ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ثبات شریعت و مدیریت دگرگونیهاى اجتماعىاقتصادى ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: سید حسین میرمعزی
المصدر: فصلنامۀ اقتصاد اسلامی، شتاء ١٣٨١، العدد ٨
المقدمة
يعتبر المفكرون والفقهاء العظام في الإسلام، مثل حضرة الإمام الخميني قدس سره، الشريعة الإسلامية شريعة شاملة وثابتة. يقول الإمام في هذا الصدد:
الفقه هو النظرية الحقيقية والكاملة لإدارة الإنسان من المهد إلى اللحد.[1]
[الإسلام] هو مذهب، على عكس المذاهب غير التوحيدية، يتدخل ويراقب في جميع الشؤون الفردية والاجتماعية والمادية والروحية والثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، ولم يغفل عن أي نقطة ولو كانت ضئيلة جدًا تلعب دورًا في تربية الإنسان والمجتمع وتقدمهما المادي والروحي.[2]
كما تدل العديد من الروايات على شمولية الشريعة. على سبيل المثال، يقول الإمام الصادق عليه السلام ردًا على من يقولون: في المسائل التي لا يوجد حكمها في الكتاب والسنة النبوية، نعمل برأينا الخاص:
يكذبون. لا شيء إلا وله حكم في الكتاب والسنة.[3]
كما تدل العديد من الروايات على ثبات الشريعة؛ منها قول الإمام الباقر عليه السلام:
قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس! الأحكام التي حللتها ستظل حلالًا إلى يوم القيامة، والأحكام التي حرمتها ستظل حرامًا إلى يوم القيامة.[4]
وهذا في حين أن التحولات الكبيرة في المجتمعات البشرية منذ زمن التشريع وحتى الآن، وخاصة في القرنين الأخيرين، أثارت هذا السؤال: كيف يتوافق شمول وثبات الشريعة الإسلامية مع تحولات المجتمعات البشرية؟ كيف يمكن لأحكام ثابتة في جميع المجالات ولكل الناس وفي كل الأزمنة أن تنظم سلوكيات وعلاقات البشر نحو الأهداف التي يهدف إليها الإسلام؟
هذا السؤال يتعلق بنص الشريعة الذي شرعه الله تعالى، ونقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام، وليس عن طريقة اكتشافه في عصر الاجتهاد. بمعنى آخر، السؤال عن دور الزمان والمكان في الشريعة، وليس عن دورهما في الاجتهاد؛ ومع ذلك، هذان السؤالان مرتبطان، وإجابة السؤال الأول تؤثر في إيجاد جواب السؤال الثاني.
ينطبق هذا النقاش أيضًا على مجال الأحكام الاقتصادية التي هي مصدر اكتشاف المذهب والنظام الاقتصادي الإسلامي. ومن مقتضيات شمول وثبات الشريعة الإسلامية ألا تغفل عن بيان حكم أي سلوك أو علاقة في مجالات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وأن تكون أحكامها ثابتة وعالمية. بمعنى آخر، من مقتضيات شمول وثبات الشريعة الإسلامية أن يكون للإسلام نظام اقتصادي شامل وثابت وعالمي؛ ثم يتكرر السؤال: كيف يتوافق الشمول والثبات مع التحولات السريعة والكبيرة في السلوكيات والعلاقات في هذا المجال؟
في جواب هذا السؤال، طرح الشهيد الصدر في كتابه اقتصادنا نظرية تحت عنوان «منطقة الفراغ». وبعده، حاول عدد من المقالات شرح هذه النظرية ومعالجة بعض الإشكالات وأحيانًا تعديلها؛ ولكن لا تزال هناك إشكالات، ويبدو أن هذه النظرية لم تنجح في الإجابة على السؤال المذكور.
في هذا المقال، وبعد شرح ونقد هذه النظرية، سيتم توضيح نظرية بديلة تبدو للكاتب إجابة واضحة على هذا السؤال، ومتوافقة أيضًا مع أحاديث شمول وثبات الشريعة.
بيان الموضوع
يطرح سؤال «كيفية توافق ثبات الشريعة مع تحولات المجتمعات» في الأحكام التي تتعلق بمواضيع متغيرة ومتطورة. وترتبط موضوعات الأحكام الشرعية بإحدى العلاقات الأربع التالية:
١. علاقة الإنسان بنفسه؛
٢. علاقة الإنسان بالله؛
٣. علاقة الإنسان بالطبيعة؛
٤. علاقة الإنسان بالآخرين.
في الإسلام، شرعت أحكام لتنظيم العلاقات السابقة بحيث يسير الإنسان والمجتمع في طريق السعادة في الدنيا والآخرة. ويطرح السؤال المذكور أساسًا حول الأحكام التي شرعت لتنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة والعلاقات الاجتماعية، لأن هذه العلاقات تتغير بتغير الزمان والمكان وتتطور مع تقدم العلم والتكنولوجيا؛ وهي تغييرات تنتج عن تقدم العلم والتكنولوجيا وتمكن الإنسان من أدوات ووسائل وتقنيات جديدة للسيطرة على الطبيعة وتسهيل وتسريع إقامة العلاقات الاجتماعية.
نظرية منطقة الفراغ
الشهيد الجليل المرحوم الصدر، في موضعين من كتاب اقتصادنا، بيّن نظريته[5] وشرح بعض تلاميذه آراء الأستاذ.[6] سنشرح هذه النظرية في ثلاثة محاور.
١. مفهوم منطقة الفراغ
تتألف الشريعة الإسلامية من قسمين: قسم يشمل التشريعات الإلهية الثابتة و«المنجزة» التي لا تقبل التغيير أو التحويل، وقسم آخر يُترك لولي الأمر، ولا يوجد من عند الله تشريع ثابت لا يقبل التغيير في هذا القسم، ويصدر ولي الأمر الأحكام فيه بناءً على الأهداف العامة للإسلام ومتطلباتها. القسم الثاني هو منطقة الفراغ؛ أي المنطقة الخالية من التشريعات الثابتة وغير القابلة للتغيير.
٢. ضرورة وجود منطقة الفراغ
الشريعة الإسلامية ليست شريعة مؤقتة، بل هي أبدية وعالمية، وبالنظر إلى تطور المجتمعات يجب أن تحتوي على عنصر متغير لكي تتمكن من العمل كخطة نظرية أبدية وعالمية لإدارة المجتمعات وتوجيهها نحو السعادة في الدنيا والآخرة. ولتوضيح هذا الأمر، يجب تحديد جوانب الحياة المتغيرة للإنسان وشرح تأثيرها على الخطة التشريعية للإسلام التي تنظم حياة الإنسان. في حياة الإنسان يوجد نوعان من العلاقات: علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقة الإنسان بالإنسان الآخر. العلاقة الأولى لا تعتمد على وجود المجتمع، لكنها تتأثر به. وجود المجتمع يؤدي إلى تراكم الخبرات ونمو رأس المال البشري لفهم الطبيعة، وبالتالي توسع الاحتياجات والرغبات؛ لكن وجود المجتمع لا ينظم علاقته مع الآخرين.
تتطور علاقة الإنسان بالطبيعة عبر الزمن، وبناءً على المشكلات الجديدة التي يواجهها الإنسان والحلول المتنوعة التي يجدها لتلك المشكلات، تصبح وسائلُه وطرقه في تسخير الطبيعة واستخدامها أقوى وأكثر فاعلية؛ أما علاقة الإنسان بالآخرين فلا تتطور بشكل طبيعي؛ لأن هذه العلاقات تهدف إلى حل مشكلات ثابتة؛ ولهذا السبب، فإن أصل تلك العلاقات ثابت؛ رغم احتمال تغير شكلها الظاهري؛ فمثلاً، كل أمة تصل إلى ثروة نتيجة ارتباطها بالطبيعة تحتاج بالضرورة إلى التوزيع، ولا فرق في ذلك إن كانت تنتج بأدوات وطرق بسيطة أو بأدوات وطرق معقدة ومتقدمة؛ ومن ثم، فإن التشريعات التي تنظم مثل هذه العلاقات على أساس رؤية الإسلام للعدالة يمكن نظرياً أن تكون ثابتة؛ لأنها لحل مشكلات ثابتة؛ فالأمر طبيعي أن يقدم الإسلام مبادئ نظرية وتشريعية ثابتة يمكنها تنظيم علاقات البشر مع بعضهم البعض في عصور مختلفة؛ لكن هذا لا يعني أن الإسلام قد أغفل جوانب تطور حياة الإنسان، أي علاقة الإنسان بالطبيعة؛ لأن تطور هذه العلاقة وتقدم الإنسان في استخدام الطبيعة يهدد الخطة التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية. في عصر أصبحت فيه وسائل الزراعة ميكانيكية، لا يمكن القول: إن من يزرع الأرض يملكها؛ لأن في هذه الحالة، يتحول عدد قليل من الأشخاص القادرين على زراعة مساحات واسعة إلى ملاك كبار، وهذا يهدد التوزيع العادل الذي هو من الأهداف المهمة للإسلام. ولتفادي هذا التهديد، يجب أن يُترك في الخطة التشريعية مجال فراغ يُمكّن الولي الفقيه من الحكم وفق مقتضيات الزمان وفي سبيل أهداف الإسلام.
٣. حدود منطقة الفراغ
تشمل منطقة الفراغ الأفعال التي لم يُشرع لها حكم إلزامي (وجوب أو حرمة) من الله تعالى؛ بل حكمها الشرعي الأصلي هو الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة. في هذه الحالات، يمكن للولي الفقيه أن يحكم بالوجوب أو الحرمة بناءً على مصالح وأهداف الإسلام وكذلك على مبادئ كافية مستمدة من منطقة التشريع المملوءة؛ وبالطبع، في حالات الحكم الإلزامي يمكن للولي الفقيه، عند تشخيص تعارض الأحكام، أن يقدم الأهم على المهم، وهذا موضوع آخر.
نقد نظرية الشهيد الصدر
١. من كلمات الشهيد الصدر يُستفاد أن تغير علاقة الإنسان بالطبيعة أمر طبيعي وناجم عن طبيعة الإنسان. فالإنسان كائن مفكر ومبدع، ولا يمكن منعه من التقدم في هذا المجال؛ لأن ذلك يشبه حبس فكر البشر؛ لذلك، لا يحدد الإسلام خطة ثابتة لتنظيم هذه العلاقات؛ أما علاقة الإنسان بالآخرين فليست كذلك. فهذه العلاقات لحل مشكلات ثابتة؛ فلا مانع من أن يكون للإسلام خطة تشريعية ثابتة لتنظيم هذه العلاقات. من هذا الكلام يُستفاد قضيتان كليتان كما يلي:
أولاً: علاقات البشر مع بعضهم البعض لحل احتياجات ثابتة؛ ثانياً: علاقات البشر مع الطبيعة دائمة التغير والتطور.
الشهيد الصدر لم يقدم دليلاً شاملاً وحاسماً على هذين الادعاءين الكليين. والحقيقة أن هناك ثوابت ومتغيرات في كلا المجالين، ويصل ذهن الإنسان المبدع في كلا المجالين إلى أدوات وطرق وعلاقات جديدة.
الإنسان يتصرف في الطبيعة لإنتاج السلع الزراعية والمواد الأولية وبعض الأدوات اللازمة، ومع تقدم العلوم والفنون وتزايد الخبرات، يكتشف ويخترع يومياً أدوات وطرقاً جديدة، فيزداد قدرته على تسخير الطبيعة وإنتاج سلع وخدمات أحدث. وبجانب الاحتياجات الثابتة كالحاجة إلى الغذاء والملبس والمسكن، تظهر احتياجات جديدة مثل الحاجة إلى الثلاجة والتلفاز والسيارة والحاسوب، وهي نتيجة للاختراعات والاكتشافات الجديدة.
كذلك، تتغير وتتطور علاقات الإنسان مع الآخرين. فالوصول إلى أدوات وآلات متقدمة لا يقتصر على تسهيل وتسريع وتوسيع العلاقات السابقة، بل يخلق حاجة إلى علاقات جديدة، وبالتالي إلى قوانين حقوقية وقضائية وجنائية جديدة. وهذه التغيرات تنبع من تغير وتطور علاقة الإنسان بالطبيعة؛ فمثلاً، عند الانتقال من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة، تؤدي اختراعات وسائل النقل الجديدة كالسيارة والقطار والطائرة، واختراع جهاز الطباعة والتصوير السينمائي والراديو والتلفاز والهاتف وغيرها من وسائل الاتصال الجماعي، وأخيراً اختراع الحاسوب والإنترنت والأجهزة الذكية، إلى تحول كامل في العلاقات الإنسانية، وخلق حقوق جديدة للأفراد، وضرورة وضع قوانين قادرة على تنظيم وتنسيق العلاقات الإنسانية في العصرين الحديث وما بعد الحديث بما يتوافق مع الأهداف المرجوة. كما يخترع الإنسان أدوات لتسريع وتسهيل العلاقات الاجتماعية عبر الزمن، والتي أحياناً تغير تلك العلاقات تماماً، وتستلزم إعادة تنظيمها عبر وضع قوانين جديدة. وأوضح مثال على ذلك هو اختراع النقود المعدنية والورقية والائتمانية، واختراع البنك والأوراق المالية مثل السندات والأسهم والمشاركة، وتأسيس الأسواق المالية الثانوية.
علاوة على ذلك، يصل الفكر الإبداعي للبشر في مجال العلاقات الاجتماعية أحياناً إلى اكتشافات جديدة مباشرة؛ مثل عقد التأمين الذي أدى إلى ظهور صناعة التأمين بمختلف أنواعها. ومن ثم، في كلا المجالين، علاقة الإنسان بالآخرين، توجد احتياجات ثابتة، وفي كلا المجالين يعمل الفكر الإبداعي للبشر، ومع الاكتشافات والاختراعات الجديدة تتغير أدوات وطرق تلبية الاحتياجات السابقة، وتظهر احتياجات جديدة.
٢. يرى الشهيد الصدر قدس سره أن التغير والتطور في علاقة الإنسان بالطبيعة في بعض الحالات يهدد المخطط التشريعي للإسلام لتنظيم العلاقات الاجتماعية؛ ولهذا السبب، وللوقاية من هذا التهديد، تم اعتبار منطقة الفراغ في المخطط التشريعي، حيث يقوم الولي الفقيه في هذه المنطقة التي تخلو من حكم تشريعي ثابت، بمنع هذا التهديد بحكمه الولائي. ومن ناحية أخرى، يطبق في المخطط التشريعي منطقة الفراغ على الأحكام المباحة والمكروهة والمستحبة، ويضع الأحكام الواجبة والمحظورة في منطقة التشريع الكامل التي لا يملك الولي الفقيه فيها سلطة.
في البداية، يبدو السؤال: في أي منطقة تقع الأحكام الوضعية؟ هل يمكن للولي الفقيه أن يحكم بصحة عقدٍ ما لمصلحة ما، بينما الشرع قد أبطل ذلك الحكم؟
هذا السؤال لا يجد جوابًا واضحًا في نظرية الشهيد الصدر.
السؤال الآخر هو أنه عندما توضع أقوال الصدر حول ضرورة وجود منطقة الفراغ جنبًا إلى جنب مع تفسيره لحدود منطقة الفراغ، يتضح تلقائيًا أن المخطط التشريعي في العلاقات التي شرع فيها الشارع حكمًا لزوميًا لا يتعرض للتهديد بسبب تغير علاقة الإنسان بالطبيعة؛ أي أن تغير علاقة الإنسان بالطبيعة لا يؤدي أبدًا إلى أن يضطر الولي الفقيه في العلاقات التي خُصصت بالوجوب أو التحريم إلى تغيير أحكامها بناءً على مصلحة ما، مع أن لا دليل على هذا الأمر.
٣. يرى الشهيد الصدر قدس سره أنه في العلاقات التي يكون حكمها الأصلي الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، يمكن للولي الفقيه أن يحكم بالوجوب أو التحريم بناءً على أهداف الإسلام والمبادئ المستخلصة من منطقة التشريع الكامل؛ أما في الحالات التي يوجد فيها حكم شرعي لزومي، فلا يجوز له إلا في حالة التعارض أن يحكم بتقديم الأهم.
يبدو أن الولي الفقيه في كلتا الحالتين لا يملك حكمًا تشريعيًا، وحتى في حالات الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة، فإنه يحكم بتقديم الأهم من باب التعارض. ولتوضيح هذا الأمر، لا بد من ذكر عدة مقدمات:
أولاً: كما تقدم، وبناءً على أحاديث متعددة، فإن الشريعة الإسلامية شريعة شاملة وأبدية، وقد شرعت حكمًا معينًا لكل الأفعال البشرية في جميع ميادين الحياة؛ وبالطبع، فإن الشهيد الصدر قدس سره يقبل هذه المقدمة بأن للإسلام حكمًا لكل فعل، لكنه يرى أن الأحكام غير اللزومية في الإسلام قابلة للتغيير.
ثانيًا: يتفق علماء الشيعة على أن الأحكام قد أُنشئت بناءً على المصالح. وهذا الاتفاق يشمل الوجوب والتحريم، وكذلك الكراهة والاستحباب والإباحة؛ فمثلاً، إذا حكم الشارع بفعل ما بالاستحباب، فهذا يعني أن ذلك الفعل فيه مصلحة، وإن لم تكن المصلحة بالغة إلى حد اللزوم.
والسؤال الآن: بموجب أي إذن يمكن للولي الفقيه أن يحول حكم الاستحباب، الذي أُنشئ بناءً على المصلحة الموجودة في الفعل، إلى تحريم؟ لا يُتصور أي إذن لهذا الأمر سوى التعارض بين هذه المصلحة ومفاسد أخرى يجب تجنبها. وفي هذه الحالة، لا فرق بين الأحكام اللزومية وغير اللزومية، وفي كلتا الحالتين يحكم الولي الفقيه من باب التعارض بتقديم الأهم على المهم.[7]
النظرية المختارة
تُعتبر الشريعة الإسلامية شريعة شاملة وأبدية، وفي الوقت نفسه، فإن كيفية التشريع فيها هي بطريقة تمنع من جهة الابتكارات والإبداعات وتقدم الإنسان في علاقته مع الطبيعة والناس الآخرين، ومن جهة أخرى لا تسمح بأن تُستخدم هذه الإبداعات في اتجاه معاكس لأهداف الإسلام. بمعنى آخر، لا تمنع التغيرات، بل توجهها نحو أهداف الشريعة. ولتوضيح هذه النظرية بشكل أعمق، نحتاج إلى مقدمات:
١. في حل مسألة ثبات الشريعة وتطور المجتمعات، ليس المهم تحديد في أي مجال وبأي مدى تحدث التغيرات، بل المهم أن نعلم أن هذه التغيرات تتم بيد الإنسان وبإرادته؛ ولذلك فهي قابلة للتوجيه والإدارة. إن تقدم العلوم والفنون والأساليب والاختراعات والاكتشافات، التي تُعتبر المصدر الرئيسي لتغير العلاقات، أمر إرادي، والإنسان يتعامل معها باختياره؛ لذا من الناحية المنطقية، من الممكن من جهة أن تُربى العقول لتتجه تلقائيًا نحو أهداف الشريعة، فتستخدم ابتكاراتها وإبداعاتها في الطريق المستقيم، ومن جهة أخرى، بوضع قوانين تمنع التغيرات التي لا تتوافق مع أهداف الشريعة.
٢. توجه المدارس البشرية أو الإلهية السلوكيات والعلاقات الاجتماعية نحو أهدافها، والمنطق العقلي يقتضي منع التغيرات التي تسير في عكس هذه الأهداف. وفي الإسلام، شرع الله السلوكيات والعلاقات الاجتماعية في جميع ميادين الحياة بطريقة تمكّن جميع الناس من الصعود على سلم التقدم حسب قدراتهم، والاقتراب من قمة الكمال. ومن البديهي أن يُمنع في هذا المخطط الاعتقادات والأفكار والسلوكيات والعلاقات التي تؤدي إلى سقوط الإنسان، وإلا لما كان ذلك متوافقًا مع حكمة الله. وفي الوقت نفسه، يجب أن يُترك المجال لاستخدام الأفكار والإبداعات والابتكارات في اتجاه الأهداف، لأنه بدون ذلك يتوقف الإنسان عن التطور المادي والمعنوي، وهذا أيضًا لا يتوافق مع هدف الإسلام.
وعليه، فإن الشريعة الإسلامية لا تمنع التقدم العلمي والفني بشكل مطلق، مما يؤدي إلى سد باب التغيير في المجتمعات البشرية، ولا تفتح الباب على مصراعيه ليستخدم الإنسان قدراته في كل مجال ويتجه إلى أي طريق، مما يسمح بحدوث تغييرات تتعارض مع أهداف الشريعة؛ بل توجه التغيرات، والمقصود من «إدارة التغيرات» هو هذا التنقية والتوجيه للتغيرات.
٣. المقصود من الشمولية والثبات في الشريعة الإسلامية ليس أن لكل مثال من أمثلة العلاقات في الشريعة حكم ثابت، وأن الشريعة الإسلامية لم تغفل حكم أي مثال؛ بل المقصود هو أنه في إطار العناوين التي تنطبق على الأفعال والعلاقات، لم يُغفل حكم أي عنوان، وأن الشريعة لها حكم ثابت وعام يشمل جميع العناوين.
وكذلك في إطار العناوين، المقصود من الشمولية والثبات في الشريعة ليس أن كل عنوان ينطبق على فعل من الأفعال هو موضوع حكم ثابت في الشريعة؛ بل المقصود هو أن هذا العنوان نفسه أو العنوان العام الذي يندرج تحته هذا العنوان يُعتبر موضوع حكم الشريعة؛ فعلى سبيل المثال، الإيجار عنوان يدل على نوع معين من العلاقة العقدية. هذا العنوان في الشريعة الإسلامية موضوع حكم الجواز. وكذلك الربا عنوان في الشريعة الإسلامية حكمه التحريم؛ أما التأمين فهو عنوان يدل، بحسب قول بعض الفقهاء، على نوع جديد من العقود العقدية، وهذا العنوان ليس موضوع حكم؛ لكن عنوان العقد، وهو عنوان عام يشمل التأمين أيضًا، موضوع حكم وجوب الوفاء به، ويمكن استنباط حكم التأمين بالطريقة التي سنذكرها لاحقًا من حكم العناوين الأخرى. على أي حال، الشمولية والثبات في الشريعة لا يمكن أن تتحقق بالنسبة للأمثلة، ولا يمكن قبول مثل هذا الادعاء؛ ولكنها ممكنة بالنسبة للعناوين كما تقدم.
ومع ذلك، يبقى السؤال: كيف يتم هذا التوجيه والإدارة؟ كيف يمكن لمخطط تشريعي ثابت وشامل أن يوجه التغيرات نحو الأهداف المرجوة؟ تكمن الإجابة على هذا السؤال في منهج تشريع الأحكام. منهج التشريع هو بطريقة تتيح هذه القدرة.
٤. يتضح منهج تشريع الأحكام المتعلقة بالسلوكيات والعلاقات الاجتماعية في الشريعة الإسلامية من خلال توضيح المقترحات الثلاثة التالية:[8]
أولاً: الأحكام الشرعية مُشرعة على شكل قضايَا حقيقية.
القضية الحقيقية هي قضية كلية موضوعها ينطبق على المصاديق الموجودة في الحاضر والمستقبل؛[9] فعلى سبيل المثال في الآية «أحل الله البيع وحرم الربا»،[10] تم تشريع حكم الحل والحرمة لعنوان البيع وعنوان الربا بشكل مطلق؛ لذلك، كل مصداق ينطبق عليه عنوان البيع (الشراء والبيع) في أي زمان فهو حلال، وهذا الحكم لا يختص بالمصاديق المحققة في زمن النبي صلى الله عليه وآله فقط. ونفس الأمر ينطبق على الربا.
هذه الخاصية في التشريع تحل مشكلة «المصاديق المستحدثة»؛ لذا، المصاديق المستحدثة إذا صدق عليها عنوان البيع، فهي مشمولة بحكم الحل.
ثانياً: تُصنّف عناوين السلوكيات والعلاقات إلى ثلاث طبقات.
العناوين التي هي موضوع الأحكام الشرعية، من حيث الشمول، ثلاثة أنواع: العناوين الأولية، العناوين الثانوية، والعناوين العامة.
العناوين الأولية هي العناوين الذاتية والمباشرة للأفعال (السلوكيات والعلاقات) المكلفة. كل فعل له عنوان ذاتي ينطبق عليه في جميع الأحوال؛ مثل الأكل، الشرب، الوضوء، الغسل، البيع والشراء، الإيجار، والإقراض، وهي عناوين أولية لأفعال خاصة.
العناوين الثانوية هي عناوين عرضية تنطبق على الأفعال فقط في وجود حالة خاصة؛ مثلاً، الإسراف عنوان ينطبق على الأفعال التي تتجاوز حد الاعتدال؛ لذلك يُقال عن الأكل والشرب واللبس والصرف المفرط إنه إسراف. كذلك عنوان الضرر أو الحرج من العناوين الثانوية؛ أي أن كل فعل في بعض الحالات يكون ضاراً أو محرجاً؛ مثل الوضوء الذي يضر المريض، أو للمسن في الجو البارد إذا كان الوصول إلى الماء يتطلب مجهوداً كبيراً، فيُعتبر حرجاً. في المعاملات، عنوان الغبن والغرر عنوانان ثانويان؛ لأنه إذا كان سعر المعاملة مختلفاً اختلافاً كبيراً عن سعر السوق، تكون المعاملة غبناً، وإذا كان هناك جهل أو خطر في العوض أو المعوض أو شروط المعاملة، تكون المعاملة غررية، والعنوان الأولي للمعاملة الغبنية أو الغررية قد يكون البيع، الإيجار، المزارعة، المساقاة، وما شابه.
كما يُقال للعناوين الثانوية إنها تنطبق على الحالات الخاصة التي تصيب الإنسان المكلف. الإنسان موضوع الأحكام الشرعية هو الإنسان البالغ العاقل والقادر. الأحكام الشرعية تُنجز في حالة علم واختيار الإنسان العاقل والبالغ. حالات مثل الجهل، النسيان، الاضطرار، الإكراه وما شابهها تمنع إنجاز الحكم الشرعي. كذلك حالات مثل الجنون والعجز ترفع موضوع الحكم الشرعي.
العناوين العامة بالمقارنة مع العناوين الأولية بمثابة الجنس وتشمل عدداً كبيراً من العناوين الأولية. الفرق بين العناوين العامة والثانوية هو أن العناوين العامة تنطبق في جميع الأحوال على العناوين الأولية للأفعال، بينما العناوين الثانوية تنطبق فقط في حالة خاصة؛ مثلاً، عنوان العقد عنوان عام يشمل جميع المعاملات التي يكون فيها الإيجاب والقبول معتبرين، وينطبق عليها دائماً؛ مع ذلك، قد يكون للعناوين العامة درجات مختلفة من حيث الشمول، وبمصطلحات فقهية، تكون كلية إضافية.
ثالثاً: في الشريعة الإسلامية، موضوع الأحكام الشرعية هو العناوين الأولية والثانوية والعامة.
الله الحكيم بعلمه اللامحدود وحكمته العليا شرّع هذه الأحكام بحيث يصل الإنسان والمجتمع الإنساني بالسير عليها إلى سعادة الدنيا والآخرة. في إطار العناوين، لا توجد منطقة خالية من التشريع. منطقة الفراغ غير موجودة في هذا الإطار، والمقصود من شمولية الشريعة هو هذا بالذات. كذلك، أحكام هذه العناوين أبدية وثابتة؛ رغم أن حكم المصاديق قد يتغير في مقام التطبيق.
رابعاً: أحكام العناوين الثانوية مقدمة على أحكام العناوين الأولية والعامة، وأحكام العناوين الأولية تخصّص أحكام العناوين العامة.
تقدم أحكام العناوين الثانوية على أحكام العناوين الأخرى نوقش تحت عنوان «الحكم» أو «الدخول» في أصول الفقه، وكذلك تقدم أحكام العناوين الأولية على العناوين العامة نوقش تحت عنوان «التخصيص». لا نريد الدخول في هذا النقاش بشكل فني، فقط نشرح هذه النقطة من منظور منهج التشريع أن أحكام العناوين الثانوية تلعب دور الموجه والمرشد للتغييرات. بمعنى آخر، حكم المصاديق الجديدة للعلاقات إذا جاز في إطار أحكام العناوين الثانوية، فهو مقبول؛ مثلاً، عقد التأمين حسب بعض الأقوال عقد جديد. حكم هذا العقد إذا لم ينطبق عليه غرر أو غبن أو ضرر أو عناوين ثانوية أخرى، فهو صحيح استناداً إلى الآية المباركة «أوفوا بالعقود»، وإلا يُطبق عليه حكم العنوان الثانوي. هكذا، يبيح الشارع المقدس الإسلام عبر بيان الأحكام الثانوية نوعاً من التغييرات التي تتوافق مع أهداف مشروعه التشريعي وينفي الباقي. بعبارة أخرى، تقدم العلوم والفنون وتفاعل وتبادل الأفكار البشرية عبر الزمن يؤدي إلى ظهور مصاديق جديدة لعلاقة الإنسان بالطبيعة أو علاقة البشر ببعضهم البعض في ميادين الحياة المختلفة. المصداق الجديد للعلاقة في أي ميدان كان، لا يتصور له إلا حالتان:
أ. ينطبق على هذا المصداق أحد العناوين الأولية التي هي موضوع الحكم الشرعي؛ أي أن المصداق جديد لكنه ليس عنواناً جديداً. في هذه الحالة، للمصداق الجديد حكم العنوان نفسه؛ مثلاً، المصاديق الجديدة للشراء والبيع في زماننا من هذا النوع. الشراء والبيع الإلكتروني أو باستخدام البطاقات الائتمانية وما شابهها لم تكن موجودة في الماضي، وظهرت اليوم نتيجة وصول الإنسان إلى وسائل وتجهيزات جديدة.
ب. لا ينطبق على هذا المصداق أي من العناوين الأولية موضوع الحكم الشرعي؛ أي أن مصداقاً بعنوان أولي جديد قد ظهر. كثير من الفقهاء يرون أن التأمين من هذا النوع؛ أي عقد جديد لا يمكن إدخاله ضمن عقود المعاملات المعروفة في الشريعة. بناءً على ذلك، يمكن أن يكون التأمين مثالاً على هذا النوع. هذا المصداق بعنوان أولي جديد يدخل تلقائياً ضمن أحد العناوين العامة التي بيّن الشارع حكمها. عقد التأمين – إذا قلنا إنه عقد جديد – يدخل في قول الله تعالى: «أوفوا بالعقود»، وبهذه الطريقة تحصل هذه المصاديق على حكمها. في كلتا الحالتين، إذا لم يقع المصداق الجديد للعلاقة تحت عنوان ثانوي مثل الغرر، الغبن، الضرر، الحرج وما شابه، يُطبق عليه حكم العنوان الأولي أو العام، وإلا ينطبق عليه حكم العنوان الثانوي المعني. بناءً عليه، أحكام العناوين الثانوية تشكل إطاراً لاختيار وتبييح التغييرات التي تتوافق مع أهداف الشريعة.
كما يتضح، الشريعة الإسلامية بهذا المنهج، مع شموليتها وثباتها، من جهة لا تمنع التغييرات المتوافقة مع أهدافها بوضع حكم على العناوين العامة، ومن جهة أخرى تمنع التغييرات غير المتوافقة مع تلك الأهداف بوضع حكم على العناوين الثانوية.
في الختام يجب أن نذكر أن حاوية المصاديق هي حاوية تزاحم العناوين. أحيانًا تكون علاقة ما مصداقًا لعنوانين أصليين لهما حكمان مختلفان. في هذه الحالة، تسري قاعدة التزاحم (تقديم الأهم على المهم).
الملخص والنتيجة
تؤدي تطورات العلم والخبرة البشرية عبر الزمن إلى تغييرات في علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقات البشر فيما بينهم. هذه التغييرات إرادية وقابلة للتوجيه والإدارة. الشريعة الإسلامية شريعة شاملة وأبدية؛ لكن هذه الشمولية والأبدية في عناوين العلاقات، لا في مصاديقها. لقد خلق الله تعالى شريعة شاملة وأبدية من خلال تصنيف العناوين إلى ثلاث مجموعات: العناوين الأولية، والثانوية، والعامة، وبيان حكم كل عنوان بناءً على المصالح والمفاسد، بحيث تمنع من جهة التغييرات المتوافقة مع أهداف الشريعة، ومن جهة أخرى تضع سدًا أمام التغييرات غير المتوافقة مع تلك الأهداف.
[1]. روح الله الموسوي الخميني [الإمام]: صحيفة النور، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الأول، ١٣٧٨، ج ٢١، ص ٢٨٩.
[2] نفسه: الوصية الإلهية – السياسية، ص ٤٠٢.
[3] انظر: جامع الأحاديث، ج ١، المقدمة، ص ٢٧٥؛ بحار الأنوار، ج ٢٦، كتاب الإمامة، أبواب علومهم: الباب ١ وص ٣٣ ح ٥٢ وج ٢، ص ١٦٩، ح ٢ و ٣ وص ١٧٠، ح ٨، ص ٣٠٥، الباب ٣٤، ح ٤٩.
[4] انظر: بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٦٠، ح ١٧؛ وكذلك انظر: ج ٢، ص ١٧٢، ح ١٣، ج ٦، ص ٩٣، ح ١، ج ١١، ص ٥٦، ح ٥٥، ج ١٢، ص ٧، ح ١٥ وج ٣٦، ص ١٣٢، ح ٨٥.
[5] انظر: السيد محمد باقر الصدر: اقتصادنا، تحقيق مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان (لجنة الاقتصاد)، مركز النشر عن مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، ١٣٧٥، ص ٣٨٠-٣٨٢ وص ٦٨٦-٦٩١.
[6] على سبيل المثال، انظر: أحمد علي يوسفى: ماهية وبنية الاقتصاد الإسلامي، مركز نشر آثار پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، الأول، ١٣٧٩، ص ٧٥ و ٨٣ و ٨٤، و انديشه ماندگار، خاص بالمؤتمر الدولي لآية الله العظمى الشهيد سيد محمد باقر صدر، العدد ١، شهريور ١٣٧٩، ص ١٦ و ١٧.
[7] هذا الموضوع سيتضح أكثر في شرح النظرية المختارة.
[8] من الجدير بالذكر أنه بسبب معرفة المؤلف الأعمق بالفقه المعاملاتي، فإن معظم التطبيقات والأمثلة مخصصة لكتاب المعاملات؛ لكن القواعد عامة وقابلة للتعميم.
[9] انظر: روح الله الموسوي [الإمام] الخميني: منهاج الوصول إلى علم الأصول، تحقيق ونشر مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الأول، ١٣٧٣، ج ٢، ص ٢٨٥-٢٨٧.
[10] البقرة (٢): ٢٧٥.

