تقييم طرق الهروب من الربا في فكر الإمام الخميني والشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ارزیابی راه‌های گریز از ربا در نگاه امام خمینی و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمدرضا غفوريان

المقدمة

كل من له معرفة بسيطة بأقسام المعاملات الفقهية يدرك أهمية واتساع وتعقيد مسألة الربا. “الربا” موضوع يحظى بمكانة خاصة في البحوث الفقهية، لا سيما مع ظهور العلاقات الاقتصادية والمصرفية الحديثة المعقدة، وكذلك في الدراسات الاقتصادية، حيث يُعطى له اهتمام بالغ.

في هذا المقال، لا نسعى إلى استكشاف الجوانب المتعددة لظاهرة الربا أو إلى دراسة فقهية لموضوعه وخصائصه وعلاقاته وتبعاته… لأن موضوعًا بهذه الأهمية والاتساع يفوق قدرة هذه القلم ويحتاج إلى معرفة عميقة فقهية واقتصادية. ما يأتي في هذا المقال هو إعادة قراءة الطرق التي طرحها بعض الفقهاء للهرب من الربا في كتاباتهم.

لا ينبغي التقليل من تقييم صحة أو خطأ هذه الطرق؛ لأن طريقة المعالجة لهذه المسألة الفقهية، بخلاف الأهمية التي يحملها نتيجة البحث في هذا الفرع، تعكس أسلوبًا خاصًا ونظرة مميزة في الدراسات الفقهية.

هل يمكن أن نطمئن لقبول هذه الطرق الهاربة بالاستناد إلى حديث أو أكثر فقط، أم ينبغي من منظور آخر أن تُقاس هذه الأحاديث بمعايير كلامية أرقى وبمكانة الإمام المعصوم الاجتماعية وبالاستراتيجيات الاقتصادية للدين؟

كيف يفسر أن بعض الفقهاء، مثل الإمام الخميني، يرون في تقييم أحاديث هذا الباب أفقًا أوسع، بينما نجد آخرين يكتفون بفحص سند ودلالة الحديث ويضعون طريقًا أو طرقًا للهروب من الربا دون أن يروا معيارًا آخر في هذا الشأن؟ أي الأساليب هي المفضلة والصحيحة؟ وما هي المعايير التي يجب أن تُعتبر مهمة عند دراسة مثل هذه القضايا الاجتماعية؟

نرى أن البحث في الطرق المختلفة للهروب من الربا، بخلاف كونه مسألة فقهية نافعة بحد ذاته، مهم أيضًا من ناحية منهجية العمل الفقهي ودراسة أساليب الاجتهاد عند الفقهاء.

جانب آخر من أهمية هذه المسألة هو أنه في عصرنا، من جهة، تمتلك وجهات النظر والأنظمة الاقتصادية المعقدة والمتنوعة قدرة أكبر على إدارة المجتمعات الكبيرة والصغيرة في كل أنحاء العالم، ومن جهة أخرى، لا يحتاج الأمر إلى شرح مطول لأهمية قبول أو تجنب الربا في البنية الاقتصادية للمجتمع. وهكذا نرى أنه لتوجيه البنية التحتية الاقتصادية للمجتمع، يجب أن نوضح موقفنا من مسألة مهمة مثل الربا. الحقيقة هي أنه إذا قبلنا طرق الهروب من الربا، فإننا في الواقع نقر بوجود الربا كواقع قائم في البنية الاقتصادية للمجتمع، وهذا بحد ذاته يوجه مسار التخطيط الاقتصادي بشكل خاص. بالطبع، كل هذه الأقوال لا تعني بعد القبول أو الرفض لطرق الهروب من الربا، بل هي إظهار لأهمية هذه المسألة من منظور التخطيط الاقتصادي للمجتمع.

على أي حال، نقاش طرق الهروب من الربا له مقدمات لا بد من ذكرها بإيجاز لتوضيح الجوانب المختلفة لهذا النقاش.

النقطة الأولى هي أن تحريم الربا في الفقه الإسلامي واضح جدًا بحيث لا يحتاج إلى عرض مصادر وأدلة كثيرة. إلى حد أن بعض الفقهاء اعتبروه من ضروريات الدين.[۱] في الآيات والأحاديث، ذُكر الربا بلغات مختلفة وأحيانًا بشدة وغلظة كخطيئة عظيمة. هذه النقطة تستحق الدراسة والتأمل من جانبين؛ الأول، أنه لو لم يكن هناك هذا التأكيد الشديد والصرامة على الربا، ولو لم يكن الربح منه سهلاً وملحوظًا، لما نما التفكير في إيجاد طرق للهروب منه بهذا القدر. والثاني، هل يمكن التوفيق بين هذا الإصرار ووصم هذا العمل بالقبح وبين طرق الهروب المقترحة؟ وإلى أي مدى أخذ تحريم هذا العمل بعين الاعتبار عند البحث عن طرق للهروب منه؟

النقطة الثانية والمهمة جدًا هي وجوب فهم المعنى الصحيح للربا وأنواعه جيدًا، وتحليل المصطلحات المستخدمة في هذا المجال في الأحاديث وأقوال الفقهاء. الربا في المعاملات الذي يسميه الفقهاء ربى المعاوضة يختلف كثيرًا عن ربا القرض أو ربا السلف. يجب أن نعرف أي نوع من الربا تعود إليه كل طريقة من طرق الهروب، لكي لا نخطئ في تقييمها ودراستها.

النقطة الثالثة التي لها أهمية كبيرة أيضًا هي التعرف الدقيق والصحيح على الافتراضات المسبقة وأسلوب عمل الفقهاء الذين تحدثوا في هذا الباب. رغم أن محاولتنا هي متابعة هذه المسألة من خلال نظرتي فقيهين معاصرين بارزين، إلا أنه لا مفر من ذكر وجهة نظر أخرى عند الاقتضاء. التأمل الواعي في الافتراضات والذهنية التي يتبناها كل من هؤلاء المفكرين عند تناولهم هذه المسألة أمر في غاية الأهمية.

هل يجب على الفقيه عند دراسة هذه المسألة أن يأخذ بعين الاعتبار بعض المبادئ الكلامية أم لا؟ لا شك أنه يجب القول إن الفرق والتأثير بين هذين الرأيين لا ينبغي أبداً تجاهله؛ فهناك رأي يقول إنه في مثل هذه الحالات، حينما تكون الرواية أو الروايات متوفرة على شروط صحة السند والدلالة المقبولة، يجب أن يُفتى بها، وإذا وجدنا طرقاً للتهرب في هذه الروايات، نقبلها دون تردد آخر. ورأي آخر يرى أنه حتى لو قُبلت صحة السند ودلالة هذه الفئة من الروايات، فلا بد من موازنتها بمبادئ أخرى. هل أسلوب حياة الإمام المعصوم في المجتمع يتناسب مع تطبيق طرق التهرب من الربا أم لا؟ وإذا لم يكن هذا الأمر متوافقاً مع المكانة الاجتماعية للإمام(ع)، فلا نُفتي بهذه الروايات؛ هذا فرق مهم يوجد بين هذين الرأيين، وإذا سار المرء على هذا النهج، سيكون لدينا أسلوبان فقهيان منفصلان. على أي حال، فإن الانتباه إلى هذه النقاط والبحث في جذور الافتراضات المسبقة للرؤى المختلفة أمر مهم جداً ويفتح الطريق.

نظرة عامة إلى موضوع النقاش

الآن بعد توضيح هذه النقاط، ننتقل إلى سؤال عام حول موضوع النقاش. هل يمكن حقاً قبول طرق التهرب من الربا واعتبارها متوافقة مع المبادئ العامة الأخرى التي لدينا في الكلام وأصول الفقه؟ مصدر هذا السؤال هو أنه من جهة، حرمة الربا، كما سبق، واضحة وثقيلة جداً. درهم واحد منه أشد قبحاً من بعض المفاسد الأخلاقية الجسيمة، إلى درجة أنه يُعد حرباً علنية مع الله العظيم.

ومن جهة أخرى، الأحكام الشرعية لها مقاييس ومصالح ومفاسد حقيقية وصادقة. وهكذا، فإن الربا كظاهرة اقتصادية في العلاقات بين الناس، له قبحه وفساده الذي يجعله مكروهاً ومحرمًا إلى هذا الحد. الآن، يجب أن نرى هل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية، سواء كانت جيدة أو سيئة، قبيحة أو جميلة، مفيدة أو ضارة، هل تفقد فجأة كل مصالحها ومفاسدها بسبب تغييرات طفيفة وطرق تهرب، ولا تعود تحمل الحكم السابق؟ هل يمكن أن نقول نفس الشيء عن الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الإيجابية؟ هل نحرّم البيع ببعض التغييرات الطفيفة ونجعل الغش حلالاً؟ إذا كانت هذه الظواهر لها واقع اجتماعي واقتصادي ولها نتائج خاصة بها وبناءً عليه حُرمت أو أُحلّت، فكيف يمكن بسهولة قبول أن كل ذلك القبح والضرر يُمحى فجأة ويصبح من الحرام إلى الحلال؟ بالطبع، نقول هذا الكلام الآن بعيداً عن الروايات الموجودة. هل يمكن أن نُظهر مثالاً مقبولاً آخر في المسائل الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو ما شابهها يمكن فيه تبديل الأحكام بهذه السهولة؟ هل طرق التهرب من الغيبة والافتراء والكذب وما شابهها مقبولة بهذه السهولة؟ أم أن الربا أخف في حرمة من ذلك؟ الحقيقة هي أن طرق التهرب ما لم تؤدِ إلى تغيير جذري في ظاهرة ما في نطاق الحياة الاجتماعية، لا يمكن بسهولة أن تلغي معيار قبح أو حسن الظاهرة وتغير حكمها. البيع بيع والربا ربا، مع نتائجهما ووظائفهما الخاصة.

نعم، هذا الكلام مقبول في العبادات وما يتعلق بها؛ لأن كل بداية ونهاية الأعمال التعبدية تأتي بطريقة تأسيسية من قبل الشرع، وأي تغيير في أصغر أجزائها وشروطها يكون من عند الشارع. مصالح ومفاسد هذا القسم لا تُقاس بسهولة بالمعايير المتاحة.

في كتابات الإمام الخميني، رضوان الله تعالى عليه، نجد نقاطاً معبرة في هذين القسمين. فهو يكتب عن الربا وطرق التهرب منه ما يلي:

«إن الربا مع هذه التشديدات والاستنكارات التي وردت فيه في القرآن الكريم والسنة من طريق الفريقين، مما قل نحوها في سائر المعاصي، ومع ما فيه من المفاسد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما تعرض لها علماء الاقتصاد، كيف يمكن تحليله بالحيل الشرعية، كما وردت بها الأخبار الكثيرة الصحيحة وأفتى بها الفقهاء إلا من شذ منهم.

وهذه عويصة بل عقدة في قلوب كثير من المتفكرين وإشكال من غير منتحلي الإسلام على هذا الحكم، ولا بد من حلها. والتشبث له بالتعبد في مثل هذه المسألة التي أدركت العقول مفاسد تجويزها ومصالح منعها بعيد عن الصواب».[۲]

بالنظر إلى التشديدات والإنكارات التي توجد في القرآن الكريم والروايات من فرق الشيعة والسنة حول الربا، والتي لا يمكن إيجاد مثلها في كثير من الذنوب، وبالنظر إلى الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السيئة لهذه الظاهرة التي تحدث عنها علماء الاقتصاد، كيف يمكن اعتبارها حلالاً بطرق التهرب الشرعية، رغم وجود العديد من الروايات الموثوقة حول هذه الطرق، والتي أفتى بها الفقهاء إلا قلة منهم؟

هذه المسألة نفسها أصبحت مشكلة بل عقدة في قلوب كثير من المفكرين وأدت إلى انتقادات غير المسلمين لهذا الحكم، ويجب فك هذا العقدة. لحل هذه المشكلة، في مثل هذه المسألة التي تدرك العقول ضرر تجويزها ومصلحة منعه، لا ينبغي الحديث عن التعبد، وهو بعيد جداً عن الطريق الصحيح.

وفيما يخص العبادات وما يتعلق بها، وبعبارة واحدة، ما أُسس من قبل الشرع وهو تعبدي، يكتب:

«…أضعف من الجميع استبعاد العفو عن الدم القليل من غير المأكول مع كونه نجساً وعدم العفو عن سائر أجزائه مع طهارتها، ضرورة عدم طريق للعقول إلى فهم مناطات الأحكام التعبدية، وإلا فما الفرق عند العقول بين الدم وغيره، وبين مقدار الدرهم وأقل منه، وبين دم القروح والجروح وغيره إلى غير ذلك من التعبديات. فالفقيه كل الفقيه من يقف علي التعبديات ولايستبعد شيئا منها بعد ما راي روايه ابان في الديه»[۳]

…الأضعف من كل شيء، هو استبعاد هذا الأمر بأن يكون الدم الأقل [من درهم] من الحيوان الحرام في الصلاة بلا عيب، مع أن الدم نجس، ولكن بقية أجزاء وأعضاء هذه الحيوانات، مع أنها طاهرة، لم يُسمح بها في الصلاة. [ضعف هذه الأقوال يعود إلى] أن العقل لا سبيل له في إدراك معايير الأحكام التعبدية، وإلا فما الفرق عند العقل بين الدم وغيره من الأشياء، أو بين مقدار درهم وأقل منه، أو دم الجروح والإصابات وغيرها، ومثل هذه الأمثلة من الأحكام التعبدية. وهكذا، الفقيه الحقيقي هو الذي يقف أمام الأحكام التعبدية، وبالنظر والتأمل في رواية أبان في باب الدية، لا يستبعد أيًا من هذه الأحكام.

بالتأمل المناسب في هذه الأقوال ندرك أنه في نظر وأسلوب الفقه عند الإمام الخميني، يمكن إيجاد معيارين أساسيين في دراسة مثل هذه المسائل. إذا كان الموضوع قيد الدراسة يقع ضمن قسم التعبديات الفقهية، فيجب قبول أي قيد أو شرط وأي تغيير في الحكم، متى ما ورد من المصادر والمراجع المقبولة، ولا ينبغي أن نُحبذ ذلك حتمًا بالعقل. أما إذا تناولنا مسألة يكون للعقل فيها سبيل لإدراك المعايير والنتائج، فيجب البحث في الروايات والمصادر مع تقييم هذه المعايير ومراعاة التوافق بينها، واختيار نتيجة متناسقة وعقلانية. ومن الممكن أن يكون للشرع حكم خاص تجاه بعض الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تبدو عقلانية ظاهريًا، ويعتبرها صريحة خاطئة. هذه الحالات، وإن كانت قليلة، يجب الالتزام بها وقبولها. كمثال يمكن ذكر البيع والشراء والاستفادة من أجزاء الميتة، حتى في الأشياء التي لا يشترط فيها الطهارة. الإمام الخميني نفسه من الفقهاء الذين يرون أن بيع وشراء أجزاء الميتة، حتى للاستفادة في أشياء لا يشترط فيها الطهارة، فيه إشكال، ويعتبر الاحتياط في ترك هذا العمل ضروريًا.[۴] ولكن لا ينبغي الخوف من ذلك. رغم أن الاستفادة من الميتة وبيعها للأشياء التي لا يشترط فيها الطهارة لا ينبغي أن تكون مشكلة، إلا أنه إذا ورد هذا العنوان في كلام الشارع ونُهي عن هذا العمل، فيجب قبوله؛ لأن أيًا من المبادئ العامة والأكثر أساسية لا يتأثر ولا يحدث تعارض ظاهر.

لذا، يتضح أن تحريم الربا إلى الدرجة التي وردت في الآيات والروايات، لا يتوافق مع مثل هذه المراوغات البسيطة. وهكذا، في إجابة عامة على السؤال المبدئي يمكن القول: بغض النظر عن الروايات الواردة في هذا الشأن والتي يجب دراستها جميعًا، فإن الهروب من الربا غير مقبول. وفي دراسة الروايات يجب النظر فيما إذا كانت تتعارض مع مبادئ أساسية مهمة أم لا؟ قد يُعتبر بعض هذه المبادئ مقيدًا أو مخصصًا لهذه الروايات ويُستخلص منها معنى آخر. وكل هذا بعيد عن الأقوال التي يمكن الانتباه إليها في التقييم الفني لطرق المراوغة، لأن بعض الطرق المقترحة تعاني من نقائص من وجهة نظر قواعد الفقه في البيع والاقتراض. هذه النقاط وردت بوضوح في كتابات الشهيد الصدر التي سنتحدث عنها.

على أي حال، بما أن الدراسة المناسبة لطرق المراوغة من الربا تعتمد على الفهم الصحيح للربا وأنواعه، نتابع الكلام ببيان بعض الأمور في هذا المجال ومصطلحاته، ليتضح أي من الطرق المقترحة تعود إلى أي نوع من الربا وإلى أي مدى هي مقبولة.

أنواع الربا

الربا في الفقه، أحيانًا يكون في البيع والشراء وأحيانًا في القرض، والمعنى اللغوي للربا، وهو الزيادة، موجود في كلا النوعين.

١. الربا في البيع والشراء: الربا في البيع هو أن يتم تبادل شيئين متماثلين في الصفات دون أن يكون مقدارهما متساويًا.

الإمام الخميني قدّم تعريفًا جامعًا لهذا النوع من الربا في عبارته:

«هو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية، كبيع من الحنطة بمن أو بمن منها ودرهم، أو حكمية، كمن منها نقدًا بمن منها نسيئة. والأقوى عدم اختصاصه بالبيع، بل يجري في سائر المعاملات كالصلح ونحوه، وشرطه أمران.

الأول: اتحاد الجنس عرفًا… الثاني: كون العوضين من المكيل أو الموزون، فلا ربا فيما يُباع بالعدد والمشاهدة»[۵]

الربا المعاملي [البيعي] هو بيع شيء مقابل شيء آخر مثله، مع زيادة في أحدهما. وهذه الزيادة قد تكون عينية وظاهرة، مثل بيع من من القمح مقابل منين منه، أو من من القمح ودرهم، أو زيادة حكمية، مثل من من القمح نقدًا مقابل من من القمح نسيئة. والرأي الأقوى هو أن هذا النوع من الربا لا يختص بالبيع فقط، بل يشمل المعاملات الأخرى أيضًا، مثل الصلح… شرط هذا الربا أمران.

الأول: التماثل في الجنس عند العرف… الثاني: أن يكون العوضان من المكيل أو الموزون، فلا ربا فيما يُباع بالعد أو المشاهدة.

أهمية الدقة في هذا النوع من الربا تعود إلى أن بعض الروايات المتعلقة بالمراوغة تتناول هذا النوع بالذات، ولا تتحدث عن ربا القرض. ومع ذلك، فإن تذكير الجوانب المختلفة للنقاشات التي وردت في كتبنا الفقهية حول ربا المعاملات يضيء طريقنا في البحث. النقطة المهمة في هذا المجال هي تفسير التماثل في الجنس، الذي أحيانًا يثير خلافات بين الفقهاء. ولكن من المسلم به أن جميع أنواع الجنس الواحد، مثل القمح، تُعتبر متماثلة؛ فلو تبادلنا كيلوغرامًا من القمح الجيد بقمح أدنى جودة، يجب أن يكون الوزن متساويًا وإلا يكون ربا، حتى لو كان السعر متساويًا.

لا ينتهي الكلام هنا، فبعض الحبوب تُعتبر متساوية في هذه المسألة، ولكن لا يمكن إيجاد هذا التساوي لا في النظرة العرفية ولا في باب الزكاة أو غيره من أبواب الفقه. على سبيل المثال، القمح والشعير يُعدان من جنس واحد، بينما في الزكاة ليس الأمر كذلك؛ فلا يُكمل نصاب القمح الناقص بالشعير الكامل. ومع ذلك، في باب الربا لا يمكن مبادلة القمح والشعير مع اختلاف في الوزن. وهذا في حين أن هذين يُعتبران في النظرة العرفية جنسَين مختلفين.

بعيدًا عن ذلك، فإن منتجات بعض الأشياء تخضع لنفس الحكم؛ فالجبن، وهو منتج من الحليب، يُعتبر من نفس جنس الحليب. وكذلك حال منتجان من نفس الأصل؛ مثل الجبن والزبدة اللذين يُستخلصان من الحليب، والخل والعسل المستخلصان من التمر. كل هذه الأشياء تُعد من نفس جنس الأصل، وكذلك فرعان من أصل واحد. لذلك، لا يمكن مبادلة الزبدة والجبن مع اختلاف في الوزن.

في كتب الفقه، توجد أقوال كثيرة في هذه الحالات الجزئية وتحديد المصاديق الدقيقة والكبيرة في السلع ومنتجاتها، ويمكن العثور على آراء متعددة في هذا المجال، خاصة في «جواهر» الذي تناول نقاشات واسعة حول هذا الموضوع. ومن الجدير بالذكر ألا يُظن أن كل هذه المسائل تخص فقط المعاملات بالمقايضة التي انتهى زمنها ولا موضوع لها اليوم؛ لأن دراسة هذه الحالات وأحكامها ضرورية للوصول إلى تحليل شامل ودقيق من وجهة نظر الشرع حول الربا وطرق تجنبه. علاوة على ذلك، لا تزال المعاملات بالسلع مقابل السلع مهمة جدًا في عصرنا، خصوصًا في العلاقات التجارية بين الدول. لا يزال النفط ومنتجاته التي تُشترى وتُباع بالكيل والقياس تُتبادل بالمقايضة في العديد من البلدان وفي ظروف اقتصادية مختلفة. كما أن العديد من المنتجات الصناعية والزراعية تُتداول بنفس الطريقة. فهل لا يمكن اليوم التساؤل: ما حكم مبادلة النفط الخام بمنتجاته التي تصل قيمتها إلى عدة أضعاف سعر الخام؟ ولو افترضنا أنه في العلاقات التجارية مع الكفار يُقال إنه إذا كان ذلك لمصلحة المسلمين فلا ربا محرمة فيه، فكيف تكون معاملات الدول الإسلامية؟ لذلك، فإن البحث الدقيق والشامل في هذه المسألة في عصرنا له تطبيق واسع.

٢. الربا في القرض: في لغة الفقه، يُطلق على هذا الربا اسم ربى القرض. إذا استدان شخص مالًا، سواء كان نقودًا أو شيئًا آخر، من شخص آخر، فإن واجبه هو رد نفس الشيء الذي استدانه فقط. لذلك، إذا اشترط المقرض والمستدين من البداية أن يُرد إلى جانب المال المستدان شيء آخر، فإن هذه الزيادة ربا ومحرم. وهذا في حالة وجود شرط، أما إذا لم يكن هناك شرط، وأعطى المستدين شيئًا زائدًا عن أصل المال عند السداد، فذلك عمل حسن ومستحب وله أجر معنوي. الشرط الذي يسبب الربا في القرض ليس فقط المال الزائد، بل إذا اشترطوا عملاً معينًا أيضًا يكون ربا؛ مثل أن يشترط مقابل قرض ألف تومان أن يُدفع ألف تومان بالإضافة إلى عمل مثل خياطة الملابس أو حمل الأثقال أو ما شابه ذلك. أو أن يشترط مقابل مبلغ معين أن يُسمح له باستخدام منزل أو سيارة المستدين. أو أن يشترط صفة معينة في السداد؛ مثل أن يُعطى دراهم مكسورة في القرض ويشترط أن تُرد دراهم سليمة. يكتب الإمام في تحريرالوسيلة:

«المال الذي يُقرض، سواء كان وزنيًا أو مقاييسيًا أو عدديًا، لا يجوز في السداد أن يُؤخذ أكثر من أصله».[۶]

هذه النقطة تمثل فرقًا بين ربا المعاملات وربا القرض؛ ففي الأولى، الزيادة أو النقصان في المالين المتبادلين محرمة فقط إذا كانا وزنيين أو مقاييس، أما في القرض فلا يُقبل أي اختلاف.

ومن الضروري أن نذكر أنه مع ظهور النقود الائتمانية التي لا تُصنع من المعادن الثمينة كالذهب والفضة، والتي تكتسب قيمتها فقط من اعتبار دعمها، تظهر مسائل كثيرة في الفقه يجب الإجابة عنها. نعلم أن مصادر فقهنا الأساسية صدرت في زمن كان فيه النقود من الذهب والفضة متداولة، وأن حركة الاقتصاد والتجارة في عصرنا مختلفة. النقود الائتمانية والأوراق المالية هي أساس المعاملات والأعمال الاقتصادية. كما أن التضخم بالشكل المعقد الحالي لم يكن موجودًا في الماضي. كل هذا يثير تساؤلات لا ينبغي تجاهلها عند الحديث عن الربا.

السؤال المهم هنا، والذي تناولَه بعض الفقهاء بدرجات متفاوتة، هو تقلب المال عبر الزمن والأحداث المختلفة في المجتمع، مما يؤدي إلى انخفاض أو ارتفاع قيمته. هل يجب تجاهل هذا الانخفاض والارتفاع في المسائل الفقهية أم لا؟ هل المساواة بين القرض المأخوذ وما يُردّ تُعتبر مساواة اسمية فقط؛ أي يجب رد ألف تومان من المال المتداول في إيران بنفس القيمة الاسمية ألف تومان، أم يجب أيضًا مراعاة القدرة الشرائية للمال عند أخذ القرض؟ يجب دراسة هذه المسألة المهمة في موضعها الخاص وحلّ عقدتها، ولكن ما نسعى إليه في هذا المقال هو أن المساواة بين القرض وسداده، بأي معنى كان، سواء المساواة الاسمية أو المساواة في القدرة الشرائية، يجب أن تُؤخذ في الاعتبار في بحث الربا. نقاشنا هو هل يمكن، باللجوء إلى طرق التفاف، خلق هذه المساواة بشكل مصطنع أم لا؟ لذلك، فإن مبدأ المساواة بين القرض وسداده لتجنب الربا لا يزال صحيحًا وثابتًا. المساواة بين القرض وسداده وخلقها أو إفسادها تحتاج إلى شرح أوسع سيأتي في دراسة بعض طرق الالتفاف.

النظرة العرفية لأنواع الربا

مع توضيح أنواع الربا، ننتقل إلى بيان نقطة مهمة جدًا تلعب دورًا أساسيًا في دراسة طرق الالتفاف. يجب أن نرى كيف يرى العرف أنواع الربا. هل الظلم في الربا متساوٍ في جميع أنواعه، وهل ينظر العرف إليها جميعًا بعين واحدة؟

في هذا الصدد، لا شك أنه يجب القول: العرف يعتبر ربا القرض ظالمًا. أساس القرض هو أن يُردّ المال الأصلي نفسه لا أكثر منه. الظلم في ربا القرض، خاصة مع معدلات مرتفعة وغير معقولة، لا يحتاج إلى شرح كثير.

يمكن تقسيم ربا المبادلة إلى نوعين: أحيانًا يتم تبادل سلعة وزنها أو حجمها مع سلعة من نفس النوع، حتى في الجودة، مثل تبادل كيلوغرام واحد من أرز طارم مع أرز طارم مماثل. في مثل هذه المبادلة، الشرط هو المساواة في الوزن وإلا يكون ربا. العرف لا يرضى بعدم المساواة في هذا الشأن ويعتبره ظلمًا واضحًا. يمكن تبادل كيلوغرام واحد من قمح جيد مع نفس الكمية من القمح الجيد لا أكثر ولا أقل. لذلك، الربا في المبادلة بين سلعتين متشابهتين من حيث الخصائص، في نظر العرف، غير مقبول أيضًا.

أحيانًا قد يتم تبادل نوعين من السلع التي تُعتبر من جنس واحد في الشرع، مع اختلاف قيمتهما؛ مثل ثلاثة كيلوغرامات من قمح جيد مقابل أربعة كيلوغرامات من قمح أقل جودة، أو أوضح من ذلك، كيلوغرامان من القمح مقابل كيلوغرام واحد من الشعير، وهكذا. هذه المبادلات في الشرع ربا، لكن في نظر العرف ليست كذلك. هل يقبل العرف أن تُبادل منتجات شيء ما بوزن متساوٍ وإلا يكون ربا؟ الجبن، الزبدة، القشدة، اللبن الرائب واللبن كلها منتجات ألبان ويجب شراؤها وبيعها بوزن وحجم واحد! يجب تبادل كل كيلوغرام من القشدة مع كيلوغرام من اللبن الرائب، وإذا زدنا على وزن اللبن الرائب يكون ربا. هذا شيء لا يدركه العرف ويجب قبوله بالتعبد الشرعي فقط. إذا ثبت تحريم مثل هذه المبادلات في الفقه، فذلك يكون فقط عن طريق التعبد، وإلا فإن عدالة هذه المبادلات عرفيًا تتحقق باختلاف أوزان هذه السلع.

لدى الإمام الخميني تعبير بليغ حول نظرة العرف لأنواع الربا، وكلامنا في الحقيقة شرح لكلامه:

«ثم إن الأقسام التي ذكرناها منها ما لا يكون بحسب العرف وعند العقلاء من الربا… فإن قيمة من الأرز العنبر إذا ساوت منين من غيره، لا يعد مبادلة من منه بمنين ربا؛ إذ لا نفع ولا زيادة في ذلك إلا حجمًا، والزيادة الحجمية ليست ميزانًا للنفع والزيادة في التجارة.

… وأولى بذلك ما ألحق بالمثليات كالشنبر بالحنطة والفروع بالأصول؛ فإذا بادل من السمن بأمان من اللبن أو الجبن، لا يكون ذلك من الربا بحسب نظر العرف وبحسب الواقع، كما أن المبادلات بالفضل فيها لا فساد فيها ولا ظلم، ولا تجب انصراف الناس عن التجارات والزراعات وهو واضح:

… بل لعل سر تحريم الشارع المقدس المبادلة فيها إلا مثلًا بمثل خارج عن فهم العقلاء وإنما هو تعبد».[۷]

بعض الأنواع المذكورة لا تُعتبر ربا في نظر العرف والعقلاء… إذا كان ثمن ثلاثة كيلوغرامات من أرز العنبر يساوي ستة كيلوغرامات من أرز نوع آخر، فإن مبادلة ثلاثة كيلوغرامات بستة كيلوغرامات لا تُعد ربا؛ لأنه لا يوجد ربح زائد في هذه المبادلة، وإنما زيادة في الحجم فقط، وهذه ليست معيارًا للربح والزيادة في التجارة.

أوضح من ذلك، الأشياء التي تُعتبر من نفس الجنس؛ مثل مبادلة القمح بالشعير والمنتجات بأصلها. إذا تم تبادل ثلاثة كيلوغرامات من الزبدة مع عدة ثلاثة كيلوغرامات من الحليب أو الجبن، في نظر العرف والواقع الخارجي لا يحدث ربا، كما أن هذه المبادلات مع زيادة الوزن أو الحجم في طرف واحد لا تسبب فسادًا ولا ظلمًا ولا تؤدي إلى انصراف الناس عن التجارة والزراعة، كما هو واضح.

… بل ربما يكون سر تحريم المبادلة في هذه الأشياء، إلا في حالة المساواة، خارج فهم العقلاء وإنما هو تعبد…

الجمل الأخيرة في كلامه تشير إلى أن في الروايات جاء أن سبب تحريم الربا هو انصراف الناس عن التجارة والزراعة وفساد دوران الاقتصاد السليم، وهذه الفئة من المبادلات لا تحمل مثل هذه العواقب.

ملخص الكلام في هذا القسم هو أنه في نظر العرف والعقلاء، يُعتبر نوعان من الربا ظالمان، أحدهما هو تبادل السلع المتشابهة والمتساوية في الجودة مع اختلاف في الوزن أو المكيال، مثل كيلوغرام واحد من الأرز الجيد مقابل كيلوغرامين من نفس النوع، والنوع الآخر هو ربا القرض. وهناك نوع آخر من الربا في التجارة يُقبل تحريمه شرعًا بالتعبد، وهو تبادل سلعتين متشابهتين، مع اختلاف في الجودة، أو سلعتين يُعتبران متشابهتين في الفقه.

١. الأحاديث والفرار من الربا

الآن، مع مراعاة ما سبق، نبحث في أحاديث هذا الباب لنضع طرق الفرار من الربا تحت المجهر. وقبل كل شيء، يجب أن نذكر نقطة أساسية في تقييم هذه الطرق، وهي أن اقتراح طرق للفرار من الربا في النوع الذي لا يعتبره العرف والعقلاء ربا ولا ظلمًا وفسادًا، لا يواجه أي مشكلة. فأساس كون هذه المعاملات ربا قد قُبل بالتعبد الشرعي، وإذا ما بيّن الشرع نفسه طريقًا للخلاص من الربا، فلن يكون هناك تعارض مع نظر العرف. أما في النوعين الآخرين من الربا، فإن تحريمها بشدة مع اقتراح طرق للفرار منها بهذا السهولة يتعارضان مع بعضهما، وقد أشرنا إلى هذا في بداية هذا المقال.

١٫١٫١٫١٫ ١_١. الأحاديث وربا التجارة

على أي حال، معظم أحاديث هذا القسم تعود إلى النوع الذي لا يُعتبر ربا عند العرف، ولا مانع من اقتراح طرق للفرار منه. ورغم أن هذه الأحاديث قد نُوقشت في «كتاب البيع»، إلا أننا سنشير إليها هنا أيضًا. هذه الأحاديث، التي ليست قليلة ولها أسانيد موثوقة، وردت في «وسائل الشيعة». الحديث الأول، الذي له سند موثوق ودلالة واضحة على موضوعه، هو حديث عبد الرحمن بن حجاج الصحيح:

«سألته عن الصرف فقلت له: الرفقه ربما عجلت فخرجت فلم نقدر علي الدمشقيه والبصريه، وانما يجوز نيسابور الدمشقيه والبصريه. فقال: وما الرفقه؟ فقلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج، فاذا عجلوا فربما لم يقدروا علي الدمشقيه والبصريه، فبعثنا بالغله فصرفوا الفا وخمسين منها بالف من الدمشقيه والبصريه. فقال: لاخير في هذا، افلا يجعلون فيها ذهبا لمكان زيادتها. فقلت له: اشتري الف درهم ودينارا بالفي درهم. فقال: لاباس بذلك؛ ان ابي كان اجرا علي اهل المدينه مني، فكان يقول هذا فيقولون: انما هذا الفرار، لوجاء رجل بدينار لم يعط الف درهم ولو جاء بالف درهم لم يعط الف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشي ء الفرار من الحرام الي الحلال».[۸]

سألت الإمام(ع) عن الصرافة وقلت له: أحيانًا تسرع القوافل في الخروج من المدينة، فلا نتمكن من الحصول على دراهم دمشق أو البصرة، مع أن في نيسابور لا يدور إلا دراهم دمشق والبصرة. فقال: ما القافلة؟ قلت: هم جماعة يترافقون للخروج، وإذا استعجلوا قد لا يستطيعون الحصول على دراهم دمشق والبصرة. فأرسلنا دراهم غير نقية فصرفوا ألف وخمسين منها بألف درهم من دراهم دمشق والبصرة.

فقال: لا خير في هذا، ألا يضعون فيها ذهبًا لتعويض الزيادة؟

فقلت له: أشتري ألف درهم ودينارًا مقابل ألفي درهم.

فقال: لا بأس بذلك؛ كان أبي أكثر جرأة على أهل المدينة مني، وكان يقول هذا، وكان أهل المدينة يقولون: هذا مجرد فرار، فإذا جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، وإذا جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشيء هو الفرار من الحرام إلى الحلال.

في حديث آخر، ورد اعتراض من بعض الناس على الإمام باقر(ع). كما قرأنا في الحديث الصحيح السابق، كان أهل المدينة يعيبون على الإمام باقر(ع) ويعتبرون كلامه مجرد طريق للفرار. وهذا الحديث أيضًا صحيح:

«عبدالرحمان بن الحجاج عن أبي عبدالله(ع) قال: كان محمد بن المنكدر يقول لأبي(ع): يا أبا جعفر رحمك الله، والله إنا لنعلم أنك لو أخذت دينارًا والصرف بثمانية عشر، فدرت المدينة على أن تجد من يعطيك عشرين، ما وجدته، وما هذا إلا فرار. فكان أبي يقول: صدقت والله، ولكنه فرار من باطل إلى حق».[۹]

نقل عبد الرحمن بن حجاج عن الإمام الصادق(ع) أن محمد بن المنكدر كان يقول لأبيه: يا أبا جعفر، رحمك الله، والله إننا نعلم أنه لو كان لديك دينار وسعر صرفه ثمانية عشر، ولفت المدينة كلها لتجد من يعطيك عشرين، لما وجدته، وهذا ليس إلا فرارًا. وكان أبي يقول لهم: صدقت والله، لكنه فرار من الباطل إلى الحق.

الاهتمام بهذا الحديث مهم لأنه يبيّن أن اقتراح طرق الفرار، حتى من قبل الأئمة(ع)، لم يكن مقبولًا في الأذهان، وكانوا يُعاتبون عليه. ولم يكن هذا العتاب من أعداء الأئمة فقط؛ فمثلاً، محمد بن المنكدر نفسه، رغم كونه من أهل السنة، كان له محبة وولاء شديدان للأئمة.[۱۰]

حديث آخر واضح في هذا الباب هو حديث حلبي الصحيح، الذي «النص» و«المفهوم» فيهما واضحان جدًا ويفتحان الطريق.

«عن أبي عبد الله(ع) قال: لا بأس بالف درهم و درهم بالف درهم و دينارين اذا دخل فيها ديناران او اقل او اكثر فلاباس به».[۱۱]

نقل شده عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: لا بأس أن يكون ألف وواحد درهم مقابل ألف درهم ودرعان. إذا وضعوا درعان أو أقل أو أكثر فيها، فلا بأس بذلك.

وقد قال الإمام الخميني في هذا الحديث إن ما نستفيده منه هو التعامل النقدي، وهذا الزيادة أيضًا بسبب اختلاف أسعار الدراهم والدنانير، فلا علاقة له بباب الربا والفرار منه.[۱۲] ربما قصد من قوله التعامل النقدي هو تبادل نوعين من الدراهم مع اختلاف السعر، وليس شراؤها أو بيعها مع مراعاة الوزن. مثل هذا التبادل في بعض صوره قد لا يكون له علاقة بالربا؛ كما لو تبادلوا ألف درهم بألف وخمسين درهم، وهما متساويان في الوزن. هذا النوع من التعامل، رغم خلوه من الربا، قد تكون قيمة ذلك الألف درهم أكثر من ألف وخمسين درهم. في مثل هذه الحالة يمكن إضافة بعض الدنانير لجعل السعر متساويًا. فإذا كان الحديث يشير إلى مثل هذه المعاملات، فلا علاقة له بالربا والفرار منه.

ومع ذلك، يمكن القول إن الحديث لا يختص بهذا المثال فقط. يمكن إدراج جميع المعاملات بين الدراهم غير المتساوية في هذا الحديث واستخلاص قاعدة شاملة. على أي حال، مهما فسرنا هذا الحديث، فلا علاقة له بالقرض، وإذا كان له علاقة بالربا، فهو يشمل فقط ربا المعاملات.

هناك حديث آخر مثل صحيح حلبي ورد، وهو أوضح في شرحه، لكنه لا يتمتع بسند موثوق.

«محمد بن الحسن بسنده عن محمد بن الحسن الصفار عن السندي بن الربيع عن محمد بن سعيد المدائني عن الحسن بن صدقة عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: قلت له جعلت فداك، اني ادخل المعادن وابيع الجوهر بترابه بالدنانير والدراهم. قال لاباس به. قلت: وانا اصرف الدراهم بالدراهم و اصير الغله وضحا واصير الوضح غله. قال: اذا كان فيها ذهب فلاباس. قال: فحكيت ذلك لعماربن موسي الساباطي، فقال لي: كذا قال لي ابوه، ثم قال لي: الدنانير اين تكون؟ قلت: لا ادري. قال عمار: قال لي ابو عبدالله(ع): يكون مع الذي ينقص».[۱۳]

سأل الحسن بن صدقة الإمام الرضا(ع): فداك أبي، أزور المناجم وأبيع الجوهر مع ترابه بالدنانير والدراهم.

فأجابه الإمام: لا بأس بذلك.

قلت: وأنا أصرف الدراهم بالدراهم، وأبدل الرديء بالطيب، وأبدل الطيب بالرديء.

فقال: إذا كان فيها ذهب فلا بأس.

قال الحسن بن صدقة: أخبرتُ عمار بن موسى الساباطي بذلك، فقال لي: هكذا قال لي أبوه، ثم قال لي: أين تكون الدنانير؟ فقلت: لا أدري. فقال عمار: قال لي أبو عبد الله(ع): تكون مع الذي ينقص.

في سند هذا الحديث يوجد سندي بن ربيع الذي لم تثبت وثاقته، ومحمد بن سعيد المدائني أيضًا، ووفقًا لما أورد آية الله الخوئي في «معجم رجال الحديث» فهو خطأ من كُتّاب أو ناسخين؛ لأننا لا نجد شخصًا بهذا الاسم بين الرواة، وفي مثل هذه الأسانيد يكون عمرو بن سعيد المدائني هو الصحيح، وهو شخصية معروفة بين الرواة.[۱۴] بغض النظر عن السند، هذا الحديث واضح في السؤال عن تبادل الدراهم المختلفة والجواب الواضح.

حديث آخر في هذا الشأن:

«عن أبي عبد الله(ع) قال: سالته عن الدراهم بالدراهم و عن فضل مابينهما، فقال: اذا كان بينهما نحاس او ذهب فلا باس».[۱۵]

سألت الإمام الصادق(ع) عن تبادل الدراهم بالدراهم وعن الزيادة التي تكون بينهما، فقال: إذا كان بينهما نحاس أو ذهب فلا بأس.

سند هذا الحديث فيه نقاش لا يتسع له هذا المقال، لكن لا يمكن اعتباره موثوقًا بسهولة. القاعدة التي نستخلصها من نص الحديث هي أنه في تبادل الدراهم المختلفة، لكي نساوي أسعارها، يجب أن نضيف شيئًا من جنس آخر، وليس أن نساويها باختلاف الوزن.

حديث آخر واضح هو صحيح عبد الرحمن بن حجاج:

«قال سالته عن رجل ياتي بالدراهم الي الصيرفي فيقول له: آخذ منك المئه و عشرين او بمئه و خمسه حتي يراوضه علي الذي يريد، فاذا فرغ جعل مكان الدراهم الزياده دينارا او ذهبا، ثم قال له: قد زاددتك البيع وانما ابايعك علي هذا لان الاول لايصلح، او لم يقل ذلك وجعل ذهبا مكان الدراهم، فقال: اذا كان آخر البيع علي الحلال فلاباس بذلك. قلت: فان جعل مكان الذهب فلوسا؟ قال: ماادري ما الفلوس»[۱۶]

يقول عبد الرحمن بن حجاج: سألتُه عن رجل يأتي بالدراهم إلى الصراف فيقول له: آخذ منك مئة وعشرين أو مئة وخمسة حتى يرضيه على السعر الذي يريد. ثم بعد أن ينتهي، يضع بدل الدراهم الزائدة دينارًا أو ذهبًا، ثم يقول له: لقد زدتك في البيع، وأنا أبيعك على هذا لأن الأول غير صالح، أو لم يقل ذلك وجعل ذهبًا بدل الدراهم.

فقال الإمام: إذا كان آخر البيع على الحلال فلا بأس بذلك.

قلت: وإن جعل بدل الذهب فلوسًا؟ قال: لا أدري ما الفلوس.

قلت: إذا وضع بدل الذهب فلوس [أموال قليلة القيمة]، فما الحكم؟

فأجاب حضرته: ما أدري ما هي الفلوس.

هذا السؤال في الرواية واضح جداً، وبالنسبة للجمل الأخيرة يبدو أن المقصود من الإجابة هو أن تتم المعاملة على شيء حلال، بمعنى أن ما يُزاد على الدراهم يكون شيئاً حلالاً… وفي السؤال والجواب النهائي، بما أن الإمام (عليه السلام) في الرواية بيّن القاعدة الشاملة للمسألة، لم يرد على سؤاله الجزئي عن الفلوس، وإلا فالفلوس ليست شيئاً لا يعرفه الإمام (عليه السلام)، إذ إن الناس يتعاملون بها يومياً. الظاهر أن المقصود هو أن القاعدة العامة هي ما قيل، وهذه الأسئلة الجزئية غير مناسبة.

هذه الروايات القليلة كانت أهم الروايات، وأكثرها سنداً صحيحاً ودلالة واضحة، وهي مرجع لكثير من الفقهاء في بحث الربا وطرق التهرب منه. وبالطبع لدينا روايات أخرى تحدثت عن القرض، وسنبحثها جميعاً، لكن فيما يخص الروايات السابقة يجب التنبيه إلى هذه النقطة:

كل هذه الروايات تتعلق بنوع خاص من الربا في المعاملات، ولا نجد فيها كلاماً عن أنواع أخرى من ربا المعاملات أو ربا القرض. وقد سبق وذكرنا أن الربا يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: أولاً، ربا القرض؛ ثانياً، ربا في المعاملة بين سلعتين متشابهتين يتم تبادلهما بالوزن أو المكيال. والقسم الثاني من الربا ينقسم إلى نوعين؛ أحياناً يتم تبادل سلعتين متشابهتين في الجنس والقيمة والجودة، مع اختلاف في الوزن أو المكيال، مثل تبادل مئة كيلوغرام من الأرز الجيد بمئة وعشرين كيلوغراماً من نفس الأرز، سواء نقداً أو آجلاً؛ وأحياناً يتم تبادل سلع متشابهة في الجنس ولكن بأسعار مختلفة وجودة متفاوتة، مثل مئة كيلوغرام من القمح مقابل مئتي كيلوغرام من الشعير، أو مئة درهم جيد مقابل مئتي درهم غير نقي.

وقد قلنا أيضاً إن تحريم الربا في النوعين الأولين واضح جداً وعقلاني، والعرف يقبله، فالظلم وتراجع نمو الاقتصاد في هذين النوعين واضح جداً، أما في النوع الثالث فليس كذلك. ولذلك فإن تحريم الربا فيه يُقبل بالتعبد فقط، والعقل والعرف لا يعتبرانه ربا بمفردهما. كل هذه الأمور استخلصناها من كلام الإمام الخميني، رضوان الله تعالى عليه.

يجب القول إن كل هذه الروايات تتعلق بالنوع الثالث، ولا يمكن تجاوزها أو إيجاد مخرج للنوعين الأولين. كل الكلام يتعلق بالتعامل بين دراهم غير نقية أو ناقصة القيمة مقابل دراهم أفضل وأغلى. ومن الواضح أن البائع لا يرضى أبداً بمبادلة من هذا النوع فقط بناءً على مساواة الوزن أو المكيال، بل يريد زيادة في نصيبه. والطرق المتاحة في هذه الروايات هي في الواقع طرق لمعادلة سعر نصيب كل من المشتري والبائع. وهناك عبارة واضحة من الإمام في هذا الشأن في «كتاب البيع». ففي جزء من كلامه، أساساً، لا يقبل ربا هذه المعاملات، ويعتبر تبادل السلع المتشابهة مع زيادة أحدهما عنواناً منفصلاً وهو حرام، وكل هذه الروايات تظهر طرق التهرب من هذا العنوان وليس التهرب من الربا:

«وبالجملة، إن في الشرع الأقدس في المقام عنوانين محرّمين: أحدهما الربا في المثليات وغيرها، وثانيهما مبادلة المثليات مع الزيادة، كان فيها الربا أم لا. وتلك الأخبار على كثرتها وصحتها وردت في التخلص عن مبادلة المثليات التي لا يصدق عليها الربا، كمبادلة ألف درهم وضح بألفين غلة مما كان السعر السوقي كذلك. وتلك المبادلة غير صحيحة لا لأجل الربا، بل لأجل عنوان آخر، هو مبادلة المثل بالمثلين، فوردت الحيلة للتخلص عنه من غير ربط له بباب الربا، وإطلاق الربا على مثله لو كان فهو توسع ومجاز.»[۱۷]

خلاصة القول إن في الشرع المقدس عنوانين حرامين: أحدهما الربا في المثليات وغيرها [كالقرض]، والآخر مبادلة المثليات مع زيادة أحدهما، سواء كان فيها ربا أم لا. وهذه الروايات الكثيرة والسند الصحيح تتعلق بالتهرب من مبادلة المثليات التي لا ينطبق عليها الربا؛ مثل مبادلة ألف درهم جيد مع ألفي درهم غير نقي، وهو ما هو عليه سعر السوق. هذه المبادلة غير صحيحة، ليس بسبب الربا، بل بسبب عنوان آخر وهو مبادلة السلعة بمثليها. وهذه الطرق للتهرب هي للابتعاد عن هذا العنوان ولا علاقة لها بالربا، وإن سمّوها ربا فهو مجاز فقط.

عباراته في الصفحتين التاليتين بعد هذه الصفحة واضحة جداً وتستحق الوقوف عندها. وهكذا نرى أن الاستفادة من هذه الروايات لإيجاد طرق للتهرب من الربا غير صحيحة.

قد تسأل: هل لا يمكن استخلاص حكم عام من هذه الروايات وتعميمه على أنواع الربا الأخرى، والقول: إذا كانت الروايات المعتبرة تعتبر هذه الطرق صحيحة، فلماذا لا يمكن الاستفادة منها في جميع أنواع الربا؟

الجواب هو: النوع الثالث من الربا عند العرف والعقل لا يُعتبر ربا، وسبب أو حكمة تحريم الربا، التي أُشير إليها في الروايات والتي سنتحدث عنها، لا توجد في هذا النوع. لذلك، لا يمكن مساواة حكم هذا النوع مع النوعين الأولين، اللذين وُجدت فيهما تلك الشدة في التحريم. وبعد أن ثبت شرعًا تحريم الربا في القرض وتجارة السلع المتجانسة وزنًا وقياسًا، يجب أن يكون لدينا دليل واضح للخروج من هذا الحكم، سواء كان ذلك في خصوص هذه الأنواع أو بدليل عام وشامل يشملها جميعًا. الروايات السابقة لم تكن «عامة» بأي حال. في مثل هذه المواضع، لا يبقى سوى هذا السبيل: أن نستخلص من هذه الروايات «الخاصة» «المعيار» ونعممه على المواضع الأخرى. وهذا الأمر في قضيتنا مستحيل؛ لأن هذه الأنواع وتحريمها تحمل فروقًا جوهرية، ومن حيث الأصل يمكن قبول تحريم النوع الثالث بالتعبد. هكذا، يجب أن نرى هل وردت رواية خاصة في شأن الربا في القرض أو تجارة السلع المتجانسة تُبيّن مخرجًا أم لا.

٢-١. الروايات والربا في القرض

أغلب الروايات التي وردت في هذا الشأن لا سند لها موثوق، فضلاً عن أن دلالة بعضها ليست واضحة وخالية من الإشكال. هذه الروايات أوردها الشيخ حر العاملي في الباب التاسع من أبواب أحكام العقود في «وسائل الشيعة». لا يمكن اعتبار الرواية الأولى موثوقة بسبب وجود «علي بن حديد» في سندها. والرواية الثانية أيضًا في سندها «مسعدة بن صدقة» وهذا موضع نظر. علاوة على ذلك، السؤال المطروح في الرواية يتعلق بشخص له عقد «عينه» مع آخر، وبالتالي هو مدين له، ولأن كيفية «العينه» في السؤال لم تُذكر بوضوح، فلا يمكن اعتبارها دينًا عاديًا يُبحث فيه عن مخرج من الربا. طبعًا الكلام عن «العينه» وأنواعها خارج موضوع كتابتنا،[۱۸] ولكن يجب أن ننتبه إلى أن في فرض هذه الرواية، طبيعة العقد غير واضحة. علاوة على كل ذلك، هناك أمر مهم آخر عن هذه الرواية سيأتي في المراجعة العامة لهذه الروايات. باقي الروايات في هذا الباب كلها من حيث السند فيها إشكال ولا تُعتمد. مع ذلك، للرواية الرابعة سند موثوق ويستحق أن نبحثها بشكل منفصل:

«محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن محمد عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي الحسن(ع): لي على الرجل دراهم فيقول أخرني بها وأنا أربحك، فأبيعه جبة تقوم علي بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو قال: بعشرين ألفًا وأؤخره بالمال. قال: لا بأس.»[۱۹]

نقل الشيخ الطوسي بسنده من أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق بن عمار أنه قال: سألت الإمام السابع(ع): لدي دراهم على رجل ويقول لي: أجل سداد الدين لأني سأربحك. فأبيع له لباسًا يساوي ألف درهم بعشرة آلاف درهم، وربما قال بعشرين ألفًا، ثم أجلت سداد المال. فقال الإمام: لا بأس.

هذه الرواية هي المرجع لمن يبحث عن مخرج من الربا. قبل مراجعة نص الرواية، نذكر عن سندها أن محمد بن إسحاق بن عمار كان صرافًا، وهناك عدة روايات صحيحة وغير صحيحة عنه في هذا الباب. وبالنظر إلى النقاط التي سنوردها عن مكانة وسلوك الإمام المعصوم(ع) بين الناس، والتي من خلالها سنعتبر الاعتماد على مثل هذه الروايات غير صحيح، يبدو أنه بسبب مهنته كان يبحث عن مخرج من الربا، وربما سمع عدة روايات من الإمام(ع) مرة واحدة لكنه نقلها بأمثلة مختلفة. طبعًا هذا الكلام لا ينقص من سند الروايات وصحتها في مجالات فقهية أخرى، ولكن بالنظر إلى النسب التي أُعطيت في روايات هذا الراوي إلى الإمام(ع)، والتي سنتحدث عنها، يُطرح هذا الاحتمال. على كل حال، نتعامل مع هذه الرواية كرواية موثوقة، ولكن للاعتماد على رواية واحدة يجب الانتباه إلى نقاط أخرى.

الإمام الخميني، رضوان الله تعالى عليه، كتب عن هذا الراوي ما يلي:

«… ومحمد بن إسحاق وإن وثقه النجاشي، لكن العلامة توقف فيه؛ لما نقل عن الصدوق من أنه واقفي، ويظهر من محكي كلام ابن داود أيضًا التوقف. ولقد تصدى بعضهم لعدم كونه واقفيًا. وكيف كان فهو إما واقفي ثقة، أو إمامي كذلك…. ولهذا ففي نفسي شيء من محمد بن إسحاق الصراف الوافقي بقول الصدوق الذي هو أخبر من متأخري أصحابنا بحال الرجال.»[۲۰]

رغم أن النجاشي وثق محمد بن إسحاق، إلا أن العلامة توقف في ذلك؛ لأن الصدوق نقل أنه واقفي، ومن كلام ابن داود يظهر التوقف أيضًا. وبعض الفقهاء حاولوا إثبات أنه ليس واقفيًا. على كل حال، هو إما واقفي ثقة أو إمامي كذلك.

… ولهذا السبب، ما زلت في نفسي شيء من الشك تجاه محمد بن إسحاق الصراف. فهو كما قال المرحوم الصدوق واقفي، والصدوق أدرى بأحوال الرواة من متأخري أصحابنا.

فيما يتعلق بدلالة هذه الروايات وتطبيقها، يجب التنبيه إلى عدة نقاط مهمة:

١. المخرج الذي ورد في رواية محمد بن إسحاق بن عمار الموثوقة وبعض الروايات الأخرى في هذا الباب لا يخرج الموضوع من كونه ربا، بل هو في الحقيقة نفس الربا المحرم. الاتفاق المذكور على بيع شيء بأضعاف ثمنه هو بمثابة إدخال شرط في القرض، والربا ليس إلا ذلك. علاوة على ذلك، حتى لو كان هذا المخرج صحيحًا، فهو يختص فقط بتأجيل موعد استحقاق السداد، ولا يمكن الاستدلال بهذه الرواية على صحة هذا الشرط من بداية القرض. وهذه نقطة مهمة؛ لأن تحريم الربا ثابت في كل زمان ومكان، وإذا أردنا استنادًا إلى دليل أن نجيز بعض الحالات، فيجب الاقتصار على مدى ذلك الدليل. ما ورد في هذه الرواية هو فقط تأجيل السداد وليس من بداية القرض.

يُصرّ الإمام الخميني على هذه النقطة بأن مثل هذا الشرط هو الربا ولا مهرب منه:

«طبيعة القضية في مورد تلك الروايات كون القرض أو تأخيره مبنياً على بيع شيء بأكثر من قيمته، وهذا لا يخرج الموضوع عن الربا، فإنه بمنزلة الشرط، فإذا قال المقترض: أقرضني كذا أو أخرني إلى كذا، فقال المقرض: بع كذا بكذا حتى أفعل، يكون القرض والتأخير مبنياً عليه لا داعياً لذلك، وهو عين الربا وعين القرض بالشرط.»[۲۱]

طبيعة الأمر في ما يتعلق بهذه الروايات هي أن القرض أو تأخير سداده مبني على بيع شيء بسعر أعلى، وهذا لا يخرج الموضوع عن كونه ربا؛ لأن هذا بمثابة شرط. فإذا قال المقترض: أقرضني مبلغاً معيناً أو أجلني السداد، وقال المقرض: يجب أن تبيع [أو تشتري] سلعة معينة بهذا السعر حتى أوافق، يصبح القرض والتأخير مبنيين على هذا الشرط، وليس مجرد دافع فقط. وهذا هو الربا ذاته والقرض مع الشرط.

٢. إذا لم يكن هناك أي إشكال في دلالة هذه الروايات، فهل يمكن القول بأنها تتعارض مع الكتاب السماوي والسنة القطعية؟ في الآية الكريمة من القرآن الكريم جاء:

«وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون» (بقره/ ٢٧٩)

إذا تبتُم ورجعتُم عن الربا، فلكم أموالكم الأصلية، لا تظلمون ولا يُظلم عليكم.

تشير هذه الآية إلى أن أخذ الربا هو ظلم. وفي الروايات أيضاً ورد أن الربا سبب للفساد والهلاك وابتعاد الناس عن الأعمال الاقتصادية المفيدة، كما يوسع من الأعمال الاقتصادية الضارة.

في الصحيحة عن هشام بن حكم جاء:

«إنه سال أبا عبدالله(ع) عن علة تحريم الربا فقال: إنه لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لتنفر الناس من الحرام إلى الحلال وإلى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض.»[۲۲]

سُئل الإمام الصادق(ع) عن سبب تحريم الربا، فقال: حقاً لو كان الربا حلالاً لترك الناس التجارة وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا ليبتعد الناس عن الحرام إلى الحلال وإلى التجارة والبيع والشراء، فيبقى بينهم القرض.

في رواية أخرى عن الإمام الرضا(ع) ورد:

«عن محمد بن سنان أن علي بن موسى الرضا(ع) كتب إليه:… علة تحريم الربا بالنسيئة علة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف. ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال.»[۲۳]

كتب الإمام الرضا(ع) إلى محمد بن سنان:… سبب تحريم الربا بالتأجيل هو زوال المعروف وفساد الأموال وميول الناس إلى الربح وتركهم القرض، والقرض من أعمال المعروف. وما في ذلك من فساد وظلم وزوال الأموال.

فيما يتعلق بسند هذه الرواية التي أوردها الشيخ الصدوق في عدة كتبه، نذكر نقطة: في هذا السند يتحدث محمد بن علي ماجليويه ومحمد بن سنان.

ينقل الشيخ الصدوق العديد من الروايات عن الراوي الأول مع تقدير لشخصيته بحيث يمكن اعتباره موثوقاً بسهولة. ينقل عنه روايات في فروع فقهية مختلفة مفيدة وفعالة.

لدى آية الله الخوئي في «معجم رجال الحديث» في شرح حال «محمد بن علي ماجليويه» والعلامة الأردبيلي في «جامع الرواة» في شرح سند الصدوق إلى محمد بن سنان نفس الرأي. أما عن محمد بن سنان فقد قيل فيه الكثير وربما اعتبره أكثر الفقهاء ضعيفاً، لكن بعضهم يعتبره ليس فقط ثقة بل من أسرار الأئمة. الإمام الخميني في أحد كتبه يصفه صراحة بالثقة.[۲۴] بهذا يكون اعتبار سند هذه الرواية موثوقاً أمراً غير خاطئ.

الآن، بعد رؤية هذه الروايات، هل يمكن قبول الروايات التي تطرح طرقاً للهرب؟ المهم ألا نظن أن روايات الهروب كثيرة؛ لأننا رأينا: ما يتعلق بالربا في القرض رواية واحدة موثوقة فقط، والروايات الأخرى غير موثوقة. هل تزول الظلم والفساد والأعمال الاقتصادية الضارة بمجرد إجراء بيع وشراء غير حكيم؟ هل نجد تخصيصاً وتقيداً كهذا في فقه آخر للذنوب الأخرى؟ هل يمكن اعتبار الخمر والزنا بهذه السهولة مباحين؟ النقطة المهمة أن طرق الهروب في هذه الروايات تخصيص موضوعي وليست حكماً؛ بمعنى أنه إذا استُخدمت هذه الطرق لم يعد العمل بين الطرفين ربا، وليس أن الربا موجود لكنه غير محرم. لذلك، يمكن القول إنه ربما يمكن التفكير في طرق هروب أخرى وإضافتها إلى هذه الطرق الموجودة في الروايات. فالاعتماد على الروايات ليس تعبدياً، بل هي فقط ترشدنا في هذا الشأن. ومع ذلك، هل لا يمكن إيجاد طرق هروب في الذنوب الأخرى؟ إذا قُدمت طرق هروب للمعاصي الكبيرة مثل السكر والزنا، ألا نرد فوراً بأن هذه الحيل لا تغير الواقع الخارجي؟ حقاً، التأمل الجيد في هذه الأقوال يجعل قبول هذه الطرق صعباً وغير مقبول. هكذا نرى أن الحديث عن التخصيص أو التقيد أو الحكم أو الدخول في مثل هذا الموضوع خاطئ وجوفاء، وإذا وُجدت طرق هروب، فسيكون هناك تعارض وتناقض بين التحريم والهرب منه.

الإمام الخميني في هذا الشأن له كلام بليغ ويذكر التناقض الواضح:

«ومن المعروف أنه إذا قيل: إن أخذ الزيادة بالربا ظلم، وقيل: أخذ الزيادة بالحيلة وتغيير العنوان، يرى العرف التنافي بينهما والتدافع في القول، كقوله: إن شرب الخمر حرام ولعن رسول الله(ص) شاربه وساقيه… إلى آخره، وقال أيضاً: إن الشرب حرام لفسادها وسكرها، ثم قال: لا بأس بإلقائها في كبسولة وأكلها مع ترتب الفساد والسكر، فإن ذلك يعد تناقضاً في القول وتنافياً في الحكم، ولا يصح أن يقال: إن الشرب حرام لا الأكل، وأن العلة حكمة للتشريع.»[۲۵]

ومن الواضح أنه إذا قيل: إن أخذ زيادة المال في الربا ظلم، وقيل أيضاً: يمكن أخذ هذه الزيادة باستخدام طرق مفرّغة وتغيير العنوان، فإن العرف يرى بين هذين القولين تناقضاً وتدافعاً؛ مثل أن يقول: إن الشرب حرام، ولعن رسول الله(ص) شاربه وبائعه…، وقال أيضاً: إن الحرام في الشرب بسبب فساده وسكره، ثم يقول: لا بأس إذا وُضعت الخمر في كبسولة وأُكلت، مع أن الفساد والسكر نفسه مترتب عليه. هذا يعد تناقضاً في القول وتنافياً في الحكم. ومن الخطأ أن يُقال: إن الحرام هو الشرب لا الأكل، وأن العلة هي حكمة التشريع.

ثم يعرض تقييمه النهائي لهذه الأحاديث قائلاً:

«فهذه الأحاديث وما تقتضيه من حصول الربا والحيلة في أكل الربا، مما قال المعصوم(ع) في حقها: «ما خالف قول ربنا لم نقله» أو «زخرف» أو «باطل» إلى غير ذلك.»[۲۶]

هذه الأحاديث وكل ما يتضمن تحصيل الربا وطرق التهرب من أكل الربا من الأمور التي قال فيها المعصوم(ع): «ما خالف قول ربنا لم نقله» أو «كلام باطل» أو «باطل» وما شابه ذلك من التعبيرات.

وإشارته هنا إلى الأحاديث التي وردت في «وسائل الشيعة»[۲۷] حول تقييم الأحاديث المنقولة عن المعصومين(ع).

٣. نقطة مهمة جداً أخرى في دراسة هذه الأحاديث، تقييمها وقياس مكانة الإمام(ع) بين الناس وسلوكه الاجتماعي، مع ما يُنسب إليه من أعمال عادية أو حتى أساليب سلوكية. هل حقاً يتوافق أسلوب حياة الإمام(ع) مع هذا الأسلوب الذي يستغل فيه الناس طرق التهرب للربا؟

الحقيقة أن من المنظور الكلامي، أسلوب حياة الإمام المعصوم(ع) بين الناس وشخصيته الفردية والجماعية، التي هي دوماً تحت أنظار الأصدقاء والأعداء، تتطلب سلوكيات خاصة تليق بالقيادة والقدوة للبشر عبر التاريخ. فهم صانعو السياسة ومصدر العلم والأحكام الإلهية حتى يوم القيامة؛ لذلك لا يمكن قبول كل ما يُنسب إليهم بسهولة.

الدقة والتمحيص في مثل هذه النقاط من خصائص الاجتهاد الحي للإمام الخميني. هو الذي في العبادات الفقهية فقيه متعبد، ولا يهمه أن تبدو بعض فتاواه في صلاة المسافر والسفر والحضر وغيرها غريبة وغير مألوفة وتثير صعوبات. وهذا الفقيه نفسه، بجسارة قل نظيرها في أبواب أخرى من الفقه مثل المعاملات والسياسات، يستفيد من التصوف والكلام والتاريخ، ويستخلص فهم الآيات والأحاديث بمساعدة هذه العلوم. وقد عرض كاتب هذا المقال نموذجاً من هذا الاجتهاد في مقال آخر في مجلة «فقه»[۲۸]. وفي هذا الصدد، عبارات هذا الفقيه العظيم واضحة أكثر من أي وصف توضيحي:

«بل بعضها مشتمل على ما لا يليق بساحة الإمام(ع) كرواية محمد بن إسحاق بطريق مجهول عن الرضا(ع) وفيها بعد السؤال عن الحيلة قال: «لا بأس به قد أمرني أبي ففعلت» وفي الفقيه:… مثل ذلك، وفي رواية مسعدة بن صدقة:… لا بأس بذلك قد فعل ذلك أبي وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه». وأنت خبير بأن بعض الأعمال، وإن كانت مباحة فرضاً، لا يرتكبها المعصوم(ع) المنزه عن ارتكاب ما يسبب نفور الطباع، كتحصيل النفع بالحيلة وكاتيان النساء من الخلف، فهذا وأشباهه لو كانت مباحة لم يرتكبها الإمام(ع).

… ومقتضى تلك الأحاديث أنه كان تحصيل النفع كذلك عملاً لعدد من المعصومين وهم الباقر والصادق والكاظم والرضا(ع)… وأنا لا أرضى بذلك، فهذه الأحاديث مثل أحاديث بيع العنب لمن يعلم أنه يجعله خمراً، حيث اشتملت على أن الأئمة(ع) يفعلون ذلك، فمثل هذه الأحاديث غير قابلة للعمل، لاحتوائها على أمر منكر.»[۲۹]

بعض هذه الأحاديث تتضمن أموراً لا تليق بشخصية ومكانة الإمام(ع)، مثل رواية محمد بن إسحاق بسند مجهول عن الإمام الرضا(ع) التي بعد سؤال عن التهرب من الربا قال فيها: «لا بأس، فقد أمرني أبي وفعلت ذلك» وتوجد مثلها في «من لا يحضر» أيضاً. وفي رواية مسعدة بن صدقة بعد سؤال عن التهرب من الربا قال: «لا بأس، فقد فعل ذلك أبي وأمرني أن أفعل ذلك في شيء كان عليه». وأنت تعلم أن المعصوم(ع) لا يرتكب بعض الأعمال، وإن كانت مباحة، لأنه يتجنب ما يسبب نفور الطباع، كتحصيل النفع بالحيلة وبعض الأعمال الجنسية غير اللائقة. الإمام(ع) لا يفعل هذه الأعمال حتى لو كانت مباحة.

ومن هذه الأحاديث يظهر أن تحصيل الربح بهذه الطريقة كان عملاً لبعض المعصومين مثل الإمام الباقر، الإمام الصادق، الإمام الكاظم، والإمام الرضا(ع)، وأنا لا أوافق على ذلك. وهذه الأحاديث تشبه أحاديث بيع العنب لمن يعلم أنه سيصنع منه خمرًا، حيث ورد فيها أن الأئمة(ع) كانوا يفعلون ذلك. ولا يمكن العمل بهذه الأحاديث لأنها تحتوي على أمر منكر.

٤. آخر نقطة نذكرها في دراسة هذه الأحاديث هي الإجابة على سؤال: هل لا يمكن أن يكون لشهرة الفتاوى التي صدرت عن الفقهاء في هذا الشأن أثر عملي؟

الجواب هو أنه إذا أردنا اعتبار هذه الشهرة دليلاً على صحة سند هذه الروايات، فلن يجدي ذلك نفعاً؛ لأن نتيجة النقطتين الثانية والثالثة هي أنه حتى لو كانت جميع هذه الروايات ذات أسانيد صحيحة، فلا يمكن الاستفادة منها. الكلام في بطلان هذه الروايات، وليس من خلال السند. في الأساس، يظهر اختلاف الأساليب وطرق الاجتهاد في هذه المسائل. هذا هو السؤال الذي طرحناه في بداية هذا المقال، هل يمكن بمجرد رؤية رواية أو أكثر صحيحة في مثل هذه المواضيع الفقهية أن نغمض الأعين ونستنتج، أم يجب أيضاً فحص توافقها مع المبادئ العليا والأسمى؟

بعيداً عن كل هذا، ليس واضحاً أن فقهاءنا استندوا إلى هذه الروايات فقط من باب التعبد في إصدار الفتوى، لأن هذه المسألة تدخل فيها قواعد كثيرة، وربما تحدثوا بناءً على تلك القواعد أو ظنوا أن هناك روايات صحيحة أخرى تتعلق بالربا في المعاملات التجارية تنطبق أيضاً على ربا القرض.

وإن قيل إن الشهرة أو الإجماع حجتان في حد ذاتهما، وليس سبباً في صحة الروايات، فيجب الرد بأنه في مثل هذه المسائل التي تتسم بكثرة الاجتهاد والمشاورة، فإن ظهور شهرة أو إجماع تعبدي محل شك جدي.

وهكذا نرى كيف يمكن لطريقة الفحص والاجتهاد عند كل فقيه أن تكون مؤثرة وحاسمة في استنتاجاته. لقد رأينا كيف قدم الإمام الخميني نقاشاً منظماً وغنياً من خلال دراسة الروايات المختلفة وتمييز ربا المعاملات عن ربا القرض، وحاول أن يوفق بين نتائج الروايات والمبادئ العامة والأعلى كلامياً وفقهياً. الاجتهاد هو السبيل الفعال والمثمر الذي يمكنه الإجابة على الكم الهائل من الأسئلة والتعقيدات المعاصرة، ويظهر قدرة الإرث الفقهي العظيم في إدارة المجتمع الحديث، وإلا فإن مجرد إعادة سرد ما قاله السابقون وفحص مختصر للسند والدلالة في رواية أو أكثر، دون مراعاة أي من الأهداف العليا والمعايير الكلامية والفقهية الأسمى، لا يعد عملاً مهماً. والغريب أن بعض الفقهاء في العقود الأخيرة كتبوا في رسائلهم العملية هذه الطرق الملتوية وأصروا على صحتها واعتبروها مستمدة من الروايات.

على سبيل المثال، في إحدى الرسائل العملية نرى أنه في مسألة واحدة فقط، طوال الرسالة، تم الاستدلال بالرواية فقط. في هذه الرسالة، اقترح طريقان للهرب من ربا القرض، والطريق الثاني هو بيع شيء بثمن مضاعف بجانب القرض. ورداً على سؤال مفاده أن مثل هذا البيع ليس حكيمًا ولا يحمل سوى خداع، كتب المؤلف ما يلي:

«الوهم بأن هذه الصفقة صورية؛ لأن لا أحد يشتري علبة كبريت سعرها ريال واحد بألف ريال، وهم باطل؛ لأنه لا يقوم أحد بمثل هذه الصفقة بلا سبب، ولكن إذا أضيف قرض مائة ألف ريال بدون فائدة لمدة سنة، فالجميع يشترون، وقد وردت عدة روايات في كتاب «وسائل الشيعة» في أبواب أحكام العقود، وننقل هنا رواية واحدة منها لرفع الشبهة…»[۳۰]

ثم نقل الرواية السابقة لمحمد بن إسحاق بن عمار وأنهى كلامه.

الغريب أنه طوال الرسالة العملية لم يكن هناك مكان آخر يحتاج إلى «رفع الشبهة». هذا التعبير يدل على أن المؤلف يصر إلى حد كبير على هذا الأسلوب في الاجتهاد والاستنتاج حتى غيّر أسلوب كتابة الرسائل الفقهية الفارسية في هذه المسألة. ومن وجهة نظرنا، إن الإمام الخميني أيضاً في رسالته العملية الفارسية[۳۱] وفي «تحرير الوسيلة» نبه إلى أن كل طرق الهروب من الربا خاطئة ولا تعدو كونها خداعاً.

يكتب الإمام في تحرير الوسيلة:

«قد ذكروا للتخلص من الربا وجوها مذكوره في الكتب، وقد جددت النظر في المساله، فوجدت ان التخلص من الربا غير جائز بوجه من الوجوه، والجائز هو التخلص من المماثله مع التفاضل…»[۳۲]

لقد ذُكرت في الكتب طرق للهروب من الربا. لقد أعدت النظر في المسألة ووجدت أن الهروب من الربا غير جائز بأي من هذه الطرق، وما هو جائز هو التخلص من المبادلة بين سلعتين متشابهتين مع وجود فرق في الكمية…

أعتقد أن هذه العبارات أوضح من أن تحتاج إلى شرح أو حكم. ولا بد من القول إننا سنبحث كل طرق الهروب من الربا من ناحية التوافق مع القواعد الفقهية، وسنورد الانتقادات القيمة للشهيد الصدر على كل هذه الطرق.

٢. نظر الشهيد الصدر إلى طرق الهروب من الربا

أحد الفقهاء المعاصرين الآخرين الذين تناولوا تقييم طرق الهروب من الربا هو آية الله الشهيد سيد محمد باقر الصدر. هذا المفكر العميق في كتابه القيّم «البنك بدون ربا في الإسلام»، بعد طرح مسائل جديدة وإظهار حلول متنوعة وحديثة، بحث طرق الهروب من الربا وأجاب عن كل منها إجابة مستوفاة.[۳۳] ما قام به هذا الشهيد الجليل في كتابه لم يُرَ حتى الآن بهذا الشكل بين فقهائنا، وهذا الكتاب، مثل العديد من مؤلفاته الأخرى، يعد ابتكاراً مفيداً في مجاله.

الفرق بين نظر الإمام الخميني لمسألة الهروب من الربا وما نراه في كتاب الشهيد الصدر هو أن الإمام بحث في روايات المسألة وقيم طرق الهروب في «السنة» ودرس مكانة المعصومين بين الناس وسلوكهم في المعاملات، بينما الشهيد الصدر اقتصر على دراسة فنية لطرق الهروب وقيم كل منها من منظور القواعد الفقهية ولم يتطرق إلى الروايات في هذا الشأن. هذان النوعان من النظرات مفيدان جداً في مواضعهما، ويمكن استنباط أسلوب الاجتهاد ونمط النظر لكل من هذين الفقيهين المتمكنين من خلال دراساتهما.

في هذا المقال نحاول عرض الطرق التي طرحها الشهيد صدر، ونرفق كل منها برده. ولا يغيب عن الذهن أنه بما أن هدفه من تأليف الكتاب هو دراسة واقتراح عمل بنك بدون ربا، فإن بعض الطرق المطروحة تتعلق فقط بالبنك وأنشطته.

الطريقة الأولى:

كل قرض يقوم على ركيزتين: الأولى مالية يعطيها المقرض للمقترض، والثانية فعل الإقراض كعمل من جانب المقرض. ما حُرم في الربا هو الزيادة المالية التي تُضاف إلى المبلغ المسترد مقابل المال المقترض، ولكن إذا وضعنا المبلغ الزائد مقابل العمل نفسه للإقراض وليس مقابل المال المقترض، فلن يكون ربا ولا حرامًا. هكذا، من يريد قرضًا يعلن عقد “الجعالة” ويقول: من أعطاني هذا القدر من القرض سأعطيه مبلغًا مقابل عمل الإقراض. إذًا، المبلغ المذكور يكون مقابل عمله وبموجب الجعالة، لا مقابل المال المقترض. ومن ثم، إذا بطل هذا العقد لأي سبب، تبقى الديون والحقوق قائمة. وهذا يشبه قول شخص: من باع بيتي سأعطيه مبلغًا. هذا المبلغ مقابل عمل البيع وليس له علاقة بالبيت أو ثمنه كبديلين في البيع والشراء.

الرد: الشهيد صدر ينتقد هذه الطريقة من حيث الصغرى والكبرى. العيب الصغرى في هذه الطريقة هو أنه في نظر العقلاء، يُوضع هذا المبلغ الزائد مقابل نفس القرض وليس مقابل عمل الإقراض، وهذا ليس إلا لعبًا بالألفاظ. الجعالة أيضًا معناها أن يُوضع مال مقابل عمل وليس مقابل مال. لذلك، هذه الجعالة في قضيتنا مدمرة من الأساس.

وإذا تجاوزنا هذا العيب وقبلنا أن يقرر المقرض والمقترض، خلافًا للرأي الشائع، أن المبلغ الزائد مقابل عمل الإقراض، فهل يمكن أن تكون هذه الجعالة صحيحة وتُعد مخرجًا من الربا؟

للإجابة على هذا السؤال، نذكر نقطة حول الجعالة وطبيعتها. في الحقيقة، معيار الاستحقاق المالي في الجعالة هو ضمان العمل الذي نأمر به شخصًا ما. عندما نكلف خياطًا بخياطة قميص، ويقوم بذلك، ندين له بأجرة السوق [أجرة المثل]. هذا الضمان في الفقه يسمى “ضمان غرامة العمل”، كما أن هناك نوعًا آخر من الضمان هو “ضمان غرامة الأموال”. في هذه الحالات يمكن للإنسان أن يحدد الأجرة من البداية، ويجعلها أكثر أو أقل من أجرة السوق، ويقول: من خيط قميصي سأعطيه هذه الأجرة، أو يقول لخياط معين: إذا خيطت قميصي سأعطيك هذا المكافأة. هكذا، الضمان هنا هو المبلغ الذي قيل وليس أجرة السوق، وهذا ما يسمى جعالة. إذًا، في الجعالة ركيزتان أساسيتان: الأولى أمر بأداء عمل لشخص معين أو بشكل عام، والثانية المبلغ الذي يُوضع مقابل ذلك العمل. ما يسبب الضمان حقًا هو الركيزة الأولى، والضمان في الجعالة من نوع “ضمان غرامة العمل” وليس ضمانًا تجاريًا. الركيزة الثانية ليست إلا تحديد مقدار الضمان، فإذا لم نحددها، كان علينا دفع أجرة السوق.

الخلاصة مما قلناه أن الجعالة صحيحة حيث يكون العمل في نظر الناس ذا قيمة وضمان حتى بدون وجود الجعالة، ونحن بالجعالة نحدد فقط قيمة ذلك العمل. لذلك، في قضيتنا لن تكون الجعالة صحيحة؛ لأن عمل الإقراض في نظر الناس ليس له قيمة أو مال منفصل عن المال المقترض ليُبنى عليه جعالة. في الواقع، قيمة عمل الإقراض هي المال المقترض نفسه، فلا يُقبل ضمان آخر له. إذًا، الاتفاق على مبلغ زائد عن أصل القرض سيكون حتمًا مقابل نفس القرض وليس مقابل عمل الإقراض، وهذا هو الربا.

الطريقة الثانية:

من الواضح أن الربا يكون حيث يوجد عقد قرض، ويكون السداد زائدًا على أصل القرض. فإذا استطعنا اختيار طريقة يدخل فيها عقد آخر ولا يكون عقد قرض، فلن يكون الزيادة في السداد ربا ولا حرامًا. لتحقيق ذلك نشرح الفرق بين نوعين من السداد.

إذا كان شخص مدينًا لصديقه بألف تومان، وأخذ من البنك قرضًا بنفس المبلغ ليعطيه لصديقه، يكون قد سدَّد دينه، وعليه في موعد استحقاق القرض أن يسدد للبنك الدين الثاني.

في طريقة أخرى، يمكن لهذا المدين أن يأمر البنك أن يدفع لصديقه ألف تومان نيابة عنه، ليقوم الصديق في موعد معين بسداد هذا المبلغ للبنك. الفرق الأول بين الحالتين هو أنه في الحالة الأولى، يأخذ المدين المال من البنك ويعطيه للدائن، أما في الحالة الثانية، البنك هو الذي يقوم بالدفع مباشرة. في هذه الحالة، المبلغ الذي يدفعه البنك للدائن لا يدخل ملكية المدين أبدًا، بل ينتقل مباشرة من البنك إلى ملكية الدائن. لذلك، في الحالة الأولى يكون قد أخذ قرضًا من البنك حقًا، أما في الحالة الثانية فلا يكون قد أخذ قرضًا. أصل ضمان هذا الشخص تجاه البنك في الحالة الأولى هو الاقتراض، أما في الحالة الثانية فهو أمره للبنك بصرف المال، وبما أن البنك صرف المال بأمره فهو ضامن له. هكذا، يخرج هذا المدين من دينه تجاه صديقه دون أن يأخذ قرضًا من البنك، لكنه ضامن للمال الذي دفعه البنك للدائن.

في مثل هذه الحالة، إذا أخبر المدين البنك منذ البداية: إذا دفعت ديني الذي يبلغ ألف تومان إلى دائنِي، فسأدفع للبنك ألف ومائة تومان في موعد معين، فلن يكون هناك ربا أبداً؛ لأن القرض لم يكن موجوداً والزيادة في المبلغ محرمة فقط في القرض. ومن هذا المنطلق يمكن الاستفادة من الربح، وفي جميع المعاملات التي لا يتوفر فيها نقد، يمكن القول للبنك أو لشخص آخر: إذا دفعت ثمن السلعة التي اشتريتها من ذلك البائع، فسأدفعها مع زيادة بسيطة في موعد معين.

الجواب: أرى في كلام الشهيد الصدر ردين على هذا الطريق:

أولاً: الأدلة التي تحرم طلب الدائن زيادة من المدين، من وجهة نظر العرف وبغض النظر عن الخصائص الخاصة للحالة [إلغاء الخصوصية]، تدل أيضاً على أنه لا ينبغي لأي دائن أن يطلب من مدينه دفع مبلغ زائد، سواء كان هذا الدائن ناتجاً عن قرض أو ضمان آخر مثل ضمان أمر بدفع نفقة. لا يُقبل أن نقول: إذا أدخل الدائن شيئاً في ملك المدين، فلا ينبغي أن يطلب أكثر من دينه، ولكن إذا لم يدخل شيئاً في ملك المدين، كما رأينا في حالة أمر دفع الدين للبنك، يمكنه طلب زيادة. العرف لا يقبل هذا التناقض.

ثانياً: إذا تجاوزنا الإشكال الأول وقبلنا أن طلب الدائن زيادة في الحالة الثانية جائز، يبقى سؤال: لماذا يجب دفع الزيادة المطلوبة من الدائن؟ إذا لم يكن هناك عقد قرض هنا، فما الذي يجبرنا على دفع هذا المبلغ الزائد؟

يمكن القول: هنا أيضاً يمكن أن يكون لدينا عقد جعالة. عندما يقترح المدين على البنك أو شخص آخر أن يدفع دينه وهو سيعيده في المستقبل، يقول منذ البداية: إذا دفعت ديني إلى صديقي، فسأعطي ألف ومائة تومان في موعد السداد. هكذا يتشكل عقد جعالة وبموجب هذا العقد يجب على المدين دفع المبلغ الزائد أيضاً.

نقول في الرد: نفس الإشكال الذي طرحناه في الطريق الأول ينطبق هنا أيضاً. من وجهة نظر العرف، دفع دين شخص ما لدائنه، بغض النظر عن مبلغ الدين، لا يحمل قيمة أخرى يمكن أن يُعقد عليها جعالة. مع ذلك، لا يُقال إن دفع هذا الدين مع العمل والجهد الذي يحمل قيمة يمكن أن يُعقد عليه جعالة؛ مثل أن يكون الدائن في مدينة أخرى ويجب على البنك بذل جهد إضافي مثل السفر لتسليم الدين إليه. في مثل هذه الحالات يمكن دفع أجر الأعمال الجانبية للبنك أو لشخص آخر بناءً على عقد جعالة.

الطريق الثالث:

هذا الطريق لا ينطبق على جميع أنواع القروض، بل فقط على القروض التي تُعطى لشخص في مدينة أخرى يمكن الاستفادة منه. على سبيل المثال، إذا طلب شخص في طهران من بنك أن يدفع مبلغاً كقرض لممثله في شيراز وقام البنك بذلك. بما أن إعادة القرض يجب أن تكون في نفس المدينة التي أخذ فيها القرض، يجب على هذا الشخص أن يسدد قرضه في شيراز، لكنه لا يستطيع ذلك ويريد أن يسدده في طهران بعد عودته من السفر. في هذه الحالة يمكن للبنك أن يأخذ مبلغاً زائداً مقابل تنازله عن حقه في استلام القرض في شيراز ويسترد القرض في طهران. هذا المبلغ ليس ربا، بل هو ثمن يأخذه البنك مقابل تنازله عن حقه.

ومع ذلك يجب أن نعلم أن هذا الطريق لا يعمل دائماً حتى في هذه الحالات، وأحياناً يقع في الربا؛ لأنه إذا كان عقد هذا الشخص مع البنك ينص على أنه يجب عليه دفع مبلغ زائد حتى لو سدد قرضه في شيراز، فهذا ربا صريح. نعم، إذا لم يُتفق على ذلك، يمكن للشخص عند موعد استحقاق قرضه أن يطلب من بنك آخر في شيراز أن يدفع قرضه للبنك الأول، وبذلك ينجو من دفع المبلغ الزائد. مع وجود هذا الاحتمال، أي بنك سيعطي مثل هذه القروض دون أن يأخذ أي ربح.

الطريق الرابع:

هذا الطريق الذي يُذكر في بعض الدراسات الفقهية، هو استبدال «البيع» بـ «القرض». الآن، بما أن الأموال المتداولة، خلافاً للماضي، هي أوراق نقدية، بدلاً من إعطاء قرض ألف تومان وإعادة ألف ومائة تومان عند الاستحقاق، يمكن بيع ألف تومان ورقة نقدية بحيث يُعاد ألف ومائة تومان في موعد معين. رغم أن هنا تم تبادل شيئين متشابهين بطريقة غير متساوية، إلا أن هذين الشيئين ليسا وزنيين أو مقاييس، فلا يكون هناك ربا في المعاملة. هكذا يمكن بيع الأموال التي ليست من ذهب أو فضة بدلاً من إقراضها والهروب من الربا.

قد نعتقد أن هذا البيع لا يشمل كل الفوائد التي في القرض الربوي؛ ففي القرض الربوي، إذا لم يدفع المدين دينه في موعد معين، يفرض غرامة على التأخير، أما في هذا البيع، إذا قيل: أبيع ألف تومان لأحصل على ألف ومائة تومان بعد شهرين، ولكل شهر تأخير يجب دفع خمسون تومان، فهذا الشرط أيضاً ربا، لأنه شرط بقاء الدين.

مع ذلك، يمكن الهروب من هذه الضيق. يمكن للبائع أن يقول منذ البداية: في هذه المعاملة نشترط أنه من تاريخ استحقاق إعادة ألف ومائة تومان، إذا لم يدفع المشتري هذا المبلغ وتأخر، يجب عليه دفع خمسين تومان لكل شهر تأخير. هذا الشرط بموجب عقد البيع وليس قرضاً، وليس مقابل مدة، فلا يكون ربا. هذا يشبه تماماً أن يشترط بائع أن يهدي المشتري عشرة توماّن شهرياً لمدة سنة.

الرد: لا يمكن قبول هذا الطريق أيضًا؛ لأنّه كما قال آية الله الخوئي، بيع ألف تومان مقابل ألف ومئة تومان هو في الحقيقة قرض مختلط بالربا تمّ تلبيسه لباس البيع والشراء. ومن وجهة نظر العرف وواقع الأمر، هذا هو ذات القرض والربا.

وليس هذا القول لأنّ شروط البيع غير متوفرة هنا. في هذا الشأن أمور كثيرة تتجاوز سعة وهدف هذا المقال. النقطة المهمة هي أن القرض أو السلف عند الحكماء والعرف هو أن يتم تبادل مال مثيل بمال مثيل في العهدة على المقترض. فالمُقرض يعطي المقترض كيلوغرامًا واحدًا من القمح أو ألف تومان نقدًا، ليصبح المقترض مالكًا لذلك المقدار من القمح أو المال لفترة محددة نسميها الاستحقاق. حيثما يتم مثل هذا التبادل بين مال مثيل خارجي ونظيره في عهدة شخص ما، فهو قرض، حتى وإن أطلق الطرفان عليه اسم التمليك مقابل العوض. لذلك، مثل هذا البيع والشراء هو ذات القرض وله جميع أحكامه.

الطريق الخامس:

هذا الطريق هو في الواقع نوع معدل من الطريق الرابع. بما أن في بيع وشراء المال يحدث تبادل بين شيئين متشابهين، أحدهما في الخارج والآخر في العهدة، ومن هنا يدخل الربا في المعادلة. في هذا الطريق يتم تبادل نوعين مختلفين من المال باسمين مختلفين. إذا افترضنا أن كل دينار كويتي يعادل مئة تومان إيراني، يعطي البائع ثمانية دنانير كويتية للمشتري ليسترد منه بعد شهرين ألف تومان إيراني. بطبيعة الحال، إذا تم تبادل هذين النوعين من المال معًا، فوفقًا لهذا السعر الافتراضي، كل ألف تومان يعادل عشرة دنانير، لكن في هذا البيع والشراء يقابل ثمانية دنانير فقط ولا يوجد ربا.

الرد: يمكن قول نفس الكلام السابق هنا أيضًا. هذه المبادلات من وجهة نظر العرف هي ذاتها القرض وليست شيئًا آخر. بالإضافة إلى ذلك، فيما يخص المال، النقطة الأخرى هي أن العرف ينظر فقط إلى قيمته وليس إلى خصائصه الأخرى. هكذا، عندما نبادل مالًا بمال، فإننا في الحقيقة نبادل قيمهما معًا، وعلى هذا الأساس يصبح كون هذه المبادلات قرضًا أكثر وضوحًا؛ لأنّه لا يوجد تناقض بين الشيئين المتبادلين، وهذا هو ذات التبادل بين شيء خارجي ونظيره في عهدة شخص ما، وقد قلنا إنه قرض وليس بيعًا.

نعم، إذا لم يكن النظر العرفي المذكور إلى قيمة المال، وكان المشتري والبائع حقًا يرغبان في تبادل نوعين من المال لأهداف عقلانية، فيمكن قبول أن مثل هذا البيع والشراء صحيح في هذه الحالة، ولكن يجب أن نعلم أن الخطوة الأولى لصحة هذا الافتراض هي عدم وجود أي خداع أو تهرب من الربا في ذهن المشتري والبائع.

الطريق السادس:

نعلم أن أحد أعمال البنك هو حفظ ودائع الناس والعمل بهذه الودائع كوكيل أو ممثل. بناءً على ذلك، يمكن للبنك أن يأخذ من المقترضين مبلغًا زائدًا على أصل القرض ويعتبره أجرًا لوكالة أو تمثيله. هذا المبلغ ليس ربا؛ لأن الربا هو مبلغ زائد يأخذه المُقرض من المقترض بموجب شرط، ولكن البنك يعطي أموال الناس نيابة عنهم للمقترضين ويمكنه أن يأخذ مبلغًا مقابل هذه الخدمة. وهذا يشبه تمامًا أن يعطي شخص ما قرضًا لصديقه ويشترط عليه أن يتصدق بمبلغ معين على فقير.

بالطبع، صحة هذا الطريق تعتمد على أن نستخلص من أدلة تحريم الربا أن الربا هو فقط المبلغ الزائد الذي يصل إلى المُقرض، وهو حرام، ولكن إذا فهمنا من هذه الأدلة أنه يجب رد نفس مقدار القرض فقط، سواء وصل إلى المُقرض أو إلى غيره، فلا يمكن للبنك أن يأخذ مبلغًا زائدًا على أصل القرض.

ربما يمكن القول إن قبول هذا الطريق قد يكون مخرجًا من الربا، حيث يمكن للمرابين أن لا يشترطوا المبلغ الزائد لأنفسهم بل لأقاربهم ووكلائهم، وفي النهاية يصلون في دورة خداع إلى ذات الربا. هذه نقطة مهمة، وهي أن اقتراحنا الفقهي لتأسيس عمل بنك بدون ربا يجب ألا يكون ذريعة للتهرب المخادع من الربا.

الطريق السابع:

هذا الطريق أيضًا ليس مخرجًا من الربا، بل هو بحث في صحة أو بطلان أخذ مبلغ من بعض البنوك كـ “تأمين القرض”. فالبنوك لكي تطمئن إلى سداد قروضها تعقد عقودًا مع شركات التأمين وتؤمن القروض، وهذه الشركات تأخذ مبلغًا مقابل التأمين. هل يمكن أخذ مبلغ هذا التأمين من المقترضين أم لا؟ وهل شرط دفع مبلغ التأمين شرط يؤدي إلى الربا؟

في بحث هذا الطريق نقول: من وجهة النظر الفقهية، يمكن اعتبار عقد التأمين عقدًا مستقلًا ويمكن اعتباره “هبة معوضة”. إذا اعتبرنا التأمين عقدًا منفصلًا فلا مشكلة، لأن البنك في الواقع يطلب من المقترض أن يوفر كفيلاً موثوقًا قبل أخذ القرض. التأمين لضمان القرض هو كفيل موثوق ويجب على المقترض تلبية طلب البنك، حتى وإن كان لهذا الأمر تكلفة. هذه التكلفة ليست ربا ولا حرام، كما أنه إذا طلب المُقرض من المقترض شيئًا كضمان أو رهن، وكان لإعداد أو توفير الرهن تكلفة، فلا يمكن اعتبار هذه التكلفة ربا. هكذا، فإن دفع تكلفة تأمين القرض من قبل المقترض ليس ربا، حتى وإن دفعها للبنك؛ لأن البنك في هذا الشأن يتصرف كوكيل أو ممثل له ويدفع هذا المبلغ لشركة التأمين.

إذا اعتبرنا التأمين هبة معوضة [عطاء متبادل]، فلا بد من النظر في كيفية إبرام عقد التأمين. إذا كان الأمر على هذا النحو، بحيث يُهدي المقترض مبلغًا للتأمين لكي إذا لم يسدد قرض البنك، يقوم التأمين أيضًا بهبة مبلغ القرض للبنك، فقد لا يمكن قبول ذلك؛ لأن شرط ضمان مثل هذا التأمين من قبل البنك في الواقع هو شرط بأن المقترض يجب أن يوفر تأمينًا يمنح البنك مبلغًا مساويًا للقرض في حال التأخير أو ما شابه، وهذا هو شرط الربا.

هذا قول الشهيد الصدر، ولكن يمكن القول هنا أيضًا: إذا اشترط البنك من البداية أنه إذا هب التأمين مبلغ القرض له، فإن البنك يتنازل عن حقه في الدين، فلن يكون ذلك ربا، لأن هذا الشرط لم يأتِ للبنك بأي شيء أكثر من أصل القرض.

إذا أبرم المقترض عقدًا مع التأمين بأن في حال عدم سداد القرض، يهدي التأمين المبلغ له ليودعه هو بدوره في حساب البنك المقرض، فلن يكون هناك إشكال سابق؛ لأن البنك لا يحصل على أي مبلغ زائد على القرض، وعقد التأمين هو اتفاق بين المقترض والتأمين خارج علاقة البنك بالمقترض، وبهذا لا يحدث ربا.

في نهاية هذا الطريق من الجيد أن نذكر أيضًا أن اعتبار التأمين هبة لا يتوافق مع النظرة العرفية والمتعاقدين أنفسهم. فالتأمين في نظرهم عقد مستقل ومعقول. الإمام الخميني، رضوان الله تعالى عليه، أيضًا يصر على هذا الرأي في مناقشاته الفقهية،[۳۴] لكن الكاتب لم يجد حتى الآن ما يقوله الشهيد الصدر نفسه في هذا الشأن. على أي حال، مسألتنا واضحة بناءً على كلا الأساسين.

هذه الطرق المتعددة للهروب من الربا، التي بعضها اقتراحات لكيفية عمل البنوك، وردت في كلام الشهيد الصدر وتمت دراستها. وقد رأينا طريقًا آخر بين مناقشات الإمام الخميني، وهو ما تم التحدث عنه في هذا الكتاب، وهو من حيث النظر إلى الروايات وتوافقه مع القواعد الفقهية. هذا الطريق هو بيع شيء إلى جانب القرض بأضعاف ثمنه، وهو في الواقع الثمن الزائف، أي ربح القرض. لذلك، فقد درسنا في هذا الكتاب أكثر من ثمانية طرق، بالإضافة إلى الروايات.

دراسة مسألة فقهية

بعد دراسة الطرق المختلفة للهروب من الربا، من المناسب أن نبحث مسألة فقهية يعاني منها كثير من الناس في عصرنا. مع ازدياد التوسع الحضري والنمو السكاني، أصبحت مشكلة السكن من أكبر الصعوبات في المجتمعات المختلفة. من الواضح أن امتلاك مسكن خاص للجميع يبدو أمرًا بعيد المنال مع التضخم المتزايد في مختلف مجالات حاجات الإنسان. الناس، خاصة في دول مثل وطننا، وبالنظر إلى الأنماط التقليدية التي ترسخت في ثقافة السكن لديهم منذ القدم، يُجبرون رغماً عنهم على الاتجاه نحو الاستئجار. ارتفاع أسعار الإيجار وعجز كثير من الناس عن مواءمة دخلهم مع تكاليف السكن، وبعض الدوافع الاقتصادية الأخرى، أدت تدريجيًا إلى ظهور ظاهرة بين الناس تُسمى “مقدم الإيجار”، أو “الوديعة”، أو “الرهن”. هذه الظاهرة بصيغتها الحديثة ليست لها جذور عميقة في بلدنا. إذا عدنا إلى ثلاثين سنة مضت، لن نجد شيئًا بهذا الانتشار والعمق. على أي حال، فإن أصحاب المنازل يبرمون عقودًا مع المستأجرين بأن يودعوا مبلغًا من المال كوديعة أو رهن عند صاحب المنزل، وبحسب مبلغ هذا المال، يتم تخفيض الإيجار؛ فمثلاً إذا كان إيجار المنزل خمسين ألف تومان شهريًا، يقوم المستأجر بتخفيضه إلى عشرين ألفًا مقابل إيداع مليون تومان. ومن جهة أخرى، يستخدم صاحب المنزل هذا المال إما لتلبية حاجاته المعيشية أو لكسب دخل، ويستفيد منه أيضًا كوسيلة لضمان إخلاء المنزل عند انتهاء مدة الإيجار.

شرح هذه النقاط، رغم وضوحها للكثيرين، ضروري لكي نتمكن من دراسة هذه الظاهرة فقهياً بشكل أفضل. النقطة الأولى هي أن هذا المال ليس وديعة أو أمانة عند صاحب المنزل، بل يصبح هو المالك الحقيقي لهذا المال. إذا اعتبرناه أمانة وفُقد المال أو سُرق ولم يكن مقصرًا في حفظه، فلا يمكن تحميله المسؤولية، بينما هو مالك المال وكل خسارة تقع عليه. هذا يدل على أن تسمية هذا المال وديعة أو أمانة غير صحيحة؛ لأن الفقه يقول:

«الوديعة هي وضع المال عند الغير ليحفظه لمالكه… الوديعة جائزة من الطرفين.»[۳۵]

الوديعة هي أن يودع المال عند آخر ليحفظه لصاحبه… والوديعة عقد جائز من كلا الطرفين.

ولا يمكن تسمية هذا المال رهنًا إلا إذا أوجدنا مصطلحًا جديدًا له، لأن الرهن في الفقه يعني:

«الرهن عقد شرع للاستيثاق على الدين.»

الرهن عقد يُبرم لضمان الدين.

«لا يجوز للمرتهن التصرف في الرهن بدون إذن الراهن.»[۳۶]

لا يجوز لمن يملك الرهن التصرف فيه بدون إذن الراهن.

وإذا سُئلت: الرهن ليس فقط في القرض، بل يمكن استخدامه لأي دين مثل ثمن المبيع، أو إيجار الأرض أو البناء… وهكذا، فإن المستأجر يعطي هذا المال كرهناً لصاحب المنزل مقابل الإيجار الذي عليه، لكي إذا تقاعس في دفع الإيجار عند استحقاقه، يمكن لصاحب المنزل أن يأخذ من مال الرهن.

في الرد نقول: مع أن كل هذه الأقوال صحيحة، إلا أن ما يحدث الآن بين الناس ليس كذلك؛ لأنه إذا كان الرهن بمعناه الفقهي هو المقصود، فعندما يدفع المستأجر دينه في موعد استحقاقه، يبقى الرهن في ملكية المستأجر، وصاحب المنزل مجرد أمين لا يستطيع التصرف في هذا المال إلا بإذنه، بينما أصحاب المنازل منذ بداية الإيجار يعتبرون أنفسهم مالكي مبلغ العربون الخاص بالمستأجر ويستثمرونه.

وبناءً على ما قلناه، فإن لقب «قرض» من الناحية الفقهية هو الأنسب لمثل هذا المال. والآن حان الوقت للرد على السؤال الأساسي في هذا القسم: هل هذا القرض وهذا الإيجار يحتويان على ربا أم لا؟ أصل هذا السؤال هو أن المستأجر يعطي قرضًا بمبلغ مليون تومان لصاحب المنزل ويستأجر منزله لمدة سنة. يتم الاتفاق على إيجار شهري قدره عشرون ألف تومان، بينما لو لم يكن ذلك القرض، لكان إيجار هذا المنزل خمسين ألف تومان شهريًا. لذلك، بعد مرور سنة، يستعيد المستأجر كامل المبلغ مليون تومان، وخلال هذه المدة عاش في منزل المقترض واستفاد من تخفيض الإيجار الشهري بمقدار ثلاثين ألف تومان. وهذا هو بالضبط القرض الذي يعود فيه للمقرض أكثر من أصل المبلغ، وهذا هو الربا.

الفحص والرد

مع قبول النقاط الأساسية لهذا السؤال، لا نقبل النتيجة والحكم النهائي له. النقطة التي تقول إن عربون المستأجر ليس وديعة ولا رهنًا فقهيًا، هي قول صحيح. هذا المال قرض من المستأجر إلى صاحب المنزل، ولكن ما يحدث بين الناس ليس ربا؛ لأن إقراض المال بشرط الإيجار هو ربا، وليس تأجير المنزل بشرط القرض. إذا اتفقوا منذ البداية على أن صاحب المنزل يتلقى قرضًا من شخص ما ويعيده بعد سنة، واشترطوا أن يؤجر منزله للمقرض خلال هذه المدة، فهذا ربا، سواء خفضوا الإيجار أو لم يفعلوا؛ لأن الشرط في القرض لصالح المقرض هو ربا، وإذا لم يخفضوا شيئًا من الإيجار، فإن مجرد استفادته من حق استخدام المنزل، حتى لو بالإيجار العرفي، هو ربا.

أما إذا اتفقوا منذ البداية على تأجير المنزل، ولكن شرط هذا الإيجار أن يعطي المستأجر قرضًا لصاحب المنزل، فهذا ليس ربا؛ لأنه لم يقل أي فقيه حتى الآن إن الشرط في الإيجار يؤدي إلى الربا. ومن جهة أخرى، من الواضح أن أي شرط في مثل هذه المعاملات يؤثر على خفض أو زيادة الثمن. كما لو كان ثمن سيارة مليون تومان، وأراد مالكها بيعها بشرط أن ينقل المشتري حملاً إلى مدينة أخرى، فإن هذا الشرط يؤثر على ثمن السيارة حسب بعد المسافة وحجم الحمل. في باب المعاملات، هذه النقطة واضحة جدًا أن الشرط يؤثر دائمًا على سعر المعاملة.

في قضيتنا أيضًا، إذا أجروا هذا المنزل بلا شرط، سيأخذون خمسين ألف تومان شهريًا، ولكن عندما يشترطون أن يعطي المستأجر قرضًا بمبلغ مليون تومان لصاحب المنزل، فإن هذا الشرط يؤدي إلى خفض الإيجار، ولأن الشرط في الإيجار لا علاقة له بالربا، فلا مشكلة في المسألة.

بالطبع، من الضروري جدًا التذكير بأن القرض بشرط الإيجار، أو الإيجار بشرط القرض، لا يتم فقط بالكلمات والمظاهر الشكلية. إذا كان قصدهم الحقيقي هو تأجير المنزل فقط، وكان القرض مجرد شرط ضمني، فلا ربا في ذلك، ولكن إذا أرادوا من البداية إعطاء قرض واستخدموا الإيجار كوسيلة للهروب من الربا أو لضمان القرض أو لأي مصلحة أخرى للمقرض، فهذا بالتأكيد ربا ومحرم.

ومن وجهة نظرنا، فإن معظم الحالات التي تحدث في بلدنا هي من النوع الأول ولا مشكلة فيها. بمعنى أن قصد معظم الناس هو الإيجار وليس القرض، والقرض هو المقصود الثانوي والضمني. في بداية هذا النص، ذكرنا مرارًا أن الظواهر الاجتماعية والاقتصادية لا تتغير بتغيير الكلمات أو الشكل الظاهري للعقود، ولكن هنا يتم إبرام إيجار حقيقي بلا خداع أو كذب، وكأي شرط صحيح ومعقول، يوجد شرط قرض أيضًا. لذلك، يجب القول إن إثارة الشكوك في هذه المسألة بين الناس، دون دراسة الجوانب الفقهية المختلفة بشكل صحيح، ليس إلا تأجيج وسواس غير صحيح. الناس يفعلون الشيء الصحيح، ولا يستحق إثارة قلق غير مبرر في أذهانهم.

نعم، إذا أراد بعض الناس حقًا إعطاء وأخذ قرض واستخدموا الإيجار كمهرب من الربا، فإن عملهم حرام، ويجب التنبيه فقط على ذلك حتى لا يُظن أن وجه الدين والفقه سوى ذلك الوجه المحبب، اللطيف، السهل والميسّر.

ما قلناه وارد أيضًا في ردود الإمام الخميني على الأسئلة الفقهية. فقد قام هو أيضًا بتمييز جيد بين العقود الصحيحة والخاطئة، وكلامنا مقتبس من كتاباته القيمة مع بعض الشرح.

هنا نورد بعضًا من هذه الأسئلة والأجوبة لنرى صحة أو خطأ هذه العقود في كلامه.

«س: في المعاملة الحالية التي يطلب فيها معظم أصحاب المنازل مبلغًا كبيرًا مقدمًا، ليُفترض أنهم يعطون غرفتين للمستأجر، ويدفع المستأجر هذا المال، ولكن يُقال إيجار من جانب صاحب المنزل ويُخصم من الإيجار حسب المال المدفوع، مثلاً مقابل غرفتين ألف وخمسمائة تومان إيجار وعشرة آلاف تومان نقدًا، يقول صاحب المنزل إذا دفعت مبلغًا معينًا، سأعطيك الغرفتين مثلاً بألف وثلاثمائة تومان. مع العلم أن معظم الناس يتصرفون هكذا في هذه المسألة، فكيف يكون الأمر؟ وكيف يكون خصم المال النقدي مقابل الإيجار؟

ج: كل نوع من أنواع المعاملات التي تكون للهروب من الربا محكوم عليها بحكم الربا وباطلة، وإن تقليل مبلغ الإيجار يُحتسب كأنه قرض بفائدة، وهو ربا، إلا إذا كان شرط القرض ضمن عقد الإيجار، ففي هذه الحالة لا إشكال فيه.»

«س: شخص يستأجر منزلاً بمبلغ خمسة آلاف وخمسمائة تومان شهرياً، ويعطي المالك مبلغ مائة ألف تومان كوديعة ليستردها عند الإخلاء، لكنه يدفع شهرياً مبلغ أربعة آلاف وخمسمائة تومان كإيجار، ويخصم شهرياً ألف تومان على حساب المال الذي أودعه كوديعة. وبما أن أخذ وإعطاء الربا كلاهما حرام، يرجى التوضيح هل خصم مبلغ الألف تومان صحيح أم لا؟ وإذا كان يُعتبر ربا، هل المستأجر ملزم بدفعه أم لا؟

ج: في الحالة المذكورة، الإيجار صحيح، ولكن يجب عليه دفع كامل مبلغ الإيجار دون خصم أي مبلغ. نعم، إذا كان الإيجار قد خُفض وكان شرط ضمن عقد الإيجار أن يُعطى مبلغ للمالك كوديعة أو قرض أو غير ذلك، فلا إشكال في ذلك.»

وفي جواب سؤال آخر في نفس الموضوع يكتب:

«تقليل مبلغ الإيجار إذا كان على حساب المال الذي أودعته عند المؤجر فهو حكمه حكم الربا.»[۳۷]

ومن هذه العبارات يتضح جيداً أنه إذا كان الأصل إيجاراً وشرط القرض جاء لاحقاً ضمن الإيجار، فلا يكون ربا، أما إذا خُفض الإيجار بسبب المال الذي أُعطي كقرض، فهو ربا؛ لأن ذلك القرض سيكون مشروطاً بالإيجار.

وفي ختام الكلام حول هذه المسألة الفقهية، من الضروري تذكير نقطة أخرى هامة. بعض القروض والإيجارات المعاصرة تكون على هذا النحو أن المستأجر لا يدفع أي إيجار مقابل إعطاء مبلغ أكبر كقرض، ويسمى هذا «رهن كامل». يجب أن نعلم أن مثل هذا القرض بلا شك ربا، ولا يوجد مخرج منه؛ لأن هنا أساساً لا يوجد إيجار، فالإيجار الذي لا يكون له مقابل لا وجود له لا في الشرع ولا عند العقلاء. لذلك، الشيء الوحيد المتبقي هو أن المستأجر يستفيد من المنزل مقابل القرض الذي أعطاه لصاحبه، وهذا لا يعدو كونه زيادة على أصل القرض، وهو الربا ذاته.

وفي ختام هذا النص نذكر مرة أخرى أن النقاش حول تأثير انخفاض قيمة المال في المسائل الفقهية هو نقاش مهم جداً وحاسم، ويستحق بحثاً أوسع وأعمق بكثير. هذا النص كُتب بناءً على ما جرى حتى الآن بين الفقهاء وكذلك في تعاملات الناس، ونأمل أن نزيد من نضج وازدهار هذه الأبحاث بمساعدة الباحثين والمثقفين، إن شاء الله.

[۱]. «تحرير الوسيله» الإمام خميني، ج ١/٤٩٢، كتاب البيع، منشورات إسلامية تابعة لجمعية المدرسين، قم، ١٣٦٣؛ «القواعد الفقهية»، ميرزا حسن بجنوردي، ج ٥/٧٤، مكتبة الصدر، طهران، ١٣٩٣هـ.ق؛ «جواهر الكلام»، الشيخ محمد حسن النجفي، ج ٢٣/٣٣٢، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٩٨١.

[۲]. «كتاب البيع»، الإمام خميني، ج ٢/٤٠٥-٤٠٦، الطبعة الأولى، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ١٣٩١هـ.ق.

[۳]. «كتاب الطهارة»، الإمام خميني، ج ٣/٤٣٦، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ١٣٨٩هـ.ق.

[۴]. «تحرير الوسيلة»، ج ١/٤٥٤، المسألة ٣.

[۵]. المرجع نفسه، ج ١/٤٩٣.

[۶]. المرجع نفسه، ج ١/٦٠١، المسألة ٩.

[۷]. «كتاب البيع»، ج ٢/٤٠٧-٤٠٨.

[۸]. «وسائل الشيعة» الشيخ حر العاملي، ج ١٢/٤٦٦، دار إحياء التراث العربي، بيروت، في هذا الحديث العبارة «لا خير في هذا، فلا يجعلون فيها ذهباً…» وردت في نسخة «وسائل»، ولكن في نسخة المرحوم الكليني ورد: «… أفلا يجعلون…» «فروع كافي»، الشيخ الكليني، ج ٥/٢٤٦، دار الكتب الإسلامية، طهران، ١٣٥٠ش.

[۹]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٤٦٧؛ «فروع كافي»، ج ٥/٢٤٧.

[۱۰]. «معجم رجال الحديث»، آية الله الخوئي، ج ١٧/٢٨٧، مركز نشر آثار الشيعة، قم.

[۱۱]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٤٦٨.

[۱۲]. «كتاب البيع»، ج ٢/٤١٢.

[۱۳]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٤٥٥.

[۱۴]. «معجم رجال الحديث»، ج ٨/٣١٤ عن سندي بن ربيع وج ١٦/١١٦ عن محمد بن سعيد المدائني.

[۱۵]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٤٦٨.

[۱۶]. المرجع نفسه، ج ١٢/٤٦٧.

[۱۷]. «كتاب البيع» ج ٢/٤١٠.

[۱۸]. لتوضيح المعاني المذكورة حول «عينه» ورواياتها، انظر «فروع كافي» ج ٥/٢٠٢، باب العين، في هذا الكتاب توجد حواشي توضيحية مفيدة في شرح الروايات ونقل أقوال بعض الفقهاء واللغويين.

[۱۹]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٣٨٠.

[۲۰]. «كتاب البيع»، ج ٢/٤١٣.

[۲۱]. المرجع نفسه، ج ٢/٤١٤.

[۲۲]. «وسائل الشيعة»، ج ١٢/٤٢٤.

[۲۳]. المرجع نفسه، ج ١٢/٤٢٥.

[۲۴]. «كتاب البيع»، ج ١/٣٣٨.

[۲۵]. المرجع نفسه، ج ٢/٤١٥.

[۲۶]. المرجع نفسه، ج ٢/٤١٦.

[۲۷]. «وسائل الشيعة»، ج ١٨/٧٨، ٧٩ و ٨٩. بعض هذه الروايات تتمتع بسند جيد جداً؛ مثل صحيحة أيوب بن حر وصحيحة هشام بن حكم.

[۲۸]. مجلة «فقه»، العدد ١٠ شتاء ١٣٧٥، من منشورات مكتب الدعوة الإسلامية، مقال: «بيع القرآن لغير المسلم من وجهة نظر الإمام خميني».

[۲۹]. «كتاب البيع»، ج ٢/٤١٣-٤١٤.

[۳۰]. «رسالة عملية»، آية الله الخوئي ٥٢٨، مطبعة مهر، قم، ١٤٠٩هـ.ق.

[۳۱]. «رسالة عملية»، الإمام خميني ٢٨/ من القسم الأخير من المسائل المتفرقة والملحقات.

[۳۲]. «تحرير الوسيلة»، ج ١/٤٩٥.

[۳۳]. «لبنك اللاربوي في الإسلام»، آية الله الشهيد محمد باقر صدر ١٦٤/١٨٢، دار التعارف للمطبوعات، بيروت.

[۳۴]. فصلية «فقه أهل البيت» العدد الأول، ربيع ٧٤، مقال التأمين، تقرير دروس الإمام خميني من آية الله محمدي الجيلاني.

[۳۵]. «تحرير الوسيلة»، ج ١/٥٤٧، ٥٤٨.

[۳۶]. المرجع نفسه، ج ٢/٣، ٧.

[۳۷]. استفتاءات، الإمام خميني، ج ٢/١٣٦، ٢٠٥، ٢٠٦، منشورات إسلامية تابعة لجمعية المدرسين، قم، ١٣٧٣.