الإحياء والملكية في فكر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: احیا و مالکیت از نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمد رحماني

مقدمة

الأرض وأحكامها الفقهية من الموضوعات التي تواجه المجتمعات الإنسانية وتستحق بحثًا شاملًا. بلا شك، هي من أهم القضايا في ميدان الاقتصاد، لا سيما الاقتصاد الزراعي؛ كما أنها كانت مصدرًا للنزاعات والخلافات عبر التاريخ. ومع ذلك، لم يُجرَ بحث شامل ومناسب حولها، ولا تزال العديد من جوانبها بحاجة إلى نظرة جديدة وعميقة، منها: أنواع الأرض وأحكامها، حكم ملكية المعادن الكامنة فيها، حدود الأرض، ملكية فضائها، حكم الحيازة والتحجير على الأرض، ترك الأرض مهجورة، وغيرها…

واحدة من المسائل الفقهية – القانونية المتعلقة بالأرض هي: هل يصبح المحيي للأرض الموات مالكًا لها أم صاحب حق فقط؟

في هذا المقال نحاول دراسة وجهة نظر الشهيد الصدر حول أثر إحياء الأرض الموات. وقبل بدء النقاش، من الضروري تذكير بعدة نقاط:

١- المصدر الأساسي لآراء الشهيد الصدر في هذا النقاش هو كتاب اقتصادنا[۱].

٢- تم الحرص على إدراج كلام الشهيد الصدر في كل عنوان إلا في العناوين التي لم يتحدث فيها، مثل الاستدلال بالإجماع والعسر والحرج.

٣- النقاش الأهم والأكثر حسمًا هو حل التعارض بين مجموعتين من الروايات التي قلما تناولها الفقهاء الآخرون. حيث ينتقد الشهيد الصدر في هذا النقاش خمسة حلول ويبحثها.

٤- المقصود بالخراج هو الضريبة المفروضة على الأرض أو محصولها، وأحيانًا وردت كلمة الجزية بنفس المعنى.[۲] في هذا المقال تُرجِم الخراج أحيانًا إلى «الإيجار» بمعناه المجازي، و«الطسق» تعني الخراج أيضًا. ومن هذا الباب رسالة عمر إلى عثمان بن حنيف «خذ الطسق من أراضيها».[۳]

٥- في المجلد الثاني من اقتصادنا طرح الشهيد الصدر ودرس العديد من المسائل الفقهية. وقد عرض توزيع الثروة على مرحلتين: مرحلة توزيع الموارد والمصادر مثل الأرض، ومرحلة توزيع الثروة الناتجة عن المصادر الأولية. وبمناسبة المرحلة الأولى، ناقش الأرض وأنواعها، ومنها الأراضي التي دخلت في نطاق حكم المسلمين بالجهاد. وهذه الأراضي من حيث كونها مزروعة عند الفتح والنصر تنقسم إلى ثلاثة أنواع:

أ- الأراضي التي كانت مزروعة طبيعيًا في وقت النصر دون أي جهد أو عمل بشري.

ب- الأراضي التي كانت مزروعة بجهد وعناء البشر قبل انتصار المسلمين.

ج- الأراضي التي لم تكن مزروعة وقت النصر، وتسمى بالأراضي الموات.

يرى الشهيد الصدر أن شكل ونوع الملكية في هذه الأنواع ليست واحدة، فالنوعان الأولان ملك للأمة الإسلامية (وليس ملكًا للأفراد أو الدولة)؛ مع أن الدولة تمثل الأمة الإسلامية في إدارة واستخدام هذه الأراضي. وبناءً عليه، الغنائم الحربية التي تصبح ملكًا للأفراد المقاتلين وتوزع بينهم هي الغنائم المنقولة فقط، أما الغنائم غير المنقولة مثل الأرض فهي ملك للأمة الإسلامية وليس للأفراد، ولهذا لم تُقسم أراضي منطقة خيبر بين المقاتلين، بل أعادها رسول الله(ص) نيابة عن الأمة الإسلامية إلى يهود خيبر كمزارع، واستُثمرت منافعها لتلبية حاجات الأمة الإسلامية. وقد استند في إثبات رأيه إلى أدلة كثيرة.[۴]

أما الأراضي التي لم تكن مزروعة وقت النصر، فهي ملك الإمام الذي يُشار إليه بملكية الدولة. وقد استند في هذا الرأي إلى أدلة وأثبت أن الأرض الموات ملك للإمام والدولة الإسلامية، وأن التصرف والانتفاع بها يحتاج إلى إذن من الدولة الإسلامية.[۵]

٦- يفرق الشهيد الصدر بين الأراضي المزروعة التي هي ملك للأمة الإسلامية، والأراضي الموات التي هي ملك الإمام (الدولة)، ومن هذه الفروق:

أ- إذا كانت الأرض ملكًا للأمة الإسلامية، فيجب أن تُستخدم في مصالح ومنافع جميع الناس، ولا يجوز استخدامها لمصلحة فئة معينة فقط، أما ملك الدولة والإمام فيمكن إنفاقه على حاجات عامة أو خاصة من المجتمع.

ب- إذا كانت الأرض مزروعة وقت انتصار المسلمين ثم أصبحت مواتًا وأحياها شخص، فلا يملك شيئًا؛ لأن الأرض ملك الأمة الإسلامية. أما إذا أحيا شخص أرضًا كانت مواتًا وقت النصر، فيصبح صاحب حق؛ لأن هذه الأرض ملك الدولة الإسلامية.

هنا يطرح السؤال: ما هو حق المحيي بالنسبة للأرض الموات؟ هل هو ملكية أم حق أولوية؟ الرأي الشائع يقبل الأول، لكن الشهيد الصدر يفضل الثاني. ولتوضيح الأمر، نبدأ بدراسة أدلة القول الشائع ثم نقد أدلة الشهيد الصدر، ثم نشير إلى مقتضى الأصل العملي والثمرة الفقهية لكل من النظريتين.

أ) مبادئ نظرية حصول الملكية

الفقهاء المشهورون استدلوا على أن إحياء الأرض سبب للملكية بعدة أدلة، منها:

١- الإجماع

صاحب مفتاح الكرامة تحت كلام العلامة في القواعد الذي يقول: «الأرض الموات بالاحياء تصبح ملكًا» يكتب:

بإجماع الأمة الإسلامية، إذا خلت من الموانع، كما في مهذب البارع، وبإجماع المسلمين كما في تنقيح، وهذا هو اعتقاد جميع فقهاء البلاد. [۶]

الشيخ الأعظم الأنصاري بعد حمله على الروايات التي تدل على أن المحيي للأرض الموات يجب أن يدفع أجرة للإمام في عصر الحضور، في مقام نفي وجوب دفع الخراج، يكتب:

الروايات التي تقول إن الأرض تصبح ملكًا للمحيي متناسقة، وسرعان ما سيأتي ذكر إجماع المسلمين على أن الأرض بالاحياء تصبح ملكًا[۷]

النقد والبحث

هذا الإجماع معيب من حيث الصغرى والكبرى. من حيث الصغرى، فقد خالفه كثير من فقهاء صدر الإسلام والمتأخرين والمعاصرين، وهم يرون أن الإحياء يخلق حقًا فقط. على سبيل المثال، يكتب الشهيد الصدر ضمن تقريره لنظرية عدم الملكية:

لقد قبل الفقيه الكبير شيخ الطوسي هذا الرأي في كتاب الجهاد من المبسوط […] ونرى أيضاً نفس هذا الرأي في بلاغة الفقهية للمحقق الفقيه سيد محمد بحر العلوم.[۸]

ولكن من وجهة نظر الكُبرى – على فرض التنزل – لا قيمة لمثل هذا الإجماع؛ لأنه إذا لم نقل إنه قطعاً دليل، فالأرجح أنه يحتمل أن يكون دليلاً؛ لأن جميع أهل الإجماع تمسكوا بالأحاديث، ومن بينهم شيخ الأنصاري، لذلك لا يمكن أن يكون دالاً على قول المعصوم.

٢- العسر والحرج

أحد الأدلة الأخرى للقول المشهور (ملكية الأرض الموات بالاحياء) هو العسر والحرج، ويمكن تقريب ذلك كما يلي: كثير من الأراضي المتاحة للناس هي موات بالذات أو في حكمها، ومن الواضح أن الناس يطبقون على هذه الأراضي أحكام الملكية، مثل البيع والشراء، الإرث، الهبة وغيرها من الآثار. لذلك، إذا لم تكن هذه الأراضي ملكهم، فإن العسر والحرج يكون حاصلاً.

النقد والمراجعة

هذا الاستدلال يعاني من عدة مشكلات:

أولاً: الذين لا يرون أن الإحياء سبب في حصول الملكية يقولون إن الإحياء يسبب حقاً، ومع وجود الحق، فإن كثيراً من هذه الآثار والتنقلات تكون جائزة. ما يشكل محل شك هو التداول؛ لأن القاعدة «لا بيع إلا في الملك»[۹] تقتضي أن يكون بيع الأراضي الموات التي أحيت غير جائز. لكن بناءً على بعض المبادئ في تعريف البيع التي اعتبرته تحويل طرفين زائدين (سواء كان طرف المعاملة ملكاً أو حقاً) تُحل المشكلة؛ لأن البيع على هذا الأساس لا يختص بالملكية. وكذلك بناءً على تعريف البيع بأنه وضع مقابل للشيء، يُرفع الإشكال؛ لأن المقابل يشمل ما يملكه الإنسان أو له حق فيه، وليس مقتصراً على الملكية.

أما بناءً على الرأي المشهور الذي يشترط وجود الملكية لتحقيق مفهوم البيع، فيمكن تقديم أجوبة أخرى:

الجواب الأول: قبل البيع بلحظة يصبح البائع مالكاً. هذا القول له سابقات وحل بعض المشكلات، منها في باب المعاطاة حيث نقول إن التداول المعاطاتي لا يحقق ملكية، بل يبيح التصرف، أو في التصرفات التي تعتمد على الملكية نقول إن الملكية تتحقق قبل التصرف بلحظة، أو في العتق من العمودين (الأب والأم) تتحقق الملكية قبل العتق بلحظة حتى لا يتعارض مع القاعدة «لا بيع إلا في الملك».

وفي موضوع النقاش يمكن القول إن الإحيائي يصبح مالكاً للأرض المحيّة قبل البيع بلحظة.

الجواب الثاني: المالك يبيع حق الأولوية في الأرض وليس الأرض نفسها؛ بمعنى آخر، الإحيائي بعد الإحياء يكون مالكاً لحق يتعلق بهذه الأرض، وعند البيع يُباع هذا الحق. الشهيد الصدر لا يقبل هذا الجواب ويقول:

في البيع، يبيع البائع المصلحة التي له في المبيع مقابل التنازل عن مصلحة المشتري في الثمن، وبما أن الحق حكم شرعي، فهو ليس مصلحة من جانب البائع ليُباع. لذلك، بما أن الحق حكم شرعي فهو ليس مملوكاً ليُباع.[۱۰]

وطبعاً إشكال الشهيد الصدر على الجواب الثاني مبني على اقتصادنا طبعة دار الفكر، لكن في الطبعات الأخرى يبرر بيع حق الأولوية ويقبله.[۱۱]

الجواب الثالث: هو جواب أقره الأستاذ الشهيد، وهو أن الإحيائي يبيع الأرض، ولكن بهدف نقل المصلحة التي بينه وبين الأرض إلى المشتري، وفي المقابل تنتقل المصلحة التي بين المشتري والثمن إليه. يكتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:

جواب هذا الإشكال هو أن الإحيائي يمكنه بيع الأرض؛ لأنه يستفيد من المصلحة الخاصة التي بينه وبين الأرض والتي تسمى اصطلاحاً “حق”. لذلك، يمكن للإحيائي بيع الأرض بمعنى نقل هذه المصلحة الخاصة إلى المشتري، مقابل التنازل عن المصلحة الخاصة التي بين المشتري والثمن. بهذا البيع يصبح المشتري صاحب الحق في الأرض (بدلاً من البائع الذي كان صاحب الحق فيها) ومن جهة أخرى يصبح البائع مالكاً للثمن الذي كان المشتري مالكه قبل البيع.[۱۲]

ثانياً: قاعدة العسر والحرج مثل قاعدة «لا ضرر» تنفي فقط الأحكام التي تسبب العسر والحرج، لكنها لا تثبت حكماً. لذلك، لا يمكن للعسر والحرج أن يثبت الملكية بالإحياء إلا على بعض المبادئ التي نوقشت ونُقدّمت في موضعها.[۱۳]

ثالثاً: على فرض التنزل، إذا قبلنا أن الإحياء يسبب الملكية بسبب العسر والحرج، فيجب الاقتصار على المقدار الذي يرفع العسر والحرج. لذلك، الدليل أخص من المطلب؛ لأن المطلب شامل، فالإحياء يسبب الملكية حتى في غير حالة العسر والحرج، لكن الدليل يثبت الملكية بسبب الإحياء فقط في حالة العسر والحرج.

٣- الأحاديث

أهم دليل للفقهاء المشهور هو الأحاديث، ولهذا فقد نقد الشهيد الصدر هذا الدليل فقط، ونحن أيضاً نقدمه بتفصيل أكثر.

يعتبر الأستاذ الشهيد أن الأحاديث التي تدل على القول المشهور تنقسم إلى فئتين، لكن يبدو أن ذلك من باب الإيجاز، ويمكن النظر في أقسام أكثر. الأحاديث[۱۴] التي قد تدل على القول المشهور هي كما يلي:

الفئة الأولى

هي الأحاديث التي تدل على المطلب المشهور بعبارة «فهى له»، ومن بينها صحيحة الفضل وصحيحة زرارة.

عن أبي جعفر وأبي عبد الله قالا: قال رسول الله: «مَن أَحْيا أَرْضاً مَوَاتاً فَهِيَ لَهُ»؛[۱۵]

يروي الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) عن رسول الله أنه قال: «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».

تقريب الدلالة: عبارة «فهى له» تدل على أن الإحياء سبب في حصول الملكية؛ لأن اللام تدل على التخصيص، والتخصيص المطلق يظهر في الملكية، إذ إن الملكية تخص من جميع الجوانب.

هذا الحديث صحيح وقد نقله الشيخ الطوسي وثقة الإسلام الكليني أيضًا.

وفي الصحيح عن زرارة نقرأ:

عن أبي جعفر(ع) قال: قال رسول الله(ص): «مَنْ أَحْيا أَرْضاً مَوَاتاً فَهِيَ لَهُ»؛[۱۶]

يقول الإمام باقر: قال رسول الله(ص): من أحيا أرضًا مواتًا فهي له.

النقد والتحليل

دلالة هذه الفئة من الأحاديث بسبب ظهور اللام في الملكية تقريبًا كما ذُكر. من الواضح أن الظهور متوقف على عدم وجود قرينة أو ما يمنع الظهور. وبالطبع بعد هذا البيان ستُعرض أحاديث استُند إليها قول غير المشهور، فإذا لم توجد قرينة قطعية على عدم حجية ظهور هذه الأحاديث في الملكية، فهي على الأقل مؤهلة لأن تكون قرينة على عدم الحجية. لذلك فإن ظهور اللام في الملكية موضع اشكال، وبالتالي سيكون الاستدلال ناقصًا.

الفئة الثانية

هذه الأحاديث، بالإضافة إلى تعبير «هي له»، تحتوي أيضًا على جملة «فهم أحق بها»: من بينهما الصحيحان التاليان عن محمد بن مسلم:

سَأَلْتُهُ عَنِ الشِّرَاءِ مِنْ أَرْضِ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى. قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ إِلَى أَنْ قَالَ: وَ أَيُّمَا قَوْمٍ أَحْيَوْا شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ أَوْ عَمِلُوهُ فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَ هِيَ لَهُمْ؛ [۱۷]

سأل محمد بن مسلم الإمام المعصوم (ع) عن شراء الأرض من اليهود والنصارى. فأجابه الإمام: لا بأس بذلك حتى قال: أي قوم أحيا شيئًا من الأرض أو عملوا فيها فهم أحق بها وهي لهم.

تقريب الدلالة: إذا قبلنا أن البيع والشراء لا يكون صحيحًا إلا في الملك، فإن هذا الحديث يدل على أن الإحياء سبب للملكية، وإلا فالبيع باطل، مع أن الإمام (ع) قد أقر بصحة البيع. ومن جهة أخرى، يقول الإمام(ع) في النهاية: من عمل في الأرض أو أحياها فهو أحق بها وهذه الأرض ملكه. بالإضافة إلى عمومية وخصوصية تُستفاد من جملة «هي لهم»، فإن جملة «فهم أحق بها» تدل أيضًا على الملكية؛ لأن كون الشخص صاحب حق، كما يتوافق مع أسبقية الحق، يتوافق أيضًا مع الملكية. لذلك، الحديث الصحيح يدل على المطلب المشهور من ثلاث جهات:

أولاً: دلالة التزام جملة «لا بأس».

ثانيًا: عمومية وخصوصية المفهوم المستفاد من جملة «هي لهم».

ثالثًا: ظهور جملة «فهم أحق بها».

هذا الحديث مضمر، لكن الإضمار لشخص مثل محمد بن مسلم الذي لا يتعلم إلا من الإمام ولا يدرس عند غيره لا إشكال فيه. وقد ذكر الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي هذا الحديث في كتاب الجهاد.

وفي صحيح آخر عن محمد بن مسلم يقول:

سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(ع) يَقُولُ أَيُّمَا قَوْمٍ أَحْيَوْا شَيْئاً مِنَ الْأَرْضِ وَ عَمَرُوهَا فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَ هِيَ لَهُمْ؛[۱۸]

يقول الإمام باقر(ع): أي قوم أحياوا شيئًا من الأرض وعمرّوها فهم أحق بها وهي لهم.

أهم الأحاديث هي هذه الفئة؛ لأنها جمعت بين عنوان «فهم أحق بها» وعنوان «هي لهم»، ومن جهة أخرى أجازت شراء وبيع الأرض الموات. وهذا الإذن بالشراء والبيع بناءً على قاعدة «لا بيع إلا في الملك» يدل على ملكية الأرض.

النقد والتحليل

الجزء الأول من الحديث قد تم تحليله بالتفصيل سابقًا؛ حيث ورد جواب من الشهيد الصدر مبني على جميع الأسس في تعريف البيع، مفاده أن شراء وبيع الأرض الموات ليس متوقفًا على الملكية. كما أن جملة «فهي له» قد تم شرحها في نقد وتحليل الفئة الأولى من الأحاديث، حيث دلالتها تعتمد على عدم وجود قرينة تمنع ظهور اللام في الملكية، لكن بعد هذا البيان ستُعرض أحاديث تدل على أن الإحيائي يصبح صاحب الحق الوحيد في الأرض، وهي قرينة قطعية على منع حجية الظهور. أما جملة «فهم أحق بها» فلدلالة على قول غير المشهور أكثر من قول المشهور؛ لأن أولاً: كلمة حق تُستخدم مقابل الملك ولها معنى مختلف عن الملكية. ثانيًا: كلمة حق هنا قرينة على أن «فهي له» لا تدل على الملكية بل على التخصيص المطلق. ثالثًا: حتى لو نزل المعنى، فإن كلمة «أحق بها» تصبح مجملة من حيث الدلالة على الملكية ولا يمكن الاستدلال بها.

الفئة الثالثة

هذه الأحاديث تدل على أن واجب الإحيائي هو فقط دفع الصدقة (الزكاة)، من بينها الصحيح عن سليمان بن خالد:

قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنِ الرَّجُلِ يَأْتِي الْأَرْضَ الْخَرِبَهَ فَيَسْتَخْرِجُهَا وَ يُجْرِي أَنْهَارَهَا وَ يَعْمُرُهَا وَ يَزْرَعُهَا مَا ذَا عَلَيهِ قَالَ عَلَيهِ الصَّدَقَهُ؛[۱۹]

سأل سليمان بن خالد الإمام الصادق(ع) عن رجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها، فما عليه؟ فأجابه: عليه الصدقة.

تقريب الدلالة: المقصود بالصدقة في هذا الحديث هو زكاة الزراعة التي تُزرع في تلك الأرض. الإمام الصادق(ع) لم يفرض على الإحيائي شيئًا سوى دفع الزكاة، مع أن الإمام كان في مقام بيان كل واجبات الإحيائي. فبالتالي يتضح أن الإحياء سبب في حصول الملكية؛ لأنه خلاف ذلك تكون الأرض ملك الإمام ويجب على صاحب الزراعة دفع الخراج (إيجار الأرض) بالإضافة إلى الزكاة.[۲۰]

النقد والتحليل

دلالة هذه الفئة من الأحاديث على المطلب المشهور عند الفقهاء هي دلالة مطلقة مقامية؛ أي أن الإمام(ع)‌ في مقام بيان واجب الإحيائي للأرض الموات، ولم يذكر سوى دفع الزكاة، فبالتالي يتضح أنه قد ملك الأرض، وإلا كان يجب على الإمام(ع) ذكر دفع الخراج أيضًا.

أما إشكال هذا الاستدلال فهو واضح؛ لأن إطلاق اللفظ أو المقام يتمّ في حال عدم وجود قرينة تخالفه. وفي قضيتنا، ليس فقط أن هناك قرينة مخالفة، بل وردت أقوال صريحة أو على الأقل روايات تدل على ظهور يخالف مدلول الإطلاق من الأئمة(عليهم السلام)، ومع وجود الروايات من النوع الثاني، لا يُعقد إطلاق مقام معتبر. بالإضافة إلى ذلك، وعلى فرض التنزل، قد يُقال إنه في عصر الغيبة، بناءً على الروايات التحليلية، قد أُبيح الخراج للشيعة، ولم يذكر الإمام دفع الخراج.

ب) مبادئ نظرية الحق

الفقهاء الذين لم يقبلوا القول المشهور وقالوا إن الإحياء يؤدي إلى حصول الحق، وبالتالي تبقى الأرض ملك الإمام(ع) أيضاً لديهم أدلة، وأهم دليل لديهم هو الروايات. نذكر بعضاً منها:

١- صحيحة أبي خالد الكابلي

عن أبي جعفر(ع) قال: وجدنا في كتاب علي(ع): «إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها فإن تركها وأخرابها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى يظهر القائم(ع) من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها؛[۲۱]

يروي أبي خالد الكابلي عن الإمام الباقر(ع) أن الإمام قال: في كتاب علي(ع) ورد أن الأرض ملك الله يورثها لمن يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. أنا وأهل بيتي هم الذين ورثنا الأرض ونحن أهل التقوى، والأرض كلها لنا. فمن أحيا أرضاً من المسلمين فعليه أن يعمرها ويدفع خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها. وإن تركها وأهملها فخربت، وأخذها مسلم آخر فأعاد إعمارها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها، فعليه أن يدفع خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتى يظهر القائم(ع) من أهل بيتي بالسيف فيأخذها ويمنعها ويخرج الآخرين منها.

من هذه الرواية يُستفاد ما يلي:

١- الأرض بجميع أنواعها ملك للإمام(ع).

٢- من شروط الإحياء أن يكون المحيي مسلماً.

٣- وجوب دفع الخراج من قبل المحيي إلى الإمام(ع) لأن الإمام هو مالك الأرض، فدفع الخراج فرع على الملكية.

٤- المحيي يصبح صاحب حق في الأرض بإعمارها، وهذا الحق يبقى ما دام الإعمار قائماً، فإذا خرِبت الأرض وأحياها شخص آخر، فهو صاحب الحق.

٥- عند ظهور الإمام المهدي، يستولي على كل الأراضي التي في يد غير الشيعة، لكنه لا يأخذ أراضي الشيعة منهم.

تقريب الدلالة: الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة تدل بوضوح على أن الإحياء لا يؤدي إلى حصول الملكية، بل يقتصر على إحداث حق، لأن وجوب دفع الخراج، وجواز التصرف من قبل الآخرين بمجرد خراب الأرض، وأخذ الأرض من قبل الإمام المهدي(عج) إلا من الشيعة، كل منها على حدة يدل على أن المحيي لا يصبح مالكاً للأرض، إذ إن كل واحدة من هذه الأمور تتنافى مع الملكية، لكنها لا تتنافى مع إحداث حق.

نقد وتحليل

تُوجه الإشكالات التالية إلى الاستدلال بهذه الروايات:

أولاً: بعض الفقهاء يرون أن الأرض المحيّا بها لا تخرج من ملكية المحيي الأول بمجرد تركها وخرابها. بناءً على هذا الأساس، تبقى الأرض ملكاً للمالك الأول، وإذا أحياها محيي ثانٍ، فإنه يصبح صاحب حق فقط بسبب الجهود التي بذلها، وربما يكون قول الإمام: “إذا عرف صاحبها يجب أن يدفع حقه” إشارة إلى هذا المعنى.

وفق هذا الأساس، الرواية لا تدخل في النقاش ولا تدل على أن الإحياء لا يؤدي إلى الملكية.

ثانياً: على فرض قبول خروج الأرض من ملكية المالك الأول بسبب الخراب، فإن دفع حق المالك الأول لا يتنافى مع حصول ملكية المحيي الثاني، لأنه يمكن القول: رغم أن الإحياء يؤدي إلى الملكية، إلا أن المالك الأول بذل جهداً على الأرض، والمحيي الثاني يستفيد من جهوده، لذا يجب أن يدفع له حقه.

على كل حال، الاستدلال بهذه الصحيحة على المذهب غير المشهور أمر صعب.

٢- صحيحة سليمان بن خالد

سألت أبا عبد الله(ع) عن الرجل يأتي الأرض الخرابة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ماذا عليه؟ قال: الصدقة. قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤد إليه حقه؛[۲۲]

سألت الإمام الصادق(ع) عن الرجل الذي يحضر أرضاً خراباً (مواتاً) ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها، ما الواجب عليه؟ قال: الصدقة (الزكاة). فقلت: إذا كان يعرف صاحبها؟ قال: يجب أن يؤدي حقه إليه.

تقريب الدلالة: إذا كان الإحياء سبباً للملكية فلا وجه لدفع الحق للمالك الأول. لذلك، الإحياء سبب لإنشاء الحق ولا يتعارض مع دفع الحق للمالك الأول.

٣- صحيحة عمر بن يزيد

سَمِعْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ يَسْأَلُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) عَنْ رَجُلٍ أَخَذَ أَرْضاً مَوَاتاً تَرَكَهَا أَهْلُهَا فَعَمَرَهَا وَ كَرَى أَنْهَارَهَا وَ بَنَى فِيهَا بُيُوتاً وَ غَرَسَ فِيهَا نَخْلًا وَ شَجَراً. قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(ع): كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(ع) يَقُولُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَهِيَ لَهُ وَ عَلَيْهِ طَسْقُهَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْإِمَامِ فِي حَالِ الْهُدْنَهِ فَإِذَا ظَهَرَ الْقَائِمُ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ؛[۲۳]

يقول عمر بن يزيد: سمعت رجلاً من أهل جبل يسأل الإمام الصادق(ع) عن أرض تركها أهلها فأحياها شخص آخر، وجرى أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس نخلاً وأشجاراً. فأجاب الإمام(ع) قائلاً: قال علي(ع) إن من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له، وعليه دفع الخراج إلى الإمام(ع) في حال السلم، وإذا ظهر الإمام المهدي(ع) فعليه أن يتهيأ لأن تؤخذ منه الأرض.

تقريب الدلالة: هذه الرواية أيضاً صريحة في أن الإحياء سبب لإنشاء الحق وليس للملكية؛ لأن أولاً الإمام(ع) يقول: بعد الإحياء يجب دفع الخراج إلى الإمام، ومن البديهي أن الملكية لا تتعارض مع دفع الخراج. ثانياً: في نهاية الحديث يقول الإمام: في عصر الظهور يجب على أصحاب الأرض أن يتهيأوا لأن يأخذ الإمام الأرض منهم. لا شك أن هذه العبارة تدل أيضاً على أن المحيي لا يصبح مالكاً للأرض، لأنه إذا كان مالكاً فلا وجه لأخذ الأرض من الإمام المهدي.

في سند رواية عمر بن يزيد ورد أنه مشترك بين شخصين؛ أحدهما ثقة والآخر مجهول. فإذا كان عمر بن يزيد بن ذميانة الصيقل فلا توثيق خاص له إلا من ابن داود، وإذا كان عمر بن يزيد بياع السابري فله توثيق خاص. وهنا يطرح نقاشان:

أ- هل هذان اللقبان لشخصين مختلفين أم لشخص واحد فقط؟ ظاهر تعدد الألقاب في كلام النجاشي والشيخ المكنّى الأول بأبي الأسود والثاني بأبي موسى يدل على تعددهما، مع أن بعضهم رجح الوحدة.

ب- بافتراض التعدد، لا يتضح هنا هل عمر بن يزيد هو أبي الأسود فلا يكون ثقة (إلا حسب قول ابن داود) أو هو أبي موسى فيكون له توثيق خاص. يعتقد السيد آية الله الخوئي أن الثاني هو المشهور والمعروف، ولهذا فإن لفظ عمر بن يزيد إذا لم يكن مقيداً فيرجح الثاني. ويكتب:

يُدفع ظن الاشتراك بما قيل عن عمر بن يزيد؛ لأن المشهور والمعروف هو بياع السابري. لذلك، لفظ عمر بن يزيد إذا لم يكن مقيداً يرجح الثاني.[۲۴]

بعد أن يطرح الشهيد الصدر القول غير المشهور، يكتب في مقام الاستدلال:

هذا الرأي الفقهي (إنشاء الحق بالإحياء) الذي قبله الشيخ الطوسي وبحر العلوم مستند إلى عدد من الروايات الصحيحة عن طريق أئمة الاثني عشر. [۲۵]

ثم يعرض جزءاً من صحيحة الكابلي وعمر بن يزيد ويكتب بعد ذلك:

لذا فإن الأرض في ضوء هذه الروايات لا تصبح ملكاً للمحيي، لأنه خلاف ذلك لا يكون هناك مبرر لدفع الأجرة للدولة، والأرض في الحقيقة ملك الإمام، لكن المحيي له حق يمكنه من الاستفادة من الأرض ومنع الآخرين من انتزاع هذا الحق، وعليه أن يدفع أجرة للإمام(ع) لقاء هذا الحق. [۲۶]

إلى جانب أن هذه الروايات قد يُستدل بها على روايات أخرى أو على الأقل تُعتبر مؤيدة لها، رغم أن الفقهاء لم يستشهدوا بها في كلامهم.

٤- صحيحة معاوية بن وهب

تشير بعض الروايات إلى أن الأرض المحيية إذا خرِبت تفقد ملكيتها، وإذا أحياها آخر يصبح صاحب حق، من بينها صحيحة معاوية بن وهب:

قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(ع) يَقُولُ: أَيُّ رَجُلٍ أَتَى خَرِبَةً بَائِرَةً فَاسْتَخْرَجَهَا وَ كَرَى أَنْهَارَهَا وَ عَمَرَهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةَ فَإِنْ كَانَتْ أَرْضٌ لِرَجُلٍ قَبْلَهُ فَغَابَ عَنْهَا وَ تَرَكَهَا فَأَخْرَبَهَا ثُمَّ جَاءَ بَعْدُ يَطْلُبُهَا فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ وَ لِمَنْ عَمَرَهَا؛[۲۷]

سمعت الإمام الصادق(ع) يقول: أي رجل أتَى أرضاً خراباً بائراً فاستخرجها، وجرى أنهارها وأحياها، فواجب عليه فيها الزكاة، وإذا كانت الأرض لرجل قبل ذلك قد غاب عنها وتركها حتى خرِبت، ثم جاء بعد ذلك يطلبها، فإن الأرض لله ولمن أحياها.

هذا الحديث صريح في أن الأرض الميّتة إذا أحياها أحد وتركها حتى تعود بوراً، فإن الملكية تزول ويحق للآخرين التصرف فيها وإعمارها، ولا يحق لصاحبها الأول شيئاً. والدلالة الالتزامية لمثل هذه الأحاديث هي أن الإحياء سبب لقيام الحق، وهذا الحق يزول بحدوث الخراب، بينما الملكية لا تسقط ببور الأرض وخرابها.

٥- الحديث الصحيح لمسمع بن عبدالملك

فئة أخرى من الأحاديث تدل على أن الأئمة عليهم السلام في عصر الغيبة أحلوا حقهم في الأراضي الميّتة للشيعة. صاحب وسائل الشيعة افتتح باباً بعنوان «باب إباحة حصة الإمام في الخمس للشيعة مع تعذر إيصالها إليه وعدم احتياج السادات وجواز تصرف الشيعة في الأنفال والفيء وسائر حقوق الإمام مع الحاجة وتعذر الإيصال» وذكر فيه ٢٢ حديثاً من بينها الحديث الصحيح لمسمع بن عبدالملك:

يَا أَبَا سَيَّارٍ! الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَنَا، قَالَ قُلْتُ: لَهُ أَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ الْمَالَ كُلَّهُ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سَيَّارٍ! قَدْ طَيَّبْنَاهُ لَكَ وَحَلَّلْنَاكَ مِنْهُ فَضُمَّ إِلَيْكَ مَالَكَ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي أَيْدِي شِيَعَتِنَا مِنَ الْأَرْضِ فَهُمْ فِيهِ مُحَلَّلُونَ وَمُحَلَّلٌ لَهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَقُومَ قَائِمُنَا فَيَجْبِيهِمْ طَسْقَ مَا كَانَ فِي أَيْدِي سِوَاهُمْ فَإِنَّ كَسْبَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا فَيَأْخُذَ الْأَرْضَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَيُخْرِجَهُمْ مِنْهَا صَغَرَةً؛[۲۸]

يا أبا سيار! الأرض كلها لنا، وما أخرج الله منها من شيء فهو لنا. قال أبو سيار: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله. فقال لي: يا أبا سيار! قد طيبناه لك وحللناك منه، فضمّ إليك مالك وكل ما كان في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيها محللون، وهم محللون لذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صغاراً.

هذه الأحاديث تدل على أن الإحياء ليس سبباً للملكية؛ لأنها تقول: الأرض ومنتجاتها ملكنا، ولكن في عصر الغيبة حُلت للشيعة، ومن جهة أخرى تقول: في عصر الظهور يؤخذ الطسق من الشيعة وتؤخذ الأرض من غير الشيعة. فالمعلوم أن الإحياء ليس سبباً لقيام الملكية، وإلا لما كان هناك تحليل للأرض ومنتجاتها من جهة وأخذ الطسق في عصر الظهور من جهة أخرى وأخذ الأرض الأصلية من غير الشيعة، وكل هذه الأمور لا تتعارض مع القول المشهور.

الخلاصة

من هذه الأحاديث وأحاديث أخرى يمكن استنباط أمور تكفي كل واحدة منها لإثبات النظرية غير المشهورة (قيام الحق بسبب الإحياء) منها:

١- في هذه الأحاديث ورد أن المحيي له حق في الأرض. ومن الواضح أن هذه العبارة تدل على أن المحيي صاحب حق وليس مالكاً؛ لأن كلمة حق لا تظهر في الملكية.

٢- في بعض هذه الأحاديث ورد أن المحيي يجب أن يدفع خراجاً أو طسقاً للإمام. ومن الواضح أن دفع أي منهما يتعارض مع ملكية الأرض.

٣- في بعض الأحاديث ورد أن الإمام بعد الإحياء حلّ حقه على الشيعة. فإذا كان المحيي مالكاً بالأحياء وكان الأرض من ملك الإمام، لما كان للتحليل معنى.

٤- في بعض الأحاديث ورد أن الإمام المهدي؟عج؟ في عصر الظهور سيأخذ هذه الأراضي من أصحابها.

٥- في أخرى ورد أنه إذا خرّبت الأرض وتركت، يحق للآخرين التصرف فيها، بينما لو كانت الأرض ملك المحيي لما خرجت من ملكيته بسبب الخراب أو الإهمال. على كل حال، كل واحدة من هذه الأمور تكفي لنفي القول بالملكية.

ج) حل تعارض الأحاديث

مما تقدم يتضح أن الأحاديث من حيث كون الإحياء سبباً لقيام الحق أو سبباً لقيام الملكية تنقسم إلى قسمين عامين: القسم الأول يشمل أربع فئات ويدل على القول المشهور (قيام الملكية). أما القسم الثاني (الذي تناول شهيد صدر نموذجين منه) فهو كثير من الأحاديث، وقد ذكرنا خمسة منها بمضامين مختلفة. وهذه الفئة تدل على أن الإحياء سبب لقيام الحق لا الملك.

ما يخطر في بال كل قارئ في البداية هو مسألة التعارض بين هذين النوعين من الروايات. لذلك يجب معالجة التعارض بين هاتين الفئتين من الروايات. ولحل التعارض يجب النقاش في مقامين: أحدهما حل التعارض على فرض كونه بدوياً، والآخر على فرض كونه مستقرًا.

المقام الأول: حل التعارض على فرض كونه بدوياً

يبدو أن التعارض بدوي وليس مستقرًا، ولذلك وبالجمع العرفي يُرفع التعارض ولا حاجة لتطبيق المرجحات وقواعد باب التعارض. وهنا يُشار إلى بعض هذه الحالات:

الحل الأول

أهم تقريب بالنسبة للروايات من القسم الأول للدلالة على إنشاء الملكية هو القول بأن اللام فيها ظاهرة؛ لأن اللام الموضوعة للتخصيص، والتخصيص المطلق إذا لم يكن مصحوبًا بدليل، يُراد منها الملكية؛ لأن الملكية تخصيص شامل. ولكن هنا روايات القسم الثاني دليل على أن اللام في الجملة: «من أحيا أرضاً فهي له» ليست ظاهرة في الملكية، وإنما المقصود فقط إنشاء الحق؛ لأن روايات القسم الثاني، إن لم نقل إنها دليل قطعي على عدم حصول الملكية، فهي على الأقل مؤهلة لأن تكون دليلاً، وبوجود الدليل أو ما يؤهله يُمنع حجية الظهور. في هذه الحالة لا يوجد دليل على حصول الملكية، إلا روايات الفئة الثالثة من القسم الأول التي ذكر فيها الإمام(ع) في مقام بيان واجب المحيي فقط دفع الزكاة ولم يذكر شيئًا عن دفع الخراج. وهذه الروايات أيضًا تدل بإطلاق المقام على أن الإحياء سبب حصول الملك، وإلا فبالإضافة إلى الزكاة يجب دفع الخراج.

الجواب على هذه الفئة من الروايات واضح؛ لأن روايات القسم الثاني كما هي دليل على منع ظهور اللام في الملكية والتخصيص المطلق، تمنع أيضًا تحقق الإطلاق المقامي.

الحل الثاني

في شأن هذين القسمين من الروايات يدور الأمر بين الحفاظ على ظهور اللام في الملكية والتخصيص المطلق، والالتزام بتخصيص قاعدة السلطنة، لأن مدلول القسم الثاني من الروايات هو أن المحيي مع كونه مالك الأرض يجب أن يؤجرها، وإلا يكون كسبه حرامًا، وكذلك في عصر الظهور مع أن المحيي مالك الأرض فإن الإمام الزمان؟عج؟ يأخذها منهم. أو يجب القول إن قاعدة السلطنة تبقى على الإطلاق ويُرفع اليد عن ظهور اللام في الملكية.

لا شك أن الالتزام بالمطلب الثاني أسهل، وإذا لم نقل إنه بلا محذور، فهو على الأقل أقل محذورًا؛ لأن الالتزام بعدم حصول الملكية بالإحياء لا يحمل محذورًا، أما الالتزام بالملكية فيؤدي إلى القول بأن مالك الأرض لا يملك السلطنة على ملكه، ولتصرفاته أن تكون حلالًا يجب أن يؤجر، وفي عصر الظهور يؤخذ ملكه منه. ويكتب آية الله الخوئي في هذا الشأن:

الأمر يدور بين رفع اليد عن ظهور اللام في الملكية والالتزام بتخصيص قاعدة السلطنة.

[…] ولا شك أن الالتزام برفع اليد عن ظهور اللام في الملكية أسهل وأليق.[۲۹]

ويؤكد آية الله الخوئي هذا الجمع قائلاً إن أمرين يؤيدان هذا الجمع:

١- روايات تدل على أنه إذا ترك المحيي الأرض (وفقًا لبعض الروايات لمدة ثلاث سنوات) ينقضي ارتباطه بها ولا يحق له التصرف فيها، وهذا يؤيد هذا الجمع؛ لأنه إذا كان الإحياء سببًا لحصول الملكية فلا وجه لانقضاء الملكية بالتوقف.

٢- روايات تدل على أنه في عصر حضور الإمام الزمان قد يأخذ من الشيعة الطسق ومن غير الشيعة الأرض، مع أنه إذا كان الشخص مالكًا لشيء يصبح مالكًا له إلى الأبد. لذلك يجب القول إن اللام الظاهرة (التي تكون حجة) ليست في الملكية حتى لا تتعارض مع الروايات.

ويشير في نهاية هذا النقاش إلى:

علاوة على هذين الأمرين، فإن الروايات التي تحتوي على جملة الحق «هم أحق بها» يمكن أن تكون دليلاً على أن المقصود من اللام في الجملة «فهي له» ليس الملكية بل إنشاء الحق.[۳۰]

الحل الثالث

ظهور روايات القسم الأول يدل على أن الإحياء يؤدي إلى حصول الملكية؛ إما بالظهور اللامي في التخصيص المطلق يُستفاد الملكية، أو بالإطلاق المقامي وهو جواب الإمام(ع) في الفئة الثالثة من روايات القسم الأول، ومن الواضح أن أياً من هذين الأمرين ليس صريحًا في الدلالة على الملكية.

أما روايات القسم الثاني فهي إما صريحة في حصول الحق أو على الأقل أظهر من روايات القسم الأول؛ لأن بعض الروايات ورد فيها: «والأرض كلها لنا» وبعضها يدل صراحة على وجوب دفع الأجرة، أو في بعضها جاء: «في عصر الظهور تؤخذ الأرض من المحيي» وغيرها من العبارات التي إما صريحة في المقصود أو على الأقل أوضح من روايات القسم الأول في المقصود.

وبحسب القاعدة الأصولية، في التعارض بين فئتين من الروايات، تُقدم الروايات الصريحة أو الأظهر على الفئة التي يظهر معناها. فبعد تقديم القسم الثاني يكون النتيجة حصول الحق بسبب الإحياء للمحيي.

الحل الرابع

قد يُقال: بما أن السيرة القطعية من عصر الأئمة؟عهم؟ إلى الآن استمرت على عدم دفع الخراج، فلا فائدة من روايات القسم الثاني التي تدل على وجوب دفع الخراج، ويجب رفع اليد عنها. ويكتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:

قد يُقال إن روايات القسم الثاني بلا فائدة؛ لأن السيرة القطعية من عصر الأئمة؟عهم؟ إلى الآن استمرت على عدم دفع الخراج، لذلك يجب رفع اليد عنها.

ويجيب قائلاً:

هذه السيرة ليست ذات قيمة ولا تكشف عن ملكية الأرض بسبب الإحياء؛ لأنه إذا كان المقصود من عدم دفع الأجرة من قبل الشيعة والمسلمين المتدينين، فقد يكون ذلك بسبب الروايات التي تدل على أن الأئمة حللوا الأرض ومنتجاتها للشيعة[۳۱] فلا يدفعون أجرة، وإذا كان المقصود من عدم دفع الأجرة من قبل غير الشيعة، فلا يمكن أن تكشف هذه السيرة عن الملكية.

الحل الخامس

قد يُقال في مقام الجمع بين هذين القسمين من الروايات إن الفقهاء قد أعرَضوا عن القسم الثاني، ولذلك فقد سقطت حجيتهم. ويكتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:

قد يُقال إن الروايات من الفئة الثانية التي تدل على بقاء ملك الإمام بعد الإحياء على الأرض قد تم تجاهلها من قبل الفقهاء، ونتيجة لذلك فقد سقطت عن الحجية.[۳۲]

ويُجيب عليها بثلاثة أجوبة:

أولاً: في علم الأصول ثبت أن التجاهل لا يسبب سقوط الرواية عن الحجية.

ثانياً: لم يثبت تجاهل جميع الفقهاء؛ لأن اتفاق الفقهاء على عدم دفع الخراج ناتج عن روايات التحليل، وهذا لا علاقة له بالتجاهل.

ثالثاً: على فرض التنزل وقبول التجاهل، ربما بعد أن اعتُبرت الروايات حججًا، تم تطبيق قواعد باب التعارض وتجاهلها، وليس لأن الروايات لم تكن حججًا فتم تجاهلها. لذلك، الروايات حجج ويجب إعادة تقييمها.

الحل السادس

يعتقد بعض العلماء أن ملكية الإمام المعصوم ليست اعتبارية، بل حقيقية؛ من نوع الملكية التي لله تعالى على المخلوقات، أما الملكية التي تتحقق للإحيائي فهي اعتبارية. لذا، لا تعارض بين هذين النوعين من الروايات. يكتب المحقق الأصفهاني في هذا الصدد:

الروايات التي تدل على أن الأرض كلها بما فيها الموات للإمام المعصوم؟عهم؟ يجب أن تُحمل بالضرورة على الملكية الحقيقية لا الاعتبارية حتى تكون آثار الملكية موجودة عليها كما أن ملكية الله حقيقية.[۳۳]

هذا الجمع غير صحيح ولا يمكنه حل المشكلة؛ لأن:

أولاً: الروايات التي تدل على أن الأرض الموات ملك الإمام(ع) تظهر على أنها ملكية اعتبارية؛ والدليل عليها الروايات التي حمّلت آثار الملكية الاعتبارية مثل أخذ الخراج، وأخذ أصل الأرض، وروايات التحليل.

ثانياً: مسألة حصول الملكية أو إنشاء الحق بسبب الإحياء لا علاقة لها بالملكية الاعتبارية أو الحقيقية، وهذه المسألة مطروحة على كلا الأساسين. بالطبع، إذا اعتبرنا الملكية، فلن تُطرح بعض الاعتراضات على أساس الملكية الاعتبارية، مثل اعتراض خروج الأرض من تحت ملكية الإمام(ع).

المقام الثاني: حل التعارض على فرض استقراره

على فرض أننا نقبل أن التعارض بين نوعين من الروايات مستقر ويحتاج إلى تطبيق قواعد ومرجحات باب التعارض، فماذا يجب أن نفعل؟ في هذا القسم تُكرّس معظم المواد لآراء الشهيد صدر. يطرح خمسة تجمعات في هذا الشأن وينتقدها ويفحصها بعلمية، وفي النهاية يقبل التجمع الخامس.

التجمع الأول

يقول الشهيد صدر عن التجمع الأول:

الروايات من الفئة الثانية التي تدل على وجوب دفع الخراج تُحمل على الاستحباب؛ لأن الروايات من الفئة الأولى صريحة في عدم وجوب الخراج، لكن الروايات من الفئة الثانية ليست صريحة في مضمونها (وجوب دفع الخراج).

وفي مقام الرد على هذا الجمع، يقسم الأحكام أولاً إلى تكليفي ووضعي، ثم يفحص هذا الجمع بثلاثة مبانٍ معروفة في باب دلالة الأمر على الوجوب، ويخلص إلى أن هذا الجمع لا ينطبق على أي من هذه المباني الثلاثة في الأحكام الوضعية. تُورد جميع ملاحظاته لأجل الفائدة:

النقطة التي توجد في الأوامر التكليفية لحمل الأمر على الاستحباب غير موجودة في الأحكام الوضعية؛ لأن دلالة الأمر على الوجوب تقوم على ثلاثة مبانٍ، وفي كل منها هناك نقطة لحمل الأمر على الاستحباب غير ممكنة في الأحكام الوضعية.

الأساس الأول: يرى المحقق النائيني أن الأمر يدل على الطلب المطلق ولا يدل على الوجوب أو الاستحباب، والوجوب يُستنبط من حكم العقل القائم على لزوم إيجاد المطلوب من المولى، وهذا الاستنباط يكون حين لا يكون للمولى ترخيص في الترك، وإذا كان للمولى ترخيص في الترك، يُحمل الأمر على الاستحباب؛ لأن ضم الترخيص في الترك إلى الأصل المطلوب الذي هو مدلول لفظ الأمر يؤدي إلى الاستحباب. من الواضح أن هذا الأساس ينطبق فقط على الأوامر التكليفية؛ لأن العقل في الأوامر التكليفية يستنبط الوجوب من أمر المولى، أما في الأحكام الوضعية مثل الأمر بدفع الخراج، فليس بحكم العقل ليكون هذا المعيار موجودًا، بل بحكم الشارع. لذلك، لا سبيل لحمل الأمر على الاستحباب بدخول الترخيص.

الأساس الثاني:[۳۴] الوجوب ليس مدلول لفظ الأمر كما أنه ليس بحكم العقل، بل يُستفاد من إطلاق الأمر ومقدمات الحكمة؛ لأن من إطلاق الطلب بدون ترخيص يُستفاد الطلب المطلق، والطلب المطلق هو الوجوب؛ لأن الوجوب هو مرحلة شديدة من الطلب، وإذا دخل الترخيص، يُحمل الأمر على الاستحباب؛ لأن مقدمات الحكمة والإطلاق مقيدة بالترخيص، ونتيجة لذلك يثبت الطلب المقيد وهو الاستحباب.

ومن الواضح أن هذه النقطة صحيحة إذا كان الوجوب مدلول إطلاق الأمر، ولكن إذا لم يكن مدلول الإطلاق، كما في الأحكام الوضعية، فلا يمكن حمله على الاستحباب.

الأساس الثالث:[۳۵] وفق هذا الأساس، الوجوب لا يُستفاد من حكم العقل ولا من مدلول الإطلاق، بل من الدلالة الوضعية اللفظية لصيغة الأمر؛ لأن صيغة الأمر في ذهن المخاطب تتضمن ظهورين متتاليين: أولاً الوجوب، وإذا لم يكن هذا الظهور ممكنًا، يأتي الظهور في الاستحباب.

لذلك، إذا لم يدخل الترخيص من جانب الشارع، يدل لفظ الأمر وضعًا على الوجوب، وإذا دخل الترخيص، لا يمكن تحقق الظهور الأول، ومن ثم يُحمل الأمر على الاستحباب. من الواضح أن هذا الحمل على الاستحباب ممكن فقط في الأحكام التكليفية؛ لأن الأحكام التكليفية تنقسم إلى واجب ومستحب، أما في الأحكام الوضعية التي لا تحتوي على مراتب شديدة وضعيفة، مثل حكم دفع الخراج، فلا يكون هذا الحمل صحيحًا.[۳۶]

لذا، حمل الروايات من الفئة الثانية على الاستحباب غير صحيح وفقًا لأي من المباني الثلاثة المعروفة في باب الوجوب والاستحباب.

قد يُقال إن الادعاء بصراحة الفئة الأولى في عدم وجوب دفع الخراج غير صحيح؛ لأن هذه الفئة إما تدل دلالة التزام على نفي الخراج، كما في الفئة الأولى، أو تدل دلالة إطلاق مقام، كما في الفئة الثالثة. لذلك، يبقى التعارض بين هاتين الفئتين من الروايات.

التجمع الثاني

يطرح الشهيد صدر التجمع الثاني على النحو التالي:‌

الروايات من القسم الأول مع الروايات من القسم الثاني بعد التعارض تسقط، ثم يأتي دور فئة أخرى من الروايات التي تدل على ارتفاع عِلقَة ملكية الإمام (ع) بعد إحياء الأرض.

وفي مقام شرح هذا الجمع وبيان سبب عدم سقوط الروايات التي تكون مرجعة بعد التعارض، يكتب:

في علم الأصول ثبت أنه إذا كانت فئة من الروايات صريحة في نفي أمر ما (كالقسم الثاني) وفئة أخرى صريحة في إثبات الأمر نفسه (كالقسم الأول بالنسبة لإثبات الملكية)، وبجانب هاتين الفئتين توجد بعض الروايات التي يظهر فيها الأمر، فعند التعارض تسقط فقط الفئتان الصريحتان، أما الروايات التي تدل بالظهور فلا تكون معارضة للروايات الصريحة في النفي حتى تسقط، ومن هنا بعد سقوط هاتين الفئتين تكون هذه الروايات مرجعة.

ثم بعد شرح وتكميل هذه القاعدة في نظر الفقهاء في مقام الرد يقول إن المعيار المعروف عند الفقهاء (الذي بعد التعارض والسقوط يُرجع إلى «العام الفوقاني») موجود هنا:

هذه القاعدة مبنية على أن هاتين الفئتين من الروايات (الصريحة في إثبات الملكية ونفيها) تسقطان ولا يصل الأمر إلى مقام الترجيح، ولكن بعد ذلك يأتي أن روايات الفئة الثانية ترجح على روايات الفئة الأولى. لذلك لا يصل الأمر إلى السقوط ليكون المرجع هو العمومات الفوقانية.

الجمع الثالث

الجمع الثالث في كلام الشهيد الصدر هو تطبيق «قاعدة انقلاب النسبة» ويفسرها بقوله:

القسم الأول من الروايات يدل على أن الإحيائي، سواء كان شيعيًا أو سنيًا، ليس ملزمًا بدفع الخراج. القسم الثاني من الروايات يدل على أن الإحيائي، سواء كان شيعيًا أو سنيًا، ملزم بدفع الخراج. هاتان الفئتان متعارضتان تعارضًا تباينيًا. لعلاج التعارض نقول إن الروايات التحليلية التي تدل على إعفاء الشيعة من دفع الخراج تقيد روايات القسم الثاني، ونتيجة لذلك يصبح هذا القسم بعد التقييد أخص من القسم الأول؛ لأن مدلولها هو وجوب دفع الخراج من الإحيائي غير الشيعي. ثم مع هذا القسم الثاني تُقيد روايات القسم الأول (التي تدل على أن المحيي، حتى وإن لم يكن شيعيًا، ليس ملزمًا بالخراج) ويُرفع التعارض. النتيجة أن دفع الخراج لازم إلا على الإحيائي الشيعي؛ أي أن المحيي الشيعي يصبح مالك الأرض ولا يدفع الخراج، والمحَيّي غير الشيعي لا يصبح مالك الأرض ويجب عليه دفع الخراج.

بعد عرض هذا الجمع، لا يرضاه الشهيد ويعترض عليه قائلاً:

أولاً: هذا الجمع مرتبط بقبول «قاعدة انقلاب النسبة» ولكن في الأصول ثبت بطلانها.

ثانيًا: حتى لو افترضنا النزول، فإن انقلاب النسبة يكون صحيحًا إذا كانت الروايات التحليلية مخالفة فقط للقسم الثاني ومتوافقة مع القسم الأول الذي ينفي الخراج، وليس معارضة، ولكن في حالتنا الروايات التحليلية معارضة أيضًا للقسم الأول كما هي معارضة للقسم الثاني؛ لأن القسم الأول ينفي وجوب دفع الخراج باعتباره حكمًا إلهيًا، والروايات التحليلية تنفي وجوب دفع الخراج من الشيعة باعتباره حق المالك، أي الأئمة؟عهم؟.

لذلك نقطة نفي الخراج في هاتين الفئتين (القسم الأول والروايات الخاصة) ليست واحدة ليكونا متوافقين، بل كما يوجد تعارض بين الروايات الخاصة (التحليلية) والقسم الثاني، يوجد تعارض بينها وبين القسم الأول أيضًا.

ثم يؤكد هذا الاعتراض بقوله:

بعض روايات القسم الأول التي تدل على أن المحيي ليس ملزمًا بدفع الخراج وردت في حق اليهود والنصارى، ومن المؤكد أن الروايات التحليلية لا تشملهم.

الجمع الرابع

جمع آخر طرحه الشهيد الصدر لكنه لم يقبله هو:

روايات القسم الأول ترجح على روايات القسم الثاني إما لأنها مشهورة أو لأنها موافقة للسنة القطعية؛ لأن روايات القسم الأول تواتر إجمالي.

وفي مقام الاعتراض على هذا الجمع يكتب:

أولاً: شهرة الخبر وموافقته للسنة القطعية لا ترجح إلا إذا وصلت إلى درجة القطع بالإصدار.

ثانيًا: السنة (ملكية الأرض بالإحياء وعدم وجوب دفع الخراج) ليست بمستوى التواتر لتكون قطعية، لذا لا صحة لموافقة السنة القطعية هنا.

الجمع الخامس

آخر جمع في كلام الشهيد الذي قبله وبناءً عليه يُجاب عن التعارض المستقر هو:

روايات القسم الثاني ترجح على روايات القسم الأول بعد التعارض؛ لأن روايات القسم الثاني مصحوبة بثلاث مرجحات:

أ – مخالفة العامة؛ لأن الروايات التي تدل على أن المحيي يصبح مالك الأرض ولا يلزم بدفع الخراج موافقة للعامة، وروايات القسم الثاني مخالفة للعامة، ومن الواضح أن إحدى مرجحات باب التعارض هي مخالفة العامة.

ب – روايات القسم الثاني التي تدل على أن المحيي لا يصبح مالك الأرض ويجب عليه دفع الخراج موافقة للكتاب مثل الآية: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ»[۳۷] «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ»، وإحدى مرجحات باب التعارض هي الموافقة لعموم الكتاب.

ج – أصالة الحجة في روايات القسم الثاني كاملة، بينما أصالة الحجة في روايات القسم الأول ناقصة؛[۳۸] لأن احتمالًا وارد أن تكون الفئة الأولى صدرت من باب التقية وبقاء موقف الشيعة مجهولًا.

د) مقتضى الأصل العملي

في نهاية هذا البحث من الضروري أيضًا دراسة مقتضى الأصل العملي، حتى إذا لم يصل أحد إلى نتيجة من خلال الأدلة اللفظية ورأى الروايات متعارضة ووصل الأمر إلى السقوط ولم يقبل العام الفوقاني، يعرف واجبه.

يبدو أن مقتضى الأصل العملي موافق لمضمون الروايات من النوع الثاني، أي عدم حصول الملكية؛ لأننا بعد التعارض والتساقط نشك هل بالإنعاش يحصل الملك أم لا، فيجري استصحاب عدم حصول الملك.

هـ) الثمرة الفقهية

على كل من هذين الرأيين الفقهيين ترتبت آثار فقهية مختلفة. نذكر هنا بعضاً من هذه الآثار الفقهية:

١- إذا كان الإحياء سبباً في إنشاء الحق، ففي البيع والشراء للأرض، الرقبة وذات الأرض ليستا موضوع البيع والشراء، بل فقط المصلحة والعلاقة بين المالك والأرض (التي تسمى بـ«حق الانتفاع») هي التي تباع وتشترى. وقد مر هذا الأمر بالتفصيل عند الشهيد الصدر في مبحث أدلة القول المشهور تحت دليل العسر والحرج.

٢- إذا أصبح المحيي صاحب حق بالإحياء، يمكنه إسقاطه، أما إذا أصبح مالكاً فلا يمكن إسقاط الملكية الزائدة.

٣- إذا لم يصبح المحيي مالكاً للرقبة وذات الأرض، ففي حال عدم صرف الأرض المحياة في المؤونة، لا تكون خاضعة للخمس. ويكتب آية الله الخوئي في هذا الصدد:

من ما ذُكر (إنشاء الحق) يتضح جواب المسألة التي تُسأل كثيراً، وهي هل تُفرض الخمس على الأرض الموات بعد الإحياء أم لا؟ إذا كان الإحياء للتجارة وليس للمؤونة، فحسب رأينا (إنشاء الحق) لا تُفرض الخمس؛ لأن الأرض ليست ملك المحيي.[۳۹]

قد يُعترض على هذه الثمرة؛ لأن الفقهاء في موضوع الخمس ذكروا ثلاثة أمور:

أ – الغنيمة التي وردت في الآية «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ»[۴۰].

ب – الربح الذي ورد في الروايات[۴۱].

ج – الفائدة التي هي مدلول ومفهوم الروايات[۴۲].

الأرض المحياة تندرج تحت كل واحد من هذه الأمور الثلاثة، وقد يُقال إن هذه العناوين تشمل العَيْن والحق؛ لأن حق الانتفاع يمكن أن يكون مصداقاً للفائدة والربح والغنيمة.

٤- إذا بُني مسجد في الأرض المحياة ثم تهدم، فبناءً على مبدأ حصول الملكية، تظل أحكام المسجد قائمة عليها، إلا وفقاً لفتوى من يعتبرون أن مسجدية المكان تعتمد على عنوان المسجد. أما بناءً على مبدأ إنشاء الحق، مع التهدم وعدم صدق عنوان المسجد، فلا تُحمّل عليها أحكام المسجد.

٥- إذا أُوقف ملكٌ بُني على الأرض المحياة ثم تهدم، فبناءً على مبدأ إنشاء الحق يُرفع عنوان الوقف، أما بناءً على مبدأ حصول الملك، فتظل الأرض موقوفة.

الخلاصة

مما سبق يُستفاد ما يلي:

١- هناك اختلافات بين الأموال الحكومية والعامة، وأرض الموات في حالة الفتح تُعد من الأموال الحكومية.

٢- جمهور الفقهاء اعتبروا إحياء الأراضي الموات سبباً في حصول الملكية وأقاموا عليه أدلة.

٣- من بين أدلة القول المشهور، ادعاء الإجماع الذي نوقش من حيث الصغرى والكبرى.

٤- الدليل الآخر للقول المشهور هو العسر والحرج، وقد أُجيب عنه بثلاثة أجوبة، منها أنه وفق نظرية إنشاء الحق يكون البيع والشراء وغيره من النقلات ممكنة، لكن موضوع النقلات هو العلاقة والمصلحة بين المحيي والأرض (أي حق الانتفاع). ولحل صحة البيع والشراء على أساس غير المشهور، طرحت طرق أخرى.

٥- أهم دليل هو الروايات التي قُسمت إلى ثلاث فئات رئيسية: الفئة الأولى هي الروايات التي تدل على حصول الملكية بجملة «فهى له». ورد في الرد على هذه الفئة أن اللام وُضعت للتخصيص ولها ظهور في الملكية، لكن هذا الظهور ليس حجية هنا؛ لأن الروايات المعارضة تمنع انعقاد الظهور كحجة.

الفئة الثانية هي الروايات التي تحتوي بالإضافة إلى «فهى له» على «فهم أحق بها». هذه الفئة أيضاً لا يمكن أن تدل؛ لأن اعتراض الفئة الأولى على اللام ينطبق هنا. أما بالنسبة لجملة «أحق بها» فلا دلالة لها على الملكية، بل قد تدل على القول غير المشهور.

الفئة الثالثة هي الروايات التي تدل على القول المشهور بإطلاق مقام. ورد في الرد على هذه الفئة أن الروايات المعارضة تمنع انعقاد الإطلاق المقامي الصحيح.

٦- الأدلة التي تثبت القول بإنشاء الحق كانت خمس فئات من الروايات التي تدل على أن المحيي يجب أن يدفع الخراج للإمام(ع) وأن الإمام المهدي؟عج؟ في عصر الظهور سيأخذ الأرض منهم، أو أن الإمام المهدي في عصر الغيبة أحل الخراج على الشيعة، وهكذا.

٧- على فرض قبول التعارض بين هذين النوعين من الروايات، نوقش رفع التعارض في مقامين:

المقام الأول: أن يكون التعارض غير مستقر. في هذه الحالة ذُكر ستة حلول بأن التعارض غير مستقر ويُرفع بالتوفيق العرفي. بعض هذه الحلول نوقشت وبعضها قُبل. وفي هذا القسم ثبت القول غير المشهور.

المقام الثاني: على فرض أن التعارض مستقر ويحتاج إلى تطبيق قواعد باب التعارض، طرح الشهيد الصدر خمسة طرق للتوفيق الفني والعلمي ونقدها ودرسها، وفي النهاية قُبل أن روايات القسم الثاني موافقة للعام الكتابي ومخالفة للعاميّة، ونتيجة لذلك ثبت القول بإنشاء الحق.

٨- في المرحلة التالية، على فرض التنزل وأنه مع تطبيق قواعد باب التعارض لا يُرفع التعارض وتُسقط الروايات بعد التعارض ويأتي الدور للأصل العملي، قيل إن مقتضى الرجوع إلى الأصول العملية هو القول بإنشاء الحق؛ لأن الشك في حصول الملكية يجعل استصحاب عدم تحقق الملكية بالإحياء جارياً.

٩- في النهاية، عُدّدت بعض الثمرات الفقهية المترتبة على كل من القولين، ونوقشت بعضها.

 

 

[۱]. مواصفات الكتاب هي كما يلي: الطبعة الرابعة: بيروت، دار الفكر، ١٣٩٣ هـ ق.

[۲]. مصباح المنير، ج ١، ص ٢٢٧.

[۳]. لسان العرب، ج ١٠، ص ٢٢٥.

[۴]. يطرح نحو ثمانية أدلة في هذا الشأن وينتقد رأي من يعتبرون الأراضي المزروعة ملكًا لمحاربي الملك عند النصر (انظر: اقتصادنا، ج ٢، ص ۴٠٢).

[۵]. أهم دليل لديه هو أن هذه الأرض جزء من الأنفال ومالك الأنفال هو الإمام (المرجع نفسه، ص ۴١٣).

[۶]. مفتاح الكرامة، ج ٧، ص ٣.

[۷]. الشيخ الأنصاري، المكاسب منشورة في: منهاج الفقهاء، ج ٤، ص ٣٤٤.

[۸]. اقتصادنا، ج ١، ص ٤١٧.

[۹]. ترجمة العبارة: لا يجوز التبادل إلا في الملك.

[۱۰]. اقتصادنا، ج ٢، ص ٦٦٢.

[۱۱]. من بين ذلك انظر اقتصادنا طبعة مجمع الشهيد صدر، ١٤٠٨ هـ ق.

[۱۲]. اقتصادنا، ج ٢، ص ٦٦٢.

[۱۳]. في مفهوم ومستفاد هيئة القاعدة المركبة “لا ضرر ولا ضرار” بين الفقهاء خلاف وتوجد مبانٍ مختلفة. أهمها مبدأ الشيخ الأنصاري، آخوند خراساني، الشيخ الشريعة والإمام الخميني. فقط بناءً على مبدأ الفاضل التوني الذي يقول: «الضرر الذي لم يعوضه الشرع غير موجود في الإسلام، وبالتالي يستلزم نفي الضرر أن يحكم الشرع بتعويض الضرر» يمكن إثبات حكم القاعدة لاضرر. وبالطبع بناءً على مبدأ الشيخ والآخوند يمكن أيضًا إثبات الحكم بدقة.

[۱۴]. من الآن فصاعدًا، ستُذكر الأحاديث التي تدل على القول المشهور كالقسم الأول.

[۱۵]. وسائل الشيعة، ج ١٧، أبواب إحياء الموات، حديث ٥.

[۱۶]. المرجع نفسه، ج ٦، ص ٣٢٧.

[۱۷]. وسائل الشيعة، ج ١.

[۱۸]. المرجع نفسه، ج ٤.

[۱۹]. وسائل الشيعة، ج ٢، ص ٣٢٦.

[۲۰]. لمزيد من المعلومات عن هذه الفئة من الأحاديث انظر: وسائل الشيعة، ج ٨.

[۲۱]. وسائل الشيعة، باب ٣ من أبواب إحياء الموات، ج ٢، ص ٣٢٩.

[۲۲]. وسائل الشيعة، ج ٣، ص ٣٢٩.

[۲۳]. وسائل الشيعة، ج ٦، أبواب الأنفال، باب ٤، حديث ١٣.

[۲۴]. السيد أبو القاسم الخوئي، معجم رجال الحديث، ج ١٣، ص ٦٣.

[۲۵]. السيد محمد باقر صدر، اقتصادنا، ج ٢، ص ٤١٨.

[۲۶]. المرجع نفسه.

[۲۷]. وسائل الشيعة، ج ١٧، أبواب إحياء الموات، باب ٣، حديث ١.

[۲۸]. وسائل الشيعة، ج ١٢، أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، ص ٣٨٢.

[۲۹]. مصباح الفقه، ج ٥، ص ١٢٩.

[۳۰]. المرجع نفسه، ص ١٣٢.

[۳۱]. نماذج من هذه الأحاديث قد تم بحثها سابقًا في قسم أدلة القول المشهور.

[۳۲]. اقتصادنا، ج ٢، ص ٦٥٨.

[۳۳]. المحقق الأصفهاني، هامش المكاسب، ج ٢، ص ٢٤١.

[۳۴]. يُستفاد هذا المبدأ من كلمات آخوند خراساني.

[۳۵]. هذا المبدأ هو المبدأ المشهور لدى الأصوليين.

[۳۶]. اقتصادنا.

[۳۷]. النساء (٤)، الآية ٢٩.

[۳۸]. اقتصادنا، ج ٢، ص ٦٦١.

[۳۹]. مصباح الفقه، ج ٥، ص ١٣١.

[۴۰]. الأنفال (٨)، الآية ٤١.

[۴۱]. وسائل الشيعة، ج ٦، أبواب ما يجب فيه الخمس، باب ٨، حديث ٥.

[۴۲]. وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٣٥٠.