرجة القرب من الأهداف أو المقدار، وقد استُخدم في الأدبيات بنفس المعنى. مثلاً يقول ناصر خسرو:

نِعْمَ وَشَرٌّ تَذُوقْ وَقِسْ بِمِعْيَارِ الْعَقْلِ / فَمِنْ عَقْلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ لَيْسَ لِي مِعْيَارُ (ناصر خسرو، 1384: 311)

أو أن خواجه نصير الدين الطوسي له كتاب بعنوان معيار الأشعار حيث بحث في آليات معرفة الأشعار وشرحها. (طوسی: 1362)

2.5.العدالة: عند دراسة وتعريف العدالة يجب التمييز بين تعريف العدالة وجوهرها وطبيعتها. بناءً على ذلك، يمكن أن تكون تعريفات العدالة متنوعة، وكل منها يشرح أو يصف أو يبيّن جانبًا أو بعدًا من أبعاد العدالة. مثلاً جاء في النص: «العدالة هي تقسيم الخيرات العامة التي تخص جميع أهل المدينة بينهم…» (فارابی، 1961م: 141-142) أو: «الالتزام بحقوق الأفراد ومنح كل ذي حق حقه.» (مطهری، 1390: 56) ولكن في تحديد حقيقة وماهية العدالة، المعيار الأهم هو معرفة جوهر وطبيعة العدالة. لذا فإن الانتباه إلى ذلك يكون أكثر أهمية خاصة في المواضيع المختصرة. في هذا المقال، تُعتبر العدالة جوهريًا كيانًا ذا وجهين كما لدى جانوس، أحدهما المساواة والآخر الاستحقاق، وحاصل هذين هو التوازن أو الوسطية (بقره: 143) والتسوية. إذًا جوهر العدالة هو مزيج من المساواة والاستحقاق أو الكفاءة. في فكر الشهيد الصدر يُرى هذا المزيج في إطار الاعتدال والوسطية. كما يقول: «فالعدالة هي الوسطية والاعتدال في السلوك» (صدر، 1399ه: 25، د.ت.:148). بناءً على مناقشات الشهيد الصدر، هذا التوازن قائم في وجود الفرد والمجتمع والوجود ككل. لذلك، في هذا المنظور، تحقيق العدالة هو المساواة المبنية على الاستحقاق والكفاءة أو التوازن والتسوية (صدر، 1399ه/ 1979م: 302). وحاصل هذا التوازن في نظر الصدر هو الثبات على الطريق والمنهج (صدر، 1981م: 120 و1410هـ: ج1: 12). بهذا المعنى، العدالة مفهوم عام وشامل يشمل كليّة الوجود.

3.5. السياسة: السياسة صفة من كلمة سياسة، وللسياسة معانٍ وتعريفات متعددة مثل علم الحكم، والسلطة، والدولة، والقوة والسلطة السياسية… ( انظر: ابوالحمد، 1368: 12-32، جمشیدی، 1385: 49-74 و …) ولكن هنا، أعني بالسياسة «التدبير المشترك لمصير الإنسان الجماعي والمشاركة فيه» (جمشیدی، 1385: 80). إذًا السياسة أمر عام وشامل ومن نوع التدبير والفعل الإداري في مجال العالم الجمعي والمدني.

4.5. العدالة السياسية: بالنظر إلى فهمنا للعدالة التي جوهرها المساواة في المرحلة الأولى والاستحقاق المبني على المساواة في المرحلة الثانية، والسياسة التي تعني التدبير والمشاركة في الشؤون الجماعية والمصير المشترك للناس في المجتمع، فإن العدالة السياسية في ذاتها وجوهرها تقوم على محورين أو ركيزتين أساسيتين. الأولى المساواة أو التساوي، والثانية الاستحقاق أو الكفاءة، وتركيب هذين في مجال السياسة والمدنية هو التوازن السياسي أو الاجتماعي (صدر، 1979: 708). وباختصار يمكن القول: «العدالة السياسية تعني أن يتمكن جميع أفراد المجتمع من الحضور والمشاركة في مجال السياسة أو إدارة وتدبير الشؤون العامة بشكل متساوٍ، ويتمتعون بحقوق متساوية، ويدخلون المناصب السياسية بناءً على الاستحقاق بحيث يتحقق التوازن الاجتماعي في مجال السياسة.»

6. أبعاد ومجالات العدالة السياسية

هنا، قبل مناقشة معايير تحقيق العدالة السياسية، من الضروري لتوضيح الموضوع أكثر، ولو بإيجاز، التطرق إلى أبعاد ومجالات العدالة السياسية بالمعنى المقصود.

كما ذُكر سابقًا، المقصود بالعدالة السياسية في هذا المقال هو العدالة المرتكزة على الناس أو العدالة المبنية على حقوق المواطنة في مجال الحياة المدنية والسياسية. وبعبارة أخرى: «العدالة السياسية تعني حضور ومشاركة متساوية لجميع أفراد المجتمع في مجال تدبير الشؤون العامة، والتمتع بحقوق وقوانين متساوية، والدخول في السياسة وإدارة المجتمع بناءً على الاستحقاق والكفاءة.» وبدون ذلك يفقد المجتمع القدرة والظروف اللازمة والضرورية لتحقيق الخيرات والقيم المدنية (صدر، 1399ه: 19). لذلك، أولاً يجب أن تكون شروط الأفراد للحضور في مجال السياسة متساوية بحيث يمكن للجميع المشاركة بشكل متساوٍ في تشكيل النظام السياسي وبقاءه. «متساوون بالنسبة إليه» و«لا يقوم التفضيل في مقاييس الكرامة» (صدر، 1399ه: 12). ثانيًا، يجب أن يتمتع الجميع بحقوق متساوية في مجال السياسة والقانون والمجتمع: «الأفراد جميعًا متساوون في هذا الحق أمام القانون ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وأفكاره…» (صدر، د.ت.: 14). وثالثًا، بناءً على المساواة والاستحقاق، يجب أن يتمكن الجميع من الدخول إلى المناصب السياسية: «وممارسة العمل السياسي بأشكاله المختلفة.» (المرجع نفسه، 14) و«رعاية شؤون الأمة طبقًا للشريعة الإسلامية» (صدر، الأساس، رقم 6). تُراعى جميع حقوق وشؤون الأمة. حتى في فرص الاستفادة من الإمكانات السياسية، يكون الجميع متساوين. لاحقًا يُضاف عنصر الاستحقاق إلى المساواة، أي مثلاً في تولي المناصب يُطرح عنصر الكفاءة والاستحقاق. قيل إن التوازن العام هو حاصل هذين، أي المساواة والاستحقاق. التوازن العام أو الاجتماعي الذي ورد في كتاب اقتصادنا يمكن طرحه على مستويين: أحدهما المجال الأدنى والآخر المجال الأعلى، حيث يُطرح في المجال الاقتصادي (صدر، 1399: 302- 303)، لكن هذا التوازن قابل للتحقق أيضًا في السياسة. في السياسة، في المجال الأدنى تُطرح المساواة والتساوي، أي هناك مجموعة من الحقوق والشروط التي يتمتع بها جميع الناس بشكل متساوٍ. «فرصة المساهمة الكريمة» (المرجع نفسه: 698) و«الأفراد جميعًا متساوون في هذا الحق» (صدر، د.ت.: 14). أما في المجال الأعلى، رغم أن لكل فرد حق الدخول إلى السياسة، إلا أن عنصر الاستحقاق والكفاءة يُطرح أيضًا لقبول المناصب السياسية. لهذا السبب، يشمل المجال الأدنى ثلاثة مجالات: المشاركة، والحقوق، والقانون، بينما يشمل المجال الأعلى المناصب والمسؤوليات والأمانات. وبناءً عليه، يشمل مجال المساواة هذه الحقوق الثلاثة الكبرى.

1) المساواة في حق تقرير المصير: جميع البشر متساوون في حق تقرير مصيرهم. يستنتج الشهيد الصدر في مؤلفاته خمسة حقوق في هذا المجال. أولاً حق الشرعية أو القبول أو حق قبول النظام السياسي. متساوون في هذا الحق (صدر، 11: 1399) ثانياً حق الاختيار أو حق انتقاء النظام السياسي والمسؤولين عنه. «إن الأمة كما تقدم هي صاحبة الحق في الرعاية» (صدر، د.ت.: 14) ثالثاً حق اتخاذ القرار أو حق المشاركة الذي يتحقق من خلال المجلس والمشورة. الذي يتوافق مع قاعدة الشورى (المرجع نفسه، 16) رابعاً حق الرقابة الذي يُطرح في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (صدر، 1399ه: 49-54) خامساً حق الولاية العامة الذي يطرحه في نهاية كتاب خلافة الإنسان استناداً إلى الآية «إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض…» (توبه: 71) (صدر، المرجع نفسه: 54) ويستنبط أن البشر في المجتمع لهم حق الولاية العامة تجاه بعضهم البعض، وجميعهم متساوون في هذه الولاية – بمعنى تولي الأمور – مع بعضهم البعض (المرجع نفسه: 54) كما أن الولاية العامة موجودة بين أفراد مجتمع الكفر والنفاق أيضاً. إذن المساواة في حق تقرير المصير تأخذ في الاعتبار هذه الحقوق الخمسة سياسياً للبشر وجميع أفراد المجتمع.

2) المساواة أمام القانون: الحق الثاني هو المساواة أمام القانون. «جميعاً متساوون… أمام القانون» (صدر، د.ت.: 14) هنا تُطرح المساواة أيضاً أمام أحكام الشريعة «لأن الشريعة تسطير على الحاكم والمحكومين على السواء» (صدر، د.ت.: 17) وأيضاً في إطار قوانين العقل، أي تلك القوانين التي يضعها البشر بناءً على معايير وموازين الشريعة ومتطلبات الزمان في إطار منطقة الفراق القانوني (صدر، اقتصادنا، 721-28 د.ت.: ص ص. 12-13).

3) المساواة في التمتع بالحقوق والحريات الأساسية أو ما يُعرف بحقوق المواطنة. (صدر، د.ت.: 14-15 و 1399ه: 30-31 ل)

مجال الاستحقاق يتضمن حقين هما:

1) حق التكافؤ، أي حق الدخول إلى مجال المناصب والوظائف الحكومية الذي يُطرح في الأصل للجميع كفرصة متساوية. (صدر، 1979م: 709) لكن الأشخاص يمكنهم الدخول بناءً على الاستحقاق والكفاءة، أي ممارسة الفعل والمسؤولية السياسية على أساس القدرة والكفاءة لأن المسؤوليات أمانات ويجب أن تُعطى للأمناء. (صدر، 1399ه: 19) بمعنى أنه رغم أن الجميع متساوون في الأصل في قبول المناصب، إلا أن قبول المناصب أو توزيعها يتم بناءً على الاستحقاق والكفاءة أو الالتزام والتخصص.

2) حق التناسب وتعديل المناصب العامة، حيث يتولى كل شخص بناءً على كفاءته رأس عمل من الأعمال السياسية، وتتحمل الدولة مهمة ومسؤولية التبديلات والرقابة على التوزيع العادل للمناصب لضمان التوازن العام. («لا تنتهي إلا بانتهاء شوط الخلافة على الأرض» (صدر، 1399ه: 18))

يشير الشهيد الصدر في مناقشة الكفاءة والاستحقاق لقبول المناصب على أعلى مستوى إلى خصائص مثل: عالماً على استيعاب أرساله، عادلاً على المستوى، ملتزماً بها، متجرداً عن الهوى…، وبصيراً بالواقع المعاصر له وكفؤاً في ملكاته وصفاته النفسية… (المرجع نفسه: 27).

وبناءً على ما تقدم، يمكن تلخيص أبعاد العدالة السياسية في نظر الشهيد الصدر كما يلي: 1) المساواة في تقرير المصير وتحقيق مسؤولية الخلافة العامة. 2) المشاركة والتعاون بين الأفراد. 3) الرقابة على الحكم. 4) تحقيق الحقوق والحريات الأساسية. 5) المساواة أمام القانون. 6) حق الحصول على الخيرات والمناصب السياسية. 7) التوازن العام. 8) التأمين العام. 9) النمو والتطور السياسي. 10) حق التكافؤ، 11) حق تعديل وتناسب المناصب السياسية. بناءً على الحقوق السابقة، يدخل مجالان آخران بالضرورة ضمن نطاق العدالة السياسية وهما: 12) الأمن العام و13) تشكيل الأحزاب والتنظيمات المدنية. (صدر، د.ت.: 109 الف و الحسینی، 365-366)

أكد الشهيد صدر بشكل خاص على حق التنظيم والحزب المدني. وهو يرى حتى أن أفضل طريقة لعمل المرجعية في الحضور في ساحة السياسة هي من خلال تشكيل حزب سياسي. ومن الإجراءات العملية له في هذا الصدد تأسيس حزب الدعوة الإسلامية (الجهاد، 1986: 1، جمشیدی، 1389: 232- 234)

6. معايير تحقيق العدالة السياسية

استنادًا إلى ما تقدم، أدركنا أن تحقيق العدالة السياسية يتم في مجالين: المساواة والاستحقاق، وفي إطار خمسة حقوق أساسية ومحورية للمواطنة، وهي حق المشاركة في تدبير المصير، وحق المساواة أمام القانون، وحق التمتع بالحقوق والحريات المدنية، وحق التكافل، وحق التعديل والتناسب. لذلك، المقصود بمعايير تحقيق العدالة السياسية في هذا المعنى هو الآليات والمعايير التي تدل على تحقق هذه الحقوق الخمسة وأجزائها التي ذُكرت أعلاه. لذا، نبدأ هنا أولاً باستخلاص وتصنيف معايير الشهيد المطلوبة لتحقيق المجتمع السليم، والمجتمع الإسلامي، والمجتمع العادل في أبعادها السياسية والاجتماعية والاعتقادية والاقتصادية، معتمداً على البعد الأول من منهجنا البحثي وهو دراسة النص، ثم بناءً على المنهج التأويلي القصدي نصنف ونوضح هذه المعايير بإيجاز. وبناءً عليه، يمكن الحديث عن معايير تحقيق العدالة السياسية في المجتمع وفق فكر ونظرة الشهيد صدر على ثلاثة مستويات هي:

1.6. المستوى الكلي

وفقًا لفكر الشهيد صدر، في هذا المستوى يُشار فقط إلى معيارين أساسيين وحاسمين هما العقل والشرع. في توضيح هذا النقاش يمكن القول إن تأسيس المجتمع وتدبير شؤونه العامة يقوم على محورين: الشريعة الإسلامية (الشهادة) (صدر، 1399ه: 35-53) والعقلانية (تحقيق خلافة الإنسان). في بعد العقلانية، يرى الشهيد صدر أن «الله جعل البشرية نائبة له في الحكم…» (صدر، 1399ه: 10) وهذه الخلافة عرض فطري وتكويني (صدر، د.ت.: 134-135، ق) وجميع البشر متساوون أمام القانون في هذا الحق (صدر، 1399: 12)، ونتيجة لذلك، يمكنهم بمساعدة العقل والإدراك والقدرات المعرفية والإدراكية أن يديروا المجتمع عبر المجلس وغيره من المؤسسات المدنية (جمشیدی، 1377: 194- 205). وبعبارة الشهيد صدر، يتحقق هذا المعيار من خلال إنشاء السلطتين التشريعية والتنفيذية من قبل الأمة ونسبتهما إليها: «إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمة فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين…» (صدر، د.ت.: 11). وإذا كان الشهيد صدر يمنح سلطة التشريع في كتاب اقتصادنا للدولة الإسلامية، فمقصوده الدولة الشعبية وليس أي دولة، أي الدولة التي تمثل الناس وتنسب إليهم وتنتخب منهم، بالإضافة إلى أنه مع الفصل بين السلطتين في كتاب الاسلام يقود الحياة، يسند التشريع صراحةً إلى ممثلي الشعب المنتخبين في إطار مبدأ الشورى (صدر، د.ت.: 10-11)، رغم أن السلطة التنفيذية أي الجهة التنفيذية للنظام السياسي أيضًا تنسب إلى الناس وتنتخب منهم، وبالتالي تعود شرعية هاتين السلطتين إلى الشعب بطريقة ما. لذلك لا يمكن القول إنه لديه نظرة مركزية على الدولة، لأن كتاب اقتصادنا يقتصر على مهام الدولة في المجال الاقتصادي (صدر، 1979: 695- 728)، أما في كتاب الاسلام يقود الحياة فيُبيّن مسألة تحقيق الدولة ونوع الدولة المرغوبة. (صدر، د.ت.: 19-1 و127- 207) بينما ظن بعضهم بنظرة أحادية البعد لبعض مؤلفات صدر أنه يمنح كل الصلاحيات في مجال التشريع والعدالة للدولة – حتى في مواجهة الأمة والشعب – وهذا النظر الأحادي البعد ناتج عن التركيز فقط على كتاب اقتصادنا وإهمال مؤلفاته الأخرى من جهة، وتعميم وظيفة الدولة لتشمل تحقيق وتشكيل الدولة من جهة أخرى.

من ناحية أخرى، تُعد الشريعة الإسلامية أهم وسيلة لتحقيق العدالة السياسية لأنها مصدر التشريع، وقوانينها واحدة للجميع ولا تميز بين الأفراد: «إن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع …(المرجع نفسه: 10)». بناءً على ذلك، تُعد قوانين الشرع أعلى معايير وجود العدالة السياسية في المجتمع التوحيدي. يشير صدر إلى قوانين الشرع تحت مسمى الأحكام الثابتة والمتغيرة أو الأحكام الأولية والثانوية. أما قوانين العقل فهي جزء من الأحكام الثانوية أو المتغيرة التي تُسن في منطقة الفراغ القانوني بواسطة المجلس العام للشعب (المرجع نفسه: 10-11). بالإضافة إلى ذلك، يتحقق قانون الشرع في المجتمع، بحسب تعبير الشهيد صدر، في إطار الشهادة (صدر، 1399ه: 20- 27). لذلك، يتحقق عمليًا المعياران العقل والشرع في فكر الشهيد صدر في ميدان العمل من خلال نظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء – ولاحقًا شهادة الأئمة ثم المراجع الرشيدة –. بناءً على ذلك، الحكم ملك لجميع أفراد المجتمع أو الأمة، ويتحقق في مؤسستين أو سلطتين تشريعية وتنفيذية (مجلس التشريع والجهاز التنفيذي السياسي للمجتمع) (صدر، 1399: 17- 19خ)، أما خط شهادة المراجع فيدل على حق الفتوى والقضاء مع حق الرقابة على حكم الشعب – مؤسسة العقل – (صدر، 1399: 20-27خ).

2.6. المستوى المتوسط والصغير

في دراسة تأويلية قصدية لأعمال صدر، في المستوى المتوسط وتحت معيارَي العقل والشرع، وبناءً على نوع علاقات الإنسان (مع الله، مع نفسه، مع الآخرين “الناس – المجتمعات”، ومع الطبيعة والوجود) (صدر، 1388: 220- 314) ورسالات الإنسان (صدر، د.ت.: 35- 121ر)، نصل إلى خمسة أنواع من المعايير التي يمكن اختصارها في: الإنسانية الفطرية أو الفطرية (صدر، 1388: 167- 168)، تحقيق الوحدة المذهبية والشرعية (الاعتقادية والعبادية) (صدر، 1399ه: 11)، التنمية السياسية (المرجع نفسه: 12-13)، التنمية الثقافية – الاجتماعية (المرجع نفسه: 14-15)، وتحقيق مكارم الأخلاق (صدر، 1388: 318- 337).

من كل من هذه المعايير الخمسة التي يمكن مناقشتها في المستوى المتوسط وتحت العقل والشرع، تُستنتج معايير صغيرة. في المستوى الصغير، تكون عدد المعايير كبيرًا، لكن أهم خصائص معايير هذا المستوى أنها أكثر انضمامية وعملية، وبالتالي أكثر قابلية للتشخيص. هنا، بناءً على منهجنا، نطرح هذه المعايير ضمن معايير المستوى المتوسط كأجزاء منها. وبناءً عليه، في تصنيف عام يُطرح كل معيار من المستوى المتوسط ضمن مجموعات فرعية كما يلي:

الإنسانية الفطرية أو الفطرية في إطار المعايير العقلية – الفلسفية أو الأساسية، تحقيق الوحدة المذهبية والشرعية في قالب المعايير العقائدية والعبادية أو الكلامية، التنمية السياسية في قالب المعايير السياسية، التنمية الثقافية – الاجتماعية في قالب المعايير الاجتماعية، تحقيق مكارم الأخلاق في قالب المعايير الأخلاقية والسلوكية.

أ) المعايير الفلسفية أو الأساسية: هذه المعايير باختصار هي: 1) المساواة الجوهرية لنوع الإنسان، ففي فكر الشهيد صدر جميع البشر متساوون في الأصل ولا أحد يمتلك تميزًا جوهريًا على الآخر. 2) الخلافة التكوينية للإنسان من قبل الله في الأرض في جميع أبعاد الحياة الإنسانية، (صدر، 2010م: 144-145) 3) مراعاة مبدأ كرامة الإنسان، 4) السير في طريق الكمال والسعادة والهوية، (صدر، 2010م: 182) 5) المثالية، «المثالية هي التي توجه حركة التاريخ من خلال وجود الإنسان الذهني، الممزوج بإرادة فكره.» (صدر، 1388: 225)، 6) الإيمان بالحقوق والحريات الأساسية لنوع الإنسان، «العقيدة والإيديولوجيا تكون إنسانية حين توفر في كل فرصة ميدانًا يُفتح فيه الطريق للنمو والازدهار لجميع البشر حسب قدراتهم.» (صدر، د.ت.: 66ر) 7) الفضيلة والقيم، (صدر، 1388: 223) 8) الحقيقة «وإنما تحكم بالحق» (صدر، 1399ه: 13)، 9) الاعتراف بأصالة الإنسان «إلا عندما يتعلق الأمر بواقع الإنسانية والاعتراف بأصالته – كما هو عليه وخلقه الله – دون إنكار مواهبه وإمكاناته واحتياجاته وقيمه الثابتة والمتغيرة» (صدر، د.ت.: 66-67)، 10) الاهتمام بالبيئة والطبيعة وتحقيق التنمية المستدامة «يرى العالم ساحة لصراع الإنسان وميدانًا لتقدم وتنمية قواه وازدهار مواهبه.» (المرجع نفسه: 67)

ب) المعايير الثقافية – الاجتماعية: بعض هذه المعايير هي: 1) السير ضمن إطار السنن والقوانين الإلهية وعدم الانحراف عنها (صدر، 1388: 160- 185) 2) استشارية شؤون المجتمع، (صدر، 1399ه: 54)، 3) نمو وتطور المجتمع في جميع الأبعاد، مثل النمو والتطور الاقتصادي. وبالطبع للنمو والتطور معايير ومقاييس مثل وجود المجتمعات المدنية، حرية المعتقدات السياسية، حرية الصحافة والنشر في مجال التوعية العامة… (صدر، 2020م: 164- 171). 4) مراعاة الحريات والحقوق الأساسية «الإنسان حر وهو من يتحمل مسؤولية حريته.» (صدر، د.ت.: 90ر) 5) الحفاظ على اللغة ومظاهر الهوية الذاتية مثل الدين، الثقافة والتاريخ…)، 6) الوحدة والتماسك العام (المرجع نفسه: 92-93)، 7) الشعور بوجود الأمن العام للجميع، 8) وجود توازن واعتدال في تدبير الشؤون الاقتصادية والمعيشية للأفراد. (صدر، 1979م: 706- 716)، 9) التوزيع العادل للخيرات العامة على أساس المساواة النسبية أو المساواة المبنية على التوازن العام في مجال المعيشة وليس على أساس المساواة المطلقة المتساوية بين البشر (المرجع نفسه: 708 و صدر، 1399ه: 10) 10) التعاون والتكافل، 11) الاكتفاء الاقتصادي الذاتي، 12) الثقافة والمعرفة، 13) التوزيع العادل للميزانية (هل التزمت الدولة في تخصيص الميزانية بمبدأ المساواة والاستحقاق للمؤسسات المختلفة؟) (انظر: جمشیدی، 1380: 604- 606)

ج) المعايير المذهبية والعقائدية: هذه أيضًا باختصار على أساس رؤية الشهيد صدر هي: 1) التوحيد ونفي الشرك والطواغيت وكل سلطة غير شرعية أخرى (صدر، 2010م: 9)، 2) الإيمان بالولاية الإلهية وولاية الرسل والأولياء (صدر، 1399ه: 12 و 21)، 3) الشعور بالمسؤولية تجاه الأعمال (محورية المعاد) (صدر، 1399ه/ 1979م: 77)، 4) مراعاة مبدأ الأخوة الدينية «تجسيد روح الأخوة العامة في كل العلاقات الاجتماعية» (صدر، 1399ه: 11)، 5) الثبات على الشريعة الإلهية والوفاء للمذهب: العدالة هي الاستقامة على خط الإسلام (المرجع نفسه: 120 و نیز 1410ه: ج1: 12)، 6) تنفيذ الأحكام الجماعية للشريعة (هل تطبق أحكام الشريعة مثل التوزيع العادل للزكاة أو الخمس أو الأراضي العامة من قبل الأجهزة التنفيذية في المجتمع؟): تطبيق الإسلام في مختلف مجالات الحياة، تجسيد روح الإسلام بإقامة مبادئ الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي (صدر، د.ت.: 14) 7) منع الانحرافات والبدع في الدين (المرجع نفسه: 14-15)، 8) نشر الإسلام والدعوة الدينية: «حمل نور الإسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة إلى العالم كله» (المرجع نفسه: 15) 9) المناسك والطقوس الدينية، 10) الأماكن المقدسة، 11) إقامة الشعائر الدينية والعبادية، 12) الاهتمام بالمقدسات الدينية، 13) استقرار العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية الخالصة لله (صدر، 1399ه: 11)، 14) تحقيق الضمان الاجتماعي، التكافل العام والتوازن الاجتماعي في مجال الاقتصاد والمعيشة (صدر، 1979ه: 697- 720).

د) المعايير السياسية: 1) ديمقراطية النظام السياسي والاجتماعي (صدر، 1399ه: 34) 2) تحمل الإنسان للمسؤولية تجاه مصيره ومصير الآخرين أو المكانة السياسية والمدنية للنوع البشري (صدر، 1399ه: 11)، 3) قانونية النظام على أساس الحق والعدل (هل تُطبَّق القوانين بشكل صحيح ودون تمييز في المجتمع؟): «فإنّه حكم المسؤول والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحق والعدل…» (المرجع نفسه: 13) 4) وجود مؤسسات استشارية عامة (الاهتمام بدور ووظيفة المجالس) (المرجع نفسه: 54)، 5) وجود مؤسسات رقابية (وخاصة الدور الرقابي للسلطتين التشريعية والقضائية على الحكومة) (المرجع نفسه) 6) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة النظام السياسي للمجتمع (المرجع نفسه)، 7) تمتع كل فرد بمنصب سياسي واحد فقط، 8) الجدارة في المناصب أو التوزيع الصحيح للمناصب على أساس الكفاءة والاستحقاق «ولا تفاضل ولا تمييز في الحقوق الإنسانية» (صدر، 1399ه: 12). 9) وجود استقرار سياسي وقدرة وطنية (صدر، 1399، ق) 10) انتخابات حرة (صدر، 1399ه: 54)، 12) شعور بالرضا السياسي العام، 13) تأمين الأمن والمصالح والحقوق المدنية المتساوية للجميع (صدر، 2010م: 273)، 14) وجود حكام صالحين وكفوئين، 15) وجود مجتمع مدني نشط في إطار الأحزاب و… (الحسینی، 1989م… 2005م: 74 و…)، 16) الأمانة في الشؤون والمناصب السياسية «والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب…» (صدر، 1399ه: 12)، 17) التشريع على أساس الإسلام ومتطلبات واحتياجات المجتمع العامة في منطقة الفراغ القانوني (صدر، 1979خ: 721- 728).

هـ) المعايير الأخلاقية: المقصود بالمعايير الأخلاقية هي الآليات المبنية على النظرة الأخلاقية في المجتمع التي تعبّر عن رؤية وسلوك الأفراد المتبادل في مجال العدالة السياسية. مثل: 1) مبدأ القبول الأخلاقي والحكيم لرؤية العدالة السياسية «بالحكمة والتدبير» (صدر، 1399ه: 15)، 2) الشعور بالمساواة والتماثل مع الآخرين والإيثار والتسامح والتضحية (صدر، 2010م: 110)، 3) قبول مبدأ الأخوة العامة (المرجع نفسه و صدر، 1399ه: 11)، 5) تحقيق مبدأ الكفالة العامة (صدر، 1979: 700)، 6) الحكم والاعتداد في شأن الآخرين وفي التعامل معهم على أساس الذات، 7) مراعاة مبدأ النصح والحرص العام، 8) تحقيق القيم والفضائل الأخلاقية الإلهية في الأفراد والمجتمع (الإيثار، التقوى، الزهد، البساطة في المعيشة، الصبر، الحلم والجلد، الشجاعة، الروح المعنوية و…) (صدر، 1399ه: 17-18)، 9) غياب الرذائل الأخلاقية والشرور (الحسد، البخل، ضيق الأفق، الكذب، المكر، الخداع، الاحتيال، و…) (المرجع نفسه وآخرون).

7. اختيار المعايير بناءً على الأهمية وتحديد المؤشرات التشغيلية

بالنظر إلى ما ذُكر وكثرة المعايير على المستوى الجزئي وتجريد بعض المعايير الاستنباطية، ولتوضيح النقاش بشكل أفضل، نواصل في إطار انتقائي عرض أهم المعايير التي أولى لها الشهيد صدر اهتمامًا أكبر في مؤلفاته المختلفة أو صرح بها صراحة، مع بيان مؤشر تشغيلي واحد لتشخيص وجود المعيار أو غيابه في المجتمع:

1) تحقيق مسؤولية الخلافة أو ولاية الإنسان على الأرض التي تتحقق من خلال إقامة نظام سياسي عادل وشعبي، والمؤشر التشغيلي لذلك هو أن نرى هل الحكومة التي أُنشئت في المجتمع ديمقراطية وتهتم بمصالح الجميع وتعطي حقوقًا متساوية للجميع أم لا؟ (صدر، 1399ه)

2) قانونية المجتمع في مجالين: الشريعة الإسلامية والعقل (منطقة الفراغ القانوني). والمؤشر التشغيلي هو أن نرى هل هناك سلوكيات في المجتمع متوافقة مع قوانين الشريعة – الثبات على الشريعة الإلهية – (صدر، 1399ه./ 1979م: 120) ومتوافقة مع العقلانية أي القوانين البشرية التي وُضعت في إطار منطقة الفراغ القانوني أم لا؟ إذًا مؤشرنا هو الالتزام بالقانون. (صدر، 1979م: 709)

3) مساواة جميع الأفراد أمام القانون. أي أن القوانين المعتمدة تنظر إلى جميع أفراد المجتمع بعين واحدة: متساوون في هذه الحقوق. (صدر، 1399ه: 12) والمؤشر التشغيلي هو هل القانون يتعامل مع جميع أفراد المجتمع بشكل متساوٍ أم أن هناك تفاوتًا وتمييزًا في المجتمع؟

4) النمو والتنمية الشاملة – سواء الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية أو العلمية أو الاقتصادية – بشكل عادل ومستدام. (صدر، د.ت.: 23- 126 و 175- 207) والمؤشر التشغيلي لهذا المعيار مثلاً في المجال الاقتصادي هو الاكتفاء الذاتي والاستقلال الاقتصادي، وفي المجال السياسي تحقيق كفاءة الحكومة واستقرارها السياسي.

5) المشاركة العامة. (صدر، 1399ه: 10-16) في هذا المنظور، المؤشر التشغيلي هو هل يشارك الجميع بحرية ووعي في الانتخابات، والرقابة على الحكومة، والحوار والمشورة بشكل فعال أم لا؟

6) مراعاة كرامة ومكانة الإنسان في الحياة الاجتماعية. (صدر، 2010م: 182) هل يُعطى في المجتمع تقدير لكرامة الإنسان؟ مثلاً من الانتخابات إلى آخر مراحل المشاركة، هل يُراعى مبدأ الكرامة أم أن متطلبات السلطة تطغى عليه؟ المؤشر التشغيلي: قيمة الإنسان وقدرته وكفاءته.

7) تأمين مصالح المجتمع العامة على أساس الشريعة. (الحسینی، 1989م: 348) والمؤشر التشغيلي هو هل تُراعى المصالح العامة في قرارات قادة المجتمع أم المصالح الفردية أو الحزبية أو الجماعية؟

8) مراعاة مصلحة الدين أو الشريعة الإسلامية. (صدر، 2010م: 196- 197) والمؤشر التشغيلي هو هل للدين بصفته الدين، ومنفصلًا عن وجهات نظر وأداء الأفراد، دور ووظيفة فعالة في المجتمع أم لا؟

9) احترام الحريات والحقوق المدنية. (جمشیدی، 1370: 109- 114) هل توجد حريات عامة أم لا؟ مثل حرية التعبير، حرية الأحزاب السياسية، حرية الرأي. هل يتمتع الجميع بحقوق متساوية في استخدام هذه الحريات أم لا؟ المؤشر التشغيلي مثلاً هو وجود حرية الأحزاب والمجتمعات المدنية.

10) العزة السياسية واستقلال المجتمع. (صدر، 2010م: 258-265) هل تتمتع الدولة في الساحة الدولية بالهيبة والعزة أم لا؟ هل الدولة مستقلة أم هناك تبعية للقوى الأجنبية؟ المؤشر النموذجي لهذا المعيار هو استقلال القرار في القرارات والمساواة في الحقوق مع المجتمعات الأخرى في الساحة الدولية.

11) الشعور بوجود الأمن العام. (صدر، 1399ه: ق) والمؤشر هو هل يشعر جميع أفراد المجتمع بالأمن سياسيًا وفي مواجهة الحكومة أم لا؟

12) التوزيع العادل للمناصب السياسية. (صدر، 1399ه: 9-15هـ) هل تُسند الأعمال إلى الأكفاء؟ المؤشر التشغيلي مثلاً هل التوزيع على أساس الكفاءة أم لا، وهل يشغل شخص واحد عدة مناصب سياسية أم أن كل شخص يشغل منصبًا سياسيًا واحدًا فقط.

13) وجود مؤسسات عمومي مشورتي و مشاوره است. (جمشیدی، 1370: 200) المؤشر التشغيلي على سبيل المثال هو ما إذا كانت المجالس تلعب دورًا فعالًا في إدارة شؤون المجتمع أم لا؟

14) وجود المجتمعات المدنية ونشاطها (جمشیدی، 1389: 204- 260) والمؤشر التشغيلي هو ما إذا كانت الأحزاب والصحافة والتنظيمات السياسية تتمتع بحرية العمل ضمن إطار قوانين المجتمع؟

الخاتمة

استنادًا إلى الاستنباط باستخدام منهج دراسة النصوص والهرمنيوطيقا القصدية، فإن العدالة السياسية في نظر الشهيد الصدر هي تحقيق دور الخلافة الإلهية للإنسان على الأرض في إطار نظام شعبي – إلهي، يقوم على أساسه وتحت ظله الحقوق الخمسة الأساسية للشعب، وهي حق المشاركة، وحق المساواة القانونية، وحق التمتع بالحقوق المدنية والحريات العامة، وحق قبول المناصب وتوزيعها العادل، وحق التناسب والتعديل في المناصب والمسؤوليات ضمن إطار المساواة والاستحقاق. وبناءً على ذلك، يُطرح تحقيق العدالة السياسية مع مراعاة معايير على ثلاثة مستويات: الكلي، والمتوسط، والصغير، حيث تُعد 14 معيارًا أساسيًا أكثر ترجيحًا ولها قابلية أكبر للتأشير.

في خاتمة نهائية، يمكن القول إن تحقيق العدالة السياسية في المجتمع يمكن أن يتم على النحو التالي: العدالة التشاركية والتأسيسية في إنشاء واستمرار النظام السياسي، العدالة الأمنية أي وجود الأمن والشعور به في المجتمع بجميع أبعاده وللجميع، العدالة التوزيعية والتخصيصية أي التوزيع العادل للمناصب وتخصيص الفرص السياسية لأفراد المجتمع، العدالة الإجرائية أي تحقيق إجراءات متساوية ومنطقية في المشاركة والشرعية والاستحقاق، العدالة التفاعلية أي مراعاة كرامة الإنسان خاصة من قبل من يرغبون في دخول ميدان السياسة والمناصب، العدالة المعلوماتية على معيار التوزيع العادل للمعلومات أو الإبلاغ الصحيح، العدالة التنموية أي وجود نمو وتنمية عادلة ومستدامة في أركان المجتمع؛ العدالة الضمانية أو الرادعة لمنع الظلم والتمييز، العدالة التصحيحية أو التعويضية أي إزالة الظلم الذي وقع، وأخيرًا العدالة الرقابية والضبطية أي مراقبة الإجراءات والقرارات وضبطها على أساس قوانين الشريعة والمصادقة المجتمعية ضمن نطاق الفراغ القانوني.

المصادر والمراجع

– القرآن الكريم

– ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم (1408ه) لسان العرب، بیروت: دار احیاء التراث العربی.

– ابو الحمد، عبدالحمید (1368) مبانی سیاست، تهران: توس، المجلد الأول.

الحسینی، محمد (1989م) الامام سید محمد باقر الصدر، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

– افلاطون (1396)، جمهور، ترجمة فواد روحانی، تهران: منشورات علمی و فرهنگی.

– اقتراح (1376)، اقتراح در نقد و نظر، سال 3، العدد 2 و 3، تابستان.

– الجهاد، 24 نوامبر 1986م.

– پاکتچی، احمد (1388)، «پی جویی مولفه‌های عدالت سیاسی در نصوص اسلامی»، درآمدی بر نظریه عدالت سیاسی در اسلام، تهران: پژوهشگاه مطالعات فرهنگی و اجتماعی، ص ص. 319- 375.

– جمشیدی، محمد حسین (1385)، رخ اندیشه، دفتر اول: روش شناسی شناخت اندیشه سیاسی، تهران: کلبه معرفت.

– جمشیدی، محمد حسین (1377)، اندیشه سیاسی شهید رابع امام سید محمد باقر صدر، تهران: دفتر مطالعات سیاسی و بین المللی وزارت خارجه.

– جمشیدی، محمد حسین (1389)، زندگانی سیاسی شهید سید محمد باقر صدر، تهران: پژوهشکده امام خمینی و انقلاب اسلامی.

– جمشیدی، محمد حسین (1380)، نظریه عدالت، تهران: پژوهشکده امام خمینی و انقلاب اسلامی.

– جمشیدی، محمد حسین (1388)، «عدالت در اندیشه و سیره پیامبر اسلام(ص)»، درآمدی بر نظریه عدالت سیاسی در اسلام، تهران: پژوهشگاه مطالعات فرهنگی و اجتماعی، ص ص. 121-156.

– جمشیدی، محمد حسین (1378). «عدل و قسط والاترین آرمان امام خمینی(س)»، مجموعه مقالات دومین کنگره بین المللی امام خمینی و احیاء تفکر دینی (خرداد 1377)، تهران: موسسه تنظیم و نشر اثار امام خمینی، ج4.

– خمینی، امام سید روح‌الله موسوی (1377)، شرح حدیث جنود عقل و جهل، تهران: موسسه تنظیم و نشر اثار امام خمینی.

– دهخدا، علی اکبر (1388) لغت نامه، تهران: منشورات دانشگاه تهران.

– رالز، جان (1387) نظریه عدالت، ترجمة سید محمد کمال سروریان و مرتضی بحرانی، با مقدمه رضا داوری اردکانی، تهران: پژوهشگاه مطالعات فرهنگی و اجتماعی.

– صدر، سید محمد باقر (1979م) اقتصادنا، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات، الطبعة یازدهم.

– صدر، سید محمد باقر (2010م) الکلمات القصار، بیروت: معارف.

– صدر، سید محمد باقر (دون تاريخ) رسالت ما، ترجمة محمد تقی رهبر، تهران: روزبه. ر.

– صدر، سید محمد باقر (1399ه) خلافة الانسان و شهادة الانبیاء، تهران: جهاد البناء.

– صدر، سید محمد باقر (1399ه) منابع القدرة فی الدولة الاسلامی، تهران: جهاد البناء. ق.

– صدر، سید محمد باقر (دون تاريخ) الاسلام یقود الحیاة. تهران: وزارت ارشاد اسلامی.

– صدر، سید محمد باقر (1388) سنت‌های تاریخ در قرآن، ترجمة سید جمال موسوی اصفهانی، قم: منشورات اسلامی، الطبعة الثانية.

– صدر، سید محمد باقر (1410ه/ 1990م) التعلیق علی منهاج الصالحین، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.

– صدر، سید محمد باقر (1399ه/ 1979م) الفتاوی الواضحة، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات، الطبعة السابعة، الجزء اول.

– صدر، سید محمد باقر (1360) فدک فی التاریخ، تحقيق عبدالجبار شراره، بیروت: الغدیر، الطبعة الثانية.

– ضیائی بیگدلی، محمدرضا (1384) “متدولوژی حقوق بین الملل”، مجله پژوهش حقوق و سیاست، سال هفتم، العدد 15 و 16، 1384ش.

– طوسی، خواجه نصیر الدین، (1362) معیار الاشعار، به اهتمام محمد فشارکی و جمشید مظاهری تهران، سهروردی.

– علیخانی، علی اکبر (1388)، «عدل و قسط در قرآن از منظر سیاسی»، درآمدی بر نظریه عدالت سیاسی در اسلام، تهران: پژوهشگاه مطالعات فرهنگی و اجتماعی، ص ص. 9-36.

– فارابی، ابونصر محمد (1961م) فصول المدنی، تحقيق م. دنلوب، لندن: منشورات دانشگاه کمبریج.

– محدث، جلال الدین، (1370) شرح غرر و درر آمدی، تهران: منشورات دانشگاه تهران.

– محمود پناهی، سید محمد رضا (1394() «بررسی روش شناسی هرمنوتیک قصدگرایی اسکینر»، سیاست‌پژوهی، دوره 2، العدد 3، تابستان، ص ص. 145-178.

– مطهری مرتضی (1390) عدل الهی، تهران: صدرا، الطبعة 37.

– ناصر خسروقبادیانی، (1384) دیوان، تصحيح مجتبی مینوی و مهدی المحقق، تهران: منشورات دانشگاه تهران؛ الطبعة السادسة.

– نوری، میرزا حسین (1408ه) مستدرک الوسائل، بیروت: مؤسسه آل البیت لإحیاء التراث.

– هوفه، اتفرید (1383) برداشت‌هایی فلسفی درباره عدالت، ترجمة امیر طبری، تهران: اختران.

– Skinner, Quentin (1972), Intentions and the INTERPRETATION OF Texts, New Literary History, vol. 3.

– Skinner, Quentin (2002), visions of poltics, Cambridge: Cambridge Univerdity press.