إعادة قراءة الفكر السياسي للشهيد محمد باقر الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازخوانی اندیشه سیاسی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

ما يلي هو مقال إعادة قراءة الفكر السياسي للشهيد الصدر، من تأليف الدكتور مسعود بورفرد، نُشر في الفصلية “بگاه حوزه”، 15 ارديبهشت 1386، العدد 206.

«السيد محمد باقر الصدر الذي كان عقل المفكر الإسلامي… كان الأمل أن يستفيد الإسلام منه كثيراً، وأتمنى أن تُدرس كتب هذا الرجل العظيم من قبل المسلمين»[1]

ولد الشهيد الصدر في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة 1353 هـ.ق (1934م) في مدينة الكاظمية. كان والده السيد حيدر الصدر من كبار علماء الشيعة في العراق، ورجل علم وتقوى، ووالدته ابنة عبد الحسين الياسين من الرجال البارزين علمياً ودينياً في العراق، وامرأة تقية وصالحة. فقد الصدر والده وهو في الثالثة من عمره، ونشأ تحت رعاية أخيه الأكبر آية الله السيد إسماعيل الصدر وعمّه.[2] كان يتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “منتدى النشر”، وقد ذُكر في هذه المدرسة علامات ذكائه وعبقريته الفريدة. في سن الثانية عشرة (1365ه.ق) هاجر مع أخيه السيد إسماعيل الصدر إلى النجف الأشرف لاستكمال دراسته الحوزوية العليا، وشارك في دروس المرحوم آية الله الخوئي وعمّه آية الله الشيخ محمد رضا الياسين. كان الصدر يدرس ويبحث حوالي ستة عشر ساعة يومياً أثناء فترة دراسته. بلغ مرتبة الاجتهاد في سن السابعة عشرة. تعلم الفلسفة على يد الشيخ صدرا بادكوبه، الذي كان أستاذاً بارزاً في الفلسفة الإسلامية، وكان يحلل كتاب “الأسفار” لملا صدرا بعمق، لكنه كان يتجنب التدريس العلني للفلسفة خوفاً من المتحجرين المعارضين لها، فتلقى الصدر الفلسفة منه بشكل خاص واستدلالي، وأصبح أستاذاً للفلسفة في فترة قصيرة. بدأ التدريس في الدروس الحوزوية العليا للطلاب في سن الخامسة والعشرين، وتدرج حتى حصل على أرفع مقاعد التدريس في حوزة النجف. تزوج الصدر من إحدى بنات عمّه، وهي أخت السيد موسى الصدر، رئيس المجلس الأعلى للشيعة في لبنان سابقاً، وأنجب ستة أولاد. إلى جانب جهود الصدر ونضالاته المستمرة، كان مقام المرجعية لديه يشكل خطراً كبيراً على نظام البعث، وبدأت تتشكل عوامل مقلقة للنظام الصدامي. أدت هذه العوامل إلى اعتقال وتعذيب وسجن وإعدام رفاق وأقارب الصدر، وبسبب مواقفه التي اتخذت طابعاً ثورياً، تم اعتقاله وسجنه في سنوات 1391 هـ.ق، 1396 هـ.ق، 1398 هـ.ق و1399 هـ.ق. وأخيراً، بعد إيقاف دروس الخارج وبدء درس جديد في تفسير موضوعي للقرآن بهدف خلق أفكار ثورية وإيقاظ الناس، والذي لم يستمر إلا لأربعة عشر جلسة، تم حصار منزله بالكامل وسجنه في المنزل وقطع الاتصال بينه وبين الناس، واستمر ذلك حوالي تسعة أشهر، وأخيراً في 19 جمادى الأولى ( 1400 ه.ق – 16 فروردین ماه 1359 ه.ش ) بأمر من صدام تم اعتقاله ونقله إلى بغداد، وبعد تعذيبه في 22 جمادى الأولى 1400 هـ.ق، استشهد هو وأخته بنت الهدى.[3]

الأنطولوجيا عند السيد محمد باقر الصدر

من وجهة نظر السيد محمد باقر الصدر، يمكن تفسير الأنطولوجيا إلى حد كبير من خلال السياسة والتطورات المتعلقة بها. في الواقع، كلما كان تفسيرنا الفلسفي للوجود والحياة والعيش واضحاً، كانت مناهجنا السياسية والاجتماعية أكثر فاعلية. يرى أن كل حكم يُصدر في الأنظمة السياسية والاجتماعية للبشر يعتمد على مدى نجاح التفسير الفلسفي لذلك النظام في تصوير الحياة وفهمها.[4] بناءً على هذا المنظور، يركز السيد محمد باقر الصدر في بحثه الأنطولوجي على متابعة التعرف بشكل أعمق على الخالق، وصفاته، وفهم مكانة الإنسان في الوجود وأهداف خلقه. بعبارة أخرى، تتجه رؤية العالم عند السيد محمد باقر الصدر إلى البحث عن كيفية تفسير الظواهر الطبيعية في ضوء ارتباطها وعلاقتها بالإنسان والله.

ومن أهم أسس بحث السيد محمد باقر الصدر في الوجوديات يمكن الإشارة إلى مسألة العالم الغيبي والعالم الشاهد. ما يقصده من العالم الغيبي في مناقشات الوجوديات هو جزء من الكون المعرفي الذي يقع خارج نطاق حواس الإنسان ولا يمكن إدراكه بالحواس التقليدية. في الواقع، ليست كل حقائق الوجود والكيانات الخارجية عن الإنسان محسوسة. وبالطبع، هذا التصور للصدر يضعه في مواجهة المدارس التي تنكر وجود الحقائق غير المادية وغير المحسوسة. هذا التمييز بين الغيب والشهادة عند الصدر يعني أن الوجود لا يقتصر على العالم الطبيعي، بل إن عالم المحسوسات هو مجرد أحد عوالم الوجود. من وجهة نظر الصدر، رغم وجود اختلافات جوهرية بين عالم الغيب وعالم الشهادة، إلا أن هناك علاقة لا تنفصم وعميقة بينهما، وكل ما هو في عالم الشهادة له جذور في عالم الغيب. في هذا المنظور، لا يُعتبر الله تعالى فقط خالق العالم والقوانين والسنن الحاكمة على الوجود، بل الأهم من ذلك أنه مدبر الوجود، وباللغة الفلسفية، فإن العالم ليس فقط في حدوثه بحاجة إلى الله، بل في بقائه أيضاً معتمد ومحتاج إليه، أي أن الله ليس فقط خالق المخلوقات وموجدها، بل هو القائم بها والمدبر لها.[5] وربما يمكن القول إن أحد النظرات المنطقية الأخرى للصدر في الوجوديات تتعلق بتوافق رؤيته الكونية مع الفطرة الداخلية للإنسان، فهو يعتقد أن الإسلام متوافق مع الفطرة الداخلية للإنسان وقدراته واحتياجاته ورغباته، ويحمل المبادئ المشتركة بين جميع البشر.[6] لذلك، تدور فكرة الوجود على مدار الحق، وأصل الحق مدارية الوجود وهدفية الخلق تتجلى في مدى وعمق معنى «الحق»، فتتجلى حقانية خلق الوجود في مظاهر مختلفة. ومن تجليات هذه الحقيقة أن العالم مبني على قوانين وسنن إلهية، وقد نظم وانتظم، وبعبارة أخرى، قد تعلق به القضاء الإلهي ليُرتب الوجود على نحو خاص وتعمل ظواهره ضمن حدود معينة. لذلك، يلعب الإنسان دوراً مهماً في حياة الإنسان والحياة السياسية من حيث أصل هدفية العالم وعدم عبثية خلقه.

هذا الإنسان لا يفسح أبداً مجالاً للأفكار العبثية، ويظل راسخاً في اعتقاده أنه في النظرة الفلسفية إلى الوجود ستنشأ رؤية كونية يرى فيها الإسلام القوة والقدرة على هداية البشرية وقيادتها وتوجيه حياة الناس.[7] وقد أشار في أول أثر علمي له إلى أن الإسلام هو أقوى مذهب لتحمل مسؤولية القيادة العقائدية وتوجيه الأمة الإسلامية نحو أسمى الأهداف والنماذج والتفوق على جميع شعوب الأرض.[8]

ومن الآثار المترتبة على بحث الوجوديات عند الصدر يمكن استخلاص النقاط التالية:

أ – الله تعالى ذو حكمة وعدل محض.

ب – صفاته وأفعاله أيضاً عدل محض.

ج – نظام الوجود نظام أكمل وأحسن ولا يوجد فيه أي انحراف أو نقص.

د – في المجتمع ينفي حكم غير الله.

هـ – العدالة السياسية والاجتماعية وتحقيقها في المجتمع البشري أمر ضروري.[9]

علم الإنسان عند السيد محمد باقر الصدر

من وجهة نظر السيد محمد باقر الصدر، الإنسان ذو طبيعة ذات بعدين، ولكن ليس بمعنى الفلسفة الثنائية التي تطرح الطبيعة المزدوجة. يوضح الصدر جوانب مختلفة لقدرات الإنسان، ويصف الجانب المادي بأنه صلصال (طين جاف) وطين لازب (طين لزج) وحماء مسنون (طين ملون)، وهذه التعبيرات تدل على الجانب المادي والحيواني للإنسان، أما الجانب الملكوتي فيتعلق بكونه ناطقاً، روحانياً وعاقلاً، ويعتقد أن الإنسان تشكل بأبعاد مختلفة مترابطة ومتصلة ارتباطاً وثيقاً. في رؤية الصدر، العامل المهم هو الطبيعة الداخلية للإنسان، ويعتبر حب الذات (محبة النفس) عاملاً حاسماً في تلبية حاجات الإنسان. ويعتقد أن تاريخ الإنسان يشهد على أن غريزة حب الذات غريزة أصيلة، فإذا لم تكن محبة الذات في طبيعة الإنسان، لما كان هناك دافع لتلبية الحاجات. وحيث إن هذه التلبية للحاجات كانت موجودة قبل تكوين المجتمعات، فقد أدى ذلك إلى تشكيل وتكوين المجتمعات حتى يتمكن الإنسان في ظلها من تأمين بقائه.[10]

من وجهة نظر الصدر، للبعد الروحي مطالبات تفتح الطريق نحو المستقبل المظلم أو المشرق عبر الاختيار والاختيار الحر وسط تعقيدات الجسد والبيئة الاجتماعية. فالإنسان في طبيعته ليس مظلماً ولا مضيئاً، بل هو من يصنع ذلك بنفسه، ونتيجة الاختيار البشري هي الأصل. في تحليله للإنسان، يوجه الصدر اهتمامه إلى المحتوى الباطني (العامل الأساسي للطبيعة الداخلية للإنسان)، أي دور الفكر والإرادة اللذين يشكلان حركة التاريخ والمجتمع، ويقول إن الوجود الذهني من جهة يدل على الجانب الفكري، أي المنطقة التي تحتوي على تصور الهدف، ومن جهة أخرى يدل على الإرادة، وبالدمج بين الفكر والإرادة تتحقق قوة بناء المستقبل وقوة الحركة الخلاقة للنشاط التاريخي على الساحة الاجتماعية.[11]

 

وبهذا الوصف يمكن القول إن صانع حركة التاريخ هو المحتوى الباطني للإنسان، أي الفكر والإرادة. يرى الصدر الإنسان بهذا الوصف مدني الطبع واجتماعي، وبما أن الإنسان اجتماعي فهو يحتاج إلى القانون، وإنجازات النبوة هي القانون.[12] وبالطبع، من وجهة نظر الصدر، هذا الإنسان المدني الطبع (الاجتماعي) عند اتخاذ القرارات في مفترقات الحياة، خاصة حيث تعقيدات الحياة الاجتماعية والسياسية تجعل الحق والباطل يختلطان بحيث يصاب أذكى الناس بالحيرة والارتباك، فإن السبيل الوحيد للخلاص هو وجود دليل إيماني على مبادئ محددة وواضحة مع الفكر والإرادة.[13]

بعد ذكر هذه الصفات يرى صدر النقطة المهمة في المحتوى الباطني والداخلي للإنسان مع كل التحولات السياسية – الاجتماعية[14] من وجهة نظر صدر، الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من صنع الإنسان. وهو يطرح هذا الموضوع في تفسير الآية الحادية عشرة من سورة هود. تقول هذه الآية إن تفسير الأوضاع والشؤون الاجتماعية لكل قوم هو البنية الفوقية لذلك القوم. التغيير الجذري والأساسي هو التغيير الذي يحدث في نفس القوم، وكل متغير آخر ينبع من هذا التغيير الجذري. ومن البديهي أن المقصود بالتغيير في «ما بانفسهم» هو التغيير في داخل جماهير الأمة بحيث يتغير المحتوى الباطني للمجتمع كأمة وقوم[15].

معرفة سيد محمد باقر صدر

يجب وضع محمد باقر صدر ضمن مجموعة الفلاسفة السياسيين الذين يمكن أن يكون مجموع تفكيرهم وأعمالهم منظماً ومنهجياً. ولكن وجود العقبات والظروف الخاصة مثل ديكتاتورية النظام العراقي واستشهاد صدر في سن 47 عاماً حال دون حصوله على فرصة لإنجاز وتنظيم الفكر السياسي.

في هذا البحث تم السعي لإعادة بناء معرفته على أساس مبادئه وأسس فكره. بشكل عام، المعرفة عند صدر تقوم على مبدأين: الأول أن العقل الاستدلالي وحده غير كافٍ لإثبات الحقيقة، بل يجب أن يكون ممزوجاً بمعارف أخرى أيضاً[16]، والثاني أن معرفته من النوع الاتصالي والتطبيقي، أي أنه صالَح الفلسفة الاستدلالية مع الفلسفات الأخرى ثم ربطها بالوحي ووافقها مع عقائد الشيعة[17]. لكن خلافاً لبعض المفكرين الذين كرسوا كل قدراتهم الفكرية لإيجاد تناغم وتوافق بين الفلسفة والعلوم التجريبية، لم يقتصر صدر المعرفة على وسيلة واحدة محدودة، بل اعتبر الاعتبار والحجية أوسع من المعرفة أحادية البنية، واعتمد في معرفته على فلسفة الحكمة المتعالية، وحدد معيار كشف الواقع بأربعة مصادر معروفة. بعبارة أخرى، المعرفة ترسم في الخطوط العامة لفلسفة الحكمة المتعالية، ومصادر وأدوات معرفته وهي: العقل والتفكير (أصالة العقل) على أساس مصدر العقل، والتجربة والملاحظة (أصالة التجربة) على أساس مصدر الطبيعة والتاريخ، والكشف والحدس (أصالة العرفان) على أساس مصدر القلب، والشريعة والكتاب (أصالة الوحي) على أساس مصدر السنة والكتاب الإلهي، تُستخدم جميع هذه الأضلاع معاً بشكل متكامل، وليست خطوطاً متوازية مستقلة كل منها في مكانه. من وجهة نظر صدر، مثل ملاصدرا، كل هذه الأدوات لها اعتبار ولا تنقض إحداها الأخرى، لكن لكل منها مجال عمل واختصاص مختلف. على سبيل المثال، التجربة والأصالة التجريبية وحدها لا يمكن أن تولد معرفة قائمة على اليقين، كما يشير إلى عجز المنطق التجريبي عن تفسير المسائل الرياضية، ويعتقد أن مسألة اليقين في القضايا الرياضية تبقى معلقة وغير محسومة بناءً على المنطق التجريبي[18]. بالطبع، يرى صدر أن المعرفة التجريبية تكمل المعرفة العقلية، ويعتقد في هذه الحالة أن المعرفة تمر بمراحل مزدوجة: مرحلة تجمع نتائج الحس والتجربة، ومرحلة يبررها العقل[19].

عند صدر، أقطع أنواع المعرفة هي المعرفة «الوحيانية». وهي معرفة يؤيدها العقل كما أن المعرفة الوحيانية تقبل المعرفة العقلية والعرفانية. في معرفته، يصبح الإنسان مسؤولاً بناءً على وعيه، وليس فقط بناءً على إمكاناته، ويعتقد أن الإنسان يجب أن يدرك مسؤولية حياته من أعماق وجوده ويعيها ليتمكن من تأمين سعادته الأبدية من خلال أداء تلك المسؤولية[20]. باختصار، يمكن القول – لأن الإطار البنيوي للفلسفة السياسية الكلاسيكية عند المسلمين حتى الآن كان مبنياً على المنطق الصوري الذي كانت الميتافيزيقا مدخله – أن صدر كان يسعى بمساعدة منهج الحكمة المتعالية إلى بحث قضايا الإدراكات والمعرفة. حاول أن يستخدم التنظيم الرياضي والاستقراء لهذه المسألة، لأنه كان يعتقد أن المنطق الصوري يختص فقط ببيان العلاقات الموضوعية بين المعلومات والمعارف. بناءً على هذا المنهج، كان صدر يعتقد أنه إذا قُبل أسلوب المنطق الصدري ومدرسته المعرفية، يمكن أن تفتح معرفة جديدة طريقها في مجال الفلسفة السياسية الإسلامية.

بشكل عام، في تفسير المعرفة عند صدر يمكن القول:

يضع صدر نظرية معرفية جديدة تقريباً. من حيث الأسس، كان يختلف مع الفلسفة السياسية الغربية (الليبرالية والماركسية)، ومن جهة أخرى، في معرفته، اعتمد على المبدأ التطبيقي والاتصالي الذي سبق ذكره، ودخل بوعي في مجال بنية المعرفة والإدراكات، مما أضاف تنوعاً إلى الفلسفة السياسية الإسلامية التي كانت تقتصر على مسائل الميتافيزيقا.

وجهة نظر صدر حول «فلسفة التاريخ» أو سنن التاريخ

في نقاش فلسفة التاريخ، حاول صدر الإجابة على الأسئلة التالية:

1- هل هناك قوانين خاصة تحكم مسار التاريخ وحركة وتطور التاريخ البشري؟

2- ما هي القوانين التي تشكل تاريخ الإنسان؟

3- هل للإنسان دور في مجمل التاريخ؟

بما أن القرآن كتاب هداية ولإحداث تغيير مرغوب في الإنسان، فإن هذا التغيير والتحول يستلزم أن يكون له جانبان. الجانب الأول يتعلق بمضمون عمل التغيير، أي له جانب فوق بشري يعود إلى الأحكام والبرامج والقوانين اللازمة. هذا الجانب من عمل التغيير والتحول له جانب إلهي ويُظهر القوانين الإلهية. أما الجانب الثاني، أي الجانب البشري، فهو الأعمال التي تتعامل مع القوى العقائدية والصراعات الاجتماعية والسياسية والعسكرية. عندما ننظر إلى عمل التغيير من هذه الزوايا، يصبح عملاً إنسانياً[21] ثم هذا العمل التغييري والتحولي الذي قام به الأنبياء وله جانب بشري ينقسم إلى وجهين: من حيث ارتباطه بالشريعة والوحي ومصدر الوحي، فهو عمل فوق تاريخي ورباني؛ ولكن وجهه الآخر من حيث كونه جهداً بشرياً، بالمقارنة مع جهود البشر الآخرين، نعتبره عملاً تاريخياً تخضع له قواعد التاريخ، وتسود عليه القوانين التي وضعها الله لتنظيم ظواهر العالم في هذا المجال المسمى المجال التاريخي. لذلك نعتقد أنه عندما يتحدث القرآن عن الناس من زاوية الناس، فإنه يفحص الجانب الثاني من عمل التغيير، ويتحدث عن البشر لا عن الرسالة السماوية، فمثلاً في هذه الآيات، يتحدث القرآن إلى الناس بصفتهم هم أنفسهم: «تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ» نحن نُناوب بين الناس في هذه الأيام الهزيمة والنصر. أو في سورة آل عمران الآية 140 يقول: «إِن يُصِبْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمَ قَرْحٌ» إذا أصابكم أيها المسلمون جرح، فقد أصاب أعداءكم جرح، ونحن نُناوب بين الناس في هذه الأيام الهزيمة والنصر.

يستنتج صدر من هذه الآيات أن المقصود هو: لا تظنوا أن النصر والتمكين حق مسلم إلهي خص الله به إياكم. النصر حق طبيعي ويجب تهيئة الظروف لحدوثه. هذه السنن التي يطرحها تختلف عن السنن والضوابط الشخصية المتعلقة بالأفراد التي تخص شخصياتهم فقط، مثل سور الحجر الآيات 4-5، المؤمنون الآية 43، آل عمران الآية 137، الأنعام الآية 34، وأخيراً في سورة البقرة الآية 214 حيث يقول: يطلب الناس من النبي والمؤمنين: متى ينزل نصر الله علينا؟

يقول صدر: إن الله يهاجم هؤلاء الأشخاص قائلاً لماذا تأملون أن يكون لكم استثناء في سنن التاريخ؟ هل تظنون أن قوانين التاريخ ستُخالف في شأنكم؟[22]

بعد هذا التوضيح المختصر، الذي بيّن أن الجانب الثاني من عمل التفسير هو المقصود في القرآن، يطرح صدر أهمية اكتشاف السنن التاريخية من وجهة نظر القرآن:

ضرورة الاستقراء على الأحداث التاريخية؛ أي دقة وتأمل وتدبر حتى يتضح لكم من خلال الاستقراء قوانين الطبيعة وسنن العالم، حقائق في علم التاريخ والسنن التاريخية. وقد استند سيد محمد باقر صدر في هذا القول إلى آيات {سورة محمد 10، يوسف 109، الحج 45 و46، ق 36-37}، وبشكل عام يُصرح بأن المعرفة بسنن التاريخ هي التي يمكن أن تجعل الإنسان مشمولاً بنصر الله، ويشير إلى سورة سبأ 34-35: «مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» حيث يقول: لم نرسل في أي أرض نبياً إلا أخذنا أهلها بالمصائب والشدائد، وكانوا يقولون: نحن أكثر مالاً وأولاداً منكم، ولن يصيبنا عذاب في الآخرة. يرى سيد محمد باقر صدر أن هذا الأمر الذي كان عبر التاريخ بين الأنبياء والمترفين والمبذرين في جميع الأمم والمجتمعات علاقة متضادة، يدل على أحد سنن التاريخ.[23]

تصنيف سنن التاريخ من وجهة نظر صدر

سنن التاريخ ليست علاقات عشوائية، بل لها وصف ثابت ولا يمكن مخالفتها. عمومية وشمول هذه القوانين تمنح السنن التاريخية صفة علمية؛ لأن القوانين العلمية أهم ميزاتها أنها شاملة وعامة ولا يمكن مخالفتها.

الحقيقة التي يؤكد عليها القرآن هي أن هذه السنن إلهية. السنن التاريخية ربانية؛ أي أنها تتعلق بالله «سنة الله» وبعبارة أخرى «كلمات الله»؛ أي أن كل قانون من قوانين التاريخ هو «كلمة الله»، قاعدة إلهية. وهذا من أجل تنمية فكر ارتباط الإنسان بالله؛ أي حتى عندما يريد الإنسان أن يستفيد من الطبيعة فهو مرتبط بـ«كلمة الله».

بعبارة أخرى، لا يمكن أن يتمتع النظام الكامل للعالم في ميادين مختلفة من القوانين والسُنن الحاكمة للطبيعة إلا إذا لم يبتعد عن الله. لأن الله يمارس قدرته من خلال هذه السُنن نفسها، وهذه السُنن والقوانين هي «إرادة الله» وتجسد حكمته وتدبيره في العالم[24]. قد يُقال إن العلاقة الغيبية والإلهية لعلم التاريخ تجعل التاريخ خارج نطاق الدراسات والتحليلات العلمية. في حين أن القرآن لا يضفي على الحدث التاريخي طابعاً غيبياً ليقطعه عن علاقاته الأخرى ويربطه مباشرة بالله. فالقرآن لا يضع العلاقة بالله مكان علاقة السبب والنتيجة، بل يربط السُنن التاريخية بالله. بمعنى أنه ينسب شكل العلاقات والروابط إلى الله. فالقرآن يقبل وجود علاقات بين الأحداث التاريخية في هذا العالم، لكنه يقول إن هذه العلاقات بين الأحداث التاريخية هي تعبير عن حكمة الله وحسن تدبيره وتقديره في بناء العالم وفي ميدان الأحداث التاريخية. بناءً عليه، عندما يريد القرآن أن يغطي السُنن التاريخية بالغطاء الإلهي، لا يريد فقط تبرير التاريخ بتفسيره الإلهي، بل يريد التأكيد على حقيقة أن هذه السُنن ليست خارجة عن القوانين الإلهية.

مسألة حرية الإرادة والاختيار لدى الإنسان

يدعي صدر أن السُنن التاريخية لا تتجاوز أبداً يد الإنسان، وأن مسألة اختيار الإنسان تلعب دوراً أساسياً في التصور الذي يقدمه القرآن عن السُنن الإسلامية. ثم يشير إلى الآية 11 من سورة الرعد، والآية 16 من سورة الجن، والآية 59 من سورة الكهف.

حدود ونطاق السُنن التاريخية

تجري هذه السُنن في مسار الأحداث التاريخية، لكن هل يمتد مسار الأحداث التاريخية إلى حيثما يمتد ميدان السُنن التاريخية، أم أن السُنن التاريخية تحكم في جزء من هذه الأحداث؟

أما الميدان والمشهد التاريخي فهو المشاهد التي تشمل هذه الأحداث والوقائع؛ وهي الوقائع التي تحظى باهتمام المؤرخين واعتنائهم.

السؤال الأفضل هو هل كل الحوادث والوقائع محكومة بسُنن تاريخية؟ الصحيح أن جزءًا معينًا من هذه الحوادث والوقائع يقع ضمن نطاق سنن التاريخ، وبدلاً من ذلك تحكمها قوانين الفيزياء والكيمياء والفسيولوجيا أو قوانين أخرى في مجالات مختلفة من العالم. إذًا، في كل مشهد لا تحكم السنن التاريخية؛ ولكن في أي المشاهد تحكم؟ يشير إلى نوع من الارتباط والعلاقة في الظواهر في ميدان التاريخ ويقول: «العلاقة والارتباط، في بعض الظواهر في ميدان التاريخ موجود، ارتباطٌ نحو الهدف، ينظم الحركة والنشاط من أجل الوصول إلى مقصد، وبتعبير الفلاسفة، إلى جانب السبب الفاعل، هناك أيضًا السبب الغائي. هذه الأنواع من الارتباطات ليست في كل مكان، وبعبارة أخرى، هذه الميزة تعني دور السبب الغائي في الفعل، هذه الحقيقة أن الفعل يتجه نحو المستقبل. وفي الوقت نفسه يجب أن يُعلم أن كل فعل له هدف وغاية ليس بالضرورة فعلًا تاريخيًا، ولا يمكن القول إن السنن التاريخية تجري فيه. بل هناك بُعد ثالث. يجب لأجل أن يصبح الفعل تاريخيًا أن يُؤخذ البُعد الثالث في الاعتبار». لذلك، البُعد الأول هو السبب الفاعل، والثاني السبب الغائي، والثالث الذي هو ضروري لدخول منطقة السنن التاريخية هو السبب المادي، وهو شرط لكي يكون للفعل طابع اجتماعي[25]. المجتمع يشكل السبب المادي للفعل، أي يهيئ زمينه الفعل. ولهذا الطابع الاجتماعي نعتبر الفعل فعلًا تاريخيًا ونرى أنه من الضروري أن يكون الفعل التاريخي قد وقع للمجتمع، رغم وجود الفرد. ولكن من حيث الموجة التي يخلقها يصبح الفعل اجتماعيًا، لذلك الفعل التاريخي الذي تحكمه السنن التاريخية هو فعل له علاقة بالهدف، وفي الوقت نفسه له زمينه أوسع من حدود الفرد، يخلق موجة يشكل المجتمع السبب المادي لها، وبهذا يصبح الفعل اجتماعيًا.[26]

صياغة السنن التاريخية (فلسفة التاريخ)

  1. الصياغة الشرطية

تظهر في شكل القضية الشرطية. ويتم إقامة ارتباط بين ظاهرتين أو مجموعتين من الظواهر في ميدان التاريخ (هذا الارتباط يجعل علاقة الشرط والجزاء متماسكة جدًا). السنن التاريخية شرطية، على سبيل المثال مثل سورة الرعد آية 11، سورة الجن آية 16، الإسراء آية 16. بشكل عام، هذه القوانين تقدم خدمة عظيمة للإنسان في حياته العادية ولها دور مؤثر في بناء الإنسان.

  1. الصياغة القطعية

الصياغة الثانية من صيغ السنن التاريخية في القرآن تأخذ شكل القضية الفعلية القطعية والمتحققة، وتُعرض بشكل منجز؛ أي بدون حالة انتظار. مثل الشمس ستكسوف في يوم كذا. في هذه الحالات لا يستطيع الإنسان بأي حال تغيير شروط وأحوال هذه القضية، لأنها ليست قضية شرطية، بل قضية قطعية تحققت بالفعل.

  1. الصياغة غير القطعية؛ (القابلة للمرونة)

هذا النوع من السنن حظي باهتمام شديد في القرآن. هي سنن تشكل إلى حد ما الجاذبيات والميول الطبيعية لحركة تاريخ الإنسان، لكنها ليست قانونًا قطعيًا لا يمكن مخالفتُه. من المعروف أن الميول تختلف عن القانون. والشرح أن القانون العلمي وفق التصور العادي هو سنة لا يمكن للإنسان كسرها، لأن الإنسان لا يستطيع نقض السنن الطبيعية والخروج من طاعتها. هذه الميول قابلة للمرونة، يمكن معارضتها ومقاومتها، رغم أن الحركة المعارضة تؤدي إلى أن يُدمر ويُكسر المقاوم تدريجيًا وفق السنن التاريخية. إذًا بعضها قابل للمقاومة، ولكن هناك ميول يمكن مقاومتها لفترة قصيرة، ثم يقوم التاريخ بسحق المقاوم. هذه من خصائص الميول والجاذبيات الأصيلة للإنسان في حركة التاريخ.[27]

دور الإنسان في حركة التاريخ

الإنسان أو المحتوى الداخلي للإنسان يشكل أساس حركة التاريخ. حركة التاريخ حركة هادفة، ليست تحت تأثير قانون العلية فقط الذي يعتمد على سببه وماضيه، بل ترتبط أيضًا بهدفها. لأن الحركة هادفة، لها سبب غائي وتتطلع إلى المستقبل. في الواقع، الفكر والإرادة البشرية يشكلان ضمير الإنسان، والمحتوى الباطني للإنسان يظهر في هذين الركنين الأساسيين، لذلك المحتوى الداخلي للإنسان هو صانع حركة التاريخ.

بُنية المجتمع على المستوى الظاهري بكل روابطه ومنظماته وأفكاره وخصائصه تقوم على الأساس الداخلي لمحتوى الإنسان الباطني. ثم يستنتج أن العلاقة بين التابع والمتبوع أو السبب والنتيجة هي التي يؤمن بها القرآن، حيث يجب أن يسير الفعل في الظاهر والباطن جنبًا إلى جنب لكي يتمكن الإنسان من بناء باطنه، أي النفس والفكر والإرادة والرغبات، ويجب أن يكون هذا الأساس الداخلي منسجمًا مع البنية الظاهرية الخارجية.[28]

المجتمع وعلاقة الفرد بالمجتمع من وجهة نظر صدر

يبدأ بالحديث عن التفاعل وردود الأفعال بين البشر ويطرح السلوكيات بثلاثة أشكال:

  1. الفعل الطبيعي الذي يكون السبب الفاعل فيه هو المحدد الرئيسي (أحادي البُعد).
  2. الفعل الفردي الذي بالإضافة إلى السبب الفاعل له سبب غائي أيضًا، لأنه ينبع من الإرادة وله هدف خاص (ثنائي البُعد).
  3. الفعل الاجتماعي الذي له سبب فاعل وسبب غائي وهدف، وكذلك سبب مادي أو سبب تأثيري (ثلاثي الأبعاد)، فالفعل الذي يكتسب البُعد الثالث يصبح فعلًا اجتماعيًا. ثم يشير إلى أن في نقاش المجتمع لدينا وجود واحد له شأنان ووجهان: شأن ووجه فردي وآخر شأن ووجه اجتماعي، ويطرح هذا الموضوع باستخدام نظرية ملاصدرا في نقاش النفس الإنسانية[29]. هذا الوجه الثاني (الأمة أو المجتمع) هو الذي يُشكّل. إذًا هنا ليس لدينا وجودان مستقلان باسم «الفرد والمجتمع» لنبرر أيهما أصيل، الفرد أم المجتمع، بل لدينا وجود واحد له وجهان: وجه فردي وآخر اجتماعي، وهذا مستمر في حياة الإنسان كلها، وقد أطلق عليه نظرية «المثل الأعلى».

ويتابع قائلاً إن الآية «إن … لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» المقصود من التغيير «بأنفسهم» هو التعبير عن «المحتوى الداخلي للقوم»، لأن تغيير فرد أو اثنين أو ثلاثة أفراد لا يحل المشكلة الأساسية «تغيير ما بالقوم».[30]

ما هو مهم هو الوجه الاجتماعي، لذا يقبل وجودًا واحدًا له شأنان. من وجهة نظر صدر صحيح أن المجتمع يتكون من أفراد وله وعي وإرادة ورغبة مستقلة عن الأفراد تمارس عليهم، ولكن الاستقلال النسبي للأفراد محفوظ. لذلك يمكن للفرد أن يغير مجتمعه، وكذلك يمكن للفرد أن يتحرك عكس مسار وتيار المجتمع. هذه هي المسألة التي فيها الإنسان أمام جبر المجتمع، حيث تبقى حريته واستقلاله محفوظين إلى حد كبير.

خصائص وعناصر المجتمع من وجهة نظر صدر

  1. المجتمع الكامل يقوم على أسس فكرية مثالية وعقائدية خاصة.
  2. المجتمع له ولادة خاصة تنشأ مع شأنية أممية (اجتماعية) وله حياة.
  3. المجتمع له حركة وديناميكية.
  4. للمجتمع وحركته سنن إلهية أي تاريخ حكم.
  5. هذه السنن لها مجال واسع ومنسجم مع حرية الإنسان واختياره.
  6. المجتمع له أجل أو موت (الحياة الاجتماعية) أي موت الوجه الأممي للأفراد في المجتمعات.
  7. المجتمع له استدعاء جماعي حتى تعود العلاقات الظالمة إلى الحق، وقد عبر عنه بيوم الغُبن.
  8. كل مجتمع له سجل أعمال خاص به.

يشرح سيد محمد باقر صدر عناصر المجتمع استنادًا إلى آية الخلافة:

  1. الإنسان
  2. الطبيعة
  3. الرابطة أو الخلافة

يعدد سيد محمد باقر صدر خمس خصائص للنظام الاجتماعي القيمي، ثم يقول إن الإسلام نظام اجتماعي كامل. ويذكر خصائص النظام الاجتماعي القيمي في مقالة مدرسة الإسلامية وفلسفتنا:

1 – يقدم تفسيرًا صحيحًا وواقعيًا للحياة والوجود البشري ليُعرض الطريق الصحيح للمعرفة.

2 – النظام الاجتماعي منسجم ومتوافق مع الغرائز والعواطف البشرية.

3 – النظام الاجتماعي يسعى إلى تغيير نظرة الإنسان لا تغيير طبيعته.

4 – النظام الاجتماعي صالح ويستحق الاهتمام بالمعايير الأخلاقية والروحية التي تشكل أحد أركانه الأساسية.

5 – يقيم علاقة متناغمة ومتوازنة بين الدوافع الفطرية والقيم وبين المصالح الاجتماعية والعامة.

ثم يصرح سيد محمد باقر صدر بأن «الإسلام كنظام اجتماعي كامل يمتلك كل هذه الخصائص».[31]

نظرية الخلافة العامة الإنسانية

من وجهة نظر سيد محمد باقر صدر، السيادة قبل كل شيء «حق طبيعي» ناشئ عن المصلحة الفطرية للمالك تجاه المملوك، وهذا هو السيادة الحقيقية لله تعالى، والسيادة الإنسانية هي الحق الذي بموجبه يمكن للأفراد البشريين إدارة مصيرهم الجماعي، وهذا الحق أولًا ناشئ عن حق السيادة الإلهية التي أُسندت إلى الإنسان تحت عنوان الخلافة والاستئمام، وثانيًا هو حق اعتباري، نسبي ومحدود[32]. ثم في استكمال نقاشه حول السيادة الإنسانية يقول: السيادة الإنسانية على الأرض (مرحلة الوحدة الأولى) كانت على شكل خلافة الإنسان واستعمار الأرض.

في المرحلة الثانية تظهر سيادة الأنبياء (مرحلة التفرقة والاختلاف بين البشر)، حيث تتطابق خطا الخلافة الإنسانية والرقابة بسبب عصمة الأنبياء، وفي المرحلة التالية تظهر سيادة الأئمة الأطهار (ع)، وفي المرحلة الرابعة في عصر الغيبة تتحقق مجددًا «خلافة الإنسان» ويتولى الأفراد إدارة مصيرهم ومجتمعهم، ولكن لأن هناك بُعدًا دينيًا للسيادة، تبرز ضرورة الرقابة وشهادة «المراجع العامة» إلى جانب السيادة الإنسانية، وأخيرًا في المرحلة الخامسة تتحقق مجددًا سيادة الإمام المعصوم (ع) حيث يتحد خطا الخلافة والشهادة مرة أخرى.[33]

الخلافة العامة

يسمي سيد محمد باقر صدر هذه السيادة بولاية الله المعطاة للبشر على شكل جعل تكويني، وبشكل عام يرى أن الخلافة العامة الإنسانية لها وجهان:

أ. الوجه الإلهي وهو الخلافة (خلافة الإنسان) أو الاستئمام (الإمامة) وهو العرض أو الجعل التكويني والفطري.

ب. الوجه الإنساني وهو الاستئمان أو «الأمانة العامة» وهو قبول البشر الذي هو جوهري لهم. ثم في الخلاصة يقول.

فإن جعل وعرض الخلافة العامة على البشر له جانب تكويني لا اكتسابي أو تشريعي، وبما أن الإنسان بطبيعته يمتلك الأرضية والظروف اللازمة لتحقيق هذه السلطة، فقد تحمل مسؤوليتها تكوينياً وفطرياً بشكل طبيعي وذاتي. وعلى هذا الأساس، فإن الخلافة العامة للإنسان من البعد البشري هي «أمانة عامة»[34].

دراسة ثلاثة مصطلحات «استخلاف، استئمام، واستئمان» من وجهة نظر صدر

فسر استخلاف بمعنى التنصيب خلفاً، أو الدعوة إلى الخلافة، والتي تتضمن ثلاثة علاقات:

أ. علاقة الإنسان بالإنسان (ذاته).

ب. علاقة الإنسان بالآخرين (المجتمع).

ج. علاقة الإنسان بالطبيعة.

فإن الإنسان مسؤول وأمين تجاه كل هذه المواضيع الثلاثة: مصيره، والمجتمع، والطبيعة. ثم يصرح بأن أركان الاستخلاف تشمل: أولاً) الله (المستخلِف)؛ ثانياً) الإنسان (المستخلَف)؛ ثالثاً ورابعاً) المستخدم عليه [المجتمع والطبيعة وما تُقام عليه الخلافة]. وبعد ذكر هذه العناصر الأربعة للاستخلاف، يرى دور الإنسان في تعامله مع حياته دور الاستخلاف[35].

من وجهة نظر صدر، في نقاش الخلافة العامة للإنسان، فإن بناء الحياة الاجتماعية للبشر يتغير إذا أُزيل الركن الأول وهو (الله)[36]. أما بالنسبة لمصطلح استئمام، فهو يعني التمكين في الإمامة، أو تعيين إمام، ومن وجهة نظر صدر فإن الله قد كرّم الإنسان بمنصب الإمامة في الأرض، فاستئمام هو تعبير آخر عن استخلاف أو خلافة الإنسان. من البُعد السماوي ومن جهة الجاعل، الخلافة هي النيابة والتوكيل، ومن البُعد الأرضي ومن جهة الإنسان، الاستئمام هو الإمامة والقيادة، أي أن الإنسان هو نائب الله في الأرض وكذلك إمام وقائد وحاكم. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم الإمام له معنى تكويني لا تشريعي، أي أنه حالة تكوينية مبنية على طبيعة خلق الإنسان وخصائصه الفطرية مثل العقل والحرية، ولهذا له معنى عام وليس خاصاً.

أما استئمان فهو عرض الأمانة أو تسليم الأمانة وتعيين الأمين. فالأمانة هي قبول تكويني، وهي في الواقع سنة إلهية متحققة، هذه الأمانة التي قبلها الإنسان وتحملها، وعندما عُرضت عليه وفقاً للآية 72 من سورة الأحزاب… نشأ القبول التكويني، وفي الحقيقة هو معنى السنة التاريخية المتحققة[37].

ثم يستنتج أن استخلاف الإنسان وإمامته في الأرض أمانة، وعلاقة الإنسان بالمجتمع هي علاقة الأمين بالموكّل إليه؛ وهي في الواقع ذات الأمانة التي رفضها السماء والجبال والأرض.

نظرية الخلافة العامة

من وجهة نظر صدر، «الاستخلاف على الله، والاستئمان على الإنسان، فالخلافة والإمامة من جهة الله تُعرض، ولكن قبولها من الإنسان يتحقق في قالب الأمانة»[38].

ومن وجهة نظر صدر، الجعل والعرض هما سنة اجتماعية-سياسية أو تاريخية، وليسا تشريعاً أو قانوناً[39].

ثم يطرح السيد محمد باقر صدر سؤالاً حول ما إذا كانت الخلافة العامة لشخص آدم (عليه السلام) أم لنوع الإنسان؟ ويجيب بأن احتجاج الملائكة مع الله يدل على أنها ليست خاصة بآدم (عليه السلام)، فالملائكة اعترضوا على موضوع مستمر ودائم، موضوع يتحول إلى سنة في تاريخ العالم، وكذلك في موضوع الاستخلاف يستنتج أنه أمر عام وشامل (وجنس الإنسان ككل هو في الواقع تكويني لكمال الإنسان من جانب الله)، ويستند في ذلك إلى استنتاج من آيات 62 من سورة النمل، و69 من سورة الأعراف، و165 من سورة الأنعام.

أسس ومبادئ نظرية الخلافة العامة للإنسان

يؤسس السيد محمد باقر صدر نظريته على الفطرة البشرية، والعقل والحكمة، والحرية والاختيار، والإرادة والعزم، والاعتقاد بالوحدانية، والشورى والمشورة[40].

وفي الختام، في استنتاج عام من نظرية خلافة الإنسان، يذكر ما يلي:

أ. التشبه بالله والهدف غير المحدود[41]

ب. مسيرة تطور الإنسان حتى بلوغه إلى الله أي (الفكرة المطلقة)[42]

ج. إقامة المجتمع السياسي، والدولة، وتشكيل الحكم[43]

د. حرية الإنسان وعدم السعي للهيمنة[44]

هـ. العمومية والشمولية، أي أنها لا تخص فرداً أو طبقة معينة[45]

و. المساواة والعدل في الخلافة، أي أن الناس أصحاب حق وحاملون لهذه الأمانة، وجميعهم متساوون أمام القانون[46]

ز. في البعد السياسي للخلافة تنشأ ثلاثة جوانب:

أولاً. الولاية – القيادة في المجتمع.

ثانياً. الأمانة وتحقيق المسؤولية.

ثالثاً. الرقابة، والشهادة، والمشاركة في المجتمع[47]، وكلها تنبع من عقل الإنسان وحريته.

نتيجة النقاش

في نقاش الأنطولوجيا، كان الشهيد صدر يبحث عن تقديم الظواهر الطبيعية في ضوء علاقتها وربطها بالإنسان والله. في هذا المنظور، ليس الله فقط خالق العالم والقوانين والسنن الحاكمة على الوجود، بل هو الأهم مدبر الوجود أيضاً، ومن هذا المنطلق يتابع التعرف على الخالق وصفاته، وفهم مكانة الإنسان في الوجود وأهداف الخلق بشكل أعمق. وفي نقاش الإنسان، يولي اهتماماً كبيراً للتفاعل بين حب الذات وذاتية الإنسان، والبعد الروحي للإنسان، ويعتقد أن الطريق والسرّ الصالح والخطأ في المجتمع والسياسة كلاهما من صنع الإنسان، ويعتبر دور الفكر والإرادة حاسماً في الحياة السياسية للبشر. وفي نقاش المعرفة، يسعى صدر من خلال إعادة بناء المنطق الصدرائي وتغيير مجال بنيوية المعرفة والإدراكات إلى إحداث تنوع في الفلسفة السياسية الإسلامية التي كانت تقتصر على نقاشات الأنطولوجيا. وفي صياغة السنن التاريخية، مع تعداد السنن الشرطية والقطعية وغير القطعية، يرى أن النوع الثالث هو محل اهتمام القرآن، ويُظهر دور الإنسان في بناء حركة التاريخ. وأخيراً، في نظرية الخلافة العامة، يعتبر الإنسان ممثلاً لله على الأرض بخصائص خاصة.

 

[1] الإمام الخميني، صحيفة النور، ج14، ص177.

[2] سيد كاظم حسيني حائري، حياة وأفكار الشهيد صدر، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1375، ص56.

[3] محمد حسين جمشيدي، الفكر السياسي للشهيد رابع، طهران: مكتب الدراسات السياسية والدولية، 1377، ص 43.

[4] محمد باقر صدر، فلسفتنا، قم، المجمع العلمي للشهيد صدر، 1408هـ، ص 28.

[5] المرجع نفسه، ص29.

[6] محمد باقر صدر، رسالتنا، طهران: نشر توحيد، 1407هـ، صص71-73.

[7] المرجع نفسه، صص81-82.

[8] المرجع نفسه، ص18.

[9] المرجع نفسه، ص20.

[10] فلسفتنا، المرجع السابق، ص4.

[11] صدر، المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، ص138.

[12] صدر، اقتصادنا، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1399هـ.ق، ص337.

[13] المدرسة القرآنية، المرجع السابق، ص67.

[14] فلسفتنا، المرجع السابق، ص28.

[15] انظر المدرسة القرآنية، المرجع السابق، صص139-140.

[16] انظر رسالتنا، المرجع السابق، صص41-46.

[17] انظر صدر، إثبات الله بالمنهج العلمي والفلسفي، ترجمة عابدي، طهران: روزبه، 1362، صص64-66.

[18] صدر، نظرية المعرفة ورؤية العالم في فلسفتنا، ترجمة حسيني، طهران: بدر، 1362، ص24.

[19] إثبات الله بالمنهج العلمي، المرجع السابق، ض20.

[20] صدر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، طهران: جهاد البناء، 1399هـ، صص10-13.

[21] صدر، تفسير موضوعي للسُنن التاريخية في القرآن، المرجع السابق، ص46.

[22] المرجع نفسه، ص131.

[23] المرجع نفسه، ص139.

[24] المرجع نفسه، ص141.

[25] المرجع نفسه، ص155.

[26] المرجع نفسه، ص159.

[27] المرجع نفسه، ص195.

[28] المرجع نفسه، ص172.

[29] فصلية قبسات، السنة 78 – 1377، العدد 10 و11، صص50-60.

[30] المدرسة القرآنية، المرجع السابق، صص141-142.

[31] فلسفتنا، المرجع السابق، ص11.

[32] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع السابق، صص50-53.

[33] محمد باقر صدر، الإسلام يقود الحياة، طهران: وزارة الإرشاد الإسلامي، د.ت.، ص170.

[34] المرجع نفسه، ص134.

[35] المدرسة القرآنية، المرجع السابق، ص129.

[36] المرجع نفسه، ص130.

[37] المرجع نفسه، ص133.

[38] المرجع نفسه، ص132.

[39] المرجع نفسه، ص135.

[40] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، المرجع السابق، ص54.

[41] المرجع نفسه، صص17-18.

[42] المدرسة القرآنية، ص179.

[43] تفسير موضوعي للقرآن، المرجع السابق، ص229.

[44] خلافة الإنسان، المرجع السابق، صص10-12.

[45] محمد باقر صدر، صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، طهران: جهاد النباء، 1399هـ.ق، ص15.

[46] محمد باقر صدر، لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران، طهران: جهاد النباء، 1399، ص14.

[47] خلافة الإنسان، المرجع السابق، صص9-10.