ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی نظریه حق الطاعة ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: سید علیاکبر حائری
المصدر: مجلۀ فقه اهلبیت، السنة ٥، العدد ١٧ و ١٨
من بين النقاشات المهمة والجذرية في علم الأصول تحديد الأصل العملي في مقام الشك في التكليف، بمعنى أنه إذا لم نجد دليلاً على الحكم الشرعي في مسألة معينة – لا عن طريق القطع والتعيين ولا عن طريق الظن الذي ثبت حجّيته شرعاً، مثل خبر الواحد ونحوه – فبأي أصل عملي يمكننا الاستناد في مقام العمل؟ هل يمكننا القول إن التكليف الاحتمالي في المسألة المشكوك فيها ثابت، ويجب علينا الالتزام به عملياً؟ وهذا ما يُسمى اصطلاحاً بأصل الاحتياط والاشتغال، أم نأخذ بأصل البراءة من التكليف الاحتمالي ولا نلزم أنفسنا بالعمل به؟ وهذا ما يُسمى بأصل البراءة.
وقد طُرح هذا النقاش في علم الأصول في مجالين:
1- المجال العقلي، حيث يُبحث فيه عن أي أصل عملي يوصي به العقل، بغض النظر عن تدخل الشرع، لتحديد واجب المكلف العملي في حالة الشك في التكليف.
2- المجال الشرعي، حيث يُبحث فيه عن أي أصل عملي يفرضه الشرع لتحديد الواجب العملي في مقام الشك في التكليف.
ونظراً لأن تنفيذ الأصل العملي بناءً على المجال الأول (المجال العقلي) مشروط عقلاً بعدم وجود أصل عملي شرعي مخالف بناءً على المجال الثاني (المجال الشرعي)، فإذا وُجد أصل عملي شرعي مخالف، وجب التخلي عن الأصل العملي العقلي.
وما نسعى إليه في هذا المقال هو تحديد الواجب العملي للمكلف بناءً على المجال الأول، أي المجال العقلي. بمعنى أننا نريد أن نعرف أي أصل عملي يفرضه العقل بغض النظر عن تدخل الشرع في حالة الشك في التكليف لتحديد الواجب العملي في المسألة المشكوك فيها.
في هذه المسألة ثمة اختلاف بين جمهور الأصوليين المتأخرين (رض) وبين أستاذنا، آية الله العظمى الشهيد سيد محمد باقر الصدر (قده). فالجمهور يرون وجوب تنفيذ أصل البراءة العقلي في الشك في التكليف، بينما يدعي أستاذنا الشهيد أن أصل الاحتياط العقلي هو الجاري في هذه الحالة.
العبارة الفنية التي يتمسك بها دعاة البراءة العقلي، بعد عصر وحيد بهبهاني (ره) وحتى اليوم، هي هذا الادعاء بأن العقل يرفض عقاب ومحاسبة العبد على تكليف لم يُبلّغ به، وهو ما يُسمى اصطلاحاً بقاعدة (قبح بلا بيان). والجمهور ينسبون هذه القاعدة إلى وحيد بهبهاني (ره).
عبارتهم هي: (اعلم أن المجتهدين حيث لا يوجد نص، “الشبهة الحكمية” و”الشبهة الموضوعية” يُحركون أصل البراءة…)[1] إلى أن يقول: (دليل الفقهاء أن العقل حيث لا يوجد بيان يرفض التكليف والمحاسبة…)[2] ويحتمل أن يكون المقصود من عبارته (مالانص فيه) عدم صدور نص، ومراده من عبارة (ما لم يكن بيان) هو فقدان البيان في الواقع وليس في يد المكلف.[3]
لذا يحتمل أن يكون الخلاف بين أستاذنا الشهيد والجمهور المتأخرين في هذه المسألة بعيداً، لأن هذا الخلاف يتعلق بالمكان الذي لم يصل فيه البيان إلى المكلف لا بعدم صدور البيان أصلاً في الواقع. «وما هو محل النزاع هو عدم صدور البيان في الواقع لا في يد المكلف».
لكن قبل وحيد بهبهاني (ره) لا نجد أي أثر لهذه العبارة الفنية في بيان البراءة العقلي، أي (قبح عقاب بلا بيان) في آثار الأصوليين. مع ذلك وردت عبارات أخرى لم تحظَ باهتمام المتأخرين.
مثلاً قيل إن أساس البراءة هو قبح التكليف بما لا يُطاق أو الاستصحاب العقلي ونظائره.[4]
وما يهمنا هو دراسة مدى صحة البراءة العقلي استناداً إلى قاعدة (قبح عقاب بلا بيان)، وهي القاعدة الشائعة بين المتأخرين، ومع ذلك فقد خالفها أستاذنا الشهيد وطرح نظرية جديدة تحت عنوان (حق الطاعة)، وهي نظرية تؤدي إلى رفض البراءة العقلي وقبول أصل الاحتياط في الشك في التكليف. ولكي نتمكن من تقديم شرح واضح لنظرية الطاعة ومقارنتها بقاعدة (قبح عقاب بلا بيان) لقبول الصحيح، من الضروري، حفاظاً على سلامة النقاش من الخطأ والاضطراب، أن نحدد بدقة نطاق محل النزاع والاختلاف بين أستاذنا الشهيد (ره) والجمهور الذين يؤمنون بقاعدة قبح البيان.
تحرير محل النزاع
لكي يتضح محور هذا الخلاف الرئيسي ويُبين مقصد كل من الرأيين، من الضروري الانتباه إلى النقاط التالية:
النقطة الأولى:- كما أشرنا سابقًا- المقصود من بيان أنصار القاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بعد وحيد بهبهاني، هو أن يصل البيان إلى المكلف، وليس أن يصدر في الواقع. بناءً على ذلك، فهم يرون أنه في كل تكليف يصدر عن المولى، له الحق في مساءلة عبده فقط إذا وصل ذلك التكليف إلى العبد. والمقصود من وصول التكليف هو أن يكون في متناول العبد بحيث إذا تحقق وفحص، يصل إلى استلام قطعي له، فإذا لم يحصل على استلام قطعي لهذا التكليف حتى بعد الفحص، فلا يلزم العقلاء بالطاعة، حتى وإن صدر التكليف في الواقع. وهذا هو بالضبط ما عارضه أستاذنا الشهيد (قده)، إذ يدعي أنه ما دام المولى هو الله تعالى، فإن الوصول الاحتمالي للتكليف يكفي عقلاً للضرورة في الامتثال والطاعة، لأن حق الطاعة لله تعالى لا يختص بالتكليف الذي يصل إلى المكلف “أي بالاستلام القطعي” فقط، بل يشمل أيضًا التكليفات الظنية والاحتمالية- التي لا يحصل القطع بها حتى بعد الفحص-، ولذلك ما دام هناك احتمال أو ظن بوجود التكليف، فالاحتياط واجب.
نعم، إذا حصل القطع بعدم وجود التكليف، فلا يحكم العقل بوجوب طاعة ذلك التكليف حتى وإن كان موجودًا في الواقع.
لذا، يتركز الخلاف في هذه المسألة على ما إذا كان العقل يعتبر الامتثال والطاعة ضروريين إذا لم يصل التكليف- بالمعنى الذي قيل لوصوله “أي الاستلام القطعي”- إلينا، بحيث إذا خالف المكلف، يحق للمولى معاقبته، أم أن العقل لا يصدر مثل هذا الحكم، بل يعذر العبد ولا يعتبره مستحقًا للعقاب؟ هذا الخلاف- كما هو واضح- يختلف جذريًا عن الخلاف في مسألة صدور التكليف من الأساس وفي الواقع. لأن هذا الخلاف يتعلق بمسألة أخرى تناولها القدماء في بيان حدود الشبهة التحريمية، تحت عنوان: هل الأصل في الأشياء الحظر أم الإباحة؟ فبعضهم قال: الأصل في الأشياء حتى يصدر الإباحة هو الحظر، وبعضهم الآخر يعتقد أن الأصل في الأشياء حتى يصدر التحريم هو الإباحة. وهناك فريق ثالث توقف عند هذه المسألة، مع توضيح معنى التوقف لديهم.
فإذا كان المقصود من (قبح العقاب بلا بيان) في بحثنا هو قبح العقاب في حالة عدم صدور البيان، فإنه يخرج عن نطاق بحث المتأخرين ويعود إلى نقاش القدماء حول الحظر أو الإباحة. وهذا هو ما رجحناه أن يكون مقصد وحيد بهبهاني، مع اختلاف أن كلامه أوسع من نقاش القدماء لأخذ شبهات الوجوبية في الاعتبار.
«لأن نقاش القدماء محصور في الشبهة التحريمية.»
وبالإضافة إلى هذا الاحتمال في كلام وحيد بهبهاني، من المحتمل أن يكون أساسه أنه عندما لا نجد بيانًا للتكليف بعد الفحص والبحث، يتأكد لدينا أن البيان لم يصدر من الشارع أساسًا.
وإذا كان هذا الاحتمال صحيحًا، فإن نظرية قبح العقاب في حالة عدم وصول البيان ستتطابق، مع الادعاء بأن عدم وصول البيان إلى المكلف يكشف عن عدم صدور البيان.
وكما نقل هذا الأساس عن محقق حلي (قده)[5]. وفي هذه الحالة، يخرج كلام محقق حلي أيضًا عن محور نقاش المتأخرين.
النقطة الثانية:- كما ذكرنا- كلا الفريقين- أنصار البراءة العقلية ومدعي الاحتياط العقلي- قد قبلوا أن تنفيذ الأصل العملي العقلي مشروط عقلاً بعدم وصول الأصل العملي الشرعي المخالف إلينا.
وبناءً عليه، إذا وصلنا إلى أصل عملي شرعي يوجب الاحتياط في مواجهة حكم واقعي مشكوك فيه، فإن قيام هذا الأصل يرفع موضوع البراءة العقلية عند أنصارها. وكذلك إذا وصلنا إلى أصل عملي شرعي يتضمن البراءة في مواجهة حكم واقعي مشكوك فيه، فإن قيام هذا الأصل الشرعي يزيل موضوع الاحتياط العقلي عند مدعيه. ومفهوم هذا الكلام هو أن أنصار قبح العقاب بلا بيان يشملون البيان حكم الواقع والاحتياط. لذلك، إذا وصل البيان إلى أي من المعنيين المذكورين، ينتفي قبح العقاب، كما أن المقصود بالتكليف المحتمل عند من يرون حق الطاعة يشمل التكليفات الاحتمالية، هو تكليف لم يصلنا دليل على نفيه- سواء بالمعنى الواقعي أو بمعنى البراءة الظاهرية.
وبناءً عليه، إذا وصلنا إلى دليل على نفي التكليف بأي من المعنيين المذكورين، ينتفي حق الطاعة.
النقطة الثالثة: محور الخلاف الرئيسي هو تحديد واجب العبد تجاه المولى في محكمة العقل العملي، وليس بيان واجب المولى تجاه العبد في مثل هذه المحكمة. والتوضيح أن أمام محكمة العقل العملي مسألتان:
1- متى يجب على العبد الطاعة تجاه مولاه؟
2- متى يجوز للمولى إصدار العقوبة على العبد؟. ورغم أن هاتين المسألتين تطرحان أمام محكمة العقل العملي معًا، إلا أن حكم العقل العملي في المسألة الثانية يتبع حكم العقل العملي في المسألة الأولى:
بمعنى أن العقل العملي يعترف بجواز المولى في معاقبة العبد إذا وجب على العبد الطاعة عقلاً. أما إذا لم يكن واجبًا على العبد طاعة المولى- مثل حالة العجز والعجز- فلا يجوز للمولى أن يسعى لمعاقبة العبد.
لذلك فإن حكم العقل بوجوب الطاعة، في موضوع حكم العقل بجواز العقاب، ذو صلة. والحكم الأول هو التقييم العقلي المباشر لعمل العبد، كما أن الحكم الثاني، رغم أنه في أحد معانيه تقييم لعمل العبد – لأن هذا الحكم يحدد هل العبد مستحق للعقاب بسبب هذا العمل أم لا؟ – إلا أنه من حيث أن العقاب عمل المولى وليس عمل العبد، فإن الحكم الثاني يُعتبر أيضًا تقييمًا مباشرًا لعمل المولى. ولا يمكن اعتباره تقييمًا لعمل العبد إلا بوساطة الحكم العقلي الأول الذي أُخذ في موضوع الحكم الثاني.
وبهذا البيان يتضح أنه في حالة عدم الوصول القطعي إلى التكليف – بالمفهوم الذي ذُكر للوصول – رغم وجود اختلاف بين المشهور وأستاذنا الشهيد في كلا المجالين، أي مجال تحديد عمل العبد ومجال تقييم عمل المولى، فإن محور الخلاف الرئيسي هو المجال الأول، وهو تحديد واجب العبد ووجوب طاعته للمولى. أما المجال الثاني، أي مجال تقييم واجب المولى وجوازه في عقاب العبد، فهو مترتب على المجال الأول، والاختلاف فيه ناشئ عن الاختلاف في المجال الأول.
ومن الممكن القول إن عدم جواز العقاب عقلاً يدل على عدم وجوب الطاعة، لكن يجب أن يُعلم أن هذا القول يُستخدم فقط في مقام الاستدلال، ومحور الخلاف الرئيسي يبقى وجوب أو عدم وجوب الطاعة عقلاً.
إن شاء الله سنشير في دراسة أدلة المشهور إلى هذا النوع من الاستدلال، وسنبيّن هناك أن هذا الاستدلال مغالطة ولا قيمة له في مقام الاستدلال القيمي.
النقطة الرابعة: بلا شك، الخلاف بين أنصار البراءة العقلية ومدعي الاحتياط العقلي يتركز على التكليفات التي يُحتمل صدورها من المولى، لا من شخص آخر. بناءً عليه، إذا احتُمل صدور تكليف من صديق مثلاً، فلا يكون طاعته واجبة بالضرورة، وهو خارج عن محور الخلاف. وهذا يعني أن موضوع نقاشنا الذي وقع فيه الخلاف هو تكليف المولى وليس تكليف أي شخص آخر. هذا الأمر واضح إجمالًا، لكن ما يستحق التأمل هو: هل يدخل تكليف المولى بصفته مولى في موضوع النقاش؟ أم أن موضوع النقاش لا بد أن يكون تكليفًا نحتمل صدوره من شخص – يُطلق عليه لقب المولى بغض النظر عن مولويته -؟ بمعنى آخر، هل الصواب أن نعتبر موضوع النقاش، من حيث شمول حق الطاعة أو عدم شمولها، تكليفًا يُحتمل صدوره من المولى – من حيث كونه مولى -، بحيث يكون المولى عنوانًا عامًا نفترض وجوده، ثم نطابقه على الله تعالى مثلاً باعتباره مصداقًا عامًا للعنوان المولى؟ أم الصواب أن نذهب مباشرة إلى المصداق ونتحدث عنه كجزء وشخص، ونبيّن هل حق الطاعة يشمل التكليف المحتمل الصدور من المولى أم لا، بحيث يتحدد في سياق النقاش نطاق مولوية ذلك المولى دون أن نعتبرها عنوانًا عامًا له وجود افتراضي في موضوع النقاش؟
الجواب هو: مقتضى البنية الفنية للنقاش، رغم شيوع التسامح في التعبير، هو الثاني (أي عنوان محدد وجزئي للمولى) لا الأول. والدليل على ذلك أن المولوية تعبير آخر عن حق الطاعة. لذلك عندما نقول: (الله تعالى مولانا) فإن المقصود من هذه العبارة هو أنه له حق الطاعة علينا، ومعناها أن مولوية الله تعالى هي عين حق طاعته، ولا معنى آخر غير حق الطاعة ليكون موضوع حق الطاعة. إذن الخلاف في شمول حق الطاعة للتكليف المحتمل وعدم شمولها هو تعبير آخر عن الخلاف في شمول مولوية المولى لذلك التكليف المحتمل وعدم شمولها. ومن هنا، كل من يعتقد أن حق طاعة الله تعالى يشمل التكليفات المحتملة، يكون قد قبل بطبيعة الحال شمول مولويته لتلك التكليفات المحتملة. وكل من لا يرى أن حق طاعة الله يشمل التكليفات المحتملة، فهو في الحقيقة لم يعترف بمولويته لتلك التكليفات.
وهذا نتيجة نستخلصها من تجسيد وتطابق المعنيين: المولوية وحق الطاعة، لا من التلازم بينهما، إذ من الواضح أن الشيء لا يُعتبر موضوعًا لنفسه. ومن هنا، النقاش الذي وقع فيه الخلاف هو في المعنى الذي يُطلق عليه أحيانًا حق الطاعة وأحيانًا حق المولوية، وموضوع هذا النقاش هو التكليفات التي يُحتمل صدورها من الله تعالى مثلاً، من حيث كونه الله، ومن حيث كونه مولى. بناءً عليه، الخلاف هو هل في التكليفات التي يُحتمل صدورها من الله تعالى، يُنشأ له حق طاعة ومولوية على الناس أم لا؟
وبالطبع، بما أن هذا الحق مرتبط بمعيار معين مثل الخلق أو المنّة، فلا بد من إدخال هذا المعيار في موضوع النقاش، فيكون عودة النقاش إلى هل الخلق أو المنّة لله تعالى تُنشئ المولوية أو حق الطاعة فقط بالنسبة للتكليفات التي وصلت إلينا قطعًا، أم أنها تقتضي حق المولوية والطاعة حتى في التكليفات الظنية والاحتمالية؟ وعلى هذا الأساس قلنا إن هذا النقاش لا يشمل الحالة التي يُحتمل فيها صدور تكليف من صديق، لأن الصديق لا يوجد له معيار مولوية أو حق طاعة على الإطلاق، فلا يمكن أن نناقش هل ثبوت هذا الحق يقتصر على التكليفات القطعية أو يشمل التكليفات الظنية والاحتمالية.
النقطة الخامسة: المولوية التي نناقش شمولها للتكاليف الاحتمالية وعدم شمولها، هي المولوية التي يدركها العقل العملي مباشرة، ومرجعها هو الحسن والقبح العقلي. وهذه هي ذات المولوية التي أشار إليها أستاذنا الشهيد (قده) باعتبارها المولوية الذاتية، والمقصود بها ليس الحق الذي قد يفرضه العقلاء أحيانًا على شخص أو على نفسه في شأن نفسه أو في شأن غيره. كما أن المقصود ليس الحق الذي يفرضه صاحب المولوية الذاتية على نفسه[6] ولكنه غير مدرك مباشرة للعقل العملي، وهذا ما سماه المرحوم الشهيد الصدر بالمولوية المزيفة، بمعنى أنه من وجهة نظر العقلاء مجرد ثبوت حق الطاعة لشخص معين بناءً على المولوية المزيفة أو عدم ثبوت مثل هذا الحق بسبب التكاليف الاحتمالية… لا يحقق هدف هذا النقاش، إلا إذا كان هناك تلازم بين حدود المولوية المزيفة ومجال المولوية الذاتية التي يقر بقدرة العقل العملي على إدراكها. وفي هذه الحالة يكون الأمر متعلقًا بمقام الاستدلال ويخرج عن أصل النقاش المختلف فيه. وبالطبع سنناقش هذا الاستدلال أيضًا.
النقطة السادسة: المولوية الذاتية – بالمعنى الذي ذكرناه والذي اختلف فيه الثبوت أو عدم الثبوت لهذه المولوية بالنسبة للتكاليف الاحتمالية – إذا اعتبرناها من الأساس مختصة بذات الله تعالى، فإن هذا النقاش يختص بالتكاليف التي يحتمل صدورها من جانب الله تعالى، أما إذا اعتبرنا تحقق المولوية الذاتية بالمعنى المذكور في حق غير الله تعالى أيضًا، كما أن بعضهم أقروا بمثل هذه المولوية بالنسبة لأولياء النعم البشرية – فإن هذا النقاش سيكون ممكنًا بالنسبة للتكاليف التي يحتمل صدورها من جانب مواليين آخرين. ولكن بما أن المولوية بالمعنى المذكور “ذاتيّة” لم تُطرح في موضوع هذا النقاش كوجود تقديري وافتراضي، بل هي تعبير عن حقيقة اختلف في وجودها وعدمه، وموضوعها التكاليف التي يحتمل صدورها من أي مثال من أمثلة المولى كشخص وجزء منه وليس ككل – كما مرّ النقاش – فإن هذا النقاش سيكون في شأن الله تعالى بشكل مستقل عن شأن أي مثال آخر من أمثلة المولوية الذاتية – بالطبع إذا اعتبرنا المولوية الذاتية معقولة في شأن غير الله تعالى.
ومعنى هذا الكلام أن النقاش في المولوية غير الله تعالى وحق طاعته بالنسبة للتكاليف الاحتمالية لا يعفي من النقاش في مولوية الحق سبحانه وحق طاعته بالنسبة للتكاليف الاحتمالية. لذلك، المحور الأساسي لنقاشنا هو: دراسة مدى اتساع المولوية الذاتية لله تعالى من حيث شمولها للتكاليف الظنية والاحتمالية أم لا؟ سواء اعتبرنا المولوية الذاتية معقولة لغير الله تعالى أو لم نعتبرها كذلك، وسواء شملت هذه المولوية التكاليف الظنية والاحتمالية لغير الله – بناءً على فرض عقلانية المولوية الذاتية لغير الله – أو لم تشملها. ومن الممكن أن يدعي أحدهم وجود تلازم بين حدود مولوية الله تعالى وحدود مولوية غير الله، وفي هذه الحالة يكون الأمر متعلقًا بمقام الاستدلال، وسنبحث ذلك في دراسة الأدلة.
ما قيل هو توضيحات تعود إلى أصل المسألة وتبين موضوع وخط الاختلاف.
ملخص النقاط المذكورة كما يلي:
1- مركز الاختلاف هو الحالة التي لا يكون فيها الوصول القطعي إلى التكليف ممكنًا مع احتمال صدوره في واقع الحال، وليس الحالة التي لا يصدر فيها التكليف أساسًا في واقع الحال.
2- الأصل العملي العقلي عند الفريقين – مؤيدي البراءة العقلية ومدعيي الاحتياط العقلي – مشروط بعدم وجود أصل شرعي مخالف.
3- الهدف الرئيسي من هذا النقاش هو تحديد واجب العبد تجاه المولى من حيث هل الطاعة واجبة عليه في حالة الشك أم لا؟ وتحديد واجب المولى تجاه العبد من حيث هل العقوبة على مثل هذا العبد جائزة أم لا، وهذا مرتبط بالنقاش السابق.
4- اعتبار عنوان المولوية في موضوع هذا النقاش غير صحيح، إلا إذا اعتبرناه من باب التسامح في التعبير – لأن المولوية تعبير آخر عن حق الطاعة الذي اختلف في نفيه أو إثباته، وموضوعه تكليف يحتمل صدوره من شخص هو مصداق عنوان المولى بغض النظر عن مولويته.
5- المولوية التي اختلف فيها هذا النقاش حول شمولها للتكاليف الاحتمالية هي المولوية الذاتية التي يدركها العقل العملي مباشرة، وليس المولوية المزيفة التي تُصنع بناءً على عقلاء وأمثالهم ولا يدركها العقل العملي مباشرة.
6- المحور الرئيسي للنقاش هو دراسة مدى اتساع المولوية الذاتية لله تعالى من حيث شمولها للتكاليف الظنية والاحتمالية أم لا، سواء اعتبرنا المولوية الذاتية معقولة لغير الله تعالى أم لا، وسواء شملت هذه المولوية التكاليف الظنية والاحتمالية لغير الله – على فرض أننا نعتبر شمول هذه التكاليف لغير الله معقولًا – أم لا.
من مجموع ما ذُكر يتبيّن أن الخلاف بين القائلين بأصل البراءة والمدعين لأصل الاحتياط يعود إلى ما إذا كان حق الطاعة والولاية لله تعالى علينا يختص فقط بالواجبات التي وصلت إلينا بيقين، أم أن هذا الحق يمتد حتى إلى الواجبات الظنية والاحتمالية – ما دام لم يُثبت الترخيص الشرعي بعدم الاحتياط من جانب الله تعالى -؟ وبعبارة أخرى، فإن ادعاء البراءة العقلية يعني تضييق دائرة ولاية الله تعالى لتقتصر على الواجبات القطعية فقط، في حين أن مفهوم أصل الاحتياط يعني اتساع دائرة ولاية الله تعالى لتشمل الواجبات الظنية والاحتمالية.
دراسة معايير حق الطاعة
لكي يتضح موقفنا من هذا الخلاف، لا بد من دراسة معايير حق الطاعة والولاية والتأمل فيها من زاويتين: أولاً: من منظور العقل النظري، وهو مقدار وجود هذه المعايير بالنسبة لله تعالى. ثانياً: من منظور العقل العملي، وهو دراسة مدى ترتب حق الطاعة والولاية بناءً على الدرجة التي تُنشأ لله تعالى وفقاً لتلك المعايير.
وقد ذكر المشهور من أصوليين معيارين لحق الطاعة والولاية:
1- المنعمية التي تستلزم عقلاً وجوب الشكر.
2- الخلقية التي تستلزم عقلاً الملكية الحقيقية.
وليس قصدنا هنا الدخول في المنازعات التي دارت بين أنصار معيار المنعمية ومدافعي معيار الخلقية، إذ إن هذا النقاش أقرب إلى مباحث علم الكلام منه إلى مباحث علم الأصول. ما نريد الآن هو دراسة هذين المعيارين، على فرض صحة كلاهما، من منظور العقل النظري والعقل العملي بشكل موجز.
أما من زاوية العقل النظري، فلا شك أن هذين المعيارين موجودان بشكل كامل وفي أعلى حد ممكن في شأن الله تعالى. (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم.)[7] (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا.)[8] «الآية الأولى تشير إلى المعيار الأول وهو المنعمية، كما أن الآية الثانية تثبت المعيار الثاني وهو الخلقية.» لا نريد هنا الدخول في النقاشات التفصيلية الفلسفية والكلامية حول كيفية الخلق والإنعام، لأن الخلاف بين المدعين لأصل البراءة والقائلين بأصل الاحتياط لا يتعلق بهذا الجانب، إذ لا خلاف بينهم على أن الله تعالى هو الخالق والمنعم المطلق. وإذا أُطلق لقب (منعم) على البشر الصالحين أو لقب (خالق) على من له دور خاص في الإيجاد كالأب، فذلك إما مجازي أو تطبيقي، حيث يُستخدم في غير معناه المطلق حتى في أقصى الفروض. لذلك، هذان اللقبان بصيغتهما الحقيقية المطلقة ينطبقان فقط على الله تعالى.
أما من منظور العقل العملي، فالمسألة هي هل هذا المستوى العالي من المنعمية أو الخلقية في شأن الله تعالى يستلزم عقلاً، بناءً على وجوب الشكر أو مقتضى الملكية الحقيقية، أن تكون الطاعة لله تعالى واجبة فقط في ما يصلنا من الواجبات القطعية، أم أن وجوب الطاعة يمتد حتى إلى الواجبات الظنية والاحتمالية، بمعنى أن المبادرة إلى أداء الواجبات واجبة سواء صدرت من الله في الواقع أم لا؟
المرجع الوحيد لدينا للإجابة على هذا السؤال هو العقل العملي، الذي يرى أن حفظ أعلى درجات حرمة الله والقيام بجميع مقتضيات احترامه، سواء على أساس (شكر المنعم) أو (ملكية الحق)، أمر ضروري. ومن الواضح أن من مراتب احترام الشخص وحفظ حرمته القيام بكل ما يُحتمل أن يكون مراده. لذلك، من الواجب للحفاظ على مراتب الاحترام والتكريم التي يوجبها العقل لله تعالى، المبادرة إلى أداء كل واجب نحتمل صدوره من الله تعالى.
ومعنى هذا الكلام أن الله تعالى، بحسب إدراك العقل العملي، له علينا حق الطاعة، وهذا الحق لا يقتصر على الواجبات القطعية، بل يشمل جميع الواجبات التي يحتمل صدورها من الله، ما لم يُثبت أن الله قد أباح ترك الاحتياط في ذلك الواجب بإعلان صريح بالترخيص. وهذا ما أطلق عليه أستاذنا الشهيد (ره) نظرية حق الطاعة. قبول هذا الحق لله تعالى هو وجداني وواضح جداً، إذ يدركه العقل العملي مباشرة.
أليس كذلك أنه عندما يلتزم الإنسان، إلى جانب الواجبات القطعية، بالواجبات الاحتمالية أيضاً، فإنه يحفظ حرمة الله ويؤدي حقوقه في أعلى درجاتها مقارنة بمن يلتزم فقط بالواجبات القطعية؟
إذا كان الأمر كذلك، فما هو التبرير العقلي لانتهاك حفظ وصيانة هذه الدرجة من حرمة وحقوق الله تعالى؟ ذلك بعد أن علمنا أن معيار الملوكية في حق الله تعالى – سواء كان معيار المنعميّة أو معيار الخلق – يوجب علينا حفظ حرمة وحقوق الحق سبحانه بأعلى حد ممكن التصور، إلا إذا أسقط الله تعالى بعض هذه الحقوق بنفسه وأجاز لنا ترك التحفّظ. نحن بهذا البيان لا نسعى لإقامة برهان على اتساع هذا الحق وشموليته بالنسبة للواجبات المشكوك فيها، حتى لا يُوجه إلينا اعتراض مصادرته على هذا البيان بأن حفظ جميع حرمة وحقوق الله واجب علينا، لكن أن يكون هذا الحفظ من ضمن حرمة وحقوق الله هو محل الكلام الأول، كما أن الاعتراضات الأخرى لا تصح علينا. لأن مقصدنا الوحيد هو إثارة الضمير ليؤيد إدراك العقل العملي القائم على اتساع حق طاعة الله تعالى.
نظرية حق الطاعة ليست برهانية
أكد الشهيد الصدر(ره) أن نظرية حق الطاعة ليست برهانية، بل هي من المدركات المباشرة للعقل العملي. حيث يقول:
نحن بناءً على هذا المنهج نعتقد أن الملوكية الذاتية لله تعالى لا تقتصر على الواجبات القطعية فقط، بل تشمل مطلق الواجبات التي تصلنا حتى على سبيل الاحتمال. وهذا من مدركات العقل العملي التي لا يمكن إقامة برهان عليها. لذلك، كما أن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق يُدرك مباشرة بالعقل العملي ولا يكون برهانيًا، فإن حدود هذا الحق أيضًا من حيث الضيق والوسع ليست برهانية.[9]
ومن الواضح أن مقصده من هذا القول هو أن هذه الدرجة العالية من المنعميّة والخلق التي لله تعالى، بناءً على حكم عقلي أولي، تشمل دائرة واسعة من حق الطاعة، بحيث تشمل الواجبات الاحتمالية أيضًا. ومفهوم أن هذا الحكم العقلي أولي وغير برهاني هو أن هذه الدرجة من المنعميّة والخلق التي تقتضي هذه الدرجة من حق الطاعة هي أمر عقلي ومن البديهيات، ولم تُستنتج من مقدمات عقلية سابقة.
ولا يتعارض ذلك مع أن نفس القضية، بناءً على اتساع حق الطاعة الإلهي، ومن حيث أنها من درجة عالية من المنعميّة والخلق، يمكن أن تكون برهانية، بمعنى أننا نقول مثلاً: إن الله تعالى له هذه الدرجة العالية من المنعميّة والخلق، وكل من له هذه الدرجة من المنعميّة والخلق، فطاعته واجبة حتى في الواجبات الاحتمالية، والنتيجة أن طاعة الله تعالى واجبة حتى في الواجبات الاحتمالية. وهذا برهان عقلي يتكون من صغرى هي مدركة بالعقل النظري، وكبرى مدركة بالعقل العملي. وبمساعدة هذه الصغرى والكبرى تثبت نظرية حق الطاعة، ويُستنتج وجوب الاحتياط العقلي في كل واجب يحتمل صدوره من الله تعالى ما لم يُثبت أن الله قد أذن بترك الاحتياط.
ومن هذا المنطلق يمكننا أن نسمي هذه النظرية برهانية، ولكن بما أن مصدر الخلاف في هذه النظرية هو الكبرى التي ذكرناها، والصغرى بين مدعيي أصالة البراءة ومؤيدي أصالة الاحتياط مقبولة بالإجماع، ومن جهة أخرى الكبرى – كما قلنا – من مدركات العقل العملي وليست مستنتجة من مقدمات عقلية سابقة، فقد اعتبر أستاذنا الشهيد هذه النظرية غير برهانية، لأن مصدر الخلاف هو الكبرى العقليّة الأوليّة.
أما كيف يمكن أن يكون هناك خلاف في قضية الكبرى فيها عقلي أولي والصغرى محل اتفاق؟
فالجواب أننا نعتقد أن ادعاءات مدعيي البراءة العقلية لا تخرج عن حالتين:
إما أن محل النزاع لم يتضح لهم بدقة، وهذا الغموض قد يكون لأسباب مختلفة، منها:
أ. الخلط بين مفهوم عدم وصول البيان ومفهوم عدم صدور البيان.
ب. الخطأ بين البيان الحقيقي والبيان الظاهري.
ج. الاضطراب والارتباك في فهم معنى الملوكية.
د. عدم التعرف الصحيح على العلاقة المترتبة بين حق العقاب وحق الطاعة.
أو أسباب أخرى شرحناها بالتفصيل في تحرير النزاع. ومن الواضح أن هذا الغموض في هذه الجوانب يهيئ بطبيعة الحال مجالًا للفهم الخاطئ لنظرية البراءة العقلية. ولهذا السبب أحيانًا يقبل شخص هذه النظرية وهو لا يعلم أن نتيجتها تضييق دائرة ملوكية الله تعالى، وحصر الملوكية فقط في الواجبات التي تصلنا بطريقة قطعية، وهذا يعني أن الله ليس له ملوكية علينا في الواجبات الأخرى!
وربما تأثروا ببعض البراهين التي أُقيمت لإثبات نظرية البراءة العقلية، وظهرت لهم شبهات في مقابل نظرية أصل الاحتياط، مما خلق عوائق أمام ضمير العقل العملي في إدراك أصل الاحتياط. لأن الإنسان أحيانًا عندما يواجه بعض الشبهات والبراهين الوهمية ضد البديهيات، لا يستطيع أن يبرئ نفسه منها، ونتيجة لذلك يفقد سلامة ضميره في إدراك ذلك الأمر البديهي، كما حدث لبعض رواد المدارس الفكرية في مواجهة مسألة بداهة استحالة الجمع بين النقيضين. في المقابل، إذا فهم الإنسان محور النزاع جيدًا وأمعن النظر في أبعاده، واهتم بالردود على الشبهات والبراهين الوهمية في هذه المسألة، وحلها بطريقة صحيحة، فلا شك أنه سيقر باتساع حق طاعة الله تعالى ويوقع على نظرية حق الطاعة، ويرفض نظرية البراءة العقلية التي تُعرف اصطلاحًا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
لقد سعينا في تحرير محل النزاع بقدر ما أمكننا، لتوضيح أبعاد وحدود هذه المسألة، وما يلزمنا الآن هو أن نذكر الشبهات والبراهين التي تمسّك بها مدافعو البراءة العقلية، وأن نرد عليها بدقة وبصورة واضحة، لنزيل الغبار عن ادعائنا الأول بأن هذه المسألة واضحة حسب إدراك العقل العملي ومن البديهيات.
وبالطبع، حين نرغب في الرد على شبهات وبراهين أنصار نظرية البراءة العقلية، فهذا لا يعني أننا نريد إقامة برهان على صحة نظرية حق الطاعة، بل هدفنا فقط إزالة العائق عن إدراك بديهية هذه النظرية من طريق الفكر.
أسباب البراءة العقلية
كان بعض مدافعي نظرية البراءة العقلية قبل ظهور فكرة قبح العقاب بلا بيان[10] يتمسّكون بأسباب مثل (قبح التكليف بما لا يطاق) و(استصحاب حال العقل)، وقد أصبح بطلان هذه الأسباب واضحًا لدى المتأخرين، لذا نتجنب الإطالة في هذا الشأن. ولكن منذ ظهور فكرة (قبح العقاب بلا بيان) وحتى اليوم، يمكن استخلاص هذه الفكرة من بين أقوال أصحاب هذه النظرية كبرهان على البراءة العقلية، سواء كان قصدهم من هذه الأقوال إقامة برهان على البراءة العقلية أم لا، وهذه الأسباب هي كما يلي:
قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بلغة بسيطة
الوجه الأول: التمسك ببيان بسيط لفكرة (قبح العقاب بلا بيان) لإثبات البراءة العقلية. ومن الواضح أن هذه الفكرة، حتى مع بيانها البسيط، لا تكفي كبرهان على البراءة العقلية، لأن البراءة العقلية، كما بيّنا في تحرير محل النزاع، تعني أن وجوب الطاعة الإلهية للعقلاء يقتصر على التكليفات التي وصلت إلينا بصورة قطعية. فإذا كان المقصود من فكرة (قبح العقاب بلا بيان) هو هذا المعنى بالذات، فالدليل سيكون عين المطلب، وإذا كان المقصود منها عدم جواز العقاب -لأن الفعل مولى- فإن هذا الأمر يعتمد على البراءة العقلية بالمعنى الذي ذكرناه. لأن، كما بيّنا سابقًا، تقييم العقل العملي للواجب المولى من حيث جواز أو عدم جواز العقاب مرتبط بتقييمه للواجب العبد من حيث وجوب أو عدم وجوب الطاعة. وعلى هذا الأساس، يكون الدليل متوقفًا على المطلب، وبالتالي يفقد هذا الدليل قيمته العلمية في مقام الاستدلال. «كما هو واضح لأهل الاختصاص» فإن أي استدلال من هذا النوع -أي أن يُؤخذ المطلب نفسه كدليل أو يُتمسّك بدليل متوقف على المطلب- يسمى اصطلاحًا (مغالطة دائرية) ولا يُعتمد عليه في مقام الاستدلال.
الوجه الثاني: مفهوم حجية القطع
الوجه الثاني في بيان بسيط لقاعدة قبح العقاب بلا بيان هو التمسك بمفهوم عكس قاعدة (حجية القطع) لإثبات البراءة من التكليف في حال عدم وجود القطع. شرح هذا الوجه كما يلي: يقول الأصوليون إن الحجية من لوازم القطع الذاتية، مع اختلافهم في ما إذا كانت الحجية من لوازم ماهية القطع، مثل الزوجية للأربعة، أو من لوازم وجود القطع، مثل الحرارة للنار؟ ومقصودهم في كلتا الحالتين أن القطع كاشف تام، والحجية من ذاتياته. وهذه الفكرة تؤدي بطبيعة الحال إلى أن عند انتفاء الكشف التام، تنتفي الحجية أيضًا، لأن الحجية من ذاتيات هذا الكشف، ولا معنى لأن تكون ذاتية شيء في ذات شيء آخر -ولهذا قيل إن صدور الواحد من الواحد محال-. وعلى هذا الأساس قيل إنه من المستحيل أن ينجز التكليف الشرعي إلا إذا تم الحصول على الكشف التام وهو القطع. ومفهوم هذا القول هو أن التكليف لا ينجز بمجرد الظن والاحتمال. ونتيجة هذا الاستدلال هي قبح العقاب بلا بيان، لأن العقاب على التكليف غير المنجز قبيح. ومن هذا البيان يتضح أن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هي نتيجة طبيعية لقاعدة (حجية القطع) بالمفهوم المشهور لدى الأصوليين، لأنها تستنبط من مفهوم عكس قاعدة حجية القطع. ومع ذلك، عندما نتأمل في قاعدة (حجية القطع) بالمفهوم الذي أدركه أصحابها، نجد أنها قضية حملية بشرط المحمول.
لأن مقصود الأصوليين من القطع هو القطع بالتكليف الصادر عن المولى وليس أي تكليف، وعندما نتأمل في معنى (المولوية) نجد أنها تعني حق الطاعة -كما شرحنا سابقًا-، وعندما نتأمل في معنى (الحجية) نجد أنها تعبير آخر عن لزوم الطاعة العقلية. فإذا قلنا: (القطع بالتكليف المولى حجية) فمعناها: (القطع بالتكليف من الذي يجب طاعته يجعل طاعته واجبة). وهذه قضية حملية بشرط المحمول، مثل الجملة: زيد القائم قائم)[11].
وبهذا الكلام يتضح أن الحجية ليست من لوازم القطع بما هو قطع، وليس الأمر كما لو أن القطع حجية بغض النظر عن متعلق القطع، سواء كان تكليفًا مشمولًا بحق الطاعة أم لا، فالحجية تعبير آخر عن حق الطاعة والموالاة.
فما دام لم نفرض مشمول حق الطاعة بالنسبة لمتعلق القطع، فلا معنى للحجية في القطع، وإذا فرضنا المشمول، فقد فرضنا في الواقع حجية القطع أيضًا.
من الواضح أن إثبات الحجية للقطع ينطبق أيضاً على الظن والاحتمال، لأنه يمكن اعتبار الظن والاحتمال حججاً بشرط أن يكون موضوعهما مشمولاً بحق الطاعة والولاية. وإذا لم نعترف بشمول حق الطاعة والولاية لموضوعهما، فإن إطلاق الحجية عليهما سيكون غير صحيح. كل ذلك يدل على أن مفهوم الحجية يعود إلى حق الطاعة والولاية كما قلنا. وهذا النوع من النقاش يكون افتراضياً بحتاً، مثل أن يقول أحدهم: (زيد، بافتراض أنه قائم، فهو قائم، وبافتراض أنه غير قائم، فهو غير قائم). من الواضح أن مثل هذا النقاش لا فائدة منه، سواء في مجال حجية القطع أو في مجال حجية الظن والاحتمال. لذا لكي يكون نقاشنا واقعياً ومفيداً، لا بد من حذف عنوان الولاية من موضوع النقاش، وأن نعتبره فقط في المقول كما أصررنا سابقاً.
فبدلاً من أن نناقش متى يكون التكليف مولياً من حيث كونه مولياً، هل يكون الحجية فقط عند القطع أم يكون الحجية أيضاً في حالة الظن والاحتمال أم لا؟ يجب أن نناقش متى يكون تكليف الله تعالى – ليس من حيث كونه مولياً، بل من حيث العنوان الجزئي الذي يتصف بمعيار المنعم والخالق – حجية؟ هل يكون الحجية فقط عندما يكون لدينا قطع في التكليف، أي مشمول بحق الطاعة والولاية، أم أنه حتى في حالة الظن والاحتمال – وإن لم يكن مطابقاً للواقع – يكون حجية؟
إذا طرحنا النقاش بهذا البناء، يتضح جيداً أن التمسك بحجية القطع لإثبات عدم حجية الظن والاحتمال غير صحيح، لأن معنى حجية القطع عندنا هو: هل تكون التكليفات الإلهية عند القطع بها مشمولة بحق طاعة الله أم لا؟ وهذا لا يتعارض مع أن تكون هذه التكليفات في حالة الظن والاحتمال مشمولة بحق طاعة الله أيضاً. أما الادعاء بأن (الحجية – رغم أنها تعود بمعناها إلى الولاية وحق الطاعة – من لوازم ذات القطع في التكليفات الإلهية – من حيث أن القطع كاشف تام عن التكليفات – يُعد دلالة على عدم حجية الظن والاحتمال) فهو استيلاء واضح، لأن الادعاء بأن الحجية من لوازم القطع بما هو قطع، يتضمن ضمنياً ادعاء عدم شمول حق الطاعة للظن والاحتمال. لأنه إذا شمل حق الطاعة الظن والاحتمال، لما كانت الحجية من لوازم القطع بما هو قطع، بل كانت فرداً من عنوان الكشف العام الذي يشمل الظن والاحتمال أيضاً.
لذا فإن الدليل يحتوي على المطلب في داخله، ومن ثم فهو بلا قيمة علمية في مقام الاستدلال.
الوجه الثالث: بيان المرحوم محقق نائيني (ره)
الوجه الثالث في تفسير قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) هو كلام محقق نائيني. خلاصة قوله:
الأحكام الشرعية، سواء كانت موجودة وجوداً واقعياً أو وجوداً احتمالياً، لا تقتضي تحريك وتحفيز المكلف لأداء تلك الأحكام، فالتحفيز فيها يكون فقط عند وجود علمي لها. ومن جهة أخرى، كل حكم لا يقتضي تحريك وتحفيز، يكون العقاب على مخالفته قبيحاً. ونتيجة هذا القول أن العقل أمام كل تكليف لا يصل إلى بيان قطعي له من المكلف، يقر بالبراءة.[12]
هذا الوجه أيضاً غير صحيح، لأنه كما بيّن الشهيد صدر[13]، هذا الادعاء بأن الحكم في الوجود الواقعي والاحتمالي لا يقتضي التحفيز، متوقف على عدم شمول حق الطاعة والولاية للتكليفات الاحتمالية. وهذا هو المطلب الذي يحاول إثباته بهذا الدليل، وبالتالي الدليل متوقف على المطلب، وهذا واضح أنه استيلاء على المطلوب.
الوجه الرابع: بيان محقق أصفهاني (ره)
الوجه الرابع هو بيان منقول عن المرحوم محقق أصفهاني، وهو:
ليس حكم العقل على قبح العقاب بلا بيان حكماً عقلياً عملياً منفصلاً عن بقية الأحكام العقلية العملية، بل هو فرد من أفراد حكم العقل على قبح الظلم عند العقلاء، لأن مخالفة تكليف قائم عليه حجية تعني الخروج من عبودية الحق وعبادة الله، وهذا بدوره يعد ظلماً من العبد لمولاه، ولذلك يستحق الذم والعقاب. أما مخالفة تكليف لا قائم عليه حجية، فلا تعد من مصاديق الظلم، لأن عبودية العبد لمولاه ليست في أن لا يعارض مولاه في الواقع ونفس الأمر. فمخالفة تكليف لا قائم عليه حجية لا تعد خروجاً من عبودية الحق، فلا يصح أن يكون ظلماً.[14]
روح هذا البيان يمكن تصويره في صورة مقدمة وخاتمة:
المقدمة: مخالفة تكليف لا يصل إلى المكلف بيانه القطعي لا تعد من مصاديق الظلم، لأن الحجية لم تقم على العبد، ومن ثم مخالفتها لا تعد خروجاً من عبودية الحق حتى يكون ظلماً.
الخاتمة: كل ما لا يعد ظلماً فهو غير قبيح، لأن الأحكام العقلية العملية كلها تعود إلى أصل واحد وهو حسن العدل وقبح الظلم. لذلك كل ما ليس ظلماً فهو غير قبيح.
نتيجة هذا القياس: مخالفة تكليف لا يصل إلى المكلف بيانه القطعي ليست قبيحة عند العقلاء، وهذا يعني أن المولى في تكليف لا يصل إلى المكلف بيانه القطعي لا حق له في الطاعة.
يمكننا أن نناقش المقدمة والخاتمة لهذا القياس بالبيان التالي:
الاعتراض الصغرى هو أنها تقع في مغالطة التدوير، لأن السبب المقدم لهذا الادعاء بأن المعارضة للتكليف الاحتمالي ليست ظلماً، بسبب عدم ثبوت الحجة عليه، يكون صحيحاً فقط إذا لم يكن الاحتمال حجية، وهذا تعبير آخر عن نفي حق الطاعة بالنسبة للتكليف الاحتمالي، وهذا هو المطلوب ذاته الذي كان المدعي يريد إثباته بهذا السبب، بناءً عليه يكون السبب معلقاً على المطلب، وهذا هو التدوير. أما الكبرى فهي معيبة من هذه الناحية لأنها قضية شرطية على المحمول، ومثل الجملة «زيد القائم قائم»، لأنه عندما نفكك مفهوم الظلم، ندرك أنه يعني التجاوز وأخذ حق الآخر.
وكما في تحليل مفهوم الحق ندرك أنه عبارة عن: شيء يكون أخذه من الآخر قبيحاً، ومفهوم هذا القول هو أن معنى القبح متضمن في مفهوم الظلم. فإذا جاء في الكبرى المذكورة: كل ما ليس مصداقاً للظلم ليس قبيحاً، فهذا بمثابة القول: (ما ليس قبيحاً فهو ليس قبيحاً). وهذه النتيجة لا تزيد على ما يدركه العقل مباشرة في الصغريات من حكم بالقبح أو عدمه، ولا قيمة عقلية أكبر لها.
أما الادعاء بأن المشهور هو أن كل الأحكام العقلية العملية تُرجع إلى حسن العدل وقبح الظلم، فليس قولاً صحيحاً. الصحيح أن نقول: العقل العملي يدرك مباشرةً الحسن والقبح في الصغريات، وقضية (العدل حسن) أو (الظلم قبيح) هي تعبير آخر عن تكرار ما افترضنا سابقاً حسنَه أو قبحَه.
لذلك، لا بد لنا في كل حالة من الرجوع إلى المصداق المطلوب، لنرى هل يحكم العقل في تلك الحالة بالحسن ليكون عدلاً، أو يحكم بالقبح ليكون ظلماً، أم أنه لا يصدر عنه حكم على الإطلاق.
من جهة أخرى، في مناقشة الصغرى ذُكر أن نفي عنوان الظلم – الذي يتضمن مفهوم القبح – عن المعارضة لتكليف لم يثبت بيانه بشكل قطعي، هو تدوير «على المطلوب».
ما ذُكر آنفاً هو تعبير فني للرد على بيان محقق أصفهاني (ره)، كما أن أستاذنا الشهيد (ره) قد تناول هذا الرد، مع فارق أن الأخير لم يصور بيان محقق أصفهاني على شكل صغرى وكبرى، وبالتالي في رده لا يتم التمييز بين مناقشة الصغرى والكبرى معاً.[15]
الوجه الخامس: البيان الثاني لمحقق أصفهاني (ره)
الوجه الخامس من البيان الثاني لمحقق أصفهاني (ره) في تفسير قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هو كما يلي:
المدار والميزان في الطاعة والعصيان هو الحكم الحقيقي، وتحقيق الحكم الحقيقي يكون بأن يصل «إلى المكلف» بطريقة ما، سواء كان ذلك وصولاً قطعياً أو ظنياً أو احتمالياً، لأنه من غير المعقول أن يكون للإنشاء الواقعي تأثير في إحداث الداعي والتحفيز «في المكلف» دون وصول الحكم إليه. لذلك، إذا لم يصل الحكم إلى المكلف، فلا وجود لتكليف حقيقي، فلا يكون هناك معارضة لتكليف حقيقي تستوجب العقاب، لأن العقاب لا يتحقق إلا في حالة المعارضة لتكليف حقيقي.[16]
هذا البيان – كما هو واضح – مبني على الادعاء بأن الدافع والمحرّك للتكليف يكون فقط إذا وصل التكليف قطعياً «إلى المكلف»، وهذا تعبير آخر عن عدم شمول حق الطاعة للتكاليف الاحتمالية، وهذا هو المطلب الذي يسعى لإثباته بنفس السبب. لذلك، السبب معلق على صدق المطلب، وهذا هو التدوير. وقد أبدينا اعتراضاً مشابهاً على رد بيان محقق نائيني (ره).
الوجه السادس: الاستشهاد بالأعراف العقلائية
الوجه السادس، الذي يظهر في كلام أصوليي طرف نظرية البراءة، هو الاستشهاد بعرف العقلاء في شأن الموالي والعبيد، حيث إن العقلاء لا يعاقبون الموالي والعبيد على مخالفة التكليف إلا إذا وصل ذلك التكليف قطعياً إلى العبيد. وهذا يعني أن حق طاعة الموالي من وجهة نظر العقلاء مشروط بوصول التكليف قطعياً «إلى المكلف»، أي بطريقة تمكن العبد من العثور على ذلك التكليف إذا بحث عنه. وبناءً على ذلك يُقاس حق طاعة الله على باقي الموالي، حيث نقول أيضاً إن حق طاعة الله مشروط بوصول قطعي. هذا البيان، مع ما قيل منه – كما هو ظاهر – لا يكفي لإثبات أن حق طاعة الله عقلاً يختص بالتكاليف القطعية، مادام لم يتضح بعد وجه تعدي الموالية الموالية العرفية العقلائية إلى الموالية الإلهية. لذلك، لتبرير هذا الانتقال لا بد من إضافة شيء إلى هذا البيان، مثلاً أن نقول: إن الله تعالى سيد العقلاء وقائدهم، فكل ما يصح عن العقلاء يصح عن الله تعالى. وقد نقل بعض الأصوليين هذا البيان في مبحث آخر «كحجية الظواهر». لكن هذا التبرير ناقص من جهتين: أولاً، ما يحاولون إثباته هو أن حق طاعة الله من جهة إدراك العقل العملي المحض يختص فقط بالتكاليف التي وصلت إلينا قطعياً، ومادام لم يُثبت مسبقاً أن حق طاعة الموالي الآخر من جهة إدراك العقل العملي المحض يختص بالتكاليف التي وصلت إلينا قطعياً، فلا يمكننا تعميم حق طاعة المواليين الآخرين إلى حق طاعة الله، لأن تخصيص حق طاعة المواليين الآخرين بالتكاليف القطعية، إذا كان من قبيل الوضع العقلي لا الإدراك العقلي، يستلزم تعدي وانتقال ذلك إلى أن يكون الله تعالى شريكاً للعقلاء في هذا الوضع، مع أن الله يُعتبر سيد العقلاء وقائدهم.
في النهاية، ما نستفيده من هذا الأمر هو إثبات البراءة الشرعية لا البراءة العقلية.
ثانيًا: حتى إذا قبلنا بأن حق الطاعة لباقي الموالي بحسب إدراك العقل العملي المحض يختص بالواجبات القطعية، فإن مقتضى أن الله هو سيد وقائد العقلاء هو أنه يشارك العقلاء في هذا الإدراك العقلي، بمعنى أنه كما أن العقلاء قد أدركوا بحكم عقلهم العملي اختصاص حق طاعة باقي الموالي بالواجبات القطعية فقط، فإن الله تعالى قد أدرك أيضًا اختصاص حق طاعتهم بالواجبات القطعية.
وهذا القول لا يستلزم أن يكون حق الله أيضًا مختصًا بمثل هذه الواجبات، إذ من الممكن أن تختلف شروط حق طاعة الله عن شروط حق طاعة باقي الموالي.
وبسبب هذين السببين، يبدو صحيحًا أن ندعي أن مجرد كون الله سيد وقائد العقلاء لا يبرر أن نتجاوز من المولوية العرفية العقلائية لباقي الموالي إلى مولوية الله تعالى، ونعلن عن وصول قطعي للواجب كشرط لهذا الحق في حق الطاعة الإلهية.
بيان الأستاذ آصفي
ربما بسبب هذين السببين اقترح الأستاذ العلامة الشيخ محمد مهدي آصفي -حفظه الله- وجهة نظر جديدة لتبرير انتقال المولوية العرفية العقلائية لباقي الموالي إلى مولوية الله تعالى، وإثبات أن حق الطاعة مشروط بوصول الواجب بشكل قطعي إلى «يد المكلف». يمكنكم متابعة بيانه في مقال له بعنوان (دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول)[17].
التبرير الذي قدمه في كيفية هذا الانتقال يعود في التحليل النهائي إلى أمرين أساسيين:
الأمر الأول: هو البيان الذي ورد في النقطة الأولى من ثلاث نقاط ذكرها لإثبات البراءة العقلية، وهو أن مشروعية حق طاعة باقي الموالي بشرط وصول الواجب بشكل قطعي من المسلمات العقلية العملية؛ وهذا الحكم العقلي العملي يشبه حكم العقل في حسن العدل وقبح الظلم، وهو حكم عقلي قطعي، ودليل ذلك هو اتفاق العقلاء على قبول هذا الحكم.[18]
يبدو أن هذا البيان محاولة للهرب من السبب الأول من السببين اللذين ذكرناهما لرفض انتقال المولوية العقلائية إلى مولوية الله تعالى. استدلاله في هذا القول هو أن العقلاء يتفقون على أن حق الطاعة مشروط بوصول الواجب بشكل قطعي.
الأمر الثاني: الذي ورد في النقطة الثالثة من بيانه، هو الادعاء بأن مصدر الطاعة الشرعية أو حق الطاعة واحد، فلا وجود لحقين أو مصدرين، أحدهما حق طاعة لله والآخر حق طاعة لغير الله، بل هو حق ومصدر واحد.[19]
وقد أوضح هو نفسه هذا البيان بقوله:
الطاعة لا تخرج عن حالتين: إما طاعة شرعية أو طاعة غير شرعية. والطاعة الشرعية هي طاعة الله أو طاعة من أمر الله بطاعتهم مثل الأنبياء والأوصياء ومن يتولون الإمارة والقيادة في السلسلة الهرمية من الدرجة الأولى إلى الدرجات التالية. طاعة الزوجة، والوالدين، والأجير… تقع في هذا السياق، لأن كل هذه الطاعات تصبح واجبة التنفيذ في ظل أمر الله بالطاعة، وفي الواقع كل واحدة منها هي مثال من أمثلة الطاعة الإلهية وتُحسب ضمن الطاعة الإلهية وتحمل نفس القيمة والقوة، رغم اختلاف نطاق الطاعة عن طاعة الله، إذ إن حق الطاعة من الزوجة يتحقق ضمن نطاق خاص، بينما نطاق طاعة الله مطلق بلا حد أو قيد.[20]
يمكن تقييم هذا البيان أيضًا كجهد للهرب من السبب الثاني من السببين اللذين ذكرناهما لرفض انتقال المولوية العقلائية إلى مولوية الله. فقد توصل إلى نتيجة مفادها أنه يمكننا نقل حكم العقل القائل بشروطية طاعة باقي الموالي بوصول الواجب بشكل قطعي «إلى المكلف» إلى حق طاعة الله، وذلك على النحو التالي:
بما أن حق الطاعة ومصدره واحد، فإن ما هو شرط في حق طاعة باقي الموالي هو أيضًا شرط في حق الطاعة الإلهية، وما ليس شرطًا هناك ليس شرطًا عند الله أيضًا، لأن هذه الأمثلة من الطاعة واحدة.[21]
أنا أعتقد أن هذين الأمرين هما الركيزتان الأساسيتان في بيان الأستاذ آصفي -حفظه الله- الذي يريد بهما أن ينقل شرط وصول الواجب بشكل قطعي من نطاق مولوية باقي الموالي إلى نطاق مولوية الله، مع الادعاء أولًا بأن هذا الشرط عقلي، وثانيًا أن حق الطاعة في كلا النطاقين من نوع واحد. لذلك، عندما يحكم العقل في نطاق باقي الموالي بهذا الشرط، فإنه سيحكم به أيضًا في نطاق مولوية الله، وبذلك تسري البراءة العقلية في حالة الشك في الواجبات الشرعية.
أما ما ذكره في النقطة الثانية من بيانه، وهو أن كل واجب لا يشمله حق الطاعة، فإن العقاب على مخالفته قبيح عقليًا، فهو من المسلمات التي لا خلاف عليها بيننا وبين الجمهور، ولكن هذا القول هو مجرد تعبير عن كبرى كلية لا دخل لها في إثبات البراءة العقلية. إذ إن هذه الكبرى تنفي العقاب على مخالفة تلك الواجبات الشرعية التي لم تصلنا بشكل قطعي فقط إذا لم نقبل شمول حق الطاعة الإلهي لتلك الواجبات، ولكن إذا ثبت من خلال هذين الركنين الأساسين أن حق الطاعة الإلهي لا يشمل هذه الفئة من الواجبات، فإن البراءة العقلية تثبت مباشرة بمساعدة هذين الركنين وليس بمساعدة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لأن البراءة العقلية تعني فقط أنه في حالة الشك في الواجب لا يكون واجبًا على العقلاء طاعة الله تعالى، وهذه البراءة هي التي تثبت قبح العقاب على مخالفة الواجب المشكوك فيه، وليس أن قبح العقاب على الواجب المشكوك فيه يثبت البراءة العقلية.
لأنّ الحكم العقلي على قبح العقاب قائم على حكم العقل بالبراءة العقلية. ولكن إذا لم نستطع بدعم هذين الركنين الأساسيين إثبات أن حق الطاعة الإلهية لا يقتصر على الواجبات القطعية فقط، بل يشمل الواجبات الظنية والاحتمالية أيضًا، فلا يمكن حينئذٍ إثبات نفي العقاب على مخالفة هذه الفئة من الواجبات بمساعدة الكبرات المذكورة، لأن هذه الكبريات مقيدة بعدم شمول حق الطاعة.
لذا، فإن هذه الكبريات وإن كانت صحيحة في محلها، إلا أنها لا تصلح لإثبات البراءة العقلية.
أما ما يهم الآن فهو دراسة القيمة العلمية للركنين الأساسيين اللذين وردا في النقطة الأولى والثالثة من بيان الأستاذ آصفي.
تقييم الركن الأول من بيان الشيخ آصفي
مشكلة الركن الأول – بغض النظر عن مسألة ما إذا كان توافق العقلاء على أمر ما يدل على أن ذلك الأمر من مدركات العقل المجردة أم لا، فإن الأصل في المولوية وحق الطاعة، مادام لا يُدرَك بالعقل العملي، لا يمكن أن يكون شرطه مفهوماً للعقل العملي، لأن مفهوم الشرط هو تضييق دائرة المشروط فقط. بناءً عليه، عندما يُدعى أن حق الطاعة لغير الله من الموالي مشروط بوصول الواجب القطعي، فإن هذا الادعاء يعود إلى القول بأن دائرة ذلك الحق “حق الطاعة” قد ضُيّقت وخصصت للواجبات التي وصلت إلينا قطعيًا فقط. في هذه الحالة، لا بد لنا من العودة إلى المولوية لباقي الموالي وحقوق طاعتهم لنفهم ما إذا كانت هذه المولوية وحق الطاعة قابلة للإدراك بالعقل العملي، بحيث يكون شرطها – وهو تضييق دائرة هذه المولوية – عقليًا، أم أن هذه المولوية وحق الطاعة مُختلَق من صنع الصانع، بحيث يكون شرطها – أي تضييق دائرة المولوية – تابعًا لنطاق ذلك الاختلاق. ولهذا الغرض يمكننا تقسيم المولويات التي يُدعى بها لغير الله إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مولوية يفترضها العقلاء لشخص ما أو يفترضها الشخص لنفسه أو لغيره، ولا يترتب على هذه المولوية حق طاعة من قبل العقلاء. هذا النوع من الطاعة سمّاه الأستاذ آصفي “الطاعة غير الشرعية”. والواقع أن هذه الحالة لا توجد فيها مولوية بالأساس، لأن المولوية – كما قلنا سابقًا – تعبير آخر عن حق الطاعة. لذلك، مادام حق الطاعة لم يتحقق للعقلاء، فإن المولوية أيضًا غير كاملة. نحن فقط من باب التوافق مع اختلاق الصانع واعتبارها مفترضة، سمّيناها مولوية، ومن ثم فإن هذه المولوية مُختلقة، ونطاقها من حيث التضييق والتوسعة تابع للاختلاق، ولا يشترط فيها وصول قطعي عقلي، لأنها في الأصل ليست عقلية.
القسم الثاني: مولوية تتحقق بالاختلاق المباشر أو غير المباشر من الله، مثل مولوية الأنبياء والرسل والأوصياء (ع) والأمراء الذين يتولون الإمارة على الناس بأمرهم، وولاية الفقيه، وولاية الأب، وولاية الزوج، وما شابه ذلك، والتي تعود إلى جعل وجوب الطاعة للشخص من جانب الله بشكل مباشر أو غير مباشر. لا شك أن العقل العملي يدرك ضرورة الطاعة والامتثال في هذا النوع من المولوية ضمن إطار الواجبات التي يشملها الاختلاق المباشر أو غير المباشر من الله، لكن هل يعني هذا أن حق الطاعة لهذا الشخص الذي أمر الله بطاعته بشكل مباشر أو غير مباشر من مدركات العقل العملي؟
الجواب هو أنه بالرغم من أن العقل يحكم بضرورة الامتثال للواجب الذي صدر عن هذا الشخص في نطاق أمر الله بطاعته، فإن حق الطاعة هذا غير قابل للإدراك للعقل العملي. لأن العمل الذي أمر به هذا الشخص، إذا كان ضمن نطاق الأمر الإلهي بطاعته، ينطبق عليه وجوبان متتاليان: الأول، وجوب صادر عن هذا الشخص ويُعتبر الفعل أولى به. الثاني، وجوب صادر عن الله لهذا الفعل المكلف باعتباره أولى، بل باعتباره طاعة لهذا الشخص. وما يحكم العقل على الطاعة له هو الوجوب الثاني، أما لزوم طاعة الوجوب الأول فهو شرعي ويتبع نطاق الاختلاق الشرعي وليس العقلي.
توضيح ذلك: على سبيل المثال، إذا أمر أب ابنه بسقي الحديقة، وافترضنا أن الله تعالى أمر بطاعة الأب، فإن في فعل الابن وجوبين:
1- وجوب صادر عن الأب، وهو الوجوب الأول الذي يتعلق بهذا الفعل أي (سقي) الحديقة.
2- الوجوب الذي صدر من جانب الله تعالى والذي أُضيف إليه صفة ثانوية، وهي صفة (طاعة الأب). لذلك، ما دام أن صفة (طاعة الأب) لا تنطبق على فعل ري الحديقة، فإن الوجوب الصادر من الله تعالى لا يشمل ذلك الفعل. وبما أن صدق هذه الصفة مشروط بصدور الوجوب الأول من جانب الأب، فإن الوجوب الثاني يكون تابعًا للوجوب الأول، وما يحكم عليه العقل العملي بضرورة الطاعة هو الوجوب الثاني الصادر من الله تعالى، أما الوجوب الأول الصادر من الأب فهو وجوب شرعي، بمعنى أن طاعة الأب هي محل الوجوب الشرعي – أي الوجوب الصادر من الله تعالى. واشتراك هذين الوجوبين في تحقق الامتثال بفعل واحد لا يعني وجود تلازم عقلي بينهما في وجوب الامتثال، لأن العقل إذا أمر بضرورة القيام بهذا الفعل، فليس بسبب أن الامتثال لوجوب (ري الحديقة) الصادر من الأب ضروري، بل لأنه يعتبره امتثالًا لوجوب (طاعة الأب) الصادر من الله تعالى. قد يُثار اعتراض مفاده أنه إذا كان العقل يرى ضرورة القيام بهذا العمل لأنه امتثال لوجوب (طاعة الأب)، فهذا يعني أن العقل قد اعتبر امتثال الوجوب الأول الصادر من الأب “ري الحديقة” واجبًا، لأن (طاعة الأب) تعني امتثال الوجوب الأول الصادر من الأب.
في الرد نقول: إن (طاعة الأب) رغم أنها تعني امتثال الوجوب الأول الصادر من الأب، إلا أن ما حكم عليه العقل مباشرة ليس ضرورة القيام بهذا الفعل لأنه (طاعة الأب)، بحيث يستنتج أن هذا يعني حكم العقل بضرورة امتثال الوجوب الأول الصادر من الأب، بل ما حكم عليه العقل هو ضرورة القيام بهذا الفعل لأنه يُعتبر (امتثال وجوب طاعة الأب) الصادر من الله تعالى. وفي هذه الحالة، يعني ذلك أن العقل حكم بضرورة امتثال الوجوب الشرعي المتعلق بامتثال الوجوب الأول، وليس أنه حكم مباشرة بضرورة امتثال الوجوب الأول.
وبهذا البيان يتضح أن حق الطاعة لمن أمر الله بطاعته ليس من المسلّمات العقلية العملية، بل هو تعبير عن وجوب شرعي تعلق بالطاعة لهذا الشخص. وهذا الوجوب الشرعي بدوره يحقق موضوع حق الطاعة الإلهية. لذلك، هذا النوع من الولاية هو ولاية شرعية جعلها الله تعالى، وليست ولاية عقلية، مع أن موضوع ولاية الله تعالى التي هي ولاية عقلية يتحقق، لكن هذا لا يعني أن هذه الولاية نفسها ولاية عقلية.[22]
ومن هذا يتبين أن هذه الولاية ضمن نطاقها تخضع للجعل الصادر من الله تعالى. وهذا التقييد يكون أحيانًا بسبب متعلق التكليف الصادر من الشخص الذي جعل الله له حق الطاعة، فالأب مثلاً مخوّل في نطاق معين من الأمور أن يكلّف ابنه، وكذلك الزوج له حق تكليف زوجته ضمن نطاق محدد، وهكذا في الحالات الأخرى. وأحيانًا يكون هذا التقييد بسبب طبيعة التكليف نفسه من حيث مدى وصوله إلى المكلف، فقد يجعل الله لهذا الشخص حق الطاعة فقط في حدود التكليفات القطعية التي تصل إلى المكلف، وقد يوسع هذا الحق حتى يشمل التكليفات الظنية والاحتمالية. وهذا يعني أن حق الطاعة والولاية في القسم الثاني منطقياً مشروطان بنطاق الجعل الصادر من الله تعالى، وليس مشروطًا بالوصول القطعي للتكليف. وهكذا كما قد يقتصر حق الطاعة الذي جعله الله للأب على التكليفات التي قطع الابن بصدرورها من الأب، قد يوسع هذا الحق ليشمل أي تكليف يحتمل صدوره من الأب، حتى وإن لم يصدر فعلاً. وهذا ليس من باب جعل الاحتياط في الشك في التكليف، بحيث يُقال إن هذا التقييد والتوسعة ممكنان حتى في إطار ولاية الله، ولا علاقة لهما بمدى حق الطاعة بمعناه المقصود، بل هو من باب التوسع الأساسي في حق طاعة الأب نتيجة توسع الجعل. وهذا التوسع ممكن بلا شك، كما لو أن الشارع المقدس جعل موضوع تحريم الخمر تحت صفة (محتمل الخمرية) وليس الصفة الذاتية (الخمر)، فبديهي أن التحريم الحقيقي يشمل حالة الشك في كون الشيء خمرًا، وهذا لا علاقة له بأصل الاحتياط في الشك في التكليف.
وكذلك يتضح من كلامنا أن القسم الثاني من الولاية غير الإلهية يختلف عن الأقسام الأخرى في أنه من حيث العقل لا يشترط الوصول القطعي إلى التكليف، ونفي أو إثبات هذا الشرط تابع لنطاق الجعل من الجاعل، لأن الولاية في كلا القسمين جعلية، رغم أن الجاعل في القسم الثاني هو الله تعالى، خلافًا للقسم الأول الذي الجاعل فيه غير الله. ومع ذلك، فإن هذا الاختلاف في شرطية أو عدم شرطية الوصول القطعي إلى التكليف – الذي نحن بصدد دراسته – لا يؤثر على الإدراك العقلي، رغم أن العقل يؤثر في ترتيب حق الطاعة الإلهي على الولاية المزعومة في القسم الثاني وليس في القسم الأول.
لا يخفى التكليف الذي أنكرهنا من حيث الإدراك العقلي شرطية وصوله القطعي في هذا النوع من الموالية، وهو التكليف الذي صدر من الله تعالى أمر بالطاعة به – كأمر ري الحديقة الذي صدر في المثال المذكور من جانب الأب – لكن شرطية أو عدم شرطية الوصول في أصل جعل الموالية لذلك الشخص – أي الأمر بطاعته – من جانب الله تعالى، مبنية على أصل الاختلاف في مدى نطاق حق الطاعة الإلهية. لذلك، إذا كان الوصول القطعي شرطًا، فهو في الحقيقة شرط في حق الطاعة الإلهية، لا شرطًا في حق طاعة من أمر الله بطاعته. والدليل على ذلك ما ذكرناه سابقًا أن حق طاعة من أمر الله بطاعته هو تعبير عن الوجوب الشرعي بالطاعة له، لا الوجوب العقلي. وهذا الوجوب الشرعي يكون على المكلف، سواء كان المكلف مدركًا له أم لا. أما الوجوب العقلي لطاعة هذا الوجوب الشرعي، فيُعد من حقوق طاعة الله تعالى لا حق طاعة هذا الشخص الذي أمر الله بطاعته. فإذا ادعى أحد شرطية الوصول القطعي للتكليف، فقد حكم في الواقع بتضييق حق الله تعالى، لا تضييق حق من أمر الله بطاعته. بهذا البيان يتضح أن ما أعلنه الأستاذ آصفي كنتيجة بأن شرطية التكليف بالوصول القطعي في حق طاعة سائر الموالي من الأمور البديهية، لا يشمل الوصول القطعي لأصل جعل الموالية من جانب الله تعالى في هذا النوع من الموالية. لأن – كما قلنا – إذا كان الوصول القطعي شرطًا، فهو شرط في حق الطاعة الإلهية، لا شرط في حق طاعة سائر الموالي، وهذا أيضًا مشمول في الخلاف الذي بيننا وبين المشهور، وقبول ذلك في مقام الاستدلال يعني قبول المغالطة.
القسم الثالث: هو الموالية التي تتحقق لغير الله تعالى، ولكن ليس بجعل الجاعل، بل بمُلك من مُلكات الموالية التي يمكن للعقل إدراكها، مثل ملك المنعمية بالنسبة للولاة النعم البشرية، بالطبع على فرض أننا نعتبر وجود مثل هذا الملك عقليًا كافيًا لتحقيق مستوى من الموالية وحق الطاعة، وكذلك ملك التبعية أو الاختيار الوطني إذا اعتبرناه عقليًا كافيًا لتحقيق الموالية وحق الطاعة في حدود غرض البيعة أو الاختيار.[23] لا شك أنه إذا قبلنا الأساس، فإن حق الطاعة في هذا القسم سيكون عقليًا، لكن مشروعية هذا الحق مشروطة بوصول قطعي للتكليف، أمر يحتاج إلى تأمل، سواء اعترضنا على الأساس أو حتى إذا قبلناه.
أما الاعتراض على الأساس فهو من حيث أن المعروف أن حق الطاعة والموالية مختصان بالله تعالى. ولا أظن أن أحدًا من العلماء الأساسيين قد اعترض على هذه المسألة، حتى الأستاذ آصفي نفسه أشار إلى هذه المسألة في قوله حين قسم الطاعة إلى طاعة شرعية وغير شرعية، وحصر الطاعة الشرعية في الطاعة الإلهية وطاعة من أمر الله بطاعته، ثم أعاد طاعة هذا الشخص إلى الطاعة الإلهية.[24]
ومعنى هذا القول أن ملك حق الطاعة والموالية عقليًا محصور في الله تعالى، وبناء عليه فإن القسم الثالث من أقسام الموالية لا موضوع له أساسًا، حتى يكون مشروطًا بوصول قطعي للتكليف. هذا النقاش يحتاج إلى مجال آخر. ولكن إذا قبلنا الأساس، فيجب أن نقول إنه بالرغم من أن أصل حق الطاعة والموالية عقلي، فإن نطاقه من حيث الضيق والوسع تابع لمدى تحقق ملك هذا الحق، فإذا كان ملك المنعمية أوسع، فحق الطاعة سيكون أوسع أيضًا. وكذلك كلما كانت البيعة على الطاعة أوسع، يكون حق الطاعة متناسبًا مع ذلك أوسع.
وفي هذا السياق، كلما نقص الملك، ضاق حق الطاعة. وهذا الضيق والوسع كما يعكس في التبعية للملك مدى قوة التكليف، يعكس أيضًا مدى قوة انكشاف التكليف.
على سبيل المثال: إذا كان تحقق ملك المنعمية ضعيفًا وقليلًا، فلن يترتب عقليًا حق الطاعة عليه، إلا في التكليفات التي يعتقد المكلف أنها مهمة جدًا في نظر المولى، وإذا كان تحقق الملك أكثر وأقوى، يترتب عليه حق الطاعة – حتى في التكليفات الأقل أهمية – «وهذا من جهة قوة التكليف المكتشفة». ويمكن أن نذكر مثله من جهة قوة انكشاف التكليف أيضًا، بمعنى أنه كلما كان تحقق ملك المنعمية ضعيفًا وقليلًا، لا يترتب عقليًا حق الطاعة عليه إلا في التكليفات التي تنكشف تمامًا، أي التكليفات القطعية، وكلما كان تحقق الملك أقوى وأكثر، يترتب حق الطاعة من حيث الانكشاف في دائرة أوسع على ذلك الملك.
لذلك، أحيانًا يشمل حق الطاعة التكليفات اليقينية، وأحيانًا التكليفات الظنية، وأحيانًا حتى التكليفات الاحتمالية – من باب تبعية مدى تحقق ملك المنعم في الشخص المنعم – ومن حيث العقل لا مانع أن يشمل حق الطاعة، إذا كان ملك حق الطاعة متناسبًا مع هذا الحق، التكليفات الظنية والاحتمالية أيضًا.
قد يُقال: حق الطاعة لغير الله من سائر الموالي لا يتحقق بالقدر الذي يستحق به حق الطاعة بالنسبة للتكليفات الظنية والاحتمالية. ونحن نقبل هذا القول، لكن معناه ليس أن حق الطاعة عقليًا في سائر الموالي مشروط بوصول قطعي للتكليف، بل معناه أن حق الطاعة في التكليفات الظنية والاحتمالية يساوي مستوى معينًا من الملك، وبما أن مثل هذا المستوى من الملك لا يتحقق، فلا يحكم العقل بحق الطاعة في ذلك المستوى، لكن ليس بمعنى وجود مانع عقلي من شمول حق الطاعة بالنسبة للتكليفات الظنية والاحتمالية.
بالتفصيل الذي بيَّنَّاه يتضح أنه لا حق لأي من حقوق الطاعة للموالي الآخرين للعقلاء أن يكون مشروطًا بالوصول القطعي إلى التكليف، لأن ما لا يُدرك للعقل من الأساس ويعتمد على جعل الجاعل، فإن شرطه أيضًا لا يُدرك بالعقل، بل هو تابع لحدود ذلك الجعل نفسه. سواء كان هذا الجعل من جانب الله تعالى، كما في القسم الثاني من الأقسام المعروفة، أو من جانب غير الله، كما بيِّن في القسم الأول. وما يُدرك بالعقل، وبما أن إدراكه العقلي يقع ضمن إطار معيار خاص، فإن شرطه أيضًا تابع لحدود ذلك المعيار، ولا يوجد حكم عقلي في حد ذاته يمنع شمول مثل هذا الحق على التكليف الظني والاحتمالي.
أما التوافق والتوافق في آراء العقلاء الذي استند إليه الأستاذ آصفي لإثبات أن حق طاعة الموالي الآخرين مشروط بالوصول القطعي إلى التكليف، فهو أيضًا قابل للنقاش. لأنه إذا كان قصدهم أن العقلاء قد اتفقوا بالإجماع على أنه لا يمكن إثبات مثل هذا الحق لغير الله في تكاليف لم تُحصل قطعيًا، فهذا ادعاء خاطئ. إذ كما شرحنا، فإن نطاق حق الطاعة في القسمين الأولين من الأقسام الثلاثة المذكورة، طالما أن الجعل من قبل الجاعل، فهو تابع لحدود ذلك الجعل، وليس من الممكن أن يكون مفهومًا للعقل العملي.
أما حدود حق الطاعة في القسم الثالث – إذا قبلنا أساسه – فهي أيضًا تابع لنطاق تحقق معيار هذا الحق، وعدم تحقق المعيار فقط، إلا في حد معين، لا يعني أن إثبات هذا الحق خارج هذا الحد غير ممكن. وإذا كان قصدهم أن العقلاء متفقون على عدم وقوعه وليس على استحالة حدوثه، فهذا كلام معقول، لكنه مع ذلك لا يثبت إدراك العقل العملي، بل هو تعبير عن قيام السيرة العقلائية في القسم الأول من الأقسام الثلاثة – حيث أقر العقلاء حق الطاعة والموالية لبعض الأشخاص – ويهدف إلى إثبات أن هذا الحق محصور فقط في التكليفات التي تحققت قطعيًا. كما في القسم الثاني من الأقسام الثلاثة، جعل وجوب الطاعة من جانب الله تعالى بحيث جعل طاعته واجبة، خصوصًا في التكليفات التي وصلت إلى المكلف بشكل قطعي.
وفي هذا السياق، في القسم الثالث من الأقسام الثلاثة، زُعم أنه إذا كان تحقق معيار حق الطاعة في شخص ما ضعيفًا، فإن العقلاء سيطالبون بالطاعة فقط في التكليفات القطعية. كل هذه الادعاءات تغفل عن هذه النقطة التي تقول إن الإدراك العقلي العملي يشترط الوصول القطعي إلى التكليف لحق الطاعة.
ما قيل حتى الآن يتعلق بالركن الأول من الدوركني التي استند إليها الأستاذ آصفي لإثبات البراءة العقلية، لكي يتمكن بمساعدة هذا الدوركن من تعميم نطاق حق الطاعة لغير الله إلى حق الطاعة الإلهي.
تقييم الركن الثاني من بيان الأستاذ آصفي:
من الدوركني التي يبدو لنا أن بيان الأستاذ آصفي لإثبات البراءة العقلية يعتمد عليها، هذا الادعاء: (مصدر الطاعة الشرعية وحق الطاعة واحد، لذلك ليس لدينا حقان ومصدران، باسم حق الطاعة الإلهي وحق طاعة الموالي الآخرين، بل هو حق واحد ومصدر واحد.)[25] وقد استنتج من هذا الركن أن حق طاعة الله وحق طاعة الموالي الآخرين، من حيث أن العقل العملي يشترط في كلتيهما الوصول القطعي إلى التكليف، لا يختلفان. إذًا النقطة الأساسية التي اعتمد عليها في هذه المسألة هي هذا الادعاء بأن طاعة غير الله إما شرعية أو غير شرعية، والتي لا اعتباري لها، وأن الطاعة الشرعية (هي من مصاديق الطاعة الإلهية وتمتد في سياق طاعة الله)[26]. نحن، وقد قبلنا سابقًا أن حق الطاعة الشرعية لغير الله مشروط عقليًا بالوصول القطعي إلى التكليف، فقد قبلنا في الواقع أن بعض مصاديق حق الطاعة الإلهية مشروطة عقليًا بهذا الشرط. وبما أنه لا يوجد فرق بين مصاديق حق الطاعة الإلهية من حيث الشروط، فإن هذا الشرط سيكون ثابتًا في جميع مصاديق حق الطاعة الإلهية. هذا الكلام، كما هو واضح، مبني على اعتبارنا حق الطاعة الشرعية لغير الله من مصاديق حق الطاعة الإلهية، وبما أن الأستاذ آصفي حصر الطاعة الشرعية لغير الله في طاعة من أمر الله بطاعته بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن كل النقطة في بيانه تعود إلى هذه المسألة: هل حق طاعة من أمر الله بطاعته من مصاديق حق الطاعة الإلهية أم لا؟
جوابنا هو: حق الطاعة لمن أمر الله بطاعته لا يُعد من مصاديق حق الطاعة الإلهية، بل هو موضوع حق الطاعة الإلهية، وهناك فرق كبير بين هذين الأمرين!
توضيح ذلك: لقد بيّنا سابقًا أن حق الطاعة لمن أمر الله بطاعته ليس من مدركات العقل العملي، بل هو تعبير عن الوجوب الشرعي الذي تعلق بالطاعة لهذا الشخص. وهذا الوجوب الشرعي، رغم أنه يستلزم الطاعة العقلية، إلا أن العقل العملي حكم عليه باعتباره طاعة إلهية، وليس باعتباره طاعة لهذا الشخص. وهذان العنوانان، رغم تجمعهما في فعل واحد، إلا أنهما متتاليان، بمعنى أن اتصاف هذا الفعل بكونه طاعة إلهية يقع في طول اتصاف الفعل بكونه طاعة لهذا الشخص. وذلك لأن الله لم يأمر بهذا الفعل مباشرة. الأمر الإلهي المباشر يتعلق بطاعة هذا الشخص، فإذا صدق على هذا الفعل عنوان طاعة هذا الشخص، فإنه يقع تحت أمر الله ويصدق عليه الطاعة الإلهية. من هذا البيان يتضح أنه في التكليفات الصادرة من شخص أمر الله بطاعته، تتواجد طاعتان متتاليتان:
أولًا. طاعة هذا الشخص الذي أمر الله بطاعته.
ثانياً. طاعة الله تعالى التي أمر بطاعتها من خلال هذا الشخص.
والاتحاد الفعلي الحاصل في الطاعة لا يعني تطابق الطاعتين. فمن جهة، الطاعة الأولى التي أُديت تجاه هذا الشخص ليست واجبة بالعقل العملي، بل هي واجبة شرعاً، حيث تجلت في الأمر الإلهي بالطاعة لهذا الشخص. وبذلك، المقصود بحق طاعة هذا الشخص هو الوجوب الشرعي، لا غير. أما الطاعة الثانية التي أُديت تجاه الله فهي واجبة بالعقل العملي، والمقصود بحق الطاعة الإلهية هو هذا الوجوب العقلي. وإن مجرد أن الوجوب الشرعي المتعلق بطاعة هذا الشخص مشمول بحق الطاعة الإلهية لا يعني أن حق طاعة هذا الشخص هو مثال من أمثلة حق الطاعة الإلهية، بل يعني أن حق طاعة هذا الشخص بالنسبة لحق الطاعة الإلهية هو كموضوع أي تكليف آخر من التكليفات الإلهية بالنسبة للحق الإلهي. إذ إن حق الطاعة من أمر الله بالنسبة لطاعة هذا الشخص هو مجرد تكليف من التكليفات الإلهية كالتكليف بالصلاة والصيام، فكما أن وجوب الصلاة والصيام يشكل موضوعاً لحق الطاعة الإلهية، كذلك وجوب طاعة هذا الشخص يشكل موضوعاً لحق الطاعة الإلهية. ومن الواضح أن مثل وجوب الصلاة ليس مثالاً من أمثلة الحق الإلهي، بل هو موضوع يرتب عليه حق الطاعة الإلهية، وكذلك طاعة هذا الشخص. بناءً عليه، حق الطاعة من أمر الله تجاه طاعة هذا الشخص لا يُعد مثالاً من أمثلة حق الطاعة الإلهية، حتى لو اعترفنا بأنه مشروط بشرط معين، فإننا بذلك نكون قد اشترطنا حق الطاعة الإلهية أيضاً بهذا الشرط. وقد نلتزم إذن بأن حق الطاعة من أمر الله تعالى تجاه طاعة هذا الشخص يقتصر على التكليفات التي وصلت قطعية الدلالة، كما أن التشريع الشرعي لذلك يشير إلى هذا التخصيص. ومع ذلك، لا نقتصر حق الطاعة الإلهية على التكليف القطعي، بل نعتبره يشمل التكليفات الظنية والاحتمالية أيضاً – حتى وإن لم تكن مطابقة للواقع. وهذا لا يعني أنه إذا لم يتحقق الوصول القطعي إلى تكليف صادر عن من أمر الله بطاعته، فإن حق طاعة هذا الشخص يسقط ويبقى فقط حق الطاعة الإلهية قائمًا على ذلك التكليف. لأننا إذا اعتقدنا أن الله قد حدد حق الطاعة من هذا الشخص فقط في حدود التكليفات التي وصلت قطعية الدلالة، فإننا في التكليف الذي لم يصلنا قطعيًا نقطع بعدم وجود تكليف من الله بطاعة هذا الشخص.
وفي هذه الحالة، لا يشمل حق الطاعة الإلهية ذلك، لأننا نقطع بعدم وجود تكليف من الله في مواجهة التكليف المشكوك فيه، حتى وإن افترضنا احتمال صدور تكليف من هذا الشخص. وعلى كل حال، إذا لم نكن نعتقد ذلك ولم نقتصر وجوب طاعة هذا الشخص على التكليفات القطعية، بل اعتبرنا أن هذا الوجوب يشمل كل تكليف يحتمل صدوره من هذا الشخص، فإن هذا يدخل ضمن شمول حق الطاعة الإلهية للتكليفات الظنية والاحتمالية، ولن يسقط هذا الحق إلا إذا صدر من الله – كما بيّنّا سابقاً – ترخيص ظاهري بترك الاحتياط. الدليل على أن حق طاعة من أمر الله بطاعته ليس مثالاً من أمثلة حق الطاعة الإلهية، بل هو موضوعه، هو أنه عندما يحدث تعارض بين طاعة الله وطاعة هذا الشخص – كما يظهر من ظاهر عبارة الأستاذ آصفي – لا يُنظر إلى أهمية الموضوع بين أمر الله وموضوع هذا الشخص، بل يُنظر إلى أهمية الموضوع بين أمرين صادرين من الله. وهذان الأمران أحدهما أمر صادر من الله يتعلق بفعلي يتعارض مع طاعة هذا الشخص، والثاني أمر صادر من الله بأداء الطاعة لهذا الشخص. على سبيل المثال: إذا حدث تعارض بين طاعة أمر الله بالرد على السلام وبين طاعة الأب في أداء عمل مهم، فلا يُنظر إلى أهمية موضوع الرد على السلام عند الله مقارنة بموضوع ذلك العمل المهم عند الأب – على اعتبار أن طاعة الأب مثال من أمثلة طاعة الله – بل يُنظر إلى أهمية موضوع الرد على السلام عند الله مقارنة بموضوع طاعة الأب عند الله. بمعنى آخر، عندما يأمر الأب ابنه أن يسقي الحديقة مثلاً، ثم يحدث تعارض بين هذا الأمر وبين الرد على السلام الذي وجب من الله، لا يُنظر إلى أهمية موضوع ترك الرد على السلام مقارنة بموضوع سقي الحديقة باعتباره الأمر الأول – الذي أصدره الأب – بل يُنظر إلى أهمية موضوع ترك الرد على السلام مقارنة بموضوع سقي الحديقة باعتباره الأمر الثاني – الذي أمر الله به وهو ذات عنوان الأب. ولو كان حق طاعة الأب مثالاً حقيقياً من أمثلة طاعة الله، لكان علينا في هذا المثال أن نقيم أهمية موضوع ترك الرد على السلام مقارنة بموضوع سقي الحديقة باعتباره الأمر الأول وهو أمر الأب، وهذا الكلام بالضرورة باطل، لأنه قد يكون سقي الحديقة عند الله بلا أهمية، وما يهم الله فقط من باب مراعاة العواطف النفسية هو طاعة الأب. ومفهوم هذا القول هو أنه يجب علينا مقارنة موضوع ترك الرد على السلام مع موضوع مراعاة عواطف الأب، لا مقارنة موضوع ترك الرد على السلام مع موضوع سقي الحديقة.
تكشف مجموعة أقوالنا أن الأساس الجوهري الذي اعتمد عليه الأستاذ آصفي -حفظه الله- لإثبات البراءة العقلية هو باطل، كما يتضح ضعف هذا القول لديه: (الفرق بين الولايتين “المراد بهما الولاية الإلهية والولاية الشخصية التي أمر الله بطاعتها” هو أن إحداهما ذاتية والأخرى مصطنعة وعرضية، وهذه الفروق فيما يهمنا في بحثنا، أي اشتراط أو عدم اشتراط طاعة المولى بوصول التكليف، لا تؤثر، لأن الولايات العرضية المشروعة التي تكون من النوع الثاني تكون كاملة بموجب الاصطناع الإلهي، وليست مستقلة عن الطاعة والمعصية الإلهية بحيث تتمتع بالطاعة والمعصية بنفسها.)[27] لأن ولاية من أمر الله بطاعته، وإن كانت تكتمل بالاصطناع الإلهي، فإن الولاية تعبير آخر عن حق الطاعة، وحق الطاعة لهذا الشخص كما قلنا شرعي وليس عقلي. ولكن معنى هذا القول ليس أن هذه الولاية مصداق من مصاديق الولاية الإلهية وحق طاعته بحيث يؤدي إلى اشتراكهما في الشروط، بل معناها أن هذه الولاية -كما ذكرنا- تحقق موضوع حق الطاعة والولاية الإلهية. حتى الآن تم تقييم جميع الأدلة والبراهين التي كان متوقعًا استخدامها للاستدلال على إثبات البراءة العقلية، وقد تبين ضعفها ونقصها، وثبت أن هذه الأدلة لا يمكنها إثبات ادعاءه.
دراسة إدراك العقل العملي:
ما ندركه نحن بعد بطلان جميع أدلة البراءة العقلية حسب إدراك العقل العملي هو أن حق الطاعة الإلهية لا يقتصر على التكليفات التي وصلت إلينا بيقين قطعي، بل يشمل حتى التكليفات الظنية والاحتمالية، سواء صدرت هذه التكليفات في الواقع أم لا، إلا إذا ثبت لدينا أن الله قد أباح لنا ترك الاحتياط.
دليلنا هو أنه -كما بيّنا سابقًا- العقل العملي يدرك ضرورة الحفاظ على أعلى حد متصور من حرمة الله والقيام بكل مقتضيات الاحترام والتعظيم والتقدير الإلهي، سواء على أساس وجوب شكر المنعم أو على أساس الملكية الحقيقية التي تحققت بالخلق. ولا شك أن من مراتب الاحترام والتبجيل للشخص أن ننفذ كل ما نحتمل أنه مراده. ومن ثم، يجب الامتثال لكل تكليف نحتمل صدوره من الله، لكي نراعي أقصى مراتب الاحترام والتبجيل التي يوجبها العقل.
وهذا يعني أن الله تعالى -حسب إدراك العقل العملي- له حق الطاعة علينا ليس فقط في التكليفات القطعية، بل في كل تكليف نحتمل صدوره منه، إلا إذا ثبت لدينا أنه أباح لنا ترك الاحتياط كما بيّنا.
وهذا القول يتوافق مع ما يتفق عليه أصحاب المذهب، وهو مطلقية الولاية الإلهية، كما أقر الأستاذ آصفي إجمالًا في قوله: (حق طاعة الزوج يقتصر ضمن نطاق معين، على عكس نطاق الحق الإلهي الذي له مساحة مطلقة وغير محدودة.)[28] لأن مقتضى هذا القول هو أن الولاية الإلهية قائمة في كل المجالات إلا حيث أقيم برهان على نفيها.
وفي هذا الصدد، لا فرق بين المجالات وأنواع موضوع التكليف، ولا بين المجالات وأنواع التكليف نفسه. فكما أن الولاية الإلهية على نوع موضوع التكليف، مهما كان، قائمة في كل مكان إلا حيث أقيم برهان على عدم الولاية -مثل الفعل الخارج عن قدرة المكلف- فكذلك الولاية قائمة مهما كان نوع وشروط التكليف، إلا إذا أقيم برهان على نفي الولاية، مثل تكليف يكون العبد متيقنًا بعدم صدوره -حتى وإن صدر فعليًا-. ومن ثم، على من ينكر ولاية الله في التكليفات الظنية والاحتمالية أن يقيم برهانًا على دعواه، كما في الحالة التي يكون فيها العبد متيقنًا بعدم صدور التكليف، حيث أقيم برهان على نفي الولاية.
وبرهانهم هو أن الدافع إلى مثل هذا التكليف من هذا الشخص مستحيل. أما من يعتقد أن ولاية الله تشمل حتى مجال التكليفات الظنية والاحتمالية -بعد أن اتفق الجميع على أن ولاية الله ولاية مطلقة وغير محدودة- فهو معفي من إقامة البرهان. وبعبارة أوضح، إذا توقف إنسان محايد أمام شخص يدعي أن العقل يوجب الاحتياط في التكليفات المشكوك فيها، وآخر يدعي أن الاحتياط في مثل هذا الموضع غير واجب وجدانيًا، فإن المطالبة بالبرهان تكون من الثاني لا من الأول، لأن ولاية الله حسب الفرض مطلقة وفي كل المجالات -إلا حيث يدل الدليل على خروجها- قائمة. ومن جهة أخرى، تبين أن جميع الأدلة التي كان متوقعًا استخدامها للاستدلال على تضييق دائرة الولاية الإلهية واقتصارها على التكليفات القطعية هي باطلة.
أما الدليل الذي يمكننا من خلاله الخروج عن حق الطاعة الإلهية بالنسبة إلى التكليف الذي يقطع العبد بعدم صدوره من المولى – مع أنه قد يكون في الواقع صادرًا من المولى – فلا ينطبق على التكليفات الظنية والاحتمالية الجارية. لأن هذا الدليل هو: عدم الدافع نحو تكليف يقطع العبد بعدم ثبوته، وفي التكليفات الظنية والاحتمالية قد يوجد مثل هذا الدافع. ودليل ذلك أن الأصوليين أنفسهم يعتبرون الاحتياط في مثل هذه التكليفات حسنًا. والاحتياط الذي يعترفون بحسن عقله هو الدافع نحو التكليف الاحتمالي، أما من يرى أن الاحتياط في هذه الفئة من التكليفات (الظنية والاحتمالية) واجب، فهو يدعي أن هذا الدافع في العقل العملي ليس فقط حسنًا، بل واجب ما دام لم يصدر من الشارع ترخيص ظاهري بترك الاحتياط.
والنتيجة النهائية التي نصل إليها في ختام هذا البحث هي أن نظرية حق الطاعة التي توجهنا في الشك في التكليف إلى قبول مبدأ الاحتياط العقلي صحيحة، ولا يمكننا قبول فكرة (قبح العقاب بلا بيان) التي اشتهرت بين المتأخرين.
والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
[1]. هذه العبارة وردت في مقال الأستاذ آصفي (حفظه الله) في مجلة الفكر الإسلامي، العدد الثالث والرابع، الصفحة 120، وجاء تحتها ما يلي: (المقصود من العبارة الأولى «مالانص فيه» شبهة حكمية، والمقصود من العبارة الثانية «مالم يكن بيان» شبهة موضوعية.).
[2]. الفوائد الحائرية، ص 239، 240، الطبعة مجمع الفكر الإسلامي.
[3]. الدليل الذي يعزز هذا الاحتمال هو أنه استشهد في تحت العبارة السابقة بسيرة النبي الكريم (ص) في إبلاغ الأحكام حيث قال: كان النبي (ص) دائماً يبلغ الناس التكليف لا الرخصة والإباحة (الفوائد الحائریه، ص24، ط. مجمع فکر اسلامی)، ومن الواضح أن تبليغ النبي (ص) يعني صدور البيان، والمقصود هنا أن سيرة النبي (ص) تشهد بأن الرخصة والإباحة لا تحتاج إلى بيان من الشارع، وهذا التكليف هو الذي يحتاج دائماً إلى صدور بيان من الشارع،… ولذلك كلما لم يصل بيان إليه يكون مباحاً.
[4]. للاطلاع على تفصيل الآراء انظر: مباحث الأصول، المجلد 3، من القسم الثاني ص 64-71.
[5]. مباحث الأصول، المجلد 3 من القسم الثاني، ص 66-67.
[6]. سنناقش بالتفصيل في بحثنا عن أدلة البراءة العقلية هذا الموضوع.
[7]. النحل/18.
[8]. النساء/1.
[9]. دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة، ص 33، 34، الطبعة مجمع الشهيد صدر.
[10]. لمزيد من الشرح يمكن الرجوع إلى التاريخ العقلي، الذي تناولَه الشهيد صدر وذكره الأستاذ الحائري في المجلد الثالث من القسم الثاني لكتاب (مباحث الأصول) ص 64-71.
[11]. هذه المقولة وردت في الحلقة الثانية من دروس في علم الأصول، ص 36، 37، الطبعة مجمع الفكر الإسلامي.
[12]. أجود التقريرات، المجلد 2، ص 186، طبعة عرفان، صيدا.
[13]. دروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة، ص 29-30، الطبعة مجمع الشهيد صدر.
[14]. نهاية الدراية، المجلد 4، ص 84، طبعة مؤسسة آل البيت (ع).
[15]. انظر: بحوث في علم الأصول، المجلد 5، ص 27، 28، ودروس في علم الأصول، القسم الثاني من الحلقة الثالثة، ص 30، 31، الطبعة مجمع الشهيد صدر.
[16]. نهاية الدراية، المجلد 4، ص 83، طبعة مؤسسة آل البيت (ع).
[17]. نُشر هذا المقال في مجلة الفكر الإسلامي، العدد الثالث والرابع، وكذلك في مقدمة كتاب الفوائد الحائرية الذي كتبه وحيد بهبهاني (ره)، طبعة مجمع الفكر الإسلامي.
[18]. مجلة الفكر الإسلامي، العدد الثالث والرابع، ص 125.
[19]. المرجع نفسه، ص 129.
[20]. المرجع نفسه، ص 129-120.
[21]. المرجع نفسه، ص 130.
[22]. شرح هذا الموضوع سيأتي في المناقشة الثانية.
[23]. يمكن تفسير نظرية الديمقراطية والاختيار الوطني بطريقتين: 1. أن يكون الأمر مجرد اتفاق العقلاء على طاعة من فاز في الانتخابات، دون أن ندعي أن هناك حكماً عقلياً يترتب على هذه الطاعة. وفق هذا التفسير، تكون ولاية من يفوز في الانتخابات من النوع الأول من الأنواع الثلاثة التي ذكرناها للولاية غير الإلهية. 2. أن ندعي أن العقل العملي يحكم بطاعة الشخص الفائز في الانتخابات، ووفق هذا التفسير تكون ولاية هذا الشخص ضمن النوع الثالث من الأنواع الثلاثة. وقد يدعي البعض بوجود دليل شرعي على نفاذ هذا الاختيار.
[24]. مجلة الفكر الإسلامي، العدد الرابع والخامس، ص 129، 130.
[25]. المرجع نفسه، العدد الثالث والرابع، ص 129.
[26]. المرجع نفسه، ص 130.
[27]. المرجع نفسه، العدد الثالث والرابع، ص 131، 132.
[28]. المرجع نفسه، العدد الثالث والرابع، ص 130.

