ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: حقیقت استعمال با رویکردی بر آراء و اندیشههای شهید صدر و امام خمینی(ره) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تتناول هذه الدراسة حقيقة الاستعمال بمنظور يستند إلى آراء وأفكار الشهيد الصدر والإمام الخميني (قدس سره) في نطاق علم أصول الفقه. رغم أن مسائل الألفاظ وخاصة مسألة وضع الألفاظ تشكل جزءًا هامًا من مناقشات علم الأصول، إلا أن مسألة استعمال اللفظ وحقيقته، التي تُعد موضوعًا مفتاحيًا في جميع العلوم الإسلامية، لم تحظَ بفرصة كافية للطرح. في هذا البحث، سُعِي إلى تقديم تعريف دقيق لاستعمال اللفظ مع التركيز على وجهات نظر هذين المفكرين، مع نقد ومراجعة آراء علماء علم الأصول.
المؤلف: سید حسن خمینی، سید محمود صادقی
المصدر: متین، شتاء 1392، العدد 61، ص 25 إلى 58.
المقدمة
يجب أن تُوضَع الكلمات أولاً في مسار استخدامها؛ أي أن يُقام ارتباط بين اللفظ والمعنى، ثم يُستخدم هذا الارتباط في المرحلة التالية. ناقش العلماء في علم الأصول “حقيقة الوضع” وماهيته وكيفيته تفصيلًا في كتبهم، واختار كل منهم أساسًا خاصًا في هذا المجال؛ لكن فيما يخص “الاستعمال”، لا توجد مناقشات واضحة وموسعة، ومواقفهم في هذا الباب ليست جلية تمامًا، رغم أن بعض علماء الأصول أشاروا إلى هذه المسألة بشكل متفرق؛ إلا أنه لا يمكن استنباط موقفهم بشكل صريح.
ومع ذلك، في بعض مناقشات علم الأصول، مثل استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، التي تُعد النقطة المحورية فيها مسألة “الاستعمال”، تُطرح مناقشات تتطلب وضوح الموضوع واتخاذ موقف.
الاستعمال من وجهة نظر علماء الأصول
كما ذُكر سابقًا في مقدمة البحث، وردت كلمات علماء الأصول حول استعمال اللفظ بشكل متفرق في كتبهم، ولم يُناقش أي منهم (باستثناء الشهيد الصدر) مسألة حقيقة الاستعمال بشكل موسع. ومع ذلك، فإن نظرة سريعة إلى آثارهم المتبقية تقدم التعريفات التالية في هذا الباب:
أ) آخوند خراساني
أولى آخوند خراساني اهتمامًا لمسألة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، وفي توضيح موقفه من الموضوع، أشار إلى مسألة الاستعمال وطرح رأيه فيها؛ حيث يرى آخوند، مع اعترافه باختلاف آراء علماء الأصول حول استعمال اللفظ على سبيل الانفراد والاستقلال، أنه لا يجوز عقلاً: «أنّه قد اختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى على ل الانفراد والاستقلال … أظهرها عدم جواز الاستعمال في الأكثر عقلاً» (آخوند خراسانی 1329: 36).
ثم يوضح آخوند رأيه بأن استعمال اللفظ إذا كان بمعنى “جعل اللفظ علامة للمعنى”، فيمكن الإذن به، لأن الشيء الواحد يمكن أن يكون علامة لمعنيين؛ مثل إشارة المرور التي يمكن أن تدل على أمرين معًا. أما إذا كان الاستعمال بمعنى “جعل اللفظ بمثابة وجه وعنوان للمعنى” [أي إلغاء اللفظ في المعنى]، فإن ذلك يعني أن اللفظ يصبح وجودًا تنزيليًا للمعنى، ومن ثم ينتقل الحكم بالحسن والقبح من المعنى إلى اللفظ، فلا يمكن الإذن باستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، لأن اللفظ يُلغى في معنى واحد فقط، فإذا صار اللفظ وجهًا وعنوانًا للمعنى الأول، لا يمكن أن يكون وجهًا وعنوانًا للمعنى الثاني، وهكذا لا يمكن أن يُعتبر اللفظ عنوانًا لمعنيين في استعمال واحد، إلا إذا كان (وفقًا لتعبير آخوند) “الاعتبار اعتباريًا” (آخوند خراسانی 1329: 36).
كما هو واضح، فإن كلام آخوند في مسألة استعمال اللفظ هو تعبير آخر عن الأساس المتداول بين علماء الأصول في مسألة الاستعمال، الذين يرون أن استعمال اللفظ لمعنى واحد يعني “إلغاءه في ذلك المعنى”.
ويكتب صاحب منتقي الأصول في هذا الصدد وشرحًا لرأي آخوند: إذا كان الاستعمال بمعنى إلغاء اللفظ في المعنى، فإن استعماله في معنيين يؤدي إلى إلغاء اللفظ مرتين. ومن جهة أخرى، فإن كل إلغاء يستلزم اعتبار اللفظ اعتبارًا حقيقيًا. إذًا، فإن استعمال اللفظ في معنيين يستلزم اعتبارين حقيقيين، وهذا يعني اجتماع مثليْن في شيء واحد وفي آن واحد. كما أن اعتبار الشيء مرة أخرى [اللفظ الذي اعتُبر اعتبارًا حقيقيًا] يستلزم أن يصبح الموجود موجودًا مرة أخرى؛ أما إذا كان الاستعمال بمعنى “جعل اللفظ علامة للمعنى”، فلا يكون هناك اعتبار حقيقي، بل يُعتبر اللفظ بشكل مستقل، وفي الوقت نفسه يُراد منه معنيان (حسینی روحانی 1413ج 1: 307).
فيما إذا كان الاستعمال هو نفسه إلغاء اللفظ في المعنى، توجد مناقشات مختلفة سنتناولها لاحقًا.
نظرة أخرى إلى كلام آخوند خراساني
كما ذُكر، عرف آخوند حقيقة الاستعمال بأنه “إلغاء اللفظ في المعنى”، وقد انتشر هذا القول بين معظم العلماء والمفكرين بعده، حتى أصبح اليوم تعريفًا شائعًا للاستعمال.
وقد دفع هذا بعض العلماء المحققين إلى الانتباه إلى هذه المسألة وتوجيه نقد لها؛ فقد أشار العلامة الطباطبائي في حواشيه على كتاب كفاية الأصول لآخوند إلى هذا التعريف واهتم به. في نظره، فإن كلمة “إلغاء” التي استُخدمت لفهم أو تعريف معنى الاستعمال، هي تعبير مجازي وتشبيه، لأن كلمة “إلغاء” تعني في الحقيقة اتحاد أو توحيد شيئين؛ لكن لا يمكن تصور أن اللفظ والمعنى يشكلان وجودًا واحدًا.
في الحقيقة، يرى الطباطبائي أن الإلغاء يعني أن شيئين يتحدان في ماهية وجودية واحدة (مثل اتحاد وجود قيام الإنسان في زيد القائم) أو أن تكون ماهية في ماهية أخرى (مثل وجود العرض في الجوهر)؛ لكن علاقة اللفظ بالمعنى ليست بأي من هذين الشكلين؛ ولذلك فإن استخدام كلمة الإلغاء في وصف استعمال اللفظ هو استخدام مجازي [1].
يمكن الآن توجيه الاعتراض إلى آخوند خراساني بأن في المناقشات العلمية الدقيقة لا مجال للتساهل في الكلام، ومن ثم فإن استخدام لفظ “الإفناء” لتوضيح معنى الاستعمال غير الصحيح غير مناسب. هذا الاعتراض بالطبع قد طُرح أيضًا على كلمات بعض الأصوليين الآخرين، كما أن صاحب “منتهى الأصول” يرى أن إفناء اللفظ يعني الغفلة عن اللفظ وإرادة المعنى:
لا شك أن الاستعمال عبارة عن إلقاء المعنى بإلقاء اللفظ؛ وهذا هو المراد من قولهم: إرادة المعنى من اللفظ؛ بحيث يكون المستعمل ناظرًا إلى المعنى وغافلًا عن اللفظ، وهذا هو المراد من قولهم: إفناء اللفظ في المعنى (موسوی بجنوردی 1380ج 1: 9).
كما أن الشهيد الصدر في بحثه الموسع حول حقيقة الاستعمال قد تناول تحليل معنى “الإفناء”. ففي سياق المناقشات التي طرحها حول مرآتية وآلية اللفظ للمعنى، يلفت انتباهه إلى أن المرآتية والآلية لا تعنيان إفناء اللفظ في المعنى. في نظر الشهيد الصدر، كما سيأتي، الآلية والمرآتية تعنيان الانتباه وعدم الانتباه للنفس إلى اللفظ؛ لكن هذا عدم الانتباه إلى اللفظ لا يعني إفناء اللفظ في المعنى. والدليل على ذلك أن الإفناء قد تصوّر بمعنيين: في التصور الأول، الإفناء يعني وجود كيانين، أحدهما تابع للآخر أو قائم عليه؛ مثل أن نقول إن العالم كله تابع وظلّ و… هو الوجود المقدس الإلهي، وبذلك يكون العالم كله مندمجًا في الوجود الإلهي. لأن الممكن هو شعاع من الوجود الواجب ويتكئ على ذلك الوجود المقدس.
مثال آخر في هذا الباب هو طرفا المضاف إليه. الإنسان في مقولة الإضافة يتخذ أعراضًا مختلفة؛ بمعنى أن الإنسان في مقولة الإضافة يوجد وجودًا غير وجود جوهريه، وهو وجود عرضي، وهذا الوجود موجود في أفراد الإنسان المختلفة، طبعًا طالما كانوا في مقارنة مع بعضهم البعض. الوجود العرضي الإضافي هو وجود من قبيل الجوهر، ووفقًا لبيان أهل الفلسفة هو من المعقولات الأولى، لكنه يتكئ على الطرفين.
وبهذا المعنى، يكون المعنى الأول للإفناء أن الفاني والمفنى كلاهما موجودان في ظرف الوجود؛ لكن اعتماد أحدهما على الآخر، وكلاهما تابع ومتبوع لبعضهما البعض. أما المعنى الثاني للإفناء فهو أن هناك وجودًا واحدًا فقط، بمعنى أنه في العالم يوجد فقط الفاني؛ لكن المفنى يُرى. الوجود من الفاني؛ لكن ما يُدرك هو المفنى. ويمكن في المعنى الثاني أن نضرب مثلًا بـ”الصورة الذهنية”، لأن الصورة الذهنية فقط هي التي تكتسب وجودًا في أفق الذهن؛ مثلاً صورة الذهن للنار موجودة في الذهن وليس النار نفسها. ومع ذلك، عندما يسمع الإنسان لفظ “نار”، يدرك النار الخارجية؛ إذًا في الظرف الذي يحدث فيه الإفناء، يوجد وجود واحد فقط ينتمي إلى الفاني، لكن المفنى هو الذي يُرى.
وبناءً عليه، في نظر الشهيد الصدر للإفناء معنيان: الأول أن الفاني والمفنى وجودان مستقلان لكن اعتماد أحدهما على الآخر بحيث يقوم وجود أحدهما على الآخر ولا يمكنه أن يكون له وجود مستقل. والمعنى الثاني في نظر الشهيد الصدر هو أنه في ظرف الإفناء يوجد وجود واحد فقط وهو الفاني؛ لكن ما يُدرك هو المفنى.
بعد تحليل ومراجعة لفظ الإفناء في المعنيين المذكورين، يشير الشهيد الصدر إلى أن اللفظ والمعنى لا يمكن وضعهما في أي من هذين التحليلين. لأن اللفظ والمعنى كيانان مستقلان، ومن ثم لا يمكن وضعهما في المعنى الثاني للإفناء، لأن في المعنى الثاني يوجد وجود واحد فقط في ظرف الإفناء. كما أن اللفظ والمعنى ليسا من نوع المعنى الأول للإفناء، لأنهما ليسا تابعين لبعضهما البعض في الوجود، بل لهما استقلال (صدر 1417ج1: 142).
فيما يتعلق بكلام الشهيد الصدر حول معنى الإفناء، يمكن القول إنه في المثال الذي قدمه للنوع الأول أشار إلى مقولة الإضافة والطرف فيها، وكان من الأفضل لو طورها وأدرج فيها جميع الأعراض والجوهر، لأن جميع الأعراض والجوهر تتمتع بهذه الخاصية؛ لأن الوجود في ذاته عرضي هو عين وجود غيره: «إذا وجدت وجدت في الموضوع» [2].
ب) ميرزا حبيب الله الرشتي
ميرزا حبيب الله الرشتي في تحليله لمسألة الاستعمال عرفها بأنها ذكر اللفظ لتفهيم المعنى: «ذكر اللفظ لتفهيم المعنى» (میرزای رشتی 1312: 259).
ج) ميرزا حسن بجنوردي
الاستعمال في نظره يعني إلقاء المعنى بواسطة إلقاء اللفظ [3] «إلقاء المعنى بإلقاء اللفظ» (موسوی بجنوردی 1380 ج1: 59).
وبهذا المعنى، إلقاء اللفظ هو نفسه إلقاء المعنى؛ ويبدو أن ما طرحه لا يمكن اعتباره تعريفًا للاستعمال، بل هو نوع من شرح كلمة أو عبارة “استعمال اللفظ”.
د) أبو القاسم الخوئي
في آثار الخوئي قُدّم تعريفان لمسألة الاستعمال؛ ففي التعريف الأول اعتبر الاستعمال تفعيل التزام الوضع: «لأن الاستعمال ليس إلا فعلية ذلك التعهد» (خویی 1422ج1: 237). وكان الخوئي في بحث الوضع قد قبل أساس الالتزام الذي بموجبه يلتزم الواضع باستخدام لفظ معين عند إرادة المعنى.
كما عرف الخوئي الاستعمال في تعريف آخر بأنه جعل اللفظ علامة للمعنى: «جعل اللفظ علامة للمعنى» (خویی 1422 ج1: 110).
هـ) ميرزا أبو الحسن المشكيني
ميرزا أبو الحسن المشكيني، الذي كان من تلامذة آخوند وله هامش موسع على أهم أثر أصولي لأستاذه، عرف استعمال اللفظ على النحو التالي:
جعل اللفظ [بكليته] قالبًا للمعنى (مشکینی ج1: 55-54) (نقلًا عن الإمام الخميني 1415 ج1:183).
وبهذا المعنى، في نظر المشكيني، الاستعمال يعني أن يكون اللفظ قالبًا للمعنى.
و) النائيني
هو أيضًا قرأ استعمال اللفظ على أنه إلقاء المعنى في الخارج: «إلقاء المعنى في الخارج» (نائینی 1355 ج1: 33).
ز) المحقق الأصفهاني
صاحب “نهاية الدراية”، الذي اختار في بحث الوضع أساس جعل العلامة، طرح في بحث الاستعمال مسألة وجود التنزيل المعنوي وكتب:
إن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل لا بالذات؛ إذ لا يعقل أن يكون وجود واحد وجودًا لماهيتين بالذات، كما هو واضح (اصفهانی 1429 ج1: 152).
به هذا التعبير، الاستعمال هو ذات إحداث المعنى بواسطة اللفظ في العلم والواقع، واللفظ هو وجود تنزيلي، مزيف واعتباري للمعنى، لأن وجود اللفظ الذي هو هيئة مسموعة، هو بالذات وجود اللفظ وبالعرض وجود المعنى، وسبب ذلك هو أن الوجود الواحد لا يمكن أن يكون له ماهيتان. اللفظ من قبيل الهيئة المسموعة، ومن ثم لا يمكن أن يكون وجود زيد؛ بمعنى أدق، لا يمكن أن يكون للفظ في آن واحد وجود للهيئة والجوهر (زيد).
ح) صاحب منتقي الاصول
صاحب منتقي الاصول أيضًا في كتابه اهتم بمسألة الاستعمال؛ رغم أن كلامه في هذا الباب توسع أكثر مما ورد في آثار أصوليين آخرين؛ إلا أنه يجب الاعتراف بأن كلامه لم يحقق نجاحًا كبيرًا في إعادة التعرف على مسألة الاستعمال.
المؤلف في منتقي الاصول لتبيين المسألة، في بداية المسألة صور الاستعمال على صورتين: في الصورة الأولى يكون المستعمل (اللفظ) زائلًا، والمستعمل فيه (المعنى) ظاهرًا. في هذه الصورة يكون المستعمل أو المستعمل به مفقودًا أو، بتعبير أدق، مغفولًا عنه ومهملًا.
ولفهم هذه الصورة بشكل أفضل، يستعين بمثال المرآة التي يمكن في استعمالها ورؤيتها ملاحظة صورة البيئة الخارجية، وفي هذه الملاحظة لا تُرى ماهية المرآة (الزجاج، الزئبق، …). في الحقيقة، عند النظر إلى المرآة، يمكن رؤية صور البيئة المحيطة بشرط ألا ننتبه إلى المرآة ذاتها (بما هي هي). بهذا التعبير، في النوع الأول من الاستعمال، لا يُعطى أي اهتمام للشيء المستعمل.
الصورة الثانية التي قدمها مؤلف منتقي الاصول في فكره تشبه الاستعمالات المجازية؛ ففي المجاز يُنتبه إلى اللفظ والمضمون المجازي؛ لكن عند الاستعمال يُراد المعنى الثاني أيضًا؛ بمعنى أدق، في المجاز، بالإضافة إلى المضمون المجازي لا بد من إرادة المعنى الأصلي للكلمة. مثلًا في عبارة «زيد كثير الرماد»، بالإضافة إلى كونها مجازًا على كون زيد صاحب ضيافة، فهي في الحقيقة تعني كثرة ورُكام رماد موقد بيته.
صاحب منتقي الاصول في متابعة هذا النقاش ينفي أصل تشابه مسألة استعمال اللفظ مع صورتَي استعمال المرآة والاستعمال المجازي. ودليله هو أنه (في الصورة الأولى) شرط استعمال المرآة هو الغفلة عن ماهيتها؛ بمعنى أنه في استعمال اللفظ يجب أن نغفل عن اللفظ بما هو لفظ، ونتجاهله؛ بينما في استعمال اللفظ أحيانًا يكون النظر استقلاليًا ويُستخدم اللفظ بعناية خاصة؛ في الحقيقة، الإنسان يستخدم العديد من الكلمات والألفاظ بانتباه وتأمل خاص ليصل إلى جمال الكلام، تكريم المخاطب أو لأغراض أخرى.
على سبيل المثال، قال حافظ في هذا البيت: «نيست بر لوح دلم جز الف قامت يار». مع أنه كان يمكنه أن يستخدم كلمة «دوست» بدلًا من «يار»؛ في الحقيقة، الشاعر في استخدام لفظ «يار» كان يراعي أيضًا دقة حرف الألف الموجود في كلمة «يار».
لذا، لا يمكن أن يكون استعمال اللفظ من باب استعمال المرآة. وكذلك استعمال اللفظ ليس من جنس الاستعمالات المجازية؛ لأن في الاستعمالات المجازية يكون هناك دائمًا معنيان: المعنى المجازي والمعنى الموضوع له؛ بينما في استعمال اللفظ، في كثير من الحالات لا يُعطى اهتمام للفظ (بما هو هو).
وعليه، أن يُعطى اللفظ اهتمام في الاستعمال، هو سبب القول بأن استعمال اللفظ ليس من باب فناء اللفظ في المعنى (أو المرآة)، وأنه لا يُعطى اهتمام للفظ في الاستعمال هو سبب القول بأن استعمال اللفظ ليس من جنس الاستعمالات المجازية.
مؤلف كتاب منتقي الاصول بعد هذا التحليل يطرح الطريق الثالث وهو اعتبار اللفظ بطريقة «آلية طريقية»؛ في هذا التحليل يُؤخذ اللفظ في الاعتبار عند الاستعمال؛ لكنه ليس اعتباريًا استقلاليًا ونفسيًا؛ بمعنى أن استعمال اللفظ هو إحداثه في الخارج بدافع نقل المعنى إلى ذهن المخاطب. بناءً على ذلك، يصبح اللفظ في هذا التحليل هو المقصود والمتوجه إليه من قبل المتكلم؛ لكنه فقط كطريقة أو وسيلة لعبور المعنى إلى ذهن المخاطب.
وبذلك يُعلم أن اللفظ في حال الاستعمال يكون ملحوظًا، لكن باللحاظ الطريقي الآلي لا باللحاظ الاستقلالي النفسي. فالاستعمال على هذا … هو إحداث اللفظ في الخارج بداعي حصول الانتقال إلى المعنى، فهو منظور طريقًا وعبرة للمعنى لا مستقلًا ولا مغفولًا عنه (حسینی روحانی 1413 ج1: 71-70).
ط) شهيد سيد محمد باقر صدر
قبل دراسة وتحليل رأي الشهيد صدر في حقيقة الاستعمال، يجب الانتباه إلى أن أساس الشهيد صدر في موضوع الوضع هو المقارنة، المرافقة، والارتباط الشديد بين اللفظ والمعنى. ولهذا فإن توظيف واستخدام هذا الارتباط والمرافقة بين اللفظ والمعنى يقتصر على طرفي المتكلم والمستمع؛ ففي طرف المستمع، هذه العلاقة الوضعية تجعل المستمع ينتقل إلى المعنى بمجرد وصول اللفظ إلى أذنه. وفي طرف المتكلم، يستخدم المتكلم اللفظ لنقل المعنى وإيصال المقصد. لذلك، باستخدام هذه المقارنة (الوضع)، يُلقي المتكلم المعنى الذي في ذهنه ويُدرك المستمع المقصود من قبل المتكلم (صدر 1417 ج1: 131).
النقطة المهمة في كلام الشهيد صدر هي التفريق بين مفهومَي الاستعمال والدلالة؛ بمعنى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى (المقارنة) تقتصر على طرفي الدلالة والاستعمال، ولذلك فإن المعنى الحقيقي للاستعمال في نظره هو استخدام اللفظ في طرف المتكلم، وما يحدث في طرف السامع هو الدلالة (وليس الاستعمال).
تصنيف الإرادة في فكر الشهيد صدر
الشهيد صدر في متابعة هذا النقاش يتناول الفرق بين الاستعمال والدلالة التصورية. بمعنى أنه في الدلالة التصورية، بمجرد نطق اللفظ وسماعه ننتقل إلى المعنى؛ أما في الاستعمال فيجب أن يُحَرز إرادة المتكلم من بيان اللفظ؛ بعبارة أخرى، في الدلالة الاستعمالية تكون إرادة القائل أيضًا متضمنة.
الانتباه إلى هذه النقطة في فكر الشهيد صدر ضروري، حيث تُصنف «الإرادة» في نظره ضمن ثلاثة أطر:
1. الإرادة الاستعمالية: الفئة الأولى هي الإرادة الاستعمالية التي معناها هو مجرد استخدام اللفظ، والمتكلم في خلفها يرغب في أن لا يصل المتلقي إلى معناها؛ بمعنى أنه في الإرادة الاستعمالية، تم الاستعمال، ولكن لم يُراد أصلًا التفهيم.
وأحيانًا في الإرادة الاستعمالية يُؤخذ المعنى الإجمالي بعين الاعتبار. لفهم معنى الإرادة الاستعمالية يمكن الاستدلال بمثال «من كان بنته في بيته» حيث يبقى المعنى الحقيقي خفيًا على السامع (صدر 1417 ج1: 132).
2. الإرادة التفهيمية: الإرادة الأخرى التي أشار إليها الشهيد الصدر في كلامه هي الإرادة التفهيمية، حيث يرغب المتكلم في أن يفهم المتلقي معنى اللفظ المستخدم؛ ولكن في كثير من الحالات ما ورد في اللفظ ليس المراد الجدي للمتكلم. مثل استخدام الألفاظ في السخرية والمزاح من هذا النوع، لأن في هذه الحالات توجد إرادة التفهيم لدى المتكلم، ولكن المقصود من استخدامها هو المزاح واللعب، وبالحقيقة هي إرادة الهزل:
«الإرادة التفهيمية؛ وهي إرادة تفهيم المعني تصوراً باللفظ وإخطاره فعلاً» (صدر 1417 ج1: 133).
الفرق بين هذه الإرادة وتلك التي سُمّيت بالإرادة الاستعمالية هو في الفعلية والخصوصية. في الإرادة الاستعمالية تكون الخصوصية في إحداث المعنى بواسطة اللفظ؛ بينما في هذه الإرادة، النظر منصب على الفعلية في إحداث المعنى بواسطة اللفظ. بمعنى آخر، في الإرادة الاستعمالية نكون قد أردنا فقط أن نلقي لفظًا له خصوصية إحداث المعنى؛ أما في الإرادة التفهيمية فنكون قد قصدنا أن نلقي لفظًا يُحدث المعنى بالفعل.
3. الإرادة الجدية: في هذا النوع، الغرض الأساسي للمتكلم من بيان اللفظ هو فهم معناه لدى السامع. كما ذُكر، يرى الشهيد الصدر أن استعمال اللفظ يحتاج إلى إرادة، ومن هنا يكون الفرق بين الاستعمال والدلالة التصورية هو أنه في الدلالة التصورية يخطر معنى واحد في الذهن من لفظ معين، أما الاستعمال فلا يقتصر على مجرد خطوران معنى معين في الذهن، بل في الاستعمال تكون إرادة المتكلم التعبيرية هي الشرط الأساسي (صدر1417 ج1: 133).
الإرادة الجدية نوع من الإرادة التصديقية؛ فمثلاً لا يمكن للإنسان أن يستخدم الهزل في الكلمات فقط؛ بل الهزل يتشكل في الجمل؛ مثلاً لا يمكن وصف كلمة «شير» بالهزل أو غيره؛ لكن الجملة «شير پشت در است» يمكن أن توصف بالهزل أو غيره. لذلك الكلمات والجمل الناقصة تقع فقط تحت إرادة التفهيم والاستعالية ولا تصل إلى الإرادة الجدية، لأن في الكلمات والجمل الناقصة لا يتشكل التصديق. في جمع الكلمات عن الإرادة الجدية يمكن القول إنه في هذا النوع لا يقصد المتكلم الهزل أو المزاح، بل يسعى إلى أن يلقن المتلقي الحالة الحقيقية المناسبة للكلام.
وبناءً على ما تقدم، يحلل الشهيد الصدر إرادة المتكلم إلى ثلاث فئات: الأولى هي الإرادة الاستعمالية؛ بمعنى أن المتكلم يريد أن يلفظ لفظًا ويقصد معنى منه: «إرادة استعمال اللفظ لبيان المراد». ولكن هذه الإرادة ليست بالضرورة إرادة التفهيم عند المتكلم، وقد يكون المتكلم لديه إرادة استعمال فقط دون إرادة التفهيم. في الإرادة التفهيمية ترافق إرادة بيان اللفظ إرادة تفهيم المعنى. أما الإرادة الثالثة التي سُمّيت بالإرادة الجدية في تقسيم الشهيد الصدر فهي مخصصة للحالة التي يريد فيها المتكلم، بالإضافة إلى إرادة الاستعمال والتفهيم، أن يفهم المتلقي مراده الجدي.
الفرق بين الإرادة التفهيمية والإرادة الجدية هو أنه أحيانًا يلفظ المتكلم كلمة ويريد من قولها تفهيم معناها للمتلقي، ولكن مراده الجدي غير موجود في ذلك اللفظ.
يجب الانتباه إلى أن أهم ثمرة لهذا النقاش تظهر في الأوامر الامتحانية. فعلى سبيل المثال، عندما أمر ذات الحق المقدس إبراهيم (ع) بذبح ابنه إسماعيل، في هذا الأمر كانت هناك إرادة استعمال (بيان) وإرادة تفهيم؛ لكن لم تكن هناك إرادة جدية.
الثمرة الثانية لهذا النقاش تظهر في العام والخاص والمطلق والمقيد في الفقه؛ كما يمكن ملاحظة ثمرة أخرى في المزاح واللعب.
تحليل مفهوم الإرادة الاستعمالية
في تحليل مفهوم «الإرادة الاستعمالية»، يشير الشهيد الصدر إلى أن هذه الإرادة ليست إرادة تفهيم المعنى بواسطة اللفظ للمتلقي، لأن في كثير من الحالات توجد إرادة استعمال وبيان اللفظ لدى المتكلم، ولكن لا توجد إرادة تفهيم.
كما أن الإرادة الاستعمالية في هذا المعنى ليست إرادة إحداث وجود عرضي للمعنى بواسطة اللفظ. في الحقيقة، ينفي الشهيد الصدر بهذا القيد كلام الأصفهاني في هذا الشأن، لأن الأصفهاني يرى، كما ذُكر، أن الاستعمال يعني وضع اللفظ كوجود عرضي (تنزيلي) للمعنى. وقد أقام الشهيد الصدر دليلين لرد رأي الأصفهاني: الدليل الأول هو أن هذا الأساس في الاستعمال مبني على أساس الأصفهاني في الاستعمال، بينما أساسه في الوضع غير مقبول عند الشهيد الصدر.
في الدليل الثاني، يطرح المرحوم الشهيد الصدر مسألة لماذا يجب أن ينتقل الأساس المتخذ في مسألة الوضع إلى مسألة الاستعمال أيضًا.[4]
1. الإرادة الاستعمالية ليست إرادة تفهيم المعنى وإحضاره بواسطة اللفظ.
2. الإرادة الاستعمالية ليست إرادة إحداث المعنى بواسطة اللفظ وجعل وجود تنزيلي (مبنى الأصفهاني).
3. الإرادة الاستعمالية ليست إرادة التلفظ باللفظ ملتزمة به (مبنى الإيرواني، الخوئي، …).
4. الإرادة الاستعمالية ليست إلغاء اللفظ في المعنى (مبنى آخوند خراساني).
والآن بعد طرح هذه المبادئ الأربعة، يبدأ في رد كل منها:
أ. كما ذُكر سابقًا، في كثير من الحالات عند استخدام الألفاظ يوجد إرادة استعمالية؛ ولكن لا توجد إرادة تفهيمية؛ مثل الحالة التي يستخدم فيها الشخص الكلمات إجمالًا أو يستعمل ألفاظًا مشتركة، وفي هذه الحالة يمتنع عن استخدام قرينة مناسبة، بحيث يبقى المتلقي عاجزًا عن فهم المعنى المقصود. في هذه الحالات، كما أشار الشهيد الصدر، توجد إرادة استعمالية؛ لكن لا توجد إرادة تفهيمية. بمعنى آخر، أحيانًا يكون الغرض من الاستعمال هو التفهيم، وأحيانًا أخرى هو إحداث الحيرة أو الإجمال لدى المتلقي. إذن، الاستعمال مثل أي فعل عقلي آخر، أحيانًا يكون الغاية النهائية منه التفهيم، وأحيانًا يكون له غاية أخرى. وهذا بالطبع في حال أن المتكلم يستخدم اللفظ في معناه الحقيقي، لكنه يفعل ذلك بطريقة تمنع التفهيم، وإلا إذا كان المتكلم يقصد من اللفظ معنى إجمالي من البداية، فهذا ليس استعمالًا بل مجرد نطق لفظ.
ب. بالإضافة إلى الخلاف في أساس الوضع، يؤكد الشهيد الصدر على مبدأ أن اتخاذ أساس معين في الوضع لا يلزم اتخاذ نفس الأساس في الاستعمال؛ فإذا تم في مقام الوضع إقامة علاقة بين اللفظ والمعنى من نوع وجود تنزيلي، فلا دليل على أنه يجب اعتماد نفس الأساس في مقام الاستعمال.
يبدو أن كلام الصدر في هذا الصدد ليس صحيحًا، لأن من يحدد طريقة الاتصال بين اللفظ والمعنى بأنها وجود تنزيلي، لا يرى طريقًا آخر للاتصال بين اللفظ والمعنى يمكن أن يمر به في الاستعمال. بمعنى آخر، لأن كلام الأصفهاني يتعلق بالاستعمالات الحقيقية، فإن مراده أيضًا يتعلق بتلك الاستعمالات التي يُستخدم فيها اللفظ في معناه الموضوع له. فإذا كان أساسنا في الوضع هو أن اللفظ يتحول إلى معنى بوجود تنزيلي، فبعد الوضع يكون اللفظ قد تم معناه بوجود تنزيلي، واستعماله هو استخدام هذا الوجود التنزيلي.
يبدو أن الصدر يريد أن يقول إنه بالرغم من أن العلاقة بين اللفظ والمعنى من نوع جعل العلامة، فإن المستعمل في حالة الاستعمال يصل إلى المعنى عبر طريق آخر من اللفظ إلى المعنى، بينما من يرى الوضع من هذا النوع لا يعرف طريقًا آخر بين اللفظ والمعنى (صدر 1417 ج1: 132)/
ج. كما ذُكر، يعتقد الخوئي في الوضع أن مقام الوضع هو مقام التزام بين اللفظ والمعنى؛ بمعنى أن الإنسان قد التزم بأن يستخدم لفظ “خاتم” عند إرادة معنى الخاتم، والاستعمال في نظره يعني الوفاء بهذا الالتزام؛ بمعنى “أن أنطق باللفظ الملتزم به”. أو أنه أنطق باللفظ وهذا ناشئ عن الالتزام بالنسبة لنفس “الالتزام الوضعية”.
بهذا التعبير، الإرادة الاستعمالية في نظر الخوئي هي إرادة النطق باللفظ الملتزم به. وقد اعترض الصدر على هذا الأساس، لأن في نظره في هذا الأساس لم تُعرف ماهية الإرادة؛ بينما الكلام في تحليل الإرادة الاستعمالية هو فهم ماهية أو حقيقة الاستعمال؛ وفي التعريف المقدم لم يُعرف ذلك، مع أن الشهيد الصدر في هذا الشأن أيضًا يشير إلى اختلاف أساسه مع الخوئي في بحث الوضع (صدر 1417ج1: 132).
يبدو أنه يجب أن يُقال للصدر في هذا الشأن إنه في هذا المقام لا يحاول الخوئي بيان وتحليل حقيقة وماهية كل إرادة، ومن وجهة نظره حقيقة الإرادة الاستعمالية هي نفس حقيقة الإرادات الأخرى، لأن هذا المقام ليس مقام تحليل مسألة الطلب والإرادة، وفي نظر الخوئي لا اختلاف بين الإرادات. بهذا التعبير، إرادة الحركة، إرادة الجلوس، إرادة الأكل، وإرادة الكلام من نوع واحد، والاستعمال يعني إرادة الكلام التي منشؤها في نظر الخوئي الالتزام.
د. يولي الصدر في متابعة كلامه اهتمامًا بأساس الأخوند ويقول إن الإرادة الاستعمالية ليست بمعنى إلغاء اللفظ في المعنى. والدليل على ذلك أنه إذا كانت الإرادة الاستعمالية هي إرادة الاستعمال، فإن إلغاء اللفظ في المعنى لا يوضح شيئًا ولا يحدد ماهية وحقيقة الاستعمال؛ ولكن إذا كان المراد شيئًا آخر، فيجب التطرق إليه[5] (صدر 1417 ج1: 132).
في نهاية هذا البحث يقدم الصدر تعريفه للإرادة الاستعمالية. بهذا التعبير، الإرادة الاستعمالية هي إرادة النطق باللفظ، من حيث أن اللفظ مؤهل لأن يخلق المعنى في ذهن المتلقي. وهذه الإرادة الاستعمالية في نظر الشهيد الصدر هي حقيقة الاستعمال. في الحقيقة، قصد الشهيد الصدر هو أن الاستعمال هو النطق، وعبارة “أنا استعملت اللفظ في المعنى” تعني “أنا نطقت باللفظ”؛ ولكن سبب هذا النطق باللفظ هو أن اللفظ مؤهل لإحداث المعنى في ذهن المتلقي.
سبب تأكيد الشهيد الصدر على هذا القيد هو أنه في كثير من الأحيان يُستخدم اللفظ، والمراد من استخدامه ليس إحداث المعنى في الذهن، بل فقط إثبات أن المتكلم ليس أخرسًا أو أخرسًا. في الحقيقة، في هذا المقام، الكلام باللفظ هو فقط لإفادة الدلالة العقلية عليه. لذلك لا يمكن تسمية هذا النطق بالاستعمال. في الحقيقة، الاستعمال يُقال له حيث يكون الهدف من استخدام اللفظ هو إحداث معناه في ذهن المتلقي؛ مع ذلك يجب الانتباه إلى أن الهدف في هذا المقام ليس فهم المعنى، لأن الإرادة التفهيمية تختلف عن الإرادة الاستعمالية. بمعنى آخر، سبب استعمال اللفظ هو أن اللفظ مؤهل لأن يخلق معنى في ذهن المتلقي.
بل الإرادة الاستعمالية عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ ولكن لا بما أنّه صوت مخصوص بل بما أنّه دال بحسب طبعه وصالح في ذاته لإيجاد صورة المعني في الذهن، فإرادة الإتيان بما يصلح للدلالة علي معني بما أنّه يصلح لذلك هي الإرادة الاستعمالية، والمراد بهذا الإرادة هو نفس الاستعمال (صدر 1417 ج1: 133-132).
سبب وصول الشهيد صدر إلى هذا التعريف هو أنه ميز بين الإرادة الاستعمالية والإرادة التفهيمية؛ بمعنى أنه قد تُستخدم ألفاظ في مواضع لا تتوفر فيها إرادة التفهيم، كما في المواضع التي يُتعمَّد فيها الكلام المجمل. ومن ثم فقد أورد في تعريفه صلاحية اللفظ لإحداث معنى الكلام، بمعنى أن هذه الصلاحية قد لا تتحقق فعليًا وتبقى في مرحلة الإمكانية.
وفي هذا الصدد يجب الانتباه إلى أن القسمة في الأشياء والأفعال وغيرها يجب أن تكون شاملة لجميع الأقسام؛ فمثلاً لا يمكن تعريف الإنسان بجلده الأبيض، لأن شريحة واسعة من البشر ليسوا بيض البشرة. وبالمثل لا يمكن تعريف الأشياء والأفعال بطريقة تستثني جزءًا من أفرادها من دائرة التعريف.
التقسيمات المطروحة في الاستعمال
بعد تحليل مفهوم الاستعمال في نظر الشهيد صدر، يجب الانتباه إلى أن الاستعمال في نظره ينقسم إلى استعمالات حقيقية، مجازية، وخاطئة، ويُقصد بالاستعمال الخاطئ ذلك الذي لا يمتلك فيه اللفظ صلاحية إحداث المعنى ونقله إلى ذهن المخاطب؛ مثلاً إذا استُبدل لفظ «ديز» بلفظ «زيد»، فإن هذا اللفظ لا يمتلك صلاحية إحداث وإيصال المعنى إلى ذهن المخاطب. ومن هنا فإن تعريف الشهيد صدر للإرادة الاستعمالية وتأكيده على صلاحية اللفظ لإحداث المعنى في ذهن المخاطب ليس تعريفًا كاملاً، لأنه لا يشمل الاستعمالات الخاطئة، وبناءً عليه لا يُدرج الاستعمال الخاطئ ضمن تعريف الاستعمال.
ويبدو أنه من الأفضل لتصحيح التعريف المقدم إضافة قيد آخر إليه، وهو القول بأن الاستعمال هو إرادة التلفظ باللفظ من جهة أن المتكلم يظن أن اللفظ يمتلك صلاحية إحداث المعنى في ذهن المخاطب، فإذا كان تصور المتكلم مطابقًا للواقع، يكون الاستعمال صحيحًا، وإلا فهو خاطئ!
نقطة أخرى يجب مراعاتها في هذا المجال هي أن الشهيد صدر قد قال في تعريفه: «الاستعمال هو إرادة التلفظ باللفظ من جهة أن اللفظ يمتلك صلاحية إحداث المعنى في ذهن المخاطب». والآن يجب أن يُسأل: لماذا استخدمت قيد الإرادة في هذا التعريف؟ كما ورد في النص، فقد صرح صدر صراحة بأن الاستعمال هو الإرادة الاستعمالية نفسها: «والمراد بهذه الإرادة، هو نفس الاستعمال» (صدر 1417ج 1: 133).
الاستعمال من الأفعال الجوارحية، وهذه الأفعال في الإنسان تقوم على الإرادة؛ ومع ذلك لا يمكن القول إن الإرادة هي الفعل نفسه. فمثلاً في حركة اليد، رغم أنها نابعة من الإرادة ومبنية عليها، إلا أنها ليست الإرادة نفسها. وكذلك التلفظ، رغم اعتماده على إرادة التلفظ، لا يمكن القول إنه هو الإرادة نفسها. وربما يكون هذا التعبير من قبيل سبق قلم مقرري دروسه.
المتكلم يرد الكلام؛ وهذه الإرادة قد تتضمن أحيانًا تفهيم المخاطب وأحيانًا لا يكون الغرض تفهيم المخاطب؛ ومن ثم يحتاج التلفظ إلى إرادة؛ فالتلفظ هو الاستعمال، وإرادة اللفظ هي الإرادة الاستعمالية. والإرادة الاستعمالية نفسها تحتاج إلى سبب، وهو أحيانًا سبب إرادة التفهيم وأحيانًا لا تكون إرادة التفهيم موجودة. ففي المواضع التي تتشكل فيها الإرادة الاستعمالية بغرض التفهيم، يكون المتكلم أحيانًا في سبيل إيصال مراده الجدي إلى المخاطب وأحيانًا لا يكون هناك هذا الغرض.
لذا يمكن القول إن الثلاث إرادات التي طرحها الشهيد صدر تقع في سلسلة الأسباب، ومن ثم فإن تحليل الكلام الصادر عن المتكلم يكون على النحو التالي: عندما يصدر منه كلمة، يكون قد أراد الكلام، وهي الإرادة الاستعمالية. وإذا سُئل لماذا استعملت هذه الكلمات، يجيب بأنه في سبيل تفهيم المخاطب، وإذا سُئل لماذا يريد تفهيم المخاطب، يجيب بأنه يريد إيصال ما في الضمير (الإرادة الجدية) إلى أذن المخاطب.
وأن الشهيد صدر وضع هذه الثلاث إرادات على قدم المساواة في كلامه، ليس قولًا صحيحًا، بل هي متعاقبة، كما تقدم، مع وجود اختلاف جوهري بين الإرادة الاستعمالية والاستعمال.
شروط ومقدمات الاستعمال
ثم يطرح الشهيد صدر في سياق بحث الاستعمال، وبالواقع في استمراره، مسألة تحت عنوان شروط ومقدمات الاستعمال، ويذكر خمسة شروط كمقدمات لعملية استعمال اللفظ:
1. الشرط الأول في نظر الشهيد صدر هو أن يكون للفظ صلاحية إحداث وإيصال المعنى في ذهن المخاطب. وهذه الصلاحية قد تنشأ من ثلاثة أمور:
أ. الصلاحية الناشئة عن الوضع بصورة مباشرة؛ فمثلاً لوضع لفظ «ألف» لتسمية شيء معين، فإن هذا الوضع يمنح اللفظ صلاحية الاستعمال.
ب. الصلاحية الناشئة عن الوضع بصورة غير مباشرة؛ فالشهيد صدر يرى في بحث الاستعمالات المجازية أن الاستعمال المجازي هو استعمال في موضوع له، لكنه استعمال غير مباشر، ومن ثم يمكن القول إن الصلاحية في هذا النوع ناشئة من شيء غير الوضع، وهو ما يظهر مجازيًا للفظ.
ج. الصلاحية الناشئة عن المناسبة الذاتية؛ مثلاً يُقال: «زيد في جملة زيد قائم مبتدأ». فاللفظ «زيد» الأول يشير إلى زيد في جملة «زيد قائم». في هذه الحالة لم يُوضَع لفظ زيد الأول، ولم يُستخدم مجازًا، بل تسمى هذه الحالة بالمناسبة الذاتية، لأن المخاطب يصل من التشابه بين الاثنين من زيد الأول إلى زيد الثاني. لذا فإن الشرط الأول من شروط ومقدمات الاستعمال هو صلاحية اللفظ للاستعمال والتلفظ به، بمعنى أن يكون للفظ القدرة على إحداث المعنى المقصود (صدر 1417 ج1: 133).[6]
٢. الشرط الثاني في نظر الشهيد الصدر هو أن يكون بين اللفظ (المستعمل) والمعنى (المستعمل فيه) تعارض وتضاد، لأن الوحدة بين الدال والمدلول أمر غير معقول، والدليل على ذلك أن الدال والمدلول متضادان، فالعلاقة بينهما من نوع علاقة الإضافة. علاقة الإضافة لا تنشأ إلا بين شيئين؛ فمثلاً، لا يمكن لشخص أن يكون أباً وولداً في الوقت نفسه.
اللفظ والمعنى اللذان هما الدال والمدلول، لهما أيضاً علاقة تضاد، ومن ثم يجب أن يكون بينهما اختلاف وتضاد[7] (صدر 1417 ج1: 134)، وبالطبع ما طرحه الشهيد الصدر في المقدمة الثانية يتضح أيضاً من تعريف الاستعمال.
٣. الشرط الثالث الذي طرحه الشهيد الصدر هو أن يُنظر إلى اللفظ باعتباره شكلاً آلياً، وإلى المعنى باعتباره شكلاً استقلالياً. استقلالية النظر إلى المعنى تكون مقارنة باللفظ، ومن ثم، مع أن المعنى (الصورة الذهنية أو المعلوم بالذات) بالنسبة إلى الشيء الخارجي (المعلوم بالعرض) هو مرآة له، إلا أن ذلك لا يتعارض. هذه الآلية في اللفظ والاستقلالية في المعنى تميز اللفظ عن غيره من العلامات، لأن النظر إلى العلامات الأخرى يكون استقلالياً على عكس اللفظ الذي يكون نظره آلياً.
قد يُطرح الآن سؤال: ما هو “المعنى”؟ وإذا كان الجواب أن “المعنى” هو “الصورة الذهنية”، يُقال إن الصورة الذهنية نفسها مغفول عنها؛ فمثلاً عندما نتحدث عن زيد، هل نتحدث عن زيد الخارجي أم عن زيد الموجود في الذهن؟
لذلك، عندما نتحدث عن “الماء” أو “زيد”، ننتقل من “اللفظ” إلى “الصورة الذهنية”، ثم نتجاوزها لنصل إلى الشيء الخارجي. في المصطلح الفلسفي، المعلوم بالذات هو الصورة الذهنية، والمعلوم بالعرض هو الشيء الخارجي؛ بمعنى أن الأشخاص في مواجهتهم للظواهر المحيطة بهم، رغم أنهم يواجهون الأشياء والأشخاص ويرونهم، إلا أن ما يدركونه حقاً هو المعلومات بالذات والصور الذهنية؛ وبعبارة أخرى، تتشكل صورة الأشياء الخارجية في الذهن، ويدرك الفرد الصور الذهنية ويتأثر بها.
الآن، إذا قيل إن “اللفظ” يُنظر إليه باعتباره “آلياً” و”المعنى” يُنظر إليه باعتباره “استقلالياً”، يمكن أن يُثار الاعتراض بأن “المعنى” أو “الصورة الذهنية” نفسها لا تملك أصالة، بل يجب تجاوز الصورة الذهنية للوصول إلى الشيء الخارجي. بمعنى آخر، يجب أن يكون لـ “المعنى” أيضاً “نظر آلي”، لأن المعنى في الحقيقة هو طريق ووسيلة للوصول إلى الشيء الخارجي.
يرد الشهيد الصدر بأن هذا القول صحيح، لكن ما طرحناه هنا من آلية اللفظ واستقلالية المعنى لا يتعارض مع مغفول عنها المعنى وكونه وسيلة للوصول إلى الشيء الخارجي. بمعنى آخر، من وجهة نظر الشهيد الصدر، النظر الآلي للفظ والنظر الاستقلالي للمعنى لا يتعارضان مع مغفول عنها المعنى بالنسبة للمعلوم بالعرض(صدر 1417 ج1: 134).
في شرح كلام الشهيد الصدر أُشير إلى أنه في نظره، ما نتعامل معه في الحقيقة وما نعنيه هو المعنى الخارجي، والصورة الذهنية مجرد طريق للوصول إلى المعنى الخارجي، ومن ثم اللفظ يقودنا إلى المعنى الذهني، ومن هذه الناحية هو آلي. والصورة الذهنية تقودنا إلى المعنى العيني الخارجي، وفي الحقيقة الصورة الذهنية بالنسبة إلى المعنى الخارجي هي آلية. في الحقيقة، الشهيد لا يرى تعارضاً بين النظر الاستقلالي للمعنى بالنسبة إلى اللفظ والنظر الآلي له بالنسبة إلى المعنى العيني الخارجي.
في هذا الصدد، يجب القول إنه إذا كانت الصورة الذهنية والمعلوم بالذات تُنظر إليهما استقلالياً، فكيف يمكن التغاضي عن هذا النظر الاستقلالي؟ وإذا لم يكن النظر إلى الصورة الذهنية استقلالياً بل آلياً، فكيف تم اعتبارها في الشرط الثالث على أنها تُنظر إليها استقلالياً؟
وبعبارة أخرى، يمكن القول إنه إذا لم يكن النظر الاستقلالي مطروحاً في اللفظ، فإن الصورة الذهنية أيضاً لا تُنظر إليها استقلالياً، وإنما فقط المعلوم بالعرض والمعنى العيني الخارجي يُنظر إليهما استقلالياً، وهذا أمر بديهي.
نقطة أخرى حول الشرط الثالث للاستعمال في كلام الشهيد الصدر هي أنه طرح النظر الآلي للفظ كشرط للاستعمال. والآن يُطرح السؤال: لماذا يجب أن يكون اللفظ منظوراً إليه آلياً، مع أن الإنسان عندما يتعلم لغة جديدة، يستخدم الألفاظ في تلك اللغة الجديدة بنظر استقلالي، وهذا أيضاً أمر بديهي. لذلك، إدراج مبدأ آلية اللفظ كشرط للاستعمال لا مبرر له، لأن المتكلم في اللغة الجديدة يبحث أولاً في محفوظاته عن اللفظ المناسب، ويأخذ بعين الاعتبار حتى الإملاء الصحيح، ثم ينطقه أو كما قال الشهيد الصدر، يستعمله. ومن ثم، فإن النظر إلى اللفظ يكون استقلالياً تماماً. وهذه المسألة صحيحة حتى بالنسبة لأهل اللغة، لأن المتكلم في مقام التعبير يسعى لاستخدام أفضل الألفاظ، ويولي كل دقة في اختيار الكلمات.
كما يلفت الشهيد الصدر الانتباه إلى أن الألفاظ تختلف عن العلامات الأخرى؛ بمعنى أن الاعتبار في العلامات الأخرى اعتباري استقلالي، أما في الألفاظ فهو اعتباري آلي؛ أي أن نظر الإنسان إلى علامات المرور التي تُركب في الطرقات العامة هو نظر استقلالي، لكن الانتباه والاعتبار للألفاظ هو اعتباري آلي. والآن يطرح السؤال: ما الفرق في هذا المجال بين اللفظ والعلامات المركبة في الطرقات، حتى يُقال إن اعتبار أحدهما آلي والآخر استقلالي؟ لأن العلامات المركبة علامات بصرية، واللفظ علامة صوتية، وإلا فلا فرق بينهما. ويمكن طرح نفس المسألة بالنسبة للألفاظ التصويرية (اللغة الشائعة بين الصم أو لغة الإشارة التي تتكون من علامات ضوئية)؛ هل الاعتبار في الألفاظ التصويرية أيضاً آلي؟ إذا كان قصد الشهيد الصدر من الفرق في الاعتبار بين العلامات التصويرية والعلامات الصوتية هو الإغفال، فيجب القول إن في كثير من الحالات تُغفل العلامات التصويرية أيضاً، وإذا كان المراد أن هذه الألفاظ لا تُرى، فيجب القول إن في كثير من الحالات تكون الألفاظ موضع اختيار وتُنتقى بعناية، خاصة بالنسبة لمن هو في مقام الخطابة أو الشعر أو غير ذلك [8].
٤. الشرط الرابع من مقدمات الاستعمال هو أن يكون المستعمل لديه الحيثية التي تصحح دلالة اللفظ على المعنى في ذهنه. وهذه الحيثية في الاستعمالات الحقيقية هي الوضع، وفي الاستعمالات المجازية هي الوضع مع العلاقـة.
وقد ذُكر سابقاً أن الألفاظ المستعملة لا تُستخدم أحياناً لإيصال المعنى، بل الهدف الوحيد من استخدامها هو دلالتها العقلية. وللتمييز بين هذا النوع من الألفاظ ودائرة الاستعمال، يلتزم الشهيد الصدر بهذا الشرط، وهو أن يكون المستعمل منتبهاً إلى حيثية دلالة اللفظ على المعنى (صدر 1417 ج1: 1).
وفي هذا الصدد يجب الانتباه إلى أن الاستحضار يعني العلم بالعلم، وهذا ما يشكل الفرق بين الاستحضار والعلم. بينما في الاستعمال يحتاج الأمر إلى العلم وليس الاستحضار؛ لذلك إذا كان قصد الشهيد الصدر من الاستحضار هو العلم بالعلم، فإن هذا القول غير صحيح، ولكن إذا كان المقصود بالاستحضار في كلامه هو العلم، فيمكن قبول قوله.
٥. الشرط الخامس للاستعمال في بيان الشهيد الصدر هو أنه في الاستعمالات الحقيقية يجب مراعاة الوضع الشخصي، وفي الاستعمالات المجازية يجب مراعاة الوضع النوعي. ويجب الانتباه إلى أن هذا الشرط يتأسس على قول يرى أن الاستعمالات المجازية أيضاً تحتاج إلى وضع.
وبعبارة أخرى، يجب أن يكون المستعمل عند استعمال اللفظ منتبهاً إلى وضع اللفظ (صدر 1417 ج1: 141).
والنقطة التي يجب الانتباه إليها هنا هي أن الاستعمال يشمل جميع وجوه الحقيقة والمجاز والخطأ، والاستعمالات الخاطئة لا تحتاج إلى وضع؛ وبعبارة أخرى، الاستعمال الخاطئ أمر محقق، رغم كونه خاطئاً [9].
معنى المرآتية والآلية
في أثناء مناقشة شروط ومقدمات الاستعمال، طرح الشهيد الصدر نقاشاً مستفيضاً حول المرآتية والآلية للفظ، حيث حلل معنى المرآتية للفظ في هذا النقاش. والمسألة الأساسية التي يركز عليها في هذا التحليل هي: ما هو معنى المرآتية بشكل عام؟ وإذا كان اللفظ مرآتياً، فهل له ظهور عام؟ وهل يمكن أن يخالف الاستعمال هذا الظهور العام أم أن المرآتية من مقومات الاستعمال؟ (صدر 1417 ج1: 135).
وفي متابعة هذا النقاش، استعرض وجوه المعنى المختلفة للمرآتية، ونقل خمسة معانٍ محتملة في هذا المجال ودرسها بدقة:
١. المعنى الأول المطروح للمرآتية هو أن يكون اللفظ معنياً بوصفه وجوداً تنزيلياً. فالاستعمال في هذا التحليل يعني تجزيء شيء جعله الواضع على نحو كلي، وبعبارة أخرى، يُستخدم اللفظ في هذا التحليل كوجود تنزيلي للمعنى.
في الحقيقة، في هذا التحليل، المرآتية تعني تجزيء الكلي؛ بمعنى أن الواضع في الوضع يجعل اللفظ وجوداً تنزيلياً؛ كما أن الماء له وجود خارجي ووجود ذهني، كذلك له وجود لفظي يتشكل بالصورة؛ لكن خاصية هذا الوجود أنه مُجعل من قبل الواضع، والوجود التنزيلي المُجعل هو في الحقيقة الوجود الخارجي والذهني.
ومن الضروري أيضاً الانتباه إلى أن جعل الوجود التنزيلي كان على نحو كلي، وعند الاستعمال يُجزأ الوجود الكلي المُجعل. لذلك يمكن القول إن الاستعمال هو تطبيق جزئي على ما جُعل كلياً في الوضع. وبذلك يمكن القول إن الواضع جعل المرآتية، والمستعمل يُفعّل جعل الواضع (صدر 1417 ج1: 136).
ولتقريب الفكرة إلى الذهن يمكن الاستعانة بمثال الختم والتوقيع؛ بمعنى أن جعل ووضع الختم الخاص هو الوضع الذي هو كلي، واستخدامه وختم أوراق التعريف به، وهو عمل جزئي، يُسمى استعمالاً.
٢. في فهم الإنسان للكلي، هناك نظريتان رئيسيتان: المشائيون والمنطقيون المشهورون يرون أن فهم الكلي يكون بتجريده من العوارض الجزئية. في المقابل، الفلاسفة الصدريون يرون أن فهم الكلي يكون برؤية أرباب الأنواع عن بعد، أو بالاتحاد مع العقل الفعال. وهناك من يرى أن الكلي غير مدرك، ونحن فقط نتصور أننا قادرون على إدراك الكلي.
ويعترف الشهيد الصدر بصعوبة فهم الكلي من كلا النظرتين الصدرية والمشائية؛ ومن جهة أخرى، اللفظ وُضع للمعنى الكلي. وبعد طرح المقدمتين المذكورتين، يعرض تحليله الثاني لمعنى المرآتية، وهو أن وظيفة اللفظ هي مساعدة الذهن على الانتقال من الجزئي إلى الكلي. وبعبارة أخرى، وجه الحديث الآخر لديه هو أن الإنسان لا يستطيع التواصل مع الكلي إلا عن طريق التجريد أو الاتحاد مع العقل الفعال، ولذلك يحول اللفظ إلى معبر أو مرآة للتواصل مع الكلي (صدر 1417 ج1: 137- 136).
بهذا التعبير، تساعد اللفظة العقل على تجربة نوع من التحقيق الكلي في ذاته. وبالطبع يؤكد الشهيد الصدر أن اللفظة وحدها تتحمل هذه الصفة، بينما العلامات الأخرى تفتقر إليها. والسبب في ذلك هو أن العلامات الأخرى لم تُوضَع للكلي، وبالطبع يشير هنا أيضاً إلى أن اعتبارها يكون استقلالياً بسبب وضع العلامات للجزئيات. بناءً عليه، المعنى الثاني للمرآتية هو أن اللفظة مرآة لإدراك الكلي، والاستعمال في الحقيقة هو الطريق والمعبر لإدراك الكلي.
في هذا الصدد، يجب الانتباه إلى أن إدراك الكلي أو عدم إدراكه من المسائل المطروحة في علم الفلسفة، وقد نوقشت في هذا المجال مسائل كثيرة في موطنها؛ لكن السؤال المطروح هنا هو: مع افتراض عدم إدراك الكلي، ما هو موضوع اللفظة؟ وبناءً على هذا الافتراض، لماذا وُضعت اللفظة؟ مثلاً، لم تُوضَع بعد لفظة، والموضع في صدد وضع لفظة خاصة للمائع السائل. إذا قلنا إن الموضع قد أدرك الكلي للمائع السائل، فهذا يعني أن إدراك الكلي ممكن، وإذا وصلنا إلى الاعتقاد بأنه لم يدركه، يطرح السؤال: كيف وضع اللفظة إذن؟!
يرى الشهيد الصدر أن اللفظة هي الشيء الوحيد من الكلي الذي يُدرك، ويبدأ بتصريح «أنّ اللفظ موضوع للمعني الكلّي» (صدر 1417 ج1: 137- 136)؛ بمعنى أن الموضع لا يمكنه وضع اللفظة دون إدراك المعنى الكلي، وبالتالي يمكن إدراك المعنى الكلي بدون لفظ، لأن عند الوضع يجب تصور المعنى المقصود. فإذا استطاع الموضع إدراك المعنى الكلي، فإدراك المعنى الكلي ممكن، وإلا يجب القول إن المعنى الكلي ليس موضوعاً للفظ.
تصور الشهيد الصدر أن موضوع اللفظة بالتأكيد هو المعنى الكلي، ثم استنتج أنه في مقام الاستعمال لا يستطيع الإنسان إدراك المعنى الكلي، ومن ثم جعل اللفظة مرآتاً ومرآة لإدراك المعنى الكلي.
النقطة الأخرى في قوله هي أن اللفظة تنقلنا من الفهم الجزئي إلى الكلي، ومن ثم في المسار المذكور في بيانه ننتقل من الجزئي إلى الكلي؛ لذا يجب القول إن الجزئي هو مرآت الكلي، وليس أن اللفظة هي مرآت ومرآة الكلي.
3. الوجه الثالث للمرآتية والآلية في بيان الشهيد الصدر هو بمعنى تعلق الغرض النفسي وعدم تعلق الغرض النفسي. لتبيين النقاش، يجب القول إن الإنسان أحياناً يلتفت إلى العلامة وإلى مدلولها معاً؛ وأحياناً لا ينتبه إلى العلامة، بل يُنظر فقط إلى المعنى والمحتوى والمدلول. في نظر الشهيد الصدر، حيث يُنظر فقط إلى المدلول، تتحمل العلامة وظيفة المرآتية، وحيث يُنظر إلى الدال والمدلول معاً، لا يُتصور للعلامة صفة المرآتية، وفي الحقيقة في هذا الوجه تقبل العلامة نوعاً من الاستقلال. في نظر الشهيد الصدر، الألفاظ من النوع الأول، ولا يتعلق بها الغرض بأي وجه؛ أي في الألفاظ يُنظر فقط إلى المدلول والمحتوى؛ أما العلامات الأخرى (كالعلامات المرورية وغيرها) فهي من النوع الثاني، بمعنى أن الغرض يتعلق بالدال والمدلول معاً، ومن ثم يكون اعتبارها استقلالياً:
أنّ الدال علي شيء تارة: يكون مما يترقب تعلق غرض نفسي بالالتفات إليه بمعناه بما هو: وأخري: لا يترقب ذلك عادة و إنّما ينحصر الغرض منه بالغرض المقدمي. فما كان من قبيل الأول يلحظ باللحاظ، الاستقلالي في مقام استخدامه لتفهيم مدلوله – و منه العلامات – و ما كان من قبيل الثاني يلحظ باللحاظ الآلي المرآتي لغلبة جانب المقدمية عليه – و منه الألفاظ – (صدر 1417 ج1: 137).
كما ورد في النص، بعض الأمور التي تدل على أشياء أخرى، بالإضافة إلى المدلول، تُعتبر هي نفسها من ضمن الغرض، ويُعلق الغرض عليها؛ في هذه الحالة تُعتبر هذه العلامات والأشياء باعتبار استقلالي. وهناك أمور أخرى يُعلق الغرض فيها فقط على ذي المقدمة (المدلول)، وفي الحقيقة يكون الدال نفسه مقدمة، وفي هذه الأمور يُعتبر الدال اعتباراً آلياً. وبتحليل الوجه الثالث يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
أ. في الألفاظ، الغرض يتعلق فقط بالمدلول، أما في العلامات، فالغرض يتعلق بنفس العلامة وكذلك مدلولها.
ب. الأشياء التي يتعلق الغرض فيها فقط بالمدلول، تُعتبر اعتباراً آلياً.
ج. الأشياء التي يتعلق الغرض فيها بنفس العلامة وكذلك بالمدلول معاً، تُعتبر اعتباراً استقلالياً.
في نقد هذا الوجه، كما ذُكر سابقاً، يمكن القول: لماذا يجب الادعاء أن في الألفاظ يُنظر فقط إلى المدلول، وأن الغرض يتعلق فقط بنفس المدلول؟ بل ندرك بالوجدان أن الغرض في معظم الحالات يتعلق بنفس اللفظة أيضاً، والمتكلم يضع في اعتباره دقة كبيرة في التعبير عن الكلمات.
وكذلك، ادعى الشهيد الصدر في تفسير الوجه الثالث أن الأمور التي يتعلق الغرض فيها فقط بالمدلول تُعتبر اعتباراً آلياً، بينما في كثير من الحالات يستخدم الإنسان الدال كمقدمة، لكنه مجبراً على اعتباره استقلالياً، وشاهد ذلك هو استعمال الألفاظ والكلمات في اللغات الأجنبية. لذلك لا يمكن الادعاء بأن كل ما لا يُعنى به ويُنتبه إليه يُعتبر اعتباراً آلياً. وهذا أيضاً مسألة وجدانية، وكل من يرجع إلى نفسه يدرك أنه عند استخدام كلمة أجنبية، يعتبر اللفظة اعتباراً استقلالياً.
النقطة المهمة التي أُشير إليها سابقاً هي أن الفقهاء عادةً يفرقون بين العلامة الصوتية (اللفظ) والعلامة البصرية (اللوحات المثبتة)، بينما التأمل في هذه الأمور يظهر أنه لا فرق بين هذين النوعين من العلامات.[10]
٤. النطق هو إصدار الصوت، والصوت يصل إلى الأذن بعد أن يركب الأمواج الصوتية، ثم يثير شعورًا في المتلقي وهو السماع؛ والشعور باللفظ يخلق تصورًا له في ذهن المتلقي. في الحقيقة، بعد اهتزاز عضلات الأذن، تتشكل الصورة الذهنية للفظ، وتنقل الصورة الذهنية للفظ إلى الصورة الذهنية للمعنى.
بعبارة أخرى، الشعور باللفظ يولد الصورة الذهنية للفظ، وهذه الصورة الذهنية للفظ تُنقل إلى الصورة الذهنية للمعنى، ثم إذا كان المعنى من الأمور الخارجية، يدرك المتلقي المعنى الخارجي.
يشرح الشهيد صدر التفسير الرابع للمرآتيت على هذا النحو بأن العقل ينتقل مباشرة من الشعور باللفظ إلى تصور المعنى؛ بينما في الحالة العادية يجب أن ينتقل أولًا من الشعور باللفظ إلى تصور اللفظ ثم إلى تصور المعنى (صدر 1417 ج1: 138). هذا القول قائم على وضعه الخاص الذي عرف فيه الوضع بأنه قرن أكيد بين اللفظ والمعنى.
خلاصة كلام الشهيد صدر في التفسير الرابع للمرآتيت هي أنه مع الشعور باللفظ يتشكل تصور المعنى، وبذلك يُلغى تصور اللفظ في هذا التفسير. والسؤال هنا له هو: ماذا يعني الشعور باللفظ بدون تصور له؟ الإدراك يحدث في أفق العقل، والشعور يعني فهم العقل، وفهم العقل هو نفسه التصور. لذلك، الشعور باللفظ بدون تصور له أمر وهمي. بالطبع في كثير من الحالات، يتم تصور اللفظ بسرعة كبيرة في العقل بحيث يغفل العقل عنه في النظرة الأولى؛ ومع ذلك، القول بعدم وجود تصور للفظ هو قول غير صحيح.
علاوة على ذلك، كما ذُكر سابقًا، اللفظ ليس دائمًا مغفولًا عنه في الاستعمالات؛ خصوصًا في الحالات التي يكون فيها للفظ قيمة خاصة بذاته.
٥. الوجه الخامس لتفسير المرآتيت في كلام الشهيد صدر هو صورة متطورة للوجه الرابع، وهو أيضًا الأساس المختار لديه. في تحليل هذا الوجه يجب القول إن الانتقال من اللفظ إلى المعنى ومن المعنى إلى اللفظ يختلف بين المتكلم والمستمع. عند المتكلم، عند إلقاء الكلام، ينتقل المعنى إلى اللفظ ويخرجه على اللسان. أما عند المستمع، فالانتقال عكسي؛ بمعنى أن المستمع ينتقل من سماع اللفظ إلى المعنى.
في التفسير الخامس للمرآتيت، لا يؤكد الشهيد صدر كثيرًا على عدم وجود تصور اللفظ، رغم أنه أشار إلى هذه المسألة أثناء النقاش.
كما ذُكر سابقًا، الإنسان يصل من الشعور باللفظ إلى تصور اللفظ، ومن تصور اللفظ إلى تصور المعنى. التفسير الرابع للمرآتيت حسب بيان الشهيد صدر كان أن الإنسان يصل مباشرة من الشعور باللفظ إلى تصور المعنى، وهو ما واجه نقدًا، لأن الشعور هو نفسه تصور اللفظ. والسبب في ذلك هو أن الحواس الظاهرة لا تملك القدرة على الإدراك، بل ما يحدث في مجال الشعور يجب أن يصل إلى الحواس الباطنة ليُدرك، والحواس الباطنة هي نفسها تصور المعنى.
يشير الشهيد صدر في التفسير الخامس إلى نفس الأمر، بأن الانتقال عند المتكلم هو من المعنى إلى اللفظ، لكنه عند إلقاء اللفظ كأنه يتصوره على طول المعنى. أما عند الطرف المقابل، فالانتقال يكون بأن المستمع يصل مباشرة إلى المعنى بسماع اللفظ. وقد دفع احتمال وجود اعتراضات إلى قوله إن تصور اللفظ في هذا المقام يُجتاز بسرعة فائقة.
الحقيقة أن الوجه الخامس لا يختلف كثيرًا عما هو مطروح في الوجه الرابع؛ والفرق بين التفسيرين هو إدخال موضوع المستمع والمتكلم، بمعنى أن الشهيد صدر بحث مسألة المرآتيت في مجالين: المستمع والمتكلم، بنفس المنهجية التي طرحها في الوجه الرابع (صدر 1417 ج1: 140-139).
النقطة التي يجب الانتباه إليها هنا هي أن مسألة المرآتيت ومسألة الاستعمال مسألتان مختلفتان. فقد أشار الشهيد صدر في بداية نقاش حقيقة الاستعمال إلى أن العلاقة بين اللفظ والمعنى عند المتكلم هي الاستعمال، وعند المستمع هي الدلالة؛ بمعنى أنه عندما يصل اللفظ إلى أذن المستمع ويجد المعنى، فهو لا يستعمله، بل يُدل عليه. لكن يجب الانتباه إلى أن مسألة المرآتيت ليست بالضرورة مرتبطة بالاستعمال، بمعنى أن المرآتيت للفظ موجودة في الاستعمال وغير الاستعمال؛ وبعبارة أخرى، مسألة المرآتيت مرتبطة من جهة بالمستعمل ومن جهة أخرى بالمستمع، ومسألة المستمع ودلالة اللفظ ليست من موضوع هذا النقاش حاليًا.
الآن، في خلاصة عامة لكلام الشهيد صدر في الوجه الخامس يمكن القول إن المرآتيت عند المستمع تعني غفلة أو عدم وجود تصور للفظ، وعند المتكلم تعني أن الانتباه إلى اللفظ ليس أصليًا.
النقطة التي يجب الانتباه إليها هي أن الإنسان يعلم أشياء كثيرة، لكنه لا ينتبه إلى علمه. العلم بالعلم هو الانتباه. الإنسان في أمور الحياة اليومية يقوم بأعمال كثيرة دون أن ينتبه إليها، ومع ذلك إذا لم يكن يعلم بها لما قام بها. وفي كثير من الحالات، بسبب إدمان العقل على بعض الأمور، ينشغل جزء من العقل بعمل ما، بينما لا ينتبه الجزء الآخر لذلك ويتابع نشاطًا آخر. مثال واضح هو الفرق بين قيادة الإنسان في الأيام الأولى وبعد اكتساب المهارة. المسألة أن العقل يتعلم بالممارسة أن يقوم بعدة أعمال في آن واحد. وفي مسألة اللغة واستخدام الألفاظ الوضع مشابه؛ بمعنى أن المتعلم في البداية ينتبه إلى كل لفظ على حدة، ويحاول أن يضع الفعل والفاعل وبقية أجزاء الجملة في موضعها الصحيح، لكن العقل بعد الممارسة والانسجام مع اللغة يستخدم الألفاظ دون أن ينتبه إلى أمور أخرى. هذه السرعة في الانتقال التي تتحقق بعد الممارسة لا تعني عدم الانتباه إلى الألفاظ، بل تعني العلم بالعلم أو عدم الانتباه إلى الانتباه نفسه.
لذلك يجب القول إن غفلة المتكلم عن تصور اللفظ أو عدم وجوده في ذهنه ليست صحيحة، لأن الذهن في كل الأحوال يولي ذلك اهتمامًا؛ ولكن سرعة الانتقال تكون بمقدار يجعل الذهن يتجنب الانتباه إليه.
وبالنظر إلى ما تقدم، يمكن الادعاء بأن الصور الخمس المقدمة من المرآتية كلها خاطئة. والألية تعني أيضًا أن نعتبر اللفظ أداة للمعنى؛ ولكن يجب الانتباه إلى أنه في هذه الحالة أيضًا يُنظر إلى الأداة والوسيلة، مع أن الغرض والهدف في الأصل هو المعنى، واللفظ «الألف» يُستخدم لإيصال المعنى، ولكل من اللفظ والصورة الذهنية ألية؛ ولكن في إيصال اللفظ يُولى اللفظ أيضًا اهتمامًا.
نقاط أخرى في كلام صدر:
يواصل صدر في هذا النقاش شرح أمور ويؤسس كلامه عليها:
1. القول بعدم وجوب الانتباه إلى اللفظ في الاستعمال ليس من مقومات الاستعمال؛ بمعنى أن الانتباه إلى اللفظ لا يؤدي إلى بطلان الاستعمال أو خطئه:
إن الآلية بالمعنى الذي ذكرناه في كلا الانتقالين أمر يقتضيه طبيعة المطلب ولكنها ليست من مقومات عملية تفهيم المعنى باللفظ أو إفهام المعنى من اللفظ، إذ يمكن لكل من المتكلم والسامع أن يتوجه إلى اللفظ وإلى المعنى توجهاً مستقلاً (صدر 1417 ج1: 140).
يبدو أن هذا القول لشهيد صدر يتناقض مع ما طرحه سابقًا في هذا الشأن؛ ولكن بشكل عام يجب القول إن هذا القول صحيح كما طرحه.
2. يفرق شهيد صدر مع كثير من العلماء بين الانتقال من العلامات المنصوبة إلى معانيها وبين الانتقال من اللفظ إلى معناه. كما تقدم، العلامات المنصوبة هي علامات تصويرية، واللفظ علامة صوتية. يحاول شهيد صدر إيجاد فرق علمي بين هذين العلامتين؛ بمعنى أن الانتقال في العلامات التصويرية إلى المعنى هو انتقال تصديقي؛ بينما في العلامة الصوتية (اللفظ) يكفي الانتقال التصويري. بعبارة أخرى، مع تصور اللفظ يُتصور المعنى أيضًا؛ ولكن في العلامة التصويرية يجب أولاً تصديق وجودها ثم تصور معناها (صدر 1417 ج1: 141).
النقطة التي يجب الانتباه إليها هي مسألة طرح الفرق بين العلامات الصوتية والعلامات التصويرية. يرى شهيد صدر أن الإنسان عند رؤية العلامة يجب أن يصدق بوجود العلامة (أو يصدق بوضع هذه العلامة للمعنى المذكور) ثم يدرك معناها. أما في اللفظ الذي هو علامة صوتية، تمر هذه المراحل أيضًا؛ أي أولاً يُصدق بوجوده (أو نصدق أن هذا اللفظ وُضع لذلك المعنى) ثم يُدرك المعنى في الذهن. والسؤال هو: ما الفرق بين العلامة الصوتية والعلامة التصويرية؟ كما يتضح من تحليل العلامتين، لا يوجد فرق بينهما.
علاوة على ذلك، فإن الانتقال التصوري والتصديقي ليس لهما سابق في علم الأصول أو المنطق، ويبدو أن ما طرحه شهيد صدر في هذا الشأن يدخل ضمن اصطلاحاته الخاصة.
خلاصة كلام شهيد صدر
1. في نظر شهيد صدر، الاستعمال هو نفس التكلم بالألفاظ؛ لأنها مقدمة لخلق المعاني.
2. الإرادة ثلاثة أقسام: إرادة استعمالية، إرادة تفهيمية، وإرادة جدية.
3. للاستعمال شروط ومقدمات هي كما يلي:
أ. أن يكون المستعمل (اللفظ) مؤهلاً للدلالة على المستعمل فيه (المعنى).
ب. أن يكون بين المستعمل والمستعمل فيه تعارض.
ج. أن يُنظر إلى اللفظ من حيث الألية وإلى المعنى من حيث الاستقلال.
د. أن يكون لدى المستعمل اعتبار مصحح للدلالة.
هـ. أن يكون الاستعمال متوقفًا على الوضع (شخصي أو نوعي).
4. يمكن افتراض المرآتية اللفظية للمعنى في خمس حالات:
أ. جعل اللفظ وجودًا تنزيليًا للمعنى.
ب. يجعل اللفظ الانتقال من التصور الجزئي (الحصة) إلى التصور الكلي ممكنًا.
ج. الغرض من حيث اللفظ هو الوصول من حيث المعنى.
د. سماع اللفظ يؤدي إلى تصور المعنى دون الحاجة إلى تصور اللفظ.
هـ. في السامع يؤدي سماع اللفظ إلى تصور المعنى، وفي المتكلم من تصور المعنى إلى التعبير باللفظ، وهذا إكمال للحالة الرابعة.
5. الاستعمال من باب المرآتية من النوع الخامس وليس من باب العلامية أو المرآتية الأخرى.
6. قد يحدث في الاستعمال توجه استقلالي إلى اللفظ، ومن ثم المراد من آلية اللفظ هو أن طبيعة الاستعمال تقتضي الألية، وليس أن ذلك من مقومات الاستعمال.
7. انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى انتقال تصوري؛ بينما انتقال الذهن من العلامات الأخرى انتقال تصديقي.
8. الآلية والمرآتية تعنيان عدم الانتباه للنفس.
9. الاستعمال ليس فناً أو إلغاءً للفظ في المعنى.
في خلاصة عامة يمكن القول إن الاستعمال في نظر شهيد صدر هو التكلم باللفظ باعتباره مقدمة لخلق المعنى، وهذه هي الإرادة الاستعمالية، والمتكلم أثناء التكلم يجعل اللفظ أداة ومرآة للمعنى (بالمعنى الخامس من المرآتية) (أي أن النفس لا تولي اللفظ اهتمامًا) مع أنه قد ينظر أحيانًا إلى اللفظ نظرة استقلالية.
الخلاصة العامة لمسألة الاستعمال
في سياق مناقشات شهيد صدر طُرحت بعض الاعتراضات؛ والآن مع الأخذ في الاعتبار الاعتراضات المطروحة وكذلك التبيينات والتحليلات السابقة، يمكن تعريف وتحليل مسألة الاستعمال وحقيقتها على النحو التالي:
1. كما تقدم، الاستعمال فعل إرادي وجوارحي، ومن ثم يجب أن يكون موضوع إرادة المستعمل، بمعنى أن الاستعمال تابع للإرادة ويتبعها.
2. مثل أي فعل إرادي آخر، في الاستعمال أيضًا سبب فاعلي وسبب غائي كامنين؛ وبذلك، استعمال اللفظ يعني التكلم باللفظ، في حين أن السبب الغائي هو بيان المعنى.
3. بيان المعنى له سبب أيضًا، والسبب الغائي لبيان معنى اللفظ هو أحيانًا تفهيم المعنى للمخاطب وأحيانًا لا يكون المتكلم في سبيل تفهيم المعنى.
4. السبب الغائي لتفهيم المعنى هو أحيانًا تفهيم المراد الجدي وأحيانًا لا يكون تفهيم المراد الجدي في الحسبان. وبذلك يمكن القول إن الاستعمال هو التكلم باللفظ لبيان المعنى؛ وهذا يكون أحيانًا لتفهيم المعنى وتفهيم المراد الجدي وأحيانًا لا يكون هذا القصد موجودًا.
5. الإرادة الاستعمالية ليست هي الاستعمال نفسه.
6. كما هو الحال في كل فعل إرادي، في الاستعمال أيضًا يجب الانتباه إلى اللفظ؛ وإن كان هذا الانتباه يتم أحيانًا بسرعة بحيث يغفل عن العلم بالعلم، إلا أنه في الاستعمال يُراعى اللفظ حتمًا.
7. الفناء، الغفلة، المرآة، والآلة، إذا كانت تعني الزوال، فالكلام صحيح؛ وإن كان في إطلاقها أحيانًا قد استُخدم مجازًا.
8. الألفاظ التي هي علامات صوتية لا تختلف عن العلامات الأخرى (كاللوحات الإرشادية والمرورية وغيرها).
9. الاستعمال ليس خلق علامة (كما قال الآخوند)، بل هو استخدام العلامة، كما هو الحال في بقية العلامات (كاللوحات وأضواء المرور وغيرها)، ويبدأ وضع هذه العلامة لمعانيها أولًا في عالم الاعتبار ثم تُستخدم هذه العلامات (على عكس رأي الآخوند).
10. النقطة الأخيرة أن المتكلم قد يحمل لفظًا (حتى وإن كان ذا معنى) في ذهنه، ولكن إذا كان قصده هو بيان الحياة (الدلالة العقلية)، فلا يُعد ذلك من ضمن استعمال اللفظ.
وبالنظر إلى ما سبق يمكن تعريف الاستعمال اللفظي على النحو التالي:
«الاستعمال هو استخدام اللفظ للتعبير عن معنى؛ من حيث أن المتكلم يظن أن اللفظ يدل دلالة وضعية على المعنى».
وقد أُضيفت كلمة «يظن» إلى التعريف لكي يشمل الاستعمالات الخاطئة أيضًا. وأيضًا لأن المجاز دلالته وضعية، فقد أُدرج في التعريف.
هذا التعريف قريب جدًا مما قدمه ميرزا الرشتي في تعريفه للاستعمال، حيث قال: «ذكر اللفظ تفهيم المعنى» ولو استُبدل بـ«بيان المعنى» بدلاً من «تفهيم المعنى» لكان المعنى مطابقًا لما ورد في هذا التعريف.
وبهذا البحث يمكن القول إن الاستعمال هو توظيف علامة سبق أن وُضعت في باب الوضع لمعنى خاص. والاستخدام والتوظيف يعنيان الكلام باللفظ أو كتابته بقصد بيان المعاني المقصودة.
المصادر والمراجع:
– آخوند خراساني، محمد كاظم بن حسين. (1329هـ) كفاية الاصول، قم: موسسه آل البيت عليهم السلام.
– اصفهاني، محمد حسين. (1429هـ) نهاية الدراية في شر الكفاية، بيروت: موسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، الطبعة الثانية.
– امام خميني، سيد روح الله. (1415هـ) مناهج الوصول إلي علم الأصول، قم: موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني، الطبعة الأولى.
– حسيني روحاني، سيد محمد. (1413هـ) منتقي الأصول، بقلم عبدالصاحب حكيم، قم: دفتر آيت الله سيد محمد حسيني روحاني، الطبعة الأولى.
– خويي، سيد ابوالقاسم (1422هـ) محاضرات في أصول الفقه، بقلم محمد اسحاق فياض، قم: موسسه احياء آثار السيد الخويي، الطبعة الأولى.
– صدر، سيد محمد باقر (1417هـ) بحوث في علم الأصول، تقريرات حسن عبدالساتر، بيروت: الدار الاسلاميه، الطبعة الأولى.
– طباطبايي، سيد محمد حسين (1402هـ) حاشيه الكفاية، قم: بنياد علمي و فكري علامه طباطبايي، الطبعة الأولى.
– موسوي بجنوردي، ميرزا حسن (1380) منتهي الأصول، طهران: موسسة العروج، الطبعة الأولى.
– ميرزاي رشتي، حبيب الله بن محمد علي (1312هـ) بدائع الأفكار، قم: موسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأولى.
– نائيني، محمد حسين. (1352) أجود التقريرات، بقلم سيد ابوالقاسم خويي، قم: مطبعة العرفان، الطبعة الأولى.
[1]. «وأما الحديث عن فناء الشيء وكونهما مرآة ومرئياً فهو كلام تشبيهي ينبغي أن يُحمل على نوع من المجاز، وحقيقته كون الشيء متحد الوجود مع شيء آخر أو كونه ذا وجود في غيره، فالعقل إذا تصوره في نفسه أما بذاته أو بنحو من التحيل كما في المعنى الحرفي ثم فقده ووجد مكاناً ما يتحد به أو يوجد فيه سُمّي ذلك فناله فيه، وليس من الفناء في شيء لاستلزامه وحدة الكثير» (طباطبایی 1402ج 1:35).
[2]. نقطة: يبدو أن آخوند لم يقصد بالعبارة «الإفناء» الاتحاد الوجودي؛ بل نظره هو غفلة اللفظ عن المعنى؛ ولكن شدة هذه الغفلة عن اللفظ كبيرة إلى حد أن آخوند لجأ إلى هذه الكلمة لتوصيل المعنى؛ وشاهد ذلك أن كل استدلالات الآخرين لفهم معنى المرآتية في النهاية تعود إلى ذات مسألة التغافل عن اللفظ.
[3]. نقطة: التأمل والتدقيق في قوله يظهر أن هذا التعريف هو نوع من تقريظ كلام آخوند.
[4]. نقطة: لا أحد من الدليلين اللذين أقامهما الشهيد صدر برهاني في رد قول الأصفهاني؛ فكونه يعتقد أن رأي الأصفهاني في الوضع غير مقبول لا يعني بالضرورة رد قوله في الاستعمال، فضلاً عن أن كثيراً من أهل التحقيق قبلوا رأي الأصفهاني في الوضع. بالإضافة إلى ذلك، العالم الذي يبني نظاماً فكرياً لنفسه بطبيعة الحال يحلل كل المسائل والمباحث الموجودة ضمن جهازه الفكري، ومن ثم فمن الطبيعي أن يحاول مثلاً في بحث الوضع والاستعمال اللذين لهما ترابط وثيق، أن يحلل المسألتين المطروحتين متناظرتين مع بعضهما.
[5]. الشهيد صدر في جزء آخر من هذا المبحث نقد بالتفصيل كلام آخوند، وقد مرّ ذلك سابقاً.
[6]. نقطة: طرح مسألة الصلاحية كمقدمة وشرط فيه إشكال، لأن الصلاحية نفسها من مكونات التعريف، وإذا أردنا إدخالها في المقدمة أو الشرط، يجب أن نخرجها من التعريف.
[7]. نقطة: الشهيد صدر في هذا الشرط يحاول تعريف اللفظ والمعنى كشيئين منفصلين. ويبدو أن هذا الاهتمام منه رد على من طرح مسألة الإفناء أو الوجود التنزيلي، لأن في الإفناء أو الوجود التنزيلي يحصل اتحاد وجودي بين اللفظ والمعنى.
[8]. نقطة: في الشرط الثالث قد يُقال إن الشرط المذكور في كلام الشهيد صدر هو تحليل آخر أو بتساهل بسيط، تعبير آخر عن كلام آخوند. اعتبار اللفظ باعتباره عضوي واعتبار المعنى باعتباره مستقلاً هو شكل آخر من أشكال إفناء اللفظ في المعنى.
[9]. [نقطة: بل ما معنى «لابد من الوضع» وما الفرق بين هذا الشرط والشرط الأول؟].
[10]. نقطة: يبدو أن سبب التمييز بين العلامة الصوتية والعلامة البصرية هو القرب والبعد بين هذين النوعين من العلامات عند الأصوليين. بمعنى أن العلامات الصوتية كانت لسنوات موضع نظر واستخدام أهل علم الأصول، ومن ثم كانوا مألوفين بها؛ أما العلامات البصرية فلم تكن شائعة لديهم بالشكل الحديث وربما الحديث جداً، ومن ثم في السنوات الأولى لاستخدام هذه العلامات في المدن والقرى، لم يتمكنوا بعد من فهم التبادر المعنوي لهذه العلامات بشكل صحيح، وربما كانوا عند رؤية العلامات يتأملون في معناها ليستخلصوه، ومن ثم بسبب التبادر السريع للعلامات الصوتية اعتبروها عضوية، وأما العلامات البصرية فاعتبروها ذات صورة استقلالية.

