الدلالات المنهجية لفكر الشهيد صدر في معالجة قضايا العلوم الاجتماعية لحل مشكلات الإدارة

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: دلالت‌های‌ روش‌شناختی اندیشه شهید صدر در پاسخ‌گویی به مسائل علوم اجتماعی برای حل مسائل‌ حوزه‌ مدیریت ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذا المقال حاولنا من خلال تقديم تعريف لمفهوم «المنهج»، استخراج الخصائص المنهجية لفكر الأستاذ، الشهيد صدر في الإجابة على مسائل مجال العلوم الاجتماعية، ثم تقديم إطار لتطويع هذه الخصائص لحل المسائل في مجال علم الإدارة. يُعد الأستاذ الشهيد صدر من بين المفكرين الذين نظروا إلى قضايا عصرهم المعاصر بناءً على أسس معرفية خاصة بهم. في هذا السياق، يُعتبر علم الإدارة، مثل غيره من فروع العلوم الاجتماعية، من العلوم الاعتبارية التي هي في الحقيقة مجموعة من الاعتبارات التي وُجدت استجابةً لحاجات في مجال الواقع. لذلك، يجب أن يُنظر إلى عملية حل المشكلة، من فهم الحاجة إلى اعتبار الحل أو مجموعة الحلول لتلبية تلك الحاجة، كجزء من معرفية منظومة فكرية خاصة، لا كرد فعل عابر ومقتضى لحاجة معينة ومنفصل عن الأسس النظرية في مجال الفعل.

المؤلف: محمدصادق توسلی

المصدر: مجموعه مقالات دومین کنگره بین المللی علوم انسانی اسلامی، المجلد 6، ص 373 إلى 394.

1. المقدمة

سيشهد الباحثون والعلماء الذين واجهوا فكر الشهيد الجليل السيد محمد باقر صدر في مسيرتهم العلمية جميعًا بأنه لا يمكن ببساطة المرور مرور الكرام على مجموعة آرائه ووجهات نظره في مختلف المجالات، بل بعبارة أدق، لا يمكن الادعاء بالتمكن والإحاطة العلمية بأي من المجالات التي ناقشها قبل دراسة أفكار الشهيد صدر العميقة والمبتكرة. أولئك الذين يعرفون فكر هذا المفكر العظيم سيشهدون بثلاث خصائص بارزة لأفكاره: الأصالة، والابتكار، والترتيب الفكري. هذه الخصائص الثلاث، إلى جانب عبقرية الأستاذ الشهيد الفذة، تعود إلى منهجية تحركه العلمي. ولهذا السبب، فإن مجموعة أفكاره ليست مجرد موسوعة، بل هي في الحقيقة منظومة متكاملة.

ليس من المبالغة أن نعتبر «المنهج» هو التحدي الراهن في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ فبالفعل، من خلال المنهج يُكتسب (أو يُنتج) العلم ويُقيّم، وبدون النظر إلى المنهج، نواجه منتجًا معرفيًا لا نعلم من أين وكيف تم الحصول عليه، ولا نستطيع تقييمه.

تحتوي المنظومات الفكرية (ومنها المنظومة الفكرية للشهيد صدر) على طيف من المعارف من أكثر الموضوعات تجريدًا (كالموضوعات الفلسفية والكلامية والاعتقادية) إلى أكثرها تطبيقًا (كالموضوعات والمسائل الفقهية والاجتماعية والاقتصادية والإدارية وما شابه)، والفرق بينها وبين الموسوعات هو في النظام والمنطق الذي يحكم مجموعة هذه المعارف، بحيث لا تنفي أي من هذه المعارف معرفات أخرى في مرتبة أخرى، بل تؤكد وتترتب عليها، وفي ترتيب منتظم تقدم صورة متوازنة من الفكر في طيف من الموضوعات. المنطق والنظام الحاكم على مثل هذه المنظومة هو ما نسميه المنهج؛ ومن ثم، فالمنهج في هذا الرأي هو المنطق الحاكم على عملية اكتساب المعرفة واختبارها ونقدها، وهذا المعنى للمنهج أوسع بكثير من «المنهجية[1]» المتداولة في المدارس المختلفة، لا سيما في البارادايمات الوضعية.

فيما يخص المنظومة الفكرية للشهيد صدر، رغم أن وجود النظام والمنطق الحاكم على مجموعة أفكاره ملموس إجمالًا من خلال الاطلاع على العديد من مؤلفاته، إلا أن أبعاد وخصائص هذا النظام لم تتضح جيدًا، ولا يمكن العثور على نقاش مستقل حول المنهج وقضية المعرفة بالمعنى العام الذي ذكرناه إلا في حالات قليلة وقيمة في مؤلفاته؛ لذلك، من الضروري، مع دقة علمية، الكشف عن منهج الشهيد صدر من خلال تحليل وجهات نظره.

2. مفهوم «المنهج»

ما يُفهم في الأدبيات الشائعة للمعرفية من «المنهج» هو الطريقة التي يعتمدها الباحث لاكتشاف أو خلق المعرفة، ومن خلالها يقدم معرفة جديدة. كل مدرسة، وفقًا لتعريفها الخاص للمعرفة والإدراك، تعتبر نوعًا خاصًا من المنهج معتبرًا، وتنظم نظامها الفكري ضمن إطار ذلك المنهج. رغم أن مفهوم المنهج في مجال المعرفية مفهوم متفق عليه، إلا أنه، مع الحدود التي تضعها كل مدرسة لصلاحية منهج معين في اكتساب المعرفة، وتقبل منهجيات وترفض أخرى، لا يخلو هذا المفهوم من غموض من حيث الأمثلة والتصنيفات؛ لذلك، ما هو متفق عليه هو أن المنهج يؤدي إلى نتيجة معرفية، وما هو محل خلاف هو صلاحية طريقة معينة لاكتساب المعرفة. لتوضيح النقاش، نُبيّن «المنهج» على ثلاثة مستويات:

2-1. المستوى الأول: فوق المناهج

هذا المستوى من المنهج يُطلق على المنطق والنظام الفكري الحاكم على فكر معين. هذا المنطق ليس محصورًا في كيفية اكتساب المعرفة فقط، بل هو الروح الحاكمة على نظرة الباحث إلى محيطه، التي تعمل كهوية موحدة مترابطة ومنظمة، ولا تُنظم فقط سلوك الباحث البحثي، بل تنظم سلوكه العام وتتجلى في كلامه وحتى في تصرفاته.

2-2. المستوى الثاني: المناهج

هذا المستوى يشير إلى الطريقة المعتبرة لاكتساب المعرفة في المدرسة الفكرية للباحث. في هذا المستوى، يلتزم الباحث، وفقًا لتعريفه لمفهوم المعرفة، باعتماد الطريقة المناسبة لتعريفه في مرحلة اكتساب المعرفة ومشاركتها وتقييمها.

2-3. المستوى الثالث: التقنيات

في هذا المستوى، يستخدم الباحث، بناءً على الإطار العام الذي التزم به في المستوى الثاني، أساليب محددة لاكتساب المعرفة.

ما سنسميه في هذا المقال بالمنهج هو المستوى الأول أو ما يُسمى بالفرامنهاج، الذي يؤثر بشدة على المستويين الآخرين. من الضروري التنويه إلى أن وجود مستوى واحد في نشاط بحثي لا يعني بالضرورة وجود المستويين الآخرين؛ فربما يُنفذ تقنية ما لكنها ليست مبنية على منهج، بمعنى أن الباحث يستخدم التقنية ليس كأداة لاكتساب المعرفة، بل كتبرير لفرضياته أو لنتائجه المرغوبة. كذلك، على المستوى الأعلى، هناك العديد من الباحثين الذين كتبوا في مجالات علمية متعددة، وفي كل مجال طبقوا منهجًا واحدًا حسب تعريفهم للمعرفة، لكن لا يسود على مجموع أبحاثهم نظام ومنطق، ولا يمكن من خلال النظر إلى إنتاجاتهم العلمية الوصول إلى تفسيرهم للعالم، أو نظرتهم إلى قضايا أساسية مثل الوجود، الإنسان، الفرد والمجتمع، الدين، وغيرها، كما أن أفعالهم الفردية والاجتماعية لا تدل على التزام عملي بنتائج أبحاثهم.

3. الفرامنهاج في المنظومة الفكرية والعملية للشهيد الصدر

سبق وأن ذكرنا ثلاثة مكونات أساسية في المنظومة الفكرية للشهيد الصدر. في هذا القسم نسعى لتقديم مزيد من الشرح حول هذه المكونات الثلاثة، ومن خلال ذلك نكشف المنطق الحاكم على المنظومة الفكرية والسلوكية للشهيد الصدر.

3-1. المكون الأول: الأصالة الفكرية والسلوكية

أول وأهم مكون في تقييم منظومة فكرية وسلوكية هو الأصالة، أي اعتمادها على مبادئ معرفية صحيحة. هذا الاعتماد يمكن ملاحظته بطريقتين: الأولى، اعتماد كل جزء من أجزاء المنظومة الفكرية والسلوكية على مصادر أصيلة، بحيث يكون لكل جزء أصل وجذر في مبادئ معرفية صحيحة ضمن تسلسل مقبول؛ والثانية، اعتماد المنظومة ككل على مبادئ صحيحة بحيث تكون الروح الحاكمة على تلك المنظومة هي نفس الروح الحاكمة على المبادئ الصحيحة، ولا تتعارض هوية المنظومة مع طبيعة المبادئ الصحيحة، بل تتوافق معها، بل وتتجاوزها لتستلهمها وتأخذ منها.

كلا الطريقتين من الاعتماد هو مفهوم نسميه «الأصالة».

3-1-1. وجوه أصالة فكر الشهيد الصدر

3-1-1-1. تأسيس المعرفة على العقل

المصدر الأساسي للمعرفة هو العقل. في المنظومة الفكرية للشهيد الصدر، العقل ليس مجرد أداة إلى جانب أدوات أخرى للمعرفة، بل هو حجر الأساس في معرفية منظومته الفكرية. العقل في فكر الشهيد الصدر هو المرجع الذي يجب أن تؤيده جميع طرق اكتساب المعرفة، ولا تستفيد أي طريقة من طرق المعرفة مستقلة عن العقل. يقول في هذا الصدد:

«العقل هو المقياس الأول في الفكر البشري، ولا يمكن أن يوجد فكر فلسفي أو علمي دون أن يخضع لهذا المقياس العام ويكون تابعًا له»(الصدر‌، 1424‌ق. ه‌: ص13)

العقل هو الأساس الأول للعلوم والمعارف، وهو قادر على إدراك حقائق يعجز الحس عن الوصول إليها، كما أن العقل يدرك الحقائق الحسية أيضًا(الصدر‌، 1424هـ. ج: ص41).

3-1-1-2. التلاؤم بين الفكر والفطرة الإنسانية

من مكونات أصالة المنظومة الفكرية للشهيد الصدر، التلاؤم والتوافق مع أعمق وأصلب دوافع الإنسان، وهي الفطرة. يستند الشهيد، بالاستشهاد بالقرآن الكريم، إلى أن الفطرة هي الأصل في تشكيل المجتمعات التوحيدية البدائية في مرحلة سماها «مرحلة سيادة الفطرة»(الصدر، 1424هـ. ج: ص 14). ويرى أن للفطرة بعدين: البعد الأول هو مصدر انبثاق الدوافع الشخصية للإنسان التي تشكل حاجاته البدائية وتجعله محتاجًا للمجتمع، ومع مرور الوقت تهيئ الأرضية لظهور تعارض بين الدوافع الشخصية ومصالح المجتمع. هذا التعارض يُفعّل البعد الآخر من الفطرة، وهو الميل الطبيعي إلى التدين، فيتجه الإنسان بفطرته نحو إقامة «الدين القيم[2]» في الحياة، بحيث يمكنه تحقيق تناغم بين مصالح العامة والدوافع الشخصية للأفراد(الصدر، 1424هـ. الف: ص359-357).

3-1-1-3. التأسيس العميق للفكر في أعمق طبقات المعارف الإسلامية

مكون آخر من مكونات أصالة المنظومة الفكرية للشهيد الصدر هو التأسيس في المصادر الدينية الأصيلة، سواء القرآن الكريم أو سنة المعصومين. فهو لا يترك هذا الارتباط الوثيق حتى في العلوم التي لها علاقة واضحة بالمصادر الدينية مثل الفقه، الأصول، التفسير، والتاريخ، بل يمتد ذلك إلى الدخول في قضايا معاصرة مثل الاقتصاد، السياسة، علم الاجتماع، الإدارة وغيرها، مستندًا إلى فهم صحيح وعميق للمعارف الدينية.

3-2. المكون الثاني: الابتكار

من ميزات فكر الشهيد الصدر ابتكاره في مجالات مختلفة. ومن المهم التنويه إلى أن الابتكار يختلف عن البدعة المذمومة والمرفوضة. ما نعنيه بالابتكار ليس الإضافة أو الحذف من المعارف الدينية، بل هو الفهم الجديد للمصادر الأصيلة، وتقديم منهج جديد لاكتساب المعرفة، والابتكار في شكل ومضمون العلوم، والابتكار في التأليف وتقديم المحتوى التعليمي، والابتكار في السلوك الاجتماعي، وفي النهاية تجديد وإحياء المعارف المنسية، وهو ما يميز الابتكار عن البدعة بحدود واضحة وصريحة.

3-3. المكون الثالث: الانتظام

الميزة الثالثة في فكر الشهيد الصدر هي انتظام منظومته الفكرية والعملية. هذا الانتظام يمكن شرحه في وجهين: «الانتظام المنهجي» و«الانتظام الالتزامي». فيما يخص الانتظام المنهجي، المقصود به التناسب بين المنهج ونوع موضوع البحث، سنقدم شرحًا تحت هذا العنوان.

إن الانتظام الالتزامي لمنظومة فكر الشهيد الصدر وعمله قابل للشرح في بُعدين: «الالتزام النظري» و«الالتزام العملي». المراد من الالتزام النظري، أولاً الربط المستمر بين أبواب المعرفة المختلفة وتجنب التفكير الجزئي والتفكيكي؛ وثانياً، مراعاة ترتيب المعارف المختلفة بعضها على بعض من الناحية المعرفية. أي أن الشهيد الصدر لم يكن يرى العلوم المختلفة جزرًا مستقلة عن بعضها، بل كان ملتزمًا، بوعي ونظام علمي محكم، بآثار ونتائج قبول رؤية معينة في علم من العلوم على المفاهيم والتصورات السائدة في علم آخر. على سبيل المثال، يمكن للمفكر أن يلتزم في علم الكلام بمعتقدات وآراء معينة، ثم يدخل علم الفلسفة منفصلًا عن تلك المعتقدات ويؤسس مبادئه الفلسفية، ثم يدخل علم أصول الفقه بمعزل عن المبادئ الكلامية والفلسفية السابقة ويشرح وجهات نظره الأصولية بشكل مستقل، دون أن يلتفت إلى التفاعل والتبادل بين الفكر الكلامي والفكر الفلسفي والفكر الأصولي. في المقابل، كان مفكر مثل الشهيد الصدر مدركًا جيدًا لنتائج قبول المبادئ الكلامية والفلسفية في علم الأصول، وكان رأيه الأصولي متوافقًا بل مستلهمًا من فكره الكلامي والفلسفي. كما أن مذهب حق الطاعة، الذي يعد من خصائص الفكر الأصولي للشهيد الصدر، له جذور في معتقداته الكلامية، وهناك أمثلة عديدة أخرى ذكرها سيخرج عن موضوع النقاش [3].

أما المراد من «الالتزام العملي» في الانتظام الالتزامي، فهو الالتزام بنتائج قبول رؤية معينة في مجال العمل والممارسة. وعلى هذا الأساس، اعتبرنا شخصية الشهيد الصدر منظومة فكرية وعملية؛ لأن معتقداته وآرائه واضحة في سيرته، وحياة الشهيد الصدر في الواقع هي تطبيق عملي لأفكاره في المجالات التي أتيحت لها فرصة الظهور. هذا الالتزام العملي يظهر في سيرته وحياته الشخصية وكذلك في سلوكه الاجتماعي والسياسي. وبطبيعة الحال، فإن دراسة تفصيلية لهذا النوع من الالتزام في شخصية متعددة الأوجه مثل الشهيد الصدر تحتاج إلى مجال واسع ونقاش منفصل، لكن للذكرى يمكن الإشارة إلى تأسيس حزب الدعوة المبني على رؤيته السياسية للحزب، ثم خروجه من الحزب بعد تغير رأيه بشأن العمل الحزبي، وتقديم نظرية المرجعية الصالحة، والسعي لتطبيق متطلبات هذه النظرية عمليًا، وأخيرًا اعتناقه لنظرية ولاية الفقيه (بالقراءة الخاصة التي طرحها في نظرية الخلافة العامة وشهادة الأنبياء) وتأييده ودعمه للثورة الإسلامية في إيران وللمرجعية والولاية لدى الإمام الخميني (الصدر‌، 1408‌ق.: ص104-90). هذا السلوك، رغم أنه قد يوحي في البداية بتغير أو تحول في موقف الشهيد الصدر السياسي، إلا أن الحقيقة هي أنه يثبت وجود ارتباط وثيق وعميق بين النظرية والعمل في منظومته الفكرية والعملية؛ بحيث كانت الظروف السياسية ومتطلبات الزمان تؤخذ بعين الاعتبار تمامًا في تكوين النظرية في ذهن الأستاذ الشهيد، ومن جهة أخرى، كان تطور نظرياته السياسية يعكس نجاح أو فشل تلك النظرية السياسية في تجربته الشخصية أو في البيئة المحيطة به. كما أن أقرباء الشهيد الصدر أقروا بأن نجاح الإمام الراحل في إقامة الحكم الإسلامي كان له دور بارز في تقديم وشرح وجهة نظر ولاية الفقيه من قبله (الصدر، 1408هـ.: ص104).

4. المنهجية عند الشهيد الصدر

بعد بيان بعض النقاط حول المنهج في فكر الشهيد الصدر، سنقدم خصائص المنهجية في منظومته الفكرية. في البداية، من الضروري ذكر أنه لا يمكن تحديد منهج واحد لفكر الشهيد الصدر. فقد كان يختار المنهج المناسب حسب الموضوع المطروح ونوعه. هذا التنوع في المنهجية يمكن ملاحظته أيضًا بين علماء إسلاميين آخرين، لكن ما يميز الشهيد الصدر عن كثير من العلماء الدينيين هو أولاً التناسب بين المنهج ونوع الموضوع المدروس، وثانيًا تقديمه منهجًا جديدًا لاكتساب المعرفة.

أ) التناسب بين المنهج ونوع الموضوع المدروس

كان الشهيد الصدر، بحسب ما إذا كان الموضوع فلسفيًا أو كلاميًا أو فقهيًا أو أصوليًا أو تاريخيًا، يختار مناهج مثل الاستدلال البرهاني، المنهج النقلّي، التجربة والاستقراء، أو الاستشهاد بالعُرف والسيرة العقلائية. ومن الناحية المنهجية، تسود منظومته الفكرية نوع من الانتظام بمعنى أنه استخدم كل منهج في موضعه؛ ولهذا يُعد الأستاذ الشهيد من المنتقدين لخلط المناهج، وفي مواقفه المختلفة، نقد المنهجية السائدة في موضوع معين، وفتح آفاقًا جديدة في نطاق ذلك الموضوع من خلال تصحيح وتطبيق المنهج الصحيح. على سبيل المثال، في نقده لاستشهاد ابن إدريس الحلي بالعقل في موضوع اجتماعي واعتباري، كتب:

«فقهي في تعليق على نص يقول: إذا لم يقم صاحب الأرض ببنائها، يأخذ الولي الأمر الأرض منه ويبنيها لمصلحة الأمة، كتب: الأرجح عندي ترك العمل بهذا الحديث لأنه مخالف للأصول والأدلة العقلية؛ ومراده من الدليل العقلي الأفكار التي تدل على تقديس الملكية، مع أن تقديس الملكية ودرجة هذا التقديس يجب أن تؤخذ من الشريعة… وإلا فما الدليل العقلي على تقديس الملكية إلى حد يمنع من الأخذ بالنص الشرعي؟! وهل الملكية الخاصة ليست سوى علاقة اجتماعية بين الفرد والمال؟! والعلاقة الاجتماعية فرض واعتبار تشرعه المجتمع أو أي اعتبار آخر لتحقيق غرض معين؛ لذا فإن هذه العلاقة الاجتماعية لا تقع ضمن نطاق الإدراك بالعقل المجرد ولا العقل التجريبي»(الصدر، 1424هـ. الف: ص450).

نماذج واضحة من مثل هذا النقد والإصلاح المنهجي يمكن ملاحظتها في مناقشاتهم الأصولية والمنطقية والكلامية، والتي ذكرها جميعها خارج عن حوصلة هذا المختصر.

ب) تقديم منهج جديد لاكتساب المعرفة

واحدة من ابتكارات الأستاذ الشهيد وربما أهمها من حيث الإبستمولوجيا، هي تقديم منهج جديد لاكتساب المعرفة إلى جانب القياس المنطقي والبراهيني، وهو منهج الاستقراء. هذا الابتكار أدى إلى طرح نظرية جديدة في مجال المعرفة البشرية تحت عنوان «المذهب الذاتي» التي استطاعت سد فراغ كبير في نظرية المعرفة، وهو فراغ عجز الفكر الفلسفي عن تجاوزه طوال ألفي عام(الصدر، 1417هـ.: ص130).

الشهيد صدر في نهاية كتاب الأسس المنطقيه للاستقراء في بيان أهمية المناقشات المطروحة في هذا الكتاب يكتب:

«هذا النقاش الشامل الذي أجريناه، كشف عن أسس منطقية للاستدلال الاستقرائي الذي يشمل جميع أشكال الاستدلال العلمي المبني على الملاحظة والتجربة، ونجح في تقديم منهج جديد في نظرية المعرفة. هذا المنهج الجديد يفسر الجزء الأكبر من المعرفة البشرية بطريقة استقرائية، وهذه التفسير الاستقرائي مرتبط بنفس الأسس المنطقية التي كشف عنها نقاشنا»(الصدر، 1424هـ. ب: ص577).

شرح وتفصيل هذا الابتكار المنهجي خارج عن حوصلة وموضوع هذا المقال، ونحن نكتفي بالإشارة إليه كواحد من ابتكارات الشهيد صدر، بل وربما أهمها وأكثرها تأثيراً. وما ينبغي قوله هو أن هذا الابتكار المنهجي لم يكن إجراء شكليًا أو مجرد ترف علمي، بل الشهيد صدر من خلال هذا الابتكار المنهجي يبيّن منهجًا جديدًا في إثبات أصول العقائد المبنية على الاستقراء، والتي تشمل معارف أصيلة مثل التوحيد والنبوة والإمامة(الصدر‌، 1424هـ. د: ص84‌-23). كما أنه في مناقشات أصول الفقه يناقش حجية أو عدم حجية وسائل الإثبات الوجدانية لإصدار الدليل من الشارع (سواء التواتر أو الإجماع أو الشهرة) بواسطة حساب الاحتمالات(الصدر، 1423هـ.: ص166-151). ومن البديهي أن السعة العظيمة التي يوفرها هذا الابتكار المنهجي للباحثين في مجال العلوم الاجتماعية، خاصة مع الأخذ في الاعتبار الصلة الوثيقة والواسعة التي تربط دراسات هذا المجال بالملاحظة والتجربة والاستقراء، ستتمكن من إحداث تحول أساسي وعميق ليس فقط في البحوث الفقهية والإسلامية، بل أيضًا في سد الفجوات الإبستمولوجية للمذاهب القائمة ونقدها، ونأمل أن تتاح الفرصة لشرح وتوسيع هذا التحول الجوهري في مجال أوسع.

5. الخصائص المنهجية للمنظومة الفكرية والعملية للشهيد صدر

يمكن تصنيف مميزات المنهجية للمنظومة الفكرية للشهيد صدر في العناصر التالية:

5-1. الفهم البحثي للواقع كمبدأ وغاية للبحث

الواقع، أي ما يحدث في ميدان الفعل، من جهة هو مجال التجريد وفهم المسألة، ومن جهة أخرى هو بيئة تطبيق وتنفيذ التوجيهات الاجتماعية؛ لذلك، صورتنا للواقع تؤثر بشكل لا يمكن إنكاره في صياغة المسألة وكذلك في نجاح أو فشل التوجيه الاجتماعي.

في تصور الواقع يمكن اتباع منهجين. الأول هو «وهم الواقع»؛ حيث يجلس الباحث في غرفته ويناقش القضايا العالمية بناءً على تصوراته البدائية فقط. والثاني هو «فهم الواقع»؛ حيث يضع الباحث نفسه كجزء من مهمته البحثية في معرض فهم الواقع، ويسعى إلى التعرف على الواقع كما هو دون أي تحريف.

الشهيد صدر في بيان أهمية فهم الواقع في صياغة المسألة ودوره في مسار البحث العلمي، تحت عنوان الفرق بين المنهج التحليلي والمنهج الموضوعي في تفسير القرآن الكريم، يعرّف نقطة انطلاق البحث في المنهج الموضوعي بأنها «واقع الحياة». في هذا المنهج، يركز المفسر أولاً على أحد الموضوعات العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية الموجودة في واقع الحياة، ويدرس المشاكل والقضايا التي ظهرت في ارتباط مع هذا الموضوع، والحلول التي قدمها الفكر البشري لها، وكذلك المسار التاريخي لتطبيق هذه الحلول ونقاط الضعف فيها بشكل شامل. بعد هذه المرحلة، يتوجه الباحث إلى نص القرآن، ويعرض الموضوع المعدّ والمنقّح مع الأفكار والآراء البشرية المتعددة على القرآن، ويجري حوارًا مع النص القرآني، يسأل ويأخذ أجوبة. في هذا المنهج، يسعى المفسر إلى اكتشاف وجهة نظر القرآن الكريم بشأن الموضوع المطروح، ولكن ليس بعقل فارغ وبدون فرضيات، بل محملاً بالكثير من الأسئلة التي حصل عليها من دراسة شاملة للواقع الخارجي، ليجعل القرآن الكريم يتكلم(الصدر، 1421‌ق.: ص30‌-28).

من ناحية أخرى، يشير الشهيد الصدر في تحليله للاتجاهات الاقتصادية المعاصرة إلى أهمية فهم الواقع في تطبيق التوصيات الاجتماعية. فهو يعتبر أحد معايير المقارنة بين المدارس الاقتصادية، إلى جانب المحتوى النظري لكل منها، «الظروف الموضوعية للأمة والبنية النفسية والتاريخية لها»، لأن الأمة هي ساحة تطبيق وتنفيذ هذه المدارس؛ ومن ثم، لا يحلل نجاح الاقتصاد الاشتراكي أو الرأسمالي المؤقت في المجتمعات الشرقية والغربية بناءً فقط على المحتوى النظري لهذين المدرستين، بل يربط هذا النجاح أيضاً بالبنية النفسية والتاريخية لتلك المجتمعات؛ وهو أمر قد لا يكون عاملاً للنجاح في المجتمعات الإسلامية فحسب، بل قد يكون سبباً في فشل هذين المدرستين الاقتصاديتين(الصدر، 1424هـ. الف: ص20). وبناءً على ذلك، يقوم الشهيد الصدر في تحليلاته الاقتصادية، قبل طرح الاقتصاد الإسلامي، بدراسة دقيقة ومتعمقة وموثقة للواقع الجاري في الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي. ولهذا الغرض، لا يكتفي فقط بسرد الحقائق القائمة، بل يسعى من خلال تحليلات نفسية وتحليل تدفقات لفهم خصائص الأمة الإسلامية (كساحة لتطبيق المدارس الاقتصادية) ومكونات المدارس الاقتصادية القائمة وعلاقتها ببعضها(الصدر، 1424‌ق. الف‌: ص31‌-22).

5-2. المنهج الموضوعي (الانتقال من الموضوع إلى النظرية)

من خصائص المنهجية في منظومة فكر الشهيد الصدر في التعامل مع قضايا العلوم الاجتماعية، منهجه الموضوعي في البحث. والمعنى المقصود من المنهج الموضوعي، الذي يطرحه بشكل خاص في مناقشات التفسير، ويمكن ملاحظته أيضاً في مناقشاته الأخرى، يتجاوز المعنى الظاهر لهذا التركيب اللغوي. في الخاصية الأولى، شرحنا أحد مكونات التفسير الموضوعي المرتبطة بـ«الفهم الباحثي للواقع» في الخطوة الأولى. أما ما نسعى لتوضيحه في الخاصية الثانية، فهو النظرة الموضوعية المحورية للوصول إلى نظرية حول الموضوع قيد الدراسة. ولهذا الغرض، يعدد الشهيد الصدر حركة ذات بعدين كمتطلبات للمنهج الموضوعي: حركة أفقية وحركة عمودية.

أ) الحركة الأفقية في المنهج الموضوعي: كما أشرنا سابقاً، يجب على الباحث في الخطوة الأولى تحديد موضوع دراسته ثم فهم واقع الموضوع. ولكن هناك كثير من الحالات التي يقيد فيها الباحث نفسه في تحديد موضوع بحثه ضمن أطر ومناهج موروثة من علم معين، ولا يعير اهتماماً للتجديد والتطور في حدود الموضوعات سواء من الناحية المفهومية أو التطبيقية. هذا النقص يظهر بشكل أكبر في علم الفقه، لأنه خلافاً لتفسير القرآن، هو علم موضوعي بامتياز، لكنه بحاجة ماسة إلى حركة أفقية في الموضوعات التي تطورت مفهوماً أو تغيرت تطبيقاً بسبب مرور الزمن وتغير الظروف. يشير الشهيد الصدر إلى هذه الحقيقة وإلى موضوعية علم الفقه، ويؤكد على ضرورة استثمار كامل لقدرة المنهج الموضوعي في علم الفقه، وأن تستمر الحركة الأفقية والموضوعية التي بدأها العلماء السابقون والتي استندوا إليها في بحوثهم الفقهية، بما يتناسب مع موضوعات العصر(الصدر، 1421هـ.: ص38-37).

ب) الحركة العمودية في المنهج الموضوعي: الباحث الذي يسعى ضمن حركة أفقية للإجابة عن المسائل المدرجة تحت موضوع معين، يجب أن يسعى في حركة عمودية لاكتشاف النظريات الأساسية المرتبطة بذلك الموضوع الخاص. والشرح أن الشهيد الصدر يرى أن مجموعة التشريعات في كل باب من أبواب حياة الإنسان مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنظريات الأساسية والرؤى الجوهرية في ذلك الباب. كما أن تشريعات الشريعة الإسلامية المقدسة في مجال الاقتصاد مرتبطة بنظرية الإسلام حول المذهب الاقتصادي، أو أن فهم أحكام الإسلام بشأن الزواج والعلاقات الزوجية يعتمد على فهم النظريات الأساسية للإسلام المتعلقة بالمرأة والرجل ودور كل منهما في الحياة. في هذا المنظور، فإن اكتشاف النظريات الأساسية في كل موضوع ليس ترفاً علمياً أو أمراً زائداً، بل هو ضرورة من ضرورات العمل البحثي(الصدر، 1421هـ.: ص38).

يوضح الشهيد الصدر ضرورة الحركة العمودية في البحث بالإشارة إلى أن الجو العام والإطار الاجتماعي والروحي والفكري السائد في عصر التشريع أثر على فهم الأفراد الذين عاشوا في ذلك الجو، وبسبب هذا الجو العام والإطار الفكري، كان الناس في ذلك العصر يفهمون العديد من نظريات الإسلام في موضوعات مختلفة ولو بشكل إجمالي. تماماً كما يتعرف أهل لغة ما على قواعد ونظريات الأدب السائدة في تلك اللغة بسبب عيشهم في جوها العام، ويطبقونها في استعمالاتهم. أما نحن، الذين ابتعدنا قروناً عن ذلك الجو العام والإطار الفكري والروحي، فلا سبيل أمامنا إلا التعرف واكتشاف النظريات الأساسية للإسلام في كل موضوع لنقترب أكثر من الأجواء السائدة في عصر التشريع. خصوصاً أن في عالم اليوم، قدمت كل مدرسة بشرية نظريات متنوعة في موضوعات مختلفة، والمسلم بعد مواجهته لهذا الكم الهائل من النظريات يسأل عن موقف الإسلام ونظرته في تلك الموضوعات ليتمكن من الإجابة عن المسائل المدرجة تحت موضوع معين في ضوء تلك النظريات(الصدر، 1421هـ.: ص42-39).

لذلك، وعلى عكس الاعتقاد الشائع الذي يعتبر اكتشاف النظرية المتأخرة مجرد اكتشاف مسائل موضوع معين، في فكر الشهيد الصدر يجب قبل الخوض في الإجابة عن كل مسألة من مسائل ذلك الموضوع، أن يُكتشف النظرية الحاكمة على ذلك الموضوع في نظر الإسلام.

5-3. الاهتمام بمكانة المفاهيم في عملية اكتشاف النظرية

الميزة المنهجية الثالثة في منظومة فكر الشهيد الصدر هي الاهتمام بمكانة المفاهيم في عملية اكتشاف النظرية. والمقصود بالمفاهيم هنا هو كل رؤية أو تصور إسلامي يشرح ظاهرة تكوينية أو اجتماعية أو تشريعية(الصدر، 1424هـ. الف: ص439). وبناءً على ذلك، لا ينبغي في عملية اكتشاف النظرية الاقتصار على الأحكام المتعلقة بموضوع معين فقط، بل يجب إلى جانب الأحكام أن تُؤخذ المفاهيم الإسلامية أيضًا بعين الاعتبار.

الدور الذي تلعبه المفاهيم الإسلامية في عملية اكتشاف النظرية يمكن أن يكون على شكلين:

أ) دور الإضاءة على النصوص التشريعية: في كثير من الأحيان، توفر المفاهيم الإسلامية بيئة يمكن من خلالها فهم النصوص التشريعية (سواء من القرآن أو السنة) بشكل جيد، واستنباط الأحكام المناسبة للمواضيع المختلفة في ضوء ذلك المفهوم. الشهيد الصدر يشرح هذا الدور للمفاهيم من خلال مثالين عن المفهومين الإسلاميَّين “الملكية” و”التداول (الدلالي)”(الصدر، 1424هـ. الف: ص 440‌).

ب) دور إنشاء قاعدة وأساس لملء منطقة الفراغ: من فوائد الاهتمام بالمفاهيم الإسلامية هو الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه المفاهيم في وضع قاعدة لملء منطقة الفراغ بسياسات مناسبة. على سبيل المثال، نظر الإسلام إلى مفهوم الدلاليّة وعلاقته بعملية الإنتاج يمكن أن يُعتبر قاعدة تُنظَّم على أساسها العلاقات بين الدلال والمنتج والمستهلك(الصدر، 1424هـ. الف: ص443-442)[4].

5-4. الاجتهاد في اكتشاف النظرية والإجابة عن المسائل في ضوء النظريات

الميزة الرابعة في منظومة فكر الشهيد الصدر هي الالتزام بالاجتهاد المعقول والمقبول في عملية اكتشاف النظرية والإجابة عن المسائل. الحقيقة أن النصوص الإسلامية غالبًا لا تعطي مضمونًا تشريعيًا ومفهوميًا صريحًا وواضحًا، سواء في مجال الأحكام أو المفاهيم، بحيث لا يترك مجالًا لأي شك من أي جهة، بل في كثير من الأحيان يكون مضمون النصوص غير واضح، أو أن مضامين النصوص المختلفة لا تبدو متناسبة مع بعضها البعض؛ ولذلك فإن فهم النص واكتشاف المضمون المحدد من مجموعة النصوص يحتاج إلى عملية اجتهادية معقدة لها أصول وقواعد وطرق خاصة(الصدر، 1424هـ. الف: ص446).

الآفة في هذه العملية الاجتهادية هي دخول عناصر ذاتية[5] فيها، وهو ما يسميه الشهيد الصدر بـ«خطر الذاتية». العناصر الذاتية هي في الواقع مجموعة عوامل تخرج الاجتهاد عن إطاره ومتطلباته العلمية. وأهم وأخطر أربع فئات من هذه العناصر الذاتية هي:

1. تبرير الواقع: وهي عملية يكون الباحث خلالها، سواء كان مدركًا أو غير مدرك، يسعى إلى فهم خاص للنصوص بحيث تبرر هذه النصوص واقعًا فاسدًا.

2. ربط النص بإطار معين: وهي عملية يحاول الباحث خلالها فهم نص معين ضمن إطار فكري غير إسلامي. هذا الإطار قد يكون مستمدًا من واقع الحياة أو لا يكون كذلك. في هذه العناصر الشخصية، إذا لم يرَ الباحث النص متسقًا مع إطار فكره، فإنه يتركه ويتجه إلى النصوص التي تؤيد ذلك الإطار.

3. فصل الدليل الشرعي عن شروطه ومقتضيات صدوره: هذا العنصر من العناصر الذاتية يتعلق باكتشاف سيرة العقلاء والعرف العام في عصر التشريع، فإذا ثبت سكوت الشارع عنها، يمكن استخدامها كدليل شرعي. تعميم السيرة الجارية في العصر الحاضر إلى السيرة الموجودة في عصر التشريع، والتصور الخاطئ لموضوع سكوت المعصوم، هما آفتان رئيسيتان تعيقان الفهم الصحيح لهذا الدليل الشرعي، والذي يُسمى اصطلاحًا «التقْرير».

4. اتخاذ فرضية معينة تجاه النص: من الآفات التي تشوّه الفهم الصحيح للنصوص، وجود فرضية أو منهج شخصي في مواجهة النص. هذه الآفة لا تؤدي فقط إلى إخفاء بعض أبعاد الشريعة عن الباحث، بل تقوده أيضًا إلى الضلال في فهم النص التشريعي واستنباط الأحكام(‌‌الصدر‌، 1424هـ. الف: ص458-448).

6. الدلالات المنهجية لمنظومة الفكر والعمل عند الشهيد الصدر للإجابة عن مسائل مجال الإدارة

بعد توضيح المميزات المنهجية لمنظومة الفكر والعمل عند الشهيد الصدر المستمدة من آثار وتأليفات الأستاذ الشهيد في مختلف المجالات العلمية، سنقدم توصيات للاستفادة من هذه المميزات في الإجابة عن مسائل مجال الإدارة. وسيتم شرح هذه التوصيات في إطار أربعة التزامات بحثية:

6-1. الالتزام الأول: دراسة الواقع

كما ذُكر سابقًا، فإن ميدان الفعل والواقع الجاري هو مصدر ومنشأ صياغة المسألة، وهو أيضًا ميدان وبيئة التشريع الاجتماعي؛ لذلك، بناءً على منهج الشهيد الصدر، الخطوة الأولى في البحث هي فهم الواقع، ولكن ليس فهمًا بسيطًا وعفويًا يمتلكه كل إنسان عن بيئته المحيطة، بل فهمًا مركبًا، محققًا ودقيقًا.

الفهم التحقيقي للواقع بناءً على منهج الشهيد الصدر يبدأ بتحديد الموضوع. من بين الأضرار الجسيمة التي تعاني منها العديد من البحوث الإسلامية في مجال الإدارة، عدم وضوح موضوع الدراسة والاكتفاء بالمفهوم العام والغامض “الإدارة الإسلامية”؛ لذلك، يحاول الباحث دون أن يعرف ما هي مشكلته وما حدودها، تحت هذا المفهوم العام والغامض، من خلال البحث عن الكلمات المفتاحية في النصوص الدينية، اكتشاف ظاهرة مجهولة تُسمى “الإدارة الإسلامية”. بينما الإدارة الإسلامية ليست سوى الحلول الدينية لمشاكل المجتمع الإسلامي والمشكلات التي ظهرت في الواقع، وإذا لم تكن هناك مشكلة، فلن يكون هناك جواب ولن يتشكل أي معرفة؛ لذلك، في نقطة البداية، يجب على الباحث أن يحدد ما هو موضوع دراسته.

بعد تحديد الموضوع، يجب على الباحث أن يفهم مجال ظهور المشكلة ويدرس كل ما يفسر كيفية ظهور المشكلة وأبعادها. يجب أن تُدرج في الدراسات أسباب نفسية واجتماعية وتاريخية واقتصادية وثقافية للمشكلة، لأن العديد من مسائل مجال الإدارة، بسبب طابعها متعدد التخصصات، لها جذور في مجالات معرفية أخرى ولا يمكن فهمها فقط من خلال التفسيرات الإدارية.

مع وضوح زوايا وأسرار المشكلة، يدرس الباحث الحلول التي قدمتها المدارس الفكرية المختلفة لحل المشكلة المعنية. بطبيعة الحال، كل من هذه الحلول قد حقق نجاحات وإخفاقات يجب أن تنعكس بإنصاف في البحث؛ بحيث لا يغتر الباحث بالنجاحات من جهة، ولا يضخم الإخفاقات من جهة أخرى.

ثم يتجاوز الباحث مجرد سرد الإخفاقات والنجاحات، ويدرس أسباب كل منها؛ بحيث يتضح مقدار ما يعود من فشل أو نجاح كل حل إلى المحتوى النظري للمدرسة الفكرية التي ينتمي إليها، وإلى مدى ملاءمة السياق التاريخي والنفسي للمجتمع.

6-2. الالتزام الثاني: نحو اكتشاف النظرية

بعد أن ينتهي الباحث من دراسة الواقع، تأتي الخطوة الثانية، وهي اكتشاف النظرية أو النظريات الإسلامية في موضوع الدراسة. تكمن أهمية هذا الموضوع في علم الإدارة في أن الباحث المتخصص في الإدارة غالباً ما يسعى لحل المشكلات بناءً على النظريات والتصورات الأساسية السائدة في المعرفة الإدارية الحالية، ودون أن يريد أو حتى يدرك، يتبع الإطار الفكري الذي تعلّمه خلال دراساته الإدارية؛ لذلك، يجب أولاً تعديل التصورات الأساسية والنظريات السائدة في موضوع الدراسة بناءً على المنهج الإسلامي.

لتحقيق هذا الهدف، لا بد من دراسة منهجية ومنسقة لـ«الأحكام الشرعية» و«المفاهيم» الموجودة تحت ذلك الموضوع الخاص، ولا يمكن الاستغناء عنها، وعلى الرغم من أن الباحث في هذه المرحلة لا يتناول بشكل خاص الحل الإسلامي لمشكلته، إلا أنه يهيئ مقدمات تقربه أكثر فأكثر إلى جو صدور الأحكام والتشريعات ووضع المفاهيم الإسلامية، مما سيكون له أثر بارز في فهمه للنصوص والتشريعات.

6-3. الالتزام الثالث: الاستنباط الاجتهادي في ظل النظرية

بعد اكتشاف النظرية أو النظريات الإسلامية السائدة في موضوع الدراسة، يقوم الباحث في عملية اجتهادية معقدة ودقيقة، تحت الفهم العام الذي حصل عليه باستخدام النظرية الإسلامية للموضوع، باستنباط الحلول للإجابة على مشكلته البحثية.

ما يشكل عقبة الاجتهاد في البحوث الإدارية هو بالضبط نفس العوامل التي بيّنها الشهيد الصدر تحت عنوان العناصر الذاتية للتبيين، والتي ذُكرت سابقاً.

6-4. الالتزام الرابع: الالتزام العملي بالنظرية

بعد الانتهاء من الأبعاد النظرية لعمله البحثي، يجب على الباحث أن يلتزم عملياً بالمبادئ والعمليات والنتائج التي توصل إليها خلال البحث. هذا ليس توصية أخلاقية فحسب، بل هو التزام علمي ومنهجي. لا يمكن للباحث أن يسعى لإيجاد حلول دينية لمشاكله ويجلس للحوار مع نصوص الشريعة، كما يقول الشهيد الصدر، ويطلب من القرآن والسنة جواباً لمشكلته، إلا إذا كان قد قبل عملياً في المرحلة السابقة الأجوبة القرآنية والسنية للسلوك الفردي والاجتماعي التي تتجلى في الأحكام الشرعية والتعبدات. وإلا، فإن الشخص الذي لا يلتزم بمظاهر الشريعة والتقوى الشرعية في سلوكه الفردي والاجتماعي، من المستحيل أن يكون لديه فهم صحيح للنظريات والحلول الإسلامية لمشاكل العلوم الاجتماعية، لأن أساس كل النظريات والحلول الإسلامية هو الإيمان، والإيمان لا يوجد وينمو إلا في ظل التقوى. بناءً على ذلك، فإن ذم العلم بدون عمل في النصوص والروايات ليس ذماً أخلاقياً فقط، بل هو بيان حقيقة مفادها أنه إذا لم يصل العلم إلى مرحلة التطبيق، فهو في الأصل ليس علماً ولا قيمة له. وهناك العديد من الآيات والروايات التي تدل على هذه الحقيقة، ونكتفي بذكر رواية واحدة. عن الإمام الصادق(ع) أنه قال:

«العِلمُ مَقرونٌ اِلي‌ العَمَلِ‌ فمَن عَلِمَ عَمِلَ و مَن عَمِلَ عَلِمَ و العِلمُ يهتِفُ بالعَملِ فَاِنْ اَجابَهُ ‌و إلّا ارتحَلَ عَنهُ»(الکلینی، 1407هـ.: ص44)

«العلم مرتبط دائماً بالعمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم، والعلم ينادي بالعمل فإذا أجابه [أي إذا كان العمل مطابقاً للعلم] بقي العلم وإلا انصرف عنه [وفقد العلم].»

تتضاعف أهمية الالتزام العملي بالبحث عندما تتجاوز الشخص الباحث؛ لأن البحث في مجال العلوم الاجتماعية يُجرى من أجل غاية حقيقية وتلبية حاجة واقعية في العالم الخارجي، وإذا لم يصل البحث إلى مستوى الفعل، فلا يمكن الحكم على نجاحه أو فشله مهما كان غنيًا من الناحية النظرية؛ لأن وفقًا لرؤية الشهيد الصدر، نجاح مدرسة فكرية، بالإضافة إلى غناها النظري، يعتمد أيضًا على توافقها مع الظروف الواقعية والسياق التاريخي والنفسي للمجتمع؛ كما أشرنا إلى ذلك سابقًا.

قائمة المراجع

– الحیدری، کمال. 1431ق. الحلقه الثالثه. تقریرات حیدر الیعقوبی. ج2. قم. دار‌ فراقد.

– الصدر، محمدباقر. 1408ق. مباحث الأصول. تقریرات السید کاظم الحائری. ج1. قم. مطبعه مرکز‌ النشر. مکتب الإعلام الإسلامی‌.

‌- 1417ق. بحوث فی علم الأصول. تقریرات محمود الهاشمی. ج4. قم. مؤسسه دایرهالمعارف فقه اسلامی.

– 1421ق. المدرسه القرآنیه. قم‌. مرکز الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر.

– 1423ق. دروس فی علم الأصول. الحلقه‌ الثالثه. شرح و تعلیق علی أکبر الحائری. قم. مجمع الفکر الإسلامی.

– 1424ق. (الف). اقتصادنا. قم. مرکز الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر(موسوعه الشهید الصدر. ج3).

– 1424ق. (ب). الاسس المنطقی هل لاستقراء. قم‌. مرکز‌ الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر(موسوعه الشهید الصدر. ج2).

– 1424ق. (ج). الإسلام یقود الحیاه. المدرسه الإسلامیه. رسالتنا. قم. مرکز الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر‌(موسوعه الشهید الصدر. ج5).

– 1424ق. (د). الفتاوی الواضحه‌ وفقا‌ لمذهب اهل البیت. قم. مرکز الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر(موسوعه الشهید الصدر. ج16).

– 1424ق. (ه). فلسفتنا: دراسه موضوعیه فی معترک الصراع الفکری القائم بین مختلف التیارات الفلسفیه‌ و خاصه‌ الفلسفه الاسلامیه و المادیه الدیالکتیکه(المارکسیه‌). قم‌. مرکز الأبحاث و الدراسات التخصّصیه للشهید الصدر(موسوعه الشهید الصدر. ج1).

– الکلینی، محمد بن یعقوب. 1407ق. الکافی. ج1. تهران. دارالکتب الاسلامیه.

[1]methodology

[2]فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.. . »(الروم: 30). “/>

[3]لقد جمع آية الله سيد كمال حيدري نماذج متعددة من الانتظام الالتزامي للشهيد صدر من الناحية النظرية في علم الأصول بشكل مفصل تحت عنوان تجذير المسائل (تتبع جذور المسائل) كواحدة من الخصائص العامة لفكر الشهيد صدر(الحـیدری‌، 1431‌ق.: ص50‌-30). وفي تسمية هذه الخاصية في فكر الشهيد صدر، اعتبرنا «الانتظام الالتزامي» أوضح من «تتبع جذور المسائل»، لأن الانتظام الالتزامي يعبر عن النظام الحاكم على مجموعة المعارف والالتزام بمتطلبات قبول وجهات النظر المختلفة في كل باب من أبواب المعرفة، وإحدى الطرق التي سلكها الشهيد صدر لترتيب وإرساء هذا النظام كانت تتبع جذور المسائل.

[4]شرح وتوضيح منطقة الفراغ ومفهومها ومكانتها في فكر الشهيد صدر موضوع مستقل لا يتسع له هذا المختصر. وفي هذا الصدد نكتفي بذكر هذه النقطة فقط، وهي أن المقصود بمنطقة الفراغ هي المجال الخالي من الالتزامات الوجوبية والتحريمية، حيث يمكن للولي الأمر أن يتولى التشريع ووضع القوانين في هذا المجال وفقًا للمصالح العامة. ومن بين الضوابط التي يجب مراعاتها من قبل الحاكم الإسلامي عند ملء منطقة الفراغ، تلك القواعد المستنبطة من المفاهيم الإسلامية والتي تحدد نوع السياسات التي يجب اتباعها في هذا المجال.

[5] المقصود بـ«ذاتي» هنا هو الذاتي مقابل الموضوعي، وهو مصطلح ورد كثيرًا وفي مواضع مختلفة في فكر الشهيد صدر. والمقصود بالذاتي هو كل عامل يتأثر بنفس وذات الباحث في العملية البحثية ويحول دون الالتزام بالمبادئ والقواعد المنهجية العلمية.