تبيين وفحص اليقين المعرفي في المنهج الاستقرائي عند الشهيد سيد محمد باقر صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تبیین و بررسی یقین معرفتی در راه استقرایی شهید سیدمحمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: يبيّن ويفحص اليقين المعرفي في المنهج الاستقرائي عند الشهيد صدر، حيث يحلل أسس المعرفة عند الصدريين في الاستقراء وكيفية الوصول إلى اليقين الموضوعي. تنتقد معرفية الصدريين الحلول العقلانية التي تعيد الاستقراء إلى التجربة والقياس، وكذلك تنتقد حلول التجريبيين، وتقدم أساسها الاستقرائي على أساس المدرسة الفطرية التي تقوم على أن المعرفة البشرية، عبر التولد الفطري، تصل بعد التصديقات الاحتمالية إلى اليقين الموضوعي وليس المنطقي في طريق الاستقراء. يُفسر دليل الاستقراء عند الشهيد صدر على أساس المرور بمرحلتين: مرحلة الوصول إلى درجات احتمالية وتعزيزها بناءً على العلم الإجمالي حتى أعلى درجة احتمال وهي مرحلة استنتاجية، ومرحلة الوصول إلى اليقين التي تتحقق عبر التولد الفطري وفق شروط المنطق الفطري. في المرحلة الثانية، تتحول درجة التصديق الاحتمالي القوي إلى يقين. يتم هذا التحول بناءً على مبدأ بديهي، ويُطرح معيار صدق بديهية هذا المبدأ وتمييزه عن البديهية الوهمية، وتوافقه مع يقينات موضوعية أخرى مثل مبدأ العلم الإجمالي ومبدأ استحالة التفضيل بلا مفضل. في قسم التقييم المعرفي لرؤية الشهيد صدر، وبالابتعاد عن العموميات واعتبار المدرسة الصدرية سطحية، وبالنظر إلى الإشكالات التي تواجه الاعتدال المبدئي عند الشهيد صدر في المدرسة الفطرية وخاصة مع اعتبار معيار الصدق الذي دفعه إلى التماسك، تبين أن معرفية الصدريين، رغم نجاحها في توضيح مرتبة التصديق الاحتمالي وكذلك اعتبار الفاعل العارف في التصديق، ليست ناجحة في تجسيد اليقين الموضوعي، وهناك إشكالات جوهرية تواجهها.

المؤلف: محمد محمدرضایی، سیده حورا موسوی

المصدر: معرفت فلسفی، شتاء 1396، العدد 2، ص 51 إلى 67.

مقدمة

الاستقراء كأحد طرق المعرفة البشرية له تاريخ بارز بين علماء المعرفة وفلاسفة العلم. بدأ النقاش حول تحقيق اليقين بالاستقراء من منطق أرسطو واستمر حتى أحدث فلاسفة العلم المعاصرين في الغرب مثل كارناپ وجودمان. بين المفكرين المسلمين، كان المنطقيون فقط هم الذين تحدثوا عن الاستنتاجات الاستقرائية إلى جانب القياس، وتناولوا الاستقراء من منظور منطقي؛ لكن حتى العصر الحديث لم يُؤلف بينهم كتاب مستقل عن الاستقراء كوسيلة للوصول إلى اليقين، وكان يُكتفى باليقين المنطقي الناتج عن القياس للوصول إلى اليقين، أي أن اليقين المعرفي كان هو اليقين المنطقي المستمد من البرهان. في العصر الحديث، قام آية الله السيد محمد باقر الصدر بدراسة الأعمال الغربية المتاحة له، وضمن نقده لآرائهم، ابتكر رأيًا مستقلاً حول زيادة تعميم احتمال الاستقراء بناءً على العلم الإجمالي ثم تحوّل ذلك الاحتمال القوي إلى يقين، وكتب كتابًا مستقلًا في هذا المجال. لم يقتصر تطبيق الاستقراء عنده على الوصول إلى اليقين في معرفة الطبيعة من خلال الملاحظات المتكررة فقط، بل اعتبر هذا الطريق صالحًا لليقين في المسائل الدينية وحتى لليقين في المسائل السابقة لمن لا يقبل بديهية تلك المسائل السابقة. لذلك كان لديه هاجتان مهمتان لإثبات يقينية الاستقراء: الأولى هي معارضة بنائية (وليس أساسية) مع التجريبيين الذين لا يقبلون المسائل السابقة لإثبات يقينيتها عن طريق الاستقراء، والثانية هي اليقين في المسائل الدينية والعديد من المعارف التي يمكن فهمها عن طريق الاستقراء ولا يمكن تحقيق اليقين المنطقي فيها. وهدفه من كتاب أسس المنطقية للاستقراء هو تأسيس نظرية معرفية جديدة على أساس الاستقراء.

1. تعريف مدرسة الذاتية عند الشهيد الصدر وطرقا لتوليد المعرفة

أسس الشهيد الصدر مدرسة الذاتية بحل مبتكر لمشكلة تعميم الاستقراء وشرح كيفية الوصول إلى اليقين. فقد بيّن الشهيد الصدر من خلال دراسة مدرستي التجريبية والعقلانية في الاستنتاج الاستقرائي أن المدرسة العقلانية الأرسطية وكذلك المدرسة التجريبية غير قادرتين على حل مشكلة الاستقراء. ولتعريف مدرسة الذاتية أشار إلى اتجاهين للمعرفة: موضوعي وذاتي، ثم شرح توليد المعارف من هذين الطريقين. هذان التوليدان هما طريقتان للاستنتاج للوصول إلى المعرفة اليقينية: الاتجاه الذاتي يتعلق بإدراك الفاعل العارف والحالة التي تحدث داخله، والاتجاه الموضوعي يتعلق بالقضية المدركة التي لها واقع مستقل عن المدرك. لذلك، في هذين الاتجاهين المعرفيين، نواجه حالة إدراكية ومحتوى إدراكي، وبناءً على هذين الاتجاهين المعرفيين، توجد طريقتان لتوليد واستنتاج المعرفة في المعرفة البشرية. هاتان الطريقتان للصعود المعرفي في معرفية الصدر تُسمى التوليد الموضوعي والتوليد الذاتي. العقلانيون في استنتاج اليقين المعرفي يعتبرون التوليد الموضوعي فقط منتجًا. المقصود بالاستنتاج أو التوليد الموضوعي هو أن المعرفة الجديدة تُنتج بناءً على التلازم الحقيقي بين مجموعة من القضايا. بعبارة أخرى، في التوليد الموضوعي، يتم زيادة وإنتاج المعرفة من معرفة أخرى عبر العلاقة المنطقية بين القضايا. المقصود بالعلاقة المنطقية هو تلازم حقيقي موجود بين بعض القضايا، ومن هذا التلازم بينهما تُستخلص معرفة ثالثة. التلازم الموجود بين مقدمات القياس والتي منها يُنتج اليقين في النتيجة هو مثال على هذا التوليد المعرفي. يقبل الشهيد الصدر بهذا الاستنتاج ويعتبر مسائل هندسة إقليدس النظرية من هذه الفئة التي استُنتجت من بديهيات هذه الهندسة بطريقة التوليد الموضوعي. هذا النوع من الزيادة بين القضايا، التي هي موضوع المعرفة ومستقلة عن الفاعل العارف، يتحقق وخصائص المدرك فيها غير مؤثرة (صدر، 1424هـ، ص160-161).

إلى جانب هذا الطريق الاستنتاجي، يرى الشهيد صدر أن التوالد الذاتي هو أيضاً طريق يقيني في المعرفة البشرية. ففي التوالد الذاتي تُبنى معرفة على معرفة أخرى، ولكن ليس بسبب التلازم الحقيقي والجانب الموضوعي للقضايا، بل بسبب التلازم بين المعارف لدى الفاعل العارف وارتباط المدرك بالعبارات، حيث يتحقق هذا الصعود المعرفي في مرتبة اليقين بإذن حقيقي. والتوضيح أن القضايا نفسها لا تمتلك تلازماً منطقياً أو علاقة إنتاجية فيما بينها، ولكن الفاعل العارف بعد اكتسابه معرفة احتمالية، يصدق معرفة أخرى (المرجع نفسه، ص161). لذلك فإن بنية إدراك الإنسان تؤدي إلى اليقين بالقضايا اللاحقة، وليس بنية القضايا التي نُسبت إليها المعرفة الأولى. بنية الإدراك البشري هي على نحو يجعل الصعود المعرفي من درجة من التصديق إلى درجة أخرى من التصديق. ويحدث حصول اليقين في المدرسة الذاتية بسبب التلازم الموجود بين درجات التصديق والواقع، وليس بسبب التلازم بين موضوع المعرفة أي القضايا والواقع (المرجع نفسه، ص 161). ويُستمد اليقين بالتعميمات الاستقرائية من هذا التوالد. وبالنظر إلى النقد الذي وجهه الشهيد صدر لطريقة أرسطو المقترحة في إحالة الاستقراء إلى القياس، لا يعتبر المنطق الأرسطي فعالاً في هذا المجال، ورغم اعتباره اليقين في التعميمات الاستقرائية يقيناً حقيقياً، فإنه يؤكد أنه لا يستمد من تلازمات المنطق الصوري ويحتاج إلى منطق جديد (المرجع نفسه، ص163). يمر الأسلوب الاستنتاجي للتوالد الذاتي في المعارف الاستقرائية بمراحل: مرحلة الولادة الموضوعية ومرحلة الولادة الذاتية. في مرحلة الولادة الموضوعية، وهي مرحلة استنباطية، تصل المعرفة عبر الولادة الموضوعية إلى درجة عالية من الاحتمال القوي. أما مرحلة الولادة الذاتية، فهي المرحلة التي بموجب مبدأ معرفي تتولى الوصول إلى درجة تصديقية هي اليقين (المرجع نفسه، ص 168). وقبل الدخول في هاتين المرحلتين، من الضروري التحدث عن ماهية الصدق في معرفية صدر.

2. الصدق والمطابقة من وجهة نظر معرفية صدر

وفقاً لوجهة نظر صدر، لكل يقين وجهان يمكن تمييزهما عن بعضهما: الوجه الأول هو القضية التي نُسب إليها اليقين، والوجه الثاني هو درجة التصديق التي يُعبّر عنها باليقين. وبعد هذه المقدمة، يقدم الشهيد صدر رؤية خاصة حول الصدق المعرفي وكيفية المطابقة، وهي أول نظرية مبتكرة في نظامه المعرفي الاستقرائي:

إذا تمكنا من التمييز بين القضية التي نُسب إليها اليقين ودرجة التصديق التي يمثلها اليقين، يمكننا أن نميز في المعرفة البشرية نوعين من الصدق والكذب: الأول هو الصدق والكذب في اليقين من الناحية الأولى، أي ناحية القضية التي يتبعها اليقين، وصحة أو خطأ هذا الصدق والكذب تعود إلى ما إذا كانت القضية التي يتبعها اليقين مطابقة للواقع أم لا. فإذا كانت مطابقة، يكون اليقين صادقاً في الكشف عن الحقيقة، وإذا لم تكن كذلك، فهو خاطئ. الثاني هو الصدق والكذب في اليقين من الناحية الثانية، أي من حيث درجة التصديق التي يمثلها اليقين. ففي بعض الأحيان يكون اليقين من الناحية الأولى صحيحاً وكاشفاً عن الحقيقة، لكنه من ناحية درجة التصديق التي يمثلها، خاطئاً. مثلاً، من يرمي قطعة نقود، إذا أُصيب باليقين قبل أن تصل القطعة إلى الأرض بأن وجه الكتابة سيظهر بسبب ميل نفسي، حتى وإن صادف أن ظهر وجه الكتابة، فإن هذا الجزم واليقين المبكر من ناحية القضية صادق، لأن القضية تطابقت مع الواقع، ولكن من ناحية درجة التصديق التي اتخذها قبل الوقت، فهو خاطئ، لأنه لا يملك إذناً بأن يمنح درجة تصديق أعلى لقضية “سيظهر وجه الكتابة” مقارنة بقضية أخرى هي “سيظهر وجه الصورة” (صدر، 1424هـ، ص412-413).

لذلك، وبالنظر إلى هذين النوعين من الصدق والكذب المعرفي وضرورة الصدق في درجة التصديق، نصل إلى معنى المطابقة في منطق صدر، حيث تدخل حالة التصديق لدى الفاعل العارف في المعرفة، ويُراعى شبهات الشكاكين حول فراغ التصديق الذهني للإنسان والصدق الحقيقي للعبارة. وهكذا، يكون للتصديق على أساس الأدلة والقرائن الخارجية في العالم الواقعي درجة خاصة. والحقيقة أو الصدق وفقاً للمصطلح الثاني تعني أن درجة تصديق الفاعل العارف تتطابق مع الدرجة التي تفرضها الأدلة والقرائن الخارجية، والكذب أو الخطأ هو أن درجة تصديقه لا تتطابق معها. يقول الشهيد صدر في هذا الشأن:

الآن، بعد أن افترضنا إمكانية الخطأ في درجة تصديق المعرفة، يعني ذلك أن للتصديق في الواقع درجة معينة تحددها الأذونات الحقيقية، والمطابقة تعني هل درجة التصديق التي أحدثها اليقين في نفس المؤمن باليقين تتطابق مع الدرجة التي تمهدها الأذونات الحقيقية للتصديق أم لا؟ (المرجع نفسه، ص414‌).

في هذا الكلام يُلاحظ بوضوح الاهتمام بمطابقة التصديق مع الصدق، ولم يُكتفِ بمطابقة مضمون العبارة مع الواقع. لذلك، في كل يقين يُفترض وجود مطابقتين: الأولى مطابقة العبارة التي يتبعها اليقين مع الواقع، والثانية مطابقة درجة التصديق التي تمثلها مع الدرجة التي تحددها الأذونات الحقيقية (المرجع نفسه‌، ص 415‌).

من المهم في معرفية الصدري أن يُؤخذ في الاعتبار كل من مطابقة الجملة ومطابقة التصديق الذهني للإنسان، وأن يُفسر تمثيل الواقع بدرجة اليقين بعد اجتياز هذه المراحل. حتى وإن لم يكن معيار الشهيد الصدر للمطابقة من النوع الثاني، أي مطابقة مرتبة التصديق مع الواقع مع المبررات الواقعية، معرفياً، فإن هذا القدر من الاهتمام بالبنية الذهنية للإنسان وضرورة تفسير تمثيل الواقع والفجوة بين تصديق الإنسان ومضمون الجملة، نادر في المعرفية الإسلامية. هنا، يذكر الشهيد الصدر نفسه أن حقيقة تميز اليقين الذاتي (النفسي) عن اليقين الموضوعي تكمن في أن اليقين الذاتي لا توجد فيه مطابقة بين التصديق والصحة؛ أي أنه أعلى درجة تصديق لا يُنظر فيها إلى مطابقتها مع المبررات الواقعية؛ أما في اليقين الموضوعي فهذه المطابقة، أي التصديق اليقيني مع المبررات الواقعية، موجودة (المرجع نفسه، ص 415). ومن هذا البيان يتضح أن حالة اليقين القطعي الموضوعي لها شكل واقعي يختلف عن الحالة النفسية والواقع النفسي، وخلاصة القول إن اليقين المُمَثِّل للواقع هو اليقين الذي يتطابق فيه التصديق الذهني مع الصدق الخارجي. لذلك، لإثبات مطابقة الجملة اليقينية مع الواقع في المدرسة الصدرية، يجب البحث عن مطابقة درجة التصديق مع الواقع من خلال المبررات الواقعية، وهو ما بحثت فيه هذه المقالة في المرحلة الثانية من الاستقراء.

المنهج المعرفي للاستقراء والمرحلة الاستنباطية

في المرحلة الاستنباطية التي تولد فيها الجمل بطريقة موضوعية وترابط منطقي، تكون الجمل احتمالية فقط. في بداية هذه المرحلة، يناقش الشهيد الصدر تفصيلياً نظرية الاحتمال لتحديد الاحتمال الموضوعي (وهو الاحتمال المبرر واقعياً). يبدأ بطرح بديهيات الاحتمال بناءً على الفهم العرفي للاحتمال، ثم يتناول قواعد حساب الاحتمالات؛ وينتقد تفسيرات الاحتمال القائمة على التكرار النسبي وتفسير لابلاس، وفي النهاية يؤسس تفسيره الجديد للاحتمال على علم الإجمال، ويحسب تراكم أو نمو الاحتمال في الدليل الاستقرائي بناءً على ذلك. ويشير إلى أن هذا التفسير متوافق مع بديهيات حساب الاحتمالات وقواعد الاحتمال، وشامل وكافٍ ولا توجد عليه مآخذ (المرجع نفسه، ص 173-296؛ مصباح، 1392، ص 93-120). يحاول الشهيد الصدر، من خلال تقديم المبادئ الأولية لحساب الاحتمالات التي تقبلها جميع التعريفات، أن يثبت بافتراض بداهة هذه المبادئ وإضافة بعض البديهيات الأخرى، أن الاحتمال الموضوعي للجمل يُحسب بناءً على هذه المبادئ، وأن تعريفه في حساب احتمال الجمل متوافق مع التعريفات الأخرى التي يذكرها (مصباح، 1390، ص 79). في هذا النص، يُعتبر تفسير الاحتمال على أساس علم الإجمال المبدأ الموضوعي.

بعد تأسيس معنى الاحتمال، تصل وجهة نظر الصدري في المرحلة الاستنباطية إلى درجة عالية من التصديق في التعميمات الاستقرائية بناءً على تراكم احتمالي للمعرفة حول محور واحد، ويزداد احتمال صدق الجمل المعممة بناءً على هذا التراكم. هذا الارتفاع في الاحتمال ليس نفسياً، بل تقتضيه مقتضيات منطقية لهذه الدرجة من التصديق. بمعنى آخر، تؤدي قواعد حساب الاحتمالات إلى استنتاج منطقي للجمل الثانوية من المعارف البديهية للاحتمالات. وصلت هذه الجمل الثانوية إلى درجة تصديق احتمال قوي، وهذا الاحتمال هو احتمال ناتج عن تولد موضوعي وترابط منطقي.

3. المرحلة الذاتية للاستقراء وتحويل التصديق الاحتمالي إلى اليقين الموضوعي

المرحلة الذاتية هي المسؤولة عن اللحظة المهمة لإنشاء مرتبة تصديق اليقين بطريقة معرفية في التعميمات الاستقرائية التي نمت إلى درجة احتمال قوي. المرحلة الذاتية للدليل الاستقرائي هي مرحلة أولى؛ بمعنى أنها لم تُستنتج من المراحل الاستنباطية، لكنها جميعها تمهيديات لكي يتحول التصديق الاحتمالي إلى يقين في ظروف خاصة ترسمها المنطق الذاتي لتلك الشروط. الترابط بين التصديق الاحتمالي في أعلى درجة والتصديق اليقيني لجملة ما ليس ترابطاً منطقياً، بل هو ترابط ذاتي مسؤول عن إثبات اليقين الموضوعي. يبرر الشهيد الصدر القفزة من درجة التصديق الاحتمالي إلى اليقين عبر الترابط المعرفي الذاتي. في المعرفية الصدرية، الترابط بين الاحتمال القوي واليقين، وبعبارة أخرى الترابط بين بعض درجات التصديق وبعضها الآخر، هو ترابط يمنح الإذن للصعود من الاحتمال المعرفي إلى اليقين المعرفي. وهو لا يعتبر هذا الترابط خاصية نفسية ينتج عنها يقين نفسي للجمل الاستقرائية. بل يعتبر هذا اليقين جانباً معرفياً لإدراك الإنسان ويعترف له بمبرر واقعي، وبعبارة أخرى، فإن معارف الإنسان الأخرى تقتضي هذه الدرجة.

يقول الشهيد صدر: المقصود من اليقين في الدليل الاستقرائي ليس أن الاستقراء قادر على توفير درجة تصديق اليقين المنطقي للإنسان؛ لأنه حتى لو وُجد علم بالسببية بين ظاهرتين متلازمتين في الاستقراء، ولو نشأ هذا العلم بالسببية من خلال زيادة احتمال السببية إلى اليقين، كما هو موضوع النقاش، فلا يمكن أبداً إثبات استحالة وجود سبب غير هذا السبب. لذلك، فإن اليقين المنطقي واليقين الرياضي في الاستقراء غير ممكنين (صدر، 1424‌ق، ص417‌)؛ لأن اليقين المنطقي يتضمن العلم باستحالة نقيض القضية. وكذلك، فإن اليقين الذاتي ليس يقيناً يحتاج إلى مراحل الاستقراء؛ لأنه لا شك في وجود هذا اليقين النفسي بين الناس (المرجع نفسه‌، ص417‌). إذن، المقصود من درجة تصديق اليقين هو اليقين الموضوعي، وبعبارة أخرى، في هذه المرحلة من الدليل الاستقرائي يُطرح السؤال: هل توجد أذونات واقعية للتصديق الاستقرائي بأعلى درجة ممكنة وهي درجة اليقين؟ إذا كانت هذه الدرجة واقعية، فاليقين موضوعي، وإذا لم تكن كذلك، فإن اليقين في القضية الاستقرائية سيكون يقيناً ذاتياً محضاً (المرجع نفسه، ص 417-418‌).

ومن الواضح أنه من وجهة نظر الشهيد صدر، الأذن المعرفي لليقين في حكم ما هو التلازم المنطقي بين الأحكام. لذلك، فإن اليقين الموضوعي، وهو يقين ذو أذن واقعي، أعم من اليقين المنطقي. يبيّن الشهيد صدر في هذه المرحلة أن اليقين المعرفي المبرر يتحقق أحياناً من خلال التوالد الذاتي للمعرفة، وليس من الضروري أن يقتصر اليقين المعرفي على التلازم المنطقي الذي يتحقق عبر التوالد الموضوعي.

4. حاجة اليقين الموضوعي إلى الأصل البديهي وكيفية تطبيقه

كما أُشير إليه، يؤكد الشهيد صدر أننا لا نستطيع أبداً إثبات اليقين في الاستقراء بالاستدلال المنطقي. اليقين الموضوعي في الاستقراء ليس استنتاجياً؛ بل إن كون الاستقراء يؤدي إلى اليقين الموضوعي هو أصل أولي وبديهي. هذا الأصل يُدرك بديهياً، ويجده الإنسان ذو الفكر المباشر في نفسه، عندما يصل احتمال حكم ما إلى درجة عالية من الاحتمال، فإنه يتيقن من ذلك الحكم. إذا تجمّع عدد كبير من القيم الاحتمالية حول محور معين، وأصبح هذا المحور، بتجمع هذه القيم الكثيرة، ذا قيمة احتمالية كبيرة، فإن هذه القيم الاحتمالية الكبيرة تتحول في ظروف خاصة إلى يقين. كأنّ البنية المعرفية البشرية مبنية على أن القيمة الاحتمالية الصغيرة تُمحى لصالح القيمة الاحتمالية الكبيرة، ويتحول التراكم الاحتمالي إلى يقين (المرجع نفسه‌، ص 418‌).

لذلك، فإن بديهية هذا الأصل البديهي وجدانية، والإنسان يجد هذه الحالة اليقينية داخله بلا وسيط. بالطبع، لا يعني هذا أن الحكم الذي هو مضمون الأصل وجداني. ذلك الحكم هو أصل بديهي، ولم يحدد الشهيد صدر نوعه، وكأي أصل أولي آخر، مثل اليقين الموضوعي بأصل عدم التناقض، لا يمكن إثباته ويُدرك بديهياً. ويؤكد في بيان شروط هذا الأصل أنه لا ينوي إقامة برهان عليه، بل يذكر فقط الشروط التي إذا لم تتحقق، فإن الأصل لا ينطبق على تلك الحالات.

طريقة تطبيق هذا الأصل هي أنه كلما تجمعت قيم الاحتمال حول محور واحد وبلغت مقداراً كبيراً، فإنها تتحول إلى يقين بوجود شروط معينة. مثلاً، بالنسبة لسبب الظاهرة B، هناك علم إجمالي بأن السبب إما A أو C. لذلك، في البداية احتمال علة A هو نصف؛ ولكن مع تكرار ملاحظة اقتران A مع B، يزداد احتمال علة A. ونتيجة لذلك، تصبح علة A محوراً لزيادة درجة التصديق الاحتمالي، وعندما يزداد الاحتمال حول محور واحد إلى درجة عالية، يتحول إلى يقين بوجود الشروط.

هذا التحول ليس ناشئاً عن عوامل شخصية أو نفسية، بل هو نتيجة سير نمو المعرفة البشرية. مقدار الاحتمال الكبير الذي يتحول إلى يقين وفق الأصل يختلف ذاتياً (نفسياً) بين الأفراد، ويعتمد على ظروفهم في مقدار الاحتمال والدرجة التي تولد لديهم يقيناً نفسياً. تحديد هذا المقدار لا علاقة له ببحثنا؛ لأن اليقين في التعميمات الاستقرائية ليس يقيناً نفسياً، ولكن من الناحية الموضوعية يؤكد الشهيد صدر أن تحديد هذا المقدار الاحتمالي غير ضروري، وأن مجرد معرفة أن الاحتمال يصل إلى درجة عالية كافية لتحويله إلى يقين إذا توافقت مع يقينات موضوعية أخرى. ونعلم أن هذا المقدار من الاحتمال موجود في الاستقراءات التي نتفق على نجاحها (المرجع نفسه، ص424-425). يجب الانتباه إلى أن الحكم بأن كل الاحتمالات القوية تتحول إلى يقين، وأن الاحتمال الصغير يزول لصالح الاحتمال الكبير، ليس صحيحاً بالضرورة في كل الحالات، بل هناك شروط لتطبيق هذا الأصل.

5. معيار صدق بداهة الأصل؛ التوافق وعدم التناقض مع اليقينات الأخرى

يعتبر الشهيد صدر بناءً على بداهة موضوع الأصل المذكور، أن درجة تصديق اليقين مبررة معرفياً. والآن يُطرح السؤال: ما هو المعيار لصدق بداهة هذا الأصل، وبعبارة معرفية صدرية، ما هو المعيار لتمييز التصديق الموضوعي عن الوهمي؟ ما كان القدماء يعتقدونه بشأن معيار صدق البديهي هو عدم حاجة البديهي إلى الجهد الفكري. كانوا يرون البديهي حكماً لا يحتاج إلى برهان. وكانوا يستندون في ذلك إلى رأي المنطقيين الذين يرون عدم حاجة البديهي إلى الجهد الفكري (شیرازی،1993م، ص 297؛ صفوی، 1997م، ص111-112). ومن الواضح أن البديهة، رغم أنها لا تحتاج إلى برهان، إلا أنها تحتاج إلى معيار صدق.

يقول الشهيد صدر: إن درجات التصديق البديهية، لأنها قد أُحرزت ابتدائياً، لم تُستنبط بدورها من درجات أخرى تخص تصديقات موضوعية أخرى؛ لكن هذا لا يعني أن كل درجة تصديق لا يمكن استنباطها من درجات تصديق أخرى، تكون بديهية ومباشرة وبالتالي دالة على قيمة موضوعية لذلك التصديق؛ لأن درجات التصديق الذاتية التي لا مسوّغ حقيقي لها، والتي هي مجرد حالات نفسية إدراكية، لم تُستنبط أيضاً من الدرجات السابقة، لكنها في الوقت ذاته لا تمتلك قيمة حقيقية (صدر، 1424هـ، ص 418). بناءً على ذلك، يفرق بين الجملة البديهية الموضوعية والجملة الوهمية غير المستنبطة، ولإظهار بداهة الموضوعية لهذا الأصل وواقعيته في تحقيق تعميمات الاستقراء إلى درجة اليقين، يتحدث عن معيار التوافق بين اليقينيات الموضوعية.

المعيار هو أن تحويل درجة الاحتمال إلى يقين، لا يتعارض مع يقينيات موضوعية أخرى لا يمكننا التخلي عنها. لذلك، إذا كان تحويل درجة احتمال قوي إلى يقين يتنافى مع قضية قد تحقق يقينها الموضوعي سابقاً، يتضح أن هذا الحال ليس موضع تطبيق الأصل، ولا يملك تحويله إلى تصديق يقيني مسوغاً حقيقياً؛ إذن فهو ليس استنباطياً ولا موضوعياً، بل وهمي، لأنه يتناقض مع يقينيات موضوعية أخرى، وهذا يدل على عدم واقعيته (المرجع نفسه، ص 420).

تضع معرفتية الشهيد صدر شروطاً للأصل الأولي لتنظيم تحويل درجة التصديق الاحتمالي إلى يقين بناءً على هذا الأصل البديهي للترقي المعرفي. يمكن رفع الاحتمال القوي إلى درجة اليقين فقط إذا لم يؤدِ تجاهل الاحتمال الأصغر إلى زوال أصل العلم الإجمالي الذي كان أساس الاحتمال. فإذا تعارض تحويل الاحتمال إلى يقين مع العلم الإجمالي، فهو في الحقيقة يتعارض مع أصل الاحتمال، ولا يمكن في هذه الحالة تطبيق الأصل البديهي. خلاصة القول إن زوال الاحتمال الصغير لتحويل الاحتمال الكبير إلى يقين، لا ينبغي أن يؤدي إلى زوال أصل العلم، وبعبارة أخرى إلى زوال أصل الاحتمال (المرجع نفسه‌، ص 426‌).

يوضح الشهيد صدر هذا الموضوع أكثر بمثال[1]، والنتيجة هي أنه في الحالات التي يوجد فيها علم إجمالي، إذا نُفذ الأصل المذكور في جميع الأطراف الاحتمالية، يؤدي ذلك إلى زوال اليقين في أصل العلم، وإذا نُفذ في طرف احتمالي واحد دون أن يكون هذا الطرف مفضلاً على الأطراف الأخرى، فلا يملك ذلك مسوغاً حقيقياً معرفياً، ويتعارض مع اليقين بأصل استحالة تفضيل غير المفضل (المرجع نفسه، ص 426-428). إذن، في الحالات التي يوجد فيها علم إجمالي وأطراف احتمالية، لا يُنفذ تحويل الاحتمال القوي إلى يقين أبداً، ولن يكون هناك مسوغ حقيقي بسبب تعارضه مع يقينيات أخرى مسلَّمة. لذلك، يُطبق هذا الأصل في الحالات التي يوجد فيها على الأقل علمان إجماليان، وقد صور الشهيد صدر هذا الاحتمال في شكلين في المنطق الذاتي (المرجع نفسه، ص 429-447).

6. تقييم مرحلة اليقين في معرفتية الشهيد صدر

سبق أن ذكرنا أن المدرسة الصدرية تعتبر اليقين الموضوعي غير قابل للاستدلال لكنه يحتاج إلى أصل بديهي، والذي في وجود شروط معينة يصبح مسوغاً حقيقياً. كان ذلك الأصل البديهي، وفقاً لنظرية الصدق في التوالد الذاتي، عبارة عن ملازمة حقيقية بين التصديق الاحتمالي القوي والتصديق اليقيني الذي يحدث في سير المعرفة البشرية. وقد ذُكر أن هناك شروطاً لتطبيق هذا الأصل البديهي، وهي التوافق مع يقينيات أخرى مسلَّمة، مثل اليقين بأصل العلم الإجمالي وأصل استحالة تفضيل غير المفضل. في مقام التقييم، نبدأ بعرض النقاش وفقاً لتقريظ الدكتور سروش.

7. التقييم وفقاً لتقريظ سروش؛ الردود والإضافات الواردة عليه

فيما يتعلق بنظرية الشهيد صدر، أول قراءة تُطرح هي النقد الذي أدخله المؤلف تفرج صنع على هذا النظام المعرفي. قدم الدكتور سروش أربعة تقييمات رئيسية حول مرحلة اليقين، ونحن في مقام الرد عليها أو استكمالها.

1-7. «دراسة نفسية الشهيد صدر في المنطق الذاتي» والرد عليها

يقول مؤلف تفرج صنع إن الشهيد صدر يريد أن يثبت أن الإنسان له الحق في أن يكون متيقناً من التعميمات الاستقرائية. هذا الحق لا يمنحه إياه قياس منطقي، بل إن بنية ذهن الإنسان هي بحيث في ظروف خاصة، وبمقارنة بين القيم الاحتمالية للنظريات المتنافسة، يفضل واحدة على الأخرى ويرتقي ظنه إلى مرتبة اليقين. يُقبل وجود مثل هذا اليقين في البداية كحقيقة نفسية، وكل النقاشات اللاحقة تعبر في الحقيقة عن تحولات نفسية ذهنية للبشر. سير المعرفة عند الشهيد صدر، كما يقول هو نفسه، ليس سيراً منطقياً، وإذا جاز تسميته، فهو علم نفس. لقد قام بتحليل البشر نفسياً ويقول إن الجميع كذلك، مع تزايد أدلة الصدق، يكتسبون ظناً قوياً بصحة قضية كلية، ويصعدون في ظروف خاصة من سلم هذا الظن إلى قمة اليقين، ويطمئنون إلى صدق تلك القضية الكلية (سروش، 1380، ص 459-460). في النهاية، يرى سروش أن خلط الفلسفة بعلم النفس هو أدق أنواع الخلط العلمي، ويعتقد أن ما أسسه الشهيد صدر هو وضع علم النفس مكان المنطق (المرجع نفسه، ص 460).

يبدو أن الظن الذي أبداه حول نفسية الابتكار الصدري نابع من تصور خاطئ حول ماهية الذاتي في إطلاق مذهب الذاتي عند الشهيد الصدر. في البداية بدا له أن الذاتي يعادل السوبجيكتيف بمعنى ذهني وشخصي؛ معنى نفسي يمثل حالة من حالات الفاعل العارف. لذا يعتبر آراء الصدري دراسة نفسية وليست منطقية. يقول إنه بناءً على مذهب الشهيد الصدر، فإن البحث في الحالات الذهنية والنفسية ثم الإيمان المنطقي بها يجب أن يصدر أيضًا إذنًا منطقيًا باعتبار الخرافات النفسية منطقية (المرجع نفسه، ص 461).

لكن هل حقًا كان الشهيد الصدر يقصد هذا المعنى من التولد الذاتي؟ فقد أزال هذا الشبهة بتكرار التنبيهات حول الفرق بين اليقين الموضوعي واليقين الذاتي، والوصول إلى اليقين الموضوعي في التولد الذاتي. التدقيق في الخطوات التي اتخذها في طرح دليل الاستقراء على أساس ارتباط الفاعل العارف بالقول يوضح عدم صحة هذا الاعتراض. فهو يعتبر مرحلة التولد الذاتي، التي هي الحيث الثاني في المعرفة البشرية، ناظرة إلى نفس الإدراك والتصديق ومراتبه. درجات التصديق، رغم اعتمادها على الفاعل العارف، لها مراتب باعتبارها نوعًا من الوجود. الانتقال من مرتبة تصديق إلى أخرى أمر موضوعي، ويجب أن تقتضي المبررات الواقعية هذا التحول حسب رأي الشهيد الصدر. بناءً على ما تقدم، المقصود من جهة الذاتي في المعرفة ليس معنى نفسي أو شخصي، بل المقصود هو درجة تصديق الفاعل العارف للقضية بناءً على المبررات الواقعية (حسین‌زاده، 1394، ص278-280).

رغم أن مصدر اعتراض سروش يتعلق بعدم إعطاء معيار واقعي وعدم تحديد حدود الدرجة الاحتمالية التي تتحول إلى يقين (وهو موضوع اعتراض منفصل)، إلا أنه ليس صحيحًا أن الشهيد الصدر ترك عمله المنطقي ودخل في علم النفس (خسروپناه، 1383، ص 52). فقد أسس الشهيد الصدر مذهب الذاتي على أساس المنطق الذاتي وطرح شروط اليقين الناتج عن الاحتمال. الاعتراض على معاييره المتناسقة في المعرفة وكون اليقين الناتج نفسيًا لا يعني دخوله في علم النفس وخروجه من النقاش المعرفي. يبدو أن سروش بالغ في هذا المجال؛ حين قال: «أكثر من هم عرضة للضرر هم الذين يريدون أن يشرحوا الفلسفة بناءً على العلم الحضوري والتأمل الداخلي» (سروش، 1380، ص 461). فهو يطرد كل ما يتعلق بالإدراك الذاتي ونفس الإنسان من ثروات الفلسفة، بينما هو نفسه يتحدث في بعض الأحيان عن الحدس، ويقول للشهيد الصدر إنه بدلًا من كل تلك البراهين المعقدة والحسابات الرياضية قبل مرحلة اليقين، كان يمكن اعتبار هذا اليقين حدسيًا من البداية والحكم بأن مثل هذا اليقين موجود في كل إنسان (المرجع نفسه‌، ص461). وهو يسخر من العلم الحضوري ومن وجهة نظر الشهيد الصدر والذاتيّة الأرسطية، لكنه لا يحدد بدقة ما هو المعيار الذي يعتمد عليه في اليقين المعرفي.

2-7. «كون التولد الذاتي استقرائيًا» وتكملته

يطرح الدكتور سروش تحت عنوان «كون مرحلة التولد الذاتي استقرائية» اعتراضًا مصادرًا على النظام الصدري. يقول: إن قول الشهيد الصدر «الجميع يتيقن أنه إذا أكل الإنسان يشبع» هو في حد ذاته ادعاء استقرائي. لا شك أن الشهيد الصدر نفسه يملك هذا اليقين، لكن من أين تأكد أن الآخرين يشتركون معه في هذا اليقين؟ ربما هناك من لم يصل إلى درجة اليقين في هذا القول. عدم اعتبار هؤلاء الأشخاص أصحاء ومتزنين هو بمثابة إخراج المنافس من ساحة المنافسة (المرجع نفسه، ص 461).

يمكن لمذهب الصدري أن يرد بأن هذه المسألة، حتى وإن كانت ادعاءً استقرائيًا، لا تُعد من أسس الاستقراء ولا تمس استنتاجه الاستقرائي (خسروپناه، 1383، ص 53)؛ بل إنها مجرد اعتراض على أحد الأمثلة التي استُخدمت لتوليد موضوع في المعرفة البشرية. ما يعيب نظرية المعرفة الصدرية هو الحكم المستفاد من مبدأ العلية، الذي من جهة يزداد احتمال صحته بدليل الاستقراء، ومن جهة أخرى يُفسر في المرحلة الثانية بعبارة «استحالة تفضيل ما لا يُفضّل»، وهو مبدأ يقيني يجب أن تتوافق معه اليقينات الأخرى. لذلك، ما يُراد بلوغه بالاستقراء إلى مرحلة اليقين يجب أن يكون يقينيًا مسبقًا لتحقيق مراحل الاستقراء. لو كان سروش قد طرح هذا الاعتراض، لكان اعتراضًا قويًا. لذا، لإتمام هذا الاعتراض، يجب توضيح كيف تحتاج مرحلة التولد الذاتي نفسها إلى الاستقراء، وكيف تتعرض هذه المرحلة لمغالطة التدوير. في ما يلي سنتحدث عن مبدأ العلية في مرحلة اليقين بتقريب معرفي لإعادة التقييم.

3-7. «عدم تحديد حدود تحويل الاحتمال إلى يقين» وتكملته

في هذا الاعتراض، أشار سروش إلى مشكلة مهمة، وهي أن درجة التصديق الاحتمالي التي تتحول إلى يقين لم تُحدد، بحيث يُطابق المبدأ الأولي الذي طرح في مرحلة التولد الذاتي والمسؤول عن تحويل درجة التصديق الاحتمالي إلى يقيني. لذلك، لم يقدم الشهيد الصدر درجة محددة يرتقي عندها التصديق الاحتمالي إلى التصديق اليقيني، وهذا عدم التحديد هو بالضبط نفس الاعتراض الذي وجهه الشهيد الصدر إلى القاعدة الأرسطية الاتفاقية المتعلقة بعدم وضوح حالات الأكثرية (سروش، 1380‌، ص‌‌461‌). هذا الاعتراض من نقاط التأمل المعرفي في المذهب الصدري التي لا يمكن تجاوزها بسهولة. في الجزء الثاني من التقييم، سنقدم تقريبًا أكثر اكتمالًا لمشكلة عدم وجود معيار حقيقي لتحديد درجة الاحتمال.

4-7. «انعدام الحماية من العوامل غير المرئية في الاستقراء الصدري» والرد عليه

هذا الاعتراض من بين الاعتراضات التي تنبع من العمومية في نقد الناقد. يقول إن الشهيد الصدر لم يقدم قاعدة تمكن من النجاة من الخطر الجسيم المتمثل في الأخذ بالمابالعرض بدلًا من المابالذات في الملاحظات الاستقرائية. قد يكون في التعميمات الاستقرائية حالة مخالفة غير مختبرة تضعف اليقين فيها (المرجع نفسه، ص 463).

يبدو أن طرح هذا الإشكال ليس سوى توضيح لمشكلة الاستقراء التي استند إليها الشهيد الصدر في تأسيس المنطق الذاتي. فمشكلة الاستقراء أساساً تكمن في كيفية تعميم الحكم من الأمور المحسوسة إلى الأمور غير المحسوسة، وقد أجاب الشهيد الصدر على ذلك بتأسيس المنطق الذاتي، وإذا لم يقبل سروش مبادئ هذا المنطق، فعليه أن ينتقد تلك المبادئ بوضوح ويتجنب العموميات (خسروپناه، 1383، ص 55). يجب عليه أن يطرح احتمال وقوع أمر متناقض مع سير النمو التصديقي للاستقراء مع مراعاة المنطق الذاتي. كما أن اليقين في التعميمات الاستقرائية ليس يقيناً منطقياً (أي الذي يكون نقيضه مستحيلاً)، بل هو يقين موضوعي بموجب رخصة واقعية.

8. تقييم المعرفة الإبستمولوجي لليقين في المدرسة الصدرية

في الجزء الثاني من التقييم، وبعد تقديم المراجعات اللازمة مع مراعاة نظام المنطق الذاتي، نقوم بتقييم المرحلة الثانية من دليل الاستقراء الصدري.

1-8. توافق اليقين الموضوعي وتداعي الإنسجام

في معيار التمييز بين اليقين الوهمي واليقين الموضوعي (اليقين الموجه والمدلل)، وبالنظر إلى أن كلاهما غير مستنتج، قيل إن اليقين الموضوعي هو اليقين المتوافق مع يقينيات أخرى؛ بمعنى أنه لا يوجد تناقض بين درجة تصديق اليقين مع جمل يقينية أخرى. قدم الشهيد الصدر هذا المعيار للبداهة الإبستمولوجية، ولمنع الادعاء ببداهة بعض الجمل غير المستنتجة التي هي وهمية، طرح هذا التمييز واعتبر اليقين الذي يتحقق في المرحلة الثانية من دليل الاستقراء يقيناً موضوعياً. لذلك، فإن تحويل الاحتمال المعرفي إلى يقين بناءً على الأصل الأولي، موجه وله رخصة واقعية؛ لأنه متوافق مع يقينيات أخرى لدينا في دليل الاستقراء. يبدو أن هذا المعيار لواقعية اليقين في دليل الاستقراء لا يمكن أن يكون صحيحاً لمنهج المبناوي. ومن المسلم به أن الشهيد الصدر، وفقاً لتصريحات كثيرة حول بداية المعرفة وأسسها (سواء الاحتمالية أو اليقينية)، هو من المبناويين، ولهذا فإن المعيار المذكور يستحق التأمل. بعض المنسجمين يرون في توافق شبكة المعتقدات، توافق بعض المبادئ المنطقية مثل مبدأ عدم التناقض معيار صدق المعتقدات ويؤكدون عليه (اوریت و فیشر، 1389، ص320‌). رغم أن المبناويين أيضاً يعتقدون بأن معتقداتنا متماسكة، إلا أنهم لا يعتبرون ذلك معياراً لواقعية اليقين. التوافق مع يقينيات أخرى ليس معياراً للواقعية؛ فقد يكون الحكم محل النظر متناقضاً مع حكم آخر ليس ضمن مجموعة المعتقدات المعرفية للفرد. لذلك، فإن اعتبار الشهيد الصدر في المنطق الذاتي معيار اليقين الموجه هو توافق ذلك اليقين مع يقينيات سابقة في دليل الاستقراء، هو نوع من الخروج عن مناقشات المنهج المبناوي في سير الصعود المعرفي من الخاص إلى العام.

2-8. التناقض مع قاعدة حساب الاحتمالات

يعتبر الشهيد الصدر معيار صدق اليقين الموضوعي هو توافقه مع يقينيات أخرى، بينما يبدو أن تطبيق الأصل الأولي وتحويل الاحتمال القوي إلى يقين يتناقض مع قواعد حساب الاحتمالات؛ وهي القواعد التي كانت أساس المرحلة الاستنباطية للاستقراء، وكان دليل الاستقراء يقوم على زيادة احتمال الصدق بناءً عليها. لذلك، إذا كان تطبيق الأصل الأولي في المرحلة الذاتية يتعارض مع يقينيات أخرى لدينا في دليل الاستقراء، فإنه وفقاً للمعيار الذي ذكره الشهيد نفسه، لا يمكن أن يكون له رخصة واقعية.

بيان التناقض بين قواعد حساب الاحتمالات وأصل المحول الاحتمالي المعرفي إلى يقين على النحو التالي: موضوعية اليقين في الحسابات الاحتمالية تكمن في أن التفضيل الاحتمالي يجب أن يكون وفق مقتضى؛ لا أكثر، وإذا فضلنا، خلاف المقتضى، مقولةً أكثر، فإننا نقع في تناقض مع حساب الاحتمالات. وفق ما بيّنه المذهب الذاتي، فإن المقدار الذي يُعطي الإذن الحقيقي لزيادة الاحتمال بواسطة العلم الإجمالي الثاني كان، على سبيل المثال، بدرجة تصديق متكررة للملاحظة. مثال آخر يذكره الشهيد صدر هو أنه بناءً على تكرار عشر ملاحظات، وصلت درجة التصديق الاحتمالي إلى {{N4}}. هذه الدرجة المعرفية تتوافق مع قواعد حساب الاحتمالات. الآن، إذا أراد الأصل الأولي أن يرفع هذه الدرجة المعرفية أكثر من المقتضى، فإن هذا التفضيل يكون بلا مبرر ومتعارض مع قواعد الاحتمالات في مرحلة الاستنباط. كأننا في حساب الاحتمالات نحول {{E12}} إلى {{F3}} بدون مقتضى. إذا افترضنا وجود إذن لتفضيل أكثر من المقتضى، فإن المقدار الذي يعززه الأصل الأولي لتحويل الاحتمال العالي إلى يقين (تحويل الاحتمال الكسري إلى درجة تصديق 1)، يجب أن يدفع بنفس المقدار الطرف الاحتمالي الآخر. لذلك، عندما يتحول {{E12}} إلى 1، يجب أن يتحول {{F3}} أيضًا إلى {{N4}}. المقدار الذي يمنحه الأصل المحول لاحتمال إلى يقين كإذن لتغيير في الحسابات، يجب أن يعزز الطرف الآخر بنفس القدر، وهذا التحويلان، مع العلم أن مجموع الاحتمالات حول 1، يكون في تناقض. الإذن الحقيقي الذي يوصّل طرفًا احتماليًا إلى اليقين لا يمكن أن يقلل احتمال الطرف الآخر بلا مقتضى، بحيث يصبح مجموع الاحتمالات للطرفين أكثر من 1، وهو ما يوضحه حساب الاحتمالات. لذلك، إذا كان الإذن موضوعيًا، يجب أن يعمل بشكل متساوٍ؛ وإلا يكون التفضيل بلا مبرر، وإذا كان هذا الإذن إذنًا نوعيًا يعكس بنية ذهن الإنسان التي تجعل اليقين هكذا، فإن اليقين في التعميمات الاستقرائية هو يقين نفسي، لا يقين يقتضي إذنًا حقيقيًا. لذلك، بما أن تنفيذ الأصل يتناقض مع هذه القاعدة من حساب الاحتمالات التي تقول إن مجموع الطرفين لا يجب أن يزيد عن 1، فإن تنفيذ هذا الأصل يقف في وجه علمنا اليقيني، وهذا التناقض موجود في جميع الحالات. إذًا، في كل التعميمات التي طبق فيها الشهيد هذا الأصل، يكون اليقين الموضوعي بلا مصداق.[2]

3-8. استخدام أصل العلية العقلية بالطريقة السابق ذكرها والمشكلة في مصادرته

يقول الشهيد صدر عن شروط تطبيق الأصل الأولي: لا يُطبق الأصل حيث يكون العلم الإجمالي للطرفين متساويًا؛ لأن التفضيل بلا مبرر مستحيل، وأي احتمال يتحول إلى يقين يؤدي إلى زوال العلم. بناءً على ذلك، يقول يجب أن يكون هناك علم إجمالي آخر يخرج العلم الإجمالي الأول من حالة التساوي. من جهة أخرى، يقول الشهيد إن اليقين بالعلية العقلية في دليل الاستقراء غير ضروري، وأن دليل الاستقراء في مراحله لا يحتاج إلى مقدمات مسبقة، ومن اللافت أنه يؤكد هذه المسألة (صدر، 1424هـ، ص90)؛ بينما إنكار التفضيل بلا مبرر هو قراءة من قراءات أصل العلية. لذلك، الأصل العلي الذي كان من المفترض إثباته بزيادة الاحتمال في مراحل الاستقراء يصبح أساسًا سابقًا. بمعنى آخر، في المرحلة الأولى التي هي مرحلة الاستقراء، يزيد احتمال العلية. في المرحلة الثانية، وهي مرحلة اليقين بالتعميمات الاستقرائية، يستخدم أصل العلية لاكتشاف العلية. لذلك، استخدام إنكار التفضيل بلا مبرر، الذي هو تفسير لأصل العلية، في المرحلة الثانية (لتوفير شروط تطبيق الأصل الأولي) هو مصادره. يعتقد الشهيد أن هذا الأصل لا يُستخدم بيقين في الاستقراء، وإنما فقط احتمال الأصل العلي وعدم إنكاره ضروريان لبدء المعرفة؛ بينما في شروط الأصل البديهي في مرحلة اليقين، يعتبر إنكار التفضيل بلا مبرر يقينًا موضوعيًا، ويرى التناغم معه ضروريًا لليقين الذي يُراد الحصول عليه من خلال التعميم. من هذا المنظور، تحتاج معرفية صدر إلى ترميم وتناغم، ولا ينبغي أن تظن أن احتمال وعدم إنكار أصل العلية العقلية فقط يكفيان لدليل الاستقراء.

4-8. الفرق بين درجة التصديق الاحتمالي المحول إلى يقين وعدم تقديم معيار حقيقي

في مرحلة التولد الذاتي، التي هي مرحلة تحويل درجة التصديق من احتمال إلى يقين، يؤكد الشهيد صدر أن تحديد حدود هذه الدرجة الاحتمالية من الناحية الموضوعية غير ضروري، وأن المقدار الذي نعلم به أن بعض استقراءاتنا في هذه المرحلة نجحت ووصلت إلى اليقين كافٍ (المرجع نفسه، ص 425). لذلك، فإن ما يُعتبر درجة احتمال عالية يختلف، والمنطق الذاتي لم يحدد حدودًا لذلك، وفي النهاية يصبح أمرًا نسبيًا. الاحتمال الذي له إذن حقيقي، والذي يصل فيه الإنسان في تلك المرحلة إلى درجة تصديق اليقين بتطابق شروط المنطق الذاتي، يجب أن يكون له درجة محددة في التحول إلى اليقين، بالنظر إلى أن الواقع أمر واحد. إذا لم يكن بالإمكان تحديد مقدار محدد كما أصر الشهيد، فإن هذا الاختلاف، مع اعتبار مبررية وواقعية اليقين الناتج عن هذا الارتقاء في التصديق الاحتمالي، يدل على اختلاف في الواقع، وبعبارة أدق، يمكن القول إنه لا وجود لواقع متعدد؛ لأن الواقع أمر واحد ولا يقبل النسبية. لذلك، فإن الاختلاف الذي قبله الشهيد بنفسه، هو هدم لمبررية وواقعية اليقين المذكور.

بناءً على هذه المشكلات بالذات، اعتبر بعضهم الانتقال من الاحتمال إلى اليقين من منظور صدر الدين النفسي العقلي (خسروپناه، 1383، ص 55). يجب أن نرى كيف يمكن للانتقال العقلي أن يمتلك مصداقية معرفية؛ انتقال لا يبدأ بدرجة تصديق محددة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الذين يؤمنون بالانتقال النفسي العقلي تساءلوا من شهيد صدر عمّا إذا كان هذا الانتقال مرادفًا للتأييدية؟ على ما يبدو، هذا السؤال له جواب، وهو أن الشهيد يسعى لإثبات اليقين في التعميمات الاستقرائية. لذلك، هو إثباتي ويبتعد عن التأييدية. ومن الجدير بالذكر أن في الاستقراء التأييدي لا يُحصل إلا على نتيجة محتملة أكثر، والتي يُطلق عليها اصطلاحًا «التأييد الأصلي» (اوریت و فیشر، 1389، ص336)؛ لكن عند شهيد صدر، درجة التصديق الاحتمالي القوي قد تجاوزت مرحلة واحدة من الاستقراء، وبالمنطق الذي يذكره للمرحلة الثانية، يسعى لإثبات نتيجة يقينية. خلاصة القول، أنه بالرغم من كل الدفاعات التي توجد للعمل المنطقي لشهيد صدر والخطوة نحو الإثباتية، ورغم جهد شهيد صدر ووعيه بضرورة وجود إذن حقيقي، فإن هذا الإذن المعرفي في تحويل التراكم الاحتمالي إلى يقين لم يتحقق.

5-8. دراسة بديهية الأصل المحول لدرجة الاحتمال إلى اليقين

في مرحلة التولد الذاتي، تُعتبر بديهية تحويل تراكم المعرفة إلى يقين ادعاءً وضمن عملية الدليل الاستقرائي الأساسي بديهيةً. سنناقش الكلام حول بديهية هذه البديهية. بناءً على مبادئ الدليل الاستقرائي، والمبادئ الموضوعية والبديهيات التي تُفترض في هذا الدليل، لا يمكن أن تكون هذه المبادئ استقرائية بذاتها، بل يجب أن تكون سابقة؛ لأن شهيد صدر يستثني المبادئ الموضوعية من قدرة الاستقراء على إحداث اليقين للمبادئ الاستقرائية نفسها (صدر ، 1424هـ، ص504)، ومن ثم في اعتبار بديهية هذه البديهية التي تميل بالاحتمال نحو اليقين، من الضروري دراسة نوع هذه البديهية. من كلام شهيد صدر يتضح أن البديهيات التي قُدمت في المرحلة الأولى من الدليل الاستقرائي (المرحلة الاستنباطية) هي بديهيات أولية وتُعد من البديهيات الرياضية. في مرحلة اليقين، ما نوع البديهيات التي تنتمي إليها العبارة «كلما بلغت درجة التصديق المعرفي مستوى عاليًا، تتحول إلى يقين بوجود شروط معينة»؟ تحديد نوع بديهية هذه العبارة ضروري لمعيار صدقها. لقد حصر شهيد صدر البديهيات التي يمكن أن تكون سابقة في الأوليات والفطريات؛ مع أنه يعتقد أنه يمكن أيضًا الاستدلال على هاتين الفئتين من البديهيات عبر الاستقراء؛ لكن بما أن طريق الدليل الاستقرائي هنا مستبعد، لأن العبارة من مبادئ الدليل الاستقرائي، فيجب أن تكون هذه البديهية أولية وفطرية بطريقة سابقة. لم يصرّح شهيد صدر بتحديد هذه البديهية، ولكن إذا نظرنا إلى القرائن المذكورة، يبدو أن هذه البديهية لا يمكن أن تكون إلا أولية. الآن السؤال هو: هل بمجرد تصور الموضوع والمحمول يتحقق تصديق حقيقي بينهما؟ وإذا تحقق هذا التصديق، فهو تصديق ذهني ولا يمتلك معيارًا واقعيًا. ولحل هذه المشكلة ولإظهار بديهية الأصل المعرفي، يقدم أمثلة كثيرة كلها استقرائية، ولا يمكن استخدام الدليل الاستقرائي في المبادئ الموضوعية للاستدلال الاستقرائي (كما أشار هو نفسه).

حاصل ذلك أن الأصل الأولي المذكور في ‌‌المرحلة الثانية من دليل الاستقراء، هو الأساس والركيزة لهذه النظرية. بعضهم اعتبر هذا الأصل المعرفي الذي به يتحول تراكم التصديق الاحتمالي إلى درجة تصديق اليقين، أصلاً نظرياً، وفسر قول الأستاذ بأن «في مقام البرهان على هذا الأصل لستُ» تلميحاً إلى أن هذا الأصل (حسینزاده، 1394، ص 278) ليس بديهيًا، وبالتالي فإن الأصل المذكور هو أصل نظري يشكل المحور الأهم لنظرية ما، لكنه لم يُقم له برهان (المرجع نفسه، ص 278). ويضيفون على هذا القول أن إقامة هذا البرهان صعبة، وما يفتح المشكلة هو أنه لا حاجة لتحويل تراكم الاحتمال إلى يقين موضوعي وتجاهل احتمال العكس، فذلك التراكم الاحتمالي ودرجة الاحتمال العالية نفسها من خلال حساب الاحتمالات في مرحلة التولد الموضوعي مبررة ومُدللة، وهذه الدرجة من المعرفة تكفي في الجمل اللاحقة بل وفي بعض مجالات الجمل السابقة (المرجع نفسه، ص 278).

التلخيصوالاستنتاج

بناءً على ما تقدم، فإن المعرفية الصدرية بابتكار التولد الذاتي للمعرفة، تناولت تفسير اليقين في الاستقراء عبر مرحلتين. المشاهدات الاستقرائية في المرحلة الأولى، بناءً على التولد الموضوعي والترابط المنطقي، تُنتج علومًا إجمالية تُنتج تصديقات احتمالية استقرائية وفق بدهيات نظرية الاحتمال. وعندما تصل الجمل الاستنتاجية إلى أعلى درجة احتمالية، تتحول وفق المنطق الذاتي إلى تصديق يقيني. الترابط بين التصديق الاحتمالي في أعلى درجة والتصديق اليقيني للجملة ليس ترابطًا منطقيًا، بل هو ترابط ذاتي يتحمل إثبات اليقين الموضوعي. الشهيد صدر اعتبر المرحلة الثانية من دليل الاستقراء بحاجة إلى أصل بديهي. معيار صدق هذا البديهي وتميزه عن التصديق الوهمي في المعرفية الصدرية هو توافق وعدم تناقض هذا الأصل مع يقينيات موضوعية أخرى، منها أصل العلم الإجمالي وأصل استحالة التفضيل بلا مرجح.

في الغالب، ما قيل في تقييم النظرية الصدرية اقتصر على أن الشهيد يرى اليقين مقتضى سير المعرفة البشرية، مع أن هذا الاقتضاء غير واضح، واليقين المطروح في سير استقرائه ليس اليقين بالمعنى الأخص، بل هو نفسي؛ وهو توقع لم يكن الشهيد صدر يراه من خلال الاستقراء للوصول إلى اليقين المنطقي. ورغم أنه تحدث عن اليقين كمقتضى للمعرفة البشرية، إلا أن هذا لم يكن المعيار الوحيد في اعتقاده في تحقيق اليقين عبر الاستقراء. فقد اعتبر، بناءً على المنطق الذاتي، أصلاً بديهيًا لتحويل درجة الاحتمال إلى يقين. لذلك، فإنّ الاعتراضات الخمسة المطروحة هي اعتراضات قُدّمت في ضوء المعرفية الصدرية. وفي النهاية، يبدو أن طريق الاستقراء في المدرسة الصدرية عاجز عن إثبات مطابقة درجة التصديق اليقيني مع المبررات الواقعية.

المصادر والمراجع

اوریت، نیکلاس و الیک فیشر، 1389، نگاهی انتقادی به معرفتشناسی جدید، ترجمة و نقد حسن عبدی، قم، مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی(ره).

حسینزاده، محمد، 1394، معرفتشناسی در قلمرو گزارههای پسین، قم، مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی(ره).

خسروپناه، عبدالحسین، 1383، «منطق استقرا از دیدگاه شهید صدر»، ذهن، ش 18، ص 29-58.

سروش، عبدالکریم، 1380، تفرج صنع؛ گفتارهایی در اخلاق و صنعت و علوم انسانی، چ پنجم، تهران، مؤسسه فرهنگی صراط.

شیرازی، قطبالدین محمود، 1369، درة التاج، تصحيح محمد مشکوة، چ سوم، تهران، حکمت.

صدر، سیدمحمدباقر، 1424ق، الاسس المنطقیة للاستقراء، قم، مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر.

صفوی، عیسیبن محمد،1993م، شرح الغرة فی المنطق، تصحيح البیر نصری نادر، بیروت، دارالمشرق.

مصباح، مجتبی، 1390، احتمال معرفتشناختی، قم، مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی(ره).

، 1392، «دیدگاه شهید صدر درباره احتمال»، در: اندیشههای حکمی و اجتهادی شهید آیتالله سیدمحمدباقرصدر، تهران، مؤسسه پژوهشی حکمت و فلسفه ایران.

[1] من الجدير بالذكر أنَّه في المرحلة الجوهرية اعتمد على أمثلة استقرائية للأصل البديهي؛ بينما في الأصول لا يمكن الاستدلال أو التنبيه على البديهي بالاعتماد على الحالات الاستقرائية.

[2] أُجري هذا البحث بواسطة الأستاذ الدكتور مجتبى مصباح في تدريس كتاب الأسس المنطقية للاستقراء في مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية (عام 1393).