مقاربة جديدة في نظام التعليم الحوزوي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: طرحى نوین در نظام آموزشى حوزه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: مهدي نصيري

مقدمة

من الواضح أن الثقافة تحتل مكانة خاصة بين جميع القضايا الاجتماعية؛ لأنها أساس التطور البشري وجذر كل النجاحات المادية والمعنوية. والعلم هو أساس ومحور الثقافة. العلم حياة، يحيي النفس وينير العقل. هو نور العيون وقوة الأجساد. العلم هو الأصل ورأس كل الخيرات. هو حجاب في مواجهة الآفات وأفضل مرشد للبشر. العلم يرفع من قدر المنحطين في المجتمع وهو ما يبحث عنه المؤمنون.[۱]

المؤسسات التعليمية العلمية هي أهم المراكز الاجتماعية التي تغني المتعلمين. الحوزات العلمية الشيعية من بين هذه المؤسسات التعليمية التي تأسست على رؤية إلهية وتساهم في تعالي القيم الإنسانية وبناء مجتمع متقدم ينمو فيه الكرامة الإنسانية في ظله.

من البديهي أنه كلما تم التعليم في الحوزات العلمية الدينية وفق برامج دقيقة وأساسيات متينة، كان مردوده أكبر. وفي هذا السياق، يعد تأليف الكتب العلمية الإسلامية بأساليب حديثة من أهم احتياجات العالم الإسلامي. كثير من آراء علماء الإسلام في الفلسفة، التصوف، الفقه، الأصول، الحديث والتفسير، رغم اعتبارها ودقتها، ظلت مدفونة بين طيات الكتب لأنها تفتقر إلى الأسلوب والتنظيم المعاصر. التعقيد، غموض النص، عدم تصنيف المواضيع، التعبير الاستطرادي، عدم مراعاة الترتيب التعليمي، عدم التناغم بين المواضيع وعدم تطبيقها العملي هي من بين المشاكل التي تعاني منها الكتب الدراسية الشائعة في الحوزات العلمية.

بالطبع، في نصف القرن الأخير، اهتم عدد من علماء الحوزة بإعادة بناء علمي للحوزات، مع الحفاظ على غنى وعمق وأصالة المحتوى، وجعل تأليف الكتب الحديثة هدفاً لهم؛ رغم أن قدم الكتب الدراسية الحوزوية وجلالة ومكانة مؤلفيها، بالإضافة إلى الدقة العلمية للكتب، واجهتهم بمقاومة.

على أي حال، الكتب التي من المقرر أن تحل محل الكتب العلمية في الحوزات مثل حاشية، معالم، شرح لمعة، رسائل، مكاسب وكفاية وغيرها، يجب أن تتمتع بقوة كبيرة. في السنوات الأخيرة، تمكن ثلاثة فقط من علماء الحوزة من الاستفادة من هذه الفرصة وأصبحت مؤلفاتهم من الكتب الدراسية والعامة في الحوزات: الشيخ محمد رضا مظفر (متوفای ١٣٨٣هـ)، السيد محمد حسين الطباطبائي (متوفای ١۴٠٨هـ) والسيد محمد باقر الصدر (متوفای ١۴٠١هـ). فقد حلت كتب المنطق، أصول الفقه وعقائد الإمامية للأستاذ مظفر محل حاشية ملا عبدالله، قوانين وباب الحادي عشر على التوالي، كما حلت بداية الحكمة ونهاية الحكمة للعلامة الطباطبائي محل المنظومة للسيد سبزوري، ودروس في علم الأصول للشهيد الصدر تُدرس كدورة كاملة في أصول الفقه في مرحلة السطوح في الحوزات العلمية.

كان الشهيد الصدر من كبار العلماء الإصلاحيين الذين أدركوا جيداً أوجه القصور والنواقص في الحوزات العلمية الشيعية، خصوصاً في نظامها التعليمي، وسعى إلى معالجة هذه النواقص، وقدم إجراءات وابتكارات مهمة، لها قيمة كبيرة ومكانة خاصة في الحوزات العلمية.

في هذا المقال، نسعى بإيجاز إلى استعراض آراءه وإجراءاته في مجال الأساليب الحديثة للنظام التعليمي في الحوزة العلمية. ربما يكون ذلك، بعون الله تعالى، ميسراً لمن يسعون إلى تحقيق نظام تعليمي صحيح وحديث.

تاريخ تحولات التعليم في الحوزة

التقدم السريع للمجتمعات وظهور التغيرات الاجتماعية من جهة، وانخفاض التوترات والضغوط من جهة أخرى، أدى إلى بروز فكرة التحول في ذهن بعض الحوزويين الواعين؛ خاصة في القرن الأخير الذي تزامن مع انتشار العلوم وظهور معارف جديدة. أدت تحولات المجتمعات الإسلامية إلى مواجهة الحوزويين لواقع جديد واحتياجات جديدة. وفي هذا السياق، أدرك بعض علماء الحوزة الذين كانوا على وعي بالاحتياجات والضرورات الزمنية المسؤولية التي فرضتها التحولات الجديدة على الحوزويين، وسعوا إلى إحداث تحولات، خاصة في نظام التعليم في الحوزة آنذاك، واتخذوا إجراءات إصلاحية صحيحة.

يُعد تأسيس المدارس التي تعتمد برامج تعليمية تشمل بعض المواد الدراسية الجديدة مع الرقابة والمتابعة بداية هذه التحولات والإصلاحات.

اجتمع العالم اليقظ والواعي الشيخ محمد رضا مظفر (قدس سره) وعدد من الشخصيات العلمية والفكرية في الحوزة، وأسسوا «جمعية منتدى النشر» وكذلك «كلية الفقه» التي كانت تدرس العلوم الجديدة المطلوبة بالتزامن مع العلوم الحوزوية وتدار بنظام تعليمي حديث. كما أصدروا مجلتين، وكان ذلك تحولاً فريداً في تاريخ الحوزات. من بين إجراءاتهم الأخرى تأسيس صفوف لفن الخطابة وأساليب الخطابة الصحيحة والدعوة، لكن للأسف لم تمض فترة طويلة على بدايتها حتى بدأت موجة معارضة من قبل الخطباء الذين لم يكونوا مستعدين لقبول هذه القيود، وانتهى الأمر بإغلاقها.[۲]

كما أسس العالم الفذ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) وجماعة من كبار علماء حوزة النجف «جمعية التحرير الثقافي» وأنشأوا مدرسة لتدريس العلوم الحوزوية والمعارف الجديدة.[۳]

منذ تأسيس حوزة قم العلمية، كانت هناك أفكار للتحول والإصلاح. اقترح المرحوم آية الله حاج الشيخ عبد الكريم الحائري (قدس سره)، مؤسس حوزة قم، تخصص العلوم الحوزوية، كما سعى لإضافة تعليم اللغة وبعض العلوم الضرورية إلى مناهج الحوزة، وبذلك وسع نطاق رسالة الحوزة إلى ما هو أبعد من المنابر والمحافل التقليدية، إلى البيئات الفكرية والعلمية الجديدة، وإلى خارج إيران أيضاً، لكن للأسف، حالت العوائق الخارجية دون هذا التحول.

يقول الأستاذ الشهيد المطهري في هذا الصدد:

رحم الله آيت الله حاج شيخ عبد الكريم حائري مؤسس حوزة علميه قم، إذ خطرت له فكرة تجهيز عدد من الطلاب في اللغات الأجنبية وبعض العلوم التمهيدية حتى يتمكنوا من نشر الإسلام في البيئات الدراسية الحديثة، بل في البلدان الأجنبية. وعندما انتشر هذا الخبر، جاء مجموعة من العامة وشبه العامة من طهران إلى قم وأعطوا إنذارًا نهائيًا بأن الأموال التي يدفعها الناس كحصة للإمام ليست لتعليم الطلاب لغات الكفار، وإذا استمر هذا الوضع فسوف نفعل كذا وكذا. فرأى المرحوم أن استمرار هذا العمل سيؤدي إلى اضطراب في حوزة علميه وتدمير أساس العمل، فتنازل مؤقتًا عن قصده.[۴]

العالم الفذ الآخر الذي فكر في الإصلاح والتغيير في حوزة علميه كان الأستاذ الشهيد صدر. كان يرى، مثل الإمام (قده)، أن مصدر القوة وإصلاح المجتمع يكمن في الحوزة والجامعة. وكان يعتقد أن الناس عبر التاريخ كانوا على اتصال مباشر بالحوزة العلمية، وكانوا يحلون مشاكلهم الدينية والاجتماعية من خلال هذا المقر.

كان الأستاذ الشهيد يرى أن الحفاظ على الجوهر بدون تغيير الشكل أمر مستحيل، وكان يعتقد أن هناك مسائل كثيرة في طريقة التعليم وعرض الدين تحتاج إلى تحول. بدأ بأسلوب جديد في النظر والكتابة في المذهب، وفي كل مسألة يتحدث أو يكتب عنها كان يسعى لفتح نقاط عمياء ورسم زوايا جديدة، وإذا لم يقل الكلمة الأخيرة، فإنه يضع حجر الأساس لبداية الحركة، وهذا له قيمة كبيرة. فتح الشهيد صدر العديد من الطرق ليخطو عليها القادمون.

كان الأستاذ الشهيد من العلماء الذين لم تجعلهم التقاليد السابقة حجابًا أمام الفكر، ولهذا كان يملك الجرأة على إبداء آرائه. ولم تكن هذه الشجاعة نابعة من جهل بأفكار السابقين، بل كانت نتيجة لحدة البصيرة والدقة في نقد وتقديس الجهود، مما دفعه إلى هذا التوجه. صدق هذه الادعاءات واضح في مؤلفات ذلك الأستاذ الشهيد.

للتعرف أكثر على الأستاذ الشهيد، سنبحث في وجهات النظر المختلفة حول تحولات التعليم في الحوزة العلمية؛ لأن مكانة الأشخاص تظهر دائمًا في مواجهة ومقارنة مع وجهات النظر والأفكار المقابلة، ويُدرك قدرهم ومكانتهم بشكل أفضل.

وجهات النظر المختلفة في مجال التحولات التعليمية

فيما يتعلق بالكتب التعليمية التقليدية المتداولة في الحوزات العلمية، هناك عدة وجهات نظر مهمة لكل منها أنصار.

الرأي الأول: مجموعة، وعددهم ليس بالقليل، وتدور حركة غالبية الحوزات العلمية حول أفكارهم، يرون أنه لا يمكن لأي نص تعليمي حديث أن يكون فعالًا أو مؤثرًا أو ذا تطبيق مثل نصوص الحوزات العلمية، وأن أفضل النصوص هي النصوص التقليدية وأفضل الطرق هي الطرق القديمة والتقليدية.

الرأي الثاني: مجموعة أخرى أكثر اعتدالًا يرون أن النصوص التعليمية الموجودة في الحوزات العلمية غير كاملة ويجب إعادة النظر فيها وتغييرها، ولكن من الناحية العملية والتنفيذية يرون أن التجربة أثبتت حتى الآن أنه لم يستطع أحد كتابة نص أفضل وأكثر دقة من النصوص التعليمية الحالية والتقليدية في الحوزة.

الرأي الثالث: هذا الرأي هو رأي بعض المثقفين، ويمكن اعتبار الشهيد صدر أحد رواد هذه المجموعة. يؤمنون بالتغيير والتحول الجذري والأساسي في نظام التعليم في الحوزات، ويعتقدون أنه يجب أخذ أهداف الحوزة، ووظائفها، واحتياجات المجتمع، وتوقعاته المشروعة بعين الاعتبار، ثم دراسة وتحليل النصوص التقليدية والتعليمية السائدة. هؤلاء يرون أن الكتب المتداولة في الحوزات العلمية غير فعالة، ويجب كتابة كتب بأساليب حديثة وكتابة جديدة.

لم يكن الشهيد صدر يؤمن فقط بتغيير نظام التعليم في الحوزات، بل قدم خططًا جديدة في هذا المجال، وكتب بنفسه بسرعة وجدية كتبًا بأساليب وطرائق جديدة، وكان مؤسسًا للمشاريع الحديثة في نظام التعليم في الحوزات العلمية.

آفاق الشهيد صدر العلمية ورؤيته

درس الشهيد صدر في مجالات علمية مختلفة، وحقق مكانة عالية في فترة قصيرة. لم تستغرق فترة دراسته للعلوم الحوزوية أكثر من ستة عشر إلى ثمانية عشر عامًا، لكنه قضى هذه المدة بحب في الدراسة والتعليم. يقال إنه كان يقضي ستة عشر ساعة يوميًا بشكل متواصل في طلب العلم. بدأ دورة التدريس في الخارج في أصول الفقه عام ١٣٧٨هـ في سن الخامسة والعشرين، وأنهى الدورة عام ١٣٩١هـ. وبدأ دورة الخارج في الفقه عام ١٣٨١هـ في سن الثامنة والعشرين، وأظهر جديته وعبقريته في طرح نقاط جديدة وتوسيع المواضيع.[۵]

كان يرى أن الكتب الدراسية المتداولة في الحوزة يجب أن تتغير من المعالم إلى الكفاية. يقول آيت الله سيد كاظم حائري عن رأي الأستاذ الشهيد:

كان الأستاذ الشهيد يقول:

انظروا إلى العلوم الأخرى مثل الرياضيات، قارنوا الرياضيات اليوم بالرياضيات عند شيخ بهائي، لا يمكن مقارنتهما إطلاقًا. لا معنى لأن ندرس اليوم كتاب شيخ بهائي، ثم نرفض آرائه في السنة التالية، ثم نرفضها مرة أخرى في مراحل أعلى ونطرح آراء جديدة، هذا الأسلوب غير موجود في أي من العلوم المتداولة.

أما في الحوزات العلمية، فيبدأون بتدريس المعالم، وبعد عدة سنوات تُطرح نقائص آرائه وتُعرض آراء شيخ الأنصاري على الطلاب، وبعد عدة سنوات أخرى تُنتقد آراؤه وتُعرض آراء صاحب الكفاية، ثم في دورة الخارج تُرفض آراء صاحب الكفاية وتُطرح آراء الفقهاء المتأخرين. ما هذا الأسلوب؟

[…] كان يعتقد أنه يجب في كل زمان إعداد وتدوين أحدث الآراء في المستويات المختلفة التمهيدية والمتوسطة والعليا، وتوفيرها للطلاب. وبعد عدة سنوات، إذا تغيرت الآراء، يجب تأليف كتب جديدة مرة أخرى. كان الأستاذ الشهيد يقول دائمًا: لا ينبغي أن تُستثنى المناقشات الفقهية والأصولية من هذا القاعدة.[۶]

كانت مناقشات وأبحاث الأستاذ مختلفة جوهريًا عن باقي المناقشات العلمية الجارية في حوزة النجف:

١- كانت تتم بدقة وتأمل لا مثيل لهما.

٢- كانت تشمل جميع أبعاد القضايا الإسلامية مثل الفلسفة، الاقتصاد، المنطق، الأخلاق، التفسير والتاريخ.

٣- كان يشرح العلوم بطريقة سلسة ومفهومة وفي الوقت نفسه بدقة كاملة.

أظهر الأستاذ الشهيد عبقريته العلمية في جميع العلوم المتداولة في الحوزة، وترك في كل منها آثارًا بارزة يمكن أن تحدث تحولات جذرية في العلوم ذات الصلة.

ترك الشهيد صدر في حياته القصيرة مؤلفات غنية. هذه المؤلفات التي تُدرس وتُكتب بأساليب وطرق جديدة يوميًا، تتمتع بميزات وخصائص خاصة، بحيث إن دراسة كل واحدة منها تتطلب كتابة مستقلة.

كما ذُكر، كان الشهيد صدر يتمتع بسعة اطلاع وشمولية وعبقرية خاصة. هنا، للتعرف على هذه الخصائص لديه بشكل موجز، نستعرض ابتكاراته وتجديداته في علم الأصول، الفقه والفلسفة.

ابتكارات الشهيد صدر في علم الأصول

في مجال علم الأصول، يمكن اعتبار مناقشات الأستاذ بداية عصر جديد في تاريخ علم الأصول. كان الشهيد صدر يؤمن بضرورة إحداث تغيير في كتب الأصول الحوزوية، فكتب كتبًا أصولية وفق قواعد ومعايير الكتب الدراسية، وفي هذا السياق كتب سلسلة من الأصول في ثلاث مراحل. في مقدمة كتاب سلسلة دروس في علم الأصول، وبعد شكر لا محدود لمكانة وجهود مؤلفي كتب الأصول الدراسية، ناقش ضرورة إحداث تغيير في كتب الأصول بشكل موسع، وأشار كأحد أسباب هذا العمل إلى النقطة التالية:

الكتب الدراسية الأربعة في علم الأصول (المعالم، القوانين، الرسائل والكفاية) قد أصبحت منذ أكثر من خمسين سنة بمثابة الكتب الدراسية، في حين أن مؤلفيها لم يكتبوا هذه الكتب بهذا التوجه… وهناك فرق كبير بين الكتاب الذي يُكتب ككتاب دراسي وتعليمي وبين التأليف الذي يُكتب بهدف التعبير عن آراء ومعتقدات المؤلف.[۷]

يقول السيد محمد باقر الحكيم، أحد تلامذة الأستاذ الشهيد، في تقسيم مؤلفات الشهيد:

تمكن الشهيد صدر في دراسة الفقه والأصول التي تُدرس في الحوزات العلمية من إحداث تغيير جذري. على سبيل المثال، استطاع في دراسته للأصول استنباط أكثر من ستين قاعدة أصولية.[۸]

قام الشهيد الجليل السيد محمد باقر صدر بخطوة كبيرة في إصلاح الهيكل التعليمي للحوزات من خلال تأليف “الحلقة الثانية” بدلاً من “الرسائل” للشيخ الأنصاري.

وذكر في مقدمة الحلقة الأولى أربعة أسباب لهذا الإجراء:

١- عدم التناغم والتناسب بين الكتب الأربعة الشائعة في الأصول (معالم الأصول، قوانين الأصول، فريد الأصول وكفاية الأصول).

٢- لم تُكتب هذه الكتب من قبل مؤلفيها بهدف التعليم، ولذلك توجد فيها الكثير من الحذف والإضافة غير المناسبة.

٣- عدم التناسب والتناغم مع مراحل الدراسة، لأن مؤلفي هذه الكتب كتبوا لأقرانهم وليس للمبتدئين.

٤- عدم وجود هيكل مناسب في عرض الموضوعات والقضايا؛ أي أن هناك موضوعات مهمة وأساسية تُطرح في صورة مقدمة أو استطراد، والعكس صحيح بالنسبة للمواضيع غير المهمة التي تُطرح كموضوعات رئيسية.[۹]

ذكر الشهيد صدر في كتاب المعالم الجديدة للأصول ثلاث مراحل وعصور لتشكيل علم الأصول:

١- عصر إعداد الأرضية أو العصر الذي زُرعت فيه بذور أساس علم الأصول. بدأ هذا العصر مع ابن عقيل وابن جنيذ وانتهى بعصر الشيخ الطوسي.

٢- العصر الذي أثمرت فيه هذه البذور وتمكنت من أن تحتل مكانتها الواسعة في المناقشات الفقهية. وكان الشيخ الطوسي قائد هذا العصر، ومن رجاله ابن إدريس، المحقق الحلي، الشهيد الأول وغيرهم.

٣- عصر الكمال العلمي الذي فُتحت له مدرسة جديدة في أواخر القرن الثاني عشر. وقد افتتح هذه المدرسة الأستاذ وحيد بهبهاني.[۱۰]

إن تداخل تاريخ علم الأصول مع تطورات هذا العلم في كتب الأستاذ الشهيد يعبر عن أسلوب جديد وتحول في طريقة كتابة الكتب الحوزوية، بالإضافة إلى تعويض نقص أساليب الكتابة القديمة في هذا المجال.

في الحقيقة، يمكن تسمية نوع النظرة واتساع نظر الأستاذ الشهيد إلى علم الأصول في العصر الحديث بالعصر الرابع، حيث يُنظر إلى علم الأصول من منظور جديد يتوافق مع العلوم الحديثة وتقدم الزمان والمكان. وهذا الأمر ليس خافيًا على الأصوليين المدركين، إذ لا يمكن للعلوم الدينية أن تلبي حاجات الإنسان المعاصر إلا إذا نُظرت إلى علم الأصول من هذا المنظور، وهذا هو ذات التحول والأسلوب الجديد في العلوم الحوزوية.

ابتكارات الشهيد صدر في الفقه

لا تقل ابتكارات الشهيد الجليل في علم الفقه عن تلك في الأصول، ومن مباحثه الفقهية المطبوعة تحت عنوان بحوث في شرح العروة الوثقى في أربعة مجلدات. أبحاثه الجميلة في هذه الكتب توضح موقفه بشكل أوضح.

كان يولي اهتمامًا لتكامل المباحث الفقهية من خلال النقاط التالية:

١- تعميق دراسة علم الفقه بشكل غير مسبوق. وقد نجح في ذلك بقدر ما درّس وكتب.

٢- تحويل وجهات النظر الفردية والموقفية إلى وجهات نظر اجتماعية وعالمية في المباحث التي تتطلب ذلك بطبيعتها.

٣- توسيع آفاق المباحث الفقهية لتشمل جميع مراحل الحياة مع مراعاة القضايا المعاصرة.

٤- تطوير طريقة عرض القضايا وتنظيمها بشكل انعكس في مقدمة الفتاوى الواضحة.

كان الأستاذ الشهيد يؤمن بالتبويب الخاص في المباحث الفقهية، وقد التزم بهذا التقسيم في الفتاوى الواضحة التي كتبها كرسالة عملية له. وبنفس الفكر في إحداث التحول والتغيير في مجال القضايا الفقهية، كتب الفتاوى الواضحة.

كان الشهيد الجليل محمد باقر الصدر يرى أنه يجب اليوم إحداث نوعين من التحول في الفقه: أحدهما أفقي وعلى مستوى (اتساع الفقه مع اتساع حياة الإنسان) والآخر عمودي وعميق. وفي شرح التطور العميق قال:

في الفقه من الضروري واللازم أن يحدث تحول من الناحية العمودية والعميقة وأن يتم الغوص والدراسة للوصول إلى النظريات الأساسية. يجب ألا نكتفي بالبنى الفوقية، أي القوانين التفصيلية، بل يجب أن نتجاوز هذا الحد السطحي ونصل إلى الآراء الجذرية التي تعبّر عن نظرية الإسلام؛ لأننا نعلم أن كل مجموعة من التشريعات الدينية في كل جانب من جوانب الحياة مرتبطة بنظريات أساسية وفهمات جوهرية؛ فمثلاً أوامر الإسلام في مجال الحياة الاقتصادية مرتبطة بالمذهب الاقتصادي الإسلامي ونظرياته الاقتصادية، وهذا الجهد ليس أمراً منفصلاً عن الفقه، لذا فإن التطرق إليه يعد من ضروريات الفقه.[۱۱]

ومن هذا المنطلق استند الشهيد الصدر إلى هذه النظرية في إيجاد النظام الاقتصادي الإسلامي، وخلص في استنتاجه إلى القول:

استناداً إلى ما تقدم، من الضروري أن تُستخدم العديد من أحكام الإسلام وقوانينه التي تُعد الطبقة العليا، لاكتشاف منهج الاقتصاد الإسلامي.

وفي كتاب اقتصادنا يقول في هذا الصدد:

في هذا الكتاب نطرح أحكام الإسلام في المعاملات والحقوق (التي تنظم العلاقة المالية بين الأفراد) وكذلك الأحكام التي تنظم العلاقة المالية بين الدولة والأمة بشكل واسع.[۱۲]

كان الأستاذ الشهيد يرى أن فقه العقود أو فقه المعاملات يحتاج إلى بحث فقهي موازٍ للنقاشات القانونية في المدارس الغربية الحديثة، بحيث من جهة يتضح تميز الفقه الإسلامي على القانون الغربي، ومن جهة أخرى يُجاب على الاحتياجات التي طرحتها قوانينهم، وكان مصمماً على تأليف كتاب بهذا المنوال في فقه المعاملات وفتح باب المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الحديث، وإظهار مكانة الفقه الإسلامي في إدارة المجتمع.[۱۳]

ومن التحولات الأخرى التي كان الأستاذ يراها ضرورية في الفقه أن النقاشات التقليدية في الحوزة لا تلبي جميع احتياجات المجتمع، ومن المستحب أن تُناقش المسائل المستحدثة المعاصرة، والمسائل الاقتصادية والأخلاقية والتفسيرية وغيرها التي لم تكن شائعة كثيراً في الحوزة.[۱۴]

في هذا الخصوص يقول السيد محمد باقر الحكيم:

في مجال دراسة المسائل الفقهية، كان تميز الشهيد الصدر أنه كان يأخذ دائماً في الاعتبار عند النظر في أحاديث الأئمة (عليهم السلام) واستقراء أقوال العلماء السابقين ظروف وزمان صدور الفتوى مع الحديث، وكان يسعى لمقارنتها من حيث المحتوى والمعنى بعمق مع النصوص الأخرى، ليصل إلى النتيجة النهائية.[۱۵]

إن الواقعية ضرورية جداً للفقهاء، وهذا يعني فهم الدين وتطبيقه على حياة الإنسان المعاصر مع مراعاة دور الزمان والمكان في طريقة الاستنباط. وبناءً عليه، يرى الشهيد الصدر أن أحد أضرار الاجتهاد الأحادي الجانب والفقه السائد هو عدم تبرير الواقع الخارجي، ويقول:

من جهة أخرى، لا يتم تفسير النصوص الدينية بروح التوافق مع الواقع الخارجي حتى يُستخلص منها قاعدة، ولهذا يسمح كثيرون لأنفسهم بتجزئة موضوع واحد واعتبار أحكام مختلفة له.[۱۶]

بالطبع، بعض العلماء الكبار رأوا أن تفسير النصوص الدينية بناءً على الواقع أمر غير جائز. في الحقيقة، بعضهم بسبب فهم خاطئ للواقعية جعل البعض ينكرونها. الشهيد الصدر يحذر الفقهاء من هذا ويقول:

أحد المخاطر هو “الواقعية” (بمعناها الخاطئ)، أي أن الباحث، عن وعي أو دون انتباه، يؤول النصوص ويفهمها بطريقة تبيح الواقع الفاسد والضرورة المزعومة. مثل بعض المفكرين الإسلاميين الذين استسلموا للواقع الاجتماعي وحاولوا أن يجعلوا الدين تابعاً للواقع؛ بدلاً من التفكير في كيفية تغيير الواقع بناءً على “النصوص”. بناءً على هذا المنظور، أُولي حكم تحريم الربا والفائدة إلى تأويل، وذهبوا إلى أن الإسلام حرّم الفائدة المضاعفة فقط إذا تجاوزت الحد المعقول، أما الفوائد المعتادة فهي جائزة.[۱۷]

ابتكارات الشهيد الصدر في الفلسفة

قام الأستاذ الشهيد في هذا المجال بتأليف كتاب فلسفتنا، حيث خاض فيه بنهج مبتكر وبراهين واضحة صراعاً مع الفلسفات الإلحادية، لا سيما الماركسية.

نظر إلى الفلسفة من منظور مقارن، وتابعها في الأفكار والمعتقدات المعاصرة، وأظهر الفرق بين الرؤية الدينية والتفكير الآخر.

سر نجاح الشهيد الصدر في المناقشات الفلسفية كان حبه لهذه المواضيع واطلاعه ومعرفته بالفلسفات الأخرى. يروي رفاقه أنهم سمعوا منه لأول مرة أسماء مثل الماركسية والديالكتيك…[۱۸]

لم يكن الشهيد الصدر يعتقد أن الفقه والأصول هما كل مسائل العصر، وعندما رأى الحاجة، شرع في تأليف فلسفتنا، ولم يكن يرى هذه الأمور خارج نطاق مجتهدي الحوزة. يروي تلاميذ الأستاذ:

في يوم ما كان يتحدث إلى نخبة من تلاميذه، وقال بينهم: في الحوزة من المعتاد الاقتصار على الفقه والأصول، وهذا الأسلوب خاطئ. عليكم أن تبحثوا في مختلف مسائل الإسلام. ومن ذلك أمرهم بالمناقشة في فلسفتنا. بدأ هذا النقاش في منزلي. في اليوم الأول من البداية… حضر الأستاذ الشهيد المجلس وقال: حضرت هذا المجلس وأعتقد أنه لا يوجد مجلس أفضَل من هذا المجلس الذي تُناقش فيه معارف الإسلام. ولهذا رغبت في الحضور.[۱۹]

في أواخر حياته المباركة، بدأ الأستاذ الشهيد بكتابة كتاب فلسفي عميق آخر لكنه لم يتمكن من إتمامه.

ترك الأستاذ الشهيد مؤلفات وابتكارات أخرى في علوم مختلفة، منها المنطق، والأخلاق، والتفسير، والاقتصاد، والتاريخ، والتي لا يتسع المجال لمناقشتها في هذا المقال.

عوائق تحقيق فكر الشهيد الصدر

إن قبول كتاب ما ككتاب دراسي في الحوزة العلمية ينبع من اعتبارات مثل مكانة ومقام المؤلف، وليس من اعتبارات مثل كفاءة الكتاب أو تميزه. فعلى سبيل المثال، استطاع آخوند خراساني والشيخ الأنصاري، عندما كانا يتمتعان بمكانة كبيرة في الحوزة، أن يكتسبا هذه الشهرة الفريدة باستخدام موقعهما ومناقشاتهما العلمية الدقيقة.

ومن الأسباب التي حالت دون أن تجد كتب الشهيد الصدر مكانتها الحقيقية في الحوزات العلمية، أن الشهيد الصدر كتب هذه الكتب في وقت لم تكن فيه حوزة قم والنجف تولي شأنه الاعتبار الكافي، وبعبارة أخرى، كتب هذه الكتب في وقت لم يكن الفكر السائد في الحوزات العلمية مستعدًا لقبول هذه الإصلاحات، وربما كانت تُعتبر نوعًا من البدعة. لذلك، لم تستطع التحولات والإجراءات التي قام بها أن تحدث تغييرًا في هيكل الحوزة ككل، بل اقتصر الإصلاح على إنشاء مؤسسة أو مدرسة فقط، كما حدث مع الحركات الإصلاحية السابقة التي واجهت نفس المشكلة، ولم تحقق هدفها النهائي والغاية القصوى، وهو الإصلاح البنيوي والجذري للحوزات العلمية.

 

 

 

 

 

[۱]. انظر: ميزان الحكمه، ج ۶، باب العلم.

[۲]. موسوعة العتبات المقدسة، ص ٥٢.

[۳]. المرجع نفسه.

[۴]. صحيفة اطلاعات، ١٠/١١/٧١، عباس مخلصي.

[۵]. مجلة حوزه العدد ٢٥، ص ٦، سنة ١٣٦٧.

[۶]. صحيفة جمهوري إسلامي، ٢٠/٨/٧٠، ص ١٢، مقابلة مع آية الله سيد كاظم حائري.

[۷]. سيد محمد باقر صدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى، ص ١٢ ـ ١٣.

[۸]. أبو الفضل شكوري، سيرة الصالحين، ص ٤٨٣.

[۹]. المرجع نفسه، ص ٤٨١.

[۱۰]. سيد محمد باقر صدر، دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى، صص ١٠ ـ ١٩.

[۱۱]. المدرسة القرآنية (دار التعارف، بيروت)، ص ٣١ ـ ٣٢.

[۱۲]. سيد محمد باقر صدر، اقتصادنا (دار التعارف، بيروت)، ص ٣٩٤.

[۱۳]. سيد كاظم حائري، مباحث الأصول، الجزء الأول من القسم الثاني، ص ٦٢.

[۱۴]. صحيفة جمهوري إسلامي، ٢٠/٨/٧٠، ص ١٢، مقابلة مع آية الله سيد كاظم حائري.

[۱۵]. أبو الفضل شكوري، سيرة الصالحين، ص ٤٨٣.

[۱۶]. مع تحول الاجتهاد، ترجمة علي أكبر ثبوت، ص ١٥ ـ ١٦ و دائرة المعارف الشيعية.

[۱۷]. سيد محمد باقر صدر، اقتصادنا، ص ٤٤ ـ ٤٥.

[۱۸]. مجلة حوزه، العدد ٢٥، ص ٧، سنة ١٣٦٧ و مباحث الأصول سيد كاظم حائري، الجزء الأول، ص ٣٦.

[۱۹]. سيد كاظم حائري، مباحث الأصول، الجزء الأول، ص ٤٦.