تحليل مفهوم «المدرسة» و«النموذج» ومنهجيتهما من منظور آية الله السيد محمد باقر الصدر وتوماس كوهن

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیلی بر مفهوم «مکتب» و «پارادایم» و ابتنای روش‌شناسانه آن‌ها از منظر آیت الله سید محمد باقر صدر و توماس کوهن ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: الهدف: كان الهدف من كتابة هذه المقالة، إظهار غنى المنهجية في العلوم الدينية من خلال المقارنة مع الأُطُر المسبقة في المدارس الغربية، عبر دراسة مقارنة في موضوعات متماثلة، وكان ذلك. المنهج: في هذه الدراسة، تم التطرق إلى الأفكار الموازية في مدرستين منهجيتين باستخدام المنهج الوصفـ المقارن، وكان ذلك. النتائج: الاهتمام بمنهجية العلم، له تاريخ عريق في العلوم غير الإسلامية. وعلى الرغم من أن العلوم الإسلامية تناولت المعارف الثانوية وقد كانت الرؤوس الثمانية من أهم أبحاث فلسفة العلم التي حظيت بالاهتمام في العلوم الإسلامية، إلا أن النقاش حول المنهج كفصل مستقل في النظرية، لم يكن محط اهتمام جاد من قبل المفكرين الإسلاميين. الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر هو من المفكرين الذين أشاروا في أعمالهم الهامة في الفقه العبر-تخصصي، إلى منهجية مُنقحة إلى حد ما واستخدمها أيضًا. الاستنتاج: مفهوم المدرسة والمنهج الاكتشافي لها، هو المنهج المركزي الذي طرحَه الشهيد صدر في مباحث فقه الاقتصاد ويمكن مقارنته بمفهوم «النموذج» في المباحث المنهجية لـ توماس كوهن، العالم الفيزيائي الأمريكي.

المؤلف: بهنام طالبی طادی، محمدرسول آهنگران، نوید امساکی

المصدر: مطالعات معرفتی در دانشگاه اسلامی، شتاء 1399، العدد85، ص 959إلى976.

أ) المقدمة

في باب منهجية العلم، نشأت مدارس وتيارات فكرية في المجتمع العلمي العالمي، والمنهجية لها مستويات مختلفة منها: «أساليب الدراسة، المنهجية التطبيقية، المنهجية الأساسية والمنهجية العامة أو طريقة التفكير بشكل عام وشامل» (پارسانیا، 1388: 39)، والتي في هذا الكتاب تم التركيز على المستويات الأساسية منها؛ لأن المنهجية على المستوى الأساسي هي ذاتها طريقة إنتاج النظرية. تُنتج النظريات العلمية في سياق المنهجيات الأساسية. والنزاع الحالي يسعى إلى اكتشاف مجموعة من الطرق التي يمكن من خلالها، استنادًا إلى علم الفقه وطرق الاجتهاد السائدة فيه، استخراج مناهج متكاملة مقارنة بالاجتهاد الجواهري في استنباط الأنظمة والنماذج الكبرى لاكتشاف الدين.

في مجال العلوم والمعارف الدينية، ما تم طرحه في الماضي في المنطق وكرؤوس العلوم الثمانية، لم يتناول أي منها مفهوم أو مصطلح «المنهج» باعتباره أحد خصائص العلم. مع أن هذه الحاجة تُشعر بوضوح؛ لأن النظرية لا تُنتج في فراغ، وكل علم بموضوع ونظام مسائل محدد يحتاج إلى «منهج» مصقول وموثق في معالجة المسائل تحت موضوعه ومرتبط بالغرض الذي تأسس العلم من أجله. قال بعضهم في وصف علاقة المنهج بمبادئ ونظريات العلم: «إذا شبهنا العلم بكائن حي، فالنظرية هي قلبه، والمبادئ والأسس هي نفس وروح العلم، والمنهج هو طريقة ارتباط الروح بالقلب» (المرجع نفسه: 40). لذا فإن «المنهجية» كمنطق يسعى فيه العقل إلى الوصول إلى المعرفة وبراهينها، أمر ضروري. وبالنظر إلى مكانة المنهجية لكل علم بالنسبة لذلك العلم، تُعتبر المنهجية علماً من الدرجة الثانية. لكن هذه العلاقة تشير إلى مقام ثبوت العلم وإثباته، أو بعبارة أخرى؛ الحمل الأول والشائع، حيث نفس العلم يُبحث عنه من حيث الإثبات (الحمل الشائع) والمنهجية من حيث الثبوت (الحمل الأول). ومع ذلك، لا يمكن لهذه العلاقة أن تقلل من مكانة وأهمية المنهجية العلمية، لأن المنهجية تلعب دورًا مهمًا في تطوير المعرفة وتنظيم القواعد والمناهج الحاكمة على ذلك العلم في بناء النظريات. ولهذا السبب، في العلم، يُتخذ الإطار الرئيسي من المنهج أولاً، ثم تُضاف المواد العلمية إليه. وبسبب هذا التحليل، يعتقد بعضهم أن المنهجية تأتي بعد المنهج (المرجع نفسه: 39)؛ لأن لا علم بدون منهج، وإذا لم يُعطَ في العلوم الإسلامية حتى الآن اهتمام مستقل ومنفصل للمنهجية كحقل علمي له استقلاليته وهوية، فليس بسبب غياب المنهج في المعارف الإسلامية، بل بسبب غياب الجهد في استخراج وتنقيح منهاج العلوم الإسلامية.

حول الصعود والهبوط في قضية علوم الدرجة الثانية، يرى بعضهم: «قصة فلسفة العلم في القرن الماضي قصة مليئة بالعبر. فقد اعتبر الإيجابيون الملاحظات التجريبية الخام حقيقة، واعتبروا الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة بلا معنى ولا قيمة. وانتقد المنهجيون الإثباتيون اعتماد الملاحظات على نظريات الإيجابية، وسمحوا بمتابعة وجود الميتافيزيقا في النظريات العلمية. وأخيرًا، تحدى كوهن النظام الإيجابي-السلبي بروايته، معتبرًا تاريخ العلم حقيقة. هذه التحديات والتقلبات تدل على أن نقد بنية نظرية لا يمكن إلا بالاعتماد على بنية نظرية أخرى» (مقدم حيدري، 1385: 140). لذا في هذا الكتاب نحاول مطابقة المناقشات المنهجية بين بعدي البارادايم والمدرسة.

ب) التعريف المقارن للمدرسة والعلم من وجهة نظر آية الله صدر

1. تعريفات المدرسة

يجب أن نأخذ في الاعتبار أنه أساسًا في مجال العلوم الإنسانية لا يمكن الوصول إلى تعريفات منطقية تامة، والتعريفات هي فقط توضيح لأبعاد وزوايا الموضوع المركب مع بيان مقتضياته والدلالات الالتزامية له. لذلك، في تعريف «المدرسة» لا يمكن تجاوز التعريفات اللفظية. في التعريف اللغوي، «المدرسة» تعني المكان والمقر لتعلم العلم (ابن منظور، 1414، ج1:699). المعادل لهذا اللفظ في اللغة الفارسية هو «مدرسة» وفي اللاتينية «سكول»[1].

بشكل عام، أحد الجوانب المميزة في منهجية بناء النظريات عند الشهيد صدر هو اهتمامه بمفهوم المدرسة كدال منهجي ومنطق مفهومي. ويعتقد آخرون في هذا الشأن: «هناك عنصران أساسيان في نظرية الشهيد صدر يميزان نظريته عن باقي النظريات؛ العنصر الأول هو منطقة الفراغ، والعنصر الثاني هو مسألة المدرسة» (میرباقری، 1391). أهمية المدرسة في نظره واضحة جدًا؛ بحيث يعتبر الإسلام إلى جانب الأحكام، يشمل المدرسة والمذهب. «من وجهة نظر الشهيد صدر، الإسلام إلى جانب الأحكام الاجتماعية، له مذهب ومدرسة اجتماعية يُشار إليها أحيانًا بالنظام الاجتماعي» (نفس المرجع).

إذا اعتبرنا المعادل للمدرسة هو النظام، فإن التعريف الذي يمكن تقديمه من وجهة نظر آية الله صدر هو: «النظم هي مجموعات مترابطة لها مبادئ وأهداف خاصة بها. وقد أشار إلى أن المسلمين يجب أن يكونوا مسؤولين في هذا المقياس ويقدموا فكرًا يفسر النظم الاجتماعية الإسلامية. من هذا المنظور، هناك مرتبتان ناقصة وكاملة للشريعة؛ المرتبة الناقصة تحدد واجبات الفرد في ظروف مختلفة، أما المرتبة الكاملة للشريعة فتصمم وتخلق الظروف» (نفس المرجع).

لا يمكن تقديم تعريف محدد وموحد للمذهب، ولكن يمكن اعتباره الأساس الرئيسي للأحكام، ويُعبَّر عنه ككل يربط بين الأنظمة الاجتماعية المختلفة. «النظرية التي طرحها الشهيد الصدر في باب المذهب أو المذهب الاقتصادي أو بشكل عام في باب المذهب الاجتماعي ليست مصقولة تمامًا. إجمالاً، من وجهة نظره، يجب أن يعبّر المذهب الاجتماعي أساسًا عن الواجبات والمحظورات، والمستحسنات والمكروهات، وما ينبغي وما لا ينبغي. المذهب الاجتماعي هو منظومة تشكل أساس الأحكام الاجتماعية؛ بحيث تشكل كلًا وحزمة مقترحة في مجال السياسة أو الثقافة أو غيرها، وتتواصل مع الأنظمة الاجتماعية الإسلامية الأخرى.» (المرجع نفسه)

هناك تعريفات أخرى للمذهب إلى جانب التعريف المقدم من الشهيد الصدر. من وجهة نظر بعضهم، يجب تحليل مفهوم المذهب إلى جانب عنصرين ثنائيين آخرين: «1. النظرة الاقتصادية للعالم، 2. المذهب الاقتصادي، 3. علم الاقتصاد» (اراکی، 1393: 18). لذا في تعريف المذهب الاقتصادي يجب القول: «المذهب الاقتصادي؛ أي التفسير التوجيهي لكيفية تنظيم العلاقات الاقتصادية بين عناصر المجتمع الاقتصادي (رأس المال، العمل والقوى العاملة، أدوات الإنتاج) وبصيغة أشمل؛ نموذج تنظيم الأنشطة الاقتصادية الرئيسية الستة؛ توزيع الموارد الأولية للثروة، الإنتاج، التوزيع بعد الإنتاج، التبادل، الخدمات والاستهلاك، في اتجاه الأهداف الاقتصادية المرغوبة» (المرجع نفسه: 19). بناءً على ذلك، فإن المذهب الاقتصادي الإسلامي هو: «التفسير التوجيهي للعلاقات بين عناصر المجتمع الاقتصادي؛ أي رأس المال، العمل، القوى العاملة وأدوات الإنتاج، أو بعبارة أشمل: الخطة الشاملة للإسلام لتنظيم الأنشطة الاقتصادية الرئيسية للمجتمع، وهي توزيع الموارد الأولية للثروة، الإنتاج، التوزيع بعد الإنتاج، التبادل، الخدمات والاستهلاك، في سبيل تحقيق الأهداف التي يهدف إليها الإسلام» (المرجع نفسه: 27). ثم ينتقل إلى تعريف العنصر الثالث للنظام الاقتصادي؛ وهو علم الاقتصاد: «علم الاقتصاد يعني التفسير الوصفي والشرح للقوانين والعلاقات الحاكمة على عناصر المجتمع الاقتصادي والطريقة الأفضل لاستخدام هذه القوانين لتحقيق الأهداف الاقتصادية» (المرجع نفسه: 19). كما يتضح من التعريفات المقدمة، المذهب هو العنصر الذي يقدم القواعد والمبادئ العامة لتنظيم الأنشطة الاقتصادية وغيرها، والعلم هو العنصر الذي يحدد الطريقة والأسلوب لاستخدام وتطبيق هذه المبادئ في مجال الأنشطة الاقتصادية وغيرها.

من التعريفات الأخرى، تعريف يميز بين المذهب والنظام ويعتقد: «المذهب في مجال معين هو مجموعة المبادئ والأهداف في ذلك المجال، والمبادئ هي الأمور الثابتة التي يقدمها الدين في مجال معين وتعتبر كأساس وبنية تحتية للنظام في ذلك المجال. والأهداف هي الغايات التي رسمها الدين للإنسان في كل مجال. لذلك، يشمل المذهب الاقتصادي الإسلامي المبادئ الاقتصادية للإسلام والأهداف الاقتصادية للإسلام. أمور مثل الملكية والقيمة، حرية الأنشطة الاقتصادية وحدودها، مكانة الدولة في الاقتصاد وقواعد توزيع الموارد الطبيعية والثروة والدخل تُعد من المبادئ الاقتصادية للإسلام، والعدالة الاقتصادية، القوة الاقتصادية للحكومة الإسلامية، النمو، الاستقلال والاكتفاء الذاتي تُعد من أهداف الاقتصاد الإسلامي» (هادوی تهرانی، 1383: 31). أما النظام في هذا المنظور فيُعرَّف: «الإسلام في كل مجال، بناءً على مذهبه، يقدم مجموعة من المؤسسات العالمية التي ترتبط بعلاقات خاصة مع بعضها البعض وتشكل جهازًا منسقًا يقوم على المبادئ لتحقيق الأهداف. نسمي هذا الجهاز من المؤسسات العالمية في كل باب نظامًا. لذلك، النظام الاقتصادي الإسلامي هو ذلك الجهاز من المؤسسات العالمية الاقتصادية للإسلام» (المرجع نفسه: 32).

يجب الانتباه إلى أن المذهب في نظر الشهيد الصدر هو عنصر اكتشافي وليس شيئًا يمكن إنتاجه بناءً على فلسفته الخاصة. «الشهيد الصدر يرى أن المذهب اكتشافي. الآخرون عندما يقدمون مذهبًا اقتصاديًا، ينتجون المذهب بناءً على فلسفتهم؛ لكن من وجهة نظره، ليس لنا الحق في ذلك، بل يجب اكتشاف المذهب من خلال الاجتهاد؛ رغم أن قواعد نسب المذهب إلى الشريعة أكثر تعقيدًا من قواعد نسب الأحكام العامة، والاجتهاد الحالي لا يكفي لاستخلاص المذهب، ولذلك يحاولون تقديم قواعد أخرى للوصول إلى المذهب الاجتماعي للإسلام. ورغم أنه قدم حلولًا وفتح آفاقًا في هذا المجال، إلا أنه لم يصل إلى نتائج واضحة وضوابط متينة تُقبل من قبل الفقهاء وأصوليي الدين بعده.» (میرباقری، 1391).

في الفرق بين العلم والمذهب يُقال إن العلم هو مجموعة من المسائل المتعلقة بالوجود والعدم التي هي مشتركة في كل الأديان وجميع أنحاء العالم، ولا يمكن وصفها بالإسلامية أو غير الإسلامية؛ بينما المذهب هو مجموعة من الواجبات والمحظورات التي شرعها شخص أو أشخاص، ويمكن وصفه بالإسلامي أو غير الإسلامي. «الشهيد الصدر في مقام المقارنة بين العلم والمذهب يقول إن علم الاقتصاد لا يوجد فيه إسلامي أو غير إسلامي؛ لكن المذهب الاقتصادي يوجد فيه إسلامي وغير إسلامي؛ لأن المذهب يبيّن الواجبات والمحظورات، أما العلم فيبيّن الموجودات، وفي الواقع؛ من هذا العلم نستخلص الطريقة للوصول إلى تلك الغايات والأهداف.» (المرجع نفسه)

من الجدير بالذكر أنه في إنشاء وتشكيل مذهب ونظام، لا يوجد فقط «كل ثابت»، بل يوجد أيضًا «كل متغير»، ومن خلال وجود هذه المتغيرات يمكن وضع برامج مرنة على مدى سنوات متتالية لنظام ما. في تصميم النظام، تُؤخذ العناصر المؤقتة والمتغيرة بعين الاعتبار. والاهتمام الذي تم في هذه المرحلة هو أن هناك كل متغير في الخارج. لذا يشكل جزء من هذا المذهب مجال العناصر المتغيرة وهو ما يُسمى منطقة الفراغ؛ فمثلاً التخطيط الاقتصادي الذي يُكتب خلال هذه الخمس سنوات مع مجموعة الظروف الاقتصادية، يختلف عن التخطيط الذي سيُجرى في الخمس سنوات القادمة. بناءً على ذلك، يريد الشهيد الصدر أن يتم إنشاء وتدبير كل متغير بواسطة المذهب» (میرباقری، 1391)

2. طبيعة مقولات المذهب

يرى الشهيد الصدر في تحليله للمقولات المتعلقة بـ«المذهب» وعلاقته بساحة العلم والعقل البشري: «وعلى هذا الأساس فنحن حين نطلق كلمة (الاقتصاد الإسلامي) لا نعني بذلك علم الاقتصاد السياسي مباشرة؛ لأن هذا العلم حديث الولادة نسبياً، ولأن الإسلام دين دعوة ومنهج حياة، وليس من وظيفته الأصلية ممارسة البحوث العلمية… وإنما نعني بالاقتصاد الإسلامي: المذهب الاقتصادي للإسلام…» (صدر، 1424: 40-39)

يعتبر الشهيد الصدر النظام ناظرًا إلى الواجبات، والعلم ناظرًا إلى الموجودات. لذا في النظام والمذهب نواجه أسئلة من نوع القيم والنماذج المبنية على المبادئ العقائدية للمذهب. على عكس العلم الذي يستلهم من الملاحظات والتجارب، ويتحدث عن الحقائق وما هو موجود. وبذلك، وظيفة العلم كشفية وتسعى إلى عكس العلاقة السببية بين الظواهر الخارجية؛ في حين أن النظام له وظيفة تقييمية ويسعى إلى مطابقة الحقائق مع القيم والنماذج الثابتة الإيمانية والعقائدية للمذهب. لذا يتحدث النظام باستمرار عما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون.

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن مسألة ما يمكن أن تُطرح في العلم وفي النظام؛ لكن طريقة التعامل معها ستكون مختلفة. بعبارة أخرى؛ الفرق بين العلم والنظام ينبع من اختلافهما في الوظيفة. فالنظام مكلف بتقديم طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية كما ينبغي أن تكون، والعلم مكلف بكشف ظواهر الحياة الاقتصادية وعلاقاتها. على سبيل المثال، «الإجابة على سؤال: ما نتائج السوق الحرة وكيف يرتبط سعر السلعة بالطلب؛ ولماذا يرتبط أحدهما بالآخر؛ تقع على عاتق علم الاقتصاد، والإجابة على سؤال: كيف يجب أن يكون السوق؟ وهل حرية السوق تضمن توزيعًا عادلاً للسلع بين الناس؟ وهل يمكن للسوق الحرة أن تلبي حاجات الناس كما تقتضي العدالة الاجتماعية؟ تقع على عاتق النظام الاقتصادي» (صدر، 1393/ الف: 392). لذا العلم في مقام الكشف والمعرفة ولا يضيف شيئًا إلى الواقع، بل يعكس الحقائق الجارية فقط. أما النظام فمكلف بالتقييم وتقديم طريقة لتنظيم حياة موضوع كلي وفق رؤية وعالمية محددة.[2] ولهذا السبب، يختلف منهج وأدوات العمل في هذين المجالين أيضًا. فالعلم يستخدم أدوات التجربة والملاحظة لاكتشاف واستقبال بياناته؛ في حين أن النظام والمذهب يقومان على القيم والنماذج التي تنبع من الرؤية الشاملة لذلك المذهب للحياة.

ويعتقد الصدر أيضًا في علاقة العلم بالنظام أن النظام الاقتصادي هو الإطار لعلم الاقتصاد. لذا بعض المسائل في كل نظام تحتفظ بهويتها العلمية والاكتشافية ولا تتغير؛ كما هو الحال مع قانون العائد المتناقص[3] الذي يتضمن حقيقة في مجال الإنتاج الزراعي، ويمكن أن يُطرح في أنظمة ومذاهب فكرية مختلفة ويعطي نتيجة واحدة، وبعض مسائل قانون الأجور الحديدي[4] رغم أنه يمثل اكتشافًا علميًا، إلا أن اتجاهه يتبع المذهب والمصدر النظامي الذي وضعه؛ لأن الحقيقة المكتشفة في هذا القانون صحيحة في مجتمع يتمتع بالحرية الاقتصادية الرأسمالية. وهذه الحرية الاقتصادية ليست ضمن إطار القوانين العلمية، بل تقع في مجال وظيفة النظام والمذهب. لذا تصديق هذا القانون العلمي مرتبط بتحليله المذهبي.[5] (المرجع نفسه: 406- 390)

ويعتبر الشهيد الصدر النظام مسؤولًا عن تقديم طريقة لاحقة؛ في حين يرى أن العلم لا يقدم طريقة، «بل يختار الطريقة التي تتبعها المجتمعات؛ ثم يدرس آثارها ونتائجها؛ كما حين يدرس عالم الفيزياء مثلاً آثار ونتائج الحرارة». (المرجع نفسه: 379)

3. الترتيب الثانوي للعلم على المذهب

التحليل الذي قُدم حتى الآن من الصدر حول المذهب والنظام لا يعني انفعال مجال العلم الديني أو عدم تطبيق الدين في ميدان الحياة الاجتماعية؛ بل يعني الفهم الصحيح لنطاق وشمول الشريعة وبالنتيجة التبعية له، والتمييز الصحيح عن العلوم الإنسانية غير الإلهية.[6]

ولهذا السبب، ورغم أن المرحوم الصدر يرى الدين أولاً وبالذات مسؤولًا عن تقديم المذهب، إلا أنه في الوقت نفسه يتصور إيصال العلم إلى مكانته بعد اكتشاف النظام. لذا يعتقد أن الوصول إلى العلم يأتي في مرتبة متأخرة بعد اكتشاف النظام والمذهب. ومن وجهة نظره، طبيعة العلم الإسلامي هي القوانين المستخرجة من واقع حياة المسلمين وأنظمتهم الدينية التي تُطبق وتُنفذ بالكامل.

هو في وصفه لمنهجية الوصول إلى العلم الديني، يقدم تفسيرًا واقعيًا[7] ويعتقد أنه بعد تشكيل الإطار المذهبي، يتم تفسير الحقائق الموجودة ضمن ذلك الإطار. في عملية هذا التفسير، تُستخلص القوانين الحاكمة لهذه الحقائق وتُصاغ. في النهاية، يؤكد صدر أن «علم الاقتصاد الإسلامي لا يمكن أن يولد حقيقةً إلا إذا تم تطبيق هذا الاقتصاد بكل جذوره وعلاماته وتفاصيله في المجتمع، وتمت دراسة وتحليل الأحداث والتجارب الاقتصادية التي حدثت فيه بشكل منتظم». (صدر، 1393/ ب، ج1: 383)

ج) دلالات البارادايم من وجهة نظر توماس كوهن

1. تعريف البارادايم

طرح توماس كوهن، المفكر وفيلسوف العلم، في عام 1962 نظرية البارادايمات لأول مرة في نظريته الكبرى حول ماهية عملية نمو العلوم في كتابه «بنية الثورات العلمية». وضع هذه النظرية على أساس دورة مستمرة ومترابطة من المعرفة، حيث تتكرر مستوياتها المختلفة في كل مرحلة (هدسان و تندلر،[8] 2017: 10). وقد نسب بعضهم هذه الخاصية أساسًا إلى طبيعة العلم، واعتبروا أنه منذ نشأة العلم يجب النظر إليه كتيار مستمر ومترابط (سینگر،[9] 1959: 2). يمكن اعتبار البارادايم مرادفًا لمفاهيم «النموذج»، «العينة»، «المثال» و«القدوة» (خندان، 1392، 202). ورغم أن الهدف في ذلك الكتاب كان تناول مسألة نمو وتغير هياكل المعرفة من منظور فلسفة العلم لإثبات أن الكم الهائل وتراكم الإنتاجات العلمية ليس دليلاً على تقدم العلم، بل إن نمو جهاز علمي يعتمد على تغيير البارادايمات العلمية (کوهن،[10] 2012: 111)؛ إلا أن المتغير الرئيسي في تلك النظرية، المسمى بالبارادايم، جذب اهتمام العلماء الباحثين في العلم أكثر من غيره من عناصر وأنواع نظرية كوهن. وقد استطاع هذا الأفق الجديد أن يؤثر على يقينيات المنهجية في العديد من العلوم (مقدم حیدری، 1385: 12).

تمتد نظرية البارادايمات أيضًا إلى نظام اللغة والقواعد الحاكمة عليه؛ لأن القوانين والنظريات والتطبيقات البارادايمية التي ينتمي إليها شبكة لغوية ما، تشكل معاني كل كلمة ضمن شبكة معاني الكلمات الأخرى. وهذا ما يؤدي إلى عدم قابلية مقارنة البارادايمات؛ لأن الكلمات المستخدمة في كل نظام بارادايمي، قبل وبعد الثورة العلمية، تحمل معانٍ مختلفة تدل على تغير دلالي في مفاهيم التقاليد العلمية قبل وبعد الثورة (خندان، 1392: 51). إن عدم قابلية مقارنة البارادايمات يعود إلى نوع النظرة التراكمية أو التاريخية للتطور والنمو العلمي أيضًا. لذا، تحل العلاقة الشمولية في الشبكة المفهومية لمجال القضايا المطروحة والملاحظات في التقاليد قبل وبعد الثورة محلها تبدلات البارادايمات (المرجع نفسه: 130).

تعريف كوهن للبارادايم هو «جميع المفاهيم والقيم والوعي والأفعال المشتركة في المجتمع» التي يمكن أن تشكل تصورًا خارجيًا للحقيقة. وهذا الأساس الفكري يقوم على مسألة نسبية إدراك الحقيقة (کوهن، 2000: 20-12). بعبارة أخرى؛ نظرًا لأن المعرفة القائمة تعتمد على فروض أساسية تُقيّم إدراكات الأفراد بناءً عليها وتشمل عناصر الوجودية والمعرفية والمنهجية (دانایی فرد، 1395: 47-46)، فقد قيل: «كلمة بارادايم تحمل عنصرًا فلسفيًا. بمعنى آخر؛ هناك فضاء حول كلمة بارادايم يسمح للقراء بإنتاج المفهوم ضمنه. وإذا قبلنا أن الفلسفة تعني خلق المفهوم والتفكير المنطقي، فيمكن ممارسة الفلسفة ضمن الفضاء المحيط بالبارادايم» (المرجع نفسه: 59)، لذا يجب أن يُنسب البارادايم إلى أعمق مجالات الفكر، والفعل، والثقافة البشرية التي توجه نوع الأسئلة والقواعد المستخدمة في التفسير، وتوجه الإجابات على الأسئلة في المواضيع المدروسة. ولهذا، سيكون للبارادايم تأثير مهم من علم اجتماع المعرفة في تطوير المعرفة. تقول نظرية البارادايم إنه من أجل تطوير المعرفة، لا نحتاج بالضرورة إلى فكرة جديدة، بل يجب أن يحل فضاء فكري اجتماعي محل الإطار السابق، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا بتجمع المجتمع في إنتاج المعرفة (روبرتس، 2000:2). إذًا «البارادايم هو أعم وحدة إجماع داخل العلم، ويُستخدم لتمييز مجتمع علمي عن غيره من المجتمعات العلمية (أو المجتمعات العلمية الفرعية). يصنف ويعرف ويربط النماذج، والنظريات، والأساليب، والأدوات الموجودة داخله». (دانایی فرد، 1395: 73-72)

بعد الانتقادات التي وُجهت إلى كوهن بشأن تعدد معاني البارادايم، هناك معنيان مختلفان استُخدما في كتاب «بنية الثورات العلمية» لهذا المصطلح: «من جهة، هو ممثل لمجموعة من المعتقدات والقيم والأساليب الفنية وأشياء أخرى من هذا القبيل يشترك فيها أعضاء المجتمع العلمي. ومن جهة أخرى، يشير إلى نوع من مكونات تلك المجموعة؛ أي الألغاز المعروفة التي تُستخدم كنموذج أو مثال، ويمكن أن تحل محل القواعد الصريحة لحل الألغاز كأساس لحل الألغاز المتبقية في العلم». (کوهن، 1369:174)

2. علاقة البارادايم بالمفاهيم المتقاربة

يمكن تلخيص الإطار العام لنظرية كوهن في تسلسل من خمس مراحل على النحو التالي: 1. ما قبل العلم؛ 2. العلم العادي؛ 3. الأزمة؛ 4. العلم العادي الجديد؛ و5. الأزمة الجديدة.

مرحلة ما قبل العلم هي فترة يمكن تصور الشروط التالية لها: أ) تفسير واقع؛ ب) إبداء آراء المتخصصين في غير مجال تخصصهم؛ ج) فهم الواقع ثانوي وفرعي؛ د) تشتت الآراء واختلافها؛ هـ) عدم وجود نظرية متفوقة مقارنة بالنظريات الأخرى؛ و) هذه المرحلة ليست خاصة بإبداء آراء المفكرين في مجال ما في مجالات أخرى فقط؛ ز) حاجة جميع العلوم إلى المرور بهذه المرحلة في مسار تاريخ تشكلها. (کیون، 1395: 155-115)

النظريات في هذه المرحلة لا تمتلك خاصية البارادايم؛ لأنها قادرة على تفسير جزء من جوانب المشكلة وموضوعها فقط، كما أن النظريات الموجودة في هذه المرحلة لا تُصنف من حيث الدقة والحداثة والتميز ضمن آراء ونظريات مبتكرة، بل هي تمهيد لإنتاج نظرية إبداعية. (حبیبی، 1390: 119)

فيما يتعلق بميزة عملية الانتقال من ما قبل العلم إلى العلم العادي، تم ذكر عنصر معرفة المكونات والعناصر المكونة للعلم. فبالمعرفة التحليلية يمكن من خلال الجمع المنسق للمعارف الجزئية الوصول إلى نظام معرفي شامل. (المرجع نفسه: 120)

بعد هذه المرحلة، يتشكل العلم العادي أو المعياري. يكتب كوهن في تعريف العلم المعياري: «العلم المعياري هو البحث الذي يُبنى بشكل متين على أساس واحد أو أكثر من الإنجازات العلمية، ويؤمن به مجتمع علمي معين لفترة زمنية ويجعلها أساس عمله المستقبلي». (کوهن، 1369: 26-25)

العلاقة بين العلم المعياري والبارادايم تتجلى في الخصائص التي ذكرها كوهن للعلم المعياري. وهاتان الخاصيتان هما: «إن إنجازاتهم كانت غير مسبوقة إلى حد أنها كانت كافية لجمع مجموعة دائمة من المؤيدين من بين طرق النشاط العلمي المتنافسة مع بعضها البعض. وفي الوقت نفسه، كانت قابلة للتغيير إلى حد أنها أعطت مجموعة العاملين المعاد تعريفهم جميع أنواع القضايا لحلها». (المرجع نفسه)

بناءً على هذا التصور للبارادايم، يُعتبر البارادايم إطارًا فكريًا لإنتاج النظرية العلمية. ومن منظور العلاقة المفهومية، يمكن اعتبار البارادايم أعم مطلقًا بالنسبة للنظرية. لذا يمكن تصور بارادايم بدون نظرية، على عكس النظرية التي لا يمكن تصورها بدون بارادايم. هذا التفسير لا يتعارض مع تحول البارادايم إلى نظرية؛ لأن البارادايم يحتوي على «قانون، نظرية، تطبيق وأدوات» ويمكن أن يُطرح كمنافس للنظريات الأخرى كنظرية. (المرجع نفسه: 73)

يمكن أيضًا اعتبار نفس العلاقة بين البارادايم والفرانظرية؛ لأن الفرانظرية تدرس مقارنة البارادايمات الحاكمة على النظريات. بعبارة أخرى؛ الفرانظرية تفحص مجالات الوجودية، المعرفة والمنهجية للبارادايمات النظرية. «يمكن اعتبار الفرانظرية الأسس المعرفية التي تسبق أي نظرية والتي تبنى عليها النظرية، والافتراضات المسبقة للفرانظرية هي مكونات هذه الفرانظرية التي لا يتفق عليها جميع العلماء في أنواعها وأعدادها. لكن بعض هذه الافتراضات مثل الافتراضات المعرفية والوجودية عادة ما تكون مشتركة بين الجميع» (فیاض وبدره، 1390). وفي الوقت نفسه، الفرانظرية هي الجوهر الأساسي لكل بارادايم والمعروف بالبارادايم في معانيه العديدة… الفرانظرية تتعامل مع طبيعة البحث والأساليب المرغوبة في كل مجال ضمن ذلك البارادايم» (المرجع نفسه: 3). «تعمل الفرانظرية كخريطة لمنطقة مليئة بالتحديات. تقترح الفرانظرية أي المكونات متناسقة وأيها غير متناسقة مع المنطق المركزي لها، مما يحدد النقاط البارزة وحدود ذلك المجال. ومن خلال ذلك، توفر الفرانظرية مجموعة من التوصيات المنهجية التي، حسب رأي لاكاتوش، تشمل توصيات إيجابية وسلبية… الفرانظرية في يد باحث ماهر هي دليل يمنع أنواع الأخطاء القطعية، يشكك في الأوصاف والمشاهدات القطعية، يقترح بعض الخطوط البحثية للاتباع، ويعد معيارًا لتحديد المشاهدات المهمة والمعنوية حول الظواهر الطبيعية».

يرى كوهن أن الفرانظرية هي دراسة تطورات العلم وتبدل البارادايمات العلمية، وهدف الفرانظرية هو تصنيف البارادايمات العلمية. (اخلاصی و خاکسار فرد، 1394: 11).

في العلاقة بين البارادايم ومفاهيم مثل النموذج والعينة، يجب القول: «النموذج يحاكي الواقع، أما البارادايم فيقدم تصورًا ذهنيًا عامًا عن الواقع». (دانایی فرد، 1395: 73)

بهذه التوضيحات، سُعي إلى تحليل معنى البارادايم من منظور كوهن، وتقديم المفاهيم المتقاربة مع هذا المفهوم، وإظهار وجوه الاختلاف بينها، ومن جهة أخرى، بيان الأسس النظرية لهذه الفكرة والنتائج المترتبة عليها في تصميم منطق الاكتشاف العلمي. لذا تبين أن البارادايم هو أعم وأهم إطار للتجمع العلمي الذي يمكن من خلاله تمييز الخطابات العلمية عن بعضها البعض.

د) دراسة مقارنة لمفاهيم البارادايم والمدرسة من وجهة نظر كوهن وصدر

1. أوجه التشابه

التعريف الجوهري: البارادايم هو مفهوم شامل يتضمن مكونات وعناصر تشمل المبادئ والأسس التي تؤثر عليها؛ كما أن مفهوم المدرسة بالنسبة للمكونات والعناصر العلمية هو مفهوم شامل يقوم بدور التنظيم والتوجيه للعلم. لذا يمكن اعتبار كلا المفهومين معادلين لمفاهيم مثل «النموذج، العينة، النظام والمذهب». جميع هذه المفاهيم تدل على الافتراضات الأساسية التي تُقيم وتُحلل الإدراكات الثانوية بناءً عليها. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار كل من مفهوم البارادايم والمدرسة يحتويان على عنصر فلسفي يشير إلى أعمق مجالات الفكر، الفعل، وثقافة المجتمع الإنساني. هذا العنصر يمكن أن يحدد منطق عمل العلوم؛ لأن في كل علم، يسعى العالم إلى تقديم مقولات أو منظومات من المقولات ويقوم تدريجيًا بالتحقق من صحتها. هذا هو منطق الاكتشاف العلمي الذي يقدم تحليلًا منطقيًا لطريقة عمل العلوم (پوپر، 1370: 30). في الحقيقة؛ النظام أو بارادايم العلوم هما الممثلان لهذا المنطق.

من وجهة نظر كوهن، البارادايم هو الإطار الذي يشكل مسائل العلم. بمعنى آخر؛ بناءً على كل بارادايم يمكن تصور جغرافيا محددة للإجابات على المسائل. يمكن إيجاد نفس العلاقة في تحليل الشهيد صدر للمدرسة. وفقًا لرأيه، المسائل هي القاسم المشترك بين العلم والمدرسة، ويمكن طرح مسألة واحدة في مجال المدرسة والعلم، لكن طريقة الإجابة عليها ستكون مختلفة؛ مثل «القانون الحديدي للأجور» الذي رغم كونه اكتشافًا علميًا، إلا أن توجيهه يعتمد على المدرسة التي استُخدمت لاستخلاص النتائج منها.

التأخر عن العلم: بالنظر إلى تحليل كوهن المكوّن من خمس مراحل، والتي تشمل ما قبل العلم، العلم العادي، الأزمة، العلم العادي الجديد، والأزمة الجديدة، يمكننا، كما في رؤية الشهيد الصدر حول المذهب الذي اعتبره اكتشافياً ومن القاعدة إلى البنية، أن نعتبر مفهومي البارادايم والمذهب في الأصل مقدمين على مقام العلم. وبما يتناسب مع هذا المسار في الانتقال من ما قبل العلم إلى العلم العادي، فقد طرحوا عنصر المعرفة الجزئية كجزء من المكونات، ثم المعرفة التركيبية للوصول إلى نظام معرفي شامل. وبعد تشكل العلم المعياري بخصيصتين: عدم وجود سابقة لإنجازاته وقبولها في المجتمع العلمي، يتشكل البارادايم. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن العلم يتشكل في فضاء البارادايم، وفي علاقة ثنائية، فإن هذا التواتر المستمر للعلوم هو الذي يمنح الهوية للبارادايمات. وبتعبير كوهن، البارادايم هو تلك الإنجازات التي تتمتع بهاتين الخاصيتين. وبناءً عليه، كما اكتشفنا المذهب بعد دراسة مجموعة الأحكام القاعدية، يتشكل البارادايم أيضاً بعد مراحل ما قبل العلم والعلم المعياري. وبالطبع، بعد هذه العملية، يصبح البارادايم والمذهب بحد ذاتهما سببين لإنتاج وتأسيس نظريات علمية ومعارف جديدة قائمة على النماذج الكبرى المسبقة داخلها. ومع ذلك، استناداً إلى الشرح السابق وتدفق العلاقة الثنائية، يمكن اعتبار العلم والنظرية متأخرين عن البارادايم والمذهب.

القابلية للإبطال كنظرية: وفقاً لرؤية كوهن، يمكن لكل بارادايم أن يكون في مقام نظرية ذات أبعاد علمية ومعرفية، وقابلة للإثبات والإبطال. وفي مفهوم المذهب من وجهة نظر الصدر، يمكن استنباط هذه القابلية، رغم أنه لم يصرح بها صراحة، لأن أساس الفرق بين مذهبين مثل الإسلام والاشتراكية يقوم على نظرية هي الأساس والجوهر الرئيسي للمذهب. ولهذا السبب، يمكن اعتبار المذهب، مثل البارادايم، قابلاً للتقديم كنظرية.

عدم القابلية للمقارنة: كل بارادايم ومذهب قائم على قوانين ونظريات وتطبيقات مذهب-بارادايم خاص بشبكة لغوية معينة. بمعنى آخر، لا يمكن فهم معاني مكونات بارادايم أو مذهب دون تحليل ومطابقة مع شبكة المعاني لعناصر ذلك المذهب أو البارادايم. ولهذا السبب، يكون كل من البارادايم والمذهب غير قابلين للمقارنة، ولا يمكن مقارنة المصطلحات المستخدمة في مذهب معين مع تلك المستخدمة في مذهب آخر واستخلاص نتيجة موحدة. وبناءً على هذا عدم القابلية للمقارنة، فإن مفهوم الحرية في المذهب الإسلامي يحمل دلالة معنوية مختلفة عن مفهوم الحرية في المذهب الليبرالي الرأسمالي. (صدر، 1393، /الف: 352)

المنهجية: يؤكد الصدر أن المذهب والنظام مسؤولان عن تقديم منهج لاحق، في حين أن العلم لا يقدم منهجاً، بل يتبنى المنهج الموجود في المجتمعات العلمية. كما يؤكد بشأن البارادايم أنه أوسع من النظرية الفوقية ويشمل المناهج والآليات والقواعد الكبرى المستخلصة من العلم.

2. وجوه التمايز

التقدم في مسار العلم: وفقاً لنظرية كوهن، يحدث التقدم في العلم من خلال التغيير والثورة في البارادايمات، ولا يمكن اعتبار كل تراكم معرفي تقدماً علمياً؛ بينما لا يربط الصدر بالضرورة بين المذهب والعلم بهذا الشكل، لكنه يرى أنه من خلال اكتشاف المذهب يمكن تسريع التطور الأفقي للمعرفة.

التشكيك في القطعية المنهجية للعلوم: كما ذُكر، أحد نتائج تقديم نظرية البارادايمات كان التشكيك في القطعية المنهجية للعديد من العلوم (مقدم حیدری، 1385:12)؛ في حين أن تأسيس مفهوم المذهب مقابل العلم لم يحقق مثل هذه النتيجة. فنظرية المذهب والعلم عند الصدر تعبر فقط عن قدرة على توجيه وتنظيم المنهجية العلمية، وإمكانية استخراج قواعد كبرى عامة من المنتجات الجزئية التي تلعب دوراً إرشادياً في تطوير ذلك العلم.

نزع الطابع العلمي عن المذهب: يرى الصدر أن كل ما يخضع للقوانين السببية والقضايا الخارجية لا يمكن أن يدخل حقيقةً في صيغة مقولات مذهب ونظام؛ خصوصاً إذا اعتبرنا المذهب منبثقاً عن اعتبارات الشريعة، فلا يمكن نسب العلاقات السببية الخارجية إليه كمذهب أو توقع إنتاج وتقديم مثل هذه المقولات منه. كما أن فقهاء الإسلام عبر التاريخ كانوا دقيقين في هذا الفصل، ولم يعتبروا الدين مسؤولاً عن تقديم نظرية حول «موضوعات المصلحة» (عراقی، 1370: 15) أو القضايا «الواقعية»؛ على عكس مفهوم البارادايم الذي لا ينفي هذه الطبيعة عن نفسه، بل يعتبر التحدث عن المقولات العلمية والماهية المعرفية من مهامه.

هـ) النقاش والاستنتاج

آية الله السيد محمد باقر الصدر وتوماس كوهن ينتميان إلى خلفيتين فكريتين في مجال المنهجية العلمية يمكن اعتبارهما من جهة مختلفتين ومن جهة أخرى متشابهتين. فالصدر، بخلفيته الدينية ورسمه آفاقاً لتطوير طرق فهم الدين المتعلقة بالمكلف الكلي والأنظمة الفرعية للمجتمع الديني، يشير إلى المنهجية في استنباط المذهب و«تخصص» [11] العلم في هذا المسار. ويعتمد تأسيس بنى النظام من وجهة نظر الصدر على مقولات «مذهبية» تُستنبط من منهج وآلية محددة. في المقابل، هناك رؤية كوهن التي تؤمن بوجود البارادايم كعامل رئيسي في تقدم العلم وكمجال منفصل في تحليل البيانات العلمية عن غيرها. كما افترض الصدر انفصال المذهب عن العلم، افترض كوهن أيضاً انفصال البارادايم عن العلم؛ لكن خلافاً للصدر، لا يرى كوهن أن للبارادايم دوراً في إحداث اضطراب في قطعية النظام المنهجي للعلوم.

المصادر والمراجع

– ابن منظور، محمد بن مکرم (1414ق). لسان العرب. بیروت: دارالفکر للطباعة والنشر والتوزیع – دار صادر، چ سوم.

– اخلاصی، ابراهیم و عطیه خاکسار فرد 01394). «واکاوی مفهومی فرانظریه پردازی با تأکید بر چالش‌ها و الزامات آن در جامعه‌شناسی ایران». راهبرد فرهنگ، ش29.

– اراکی، محسن _1393)،. فقه نظام اقتصادی اسلام. قم: موسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی.

– پوپر، کارل (1370). منطق اکتشاف علمی. ترجمة احمد آرام. تهران: سروش.

پارسانیا، حمید (1388). «روش‌شناسی علوم انسانی با رویکرد اسلامی». پژوهش، ش2.

خندان، محمد (1392). «کتابداری و مفهوم پارادایم در فلسفه علم توماس کوهن». صدای جمهوری اسلامی ایران، ش69.

– دانایی فرد، حسن (1395). نظریه‌پردازی: مبانی و روش‌شناسی‌ها. تهران: سمت.

– صدر، سید محمدباقر (1393/ الف). اسلام راهبر زندگی، مکتب اسلام و رسالت ما. قم: دار الصدر (پژوهشگاه علمی – تخصصی شهید صدر).

– صدر، سید محمدباقر (1393/ب) اقتصاد ما. قم: دار الصدر (پژوهشگاه علمی – تخصصی شهید صدر).

– صدر، سید محمدباقر (1424ق). موسوعه الشهید الصدر، ج3: اقتصادنا. قم: مرکز الابحاث والدراسات التخصصیة للشهید الصدر.

– صدر، سید محمد باقر (1394). بارقه‌ها. ترجمة سید امید مؤذنی. قم: دار الصدر (پژوهشگاه علمی – تخصصی شهید صدر).

– صدر، سید محمد باقر (1417ق/ب). بحوث فی علم الاصول. قم: دائره المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت علیهم السلام، چ سوم.

– عراقی، ضیاء الدین (1370). بدائع الافکار فی الاصول (تقریرات آملی، میرزا هاشم). نجف اشرف: المطبعة العلمیة، چ اول.

– فیاض، ابراهیم و محسن بدره (1390). دین و ارتباطات. ش 1: 109-79.

– کوهن، تامس (1369). ساختار انقلاب‌های علمی. ترجمة احمد آرام. تهران: سروش.

– کیون، تامس س (1395)، ساختار انقلاب‌های علمی. ترجمة علی جوادزاده. تهران: فرهنگ نشر نو.

– مقدم حیدری، غلامحسین (1385). قیاس‌ناپذیری پارادایم‌های علمی. تهران: نی.

– میرباقری، محمد مهدی (1391). درس خارج مبانی فقه حکومتی (جلسه چهارم). قم: مسجد خاتم الانبیای شهرک پردیسان.

– هادوی تهرانی، مهدی (1383). مکتب و نظام اقتصادی اسلام. قم: خانه خرد.

[1].School.

[2]. هنا يقوم الشهيد صدر بمقارنة بين علم التاريخ وعلم الأخلاق. فقد اعتبر وظيفة علم التاريخ في تقرير الحقائق كوظيفة التعريف للعلم مقابل النظام، ووظيفة الأخلاق في تنظيم الواجبات والقيم كوظيفة النظام مقابل العلم (صدر، 1393/ ب: 398/ 397). ويجب التنبه إلى أن هذا التشبيه هو مجرد تقريب ذهني فقط، وإلا فمن الواضح أنه إذا نظرنا إلى الأخلاق والتاريخ من حيث كونهما علماً، فلا يمكن لهما أن يكونا قابلين للتقسيم الثنائي بين النظام والعلم ضمن هذا التقسيم؛ لأن كلاهما يمتلك خاصية العلم وهي الكشف عن الواقع ووصف الحقائق الخارجية، وهذا ينطبق حتى على علم الأخلاق؛ لأن الأخلاق من حيث كونه علماً هو كاشف وراوٍ للعبارات الاعتبارية الخارجية التي تحتوي على الواجبات والقيم. لذلك فإن الأخلاق هنا من هذا العلم ولا يمكن تشبيهها بوظيفة النظام. ولا ينبغي التمييز بين علم الأخلاق وعلم الفيزياء؛ كما يؤكد صدر ويصرح بذلك: «المهمة الأساسية لكل علم على وجه الخصوص هي كشف الحقيقة، ولا فرق في ذلك بين الاقتصاديين والفيزيائيين وعلماء الذرة والفلك وعلماء النفس» (المرجع نفسه: 399- 398). وهناك إشكال آخر هنا؛ لأن صدر يرى أن «علم التاريخ كعلم يتناول كشف الأسباب والعلاقات والنتائج المذكورة» بالمنهج العلمي ولا يقيم تلك الوقائع من الناحية الأخلاقية. على سبيل المثال، علم التاريخ في نطاق أبحاثه العلمية لا يحكم ما إذا كان اغتيال قيصر الروم أو قتل عثمان عملاً صحيحاً وأخلاقياً، أو وفق المعايير التي تقتضيها القيم الأخلاقية السامية، عملاً غير أخلاقي» (المرجع نفسه: 398). بينما يؤكد علماء علوم الاتصال واللسانيات اليوم أن أي أسلوب أو نبرة في السرد لا يمكن أن تخلو من الخلفيات الذهنية والأحكام الضمنية للراوي. ولهذا السبب ربما لا يكون علم التاريخ نموذجاً صحيحاً لتوضيح الفرق بين العلم والتاريخ.

[3]. ينص قانون العائدات المتناقصة على أن استخدام عوامل الإنتاج المتغيرة مقابل العوامل الثابتة يؤدي أولاً إلى زيادة العائد بمعدل متزايد، ثم يتبع ذلك زيادة بمعدل متناقص، وأخيراً يبدأ في الانخفاض. بشكل عام، كل وحدة إضافية من عوامل الإنتاج تضيف إلى الإنتاج الكلي أقل من الوحدة السابقة. النقطة الأخيرة هي النقطة التي يبدأ فيها الإنتاج الكلي في الانخفاض. في النهاية، يقول قانون العائدات المتناقصة إن زيادة بعض عوامل الإنتاج مقارنة بعوامل أخرى ثابتة يؤدي إلى زيادة في الإنتاج الكلي، ولكن بعد نقطة معينة يبدأ العائد الإضافي الناتج عن زيادة وحدات عوامل الإنتاج الإضافية في الانخفاض. هذا الانخفاض في العائد الإضافي هو نتيجة لأن الكميات الجديدة من الموارد المتغيرة تدمج تدريجياً مع كميات أقل من الموارد الثابتة.

[4]. هذه النظرية تقول إن الأجور تميل إلى المساواة مع مستوى الحد الأدنى للمعيشة لمنع جوع العمال. وفقاً لهذه النظرية، إذا كانت الأجور مؤقتاً أعلى من مستوى المعيشة، يزداد عدد العمال، وفي النهاية بسبب المنافسة تعود الأجور إلى مستوى يكفي فقط للمعيشة. وإذا كانت الأجور أقل من تكلفة المعيشة، ينخفض عدد العمال، ثم تبدأ المنافسة وتعود الأجور مرة أخرى إلى مستوى المعيشة (صدر، 1393/ ب: 393).

[5]. يرى صدر أن قوانين علم الاقتصاد المتعلقة بالإنتاج تعبر عن حقائق ثابتة في جميع المجتمعات بغض النظر عن نوع النظام الاقتصادي. أما قوانين علم الاقتصاد المتعلقة بتوزيع الثروة، فعادة ما تكون مقيدة بإطار معين من النظام الاقتصادي (صدر، 1393/ الف: 403- 402).

[6]. بالنظر إلى قول صدر: «كما أنه ليس من الضروري أن يحتوي الدين على علم الهيئة والعلوم الطبيعية، فلا ضرورة لأن يحتوي في داخله على علم الاقتصاد» (صدر، 1394: 182)، لم يقبل الكاتب التصور الشائع الذي يعتبر جميع العلوم إسلامية ودينية، واعتبر الفصل بين مقام الكشف ومقام الحكم في نسبة العلوم إلى القيم الدينية. بناءً على ذلك، مقام الكشف في العلوم، الذي يختص بجوهر كل علم، خالٍ من أي حمولة قيمية سلبية أو إيجابية دينية أو غير دينية، وهو مجرد كاشف للحقائق، أما مقام الحكم، الذي يختص بالعالم والفاعل في البحث العلمي، فيمكن أن يختلط بالقيم الدينية وغير الدينية. ولهذا السبب، ما يقال عن أن كل العلوم دينية هو إذا نظر عالم ذلك العلم إلى القيم الدينية – مثلاً الفيزيائي عند دراسة الوجود ينظر إلى خالقه – فهذا لا يجعل العلم دينيًا، بل يجعل علم الفيزيائي دينيًا.

[7]. Realism.

[8]. Hedesan& Tendler.

[9]. Singer.

[10].Kuhn.

[11]. التخصص كمصطلح أصيل في الجمع العرفي ومقابل الركائز الأخرى في حل التعارض غير مستقر (صدر، 1417، ج7: 21-18).