ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی تطبیقی حدود و اختیارات ولی فقیه از منظر امام خمینی و شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
الولاية إجمالًا للفقهاء من المسائل المتفق عليها بين الفقهاء. المسألة الرئيسية المختلف فيها في بحث ولاية الفقيه هي حدود وصلاحيات الفقيه في زمن الغيبة. في هذا المقال تم دراسة ومقارنة رأي فقيهين معاصرين ذوي بصيرة وثورية، وهما الإمام الخميني والشهيد الصدر في هذه المسألة. من خلال آثار الإمام الخميني العلمية وسيرته العملية، يتضح أنه خلافًا لبعض الادعاءات، كان يؤمن طوال حياته العلمية والسياسية بولايته المطلقة للفقيه، ويعرف الفقيه بأنه نائب النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) في جميع مجالات الحكم، ومثله في وجوب الطاعة والولاية والحكم. من جهة أخرى، يتبين من آثار الشهيد الصدر المكتوبة أنه في زمن الغيبة، يعرف الفقيه بما هو فقيه كمرجع صالح رشيد ومرجع علم ومراقب على التنفيذ الصحيح للقانون الإلهي والشريعة الإسلامية.
من الواضح أن هذين الرأيين سيقدمان في التطبيق والمنهج الحكومي وجهات نظر مختلفة. أهم فرق بين النظريتين هو أنه في نظر الإمام الخميني، للفقيه السيادة والولاية، بل هو أعلى سلطة تنفيذية في البلاد؛ أما في نظر الشهيد الصدر، فلا دور تنفيذي للفقيه، والسيادة للشعب، ومهمة الفقيه هي الإشراف على حسن تنفيذ القوانين ومطابقتها لأحكام الشرع.
المؤلف: محمد جداری عالی
المصدر: کتاب نقد، السنة الثالثة عشرة والرابعة عشرة، العدد ٦١-٦٢، شتاء ١٣٩٠ وربيع ١٣٩١، ص ٦٩-٩٣
المقدمة
تناول فقهاء الشيعة في أبواب فقهية متعددة مثل باب التقليد، الزكاة، الخمس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المكاسب المحرمة، شروط المتعاقدين، شروط العوضين، خيار الشرط، اللقطة، الغصب، إحياء الموات، الوصية، النكاح، الطلاق وغيرها، تحت عناوين مختلفة مثل الحاكم الشرعي، ولي الأمر، ولي المسلمين، الفقيه الأمين وغيرها، مسألة ولاية الفقيه، ويمكن القول إنه باستثناء عدد قليل من الأخباريين مثل محمد أمين أسترآبادي في الفوائد المدنية، لا يوجد فقيه ينكر ولاية الفقيه؛ بحيث نقل عن المرحوم آية الله العظمى بروجردي أنه عرف منكر ولاية الفقيه بأنه منكر لفقه الإسلام، أو كما قال المرحوم صاحب الجواهر:
“أعمدة المذهب حكموا بولاية الفقيه، ومن يوسوس في ولاية الفقيه لم يتذوق طعم الفقه ولم يفهم سر كلمات الأئمة المعصومين (ع)” (نجفی، ۱۳۶۷، ج ۲۱، ص ۳۹۷).
رغم أن بعض المفكرين (آذری قمی، ۱۳۷۲، ص ۶۳) استخلصوا من هذه العبارات ولاية الزعامة؛ إلا أنه يمكن القول من هذه العبارات واستقصاء الفتاوى وآراء الفقهاء، أن أقل ما يمكن الاستفادة منه هو أن الولاية إجمالًا للفقهاء كانت دائمًا مقبولة من جميع الفقهاء، واختلافهم في حدود وصلاحيات ولي الفقيه ونطاق منصبه وأعمال ولايته.
في هذا المقال، يتم دراسة المسألة المذكورة بشكل مقارن من منظور الإمام الخميني والشهيد الصدر بناءً على آثارهم المكتوبة. ولهذا الغرض، بعد بيان مفهوم ولاية الولي وتنقيح محل البحث، نبحث أولاً حدود وصلاحيات ولي الفقيه من منظور الإمام الخميني، ثم نفس البحث من وجهة نظر الشهيد الصدر، وفي الختام نقوم بمقارنة بين الرأيين.
1- الولاية في اللغة
كلمة الولاية من جذر «وليّ» و«وَلْي» على وزن «فُلعس» وتعني القرب (فیومیالمقری، 1420هـ، ص346؛ جوهری فارابی، 1426هـ، ج5، ص2004_ 2006/ فیروزآبادی، 1428_1429هـ، ج4، ص401). الولاية والولاية بالكسرة والفتحة تعني النصرة (فیومیالمقری، 1420، ص346 / جوهری فارابی، 1426هـ، ج5، ص 2004_ 2006). بعضهم فرق بين معنى الولاية بالكسرة والولاية بالفتحة. قال الجوهرِي: الولاية بالكسرة واو تعني السلطان، و«وِلَايَة و وَلَايَة» بالكسرة والفتحة واو تعني النصرة (الجوهرِي الفارابي، نفسه). الولاية بالكسرة تعني التولية والسلطان، والولايَة بالفتحة تعني المحبة. ابن الأثير يرى أن الولاية بالكسرة تستخدم بمعنى الإمارة والولاء والمعتق، والولايَة بالفتحة في النسب والنصرة والمعتق (ابن الاثیر، 1422، ج5، ص227 – 228)، ويعتقد فيروزآبادي أن الولاية بالكسرة تعني الخطة والإمارة والسلطان (فیروز آبادی، 1428 – 1429هـ، ج4، ص 401).
ذُكرت معانٍ متعددة لكلمة ولي ومولى. أشهرها: ابن العم، العصبة، الناصر، الحليف، المعتق، العتيق (وهم أحرار بني هاشم)، الجار (الجيران) ومعانٍ أخرى (راجع: فيومي مقري، نفسه،/ الجوهرِي، نفسه،/ فيروزآبادي، نفسه/ ابن الأثير، نفسه) التي وردت أغلبها في الحديث، ويجب بحسب مقتضى كل حديث أن تُفهم في أحد هذه المعاني.
نتيجة لذلك، وبالدقة في المعاني المختلفة وخاصة المعاني التي قيلت للفظ مولى، يبدو أن جميعها تعود إلى معنى واحد قاله راغب في المفردات؛ وهو ارتباط واتحاد شيئين بحيث لا يكون بينهما مانع أو فاصلة أو انفصال. وهذا الارتباط قد يكون من جوانب مختلفة؛ مثل الصداقة، النصرة، الاعتقاد، الصدق، الدين وغيرها (ر. ک: راغب اصفهانی، مفردات، 1379هـ، ماده ولی). كما كتب العلامة الطباطبائي معتمدًا على هذا المعنى: «الأصل في معنى الولاية، هو نشوء وسيط بين شيئين بحيث لا يبقى بينهما شيء غيرهما» (طباطبائی، 1417هـ، ج10، ص89).
نقطة أخرى تستخلص من ملاحظة المعاني المختلفة لكلمة الولاية، وهي أن جميعها تتضمن نوعًا من التولي وتحمل الأمور، ويبدو أن هذا هو السبب الذي جعل راغب في نهاية كلامه ينقل أن حقيقة معنى الولاية (بالفتحة والكسرة) هي التولي وتحمل الأمور (راغب الأصفهاني، نفسه).
النتيجة أن لفظ الولاية وكلمة ولي مشتركان معنويًا ولهما معنى واحد وهو اتحاد وارتباط شيئين بحيث لا يكون بينهما فاصلة، ويتولى أحدهما بعض أمور الآخر. هذا المعنى له مصاديق متعددة، وأبرزها الإمارة والحكم، ولذلك فإن استعمال كلمة الولاية بمعنى الحكم ليس مجازيًا فقط، بل هو من أبرز المصاديق المعنوية للكلمة.
2- الولاية في الاصطلاح
قيل إن الولاية في الاصطلاح تعني السيطرة على شخص أو مال أو كليهما، سواء كانت هذه السيطرة عقلية أو شرعية، أصلية أو عرضية وفرعية (آل بحر العلوم، 1403هـ، ج3، ص210).
بعض الفقهاء، لأنهم اعتبروا المعنى اللغوي للولاية هو القيام بأمر الشيء (تولّي إنجاز شيء) والسيطرة عليه، يرون أن هذه الكلمة لا تحمل معنى اصطلاحياً خاصاً؛ لأن الشرع والفقهاء أيضاً استخدموها بالمعنى اللغوي نفسه (السيطرة على شخص أو شيء) (مشکینی، 1379، ص572/ انظر: داوری، 1377، ج2، ص337).
3- مراتب ولاية الفقيه
يمكن أن تُطرح الولاية في مرتبة من المراتب التالية:
1- الولاية على الفتوى؛ 2- الولاية على القضاء؛ 3- الولاية على تنفيذ العقوبات الإسلامية؛ 4- الولاية على التشريع؛ 5- الولاية على الأمور العرفية؛ 6- الولاية على الأموال والأرواح؛ 7- الولاية على تحصيل الخمس والزكاة؛ 8- الولاية على الأمور الحسبية؛ 9- الولاية على الموضوعات؛ 10- الولاية على الزعامة (الحكم).
جميع الفقهاء إجمالاً يقبلون الولاية في بعض هذه المراتب؛ لكن ما يُدرس في هذا المقال هو حدود صلاحيات ولي الفقيه في مجال الولاية على الزعامة.
4- أقسام الولاية
فيما يتعلق بالولاية من جوانب مختلفة، طرحت تقسيمات متعددة؛ من بينها تقسيم الولاية بحسب صاحبها أي «الولي»؛ ومن هذا المنطلق قُسمت الولاية إلى ولاية الله، والأنبياء (ص)، والإمام المعصوم (ع)، والفقهاء، والأب، والجد، والوصي، والنائب، والمتولي، والوقف، وغيرها… والمبحث هنا في هذا المجال هو ولاية الفقيه.
وفي تقسيم آخر، تُقسم الولاية من حيث النطاق وحدود الصلاحيات إلى مطلقة ومقيدة (محدودة).
4-1. الولاية المطلقة
قبل أن نتناول آراء العلماء المذكورين، من الضروري الإشارة باختصار إلى بعض النقاط المتعلقة بمفهوم الولاية المطلقة:
النقطة الأولى، أن الولاية المطلقة نوعان:
أ) الولاية المطلقة على الإطلاق، في هذا النوع من الولاية لا يوجد أي قيد أو شرط، والولاية حرة من كل قيد وشرط. هذا المعنى خاص بالله تعالى، وحتى الأنبياء (ص) والأئمة المعصومون (ع) لا يتمتعون به.
ب) الولاية المطلقة النسبية؛ في هذا النوع، الولاية ليست مطلقة من كل جهة بلا قيد وشرط، بل هي مطلقة بالنسبة لبعض الأمور؛ ولذلك تتوافق مع التقيد والحدود في بعض الأمور الأخرى؛ مثلاً، كلمة «طالب» إذا نظرنا إليها بمعنى الطالب، فهي مطلقة على الإطلاق وتشمل جميع الطلاب الأحرار من أي قيد مثل الجنسية، العرق، اللغة، الجنس، مكان الدراسة، المرحلة الدراسية… ولكن عندما يُقال «طالب مرحلة الدكتوراه»، فإن هذه العبارة، باستثناء «المرحلة الدراسية»، مطلقة بالنسبة لأي قيد آخر. هذا النوع من المطلق يُسمى مطلقاً نسبياً؛ لأنه رغم التقيد بالمرحلة الدراسية، فهو مطلق بالنسبة لبقية القيود.
النقطة الثانية، أن الولاية المطلقة في اصطلاح الفقهاء استُخدمت بمعنيين، وعدم التمييز بينهما يؤدي إلى الخطأ والخلط في المبحث؛ الأول، الولاية بمعنى الحكم وإدارة الدولة؛ الثاني، الولاية بمعنى الولاية على مال وأرواح الناس. وفق المعنى الثاني، تشمل الولاية الأمور الخاصة والشخصية للأفراد؛ مثل: اختيار الزوجة، اختيار السكن، البيع والشراء في الحاجات الخاصة للناس… وهذا النوع من الولاية بالنسبة للرسول (ص) والأئمة المعصومين (ع) محل اتفاق الفقهاء؛ أما بالنسبة للفقهاء، فربما قلّ من يؤمن بهذه الولاية، والمبحث هنا في هذا المجال هو المعنى الأول للولاية، أي الولاية بمعنى الزعامة والحكم السياسي، التي تشمل أساساً النظر في شؤون الناس العامة وإدارتها.
النقطة الثالثة، أن الولاية المطلقة مقابل الولاية المقيدة.
كما ذكرنا سابقاً، ولاية الفقيه تناولت في مراتب متعددة مثل الولاية على الفتوى، الولاية على القضاء، الولاية على تنفيذ العقوبات الإسلامية، الولاية على تحصيل الخمس والزكاة، الولاية على الأمور الحسبية، الولاية على الموضوعات… وقد أقرّ كل فقيه بمرتبة أو أكثر منها. الولاية في هذه الحدود تُسمى في الاصطلاح الفقهي الولاية المقيدة (المحدودة)، أما الولاية التي تكون مطلقة بالنسبة للقيود المذكورة وتشمل جميع المراتب المذكورة وغيرها من المراتب والصلاحيات اللازمة لإدارة شؤون المجتمع على أساس مراعاة مصالح الإسلام والمسلمين – والتي يتمتع بها الأنبياء والأئمة (ع) أيضاً كحكام للمجتمع – فتسمى الولاية المطلقة أو الولاية العامة.
5- حدود صلاحيات ولي الفقيه من منظور الإمام الخميني
نقاش ولاية الفقيه وحدود صلاحياته في آثار الإمام لأول مرة كان في كتاب كشف الأسرار (1322)، ثم في كتاب الرسائل (1331)، وبعد ذلك بشكل فتاوى في كتاب تحرير الوسيلة (1343)، وكذلك في دروس الخارج الفقهية له في النجف الأشرف (1347-1348) – التي نُشرت مع إضافات في كتاب الحكم الإسلامي باللغة الفارسية، وفي قالب كتاب البيع الذي نُشر باللغة العربية عام 1348 – كما يمكن الاطلاع على آرائه في هذا الشأن في خطبه، مقابلاته، ورسائله قبل الثورة وبعد انتصار الثورة الإسلامية، وأوضحها في رده على رئيس الجمهورية آنذاك (السيد آية الله خامنئي) حيث طرح الولاية المطلقة للفقيه بصراحة تامة في رسالته. في هذا المجال نعرض باختصار رأيه حول حدود صلاحيات ولي الفقيه، ثم نرد على بعض الاعتراضات.
5-1. تقرير النظرية
الإمام الخميني في أول كتاب سياسي له، يعرّف الفقيه بأنه نائب الرسول (ص) في جميع ميادين الحكم، ومثله في وجوب الطاعة والولاية والحكم، ويقول:
«فقد تبين أن الذين يروون سنة وحديث النبي (ص) هم نوابه (ص)، وكل ما ثبت للنبي (ص) من وجوب الطاعة والولاية والحكم، فهو ثابت لهم أيضاً؛ لأن إذا عيّن الحاكم شخصاً نائباً عنه، فمعناه أن عليه أن يقوم بأعماله في غيابه» (خمینی، [د.ت.]، ص188).
وبالنظر إلى التعريف الذي قُدم للولاية المطلقة للفقيه، فإن هذا التعبير يتوافق تماماً مع الولاية المطلقة.
وكذلك، كتب الإمام الخميني في فتوى مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب تحرير الوسيلة:
في عصر الغيبة، ولي الأمر وسلطان العصر (عج) يكون نوابه العامون من الفقهاء الجامعين للشروط في الفتوى والقضاء، وهم خلفاؤه في تنفيذ السياسة والمسائل الحكومية وسائر الأمور التي تقع على عاتق الإمام (ع)، ويُستثنى من ذلك الجهاد الابتدائي (خمینی، 1416هـ، ج1، ص112).
الإمام الخميني في هذا الفتوى أيضاً يعرّف الفقهاء بأنهم نواب عامون وخلفاء حضرة ولي العصر (عج) في المسائل السياسية والحكومية. والكلمتان «نواب» و«خلفاء» تدلان على ولاية الفقيه، وخاصة عبارة الخلافة في «سائر الأمور التي تقع على عاتق الإمام» تدل على مطلقية الولاية.
الإمام الخميني في كتاب البيع يطرح مسألة ولاية الفقيه بشكل واسع واستدلالي. في هذا الكتاب، وبعد أن يثبت أصل الولاية للفقيه بالأدلة العقلية والنقلية، يبيّن ويثبت حدود صلاحيات ولي الفقيه. وفي هذا المقام نشير إلى عبارات منه: «للفقيه العادل جميع الصلاحيات المتعلقة بالحكم والسياسة التي كانت مقررة للنبي الأكرم (ص) والأئمة (ع) ثابتة له» (خمینی، 1379، ج2، ص464-465).
وكذلك في موضع آخر، مع التصريح بأن جميع الصلاحيات الحكومية للإمام (ع) ثابتة للفقيه، يقول: «فتحصل مما مر: ثبوت الولاية للفقهاء من قبل المعصومين (ع) في جميع ما ثبت لهم الولاية فيه؛ من جهة كونهم سلاطين على الأمة» (المرجع نفسه، ص653)، ويكتب أيضاً: «أن للفقيه جميع ما للإمام (ع) إلا إذا قام الدليل على أن الثابت له (ع) ليس من جهة ولايته وسلطته، بل لجهات شخصية تشريفاً له أو دل الدليل على أن الشيء الفلاني وإن كان من شؤون الحكومة والسلطنة لكنه يختص بالإمام (ع)» (المرجع نفسه، ص664).
في كتاب الحكم الإسلامي تم التأكيد على مضامين متعددة مما ذُكر، ونكتفي ببعض الأمثلة: «هذا الوهم بأن صلاحيات الحكم للنبي الأكرم (ص) كانت أكثر من صلاحيات الإمام أمير المؤمنين (ع) أو أن صلاحيات الحكم للإمام أمير المؤمنين (ع) أكثر من الفقيه، باطل وخاطئ» (همو، 1373، ص64).
وفي موضع آخر يكتب:
على كل حال، من رواية إسحاق بن عمار نفهم أن الفقهاء هم أوصياء الدرجة الثانية للنبي الأكرم (ص)، والأمور التي أوكلها رسول الله (ص) إلى الأئمة (ع) ثابتة لهم أيضاً، ويجب عليهم أن يقوموا بجميع أعمال رسول الله؛ كما فعل الإمام أمير المؤمنين (ع) (المرجع نفسه، ص99-100).
الإمام الخميني بعد إقرار أصل ولاية الفقيه في الدستور، وفي رد على اعتراضات بعض التيارات الفكرية والوطنيّة، يبيّن اتساع صلاحيات ولي الفقيه كما يلي:
أن يكون في الدستور أمر ولو كان في نظري ناقصاً قليلاً، والروحانية لها في الإسلام صلاحيات أكثر من ذلك، فقد تنازل السادة قليلاً لكي لا يعارضوا هؤلاء المثقفين، ما هو موجود في الدستور هو بعض شؤون ولاية الفقيه وليس كلها (همو، 1370، ج11، ص133).
في جميع المواضع المذكورة، التأكيد على أن ولي الفقيه يمتلك جميع الصلاحيات الحكومية والسياسية والاجتماعية للنبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع)، وبناءً على ما قيل في بيان موضوع البحث وتعريف الولاية المطلقة للفقيه، هذا المعنى لا يعني سوى الولاية المطلقة، إذ لا يمكن تصور صلاحيات أكثر من صلاحيات النبي (ص) والأئمة (ع) للحكم الإسلامي، وإن لم يصرح الإمام الخميني في أي من المواضع المذكورة بمصطلح «الولاية المطلقة».
وبالطبع، فقد أشار الإمام الخميني في رسالة مؤرخة في السادس عشر من شهر دي 1366 موجهة إلى رئيس الجمهورية المحترم آنذاك (آية الله خامنئي) بوضوح تام إلى الولاية المطلقة، ولتوضيح مقصده أكثر، ذكر بعض صلاحيات وشؤون ولي الفقيه، فقال:
التعبير بأنني قلت إن الحكم في إطار الأحكام الإلهية له صلاحية، هو عكس تماماً لما قلته. الحكم الذي هو فرع من ولاية النبي المطلق، هو من الأحكام الأولية ومقدم على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصيام والحج. ما قيل حتى الآن أو يُقال، ناشئ عن عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية (المرجع نفسه، ج20، ص 170-171).
بعضهم استناداً إلى أن الإمام لم يصرح بمصطلح ولاية الفقيه في مؤلفاته السابقة، وأنه استعمل هذا المصطلح في سنواته الأخيرة فقط، وبالاستناد إلى عبارات من المؤلفات المذكورة، يدّعون أن رأي الإمام الخميني خلال سنوات 1322 إلى 1366 قد تطور، واتخذ خلال هذه المدة ثلاث نظريات:
- نظارة الفقيه؛ 2. ولاية الفقيه في إطار الشرع والقانون؛ 3. ولاية الفقيه فوق الشرعية وفوق القانون. في هذا المقام نورد أولاً العبارات المعنية ثم نبحثها قدر الإمكان للوصول إلى حقيقة نظرته.
5-2. نسب نظرية «نظارة الفقيه» إلى الإمام
قيل إن الإمام كان أولاً مؤمناً بنظارة الفقيه؛ وللدلالة على ذلك ذُكرت ثلاث مجموعات من الاستشهادات:
أ) بعض عبارات كتاب كشف الأسرار؛ استُنتج من بعض جمل هذا الكتاب أن الإمام كان موافقاً على النظام الملكي وكان يطالب فقط بنظارة الفقهاء؛ مثلاً يقول:
نحن الذين نقول إن الحكم والولاية في هذا الزمان مع الفقهاء، لا نريد أن نقول إن الفقيه هو الملك والوزير والعسكري والشرطي معاً، بل نقول، إذا تشكل مجلس مثل هذا (مجلس المؤسسين) من مجتهدين متدينين يعرفون أحكام الله ويكونون عادلين وخالين من الأهواء النفسية وغير ملوثين بالدنيا والرياسة، وليس لهم غرض سوى مصلحة الناس وتنفيذ أحكام الله، وانتخبوا شخصاً واحداً سلطاناً عادلاً لا يخالف القوانين الإلهية ويتجنب الظلم والاعتداء على أموال وأرواح وأعراض الناس، فأين سيصطدم ذلك في البلاد؟ وكذلك إذا تشكل مجلس شورى هذه البلاد من فقهاء متدينين أو كان تحت نظارتهم، فأين سيصطدم ذلك في العالم؟ (نفسه، [د.ت.]، ص184-185).
ب) مقابلات وخطابات من الإمام في الأشهر الأخيرة قبل انتصار الثورة؛ يستند بعضهم إلى تصريحات من حضرة الإمام التي كانت تتعلق بواجب ودور نفسه وسائر العلماء في الحكم خلال الأشهر القليلة السابقة على انتصار الثورة الإسلامية في باريس، فيستنتجون أنه كان يؤمن بمراقبة الفقيه. ومن بين الأدلة ما يلي:
- واجب علماء الإسلام هو مراقبة القوانين (همو، 1370، ج2، ص250/ المرجع نفسه، ج3، ص140).
- مجلس من العلماء والعلماء المسلمين يراقب الجمهورية الإسلامية (المرجع نفسه، ج3، ص140)؛
- الروحانيون سيتولون دور الإرشاد وتوجيه الحكومة (المرجع نفسه، ج3، ص75؛
- أنا في المستقبل سأحتفظ بنفس الدور الذي أؤديه الآن؛ أي الإرشاد، والمراقبة على الأوضاع، والإرشاد والتوجيه، وليس لي نية التدخل المباشر في الأمور (المرجع نفسه، ج2، ص 257و 295؛
- أنا وسائر العلماء في الحكم لا نشغل منصباً، واجب العلماء هو إرشاد الحكومات، وأنا في الحكومة المستقبلية لي دور الإرشاد (المرجع نفسه، ج3، ص 140).
لم يذكر حضرة الإمام بعبارات من هذا النوع كلمة ولاية الفقيه، وكان يكتفي بمراقبة الفقيه، ومن الواضح أن المراقبة تختلف عن الولاية.
ج) السيرة العملية للإمام، قيل إن حضرة الإمام بالإضافة إلى الأقوال المذكورة، كان يتجنب قبول المسؤولية والمناصب المباشرة، وذهابه إلى قم بعد انتصار الثورة واستقراره هناك يؤكد هذا الأمر.
6. النقد والمراجعة
أ) بالتأمل في النص المذكور (همو، [د.ت.] ص185) يتضح أولاً، أنه من وجهة نظره لا مانع من قيام حكم سلطان عادل تحت إشراف المجتهدين؛ لكنه صامت بشأن ما إذا كان هذا السلطان العادل يجب أن يكون فقيهاً أم لا؟ ولا يمكن استنتاج عدم الفقه منه. ثانياً، في نفس كتاب كشف الأسرار وردت مواضيع تشير إلى أن الحكم الشرعي من وجهة نظر الإمام هو الحكم الإلهي الذي يكون في رأسه الفقيه الجامع للشروط؛ على سبيل المثال، يقول:
“إلا السلطنة الإلهية، كل السلطانات مخالفة لمصلحة الناس وظلم، وكل القوانين إلا قانون الله باطلة وعديمة الجدوى” (المرجع نفسه، ص186).
وكذلك رد الإمام على ادعاء مؤلف كتاب أسرار ألف عام، الذي قال: لا يوجد دليل على أن الحكم حق الفقيه، جاء رده:
“المباني الفقهية أغلبها أخبار وأحاديث الأئمة التي هي متصلة بالنبي (ص) الله، وهي أيضاً وحي إلهي” (المرجع نفسه، ص187).
ثم يتناول الإمام أربعة روايات: 1. توقيع منسوب إلى الناحية المقدسة لإسحاق بن يعقوب؛ 2. حديث “اللهم ارحم خلفائي”؛ 3. مقبولة عمر بن حنظلة؛ 4. رواية تحف العقول من سيد الشهداء. ومع أنه استند في كتب أخرى لإثبات ولاية الفقيه إلى هذه الروايات، في هذا الكتاب أيضاً تحت إحدى هذه الروايات يكتب:
“فقد تبين أن الذين يروون السنة وحديث النبي (ص) هم خلفاء النبي، وكل ما ثبت للنبي (ص) من وجوب الطاعة والولاية والحكم، فهو ثابت لهم أيضاً؛ لأن إذا عيّن الحاكم شخصاً خلفاً له، فمعناه أن عليه أن يقوم بأعماله في غيابه” (المرجع نفسه، ص188).
الاستشهاد بهذه الروايات والعبارة المذكورة يدل على أن رأي حضرة الإمام في كشف الأسرار كان ولاية مطلقة واحدة ومتوافقة مع رأيه في أواخر عمره الشريف – ولاية الفقيه المطلقة – ولم يحدث أي تغيير، رغم أنه لم يصرح بـ«ولاية الفقيه المطلقة».
ب) في ما يتعلق بالاستشهادات من الفئة الثانية يمكن تقديم عدة إجابات:
الإجابة الأولى، أن حضرة الإمام في تلك الظروف لم يرَ استعداد الناس لقبول ولاية الفقيه، وكان يخشى أن يؤدي طرح هذا الأصل الأساسي مبكراً وفي غير وقته إلى عدم إقبال الناس وهروبهم من الثورة والحكم الإسلامي؛ لذلك، رغم اعتقاده بولاية الفقيه التي سبق وأن ذكرها في كتب كشف الأسرار وكتاب البيع والحكم الإسلامي، لأنه لم يرَ ولاية الفقيه قابلة للتطبيق في تلك الظروف، فكان رأيه الحقيقي هو تنفيذ مراقبة الفقيه. كما أن المرحوم النائيني لهذا السبب، رغم كونه من القائلين بولاية الفقيه، أجاز الحكم الدستوري بإذن ومراقبة الفقهاء.
الدليل على ما ذكر أن حضرة الإمام لم يصرح بولاية الفقيه حتى وقت إقرار مبدأ ولاية الفقيه في مجلس خبراء الدستور، وبمجرد طرح هذا المبدأ في المجتمع ورؤية رد الفعل الإيجابي من غالبية الناس، بدأ بالدفاع عن ولاية الفقيه.
الإجابة الثانية، أن الإمام الخميني طوال حياته السياسية كان استراتيجياً مؤمناً بولاية الفقيه منذ البداية، من كتاب كشف الأسرار إلى كتاب البيع وحتى في وقت إجراء المقابلات المذكورة – لكن تكتيكياً في ظروف زمانية ومكانية مختلفة – كان يعرض أجزاءً من نظريته للناس، ويجب تفسير بعض أقواله التي تبدو مخالفة لنظرية ولاية الفقيه بأنها تقية شرعية، وهي بلا شك صحيحة وربما واجبة في بعض الحالات. والتقية في الحالات المذكورة يمكن أن تكون تقية خوفية أو مداراتية. خوف من عدم نصرة دين الله من قبل الناس؛ ومدارا مع الناس لكي يتربوا على تعاليم الإسلام، فيتهيأوا لقبول تطبيق الأحكام الإلهية وخاصة الأصل الأساسي ولاية الفقيه. والراجح في ذلك هو التقية المداراتية.
ج) أما في ما يتعلق بسيرته العملية، فيمكن تقديم عدة إجابات:
أولاً، الإجابات التي قُدمت على الاعتراضات من الفئة الثانية صالحة هنا أيضاً، ونكتفي بعدم تكرارها.
ثانياً، خلافاً لما قيل، يمكن ذكر عدة أمثلة من سيرة الإمام العملية التي يظهر فيها أنه مارس الولاية في تلك الأيام؛ على سبيل المثال، في 22/10/57 أعلن الإمام:
“بموجب الحق الشرعي وبناءً على ثقة الأغلبية الساحقة من شعب إيران التي أُبدت تجاهي، وفي سبيل تحقيق الأهداف الإسلامية للأمة، تم تعيين مجلس مؤقت باسم مجلس الثورة الإسلامية مكون من أشخاص ذوي كفاءة ومسلمين وملتزمين وموثوقين، وسيبدأون عملهم” (همو، 1370، ج3، ص105).
كما أن حضرة الإمام عند دخوله إيران في بهشت زهرا في خطابه التاريخي، أكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأعلن: «أنا من يحدد الحكومة، أنا بناءً على دعم هذا الشعب، أُحدد الحكومة» (المرجع نفسه، ص 203-205، 12/11/57) وبعد ثلاثة أيام من هذا الإعلان، في الخامس عشر من بهمن، كلف المرحوم المهندس مهدي بازرگان بتشكيل الحكومة المؤقتة وقال:
نحن بناءً على الاعتماد على هذه الآراء العامة التي ترونها الآن، أنا الذي جعلته حاكماً، إنسان واحد أنا الذي وضعته بناءً على ولايتي التي أملكها من الشارع المقدس. من عينته يجب اتباعه، على الأمة أن تطيعه، ليست حكومة عادية، بل حكومة شرعية، يجب أن يطيعوه، معارضة هذه الحكومة معارضة للشرع (المرجع نفسه، ص224).
وكذلك في الأمر الكتابي لأول رئيس وزراء للثورة الإسلامية، كتب ما يلي:
السيد المهندس مهدي بازرگان بناءً على اقتراح مجلس الثورة، وبحسب الحق الشرعي والحق القانوني الناشئ عن آراء الأغلبية الساحقة من شعب إيران التي أُعرب عنها خلال التجمعات الضخمة والتظاهرات الواسعة والمتعددة في جميع أنحاء إيران تجاه قيادة الحركة، وبناءً على إيمانكم الراسخ بالمذهب الإسلامي المقدس ومعرفتي بسوابقكم في النضالات الإسلامية والوطنية، أوكل إليكم، دون النظر إلى العلاقات الحزبية والانتماءات إلى أي مجموعة خاصة، مهمة تشكيل الحكومة المؤقتة (المرجع نفسه، ص 228، 15/11/57).
ثالثاً؛ عدم قبول المسؤولية – حتى وإن كان صحيحاً – ليس دليلاً على عدم الإيمان بولاية الفقيه. كما ذُكر في الرد السابق، فإن حضرة الإمام يصرح بوضوح في نص الأمر بتعيين رئيس الوزراء المؤقت بولايته الشرعية. نعم! ربما يمكن القول إن الإمام في بداية الثورة وحتى بعد عدة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية كان يعتقد أنه ليس من الضروري أن يتولى ولي الفقيه مباشرة جميع مجالات ممارسة الولاية، وأن الفقيه العادل والمأذون يكفي لهذه المسؤولية؛ ولكن بعد المعارضة التي واجهها من قادة الحكومة المؤقتة، وخاصة بعد خيانة بني صدر والمؤامرات الأخرى التي أدت إلى الإقصاء الجسدي للمخلصين للثورة، لم يكتفِ الإمام بدور أكبر فحسب، بل رضِي أيضاً بتولي رجال الدين للمسؤوليات التنفيذية، حتى على مستوى رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والوزارات.
النتيجة
مما سبق يتضح أن حضرة الإمام الخميني منذ بداية نشاطه العلمي والسياسي في جميع مؤلفاته الفقهية والسياسية كان يؤمن بولاية الفقيه المطلقة، وإذا وُجدت حالات مخالفة لذلك، فيجب تفسيرها وتحليلها بالنظر إلى مجموع أفكاره، خصوصاً كتبه العلمية والفقهية؛ لأن النظريات العلمية لكل مفكر تُبحث في مؤلفاته التي تُطرح في أجواء علمية وبشكل مستدل واجتهادي.
حدود صلاحيات ولي الفقيه من منظور الشهيد الصدر
قبل أن نتناول نظرية الشهيد الصدر حول حدود صلاحيات الفقيه، من الضروري ولو بإيجاز إلقاء نظرة على نظرته إلى الحاكمية لتتضح مكانة الفقيه فيها.
يقسم الشهيد الصدر الحاكمية إلى حاكمية حقيقية واعتبارية. الحاكمية الحقيقية والمطلقة هي لله تعالى. والحاكمية الاعتبارية والنسبية، تحت عنوان «الاستخلاف والاستئمام» التي تعود للإنسان، تتجلى من وجهة نظره في بعدين: «الخلافة» و«الشهادة». والشهادة أو الرقابة لها جانبان: 1. مبني على العصمة والمعجزة، 2. مبني على العدل والعلم. وبعد الخلافة من وجهة نظر الشهيد الصدر هو خلافة عامة تعود للإنسان، والحاكمية الوطنية هي فرع من خلافة الإنسان.
يستند الشهيد الصدر إلى آيتين (شورا: 38/ توبه: 71) لاستنباط قاعدة قرآنية «حاكمية الأمة» ويكتب:
والنص الثاني (توبه: 71) يتحدث عن الولاية وأن كل إنسان مؤمن له حق ولاية على إنسان مؤمن آخر، والمراد من الولاية هو الإشراف والحكم على شؤونه. ولهذا يشير إلى موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كمثال) وأن هذا حق عام يتساوى فيه الجميع (صدر، 1379، ص161).
هنا يتحدث الشهيد الصدر عن ولاية ذات جانب إشرافي وتولي الأمور والسلطة، ويعرفها كحق يتساوى فيه الجميع. هذه الولاية هي الحاكمية بمعناها السياسي والاجتماعي؛ إذن من منظور الشهيد الصدر، الولاية والحاكمية الاعتبارية أساساً تعود للإنسان كخليفة الله على الأرض، ويشكل المسلمون أهم جزء من الحكم، وشرعية الحكم تعتمد على رأيهم ووجهة نظرهم؛ ولكن الله تعالى إلى جانب خط خلافة الإنسان، من أجل حماية الإنسان من الانحراف وتوجيهه نحو أهداف الخلافة الناضجة، وضع خط الشهادة (الرقابة) (المرجع نفسه، ص135).
وبالاستناد إلى الآية (مائده: 44)، يعرّف الشهيد الصدر المراقبين والشهود بثلاث فئات: 1. الأنبياء؛ 2. الربانيون (الأئمة المعصومون)؛ 3. الأحبار (علماء الشريعة) (المرجع نفسه، ص136). وبين هذه الفئات الثلاث، يوجد فرق جوهري يميز الشهيد الصدر على أساسه مهامهم؛ فالأنبياء والأئمة المعصومون بسبب عصمتهم، يجمعون بين مهام الخلافة والرقابة، أما ولي الفقيه والمرجع، بسبب عدم العصمة، فلهما فقط مهمة الرقابة. وبالطبع كل فئة من هذه الثلاث، حتى المرجع، كجزء من البشر، لها مهمة الخلافة (المرجع نفسه، ص162)؛ لكن هذا النوع من الخلافة خارج نطاق بحثنا.
من وجهة نظر الشهيد الصدر، في زمن وجود النبي (ص) أو الإمام المعصوم (ع) يجتمع في شخص النبي (ص) أو الإمام (ع) خطا الرقابة والخلافة؛ أما في زمن الغيبة، فتنفصل هذان الخطان؛ فالرقابة تكون للمرجع، والخلافة والحاكمية تكون للشعب.
الإسلام في زمن الغيبة يوزع المسؤوليات بين خط المرجع والأمة، أي بين الاجتهاد الشرعي والمجلس؛ فهو لا يريد أن تتولى الأمة خلافتها بدون شاهد وناقد يردعها عن الانحراف ويراقب صحة وسلامة طريقها ويُظهر لها علامات الطريق من الجانب الإسلامي ويطبقها (المرجع نفسه، ص161).
يتضح من المناقشات السابقة أن الشهيد صدر في زمن الغيبة، يعرّف القاضي بما هو فقيه كمرجع صالح رشيد، مرجع علمي ومراقب على التنفيذ الصحيح للقانون الإلهي والشريعة الإسلامية، ويمنحه مسؤوليات في هذا السياق على النحو التالي:
- حفظ ونشر وتوسيع رسالة الإسلام.
- استخدام الاجتهاد لفهم أحكام الإسلام ومطابقة القضايا المعاصرة معها.
- الإشراف والمراقبة على الأمة لتحقيق الخلافة الذاتية وتنفيذ القوانين بدقة ضمن إطار الإسلام بين الناس (انظر: المرجع نفسه، ص159- 160).
صلاحيات واختصاصات المرجع من منظور الشهيد صدر: المرجع هو أعلى ممثل للدولة وقائد عام للقوات المسلحة. المرجع هو من يؤكد ترشيح فرد أو أفراد، أو يرشحهم بنفسه لهذا المنصب. ترشيح المرشح من قبل المرجع معتبر؛ لأن أولاً، يؤكد توافق مرشح رئاسة السلطة التنفيذية مع الدستور، وثانياً يمنحه نوعاً من الوكالة من المرجع؛ لذلك في حال فوزه في الانتخابات كرئيس للسلطة التنفيذية، يمنحه قداسة وشرعية أكبر.
- مطابقة الدستور الموضوع مع الشريعة.
- إبداء الرأي النهائي (الحسم) بشأن القوانين التي يضعها مجلس الشورى لملء فراغ التشريع.
- تأسيس المحكمة العليا للنظر في جميع النزاعات المحتملة في المجالات المذكورة.
- إنشاء ديوان المظالم والشكوى للنظر في شكاوى الأفراد في جميع أنحاء البلاد واتخاذ وتنفيذ القرار المناسب.
في هذا الصدد، يقوم المرجع بتشكيل مجلس مكوّن من عدد من العلماء الروحيين المطلعين، يشمل عدداً من علماء الحوزة البارزين وعدداً من ممثلي العلماء الكبار والخطباء والباحثين والمفكرين الإسلاميين، ويجب أن يكون بينهم على الأقل عشرة من المجتهدين، ويمارس المرجع صلاحياته واختصاصاته من خلال هذا المجلس (صدر، 1426هـ، ص 20-21).
مقارنة آراء الإمام الخميني والشهيد صدر في مجال صلاحيات الفقيه: تختلف نظرية الشهيد صدر (إشراف الفقيه) في النقاط التالية عن نظرية الإمام (ولاية الفقيه):
أهم اختلاف هو أنه في نظرية الإمام الخميني (الولاية المطلقة للفقيه) يمتلك الفقيه السيادة والولاية، بينما في نظرية الشهيد صدر السيادة مع ، ومهمة الفقيه هي الإشراف على حسن تنفيذ القوانين ومطابقتها مع الشرع؛ بمعنى آخر، في نظرية الشهيد صدر، لا يمتلك الفقيه دوراً تنفيذياً، كما أنه لا يعين أي منصب، رغم أنه يفحص صلاحية المتصدين الدينية العليا للمجتمع ويراقب حسن التنفيذ؛ أما في نظرية الولاية المطلقة للفقيه؛ أولاً، يتولى الفقيه بنفسه أعلى دور تنفيذي في المجتمع؛ ثانياً، تعيين أو تنصيب أو عزل جميع المسؤولين الرئيسيين في شؤون المجتمع من صلاحيات ولي الفقيه.
في نظرية الشهيد صدر، في الأمور غير الكبرى، لا يلزم تأييد الفقيه، بل يكفي عدم رفضه؛ بينما في نظرية الولاية المطلقة للفقيه، شرعية جميع الأمور الصغيرة والكبيرة في المجال العام تحتاج إلى تأييد أو إذن من الولي. شرط موافقة الفقيه في الأمور الكبرى هو من باب اتخاذ أقصى درجات الحيطة في نظرية الإشراف.
في نظرية الشهيد صدر، لا يمتلك الفقيه دوراً إيجابياً في الحكم، دوره سلبي (إزالة الأمور المخالفة للشرع والدين من نطاق الحكم). في نظرية الولاية المطلقة للفقيه، للفقيه دور سلبي وأيضاً دور إيجابي.
بشكل عام، يمكن القول إن الصلاحيات التي يراها الشهيد صدر للفقيه هي جزء ضئيل جداً من الصلاحيات التي يقرها الإمام الخميني للفقيه. ومن الجدير بالذكر أن تقديم نظرية الشهيد صدر يستند إلى الكتب المنشورة لذلك الشهيد العظيم؛ رغم أن بعض تلاميذه مثل الشهيد سيد محمد باقر الحكيم، يعتقدون أنه في أواخر حياته الكريمة وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أصبح مؤمناً بنظرية الولاية المطلقة، لكننا لم نعثر على مثل هذا الرأي في مؤلفاته.
المصادر والمراجع
- ابن الاثیر، مبارک بن محمد؛ النهایة فی غریب الحدیث والأثر؛ ج5، بیروت؛ دارالمعرفة، 1422ق.
- آذری قمی، احمد: ولایت فقیه از دیدگاه فقهای اسلام؛ قم: مؤسسة مطبوعاتی دارالعلم، 1372.
- آل بحر العلوم، محمد بن محمد تقی؛ بلغة الفقیه (مجموعه بحوث و رسائل وقواعد فقهیة)؛ شرح و تعلیق حسین بن محمد تقی آل بحر العلوم؛ تهران: مکتبة الصادق، 1403ق.
- جوهری فارابی، ابی نصر اسماعیل بن حماد؛ الصحاح؛ ج5، بیروت: داراحیاء التراث العربیة، 1426ق.
- حسینی تهرانی، سید محمد حسین؛ ولایت فقیه در حکومت اسلام؛ ج1، مشهد، منشورات علامه طباطبایی، 1414ق.
- خمینی، روح الله؛ تحریر الوسیلة؛ ج 1، قم: جامعه مدرسین، 1416ق.
- __________؛ صحیف نور (مجموعه رهنمودهای حضرت امام خمینی)؛ ج2، ج3، ج11 وج20، تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی سازمان الطبعة منشورات سازمان مدارک فرهنگی انقلاب اسلامی، 1370.
- ___________؛ کتاب البیع ج2، چ1، تهران؛ مؤسسة تنظیم و نشر آثار امام خمینی، 1379.
- __________؛ کشف الاسرار؛ قم: منشورات پیام اسلام، [دون تاريخ].
- __________؛ ولایت فقیه «حکومت اسلامی»؛ تهران: مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی، 1373.
- داوری، مسلم؛ التقیة فی فقه اهل البیت؛ ج2، قم:[دون ناشر]، 1377.
- راغب اصفهانی، حسین بن محمد؛ مفردات الفاظ القرآن؛ بیروت: دارالقلم، 1379.
- صدر، سید محمدباقر؛ الاسلام یقود الحیاة؛ المدرسة الاسلامیة رسالتنا؛ قم: مرکز الابحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر، 1379.
- __________؛ لمحفقهیة تمهیدیة عن مشروع دستور الجمهوریة الاسلامیة فی ایران (الاسلام یقود الحیاة)؛ چ3، قم: ظهور مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، 1426ق.
- طباطبایی، سید محمد حسین؛ المیزان فی تفسیر القرآن؛ ج10، چ5، قم: دفتر منشورات اسلامی جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، 1417ق.
- طریحی، فخرالدین بن محمد؛ مجمع البحرین؛ تصحيح عادل محمود؛ ج1، تهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامی، 1408ق.
- فیروز آبادی، محمد بن یعقوب؛ القاموس المحیط؛ ج4، بیروت: دار الفکر، 1428- 142ق.
- فیومی المقری، احمد بن محمد بن علی؛ المصباح المنیر؛ چ2، بیروت؛ المکتبة العصریة، 1420ق.
- مشکینی، علی؛ مصطلحات الفقه ومعظم عناوینه الموضوعة؛ قم: الهادی، 1379.
- نجفی، محمد حسن؛ جواهر الکلام فی شرح شرائع الاسلام؛ تحقيق و تعلیق شیخ عباس قوچانی؛ ج21، چ3، تهران: دار الکتب الاسلامیة، 1367.

