ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تفسیر نظریۀ شهید صدر در باب کشف مذهب اقتصادی مطابق با مبانی فقه شیعه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: أحمد علي يوسف
المصدر: فقه و حقوق، صيف 1384، العدد 5
المقدمة
طريقة الاستنباط والوصول إلى تعاليم النظام الاقتصادي لكل شريعة أمر مهم، والاختلاف في طريقة الاستنباط يؤدي إلى تمايزات كثيرة في تعاليم النظام الاقتصادي المستنبط. والشريعة الإسلامية المقدسة ليست استثناءً من هذا الأمر. صاحب كل طريقة ينسب المنتج النهائي لتلك الطريقة إلى الإسلام. ومن المسائل المهمة والمثارة للنقاش أنه إذا كانت التعاليم المستنبطة للنظام الاقتصادي ضمن التعاليم السلوكية أو أساسًا لكثير من الأحكام والقوانين المتعلقة بالسلوكيات الاقتصادية، ففي هذه الحالة يجب أن يكون لدينا يقين أو على الأقل حجة شرعية في نسبتها إلى الإسلام. على سبيل المثال، في نسب الأحكام والقوانين التي نستنبطها من مضمون الخبر المتواتر ـ من حيث السند ـ نكون على يقين بأنها من الشريعة الإسلامية، أما نسب الأحكام والقوانين التي نستنبطها من مضمون الخبر الآحاد إلى الشريعة الإسلامية فلا يكون يقينيًا، ولكن لدينا حجة شرعية للعمل بمضمون ذلك الخبر. لذلك، نعمل بلا شك بمضمونه، بل يجب العمل بمضمون ذلك الخبر.
ومن المواضيع المهمة في نظرية الشهيد الصدر(ره) هو الاستشهاد المرجعي للمذهب الاقتصادي المستنبط من الشريعة الإسلامية. بمعنى آخر، هل ما يُكتشف ويُستنبط من طريقة الشهيد الصدر(ره) باعتباره الاقتصاد الإسلامي ويُؤسس عليه الأحكام والقوانين المتعلقة بالسلوكيات الاقتصادية هو حجة عند الله؟ وهل إذا ثبت ذلك يمكن العمل به؟
ومن الجدير بالتأكيد أن مؤلف المقالة ليس في مقام نقد أو قبول نظرية الشهيد الصدر(ره)، بل في صدد رد التفسيرات الخاطئة لنظريته وتصحيحها وفقًا لمبادئ الفقه الشيعي؛ وإن كان قد يشير حسب الحاجة إلى اختلاف وجهة نظره مع وجهة نظر الشهيد الصدر(ره).
وقبل بدء النقاش أعلاه، يبدو من الضروري الإشارة إلى مراتب الدين لتوفير أساس للنقاش.
مراتب الدين
الانتباه إلى حقيقة الدين وما حدث في تاريخ الأديان يظهر بسهولة وجود مستويات ومراتب مختلفة طولية للدين، وهي كما يلي:
١. الدين نفس الأمر: خلق الله تعالى الإنسان ويعلم علمًا كاملاً بكل أبعاده الجسدية والروحية من البداية إلى النهاية. وللفلاح والنجاة للإنسان، وهو الهدف النهائي من خلقه، توجد خطة شاملة وطريق واضح في العلم الإلهي والمشيئة الربانية. في هذه الخطة الشاملة، توجد أنواع المعتقدات والاعتقادات اللازمة للفلاح والنجاة، وكل الواجبات والمحظورات العامة، وكذلك الأحكام اللازمة للعلاقات بين الناس، والناس مع الموارد والطبيعة، والناس مع الدولة في جميع المجالات ومنها المجال الاقتصادي. في الاصطلاح، نسمي هذه الحقيقة عالم الواقع ونفس الأمر.
٢. الدين المرسل: ما أرسله الله تعالى لهداية الإنسان نحو الفلاح والنجاة بواسطة الرسل الإلهيين هو “الدين المرسل”. في كل زمان أرسل الله تعالى جزءًا من تلك الخطة الشاملة بواسطة رسله لهداية الناس. لذلك، الدين المرسل هو التعاليم الإسلامية التي وردت في الكتاب والسنة عن طريق الوحي وبواسطة النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع). ولكن الدين نفس الأمر موجود في العلم الإلهي والمشيئة الربانية. ما ورد عن طريق الوحي وبواسطة النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) متوافق مع الدين نفس الأمر وشامل وكامل؛ رغم أن أعداء الدين منعوا وصول الدين الحق المرسل إلى العصور الماضية. وبناءً على الأدلة النقلية، فإن النبي محمد (ص) خاتم الأنبياء، وخطة سعادة البشر قد قُدمت بشكل كامل بواسطة ذلك النبي. في آيات القرآن نقرأ: «ما فرطنا في الكتاب من شيء (انعام: 38)؛ لم نترك شيئًا في الكتاب». وهناك آيات أخرى مشابهة في القرآن. (نحل: 89) وقد ذكر العلامة الطباطبائي في معنى “الكتاب” ثلاث احتمالات: أ. المقصود بالكتاب هو اللوح المحفوظ، أي ما يحتاجه البشر كله موجود في اللوح المحفوظ ونفس الأمر. ب. المقصود بالكتاب هو القرآن الكريم، أي كل ما يلزم لسعادة الدنيا والآخرة للإنسان وارد في القرآن. ج. قد يكون المقصود كلا المعنيين. (طباطبایی، 1417، 7: 82 ـ 83)
على كل حال، هذه الآية وما يشابهها تدل على وجود خطة شاملة لسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، خاصة بناءً على الاحتمال الثالث. وإذا حملت الآية على الاحتمال الأول، فيمكن الاستناد إلى العديد من الروايات للدلالة على شمولية الشريعة الإسلامية لسعادة الدنيا والآخرة للبشر. ومن هذه الروايات:
قال الإمام الصادق (ع): «… ليس شيء إلا وقد جاء في الكتاب وجاءت فيه السنة (مجلسی، 1362، 2: 304)؛ … لا شيء إلا وقد ورد في كتاب الله وفي السنة». وكذلك في رواية أخرى يقول المعصوم (ع): «… أتى رسول الله (ص) بما استغنوا به في عهده وبما يكتفون به من بعده إلى يوم القيامة (المرجع نفسه: 305)؛ … جاء رسول الله (ص) بكل ما يحتاجه الناس في زمانه وكذلك ما يحتاجه الناس بعده إلى يوم القيامة».
وهذه الأحاديث كثيرة في الجوامع الروائية الشيعية والسنية، وتدل على شمولية الشريعة الإسلامية، سواء في عالم الواقع ونفس الأمر أو في مستوى الدين المرسل. في عالم الواقع ونفس الأمر، تتوافق المبادئ الاعتقادية والأخلاقية والواجبات العامة والأحكام المتعلقة بأنواع العلاقات التي يحتاجها الإنسان في مختلف المجالات الفردية والاجتماعية للنجاة مع المبادئ والواجبات العامة الموجودة. وكذلك الأمر بالنسبة لما يجب أن يحققه الإنسان في كل مجال اجتماعي مثل الاقتصاد، لأن مقتضى شمولية الشريعة هو ذلك. لذلك، في هذا المجال توجد أحكام العلاقات بين الناس، والناس مع الموارد والطبيعة، والناس مع الدولة على المستويين الصغير والكبير في مجالات السلوكيات الاقتصادية أيضًا.
نظرية الشهيد الصدر(ره) في كشف الاقتصاد الإسلامي
يرى الشهيد الصدر(ره) نطاقًا ومجالًا خاصًا للاقتصاد الإسلامي، وعلى هذا الأساس يتبع طريقة خاصة لكشفه. وهو يصرح بذلك:
مقصودنا من الاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي لا علم الاقتصاد. (صدر، 1401: 151 و 179)
ولكن ما هو تعريف المذهب الاقتصادي عند الشهيد الصدر (رحمه الله)؟ له عدة أقوال في هذا الشأن، ويبدو أنها تعود مجتمعة إلى مفهوم أساسي وشامل. بعض عباراته في تفسير المذهب الاقتصادي هي:
المذهب الاقتصادي للمجتمع هو: الطريقة التي يختارها المجتمع في الحياة الاقتصادية وحل مشكلاتها العملية. (صدر، 1375: 395)
مقصودنا من المذهب الاقتصادي هو إيجاد أسلوب لتنظيم الحياة الاقتصادية وفق العدالة. (همو، 1401: 138)
في هذين التعبيرين، يعرف الشهيد الصدر المذهب الاقتصادي كطريقة وأسلوب لحل المشكلات الاقتصادية. وبالطبع في التعبير الثاني يضيف عبارة «وفقاً للعدالة». في موضعين آخرين من كتاب اقتصادنا يقدم تعبيرين أدناه لتفسير المذهب الاقتصادي:
المذهب الاقتصادي يشمل كل قاعدة أساسية في الحياة الاقتصادية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية. (صدر، 1375: 362)
المذهب الاقتصادي: مجموعة من النظريات الأساسية التي تحل مشكلات الحياة الاقتصادية. (المرجع نفسه: 365)
الفرق الظاهري بين المجموعتين من تعبيراته هو أن المجموعة الأولى تفسر المذهب كطريقة وأسلوبيّة، أما المجموعة الثانية فتفسره كقاعدة أو نظرية أساسية. ولكن يبدو أن كل قاعدة أو نظرية أساسية تقدم نوعاً من الطريقة والأسلوب. لذلك، لا يُرى فرق بين المجموعتين من التعريفات. أمثلته توضح أن مقصده من المذهب الاقتصادي الإسلامي هو نظر الإسلام في أمور مثل الملكية، الحرية الاقتصادية، العدالة الاقتصادية، تدخل الدولة في الاقتصاد، وغيرها. (المرجع نفسه: 361 ـ 365)
ويُعرف هذه الأمور كأسس جوهرية، ولا تُناقش جميعها في الفقه التقليدي السائد. لذلك، لا يمكن الوصول إلى الاقتصاد الإسلامي الذي يقصده الشهيد الصدر بالطرق التقليدية للاستنباط في الفقه الموجود. كما أن المذهب الاقتصادي مؤسس على أفكار ومفاهيم معينة، قد تكون أخلاقية، علمية، فلسفية، أو غيرها. يكتب الشهيد الصدر (رحمه الله) في هذا الشأن:
و لا شك في ان اختيار طريقة معينة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس اعتباطاً مطلقاً، و انما يقوم دائماً علي اساس أفكار و مفاهيم معينة، ذات طابع أخلاقي او علمي او أي طابع آخر. و هذه الافكار و المفاهيم تكون الرصيد الفكري للمذهب الاقتصادي القائم علي اساسها. (المرجع نفسه: 45)
لا شك أن اختيار طريقة معينة لتنظيم الحياة الاقتصادية ليس اعتباطياً مطلقاً، بل يقوم دائماً على أساس أفكار ومفاهيم معينة ذات طابع أخلاقي أو علمي أو أي طابع آخر. وهذه الأفكار والمفاهيم تكون الرصيد الفكري للمذهب الاقتصادي القائم عليها.
من ناحية أخرى، المذهب الاقتصادي هو نوع من الأساس والقاعدة النظرية لوضع القوانين المدنية في المجال الاقتصادي: «كون المذهب قاعدۀ نظريۀ للقانون.» (المرجع نفسه: 366) لذلك، هناك ثلاث مراحل أساسية في المجال الاقتصادي مترابطة: 1. النظريات والمفاهيم الأساسية الأخلاقية، الفلسفية، العلمية، … 2. المذهب الاقتصادي 3. القانون المدني. والمقصود بالاقتصاد الإسلامي هو المذهب الاقتصادي الإسلامي، أي المرحلة الثانية من المراحل الثلاث. ولكن ما هي طريقة اكتشاف المذهب الاقتصادي؟ يقدم الشهيد الصدر (رحمه الله) طريقتين عامتين، سيتم توضيح وتطبيق كل منهما فيما يلي.
طريقة اكتشاف المذهب الاقتصادي
يفرق الشهيد الصدر (رحمه الله) بين طريقة اكتشاف المذهب الاقتصادي للإسلام وباقي المذاهب البشرية. فقد سمى طريقة اكتشاف المذهب الاقتصادي للمذاهب البشرية طريقة التكوين والابتكار (الحركة من البنية التحتية إلى البنية الفوقية)، وسمى طريقة اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي طريقة الاكتشاف (الحركة من البنية الفوقية إلى البنية التحتية).
أ. طريقة التكوين والابتكار (الحركة من البنية التحتية إلى البنية الفوقية)
المذهب الاقتصادي هو نتيجة طبيعية لنوع النظرة التي يتبناها الباحث الاقتصادي إلى عالم الوجود ومقوماته الأساسية. أي أن كل باحث اقتصادي بناءً على نظرته إلى عالم الوجود ومقوماته الأساسية ينظم تصوره عنها ويستنبط بناءً عليها مذهبه الاقتصادي، وبناءً على المذهب الاقتصادي يضع الأحكام والقوانين الاقتصادية للنشاطات الاقتصادية الصغيرة والكبيرة. لذلك، في طريقة التكوين والابتكار، الحركة العلمية والبحثية هي من الأسس والبنى التحتية إلى الفروع والبنى الفوقية؛ أي من المرحلة الأولى من المراحل الثلاث السابقة إلى المرحلة الثانية. (المرجع نفسه: 369 ـ 372)
كمثال، تشكل المذهب الاقتصادي للماركسية بناءً على نظرة الماركسية إلى المادية التاريخية، واعتقدت الماركسية بناءً على هذه النظرة بإلغاء الملكية الخاصة في مجال النشاطات الاقتصادية، وأعلنت أن كل شخص يجب أن يعمل حسب قدرته وقوته ويأخذ حسب حاجته. (المرجع نفسه: 217) على العكس من الماركسية، في النظام الرأسمالي الليبرالي، الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية ركنان أساسيان للمذهب الاقتصادي الذي تشكل بناءً على نوع التفسير الذي لديه للإنسان والمجتمع. (المرجع نفسه: 244 ـ 246) لذلك، يجب على الباحث في النظام الاقتصادي الرأسمالي الليبرالي والماركسية أن يستخدم طريقة التكوين والابتكار لاكتشاف مذهبه الاقتصادي.
ب. طريقة الاكتشاف (الحركة من البنية الفوقية إلى البنية التحتية)
يعتبر الشهيد الصدر (رحمه الله) هذه الطريقة أهم طريقة للبحث في الاقتصاد الإسلامي واكتشاف المذهب الاقتصادي. الباحث في الاقتصاد الإسلامي في المرحلة الثالثة من المراحل المذكورة، أي أنه يواجه الأحكام والقوانين المدنية الموضوعة في مجال النشاطات الاقتصادية. القانون المدني هو الوجه الفوقي للمذهب الاقتصادي، والقانون المدني في المجال الاقتصادي مبني على المذهب الاقتصادي. لذلك، يمكن للباحث في الاقتصاد الإسلامي بجمع الأحكام والقوانين المدنية في المجال الاقتصادي وتنظيمها وتنسيقها أن يصل إلى القواعد الأساسية والطرق التي يمكن بها حل المشكلات الاقتصادية وفقاً لفكر العدالة. وبالطبع يمكن للباحث بهذه الطريقة أن يحصل على الجزء الأكبر من المذهب الاقتصادي. (المرجع نفسه: 369 ـ 372) يقارن الشهيد الصدر (رحمه الله) بين طريقتي الاكتشاف والتكوين قائلاً:
التدرج في عملية تكوين البناء، تدرج طبيعي من الاساس الي التفريعات، و من القاعدۀ الي البناء العلوي… و اما في عملية الاكتشاف للمذهب الاقتصادي، فقد ينعكس السير و يختلف المنطلق. (المرجع نفسه: 369)
الحركة في منهج بناء البناء هي حركة طبيعية من الأساس إلى الفروع ومن القاعدة إلى الأعلى … أما في منهج اكتشاف المذهب الاقتصادي، فالحركة عكس ذلك ونقطة البداية خلاف منهج التكوين.
وبما أن الشهيد الصدر(ره) يعتبر المسار الطبيعي لاكتشاف المذهب الاقتصادي هو منهج التكوين أو الحركة من القاعدة، فلماذا يقترح منهج الاكتشاف أو الحركة من الأعلى إلى الأسفل للوصول إلى المذهب الاقتصادي الإسلامي؟
جواب هذا السؤال من كتابات الشهيد الصدر(ره) هو كما يلي:
النصوص الموجودة في الكتب الروائية هي المصدر الأساسي لاستخلاص واستخراج المذهب الاقتصادي الإسلامي. وعند الرجوع المباشر إلى النصوص للبحث عن إجابات أساسية حول المذهب الاقتصادي نرى أنه لا يمكن إيجاد الإجابات مباشرة من النصوص. مثلاً للإجابة على سؤال هل الإسلام يقبل الملكية الخاصة أم الملكية العامة، أو ما هو مصدر الملكية الخاصة، هل هو العمل أم الحرية، لا يمكن إيجاد إجابة واضحة من النصوص الموجودة:
أن بعض جوانب المذهب الاقتصادي في الإسلام، وإن كان بالإمكان استنباطها مباشرة من النصوص، ولكن هناك من النظريات والأفكار السياسية، التي يتكون منها المذهب الاقتصادي، ليس من الميسور الحصول عليها في النصوص مباشرة وإنما يتعين الحصول عليها بطريقة غير مباشرة، أي: على أساس اللبنات الفوقية في الصرح الإسلامي، وعلى هدى الأحكام التي نظم بها الإسلام العقود والحقوق. (المرجع نفسه: 371 و 372) بعض أبعاد المذهب الاقتصادي في الإسلام قد يكون من الممكن استنباطها مباشرة من النصوص، ولكن في العديد من النظريات والأفكار الأساسية التي يتشكل منها المذهب الاقتصادي، لا يمكن الوصول إليها مباشرة من النصوص. لذلك، الطريق الوحيد للوصول إليها هو بطريقة غير مباشرة، أي بناءً على البناء الفوقي في المجال الإسلامي، وبالاستناد إلى الأحكام التي نظم بها الإسلام العقود والحقوق».
لذا، هناك طريق آخر مفتوح للباحث في الاقتصاد الإسلامي؛ لأن الأحكام والقانون المدني مبنيان على مذهب اقتصادي مجهول لنا. القانون المدني هو آثار وتجليات وتجسيد المذهب الاقتصادي؛ لذلك يمكن الوصول من القانون المدني إلى المذهب الاقتصادي. (المرجع نفسه: 371)
هذا المذهب الاقتصادي يجب أن يحتوي على أقوى وأكفأ العناصر في حل المشكلات الاقتصادية وتحقيق الأهداف السامية للإسلام. ولكن هل الأحكام التي يستنبطها المجتهد تتمتع بالتماسك الكافي لاكتشاف المذهب الاقتصادي بالخصائص المذكورة؟
الشهيد الصدر(ره) في جواب هذا السؤال المهم يقول: بالتأكيد الأحكام في الواقع العملي تتمتع بالتماسك الكافي لهذا الأمر، ولكن في عالم الإثبات قد لا يكون هناك تماسك كافٍ بين الأحكام المستنبطة من قبل المجتهد لاكتشاف المذهب الاقتصادي. لذلك، لا يستطيع المجتهد أن يصل من جميع فتاواه إلى المذهب الاقتصادي، وبناءً عليه يبقى السؤال: ما هو الطريق الآخر الذي أمام الباحث في الاقتصاد الإسلامي لاكتشاف المذهب الاقتصادي بالخصائص المذكورة؟
في هذه الحالة، الطريق الصحيح الوحيد هو أن يستعين الباحث في الاقتصاد الإسلامي في الحالات غير المتناسقة من الأحكام المستنبطة لمجتهدين آخرين؛ بحيث يترك الأحكام المستنبطة الخاصة به التي تتعارض مع اكتشاف المذهب الاقتصادي مع الأحكام المستنبطة المتناسقة من مجتهدين آخرين. هذه المجموعة التي يتم الحصول عليها قد تكون أكثر توافقاً وانطباقاً مع واقع التشريع الإسلامي؛ لأنها مكتشفة من خلال منهج الاجتهاد الإسلامي الذي يعتمد أكثر ما يكون على الكتاب والسنة. (المرجع نفسه: 369 ـ 406)
ملاحظات حول منهج الشهيد الصدر(ره)
الشهيد الصدر(ره) بناءً على تعدد فتاوى المجتهدين المختلفين يقوم بالاختيار ويختار الفتاوى التي تتمتع بالتماسك الكافي وكذلك أقوى العناصر في حل المشكلات الاقتصادية وتحقيق الأهداف الإسلامية. مثل هذا المذهب الاقتصادي من وجهة نظر الشهيد الصدر(ره) له أكبر استشهاد مرجعي بالكتاب والسنة.
أولاً، فتاوى كل مجتهد بناءً على مبادئ اجتهاده هي حجة عند الله بالنسبة له. ولكن لأي سبب يمكن أن تكون هذه المجموعة المتناسقة المسماة بالمذهب الاقتصادي التي تم الحصول عليها من فتاوى مجتهدين مختلفين حجة عند الله؟ ولماذا يجب على المجتهد أن يتخلى عن بعض فتاواه ويستخدم فتاوى مجتهدين آخرين ـ التي قد تكون مخالفة لفتاواه ولا ينسبها إلى الإسلام ـ؟
ثانياً، لا شك أن الشهيد الصدر(ره) يؤمن بالمذهب الاقتصادي في الواقع. فكيف يمكن نسب مثل هذا المذهب الاقتصادي إلى الإسلام؟
ثالثاً، إذا كان اختيار فتاوى المجتهدين الآخرين بحيث يكون المذهب الاقتصادي في النهاية هو الذي يحتوي على أقوى العناصر في حل المشكلات الاقتصادية وتحقيق الأهداف هو المعيار، في هذه الحالة يجب اكتشاف الأهداف الاقتصادية، وإذا تعارض أي دليل شرعي مع تلك الأهداف، يجب تقديم الأهداف على الدليل. في هذه الحالة، لا حاجة لاستخدام المنهج السابق والاستفادة من فتاوى الفقهاء المتعددين لاكتشاف ذلك المذهب الاقتصادي الذي يحتوي على أقوى العناصر المتماسكة.
أما هل هناك سبيل لتصحيح حجية المذهب الاقتصادي أو بعض القواعد الأساسية للمذهب الاقتصادي؟ في سياق النقاش سيتضح جواب هذا السؤال.
حجية المذهب الاقتصادي
قبل الإجابة على السؤال السابق، يجب أولاً الإجابة على هذا السؤال: هل المواضيع مثل مواضيع النظام الاقتصادي الإسلامي، وخاصة المذهب الاقتصادي بالمفهوم الذي يبيّنه الشهيد الصدر(ره)، تحتاج إلى حجة عند الله؟ بمعنى هل كما أن الخبر الواحد العادل في استنباط الأحكام الفرعية الفقهية حجّة، هل الأمر نفسه ينطبق على مواضيع النظام؟ هل في مناقشات كشف النظام يجب استخدام طرق وأدوات ثبتت حجيتها مثل الخبر الواحد العادل، أم يمكن الاستفادة من طرق مثل الاستحسان والقياس وغيرها؟ وبعبارة فنية أصولية، هل يمكن الاستفادة من الظن غير المعتبر؟
وجهة نظر عدم الحاجة إلى الحجية في مناقشات النظام الاقتصادي
بعض الفقهاء والمفكرين الإسلاميين، حينما تم التشكيك في منهج الشهيد الصدر(ره) في كشف المذهب الاقتصادي ـ وهو منهج الاكتشاف ـ ادعوا أن المواضيع المتعلقة بالنظام والهيكل خلاف عمل الأفراد لا تحتاج إلى حجية، ولأننا في مواضيع مثل كشف المذهب الاقتصادي لا نسعى لكشف الواقع، فإن ولي الفقيه له الحق حتى في الاستفادة من الظنون غير المعتبرة التي تُستمد من طريق المصالح المرسلة وما شابه ذلك. (یوسفی، 1379: 68 و 78؛ تسخیری، 10: 18 ـ 21)
توضيح هذه الرؤية
أفضل توضيح لهذه الرؤية هو نقل عبارات من أنصارها. في سؤال وجواب أُجري مع آية الله محمد علي التسخيري حول حجية منهج الشهيد الصدر(ره) في كشف المذهب الاقتصادي الإسلامي، أشار إلى نقاط مفيدة في توضيح هذه الرؤية. لذلك يُنقل أصل السؤال والجواب فيما يلي:
السؤال: الشهيد الصدر(ره) لاكتشاف قواعد المذهب، يختار من بين فتاوى فقهاء مختلفين فتاوى متماسكة ومنسجمة مع بعضها ليتمكن من كشف أصل مذهب من خلالها. يبدو أن في هذا المنهج… توجد مشكلة [فيما يلي]:
لا يوجد دليل على أن ما يُكشف بهذه الطريقة يتوافق فعلاً مع المذهب الاقتصادي الإسلامي؛ أي أن هذا المنهج ليس كاشفاً عن الواقع. بالإضافة إلى ذلك، من الناحية الشرعية لا يمتلك حجية، لأن كل فقيه أصدر فتواه بناءً على مبادئه المقبولة، ويفترض أن الكشف ليس بناءً على فتاوى فقيه واحد.
الجواب: في الرد على هذه المشكلة أقول: أولاً نحن لا نبحث عن عمل الأفراد لنناقش الحجية، بل نبحث عن تقديم نظام وهيكل، ولا نحتاج أن يكون هذا حجّة. يكفي للشرع أن يثبت أن ذلك ضمن إطار الإسلام، وبما أن أولاً كل هذه الفتاوى استُخرجت بالاجتهاد والمنهج الصحيح، وثانياً تتمتع بالتماسك والانسجام، فإن ولي الأمر يمكنه أن يكتشف الأساس منها وينسبه إلى الإسلام. يمكن لولي الأمر أن يجعل فتوته التي هي حجّة لمقلديه معياراً لقانون المجتمع؛ كما فعل الإمام حين جعل “تحرير الوسيلة” أساس تشكيل مجلس صيانة الدستور… وكذلك حين يصل ولي الأمر إلى نظام ويفهم أنه ضمن إطار الإسلام، يأمر بتحكيم هذا النظام. بعض الفتاوى التي كانت كاشفة لهذا النظام لم تكن فتاويه هو، لكنه من مجموع هذه الأحكام توصل إلى هذا النظام. هنا يصدر حكماً ولائياً، والحكم الولائي لأنه إبداعي وابتدائي ليس كاشفاً، بل هو إنشاء النظام بناءً على تلك الرؤية الإسلامية… لذلك القاعدة التي تُكشف كأساس ليست حجّة للمجتهد ولا لولي الأمر، لكن ولي الأمر يمكنه أن يطرحها كطريقة لمصلحة المجتمع… لذلك يجب التفريق بين الحجية والأحكام الولائية. (المرجع نفسه، 1379: 78 و 79)
آية الله سيد كاظم الحائري، أحد تلامذة الشهيد الصدر(ره) البارزين، للدفاع عن منهج الشهيد الصدر(ره) في الرد على سؤال “هل ترى أن ولي الفقيه له الحق في استخدام المصالح المرسلة وما شابهها، بينما لا يحق للفقهاء الآخرين؟” يقول: “إذا لم يجد طريقاً أفضل، له الحق، لكن الفقهاء الآخرين لا يملكون هذا الحق، لأن عمل الفقيه هو كشف الواقع.” (المرجع نفسه: 68)
تتلخص المحاور الرئيسية لهذه التصريحات على النحو التالي:
- في بناء النظام الاقتصادي، لا نبحث عن عمل الأفراد، لذلك لا معنى لصحة أو عدم صحة. ومن ثم، عندما تُستنبط فتاوى الفقهاء من خلال الاجتهاد الصحيح، يحق للحاكم الشرعي أن يكتشف الأساس منها ويعتمده كأساس للعمل.
- يمكن للحاكم الشرعي أن يستخدم في اكتشاف الأسس ظنونًا غير موثوقة مثل المصالح المرسلة والاستحسان والقياس.
- يصدر الحاكم الشرعي حكمًا ولائيًا بشأن الأسس، وهذا الحكم الولائي إبداعي وابتكاري، وليس كاشفًا عن الواقع أو ذات الأمر، ولذلك لا يُطرح موضوع الحجية بشأنه.
نقد هذا الرأي
فيما يتعلق بكل من هذه النقاط الثلاث، يجب مراعاة بعض الملاحظات. المقصود بهؤلاء من النظام الاقتصادي في الدفاع عن نظرية الشهيد الصدر(ره) هو المذهب الاقتصادي في كلامه. هذه القواعد الأساسية هي بحيث أنها، بالإضافة إلى ارتباطها بأفعال الأفراد والشخصيات الحقيقية، تشمل أيضًا سلوكيات المؤسسات القانونية والشخصيات الاعتبارية. على سبيل المثال، عندما نقول إن مذهب الاقتصاد الإسلامي يقبل الملكية المختلطة، وبالضرورة الملكية الخاصة جائزة، فإن هذه القاعدة تعبر تمامًا عن حكم سلوك الأفراد في اكتساب الثروة والممتلكات، وبالضرورة تعبر عن حكم عدم جواز تصرف الآخرين، ومن بينهم مؤسسة الدولة وغيرها من المؤسسات، في ثروات وممتلكات الأفراد الخاصة. أو عندما نكتشف أن الحرية الاقتصادية في المذهب الاقتصادي الإسلامي ليست مطلقة، بل محدودة بالحدود التي يحددها الله تعالى، فإننا بذلك نعبر عن حكم السلوك الاقتصادي لجميع الأفراد والمؤسسات الاعتبارية في المجتمع. أي أن الأفراد غير مخولين بإلحاق الضرر بالآخرين بأفعالهم الاقتصادية. وإذا كان تملك ممتلكات الأفراد مضرًا بالمجتمع والناس ويسبب فسادًا في المجتمع، فهو غير جائز وهكذا. لذلك، في نقاش بناء النظام، لا نبحث عن عمل الفرد، بل على العكس، كل قاعدة أساسية في المذهب الاقتصادي لها مجال واسع يشمل عمل الأفراد والدولة وسائر المؤسسات والمنظمات أيضًا.
لذلك، في نقاش اكتشاف النظام، يجب أن تكون القواعد الأساسية التي تُستنبط من الأسس (الأحكام والقوانين الاقتصادية) حججًا عند الله مثل الأحكام الاقتصادية نفسها، وإلا فلا يمكن أن تكون أساسًا للعمل والسياسات الاقتصادية للدولة.
النقطة الثانية صحيحة مع قبول أمرين: أ. أن يكون المذهب الاقتصادي الإسلامي أمرًا ضروريًا للناس والمجتمع الإسلامي، بحيث يجب أن تُبنى سلوكيات الناس الاقتصادية والسياسات الاقتصادية بالضرورة على أساس المذهب الاقتصادي، وإلا فإن الناس والمؤسسة السياسية سيكونون معاقبين عند الله. ب. ألا نستطيع الوصول إلى المذهب الاقتصادي الإسلامي من خلال العلم أو علمي (ظن معتبر). بمعنى آخر، أن نواجه إغلاق باب العلم والعلمي (الظن المعتبر) في اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي.
إذا قبلنا هذين الأمرين، يمكن قبول أن للحاكم الشرعي الحق في الاستفادة من الظن غير المعتبر في اكتشاف الأسس والمذهب الاقتصادي. لكن لا يوجد دليل على أن غيره من الفقهاء لا يملكون هذا الحق.
يبدو أن الأمر الأول مقبول، لكن طريق اكتشاف المذهب الاقتصادي، بل وأكثر من ذلك، طريق اكتشاف غيره من التعاليم الاقتصادية في الإسلام ليس مسدودًا، ويمكن اكتشافه من خلال العلم أو علمي. ولكن بما أن هذا النقاش مطول وأيضًا إلى حد ما خارج موضوع المقال، فلن نتناوله ونتركه لمجال ومقال آخر.
النقطة الثالثة بشأن الأحكام الولائية قيل إنها إبداعية وابتكارية، ولا يلزم أن تكون كاشفة عن الواقع أو ذات الأمر. يمكن حمل هذا القول على معنيين: 1. الأحكام التي يصدرها الولي الفقيه بشأن الأفعال والعلاقات لا يلزم أن يكون لها حكم في الواقع وذات الأمر. 2. في الواقع وذات الأمر يوجد حكم إلهي، ولكن لأن حكم الولي الفقيه مبني على المصلحة، فلا يلزم مطابقته للواقع وذات الأمر.
إذا حملنا النقطة الثالثة على المعنى الأول، فإن ذلك يتعارض تمامًا مع شمولية الدين – التي ذُكرت سابقًا -، فالآيات مثل «ما فرّطنا في الكتاب من شيء» والأحاديث مثل «ليس شي إلا وقد جاء في الكتاب وجاءت فيه السنة» تدل على وجود مخطط شامل في العالم الواقعي وعلم الله.
هذا التفسير بالتأكيد مخالف لرأي الشهيد الصدر(ره)؛ لأننا نقلنا عنه سابقًا أن المذهب الاقتصادي الذي يُستخرج بطريقة الاكتشاف، لأنه يُستنبط من الاجتهاد الصحيح، له أكبر انتماء إلى العالم الواقعي. هذا القول ينفي المعنى الأول ويخالف رأي من يقولون إن المذهب الاقتصادي لا يحتاج إلى مطابقة مع العالم الواقعي ولا حجية، بل يؤمن بحجيته أو مطابقته مع العالم الواقعي. ما تقدم – أن المذهب الاقتصادي المعني عند الشهيد الصدر(ره) يجب أن يكون مطابقًا للواقع أو حججًا عند الله – يتضح من ظاهر عبارات الشهيد الصدر(ره). بعض هذه العبارات تذكر فيما يلي:
إن الصورة التي نكوّنها عن المذهب الاقتصادي، لما كانت متوقفة على الأحكام والمفاهيم، فهي انعكاس لاجتهاد معين، لأن تلك الأحكام والمفاهيم التي تتوقف عليها الصورة، نتيجة لاجتهاد خاص في فهم النصوص، وطريقة تنسيقها والجمع بينها. ومادامت الصورة التي نكوّنها عن المذهب الاقتصادي اجتهادية، فليس من الضروري أن تكون هي الصورة الواقعية، لأن الخطأ في الاجتهاد ممكن. ولهذا كان ممكنًا لمفكرين إسلاميين مختلفين أن يقدموا صورًا مختلفة للمذهب الاقتصادي في الإسلام، تبعًا لاختلاف اجتهاداتهم، وتعتبر كل تلك الصور صورًا إسلامية للمذهب الاقتصادي، لأنها تعبر عن ممارسة عملية الاجتهاد التي سمح بها الإسلام وأقرها، ووضع لها مناهجها وقواعدها. وهكذا تكون الصورة إسلامية ما دامت نتيجة لاجتهاد جائز شرعًا، بغض النظر عن مدى انطباقها على واقع المذهب الاقتصادي في الإسلام. (المرجع نفسه: 383)
بما أن الصورة التي لدينا عن المذهب الاقتصادي تعتمد على الأحكام والمفاهيم، فهي انعكاس لاجتهاد معين؛ لأن تلك الأحكام والمفاهيم التي تعتمد عليها تلك الصورة هي نتيجة اجتهاد شخصي في فهم النصوص، ومنهج التنسيق والجمع بين النصوص. عندما نحصل على تلك الصور المنبثقة من المذهب الاقتصادي بطريقة الاجتهاد، لا نكون متأكدين من كونها تمثل الصورة الحقيقية للمذهب الاقتصادي؛ لأن الخطأ في الاجتهاد ممكن. ولهذا السبب، قد يقدم المفكرون الإسلاميون المختلفون، بسبب اختلاف اجتهاداتهم، صورًا متعددة للمذهب الاقتصادي في الإسلام. في هذه الحالة، تُعتبر كل تلك الصور صورًا إسلامية للمذهب الاقتصادي، لأنها تُعبّر من خلال اجتهاد يسمح به الإسلام ويثبته ويضع منهجه وقواعده. ونتيجة لذلك، طالما أن تلك الصورة هي نتيجة اجتهاد شرعي ومباح، فهي صورة إسلامية للمذهب الاقتصادي بغض النظر عن مدى تطابقها مع المذهب الاقتصادي الحقيقي في الإسلام.
يبدو أن هذا القول للشهيد الصدر(ره) له ظهور واضح، حيث يعتقد أن هناك مذهبًا اقتصاديًا في الواقع وفي ذاته، وأن كل الاجتهادات تهدف إلى اكتشاف ذلك المذهب الاقتصادي في الواقع. لو لم يكن يعتقد بوجود مذهب اقتصادي في الواقع، لما كان للاجتهاد في اكتشاف ذلك المذهب الاقتصادي معنى، لأن الخطأ في الاجتهاد لا معنى له إلا إذا كنا نعتقد أن الإسلام في الواقع يمتلك مذهبًا اقتصاديًا، وأن الباحث في الاقتصاد الإسلامي يمكنه باجتهاد صحيح أن يسعى لاكتشافه. في هذه الحالة، إذا اكتشف ذلك المذهب الاقتصادي، يصبح كاشفًا ومصيبًا، وإذا لم يكن ما حصل عليه من الاجتهاد الصحيح مطابقًا للواقع، فهو حجّة عند الله. وهناك عبارات أخرى في كتابات الشهيد الصدر(ره) تشبه العبارة المنقولة. (المرجع نفسه: 379، 389، 400 و 40)
أما إذا كان المعنى الثاني هو المقصود في المسألة الثالثة، فلا يزال حكم ولي الفقيه حكمًا منسوبًا إلى الإسلام، والله راضٍ عنه. قد يُقال إن الواقع ونفس الأمر له حكم في الفعل الذي أصدر فيه ولي الفقيه حكمه. في هذه الحالة، وجود حكم نفس الأمر سيكون لغوًا. وقد يُقال أيضًا إن حكم ولي الفقيه مبني على المصلحة، فلا حاجة لمطابقته لحكم نفس الأمر، فنجيب بأن حكم نفس الأمر أيضًا مبني على المصلحة. فما هو السبب في التفضيل إذًا؟ وقد يُقال كذلك إن نفس الأمر له حكم، ولكن بمجرد أن يصدر ولي الفقيه حكمًا في الفعل، يتغير نفس الأمر ليتوافق مع حكم ولي الفقيه. وفي الرد على هذه النقطة، سنقول إن الذين لديهم معرفة مختصرة بأسس الفقه الشيعي سيقبلون أن هذا الأمر يتوافق مع نظرية التصويب التي هي أساس فقه أهل السنة، والتي لم يقبلها فقهاء الشيعة.
وبالتفسير الذي سنقدمه لاحقًا لحكم ولي الفقيه، يبدو أن السبيل الوحيد لتصحيح نظرية الشهيد الصدر(ره) هو الإقرار بانسداد باب العلم والعلمية في كشف الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية. والدليل على هذا الفهم هو المشاكل العديدة التي طرحها الشهيد الصدر(ره) في استخدام النصوص والمصادر الاستنباطية لاكتشاف المذهب الاقتصادي.
الأحكام الحكومية
هل هناك أحكام تُسمى بالأحكام الحكومية إلى جانب الأحكام الأولية والثانوية، أم أن الأحكام الحكومية هي ذات حكم أولي أو ثانوي بميزة خاصة؟ بالنظر إلى ما يلي يتضح جواب السؤال:
- من خلال دراسة جهاز التشريع في الشريعة الإسلامية، يمكن التوصل إلى أن الأحكام الحكومية ليست منفصلة عن الأحكام الأولية والثانوية. الأحكام الحكومية هي الأحكام المتعلقة بعلاقات الحكومة مع الناس والمجتمع والحكومات الأخرى. تُنطبق على هذه العلاقات تسميات، وعندما يتحقق أي من هذه التسميات على علاقة ما، يُطبق حكم ذلك العنوان على تلك العلاقة. من هذه الناحية، لا فرق بين الأحكام المتعلقة بعلاقات الحكومة مع الناس والمجتمع والحكومات الأخرى، وبين الأحكام المتعلقة بالعلاقات والسلوكيات الفردية. الحاكم الإسلامي والهيئة الحكومية، بناءً على قدراتهم الفقهية وجوانب أخرى، يحددون عناوين السلوكيات والعلاقات الحكومية، ويستنبطون حكم ذلك العنوان من الأدلة، ثم يطبقونه على مصداق ذلك العنوان.
في أحكام العلاقات الاجتماعية والكلية، قد يستخدم العديد من الفقهاء نفس المنهج الفقهي المتداول والصحيح لاستخلاص الحكم الفقهي لتلك العلاقات. وربما في هذا المجال أيضًا يختلف هؤلاء الفقهاء كما في أحكام العلاقات الفردية، وقد يستنبطون عدة أحكام مختلفة لنوع واحد من العلاقات، وهذه الأحكام قد تكون متعارضة. ونتيجة لذلك، فإن تنفيذ كل هذه الأحكام من قبل المقلدين سيؤدي بلا شك إلى مشاكل خطيرة على مستوى المجتمع، وقد يؤدي إلى فوضى. ولتجنب هذه المشكلة الاجتماعية، نقول إنه نظرًا لأن ولي الفقيه يمتلك الوعي الفقهي اللازم ولديه معلومات واسعة عن أوضاع المجتمع، فهو وحده يحق له تنفيذ حكمه المستنبط ومنع تنفيذ أحكام الفقهاء الآخرين؛ أي أن ولي الفقيه في موقع الولاية مُنح هذا الحق، ولا يملكه الفقهاء الآخرون.
لذلك، لا يبتدع ولي الفقيه حكماً جديداً ولا يشرّع، بل يستنبط الأحكام المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية والكلية من خلال المنهج الفقهي التقليدي، كما يفعل سائر الفقهاء، ويستفيد من حق ولايته ويمارسه.
- الحكم الولائي والأحكام الحكومية، شأنها شأن أحكام السلوك والعلاقات الفردية، تخضع للمصالح والمفاسد. فإذا كانت العلاقة تتضمن مصلحة ملزمة، فإن القيام بها يصبح واجباً على الحكومة والشعب بلا شك، وإذا كانت تتضمن مفسدة ملزمة، فإن القيام بها يكون محرماً على الحكومة والشعب. في الأحكام الحكومية، يسعى الحاكم الإسلامي إلى تحديد مصداق العنوان الذي حُكم عليه في الشريعة، وبمعرفة مصداق ذلك العنوان يطبق حكمه عليه. في الواقع، عناوين علاقات الحكم هي ضوابط للمصلحة والمفسدة، كما هو الحال في الأحكام الفردية. على سبيل المثال، إذا كان فعل ما مصداقاً لإنقاذ إنسان محترم، فإن إنقاذ الإنسان المحترم واجب بلا شك، ومن حكم الوجوب في الشريعة نفهم أن إنقاذ الإنسان المحترم يتضمن مصلحة ملزمة. وكذلك، إذا كانت علاقة أو سلوك الحكومة الإسلامية من مصاديق «حفظ وصيانة هيبة المسلمين»، فإن القيام بذلك يكون واجباً على كل من الشعب والحكومة، ومن حكم وجوب «حفظ وصيانة هيبة المسلمين» نستنتج أن حفظ وصيانة هيبة المسلمين مصلحة ملزمة. إذن، عنوان «حفظ وصيانة هيبة المسلمين» هو معيار وضابط للمصلحة؛ فالعناوين الأحكام هي ضوابط للمصلحة والمفسدة، ومن خلال تحديد عناوين العلاقات نفهم بالملازمة مصلحة ومفسدة ذلك العنوان. بالتالي، ليست مهمة الحكومة تحديد مصلحة أو مفسدة الحكم، بل تحديد مصاديق العناوين التي يمكن استنباط أحكامها من الشريعة.
وبالنظر إلى المطلبين المذكورين، نصل إلى نتيجة مفادها أنه لا توجد أحكام تحت عنوان الأحكام الحكومية تقف في مقابل الأحكام الأولية والثانوية. كما أن أحكام العلاقات والسلوكيات الفردية تخضع للمصالح والمفاسد الواقعية، كذلك الأحكام الحكومية. الطريق الوحيد لتحديد مصلحة أحكام السلوكيات الفردية هو أوامر ونواهي الشارع التي تتعلق بعناوين السلوكيات، وكذلك في الأحكام الحكومية. في الأحكام الفردية، يجوز لكل مقلد أن يعمل بفتاوى فقيهه المقلد، أما في الأحكام الحكومية، ولتجنب الفوضى، فالجميع ملزمون بالعمل بحكم ولي الفقيه.
وبناءً على ما تقدم، لا ينبغي تبرير منهج الشهيد الصدر(ره) بمبادئ عارض عليها المعصومون(ع) والفقهاء البصيرون من الشيعة على مدى قرابة 1400 سنة، ولا توجد أي قرينة في كلام الشهيد الصدر(ره) تدعم مثل هذه التبريرات، بل ـ كما تقدم ـ يمكن العثور على قرائن معاكسة لذلك. ويبدو أن التبرير الصحيح الوحيد هو أن رأيه يرى أن طريق اكتشاف المذهب الاقتصادي وبناء النظام مسدود، ولأن العلم أو الطريق العلمي إلى المذهب الاقتصادي غير ممكن، فإن ولي الفقيه يمكنه الاستفادة من الظنون غير المعتبرة. وفي استخدام الظنون غير المعتبرة، يسعى كل فقيه أو ولي فقيه إلى الاستفادة من الظنون التي يحتمل قربها من الواقع أكثر، وليس أن تكون هذه الأحكام بلا علاقة بالواقع ونفس الأمر.
الخلاصة
من وجهة نظر الشهيد الصدر (ره)، «المذهب الاقتصادي» هو مجموعة النظريات الأساسية المتوافقة مع فكرة العدالة التي تعالج المشاكل الاقتصادية. كل مذهب يفتقر إلى «مذهب اقتصادي» يواجه نقصاً كبيراً. الدين الإسلامي المبين هو الدين الخاتم والكامل، ولا يعاني من أي نقص من أي جهة. لذلك، يمكن الوصول إلى «المذهب الاقتصادي» الخاص بالإسلام بالمنهج المنطقي والمقبول في الإسلام. إذن، اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي من الضرورات التي لا يمكن إنكارها.
وفقاً لرأي الشهيد الصدر(ره)، «المذهب الاقتصادي» موجود في الواقع ونفس الأمر بشكل كامل ومنسجم، ولا يمكن الوصول إليه من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة. وأهم طريق للوصول إليه هو «القانون المدني».
القانون المدني المقصود هو مجموعة الأحكام والأنظمة التي تنظم العلاقات المالية والحقوق الشخصية للأفراد. وهذه المجموعة من الأحكام والأنظمة يمكن استنباطها من فقه المعاملات وتعتبر «الروْبْنَا» بالنسبة للمذهب الاقتصادي. يمكن لكل فقيه أن يفترض أن المذهب الاقتصادي في الواقع ونفس الأمر كامل ومنسجم، ويكتشف المذهب الاقتصادي من خلال القانون المدني.
لتحقيق ذلك، يمكن لكل فقيه أن يجمع الفتاوى المتناسقة مع بعضها البعض ويستنبط منها المذهب الاقتصادي. لكن اكتشاف المذهب الاقتصادي بمساعدة فتاوى فقيه واحد أمر صعب. للوصول إلى مذهب اقتصادي كامل ومنسجم يمكن الاعتماد عليه لحل المشاكل الاقتصادية، لا بد من الاستفادة من فتاوى فقهاء آخرين. لذلك، يختار الفقيه فتاوى فقهاء آخرين تتوافق أكثر مع فتاواه، ويجمعها ليصل إلى المذهب الاقتصادي. ومن ثم، يمكن بهذه الطريقة الوصول إلى مذهب اقتصادي متعدد.
السؤال المطروح هو: هل المذهب الاقتصادي الذي يُستنبط بجمع فتاوى فقهاء مختلفين مطابق للواقع ونفس الأمر أو هو حجّة عند الله؟ للإجابة على هذا السؤال، قال بعض الفقهاء والمحققين: في مسائل مثل المذهب الاقتصادي، لا معنى للامتثال أو عدم الامتثال للواقع ونفس الأمر، ولا للحجية وعدم الحجية؛ لأن هذه المسائل لا تتعلق بعمل الأفراد. كما أن الحاكم الشرعي له الحق في أن يستند إلى الأساس (المذهب الاقتصادي) من الأحكام ويجعله أساس العمل. يمكنه الاستفادة من الظن غير المعتبر مثل المصالح المرسلة والاستحسان والقياس في اكتشاف المذهب الاقتصادي، لكن الفقهاء الآخرين لا يملكون هذا الحق.
هذه الإجابة هي في الواقع تفسير خاص لرأي الشهيد الصدر (ره). ويعتبر مؤلف هذا المقال أن هذا التفسير من وجهة نظر الشهيد الصدر (ره) غير صحيح، ويستند إلى قرائن من كلام الشهيد الصدر (ره) ليؤكد:
العقيدة الاقتصادية التي ادعاها الشهيد الصدر (رحمه الله) مرتبطة تمامًا بأفعال الأفراد والشخصيات الحقيقية والاعتبارية. لذلك، فإن العقيدة الاقتصادية مثل الأحكام الفردية إما أن تكون متوافقة مع الواقع ونفس الأمر أو تكون حجة عند الله. ولكن بما أن العقيدة الاقتصادية لا تُكتشف من خلال مقدمات بديهية ويقينية، فهناك شك في مطابقتها مع الواقع ونفس الأمر. لذا، فإن الطريق الوحيد لتصحيحها هو أن تكون حجة عند الله، ولكن اكتشافها من خلال الظن المعتبر – الرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة – غير ممكن. بعبارة أخرى، طريق العلم والاكتشاف العلمي للعقيدة الاقتصادية مسدود. ومن ناحية أخرى، وبما أن اكتشافها ضروري للمجتمع الإسلامي، فلا بد من استخدام الظن غير المعتبر.
في استخدام الظن غير المعتبر لاكتشاف العقيدة الاقتصادية، لا فرق بين ولي الفقيه وغير ولي الفقيه، ولكن في التطبيق والتنفيذ، لتجنب الفوضى، فإن جميع أركان الحكم ملزمون بالعمل بالعقيدة الاقتصادية المكتشفة من قبل ولي الفقيه.
وقد بيّن أن الفقهاء وولي الفقيه في اكتشاف العقيدة الاقتصادية غير مخولين بالاستفادة من الظن غير المعتبر، إلا إذا كانوا يرون سد باب العلم والاكتشاف العلمي للعقيدة الاقتصادية. أما في التنفيذ وتحقيق العقيدة الاقتصادية في أي مجتمع، فإن استخدام الاستحسان والقياس وغيرها هو الأسلوب العقلائي ولا خيار سوى استخدام هذه الأمور؛ خصوصًا عندما نواجه تعارضًا في تطبيق العقيدة الاقتصادية أو القوانين المدنية. ومن المهم تذكير أن مقام اكتشاف العقيدة الاقتصادية لا ينبغي أن يُخلط مع مقام تنفيذها وتحقيقها.
ومن الجدير بالاهتمام أن اكتشاف العقيدة الاقتصادية لا يحدث في منطقة الفراغ، بل تُكتشف العقيدة الاقتصادية لكي يتمكن ولي الفقيه من الحكم لمنطقة الفراغ باستخدام قواعدها الأساسية وفق الأهداف الاقتصادية. بعبارة أخرى، اكتشاف العقيدة الاقتصادية ليس في منطقة الفراغ، بل من أجل منطقة الفراغ. لذلك، يجب اكتشاف العقيدة الاقتصادية بطريقة مقبولة وموثوقة في الفقه الشيعي، ثم يُستفاد منها لملء منطقة الفراغ.
المصادر والمراجع
- قرآن مجید.
- صدر، محمد باقر، اقتصادنا، ایران، مکتب الاعلام الاسلامی، الطبعة الأولى، 1375 ش.
- صدر، محمد باقر، المدرسة الاسلامیة، تهران، منشورات مکتبة اعتماد الکاظمی، الطبعة الأولى، 1401 ق.
- طباطبایی، محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج 7، لبنان، مؤسسۀ الاعلمی للمطبوعات، الطبعة الأولى، 1417 ق.
- مجلسی، محمد باقر، بحارالانوار، ج 2، تهران دارالکتب الاسلامیة، الطبعة الرابعة، 1362 ش.
- هادوی تهرانی، مهدی، مکتب و نظام اقتصادی اسلام، قم مؤسسۀ فرهنگی خانۀ خرد، الطبعة الأولى، 1378 ش.
- یوسفی، احمدعلی، «کشف و اجرای شریعت در روابط اجتماعی»، فصلنامه قبسات، 1383، شمارۀ 32.
- یوسفی، احمدعلی، ماهیت و ساختار اقتصاد اسلامی، تهران، پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، الطبعة الأولى، 1379 ش.

