ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مقاصد الشریعه از منظر فقهی شهید صدر (ره) به روایت اهل سنت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: إن دراسة «مقاصد الشريعة» من المنظور الفقهي عند الشهيد الصدر (رحمه الله) هي الموضوع المحوري لهذا المقال. فمقاصد الشريعة هي الأهداف التي تسعى الشريعة لتحقيقها من أجل جلب المصالح ودفع المفاسد عن العباد، وذلك من جهة الشارع. وقد قُسّمت هذه المقاصد بحسب أهميتها إلى الضروريات والحاجيات والتحسينيات، حيث يُعتبر حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال من المصالح الضرورية. وكان منهج علماء الدين السائد لسنوات طويلة هو استخراج الأحكام الفقهية بالطرق التقليدية، لكن الاحتياجات والمطالب الجديدة للإنسان المعاصر واجهت المؤسسات الدينية بتحديات جديدة. ومن بين الذين خاضوا هذا الميدان من النضال العلمي والفكري، بلا شك، برز اسم الشهيد الصدر (رحمه الله) بتألق باهر وتجلي متميز؛ ذلك الرجل العظيم الذي خلّد اتساع علمه وعمق فكره بتضحياته ودمه الطاهر. وهذه القلم، بدافع الولاء ومن منطلق الواجب، يسلط الضوء على مكانته العلمية وفكره النابض في هذا المجال.
المؤلف: جلال محمدی
المصدر: حبل المتین، خريف وشتاء 1401، العدد 40 و41، ص 73 إلى 94.
المقدمة
عند مراجعة آثار الشهيد الصدر (رحمه الله)، سواء الكتب والمقالات أو المحاضرات والدروس، ندرك أن لديه في ذهنه خطة شاملة وكبيرة لأبعاد التعاليم والمفاهيم الإسلامية في العلوم والمعارف المختلفة، والتي تشكل معًا، بتنظيم متماسك ومنهجي وهادف، بناءً عظيمًا متقابلًا يمنحه الثبات والدوام والجمال والجلال.
في رسم هذا البناء، لكل جزء دور وحصة ووظيفة، وهو مبني على معارف ومصالح خاصة به، ولكن مع ذلك، فإن ارتباط كل جزء بالآخر وترابطها معًا هو ما يشكل البناء، وفي حال فقدان أو خلل أو نقص في أي جزء من الأجزاء، يحدث خلل في الجسم الكلي لذلك البناء. لذلك، إلى جانب أهمية كل مكون من المكونات، فإن الترابط بينها ضروري ولازم. إن السيرة العلمية للشهيد الصدر (رحمه الله) تدل على أنه من بين القلة القليلة من العلماء الذين تأملوا وفكروا في موضوعات متنوعة من العلوم الدينية، بل وشرعوا في التأليف والتدريس، ورغم أنه يُعد مبدعًا ورائدًا ومبتكرًا بشكل بارز ومتميز في المناقشات الفقهية والأصولية، إلا أنه كان صاحب رأي في موضوعات الفلسفة والمنطق والتفسير والتاريخ والعقائد والاقتصاد، وله مؤلفات كتبت بنظرة خاصة للرد على هموم ذلك العصر في المجتمع الديني.
هذه القدرة والاهتمام والحرص تعكس شخصية علمية واسعة ومتعددة الجوانب وتنوعًا في الدراسات والبحوث، ولكن على مستوى أوسع، يمكن أن تقودنا إلى فهم جديد ومختلف للنظر إلى القضايا الدينية المتنوعة، حيث تتشابك منظومة من التعاليم والمعارف المتماسكة والمرتبطة مع بعضها البعض، وتتفاعل بشكل هادف لتحقيق أهداف معرفية، وتوجه الفرد والمجتمع وتديرهما.
لذلك، من أجل تصميم نظام كامل وشامل للحياة الفردية والاجتماعية، يجب الغوص في عمق كل من هذه العلوم والمعارف، وبالجهد والبحث والدراسة، ربط نتاجاتها بتنظيم دقيق ومنسجم، وفرض نظام منطقي وعلمي عليها، لكي تعمل كنظام متكامل، وتُقدّم مخرجاتها كحلول فعالة للفرد والمجتمع. هذه النظرة تعطي معنى جديدًا للنشاطات العلمية والفكرية، وتجعلها أجزاء متداخلة ومتكاملة في الوقت نفسه، وتؤدي إلى إعادة قراءة المفاهيم والأهداف للنظام التعليمي في المؤسسات الدينية.
وفي هذا السياق، يقوم أساس علم مقاصد الشريعة على أن الله لم يأمر بشيء أو ينهى عنه إلا وله مقصد وراءه. مصطلح مقاصد الشريعة شائع بين علماء أهل السنة، وقد كُتبت كتب منذ القدم وحتى الآن حول هذا العلم. أما بين علماء الشيعة، بسبب نوع المصادر وبنية الاجتهاد والظروف التاريخية، فهو أقل ظهورًا، وغالبًا ما يُستخدم مصطلح الحكمة والأسباب. ولا يمكن لمقاصد الشريعة والنصوص المبينة لها في فقه الإمامية أن تُعتبر مصدرًا مستقلاً للحكم الشرعي، بل تلعب دور تفسير النصوص الشرعية. أما علماء أهل السنة (باستثناء الظاهرية) فيستخدمون مقاصد الشريعة والمصلحة في قالب القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع كمصدر مستقل للحكم الشرعي. إن مقاصد الشريعة تجيب على الفضول الفطري الذي وُضع في طبيعة الإنسان، لأنها توجه انتباه الناس إلى الدين، وتسعى لجلب المصلحة ودفع المفسدة. الهدف الرئيسي في هذا المقال هو بيان طبيعة مقاصد الشريعة ودورها في استنباط الأحكام، وقد تم ذلك من منظور فقهاء الفريقين.
أحد الفترات المهمة في تاريخ الفقه والاجتهاد الفقهي هو مواجهة الفقه والفقهاء مع تيار الحداثة. دخل تيار الحداثة بدايةً عبر المنتجات، ثم المعارف، وأخيرًا عبر البنى الاجتماعية. أهم ابتكار للشهيد الصدر هو أنه رفع مستوى تشخيص أضرار مواجهة العالم الإسلامي مع الحضارة الغربية. الشهيد الصدر (قده) يدرك بحق أن ما يفرضه علينا العالم الحديث هو نظامات مترابطة قائمة على قاعدة واحدة؛ لذا تُخطئ القواعد الاجتماعية، ولا تفيد الإصلاحات الجزئية. يرى الشهيد الصدر أن ما جاء من الغرب هو نظام يسعى إلى تغيير الأساس وقواعد الحياة، ويجب في مواجهته تصميم نظام قائم على قواعدنا الخاصة. في هذا البحث، سُعي إلى تناول موضوع مقاصد الشريعة من منظور فقهي للشهيد الصدر (قده) برواية أهل السنة، مع الأخذ في الاعتبار النماذج التاريخية والمصادر المتوفرة.
1. توضيح المفاهيم
هنا، لإثراء هذا البحث، تم أولًا دراسة المعنى اللغوي للشريعة والمقاصد، ثم تم التعمق في المفهوم الإصلاحي لمقاصد الشريعة.
1-1. الشريعة
وفقًا لما ورد في «القاموس» وشرحه، الشريعة هي ما شرعه الله تعالى كأمور دينية لعباده؛ أو ما يُقال عنه السنن الدينية التي أمر باتباعها، ومنها: العبادات مثل الصيام، الصلاة، الحج، الزكاة وغيرها من الأعمال الصالحة. ومن المعاملات التي تعتمد عليها حياة الناس اليومية مثل البيوع، النكاح وغيرها (فیروزآبادی، 1423هـ: 219) كما قال الله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَهٍ مِّنَ الْأَمْرِ» (جاثیه: ۱۸) «ثم جعلناك على شريعة من الأمر» (أي: على دين ومنهج واضح من الدين الذي كان برنامج جميع الأنبياء السابقين ويسمى الإسلام).
اشتقاق هذه الكلمة من “شرع الشيء” أي بيّنه وشرحَه، أو من “الشّرعة” و”الشريعة” التي تعني المكان الذي يمكن منه الوصول إلى ماء عين لا ينقطع أبدًا، ولا يحتاج إلى أي وسيلة لاستخدام مائه (النورى، 1411هـ: 317).
يقول راغب في مفردات القرآن: «الشرع: يعني طريقًا واضحًا ومبينًا. يُقال: شرعت له طريقًا، أي بيّنت له طريقًا، والشرع مصدر. ثم أُطلق هذا الاسم على طريق واضح، وسمّوا هذا الطريق شرعًا وشريعة. ومن ثم أخذ هذا اللفظ مجازًا للدلالة على الطريق الإلهي. ينقل راغب عن أحد العلماء قوله: سُمّيت الشريعة بهذا الاسم لأنها تشبه “شريعة الماء”، أي أن من يجد طريقًا مستقيمًا إلى منبع الماء يروى ويطهر. يقول راغب: مرادي من السقاية هو ما قاله أحد الحكماء: كنت أشرب دائمًا ولم أرتوِ، ولكن بعد معرفتي بالله ارتويت دون شرب! ومرادي من الطهارة.» (راغب اصفهانی، 1416هـ: 503) وهذا هو المقصود من الله في هذه الآية: إِنمَا يرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (احزاب: ۳۳) «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا.»
جاءت مادة “ش، ر، ع” خمس مرات في القرآن الكريم كأفعال وأسماء: (مصطفى سانو،،1420ق:119) وردت كفعل ماضي في الآية التالية: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَموسَى وَعيسَى أَن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» (شوری: ۱۳)
«شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.»
تشريعات الله في هذه الآية تتعلق بأصول الدين والعقائد لا بالفروع والأعمال. ولهذا اتفقت جميع الرسالات الإلهية من عهد نوح (ع) إلى عصر محمد (ص) على ذلك. في نفس السورة وردت مادة “شرع” في ذم المشركين لأنهم ادعوا حق التشريع الديني لأنفسهم بينما الله تعالى لم يأذن لهم بذلك: «أَم لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ» (شوری: ۲۱) «أفهل لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟»
باعتقادهم الباطل وبدون إذن الله قاموا بتحليل وتحريم وجعل أمور واجبة أو محرمة، وهذه الأمور مذكورة في الآيات المكية، ولكن في الآيات المدنية أيضًا ورد هذا اللفظ في سورة المائدة: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَهً وَمِنْهَاجاً» (مائده: ۴۸) «لكل أمة منكم جعلنا شرعة ومنهاجًا.»
فإذا كانت الشريعة في اللغة تعني “الطريق والمنهج”، فقد وردت في القرآن الكريم أيضًا بهذا المعنى، حيث يقول: «ثمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَهٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تتَّبِعْ أَهوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» (جاثیه: ۱۸) «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.» (أي: ثم بعثناك على دين ومنهج واضح من الدين الذي كان برنامجك وبرنامج جميع الأنبياء السابقين ويسمى الإسلام، فاتبع هذا المنهج ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.)
يُلاحظ أن لفظ “الشريعة” بهذا التركيب ورد فقط في هذه السورة من القرآن الكريم، وهي سورة الجاثية التي هي سورة مكية ونزلت قبل نزول الآيات المتعلقة بالأحكام والقوانين العملية التي تختص بالعصر المدني. بعض دعاة العلمانية يقع في هذا الموضوع في مغالطة ويقولون: لفظ “الشريعة” في القرآن لم يُستخدم بمعنى التشريع ووضع القوانين، فلماذا أنتم المسلمون تُصرون إلى هذا الحد على مسألة التشريع الإسلامي مع أن مكانتها في القرآن هكذا؟!
والجواب هو أنه لو كان الأمر متعلقًا فقط بالألفاظ، لكان يمكن القول أيضًا إن لفظ “عقيدة” لم يُذكر في القرآن لا في السور المكية ولا في السور المدنية، فلماذا تُصرون إلى هذا الحد على مسألة العقيدة؟! أو قد يُقال إن لفظ “فضيلة” أيضًا غير موجود في القرآن، فلماذا تُصرون على قضية الفضائل؟ من الواضح أن هذه المسائل هي نوع من المغالطات الواضحة التي لا يقع فيها عاقل، لأن الأصل والاعتبار هو دخول المعاني والمضامين لا دخول الألفاظ.
على كل حال، الشريعة تشمل العقائد، الشعائر، الآداب، الأخلاق، القوانين والمعاملات. بمعنى أن الشريعة تشمل الأصول والفروع، العقيدة والعمل، والنظرية والتطبيق. فهي تشمل جانب الإيمان والعقيدة بشكل كامل بما في ذلك اللاهوت، النبوات والسمعيات، وكذلك جانب العبادات والمعاملات والسلوكيات. في الواقع، كل ما جاءت به رسالة الإسلام واحتواه القرآن والسنة وشرحه علماء العقائد والفقه والسلوك يدخل في هذا المفهوم.(فرهودی، واعظی، 1398: 22)
2-1. المقاصد
الشريعة الإسلامية هادفة وأحكامها لها مقاصد وأسباب. النصوص الدينية تُقسم إلى نصوص بيان الحكم ونصوص بيان المقاصد والأسباب. العقل، بناء العقلاء، كيفية بيان نصوص القرآن والروايات، من طرق التعرف على المقاصد. العلاقة الوثيقة بين الشريعة والمقاصد تثير سؤالًا حول مدى اهتمام الفقيه بالمقاصد في مقام الاستنباط؟ في بيان وفهم العلاقة بين الفقه والمقاصد، توجد خمس وجهات نظر، من بينها النظرية التي تعتبر نصوص بيان الحكم فقط دليل الاستنباط، لكنها في فهم وتفسير تلك النصوص تأخذ في الاعتبار مقاصد وأهداف الشريعة، وهذه النظرية قابلة للدفاع. (واسطی، 1386:29)
النصوص والمتون الدينية المعتبرة والعقل السليم تدل على هادفة الشريعة الإسلامية. القرآن الكريم في آيات كثيرة لا يذكر فقط نتائج وأهداف عامة لإرسال الرسل وإنزال الكتب، بل أحيانًا يذكر غرضًا أو أغراضًا خاصة للأحكام الجزئية والصغيرة. الأحاديث الكثيرة تؤكد هذا الأصل أيضًا. تأليف وتدوين كتب مثل علل الشرائع، إثبات العلل، مقاصد الشريعة وغيرها هو نتيجة هذا التأكيد والتثبيت. كما أن المتون التي وصلتنا من السابقين تدل على هادفة الشريعة. شعارات مثل اتباع الأحكام للمصالح والمفاسد، لزوم المصلحة في التشريع، و”الواجبات الشرعية لطاف في الواجبات العقلية” وتعابير مماثلة هي شعارات معروفة تتكرر كثيرًا في هذه المتون. (ویسی، 1386: 91)
بعضهم ينسب هادفة الشريعة الإلهية إلى جميع الفرق والمذاهب من أمة الإسلام الكبرى حتى الأشاعرة الذين لا يعتبرون أفعال الله معللة بغرض ولا تابعة لهدف. والعقل السليم يدرك ذلك أيضًا، لأن الله حكيم وغني، ولهذا في التشريع مقررات له هدف ويتبع مقصدًا أو مقاصد.
2. الأفكار الفقهية للشهيد الصدر
الشهيد الصدر خلال حياته العلمية المثمرة، كان له ابتكارات ملحوظة في المناقشات الفقهية، سواء الفردية أو الاجتماعية. يمكن دراسة هذه الابتكارات في ثلاثة محاور: 1- تصنيف جديد للفقه 2- وجهات نظر حكومية 3- وجهات نظر اجتماعية. يمكن اعتباره مبتكرًا لمنهج جديد في الفقه يسعى لاستنباط “الأنظمة الاجتماعية” من المصادر الدينية. في هذا المنظور، لا تُدرس المسائل والموضوعات الفقهية كموضوعات منفصلة عن بعضها كما هو شائع في الفقه الموجود، بل النظام هو كل متصل حيث تتحول موضوعاته إلى شبكة متكاملة. (تسخیری، 1388:15)
استنباط “النظام” كمجموعة وككل، يختلف عن استنباط حكم كل “عنصر” على حدة من خلال أحكام “الموضوعات الكلية”، وهذا يتطلب بابًا جديدًا من الفقه. بمعنى آخر، في هذا المنظور، الإسلام ليس مجرد مجموعة من الأحكام الفقهية الصغيرة، بل له نظام. الأحكام الإسلامية مرتبطة بعضها ببعض بشكل منهجي، ومن أجل إقامة الحكم الإسلامي، من الضروري اكتشاف النظام الذي تُعرف هذه الأحكام تحته. (علی دوست، 1390:19)
تبيين وجهات نظر الشهيد صدر في باب الفقه الحكومي، أضرار الفقه الموجود وخصائص الفقه المرغوب من منظور الشهيد صدر، تبيين وجهات نظر الشهيد صدر في باب فقه النظام، ضرورة الوصول إليه وكذلك المصادر والمراجع لاستخلاص فقه النظام من منظور الشهيد صدر، كلها أمور قابلة للدراسة.
2-1. الخصائص الفكرية
لقد ألّف كتاب «العقيدة الإلهية في الإسلام» قبل بلوغه العاشرة من عمره. وكتاب «فدك في التاريخ» الذي يُعد نموذجًا فريدًا في طريقة النقاش حول المسائل الخلافية بين المذاهب، قد كُتب عندما كان الشهيد صدر في الثالثة عشرة من عمره. قبل بلوغه الرابعة عشرة، حصل الشهيد صدر على إذن الاجتهاد من بعض أساتذته. ولأول مرة، نشر آرائه الأصولية في كتاب «غاية الفكر» عندما كان في التاسعة عشرة من عمره. وعندما بلغ الرابعة والعشرين، شرع في تأليف «فلسفتنا»؛ وكتابه الفريد «اقتصادنا» ألّفه في الخامسة والعشرين من عمره. هذا المختصر هو مجرد خلاصة لبعض العلامات التي يمكن أن تدل على عبقرية الشهيد صدر العلمية والفكرية في ميادين مختلفة. ولكن لفهم كامل لهذه العبقرية، يجب الرجوع إلى آثار الشهيد صدر. (تسخیری، المرجع السابق:19)
الشهيد صدر كان في جميع مراحل تفكيره مخلصًا للمضامين والمفاهيم الإسلامية الأساسية. منهجه كان أصوليًا-فقهيًا، وفي أسس نظرياته كان معتمدًا على الوحي والنص. من الخصائص الفكرية اللافتة للنظر لديه الجمع بين خاصيتين: المعاصرة والأصالة. بالتدبر في آثار الشهيد صدر يمكن إدراك أن جهوده الفكرية، سواء في الموضوعات أو المسائل أو حتى في المنهج، كانت متناسبة مع مقتضيات العصر. بحيث كان همه هو ربط مسائل اليوم بالنص الديني. وبكل جرأة يمكن القول إن الشهيد صدر (رحمه الله) في كل مجال خط فيه قلمه، قد دفع حدود المعرفة إلى الأمام أو أسس مدرسة فكرية. (حسینی حائری، ۱۳۷۵: 35)
منهج الشهيد صدر (رحمه الله) في تبيين آراء الإسلام هو منهج تقابلي. بمعنى أن آراء الإسلام تُعرض بالمقارنة مع الأفكار السائدة في أوروبا (سواء الليبرالية أو الشيوعية). ومن الخصائص الفكرية الأخرى للشهيد صدر (رحمه الله) النظر المجتمعي. فالتفكير من أجل التفكير دون الاهتمام بمشاكل المجتمع المعاصر ليس له مكانة كبيرة عنده. الشمولية، الثبات، المنهجية، والبنية التنظيمية من الخصائص الفكرية الأخرى للشهيد صدر (رحمه الله). (المرجع نفسه:37)
في نظر الشهيد صدر، ما يجب استخلاصه من النص الديني ليس فقط «الأحكام الكلية المتعلقة بالموضوعات العامة»، بل يجب استخلاص «الكل» من الإسلام. مجموعة القواعد التي تُدرس كوحدة متكاملة مترابطة تُسمى مذهبًا أو مدرسة.
2-2. مقاصد الشريعة من منظور الشهيد صدر
من منظوره، الأحكام الإسلامية تتبع المصالح والمفاسد الواقعية، وعند اكتشاف المقاصد والأهداف العليا التي يراها الشارع المقدس، يجب على الفقيه أن يفتي في الحالات التي لا يوجد فيها نص، بناءً على المقاصد المكتشفة. الشهيد صدر لا يستخدم أهداف الشريعة في استنباط الأحكام الشرعية فقط، بل يستخدمها في الفقه الحكومي، في فكر بناء النظام والمدرسة، وفي ما يتعلق بإدارة الدولة الإسلامية. (کولائی، ۱۳۶۰: ۱۴)
كان زمنه من الفترات المهمة في تاريخ الفقه والاجتهاد، حيث واجه الفقه والفقهاء تيار الحداثة. دخول تيار الحداثة تم أولًا عبر المنتجات، ثم العلوم، وأخيرًا عبر البنى الاجتماعية. في مواجهة هذا التيار، كانت هناك مواقف مختلفة بين الفقهاء؛ لكن بشكل عام، يمكن القول إن هناك ثلاثة أنواع من المواقف في مواجهة حضارة الغرب والحداثة. النوع الأول هو المواجهة السلبية، التي تقاوم حضارة الغرب في جميع مستوياتها (من دخول المنتجات إلى العلوم والبنى الاجتماعية). النوع الثاني هو إسلامة تيار الحداثة، حيث تُعرض المسائل الجديدة على الفقه ويُعطى الفقه الرد المناسب؛ في هذا المنهج لا حاجة لتطور الفقه، لأن موضوعًا جديدًا فقط يُعرض على الفقه، وعملية الرد من الفقيه واضحة. إذا كان الموضوع يطابق عنوانًا خاصًا من العناوين الموضوعية، يُطابقه، وإذا لم يجد عنوانًا مناسبًا، يرجع إلى العمومات. النوع الثالث هو تقديم نظام مقابل أنظمة حضارة الغرب. (حسینی حائری، المرجع السابق: ۳9)
أهم ابتكار للشهيد صدر هو أنه رفع مستوى تشخيص أضرار مواجهة عالم الإسلام مع حضارة الغرب. الشهيد صدر (رحمه الله) يدرك جيدًا أن ما يفرضه العالم الحديث علينا هو نظامات مترابطة مبنية على قاعدة واحدة؛ لذا تُخطئ القواعد الاجتماعية ولا تساعد الإصلاحات الجزئية. لذلك، طرح الشهيد صدر منهجًا آخر واعتقد أن ما جاء من الغرب هو نظام يحاول تغيير الأسس والقواعد الحياتية، ويجب تصميم نظام مقابل يعتمد على قواعدنا الخاصة. وقد حقق الشهيد صدر نجاحًا نسبيًا في هذا الطريق، ويتناول ذلك من يتناول أبعاد وتفاصيل النظام المقترح من قبله مقابل أنظمة حضارة الغرب. (حکمت عبید الخفاجی؛2019 م:17)
من منظوره، المدرسة الاقتصادية؛ علم الاقتصاد والمدرسة الاقتصادية، هما مختلفان عند الشهيد صدر. علم الاقتصاد هو العلم الذي يفسر الحياة الاقتصادية وظواهرها وتجلياتها، ويبين ارتباطها بالأسباب والعوامل العامة التي تحكمها. (تسخیری، المرجع السابق: 22)
المقصود من المدرسة الاقتصادية هو إيجاد منهج لتنظيم الحياة الاقتصادية؛ يكون متكئًا على العدل. بناءً عليه، عندما نسأل عن المدرسة الاقتصادية الإسلامية، فإن المقصود هو أن نعرف هل للإسلام منهج لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمعات البشرية؟ كما هو الحال مثلاً في الرأسمالية التي تعلن منهجها العام في تنظيم الحياة الاقتصادية على أساس مبدأ الحرية الاقتصادية. المدرسة الاقتصادية تتولى وضع منهج لتنظيم الحياة الاقتصادية بشكل عادل؛ أما علم الاقتصاد فلا يضع منهجًا لتنظيم الحياة، بل يدرس المنهج المطبق في المجتمعات ويبحث في نتائجه وآثاره. (حسینی حائری، 1380: 78)
في هذا الإطار، يُطلق على المدرسة مجموعة من المبادئ العقائدية، والواجبات العملية، والالتزامات الأخلاقية، ويُعطى الجانب الإيماني فيها اهتمامًا أكبر، في حين أن العلم، مهما تطور ونما، يكون وسيلة لاكتشاف الحقائق الخارجية في مجالات مختلفة. كما أن العلم مكلف بأن يفسر الواقع بشكل محايد ويعكس أقصى درجات الدقة والتعمق الممكنة.
من وجهة نظر هذا العالم، الأحكام الشرعية مبنية على مصالح وضعها الشارع المقدس بناءً عليها أحكامه. ثبوت المصلحة في جميع الأحكام، سواء كانت أولية أو ثانوية، أمر مسلم به، إلا أن عنوان الموضوع في الحكم أحيانًا يكون عنوانًا ثابتًا للموضوع بغض النظر عن العوارض والظوارئ، وفي هذه الحالة يسمى الحكم أوليًا، وأحيانًا يكون العنوان مأخوذًا مع مراعاة العوارض والظوارئ، وفي هذه الحالة يسمى الحكم ثانويًا. على سبيل المثال، الميتة موضوع حكم التحريم إذا نظرنا إليها بغض النظر عن العوارض، ولكن نفس الموضوع مع مراعاة عوارض مثل الوقوع في الصحراء والضرورة القصوى للنجاة بتناولها يعتبر موضوع حكم الإباحة.
ومن الجدير بالذكر أن وجهة نظر الأشاعرة والظاهرية التي تبدو ظاهريًا كأنها تنفي المصلحة في الأحكام الشرعية، لا تعني نفي ثبوت المصلحة في الأحكام القائمة، بل إنهم ينكرون كون الأحكام معللة ومقيدة بالمصالح؛ لذلك، وفقًا لرأيهم، يمكن للشارع أن يصدر حكمًا لا يكون فيه أي مصلحة، مع أن الاستقراء يثبت أن جميع الأحكام الشرعية وُضعت لأجل مصالح. (دراز، 2012م: 256)
على أي حال، الأحكام الشرعية مبنية على مصالح تشكل في الحقيقة هدف الأحكام. في هذا الصدد، يكتب الغزالي: هدف الشريعة هو حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال للناس. وكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة يسمى مصلحة، وكل ما يخالفها يسمى مفسدة. (الدراوی، 2016: 22) وكذلك يقول الخوارزمي: المصلحة هي حفظ مقصد الشارع الذي هو دفع المفاسد عن الخلق. ويضيف الرازي في المحصول: المصلحة هي المنفعة التي نظر إليها الشارع الحكيم لعباده، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والأموال. (المرجع نفسه:24)
3. مقاصد الشريعة من وجهة نظر السلف
من القضايا المهمة التي كانت دائمًا مطروحة في الفقه والحقوق الإسلامية مسألة الاجتهاد، وإذا نظرنا إليها من الناحية التاريخية، نجد أن فقهاءنا على الأقل بناءً على ما ورد في كتب تاريخ الفقه (علی دوست، 1390:23) كانوا دائمًا يسعون للإجابة على المسائل المطروحة، بحيث عندما يظهر مسألة جديدة، كان النهج العلمي والأساسي هو الرجوع إلى كتاب الله تعالى، المصدر الأساسي لجميع مصادر استنباط الأحكام الشرعية، ثم بعد البحث والتحقيق وعدم إيجاد الحكم فيه، يلجأون إلى السنة النبوية (صلى الله عليه وآله وسلم) – بغض النظر عن اختلاف الآراء في أقسام السنة أو الخبر وشروط حجيتها – وإذا لم يجدوا الحكم فيها، يرجعون إلى عمل الصحابة أو الفقهاء السابقين، وفي النهاية وبعد كل الجهود والبحث، يستخرجون حكم المسألة بناءً على رؤيتهم واجتهادهم، وكان هذا الأسلوب شائعًا بين جميع أصوليي الفقه.
في هذا السياق، يتميز الإمام الشاطبي بفكرة جديدة قدمها تحت عنوان «مقاصد الشريعة» في كتابه المهم «الموافقات في أصول الشريعة»، مما أحدث ثورة كبيرة في تاريخ أصول الفقه، لأنه مثل غيره من الأصوليين قبل عصره، رغم اهتمامه بجميع الأدلة الشرعية مثل القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس، إلخ، كان يولي اهتمامًا خاصًا لروح ومقاصد الشريعة، مما دفعه إلى وضع ضوابط وقواعد لاستخلاص الأحكام الشرعية – التي تشمل مقاصد الشريعة الإسلامية المقدسة والمصالح والمفاسد للعباد في الدنيا والآخرة – رغم أن هذه الضوابط كانت مطروحة بشكل ما في كتب سابقة، لكنه خصصها في شخص المجتهد، الذي سماها مقدمات تمهيدية، مثل الأدلة القطعية لأصول الفقه، وتنقية وتطهير أصول الفقه العامة من الأمور غير المرتبطة، وإخلاص النية، وشروط صحة النظر في الأدلة، مثل وجوب اعتبار جزئيات الشريعة مع كلياتها والعكس عند النظر في الأدلة، وتقسيم الأدلة، وعدم تعارض الأدلة الشرعية مع العقل، وغيرها من الأمور التي بحثها. (شاطبی،1412: 291)
من وجهة نظر علماء أصول أهل السنة، فإن النهج التجديدي يقوم على أصول مسلَّمة لا شك فيها، وهم يرون أن التسليم بها والعمل بها أمر لا مفر منه على الجميع، وكل من لا يتبعها أو لا يخضع لها يُوصَف بأوصاف متعددة تدل على الذم والهدم. (علی دوست، 1387: 40)
أهم وأخطر هذه المبادئ: مبدأ التاريخية، ويعني أن الأحداث، الأفعال، والخطابات لها أصل حقيقي في الحياة، واعتبارات زمانية ومكانية، وشروط مادية ودنيوية، وأن المصطلحات والأفكار تخضع للتطور والتغيير والمراجعة التطبيقية. هذا المبدأ يقع في قمة هرم الحداثة ويشكل البُعد المعرفي الأعمق والأقدس في مشروع الحداثة. (مجتهد شبسترى، 1375: 44)
ولهذا السبب، يحاول الخطاب الحداثي دائماً استبدال النظرة المطلقة التي تتعامل معها “الفكرة الدينية” كما يقولون، بنظرة تاريخية في تفاعله مع الشريعة الإسلامية وتراثها المحيط.
بالطبع، لا يخفي الخطاب الحداثي الصعوبة الشديدة في تأسيس وترسيخ هذه النظرة في عقل المسلم المعاصر؛ وعلى هذا الأساس، يلجأ في كثير من الأحيان إلى الخداع الفكري، لذا بدلاً من أن يتعامل مع التراث الإسلامي كخصم ويرى نفسه في الجانب الآخر، يحاول أن يجد أموراً يمكن أن تعمل كجذور للنظرة التاريخية! هذا الأسلوب في التعامل يعبر عن انحراف شديد في المشروع الحداثي، ويكشف بشدة عن مدى الأزمة الفاشلة التي يعيشها الحداثيون.
من الأبعاد الشرعية والتراثية التي وجد فيها الخطاب الحداثي منفذاً ليؤسس ويبرر تاريخية قوانين وأصول الشريعة وأحكامها التفصيلية، نظرية المقاصد. (مجتهد شبسترى، 1379: 90)
من يدرس الإنتاجات الفكرية الحداثية يلفت نظره الاستخدام الواسع لمصطلح المقاصد وحضور الكم الهائل من المفاهيم المرتبطة به. هذه النظرية حظيت باهتمام واسع منهم، وكانت محل ترحيب كبير في المحافل الفكرية والندوات والحوارات الحداثية.
الخطاب الحداثي من خلال الاعتماد على نظرية المقاصد وصل إلى إفساد الأحكام التفصيلية للشريعة والشرائع التكليفية، واعتقد أن أحكام الشريعة لم تُشرع إلا لتحقيق مقاصدها، لأن المقاصد تُعتبر أهدافاً، أما الأحكام فهي وسائل لتحقيقها. لذلك، فإن أحكام الحدود لم تُشرع إلا لردع مرتكبي الذنوب، ومنع الربا لم يُشرع إلا لتحقيق العدالة ومنع استغلال القوي للضعيف، وكذلك في كل حكم من أحكام الشريعة، أي أنها لا تملك قيمة في ذاتها، بل قيمتها تكمن في تحقيق مقاصدها. لذا، إذا تحققت هذه المقاصد بوسيلة أخرى، كما لو أن الزمان أو حاجة الناس فرضت وسيلة أخرى تحقق المقصد، فلا حاجة للالتزام بذلك الحكم، ولا يبقى أي مبرر لاستمراره. وهذا الحكم يشمل جميع العبادات الشرعية، وبالتالي فإن الشريعة شرعت العبادات لأنها تحقق أهدافها في زمن الرسالة، وهذا يعني أن الهدف من تشريع العبادات هو كونها وسائل فقط. (شرفى، 1382: 82)
لتحقيق العدالة والضبط في نسب هذا القول إلى الخطاب الحداثي، يجب نقل بعض الأقوال الدالة على ذلك. من أكثر الذين أولوا اهتماماً لنظرية المقاصد عبد المجيد الشرفي. فهو يرى أن الشريعة في حالة أزمة مع معطيات الحداثة المعاصرة، ولا يوجد مخرج من هذه الأزمة إلا بالتحرر من الأمور المطلقة التي لا تأخذ في الاعتبار اختلاف البيئة والتاريخ والمكان، وقد صرح بأن التحرر من هذه الأمور المطلقة المتعارضة مع الأوضاع الجديدة يتم بعدة طرق منها: «ضرورة التحرر من التعلق المرضي بظاهر النصوص وخاصة النص القرآني، ومنح مكانة مناسبة لمقاصد الشريعة في وضع القوانين البشرية التي تتناسب مع حاجات المجتمع المعاصر». (عبدالحلیم، 1438م: 38)
وقد دعا إلى «ضرورة قلب الأمور المسلَّمة التي استقرت في الوجدان الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري إلى الآن، والاعتراف بأن المهم ليس خصوصية السبب ولا عمومية اللفظ، بل يجب البحث وراء السبب الخاص واللفظ المستخدم عن الغاية والهدف والمقصد»، ثم أورد نتيجة ذلك بقوله: «وفي هذا النقاش، هناك مجال لاختلاف التأويل حسب حاجات الناس، واختلاف البيئة، والأزمات، وثقافتهم». (عبدالحمید الشایب، 2015م: 245)
ونتيجة لذلك وصل إلى إلغاء وجوب العبادات الكبرى في الإسلام مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، بحجة أن الشريعة شرعت أحكامها لمصلحة كانت متناسبة مع ذلك العصر، فإذا تحققت مقاصدها في رفع الروح وتحقيق العدالة بطرق أخرى، فلا نلزم بالتفاصيل التشريعية لها. (المرجع نفسه: 246) حسن حنفي يجعل المصلحة أول مصدر للتشريع ويعتبرها أساساً تحكم النصوص الوحيّة، ومرجعاً موثوقاً في القبول بها، حيث يقول: «جميع مصادر التشريع قائمة على مصدر واحد وهو المصلحة باعتبار أن المصلحة هي أول مصدر للتشريع والتقنين، لذا فإن كتاب القرآن مبني عليها، وكذلك السنة مبنية على المصلحة». (مجاهد، 1996م: 589) ويقول: «كما يُؤول النقل لصالح العقل في حالة التعارض، يُؤول النقل لصالح المصلحة بنفس الطريقة في حالة التعارض» (المرجع نفسه: 591) ولا يفرق بين النقل القطعي وغيره، لأن جميعها تخضع للمصلحة.
ينتقد جابري عمل الفقهاء ويصفهم بأنهم انشغلوا بالقضايا اللغوية بدلاً من المقاصد الشرعية، ويهاجم قاعدة الفقهاء التي تضع وجود الحكم وغيابه مع سببه، ويدعو إلى تغييره بحيث يكون وجود الحكم وغيابه مع مصلحته، ويضرب مثالاً على ذلك في تحريم الربا في بعض السندات والاستثمارات المصرفية التي أكد على جوازها لعدم وجود سوء استخدام فيها! ويؤكد رأيه قائلاً: «من الواضح أن سوء الاستخدام هو إحدى حكم تحريم الربا» (محمد، 2013: 684)
يرى نصر حامد أبو زيد أن الفكر الديني يعاني من هيمنة التقديس النصي الديني، ويتعامل مع النص باعتباره يتجاوز الواقع الذي تشكل فيه، كما يؤمن بأن الحل يكمن في التحرر من هيمنة النص الديني واستبدال النظرة التاريخية به في التعامل مع العقائد والتشريعات التي يحتويها، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استبدال النظرة المقاصدية في التعامل مع النص الديني، كما فعل – حسب قوله – عمر بن الخطاب. (الدراوی، 2016: 22)
استمرت التعريفات والمدائح التي يطلقها الخطاب التجديدي على نظرية المصلحة، باعتبارها تمثل الأساس والمرجع للتشريع الإسلامي، ومن خلالها يمكن الحفاظ على روح الإسلام في عصر الحداثة، ومن خلالها يستطيع المجتهدون إلغاء ما فقدت مصلحته، ومن خلالها يمكن التحرر من هيمنة النص الديني – كما يقولون – والتجول بحرية في نطاق التشريع الإسلامي لتغيير الحدود الموجودة في خريطته حسب المصلحة التي يرونها.
لا نطلب من القارئ الكريم أن يصدر حكماً بمجرد قراءة هذه النظرية، لأن المنهج الصحيح في التعامل الفكري ليس أن نسرع في إنكارها أو الحكم ببطلانها بدعوة الخطاب التجديدي إلى جعل نظرية المقاصد هي الحاكمة، بل يجب أولاً تحليلها وتقديم منهجية تأخذ في الاعتبار الضرورات العقلية، والأدلة التاريخية، والاحتياجات المعرفية.
في هذه الحالة سندرك بوضوح أن هذا الخطاب يعاني من عيوب معرفية ومنهجية عميقة تسببت في خلل كبير في بنيته وفساد معرفي في نسيجه. لكي لا يقتصر هذا القول على ادعاء جاف وخالٍ من الاستشهاد بالواقع.
إذا قارنا بين جهود الفقهاء والأصوليين وبين جهود المشروع التجديدي مثل شهيد صدر في بيان المقاصد العامة والخاصة، المادية والمعنوية للشريعة، نرى أن الفقهاء بذلوا جهوداً كبيرة وكثيرة وقطعوا مسافات طويلة في البحث والتنقيب عن مقاصد الشرع، ومن خلالها تمكنوا من الوصول إلى أنواع من المقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها. (ملکیان، 1381: 47) بالطبع لا ننكر أن مشروع الفقهاء يحتوي على أخطاء ومبالغات، لكن القارئ يستطيع أن يستنتج من مجموع ما قدموه بشكل ناضج صحة وشرعية وضرورة تنفيذ الأحكام والحدود التي جاءت بها الشريعة، وأن الشريعة نزلت في أكمل وأوضح صورة، بينما يرى نقصاً وظاهرياً في الخطاب التجديدي تجاه هذه المسألة، وهذا ما جعل بحوث التجديد، بالإضافة إلى معارضتها للنصوص الشرعية، تقع في أخطاء كبيرة تتعارض مع التاريخ أيضاً.
على الرغم من الأهمية الكبيرة التي أعطاها الخطاب التجديدي للمقاصد والمكانة العالية التي تحظى بها عنده، إلا أنه عادة لا يوضح للقارئ مفهوم المقاصد التي قدمها على النصوص الشرعية وجعلها حاكمة عليها. كما أنه لم يقدم له المضامين المعرفية التي تبين الأصل والحدود والعناصر المكونة لها والتي تتضمن استخدامها بشكل منضبط، لكن في خطاب شهيد صدر تصل إلى حد أن تكون أحد الركائز الأساسية التي تحكم النصوص الشرعية وتُفهم في ضوئها، وتتغير الأحكام الشرعية القطعية بناءً على تغيرها، وهذه المكانة بسبب الآثار المترتبة عليها والأبعاد المعرفتية التي تبنى عليها، لا شك أنها تضع أعباء كثيرة على عاتقها.
الخاتمة
إن تناول ضوابط ومقدمات الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من المصادر الفقهية عمل شاق وصعب للغاية، وطبيعي أن من يستطيع تقديم الأمور على أفضل وجه في هذا المجال هو من يمتلك الكفاءة والأهلية في النظرية في ذلك العلم، ويكون واعياً بروح ومقاصد ومصالح الشريعة، وبالدقائق والتفاصيل الدليلية. بالتأمل في مسألة الاجتهاد وشروطه وضوابطه يمكن الوصول إلى هذه الحقيقة: أنه اليوم كلما تم الالتفات إلى المنهج الذي وضعه الشاطبي في الاجتهاد والاستدلال والاستخراج، وخاصة ضوابط صحته في كل مرحلة من مراحل التعلم التي أشار إليها، يتبين أن حركة الفقه والأصول تعود إلى المبادئ الإسلامية الأساسية نفسها.
نظرًا لأن مسألة الوحدة والتقارب بين المسلمين في عالمٍ يعادي فيه أعداء الإسلام ليس فقط المذاهب الإسلامية بل أصل الدين الإسلامي نفسه، ويبذلون كل جهدهم من أجل القضاء عليه وإضعافه وفي النهاية إظهاره غير فعال، فإن هذه المسألة تُعد من القضايا المهمة والضرورية جدًا في المجتمع الإسلامي المعاصر. وهذا يتطلب من علماء الإسلام، مستعينين بالله تعالى ومستمدين من المصادر الغنية والأصيلة لاستخلاص الأحكام الشرعية، أن يستخدموا بصيرتهم العالية مع مراعاة روح ومقاصد الشريعة، متجاوزين التعصبات غير المنطقية تجاه المذاهب، ليبرهنوا على حيوية ومرونة وشمولية الأحكام الإسلامية، وأن يسعوا لاستخلاص الأحكام الشرعية خصوصًا في المسائل المستحدثة، وباجتهادهم الديناميكي يثبتوا عالمية الدين الإسلامي. وهذا الأمر لا يتحقق إلا بتعريف وتحديد ضوابط أصولية راسخة، لأنه إذا كان مجتهدونا ملتزمين بضوابط، ومع ذلك يولون اهتمامًا أكبر لروح ومقاصد الشريعة، فإن ذلك سيكون أحد العوامل المهمة في التفاعل والتقارب بين المذاهب، ومبشرًا بتهيئة أرضية للتقريب والأخوة الدينية المستدامة.
يبدو أن مقاصد الشريعة يمكن اختزالها في «التعمير» الذي هو مقصد كلي يشمل جميع المقاصد، لأن الهدف من خلق الوجود وإنزال الوحي الإلهي هو التعمير وإصلاح الآفاق والأنفس، وهو ما يشمل جميع مقاصد الشريعة. والاقتراح الذي يقدمه الكاتب هو أن يقوم الباحثون والمتخصصون في أصول الفقه والفقه بإجراء بحوثهم دون تعصب أو تحامل، ومع مراعاة أهمية علم المقاصد وفقه الأولويات، فمن المناسب أن يحتل هذا العلم مكانة الصدارة بين علوم الإنسان. ويبدو أن أحد احتياجات العصر الحالي لعلماء وباحثي أصول الفقه وفقه أهل السنة والشيعة الإمامية هو الاستفادة من آراء بعضهم البعض، والتفاعل الفكري بينهم، ليُثري هذا النظرية أكثر فأكثر.
على أي حال، إحدى القضايا المهمة التي جذبت انتباه أنصار الفكر المقاصدي في «علم المقاصد» هي إعادة النظر وإعادة الإنتاج في عدد المقاصد الخمسة المشهورة. فمن زمن الإمام الغزالي وحتى الآن، صنف أهل العلم مقاصد الشريعة الضرورية في خمسة مقاصد. فقد عدّ الغزالي والفخر الرازي هذه الأهداف، ولم يحصروها حصراً خاصًا، بينما آمُدي حصرها في خمسة مقاصد فقط، ويعتقد أن وجود مقصد ضروري خارج هذه الخمسة أمر مستبعد عادةً. كما أكد الشاطبي على حصر المقاصد في هذه الخمسة المذكورة. أما ابن تيمية وابن فرحون فهما يميلان إلى توسيع دائرة المقاصد الخمسة. وقدم ابن عاشور بُعدًا جديدًا في بحث المقاصد الضرورية وهو البعد الاجتماعي، مشيرًا إلى أن حفظ هذه الكليات أو المقاصد الخمسة يختلف بالنسبة لأفراد الأمة، وبالذات بالنسبة للجماعة العامة. وذكر الشيخ محمد الغزالي، والدكتور يوسف القرضاوي، وأحمد خميلشي العدل والمساواة والحرية والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ضمن المقاصد العليا للشريعة. ويعتقد أحمد الريسوني أن حصر مقاصد الشريعة الضرورية في هذه الخمسة يحتاج إلى مراجعة وإعادة إنتاج، لأن هذا الحصر أمر اجتهادي، وقد أضيفت على هذه المقاصد الخمسة أمور أخرى منذ القدم. وباختصار، المقاصد التي أضافها علماء المعاصرون إلى المقاصد الخمسة المشهورة تشمل: حفظ الفطرة، النظام، المساواة، الحرية والعدل، الكرامة، الحق، الأمن، الوحدة، الأخلاق، السلام، وغيرها.
وفي الختام، يمكن اختزال مقاصد الشريعة في مقصد كلي يشمل جميع المقاصد، وهو «التعمير»، لأن الهدف من خلق الوجود وإنزال الوحي هو تعمير الآفاق والأنفس، وهو ما يشمل جميع مقاصد الشريعة.
قائمة المراجع
فارسی
1. تسخیری، محمد علی؛مقالاتاندیشه ای: فقه «مقاصدی» و حجیت آن (با نگاهی به: شیوه ی شهید صدر)، مجله:اندیشه تقریب» بهار 1388 – العدد 18.
2. حسینی حائری، سید کاظم؛ زندگی و افکار شهید صدر، ترجمة حسن طارمی، تهران، وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی، ۱۳۷۵.
3. حسینی حائری، سید کاظم؛اقتصاد اسلامى و روش کشف آن از دیدگاه شهید صدر رحمه الله، منبع: اقتصاد اسلامی سال اول 1380 العدد 1.
4. شرفى، عبدالمجید، عصرى سازىاندیشه دینی،ترجمة محمد امجد، تهران، الطبعة اوّل، نشر ناقد، 1382ش.
5. علی دوست، ابو القاسم؛دین، شریعت و مصلحت، مجله: قبسات» پاییز 1390 – العدد 61.
6. علی دوست، ابو القاسم؛مصلحت در فقه امامیه، مجله: حقوق اسلامی» پاییز 1387 – العدد 18.
7. فرهودی، مصطفی؛ واعظی، محمد علی؛ مقاصدالشریعه از منظر دکتر یوسف قرضاوی، مجله: سلفی پژوهی» پاییز و زمستان 1398-سال پنجم،العدد 10.
8. کولائی، الهه؛ وآخرون، یادواره شهید آیتالله سید محمدباقر صدر، دون مكان النشر، کانون منشورات ناصر، ۱۳۶۰.
9. مجتهد شبسترى، محمد، هرمنوتیک کتاب و سنّت، تهران، منشورات طرح نو، الطبعة اوّل، 1375.
10. مجتهد شبسترى، نقدى بر قرائت رسمى از دین، محمد، تهران، منشورات طرح نو، الطبعة اوّل، 1379.
11. ملکیان، مصطفى، راهى به رهایى، تهران، منشورات نگاه معاصر، الطبعة اوّل، 1381.
12. واسطی، عبدالحمید؛اندیشه: نگرشی دیگر به اهداف دین، مجله: کتاب نقد» پاییز 1386 – العدد 44.
13. ویسی، زاهد؛ نظریه مقاصدالشریعه یا اهداف دین؛ راهی برای گذار از آفات و آسیبهای دین ورزی و دین پژوهی، مجله: کتاب نقد» پاییز 1386 – العدد 44.
عربی
14. حکمت عبید الخفاجی؛ عبدالله القره غولی؛ مقاصد الأحكام الشرعیة عند علماء الامامیة: قراءة فی التراث الفقهی والتفسیری، مجله: كلیة التربیة الأساسیة» نیسان 2019 – العدد 43.
15. دراز، رمزی محمد علی؛حقوق الإنسان مقاصد ضروریة للتشریع الإسلامی، مجله: الحقوق للبحوث القانونیة الاقتصادیة» ینایر 2012- العدد 40.
16. الدراوی، الدکتور العیاشی؛ الاجتهاد بین مُقتضى تَغیّر الواقع وضرورة تجدید قراءة النصوص، مجله: الاجتهاد المعاصر» الصیف 2016، المجلد 1 – العدد 1.
17. الدراوی، الدکتور العیاشی؛ علم أصول الفقه -مکامن الجمود وممکنات التجدید-، مجله: الاجتهاد المعاصر» الخریف 2016، المجلد 1 – العدد 2.
18. راغب اصفهانی، حسن بن محمد، مفردات الفاظ القرآن، نشر دارالقلم، الطبعة الأولى، 1416 ق.
19. شاطبی،ابراهیم بن موسی،الموافقات فی اصول الشریعه،بیروت ،دار المعرفه،1412ق.
20. عبدالحلیم، اشرف علی؛ مقاصد الشریعة فی العقود المالیة: عقد الاستصناع نموذجا، مجله: جامعة الشارقة» ربیع الأول 1438 – العدد 31.
21. عبدالحمید الشایب، فراس؛ الترجیح بین المقاصد واثره فی الفقه الاسلامی”د ا رسة تاصیلیة تطبیقیة، مجله: دراسات (علوم الشریعة والقانون)» السنة 2015، المجلد 42 – العدد 3.
22. فیروزآبادی، محمد بن یعقوب،قاموس المحیط والقابوس الوسیط الجامع لما ذهب من کلام العرب شماطیط، منشورات داراسلامیه، لبنان، طبع 6، سال 1423ق.
23. قطب مصطفى سانو، معجم مصطلحات اصول الفقه، بیروت، دارالفکر المعاصر، دمشق، دارالفکر المعاصر، الطبعة اوّل، 1420ق.
24. مجاهد، أسامة أبو الحسن؛ حمایة حق ملكیة العین المؤجرة فی ظل عدم دستوریة عقد الإیجار لأقارب المصاهرة، مجله: العلوم القانونیة والاقتصادیة» یولیو 1996، السنة 38 – العدد 2.
25. محمد، فایز محمد حسین؛ فلسفة التشریع فی أحكام الأسرة والمقاصد الشرعیة، مجله: الحقوق للبحوث القانونیة الاقتصادیة» ینایر 2013 – العدد 41 (المجلد الاول).
26. النورى، المیرزا حسین، مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، مؤسسة آل البیت(ع) لإحیاء التراث، الطبعة الثالثة، 1411ق.

