ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نظریه تعویض از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
هذه المقالة (نظرية التعويض من وجهة نظر الشهيد الصدر) ترجمة لمقال «الجديد في علمي الدراية والرجال عند الشهيد الصدر» للثامر هاشم حبيب العميدي من مجلة قضايا الإسلامية، العدد الخاص بالشهيد الصدر في باب علمي الدراية والرجال، والتي نُشرت في العدد السابق من نفس المجلة. هذه المقالة هي ترجمة للجزء التالي من تلك المقالة، والجزء الختامي منها سيصدر في العدد القادم.
المترجم: عليرضا كاوند
المصدر: دوفصلنامه حدیث اندیشه، العدد الثاني، خريف وشتاء 1385، ص149-169
نظرية التعويض
لا شك أن أحداً غير الشهيد الصدر لم يسعَ إلى رفع فكر التعويض إلى مستوى نظرية. فهو أول من أدخل نظرية تعويض الأسانيد إلى علم الرجال. وعلى الرغم من الحاجة الملحة لهذه النظرية الرجالية – نظراً لما لها من آثار وثمرات رجالية مهمة عند تطبيقها – إلا أنها لم تحظ بالاهتمام والاعتناء اللائقين، ومن المستحسن تخصيص نقاشات وكتب مستقلة لها.
من أهم المصادر والمراجع التي تسهل على الباحثين الاطلاع على هذه النظرية، هذه الكتب الثلاثة:
- مباحث الأصول، محاضرات بحث الشهيد الصدر، بقلم تلميذه السيد كاظم الحائري، التي نُشرت في قم عام 1415هـ، حيث ناقش في المجلد الثالث، الجزء الثاني، الصفحات 61-238 هذه النظرية.
- تحرير المقال في كليات علم الرجال، للشيخ مهدي هادوي الطهراني، الذي نُشر في طهران عام 1412هـ. وقد أشار ضمن بحثه عن هذه النظرية، استناداً إلى ما تعلمه من أستاذه السيد كاظم الحائري وكتابه مباحث الأصول، إلى نسب هذه النظرية إلى الشهيد الصدر (ص 129-139).
- القضاء في الفقه الإسلامي، للسيد كاظم الحائري، الذي نُشر في قم عام 1415هـ. حيث ناقش هذه النظرية في الصفحات 52 إلى 65، واستخدمها في تصحيح سند رسالة مالك الأشتر.
تظهر بعض التطبيقات المهمة لهذه النظرية في كتب الشهيد الصدر أيضاً، مثل بحوث في شرح العروة وكتاب الخمس وتقارير بحثه الأصولي، وكلاهما بقلم السيد هاشمي. أما في كتب الشهيد الصدر الأخرى، فلم أرَ ذكرًا لنظرية التعويض، ومن هنا يتضح فضل السيد كاظم الحائري في إحياء واستعادة هذه النظرية.
علاوة على ذلك، بعد بدء كتابة هذه المقالة وعندما وصلت إلى هذا الجزء من النقاش، وصلني كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، الذي كتبه الشيخ محمد علي معلم كتقرير عن بحث أستاذه الشيخ مسلم داوري، ونُشر في قم عام 1416هـ، واحتوى على مبحث بعنوان «الطريق الأخرى لصحيح روايات الكتب الأربعة» (ص103- 116). وقد طرح في هذا المبحث تقريباً ثلاثة طرق من تلك الطرق مع نتائجها والإشكالات وجوانب نظرية التعويض، ولكن دون الإشارة إلى هذه النظرية حتى باللفظ «تعويض»، وذلك بسبب عدم المعرفة بهذه النظرية. هذا الكتاب القيم، لما يحتويه من بعض الأفكار والتصورات، يعكس بحثاً متقدماً نسبياً، كما يستفيد بوضوح من بذور فكر التعويض وجذوره التاريخية التي لم تكن معروفة آنذاك باسم «التعويض». لذلك، نعتمد في شرح هذه النظرية وبيان جوانبها وتطبيقاتها بشكل أكبر على المصادر الثلاثة الأولية والمتقدمة لدى الشيعة.
تعريف نظرية التعويض
يعرّف الشهيد الصدر نظرية التعويض كما يلي:
افتراض التدخل والتصرف في سند يوجد به نقطة ضعف وتحويله إلى سند آخر يسمى تعويضاً، سواء كان هذا الضعف في الجزء الأول من السند أو في الجزء الثاني منه أو بسبب ضعف السند كله (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص238).
من هذا التعريف يتضح الفرق الكبير بين فكر التعويض – الذي كان معروفاً سابقاً – ونظرية التعويض؛ لأن أولاً، في السابق، كان التعويض غالباً لا يتجاوز سندي التهذيبين، أما الآن فالتعويض في هذه النظرية له دائرة أوسع ومجال تطبيق أشمل، كما سيأتي في موضعه. ثانياً، في السابق، لم يكن فكر التعويض في قالب قواعد وضوابط علمية واضحة – كما أكدنا عدة مرات – بينما نرى هذه القواعد والضوابط تظهر في نظرية التعويض التي نستخلصها من تعريفها في البداية. في اعتبارات هذا التعريف، تم التركيز على تحديد موضع ضعف السند. هذه القواعد والضوابط تسهل النقد والبحث والتحقيق في الأسانيد والتمييز بينها، مما يمنع الخلط أثناء تطبيقات مسألة التعويض – وفقاً للجوانب التي ستأتي لاحقاً. من هنا تتضح الفوائد العديدة لهذه النظرية في علم الرجال؛ إذ كما يقول الشهيد الصدر: «هذه النظرية مفيدة حقاً في تصحيح العديد من الروايات التي يصعب تصحيحها بالشكل الأولي» (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص239).
جوانب نظرية التعويض عند الشهيد الصدر
ذكر أربعة جوانب لنظرية التعويض، وقد أورد السيد كاظم الحائري هذه الجوانب الأربعة تحت ثلاثة أشكال في كتاب القضاء في الفقه الإسلامي. كما أورد الشيخ مهدي هادوي في تحرير المقال هذه الجوانب في ثلاثة أشكال ثم أضاف شكلاً آخر وقال إن هذا الشكل يعود إلى أحد الأشكال الثلاثة. ما يلي يوضح هذا الأمر:
١. جوانب نظرية التعويض عند الشهيد الصدر كما وردت في تقارير السيد الحائري:
الوجه الأول: تعويض المقطع الأول من السند؛
الوجه الثاني: تعويض المقطع الثاني من السند؛
الوجه الثالث: تعويض سند الشيخ بسند النجاشي؛
الوجه الرابع: تعويض سند الشيخ بسند الصدوق (المرجع نفسه: ج 3 ص238-261).
في هذا التقسيم: إذا تم التعويض في جزء من سند الشيخ في الوجه الثالث، فإن هذا الوجه يعود إلى الوجهين السابقين، وإلا فهو من نوع تعويض السند الكامل. والوجه الرابع كذلك.
٢. أشكال نظرية التعويض، ببيان السيد الحائري:
الشكل الأول: تعويض سند التهذيبين بسند الفهرست؛
الشكل الثاني: تعويض سند الشيخ الطوسي بسند النجاشي؛
الشكل الثالث: تعويض سند الشيخ الطوسي بسند الشيخ الصدوق (القضاء في الفقه الإسلامي: ص52-65).[1]
هنا نرى أن السيد الحائري قد اختصر الوجهين الأول والثاني – اللذين وردا بشكل منفصل في تقارير بحث الشهيد الصدر – في كتابه ووضعهما تحت الشكل الأول. وإذا اعتبرنا تطبيقات الشكلين الثاني والثالث متطابقة، فإن هذا التبديل يتم إما في جزء من السند أو يشمل السند بأكمله.
٣. صور نظرية التبديل، ببيان الشيخ مهدي هادوي الطهراني:
لقد اعتبر هذه الصور الثلاثة للتبديل ممكنة التصور:
أولاً: تبديل الجزء الأول من السند؛
ثانياً: تبديل الأجزاء الأخرى من السند غير الجزء الأول؛
ثالثاً: تبديل السند بأكمله.
ثم أضاف صورة أخرى بعنوان «وجه آخر لنظرية التبديل» – والمقصود منها تبديل سند الشيخ بسند الصدوق – وأكد أن هذا الوجه يعود إلى إحدى الصور السابقة (تحریر المقال في کلیات علم الرجال: ص137)؛ لأن السند المتبدل إما أن يكون السند بأكمله متبدلاً أو جزء منه، الحالة الأولى هي تبديل السند بأكمله، والحالة الثانية إما تبديل الجزء الأول من السند أو الجزء الثاني منه. إذًا، على أي حال، تم مناقشة جميع الوجوه الأربعة.
وكان من الأفضل أن تقتصر هذه الوجوه على وجهين فقط (تبديل جزء من السند أو تبديل السند بأكمله)؛ لكننا نلتزم ببيان السيد الحائري في تقاريره، لأن تقسيمه أقرب إلى تقسيم الشهيد الصدر، صاحب النظرية، من غيره من التقسيمات؛ مع أن التقسيمات الأخرى تشمل وجوه هذه النظرية عمليًا. هنا، يقتصر الفرق بين هذه التقسيمات على الجانب الفني، وبالاستعانة ببيان السيد الحائري في غير تقاريره، يقل الاختلاف الطفيف بين هذه التقسيمات.
الوجه الأول: تبديل المقطع الأول من السند
يتم التبديل في هذا الوجه فقط إذا توفرت الشروط التالية:
- وجود رواية يكون فيها الراوي في المقطع الأول من سندها ضعيفًا؛ بغض النظر عن أسباب الضعف التي قد تكون مجهولًا، أو عدم ثبوت التوثيق عنه – حتى لو كان ذلك عند البعض فقط – أو الاتفاق على ضعفه.
- وجود شخص ثقة في نفس السند بحيث يكون أقرب إلى المعصوم (ع) من الشخص الضعيف في السند. بمعنى آخر، ينقل الشخص الضعيف في نفس السند عن الشخص الثقة، سواء مباشرة أو بواسطة واسطة. ولا يشترط توثيق الوسيط، بل الشرط الأساسي هو أن يكون الشخص الثقة أقرب إلى المعصوم من موضع الضعف في السند.
- أن نجد سندًا صحيحًا لجميع كتب وروايات ذلك الشخص الثقة. على سبيل المثال، يقول الشيخ في الفهرست في بداية بعض طرقه الصحيحة إلى الثقات: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان».[2]
إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة، يتم التبديل في الوجه الأول؛ بحيث يُستبدل المقطع الأول من السند – بسبب وجود نقطة ضعف تلاها وجود شخص ثقة – بسند صحيح لجميع كتب وروايات ذلك الثقة.
مناقشة الوجه الأول
هل هذا الشكل من التبديل صحيح؟ إثبات القول في هذا الوجه، حسب تصريح الشهيد الصدر، يعتمد على فهم قول الشيخ الطوسي في الفهرست: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان»؛ لأن في البداية، يمكن ملاحظة احتمالات متعددة في المعنى والمقصود. وقد ذكر الشهيد الصدر أربعة احتمالات على النحو التالي:
1. المقصود هو جميع كتب وروايات ذلك الثقة (مثلاً في علم الله). إذا تحقق هذا الاحتمال بيقين، فإن الوجه الأول من هذه النظرية يكتمل؛ لأنه مثلاً في الحديث الذي روى بسند ضعيف من ذلك الثقة، لا يمكن الافتراض أن الشيخ الطوسي كان متيقنًا تمامًا بعدم صدور الرواية من ذلك الشخص؛ لأنه لو كان كذلك لما روى الحديث في كتابه. وفقًا لهذا الافتراض، لا يوجد حديث يشك الشيخ في صدوره من ذلك الثقة. إذًا هو متيقن من صدور الحديث من ذلك الشخص. لذلك، يكون الحديث داخل عموم قول الشيخ: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان».
ولكن يجب القول إن هذا الاحتمال باطل وغير معقول؛ لأن إحاطة الشيخ الطوسي بروايات الثقة على نحو يقيني وقطعي تحتاج إلى علم غيب، وليس من المعقول أن يكون متيقنًا بعدم وجود روايات أخرى من ذلك الثقة غير التي أُخبر بها عن طريق «فلان عن فلان». فالشيخ، كما يعلم الله تعالى، لم يكن عادة قادرًا على معرفة جميع روايات ذلك الثقة، ولم يكن يعلم أن رواية أخرى غير التي علم بها عبر ذلك الطريق غير موجودة (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص241؛ القضاء في الفقه الاسلامي: ص53؛ تحریر المقال: ص131).
من جهة أخرى، يقدم السيد الحائري تفسيرًا مهمًا يؤدي إلى بطلان هذا الاحتمال، وملخصه: إذا كان المقصود من كلمة «ورواياته» في عبارة الفهرست هو الروايات الشفوية من طريق سماع فلان من فلان، فإن هذا الاحتمال يكون باطلاً تمامًا؛ أما إذا كان المقصود مجموعة من رواياته الشفوية التي رويت بأسناد معلومة في الفهرست أو روايات الشيخ من الكتب، فهذا الاحتمال ليس باطلاً؛ لأنه يمكن حصر العلم في صدور الروايات الأخيرة؛ بحيث يكون الشيخ قد علم بجميع الروايات الموجودة في كتب مشايخه وإجازاتهم، سواء عن طريق قراءتها أو سماعها أو الإجازة. ورغم أن هذا الاحتمال معقول، إلا أن السيد الحائري بواسطة بعض القرائن الواضحة في الفهرست – التي تدل على أن جميع الكتب لم تصل إلى الشيخ الطوسي – أبطل هذا الاحتمال أيضًا.
لذا، في الشرط الثالث من هذا الوجه من التبديل، يجب أن يكون هناك راوي ثقة بين الشيخ الطوسي والكتاب الذي روي فيه الحديث، أو بين الكتاب والمعصوم (ع)، بحيث يكون قد نقل الشيخ سندًا كاملاً لجميع كتب وروايات ذلك الثقة، مع قيد أن الثقة ينقل الحديث من كتاب رواه الشيخ، وليس من رواية شفوية (القضاء في الفقه الإسلامي: ص56- 57).
٢. المقصود هو جميع الكتب والروايات التي ينسبها الشيخ الطوسي إلى ذلك الشخص الثقة، ويعتقد بها علمًا وجدانيًا أو تعبدياً. بعد بيان الاحتمال الرابع، سيأتي أن الشهيد الصدر يعتبر هذا الاحتمال بعيدًا.
٣. المقصود هو جميع الكتب والروايات التي يُنسب فيها إلى ذلك الشخص الثقة. إذا كان هذا الاحتمال صحيحًا، فإن الوجه الأول لنظرية التعويض سيكون صحيحًا أيضًا؛ لأن ما نقله الشيخ مثلاً بسند ضعيف في تهذيب الأحكام عن ذلك الثقة، لا بد أن يُنسب إليه، فخبره يدخل ضمن عموم قول الشيخ في طريقه الصحيح لذلك الثقة الذي يقول فيه: «أخبرنا بجميع كتبه وروياته فلان عن فلان».
هذا الاحتمال، مثل الاحتمال الأول، باطل؛ لأن من أين كان بإمكان الشيخ الطوسي أن يحيط علمًا بجميع الكتب والروايات المنسوبة لذلك الثقة حتى يطمئن ويقطع بأنّه لا توجد روايات أخرى غير التي كان يعلمها وأدرجها في الفهرست ورجال أسانيدها يصلون إلى ذلك الشخص الثقة؟! (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص241؛ القضاء: ص53؛ تحریر المقال: ص131).
٤. المقصود هو جميع الكتب والروايات المنسوبة لذلك الشخص والتي وصلت إلى الشيخ الطوسي. هذا الاحتمال معقول حقًا، وعبارة الشيخ تدل على هذا المعنى. مع هذا الاحتمال، يتحقق التعويض؛ لأن ما رواه الشيخ بسند ضعيف مثلاً في تهذيب الأحكام عن الثقة، منسوب إلى ذلك الثقة ويصل فعليًا إلى الشيخ، فيمكن تعويض هذا السند الضعيف بسند صحيح في الفهرست يصل إلى جميع كتبه ورواياته (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص242).
فيما يخص الاحتمال الثاني يجب القول: بناءً على هذا الاحتمال، لا يتم التعويض في الوجه الأول لهذه النظرية، وقد اعتبره الشهيد الصدر بعيدًا. وهذا ليس بسبب عدم تحقق الوجه الأول لنظرية التعويض في ذلك الاحتمال، بل بسبب الاعتقاد الوجداني والتعبد الذي لدى الشيخ بأن ما رواه بسند ضعيف عن الثقة صدر منه أول مرة. وهذا خلاف الاحتمال الرابع؛ لأنه بحسب الفرض، يجب أن يصل الحديث إلى الشيخ الطوسي، ويبدو من كلام الشيخ (أخبرنا بجميع كتبه وروياته…) أنه قال هذا الكلام كأحد المحدثين الكبار، وليس كمجتهد في الأحاديث يحكم على صحة الحديث أو عدمها. على سبيل المثال، سند يبدأ بـ ابن أبي جيد؛ بهذا الشكل: «أبو الحسين بن أبي جيد عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد» (تهذیب الأحکام: ج 10 ص73، المشیخة)[3]. في هذا السند، توجد الشروط الثلاثة اللازمة للتعويض، وهي إجمالًا:
- وجود ابن أبي جيد في السند، وقد اختلف في شأنه، فبعضهم اعتبره ضعيفًا وبعضهم ثقة.
- وجود ثقة باسم «ابن الوليد» بعده.
- وجود سند صحيح من الشيخ الطوسي إلى كتب وروايات ابن الوليد، وهذا الطريق هو الطريق الثالث من طرق الشيخ الطوسي إليه في الفهرست (ص156 ش694). هنا أيضًا يمكن إجراء عملية التعويض – كما فعلنا في المثال الأول – [4]. وإذا افترضنا أن شخصًا ضعيفًا آخر مثل محمد بن عبد الله بن مطلب، المعروف بأبي الفضل شيباني، هو الذي في سند تهذيب الأحكام بدل ابن الوليد، فهنا أيضًا يمكن تنفيذ التعويض؛ لأن نقطة الضعف في هذه الحالة تقع فقط بين الشيخ الطوسي والصفار، وبما أن الصفار متفق عليه كثقة، والشيخ في الفهرست قد أورد سندًا كاملاً إلى جميع كتب وروايات الصفار (ص144 ش611)، فيمكن تعويض نقطة الضعف المذكورة بهذا السند الصحيح.
الاعتراضات على الوجه الأول لنظرية التعويض
وُجهت عدة اعتراضات على هذا الوجه، وقد تم الرد على معظمها في كتاب تحرير المقال في كليات علم الرجال:
الاعتراض الأول. عندما ينقل الشيخ الطوسي في رواية عن ثقة صاحب كتاب – مثلاً في تهذيب الأحكام – السند كاملاً، قد يكون قصد الشيخ في ذلك مجرد نقل نص تلك الرواية مع ذلك السند إلى ذلك الشيخ المحدث فقط، وليس أكثر من ذلك. فكيف يمكن في هذه الحالة، مع افتراض ضعف السند، تعويض هذا السند بسند صحيح آخر – مثلاً من الفهرست؟
في الجواب قيل: «ذكر السند في رواية معينة لا ينفي وجود سند آخر لتلك الرواية. لذلك نتمسك بعموم قول الشيخ الطوسي (أخبرنا بجميع كتبه وروياته…) ونحكم بأن تلك الرواية قد رويت بهذا السند أيضًا» (تحریر المقال: ص130).
ويجب القول إن الشهيد الصدر – كما ورد في تقارير السيد كاظم الحائري – أشار إلى هذا الاعتراض، بمضمون:
افتراض أن الاحتمال الرابع – الذي بموجبه المقصود جميع الكتب والروايات المنسوبة إلى الشخص الثقة والتي وصلت إلى الشيخ – مقيد بأن الشيخ الطوسي لم يورد في كتابه ذلك الحديث بسند آخر. [فلماذا تعوض هذا السند بسند آخر؟] في الجواب يجب القول: هذا تقييد بلا سبب ومخالف لظاهر كلام الشيخ والفهم العرفي له (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص243- 244).
المقصود من هذا الكلام هو الإشارة إلى وجود هذا الاعتراض في تطبيق الوجه الأول لنظرية التعويض؛ لأن عدم اهتمام الشهيد الصدر بالقيد الذي وُضع لتفسير عموم قول الشيخ يدل على أنه عند الشهيد الصدر، ما روي بسند آخر يدخل ضمن عموم قول الشيخ بمقتضى الاحتمال الرابع، ومقتضى الفرض المذكور في حكم النفي.
ولكن العدل أن الشهيد الصدر قد رد هذا الاعتراض بطريقة أخرى في كتاب بحوث في شرح العروة، ومن هنا يتضح سبب وصفه لبعض الروايات الضعيفة السند المتصلة بالصحة. هذا الوصف مبني على الكبرى التي التزم بها الشهيد الصدر، وهي الكبرى التي تقول: إذا ورد في رواية مسندة ومتصلة سند ضعيف يصل إلى راوٍ، فإن الشهيد الصدر – بسبب صحة تعويض المقطع الضعيف من هذا السند بطريق صحيح آخر – يحكم بصحة سند الرواية، وهذا في حال وجود طريقين في الفهرست إلى جميع كتب وروايات أحد الرواة الموجودين فوق ذلك السند الضعيف – الذي يلي نقطة الضعف – أحدهما هو سند الرواية المذكورة والآخر سند صحيح؛ لأن من ظاهر عبارة الشيخ الطوسي يُفهم أن ما وصل إليه عبر الطريق الضعيف في الفهرست قد وصل إليه أيضًا عبر الطريق الصحيح (بحوث في شرح العروة: ج4 ص51- 52 پاورقی 5).
نمط التعويض هذا سيأتي أيضًا في الوجه الثالث من أوجه نظر التعويض، وسيُناقش هناك بتفصيل أكبر.
مثال ما ذُكر هو رواية علي بن جعفر عن أخيه الإمام الكاظم (ع) الذي يقول: «سألت موسى(ع) عن السحلية والأفعى والضفدع إذا سقطوا في الماء…». الشهيد الصدر اعتبر هذه الرواية من حيث السند صحيحة (المرجع نفسه: ج4 ص51). إيمانه بصحة سند هذه الرواية مبني على نفس الكبرى؛ لأن أسانيد تلك الرواية، وفقًا لمبدأ الشهيد الصدر، ليست صحيحة. الشيخ حر في وسائل الشيعة أورد هذه الرواية بنفس السند: «محمد بن الحسن بإسناده عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع)» (وسائل الشیعة: ج1 ص238 باب نهم از «ابواب الأسار»). والشيخ الطوسي أورد نفس الرواية في الإستبصار بهذا السند: «الحسين بن عبيد الله، عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (ع) (الإستبصار: ج1 ص23 ح58) وفي تهذيب الأحكام نقلها مباشرة عن العمركي: «عن العمركي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(ع)» (تهذیب الأحکام: ج1 ص419 ضمن ح1326).
السند في الإستبصار عند الشهيد الصدر ضعيف بسبب وجود أحمد بن محمد بن يحيى، وسند تهذيب الأحكام مجهول؛ لأن الشيخ الطوسي لم يذكر طريقه إلى العمركي لا في مشيخه هذا الكتاب ولا في الفهرست، ومع الاعتقاد بأن سند تهذيب الأحكام يشير إلى سند الإستبصار – رغم أن التهذيب ألّف قبله – وبفرض أن سند الإستبصار هو نفس سند التهذيب الذي كان عند الشيخ وتم اختصاره فقط، فإن مشكلة ضعف أحمد بن محمد بن يحيى تبقى قائمة. الحُميري أيضًا روى هذه الرواية عن عبد الله بن حسن علوي عن جده علي بن جعفر (قرب الإسناد: ص178 ح656؛ مسائل علی بن جعفر: ص193 ح404؛ و نقلًا عن علی بن جعفر در بحار الأنوار: ج 80 ص70 ح1). وعبد الله بن حسن إما ضعيف أو لم تثبت وثاقته عند الشهيد الصدر (بحوث في شرح العروة: ج3 ص162 و 421 و ج4 ص51 پاورقی5).
مع ذلك، يمكن تصحيح سند الرواية وفقًا لما تقدم على النحو التالي: الشيخ الطوسي في الفهرست له طريقان إلى جميع الكتب والروايات عن «أحمد بن محمد بن يحيى» وهو شخص ثقة، وفي سند الرواية السابقة يقع فوق «أحمد بن محمد بن يحيى» وبعده. أحد هذين الطريقين هو نفس طريق الشيخ الطوسي إلى محمد بن أحمد بن يحيى في سند هذه الرواية في الإستبصار، والطريق الآخر هو: «عن جماعة – ومنهم الشيخ المفيد – عن محمد بن علي (الصدوق) عن أبيه عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد بن يحيى» (الفهرست، شیخ طوسی: ص144 ش612). وهذا الطريق، بالإجماع، صحيح ومعه يُصحح سند الرواية المذكورة.
ما يؤكد اهتمام الشهيد الصدر بالمشكلات السابقة هو أنه عالج ضعف السند المتصل بسبب وجود راوٍ ضعيف باستخدام نظرية التعويض، كما يظهر ذلك في رواية تهذيب الأحكام والإستبصار بعد توفر كبرى التعويض في هذا الباب. في تهذيب الأحكام ورد: «وأخبرني الشيخ – أيده الله تعالى – عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أحمد بن محمد عن أبيه عن أبي جعفر [أحمد بن محمد بن عيسى] عن أبيه عن حفص بن غياث عن جعفر بن محمد (ع) ق: …» (تهذيب الأحكام: ج1 ص231 ح669. وكذلك نقلًا عنه في: وسائل الشيعة: ج3 ص464 باب 35 من أبواب النجاسات، رواية تقول: لا يفسد الماء إلا ميتة كريهة الرائحة يجري الدم في بدنها).
ما يقصده الشيخ الطوسي بـ«بهذا الإسناد» هو «حسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى».
الشهيد الصدر اعتبر سند هذه الرواية معيبًا، والمقصود بالعيب وقوع أحمد بن محمد يحيى في سندها في كلا كتابي الشيخ الطوسي. وبعد ذكره للسندين يقول: التحقيق أن هذا العيب السندي يمكن رفعه؛ لأن الشيخ في الفهرست له ثلاثة طرق إلى جميع الكتب والروايات عن محمد بن أحمد بن يحيى – الذي وقع بعد نقطة الضعف في سلسلة السند – أحد هذه الطرق الثلاث صحيح ويحتوي بدلًا من «عن أحمد بن محمد» على «عن الصدوق». فتصحح الرواية. وإذا قيل: كيف نثبت أن الشيخ الطوسي نقل هذه الرواية بالطريق الصحيح أيضًا عن محمد بن أحمد بن يحيى، مع أنه في كلا كتابيه عند نقله للرواية أشار إلى الطريق الذي وصل إليه؟[5] فالجواب: ظاهر عبارة الفهرست يدل على أن ما نقل بثلاث طرق المذكورة في الفهرست هو واحد (الفهرست: ص144 ش612).[6] إذًا يثبت أن الخبر الذي رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن حفص بن غياث وصل إلى الشيخ الطوسي بكل هذه الطرق الثلاث.
وهذا هو القدر من نظرية التعويض الذي نقبله (بحوث في شرح العروة: ج 3 ص125).[7]
لا يخفى أن هذا القدر من نظرية التعويض الذي قبله الشهيد الصدر يُحمّل على الوجه الأول لنظرية التعويض، وهو حين نريد تعويض سند ضعيف متصل بسند آخر.
المشكلة الثانية. هذه المشكلة مشابهة للمشكلة الأولى ولم تُطرح في مصادر نظرية التعويض؛ ولكن يمكن صياغتها على النحو التالي: إذا ذُكر في مشيخة تهذيب الأحكام طريق إلى روايات الشيخ الطوسي عن شخص ثقة، فهذا يعني أن تلك الروايات وصلت إلى الشيخ فقط عبر ذلك الطريق. فلو افترضنا ضعف الطريق، كيف يمكن تعويض هذا السند بسند صحيح من الشيخ عن نفس الثقة في الفهرست؟
الجواب: هذه المشكلة تخالف طريقة الشيخ الطوسي في نهاية مشيختيه؛ لأنه صرح صراحةً بأننا نرجع إلى فهارس المشايخ – ومنها الفهرست – للتعرف على الطرق الأخرى المذكورة في الفهرست، سواء لشخص له طريق في المشيختين أو لمن لا طريق له في هذين المشيختين. وهذا بالإضافة إلى مخالفة هذه المشكلة لظاهر قول الشيخ الطوسي في الفهرست (أخبرنا بجميع…)، وقد تحدثنا عنه في جواب المشكلة الأولى. لذلك نعتمد على عموم الكلام.
الإشكال الثالث. هذا الإشكال وُجه إلى قول الشيخ في الفهرست حيث يقول: «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان.» خلاصة الإشكال هي أنه ربما لم يكن قصد الشيخ من هذه العبارة الإخبار عن جميع الكتب والروايات لذلك الثقة فقط من خلال هذه الأسانيد؛ بل أراد أن يذكر في شرح حاله من خلال جميع الأسانيد الأخرى، ويخبر عن تلك الكتب؛ مثل الطرق الثلاثة للشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى التي بيّناها. في هذه الحالة، لا معنى لاختيار الطريق الصحيح وترك السند الضعيف؛ لأن كل طريق من تلك الطرق يصل إلى بعض الكتب والروايات لذلك الثقة.
نعم، بافتراض صحة الطرق الأخرى المؤدية إلى ذلك الثقة، يمكن تطبيق التعويض بهذا الوجه؛ لكن بوجود طريق ضعيف، لا يمكن تطبيق التعويض.
وقد أجاب الشيخ الهادي الطهراني على هذا الإشكال قائلاً:
ظاهر تلك العبارة هو أن جميع تلك الروايات والكتب رويت عن طريق كل واحد من هذه الأسانيد. وما يعزز هذا الظاهر في كلام الشيخ الطوسي هو أنه يقول قبل كل سند: «أخبرنا» (تحریر المقال: ص130-131).
وأيضًا في جواب هذا الإشكال، يمكن القول إن الإشكال المطروح يخالف بعض المبادئ اللفظية مثل «أصالة العموم». لا معنى لأن يُخصص كل طريق لمجموعة من الروايات والكتب؛ لأن الشيخ الطوسي قد أتى بلفظ في بداية الطريق الأول يدل على «العموم» ثم عطف عبارة «وأخبرنا بها» على العبارة الأولى. عندما يصدر لفظ من الألفاظ العمومية من شخص ويُشك في ما إذا كان المراد من هذا اللفظ عامًا أو خاصًا، فإن سيرة العقلاء هي التمسك بـ«أصالة العموم». والظاهر من هذا الإشكال يحتاج إلى اعتبار شيء زائد على الكلام وتقدير ذلك؛ بحيث: «هذا الطريق لمجموعة من الروايات وذلك الطريق لمجموعة أخرى» وهذا التقدير الزائد على الكلام يُنفي عن طريق «أصالة عدم التقدير». لذلك، لا جدال في بقاء التمسك بإرادة العموم من طرق الشيخ الطوسي؛ كما أن العطف بـ«واو» يدل على ذلك.
الإشكال الرابع. هذا الإشكال مرتبط أيضًا بعبارة الشيخ الطوسي نفسها ويُستفاد من كلام الشهيد الصدر حول الوجه الثالث لنظرية التعويض. خلاصة الإشكال هي أنه ربما كان قصد الشيخ من «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته ….» هو مجرد الإخبار عن أسماء الكتب، وليس وجود الكتب عند الشيخ. لذلك، ليس صحيحًا أن نُعوّض كل ما نقله من كتاب، سندَه – في فرض الضعف – بسند صحيح يصل إلى ذكر اسم ذلك الكتاب وليس الكتاب نفسه.
الجواب، عطف كلمة «رواياته» على كلمة «كتبه» لاقتضاء وحدة السياق يدل على أن المراد من كلمة «الكتب» هو المعنى الذي عُطف عليه «الروايات»؛ لأن الشيخ الطوسي قصد بالروايات نفسها وليس أسماء الروايات، ولا يمكن تصور أن للروايات أسماء. أي أن المقصود من «كتبه» هو الروايات الموجودة في الكتب، وليس أسماء الكتب (القضاء في الفقه الإسلامي: ص58؛ مباحث الأصول: ج3هـ2 ص249).
وقد طرح السيد الحائري نفس الإشكال حول قول الشيخ الطوسي الذي يقول بدون عطف كلمة «ورواياته»: «أخبرنا بكتبه فلان عن فلان». وأجاب بنفسه قائلاً:
الرجوع إلى الفهرست للشيخ الطوسي والبحث عن الحالات التي استخدم فيها هذه العبارة لا يترك مجالًا للشك في أن المقصود من «الكتب» هو الكتب نفسها ورواياتها، وهدفه تقديم سند لها وليس مجرد تسجيل أسماء الكتب وذكر عناوينها، بالإضافة إلى ذلك، في كلتا المشيختين، يرجع إلى فهارس الصحابة وفي إحداهما إلى فهرسته الخاصة، وهذا يدل على أن أصحاب الفهرست قصدوا ذكر سند الكتب وليس مجرد ذكر وعد أسماء الكتب. في هذه الحالة، لا توجد مشكلة في تطبيق نظرية التعويض في هذا الشأن. نعم، في هذه الحالة، يكون تطبيق النظرية ممكنًا فقط إذا كان سند الشيخ في الفهرست هو نفس الكتاب الذي روى منه الحديث؛ ولكن إذا كان سنده مثلاً يصل إلى ثقة أخرى تقع بين الشخص الضعيف وصاحب الكتاب، ففي هذه الحالة، لا يكون التعويض ممكنًا؛ لأننا نفترض أن سند الشيخ الطوسي في فهرسته هو سند يصل فقط إلى كتب ذلك الثقة وليس إلى مجموع كتبه ورواياته، والافتراض أن هذه الرواية لم تُؤخذ من كتاب ذلك الثقة (القضاء في الفقه الإسلام: ص58).
الإشكال الخامس. هذا الإشكال من أهم الإشكالات على الوجه الأول لنظرية التعويض وهو مرتبط بنقطة ضعف السند الذي نريد تعويضه. عندما نفترض أن شخصًا ضعيفًا قد كذب على ثقة موجود في سند الرواية فوقه؛ أي أن الرواية المنسوبة إلى الثقة هي كذب ربطه الشخص الضعيف به. فهل للتعويض بسند صحيح آخر يصل إلى ذلك الثقة – بالتمسك بعموم قول الشيخ – فائدة في تصحيح سند الرواية الكاذبة؟
هذا الإشكال، رغم كونه من أعقد الإشكالات السابقة، إلا أن جوابه في كلمتين: أولًا، هذا الإشكال قائم فقط على الاحتمال الثاني الذي سبق في تفسير «أخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن فلان» [8] وكما تقدم، الشهيد الصدر يرى ذلك الاحتمال بعيدًا لعدم الاعتبار وعدم الاستقرار؛ لأنه من باب سالبة انتفاء الموضوع (ر. ک: تحریر المقال: ص131).
الوجه الثاني: تعويض المقطع الثاني من السند
تم تعويض السند الضعيف في الوجه الأول باستبدال موضع الضعف في المقطع الأول بسند صحيح؛ كما في هذه الرواية للشيخ الطوسي: «عن الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار عن أبيه عن محمد بن علي بن محبوب عن أحمد بن محمد بن عيسى». قلنا إن المقطع الأول من السند ضعيف بسبب وجود أحمد بن محمد بن يحيى العطار، ومن جهة أخرى، فوقه يوجد شخص ثقة اسمه محمد بن علي بن محبوب الذي ذُكر في الفهرست طريق صحيح إلى جميع ب و رواياته. لذلك، عوضنا ذلك المقطع الضعيف بهذا الطريق الصحيح؛ بمعنى أننا كنا نناقش في ذلك الموضع رواية بسند ضعيف يوجد فوق نقطة ضعفه شخص ثقة، وفي النهاية عوضنا ذلك السند بسند صحيح آخر يصل إلى نفس الشخص الثقة.
والآن، لبيان حقيقة «التعويض» في الوجه الثاني، لا بد لنا من الإشارة إلى هذا الحد من النقاش في الوجه الأول حتى يتضح أن الوجه الثاني للنظرية هو عكس الوجه الأول لها، وجوهره في الحقيقة هو نفس جوهر الوجه الأول؛ لكنه في الأسلوب يختلف عنه. وقد صرح الشهيد الصدر بذلك كما ورد في تقارير السيد الحائري (مباحث الأصول: ج3هـ2 ص245).
الشروط اللازمة للتعويض في هذا الوجه هي:
- وجود رواية – مثلاً في تهذيب الأحكام – يكون في سندها شخص ضعيف محصور بين اثنين من الثقات.
- صحة المقطع الأول من سند الرواية الذي يقتصر بين الشيخ الطوسي وثقة قريب منه؛ بحيث لا يكون هناك ضعف في السند بين الشيخ الطوسي والثقة القريبة منه؛ لأن الشرط هو أن يكون الضعف فقط بين هذه الثقة وثقة أخرى في السند بعيدة عن الشيخ الطوسي (كما ورد في الشرط الأول).
- أن يكون لدى الثقة القريبة من الشيخ الطوسي سند كامل يروي فيه جميع الكتب والروايات التي وصلت إليه من تلك الثقة البعيدة عن الشيخ الطوسي في سند رواية تهذيب الأحكام المفترضة، أو أن تكون لدى الثقة القريبة سند كامل لروايات ذلك الإمام المعصوم التي رواها الثقة البعيد عن الشيخ الطوسي أيضًا في تهذيب الأحكام.
إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة، يصبح التعويض في هذا الوجه ممكنًا؛ بحيث نستبدل المقطع الثاني من سند رواية تهذيب الأحكام – الذي يقع فيه نقطة الضعف محصورة بين اثنين من الثقات – بسند صحيح وجدناه بين هذين الثقتين. وبعبارة أخرى، يمكن تعويض نقطة الضعف المحصورة بين اثنين من الثقات بسند صحيح بينهما (المرجع نفسه: ج3 ص244؛ القضاء: ص58؛ تحریر المقال: ص133).
أمثلة تطبيقية على الوجه الثاني
يمكن أن يكون لهذا الوجه من التعويض عدة حالات نذكر منها بعضها:
الحالة الأولى، هي عندما ينقل مثلاً الشيخ الطوسي برواية صحيحة عن الشيخ الصدوق رواية يكون في سندها شخص ضعيف محصور بين اثنين من الثقات. على سبيل المثال، روى الشيخ في الإستبصار: «عن الشيخ المفيد عن الصدوق عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن ياسين الضرير عن حريز عن أبي بصير عن أبي عبدالله (ع)…» (الاستبصار: ج1 ص14 ح36). وتظهر في هذا السند الحالات التالية:
- وجود «ياسين الضرير» بين اثنين من الثقات، مع أن وثاقته لم تثبت عند الشهيد الصدر [9]. وهذا هو الشرط الأول الذي يجب أن يتوفر.
- جميع رجال المقطع الأول من السند هم ثقات مشهورون ومعروفون، وإذا قلنا إن الثقة القريبة من الشيخ في هذا السند هو الشيخ الصدوق، فإن هذا السند الذي يصل إلى الشيخ الصدوق لا يعاني من مشكلة في الصحة. وهذا أيضًا هو الشرط الثاني الذي ذكرناه.
- لا يبدو أن الشرط الثالث متوفر؛ لأن الصدوق في مشيخه كتاب من لا يحضره الفقيه لم يذكر طريقًا إلى حريز، والطريق الذي ذكره في مشيخه والذي يصل إلى أبي بصير ضعيف (کتاب من لا یحضره الفقیه: ج4 «المشیخة»). لو ذكر الشيخ الصدوق طريقًا صحيحًا لأي من هذين الاثنين – مع مراعاة جميع الجوانب التي ستأتي في الوجه الرابع – لكان التعويض ممكنًا. وكذلك لو نقل الشيخ الصدوق رواية الإستبصار في كتاب آخر له بسند كامل، لكان التعويض بها ممكنًا؛ وإن كان التعويض بها في هذا الافتراض طريقًا تقليديًا لا يُعد من أصول نظرية التعويض.
مع ذلك، يمكن تصحيح سند رواية الإستبصار عبر نظرية التعويض بالاعتماد على الوجه الثاني منها. فقد ذكر الشيخ الطوسي في شرح حال حريز في الفهرست سندًا صحيحًا لجميع كتبه ورواياته التي ورد فيها الشيخ الصدوق (الفهرست: ص62 ح239). وفي الاحتمال الرابع لتفسير عبارة الفهرست، ذُكر أن المقصود هو الكتب والروايات المنسوبة إلى ذلك الشخص والتي وصلت إلى الشيخ الطوسي، ومن هنا نفهم أن الكتب والروايات المنسوبة إلى حريز – التي وصلت إلى الشيخ الطوسي بهذه الطريقة – قد وصلت حتمًا إلى الشيخ الصدوق أيضًا. وربما لهذا السبب وجدنا سندًا من الشيخ الصدوق – الذي هو الثقة القريبة من الشيخ في السند، وهذا السند في الإستبصار ضعيف بسبب ياسين الضرير – لجميع كتب وروايات حريز – التي هي الثقة البعيدة عن الشيخ الطوسي في السند. إذًا نستبدل المقطع الثاني من سند الإستبصار بهذا السند الصحيح لنحصل على المطلوب.
وباستخدام هذه الطريقة، نصحح جميع الروايات التي نقلها الصدوق في كتبه الأخرى بالإرسال عن حريز. وفي هذه الحالة، يتم النقاش حول تصحيح أسانيد روايات الشيخ الطوسي المشابهة لرواية الإستبصار بثلاث طرق من طرق التعويض:
أولًا: البحث في مشيخه كتاب من لا يحضره الفقيه عن طريق صحيح من الشيخ الصدوق إلى ثقة بعيدة عن الشيخ الطوسي، في رواية نقلها الشيخ الطوسي بسند صحيح عن الصدوق من مشايخه، ويوجد بين الصدوق وتلك الثقة شخص ضعيف، فيتم تعويض هذا الضعف بالطريق الصحيح من مشيخه الصدوق.
ثانيًا: [10] البحث في الفهرست نفسه للشيخ الطوسي. فإذا ذكر الشيخ طريقًا صحيحًا لجميع كتب وروايات الثقة البعيدة عنه، وكان الشيخ الصدوق موجودًا في ذلك الطريق من الفهرست، فإن طريق الشيخ الطوسي هو نفس طريق الشيخ الصدوق – كما في المثال السابق – وبالاعتماد عليه يتم التعويض.
ثالثًا: هذه طريقة معتادة أن يكون الشيخ الصدوق قد روى نفس الرواية الضعيفة السند للشيخ الطوسي بسند صحيح يتم به تنفيذ التعويض. وربما تكون فائدة التعويض في الطريقة الأخيرة – كما ورد في تحرير المقال – محصورة في حالة وجود فقرة زائدة في الرواية المنقولة بسند ضعيف، وهي موجودة في الرواية المنقولة بسند صحيح (تحریر المقال: ص133).[11]
الحالة الثانية. هي عندما يروي الشيخ الطوسي حديثًا في سندٍ فيه شخص ضعيف بين اثنين من الثقات، ثم يرويه بسند صحيح من الكليني. على سبيل المثال، لنفترض أن الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام نقل حديثًا من كتاب حسن بن محبوب بهذا السند: «الشيخ المفيد عن ابن قولويه عن الكليني عن سعد بن عبد الله عن سهل بن زياد عن الحسن بن محبوب عن الإمام الرضا(ع)…». في البداية يبدو أن الشرطين الأول والثاني من الشروط الثلاثة المطلوبة لعملية الاستبدال متوفران في هذا الجانب، وهما:
- وجود سهل بن زياد بين اثنين من الثقات (الكليني وحسن بن محبوب) في المقطع الثاني من السند؛ ويجب القول أيضًا إن سهل بن زياد عند الشهيد الصدر إما ضعيف أو على الأقل لم تثبت وثاقته (بحوث في شرح العروة: ج1 ص83 و ج3 ص158 و 182 و 348 و 421).[12]
- صحة طريق الشيخ الطوسي في هذا السند إلى ثقة بعيد عنه؛ أي الكليني. ويبدو أن الشرط الثالث مفقود في هذا المقام؛ لأن ثقة الإسلام الكليني في كتاب الكافي يذكر كامل السند، وفي نهاية كتابه لم يذكر مشيخه – مثل الصدوق والطوسي – لجميع رواياته بحيث يمكن التعرف على سنده مثلاً لجميع رواياته من حسن بن محبوب لنتمكن من الاستبدال به إذا ثبت صحته. والاعتقاد بضرورة البحث عن سند صحيح آخر في الكافي يصل إلى حديث بنفس سند تهذيب الأحكام الافتراضي، حتى مع افتراض الوصول إليه، لا يفيد نظرية الاستبدال؛ لأن الاستبدال بهذا السند ليس من أصول النظرية، بل هو من الطرق التقليدية التي كانت معروفة قبل هذه النظرية.
ومع ذلك، يمكن توفير الشرط الثالث في سند تهذيب الأحكام بالنظر إلى الفهرست؛ لأن الشيخ الطوسي لديه سند كامل إلى جميع كتب وروايات حسن بن محبوب (الفهرست: ص47 ش151). وعدم وجود الكليني في ذلك السند لا يسبب مشكلة؛ لأن سعد بن عبد الله موجود في سند الفهرست، بمعنى أننا لم نفقد تحقق الشرط الأول – وهو وجود سهل بن زياد بين اثنين من الثقات (حسن بن محبوب وسعد بن عبد الله بدلاً من الكليني). هنا يمكن تنفيذ عملية الاستبدال كما فعلنا في الحالة الأولى؛ ولكن قد يُقال إن الكليني في سند تهذيب الأحكام روى عن سعد عن سهل عن ابن محبوب، فكيف يتم الاستبدال مع وجود هذا السند؟ الجواب هو أنه عندما يروي سعد بن عبد الله – كما في سند الشيخ الطوسي في الفهرست – جميع روايات وكتب حسن بن محبوب عن طريق ثقة واحدة، بل عدة ثقات، فلا يعقل أن سعد بن عبد الله، وهو شخص ثقة وجليل القدر، ينقل عن شخص ضعيف ويعتمد عليه في رواية من حسن بن محبوب، مع أن سعد روى روايات حسن بن محبوب ليس عن ثقة واحدة بل عن عدة ثقات. فرضنا أن هذا الحديث وصل عن طريق صحيح إلى سعد، ومن هنا يُفهم أن الكليني كان لديه أكثر من طريق لذلك الحديث لكنه اكتفى بذكر أحد هذه الطرق. ربما يكون الاعتقاد بوجود قرائن صحة الخبر عند المحمدون الثلاثة (الكليني، الطوسي، الصدوق) تأكيدًا على هذه المسألة. إذا قبلنا هذا الاعتقاد، فإن الكليني في اكتفائه بأي سند شاء لديه حجة ودليل، وبالتالي تفسير طريق الطوسي الصحيح في الفهرست إلى حسن بن محبوب سيكون طريق الكليني أيضًا، رغم أن اسم الكليني لم يذكر في سند الفهرست. إذًا الاستبدال بهذا السند ممكن التنفيذ.
لم يُصرح أحد بهذه الطريقة من الاستبدال؛ مع أنها مفيدة جدًا في تصحيح أسانيد الكافي، ويمكن بالاعتماد على المثال المذكور تصحيح روايات سهل بن زياد من حسن بن محبوب في جميع كتاب الكافي، وهذا في حالة إدراك أن الحديث من كتاب حسن بن محبوب.
الحالة الثالثة، هي عندما يروي الصدوق حديثًا من الكليني بسند كامل، وفي سند هذا الحديث بعد الكليني يوجد شخص ضعيف بين اثنين من الثقات. الاستبدال في هذه الحالة، مع وجود الشرطين الأولين في السند، لا يكون ممكنًا إلا إذا حصلنا على طريق صحيح من الشيخ الطوسي يروي فيه جميع كتب وروايات ثقة بعيد عن الصدوق؛ بشرط أن يكون الكليني أو شيخ الكليني المباشر – وهو ثقة ويروي عن ذلك الشخص الضعيف عن ذلك الثقة – موجودًا في السند، وبذلك يكون الاستبدال بهذا السند الصحيح – وفقًا لما تقدم – ممكنًا؛ رغم أننا لم نعثر على مثال واقعي له.
إن شاء الله في الأعداد القادمة من هذا المجلة سنبحث الوجه الثالث والرابع وغيرها من المواضيع ذات الصلة.
[1]. القضاء في الفقه الإسلامي: ص52-65. لم تُذكر أسماء هذه الوجوه وأشكالها في المرجعين السابقين؛ بل تم التأكيد عليها ضمن شرح وجوه النظرية وتطبيقاتها.
[2]. هذه العبارة وردت في العديد من طرق الصحيح عند الشيخ الطوسي في الفهرست إلى الثقات، مثل: طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن خالد (ص21 ش55)، ابن عقدة (ص29 ش76)، زراري (ص32 ش84)، سراد (ص47 ش151)، ابن فضال (ص48 ش153)، حريز (ص63 ش253)، سعد عبد الله (ص76 ش306)، حسن بن محمد بن سماعة (ص52 ش182)، حسن بن حمزة العلوي (ص52 ش184)، عبد الله الأنباري (ص103 ش434)، الحميري (ص103 ش428)، ابن مهزيار (ص88 ص369)، الصدوق (ص156 ش695)، بورصدوق (ص92 ش381)، الكليني (ص135 ش591)، محمد بن أحمد بن داود (ص136 ش592)، يقطيني (ص141 ش607)، محمد بن علي بن محبوب (ص145 ش613)، الصفار (ص143 ش6111)، ابن وليد (ص156 ش694)، يونس بن عبد الرحمن (ص181 ش789) وآخرون. جميع الحالات التي وجدتها تتطابق وتتوافق مع كل الحالات المستخرجة من الفهرست للشيخ الطوسي في كتاب أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق.
[3]. لدى الشيخ في مشيخته طريق صحيح إلى أحمد بن محمد ورد في ص74؛ لكننا اخترنا الطريق الأول لوجود إشكال فيه.
[4]. أشار الشهيد الصدر في مباحث الأصول (ج3هـ2 ص239 و پاورقی آن) إلى ضعف ابن أبي جيد.
[5]. هذا الكلام يشكل الإشكال السابق.
[6]. الطرق الثلاثة هي: أولاً: عدة من أصحابنا عن أبي المفضل عن ابن بطّة عن محمد بن أحمد بن يحيى، ابن طريق، بسبب أبو المفضل وابن بطّة، ضعيف. ثانياً: الحسين بن عبيد الله وابن أبي جيد عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى. هذا طريق الإستبصار أيضاً ولا يسبب مشكلة بسبب وقوع ابن أبي جيد وأحمد بن محمد بن عبيد الله معه. وقوع أحمد بن محمد بن يحيى لم يثبت عند الشهيد الصدر. ثالثاً: جماعة عن الصدوق عن أبيه ومحمد بن الحسن عن أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى عن محمد بن أحمد بن يحيى. هذا الطريق متفق على صحته.
[7]. أكد الشهيد الصدر صحة هذا الرواية في عدة مواضع متتالية، بناءً على ما أسسه هنا، على سبيل المثال، راجع ص127 و129 و180 من المجلد الثالث.
[8]. راجع الاحتمال الثاني.
[9]. أكد الشهيد الصدر في بحوث في شرح العروة (ج1 ص84، 205 و 233) وأماكن أخرى عدم ثبوت وثاقة ياسين ضرير.
[10]. في كتب الشهيد الصدر أو تقارير مناقشاته، لم يرد هذا الطريق ولا الشرط الثالث في مثال الحالة الثانية، وكذلك العديد من الأمور الأخرى في هذا النقاش.
[11]. أحياناً تكون هذه النتيجة غير صحيحة، مع احتمال أن تكون الزيادة ناتجة عن توهم الراوي الضعيف أو خطأه أو نقله بمعناه، خصوصاً عندما يكون الراوي من المعصوم (ع) في سندين؛ لأن احتمال صدور تلك اللفظة الزائدة في كلا الموضعين بعيد.
[12]. كذلك ضعف سيد هاشمي في كتاب الخمس (ج2 ص40) وسيد حائري في القضاء (ص102 و 483)، وكلاهما من تلامذة الشهيد الصدر.

