ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازشناسی، تحلیل و نقد نظریه منطقة الفراغ ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
المؤلف: سید علی حسینی
مقدمة
الشهيد سيد محمد صدر من العلماء والفقهاء البارزين المعاصرين لدى الشيعة، وكان يمتلك معرفة عميقة بمختلف العلوم الإسلامية؛ كان فقيهًا بصيرًا وواعياً بزمانه، ويسعى في مختلف المجالات بما يتناسب مع العصر وبشكل منطقي لتعريف الإسلام في قضاياه المتنوعة؛ كان لديه نظريات جديدة ومهمة في بعض مسائل العلوم مثل الفلسفة، والمنطق، والأصول، والفقه، والاقتصاد، وهي بحق تستحق الثناء. نظرية منطقة الفراغ من بين تلك الآراء التي لفتت انتباه الباحثين بسبب حلها للمشكلات وأهميتها في الفقه السياسي والاقتصادي، ومسألة دور الزمان والمكان في الاجتهاد والعديد من القضايا الحديثة؛ تهدف هذه المقالة إلى عرض ونقد نظرية منطقة الفراغ، لا سيما من خلال الرواية المتعلقة بها مع الأحكام الحاكمة والمصلحة؛ ومن المفيد الاطلاع على النقاط التالية لفهم وتحليل هذه النظرية.
1. شمولية الإسلام
كان الشهيد صدر يعتقد أن الإسلام دين شامل يضيء على جميع جوانب حياة الإنسان، وله تصور كامل وشامل لكيفية العيش الأفضل وكيفية الحياة؛ يكتب في هذا الصدد:
«من خصائص الشريعة الإسلامية التي لا تنفصل عن أساسها، شموليتها وتوافقها مع جميع جوانب حياة الإنسان. وهذه الشمولية والتوافق لم تتحقق فقط من خلال إقامة وتحقيق أحكام الإسلام، بل تم التأكيد عليها أيضًا في المصادر والمراجع الإسلامية.»[1]
وهكذا، الإسلام دين شامل، وكما قال الإمام الصادق(ع)، فقد بيّن الإسلام كل ما هو حلال وحرام وكل مسألة يواجهها الإنسان في حياته.[2]
2. الأحكام الثابتة والمتغيرة[3]
حاجات الإنسان دفعته إلى السعي نحو الحياة الاجتماعية؛ وهكذا يسعى الإنسان لتلبية حاجاته التي لا تتحقق إلا في إطار المجتمع، ومن ثم يلجأ إلى الحياة الجماعية؛ يكتب الشهيد صدر في هذا الصدد:
«الإنسان مخلوق بحيث أن حب النفس والسعي لتلبية حاجاته متأصل في طبيعته، ومن البديهي أنه يرى نفسه بحاجة ماسة إلى الاستعانة بالآخرين، لأنه لا يستطيع تلبية حاجاته إلا من خلال التعاون مع بني الإنسان الآخرين. ومن هنا نشأت العلاقات الاجتماعية من رحم الحاجات، وتتوسع مع توسع الحاجات، ولهذا السبب فإن الحياة الاجتماعية للإنسان هي ثمرة حاجاته».[4]
حاجات الإنسان نوعان؛ حاجات ثابتة وحاجات متغيرة. الحاجات الثابتة أو الأساسية هي التي تضمن استمرار الحياة للإنسان، مثل الماء، والطعام، والهواء، والتكاثر… وهي مشتركة بين جميع البشر.
أما الحاجات المتغيرة فهي تلك التي يواجهها الإنسان تدريجياً في ميدان الحياة، وكلما زادت تجارب الإنسان ومعلوماته في الحياة، تتوسع هذه الحاجات أكثر فأكثر، ومن ثم فإن الحاجات الأساسية ثابتة، والحاجات غير الأساسية متغيرة ومتبدلة.[5]
وبالتالي، حاجات الإنسان متغيرة وثابتة، ولا يمكن للنظم الاجتماعية والاقتصادية أن تكون صحيحة ومناسبة إلا إذا كانت تحتوي على جانب ثابت يلبي الحاجات الثابتة، وجانب متغير يشمل الحاجات المتغيرة. ومن غير المعقول أن تكون كل المبادئ والتفاصيل في النظام الاجتماعي والاقتصادي ثابتة، كما أن كونها كلها متغيرة هو أمر خاطئ وضار بنفس القدر.[6]
يرى الأستاذ الشهيد، سيد محمد باقر صدر، أن الإسلام قد عمل بهذا الحكم العقلي أيضًا، ووضع قوانينه في قسمين: ثابت ومتغير؛ فالأحكام الإسلامية ليست ثابتة تمامًا، ولا متغيرة تمامًا، بل جزء منها – وهو الجزء الأساسي – ثابت، وجزء آخر متغير ومتطور يتكيف مع التحولات وتغير الظروف؛ الأحكام الثابتة في قوانين الإسلام هي في الواقع رد النظام الإسلامي على حاجات الإنسان، وتضع أمام الناس كيفية تحقيقها بشكل شامل. على سبيل المثال، حاجات مثل ضمان معيشة الإنسان، وحق الاستفادة من الثروة المكتسبة من العمل، وتأمين شروط بقاء النسل، وتأمين الأمن الجسدي والمالي، والارتباط بالموجود المطلق، تُعد من الحاجات الثابتة التي وُضعت لها أحكام مثل توزيع الثروة، والزواج، والطلاق، وأحكام الحدود والقصاص، والنظام العباداتي. بالمقابل، هناك مجموعة من الأحكام ليست ثابتة ودائمة، بل هي في حالة تغير مستمر، وهي الأحكام التي سمح الإسلام لولي أمر المسلمين بأن يسنها وفق المصلحات والحاجات المتغيرة للمجتمع، وفي ظل الجانب الثابت للنظام الإسلامي.[7]
ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية
من خصائص نظرية الشهيد صدر حول المصلحة أنه يرى علاقة وثيقة بين المصلحة والولاية؛ وهو من الفقهاء الذين يؤمنون ويحبون تشكيل الحكومة الإسلامية، وقد بذل روحه من أجل ازدهارها في العراق.
ليس هنا المجال لمناقشة وجهة نظره حول ولاية الفقيه والحكومة والاختلافات النظرية بينه وبين نظرية الإمام الخميني(ره)، ويكفي التنويه إلى أنَّه أولاً: كان يؤمن بالولاية الفقيه وبالتأكيد بالحكومة الإسلامية، وثانياً: كان يرى أن للولاية والمصلحة علاقة وثيقة. وكان الشهيد الفذ يؤكد في مناسبات مختلفة أن الأحكام الحكومية أو الأحكام المتغيرة تصدر عن ولي الأمر أو الحكومة بناءً على المصلحة لتحقيق العدالة. وهكذا يمكن اعتبار مسألة المصلحة من المسائل المتعلقة بالولاية والحكومة.[8]
المصلحة معيار أحكام الحكومة
النتيجة من المقدمات المذكورة هي أن الإسلام دين شامل، له برنامج للدنيا والآخرة، ولمعيشة الناس الروحية والمادية، ولهذا السبب تتكون أحكام الإسلام من قسمين: ثابت ومتغير. وتُلبَّى احتياجات الإنسان المتغيرة ضمن إطار الأحكام المتغيرة، وللولاية والحكومة دور أساسي في تحديد هذه الأحكام، ويجب على ولي الأمر أن يضع هذه الأحكام مع مراعاة المصالح والأهداف الكبرى المستمدة من الشريعة – مثل العدالة. وهكذا تكون المصلحة أساس إصدار الأحكام الحكومية، وقد ورد هذا المعنى في مؤلفات الشهيد الصدر المتعددة. وفيما يلي نورد بعض الأمثلة التي يعتبر فيها الشهيد الصدر المصلحة أساساً لأحكام الحكومة.
يكتب الشهيد الصدر في هذا الصدد: «يجب أن يكون شكل الحكومة الانتخابية والمؤسسات الحكومية أكثر توافقاً مع مصلحة الإسلام، وفي الواقع يجب أن يُحدد شكل الدولة والمؤسسات التابعة لها مع مراعاة ذلك.»[9]
وبعد اختيار الحكومة، يجب على الحكومة المنتخبة أن تتخذ قراراتها بناءً على مصالح المسلمين، سواء كانت مصالح مادية أو معنوية.[10]
وهكذا يرى الشهيد الصدر أن الدولة الانتخابية في المجتمع الإسلامي يجب أن تراعي المصالح في الأحكام والقوانين التي تضعها لإدارة المجتمع؛ ويكتب في موضع آخر أنه بما أن الدولة يجب أن تعمل ضمن إطار الأحكام الشرعية وفتاوى الفقهاء، وعندما يختلف الفقهاء في فتاواهم، يجب على ولي الأمر أو المجلس المنتخب من أهل الحل والعقد[11] (مجلس الشورى الإسلامي) أن يعتمد أي فتوى تتوافق مع مصلحة المسلمين كأساس للتشريع، حتى لو كانت هذه الفتوى مخالفة لفتوى الفقيه الصالح لقيادة النظام.
وبهذا يتضح من آثار الشهيد الصدر أنه كان يعتبر المصلحة أساس إصدار الأحكام الحكومية، سواء أُنيط تحديدها بولي الأمر أو بالمجلس المنتخب.
أسس نظرية منطقة الفراغ
يعتقد كثير من فقهاء أهل السنة أن مبتكر نظرية المصالح المرسلة هو الإمام مالك، وواجه فقهاء المالكية تحديات في تطبيق هذا الأصل، أهمها تعارض الحكم المستنبط منه مع الأحكام الشرعية المستمدة من أدلة شرعية أخرى، ومن حلولهم لهذه المشكلة أنهم قالوا إن المصالح المرسلة لا يجب أن تتعارض مع أي حكم شرعي أو أدلته.
واجه بعض مفسري أهل السنة مشكلة مشابهة في تفسير هذه الآية الكريمة: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، والمشكلة هي أنه إذا كان المقصود بأولي الأمر هم الأئمة أو السلاطين أو القضاة أو كل من له ولاية شرعية، فما العمل إذا تعارضت أحكامهم مع الأحكام الشرعية؟ وإذا لم يكن من الممكن تقديم حكمهم على حكم الله – وهو بلا شك كذلك – فما الحل لتلافي التعارض بين وجوب الطاعة لله وأولي الأمر؟
في الإجابة على هذا السؤال، يرى الشوكاني والآلوسي أن الطاعة للحكام جائزة فقط إذا لم يتجاوزوا حدود الأحكام الشرعية، لأن «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق…»[12] وبالنظر إلى اختلافات أهل السنة في هذا الشأن، حيث يرى بعضهم أن للولي الأمر حق التدخل في مجال المباحات، بينما يمنعه آخرون، ويربطه فريق ثالث بالمصلحة العامة، وبعد التأكيد على عدم وجوب الطاعة في الأحكام المخالفة للشرع، يكتب الآلوسي:
«هل يشمل عدم وجوب الطاعة منهم أيضاً مجال المباحات؟ في هذا الشأن هناك اختلاف. قال بعضهم إن الطاعة منهم في هذا المجال ليست واجبة لأن لا أحد يجب أن يحرم ما أحله الله، وقال آخرون إن الطاعة واجبة حتى في مجال المباحات. “حصكفي” من الذين صرحوا بذلك. وقال بعض المحققين الشافعية أيضاً إن الطاعة لأمر ونهي الإمام واجبة طالما أنه لا يأمر بالحرام. وقال آخرون إنه إذا لم يكن أمره ناشئاً عن مصلحة، فالطاعة له في الباطن ليست واجبة، ولكن الأوامر التي تنبع من المصلحة يجب الطاعة الظاهرة والباطنة لها…».[13]
في كلام الآلوسي إشارة مبهمة ومربكة إلى حصر وجوب الطاعة للإمام في نطاق المباحات، ولم يستطع هو نفسه في خاتمة كلامه أن يحسم بين آراء العلماء السابقين أو يصل إلى نتيجة واضحة.
أما بين فقهاء الشيعة، فلدى الشيخ الأنصاري في بحثه عن الشروط كلام يمكن اعتباره دليلاً لنظرية منطقة الفراغ؛ حيث يشير إلى رأي الفقهاء القائل بأن كل شرط مخالف للشرع باطل بسبب روايات مثل «إلا شرطاً أحل حراماً وحرم حلالاً». ويطرح الشيخ هنا سؤالاً مهماً: ما هو الشرط الذي يحل الحرام أو يحرم الحلال؟ مثلاً، إذا نذر الإنسان أن يقوم بعمل مباح أو أن يترك عملاً مباحاً، هل هذا تحريم للحلال ووجوب لغير الواجب؟
يجيب الشيخ قائلاً إن تحريم الحلال وتحليل الحرام هو أن يُنسب حكم إلى دين الله، فيُعتبر حكمٌ غير واجب أو حرام واجباً أو حراماً ويُغيَّر. لذلك، إذا أمر الأب ابنه بفعل أمر مباح أو تركه، فهذا ليس تحريم الحلال أو تحليل الحرام؛ لأن الله تعالى أمر بطاعة الوالدين. ولكن لا يجوز للأب أن يأمر ابنه بترك حكم واجب أو ارتكاب حكم حرام.[14] في الواقع، ما قاله الشهيد الصدر بشأن وجوب طاعة الولي الأمر هو ما قاله الشيخ الأنصاري عن وجوب طاعة الوالد.
منطقة الفراغ في أقوال النائيني
يؤكد النائيني في كتابه «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» أن أحكام المجلس والدولة يجب أن تكون في نطاق الأحكام الشرعية غير المنصوص عليها، وفي هذا المجال يُترك وضع القوانين والأحكام للفقهاء في زمن الغيبة، وأن التشاور مع المتخصصين في مجلس الشورى الإسلامي في هذا المجال صحيح، ولا موضوع للأحكام المنصوص عليها فيه؛ إذ يجب تطبيقها هناك، أما هنا فيجب الوضع والتحديد. ويكتب في هذا الصدد:
«اعلم أن مجموع الواجبات المتعلقة بالنظام وحفظ البلاد وسياسة شؤون الأمة – سواء كانت الأوامر الأولية متضمنة الأصول والتعليمات المتعلقة بالواجبات النوعية، أو الثانوية التي تشمل العقوبات على مخالفة الأوامر الأولية – على كل تقدير لا تخرج عن قسمين؛ إما منصوصات يكون الواجب العملي فيها معيناً وحكمها مضبوطاً في الشريعة المطهرة، أو غير منصوصات يكون الواجب العملي فيها غير معين بسبب عدم إدراجها تحت ضابط خاص ومقياس مخصوص، ويُترك للرأي والأفضلية للولي النوعي».
ومن الواضح أنه كما أن القسم الأول لا يمكن تغييره أو الاختلاف فيه عبر العصور والأمكنة، ولا يمكن إلا الالتزام بالمنصوص الشرعي فيه إلى قيام الساعة، فإن القسم الثاني يتبع مصالح ومقتضيات العصور والأمكنة ويختلف معها. فإذا كان في حضور وبسط يد الولي المعين من الله – عزّ اسمه – حتى في بقية الأقطار يُترك للرأي والأفضلية للمعينين من قبله – صلوات الله عليه – فإنه في عصر الغيبة يُترك للرأي والأفضلية للنواب العامين أو من يأذن له في إقامة الواجبات المذكورة عنه له الولاية، وبعد وضوح وبديهية هذا المعنى، فإن الفروع السياسية المترتبة على هذا الأصل هي كما يلي…»[15]
يستخلص المرحوم النائيني من هذا التقسيم خمسة نتائج:
- لا شك أن تطبيق قوانين البلاد على الأحكام الشرعية ضروري، والمقصود بذلك التطبيق في الأحكام الشرعية المنصوص عليها (القسم الأول)، أما في القسم الثاني فلا معنى للتطبيق وهو بلا موضوع؛
- التشاور يجري فقط في القسم الثاني ولا مجال له في القسم الأول؛
- الالتزام بأحكام القسم الثاني في زمن الحضور مع المعصومين عليهم السلام وفي زمن الغيبة مع نوابهم؛
- معظم السياسة وما يتعلق بتدبير شؤون البلاد من القسم الثاني؛
- في القسم الثاني، أي في نطاق الأحكام غير المنصوص عليها والمباحة، يجب مراعاة المصلحة، وهذا في الواقع هو نطاق الأحكام المتغيرة؛ ويكتب النائيني في هذا الصدد:
«عندما تعلم أن القسم الثاني من السياسات النوعية غير المدرجة تحت ضابط ومقياس معين، وتختلف بحسب مصالح ومقتضيات مختلفة، ومن هذه الناحية في الشريعة المطهرة غير منصوص عليها وتُترك للتشاور والأفضلية لمن له ولاية النظر، فلا شك أن القوانين المتعلقة بهذا القسم تختلف بلا ريب باختلاف المصالح والمقتضيات عبر العصور، وهي عرضة للنقض والتغيير، ولا يمكن أن تكون كالقسم الأول مبنية على الدوام والتثبيت. ومن هنا يتضح أن القانون المكلف بنسخ وتغيير القوانين في هذا القسم الثاني خاص، ومدى صحته وضرورته ووفقاً للواجب الحسيبي.»[16]
ازدهار نظرية منطقة الفراغ
العديد من عناصر نظرية الشهيد الصدر في «منطقة الفراغ» كما سيأتي وردت في أقوال النائيني، والواقع أن الشهيد الصدر قد نضجها وصلبها، وعالجها بعلمية في التوسيع والتنظيم.
بعد أن يعتبر الشهيد الصدر المصلحة أساساً وضابطاً للقوانين والأحكام الحكومية، يكتب أن الولي الأمر يجب أن يصدر الأحكام الحكومية في ضوء الأهداف الكبرى للشريعة التي استُخلصت من الأحكام الثابتة، وبناءً على مصالح ومنافع المجتمع. لكن هذه الأحكام لها نطاق خاص، وهو حيث لا يوجد حكم شرعي واجب أو حرام. في هذا الإطار – الذي يسميه «منطقة الفراغ» أي المنطقة المفتوحة، الحرة والخالية من الحكم الإلزامي – تُصدر الأحكام المتغيرة وفق مصالح المجتمع من قبل الولي الأمر؛ هذه المنطقة خالية من الحكم الإلزامي وليست خالية من كل حكم. لأنه لا يوجد موضوع لا ينطبق عليه حكم شرعي.
يؤكد الشهيد الصدر أن «منطقة الفراغ» ليست نقصاً، وأن هذا الوهم بأن هذا المفهوم يعني أن الإسلام لم يضع حكماً لبعض المواضيع، هو وهم بعيد جداً، لأن منطقة الفراغ – كما ذكرنا – تعني نطاقاً فيه حكم مباح وليس خالياً من أي حكم. «منطقة الفراغ» تدل على حيوية ونشاط وقدرة الفكر الإسلامي على الاستجابة لمشكلات كل العصور والأجيال، وتقدم منهجاً يمكن الإسلام من خلاله، إلى جانب تأمين الحاجات الثابتة للإنسان، تلبية كل حاجاته المتغيرة.[17]
ومن الجدير بالذكر أنه رغم أن أوضح شرح في هذا المجال ورد في كتاب «اقتصادنا» وفي مسائل اقتصادية،[18] إلا أن الشهيد الصدر في بعض مؤلفاته يوسع هذا المفهوم صراحة ليشمل كل الأحكام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وكل قانون وحكم عام.[19]
إلى جانب تأكيده على عدم مخالفة الأحكام الصادرة عن الحكومة للأحكام الشرعية والدستور المتوافق مع الأحكام الشرعية، يضيف الشهيد الصدر نقطة أخرى، وهي أن الأحكام المتغيرة والولائية يجب أن تُفسر وتُحلل في ضوء الأحكام الثابتة؛ فالشارع المقدس عند بيان الأحكام الثابتة يشير أحيانًا إلى الأهداف المهمة التي يجب تحقيقها في المجتمع، وعلى ولي الأمر أو الدولة أو البرلمان، وهم المشرعون والمنفذون لشؤون البلاد، أن ينظموا الأحكام المتغيرة ويوجهوها بحيث تتحقق أهداف الشارع التي وردت ضمن صياغة الأحكام الثابتة؛ فعلى سبيل المثال، يشير الله تعالى في الآية «فيئي» التي تعبّر عن حكم دائم، بجملة «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» إلى هذا الهدف المهم، وهو أنه لا ينبغي أن يهيمن فريق معين على الثروات والأموال، بل يجب تعديل الثروات وتوزيعها بين جميع الناس.[20]
وتُظهر الأحاديث المتعلقة بالزكاة بوضوح أن الإسلام لا يهدف فقط إلى إطعام الفقراء بالقدر الضروري، بل إن الهدف من فرض الزكاة هو تقليل الفجوة الطبقية بين الناس، وأن يصل الفقراء والمحتاجون إلى مستوى من الإمكانات والرفاهية التي تليق بهم.[21]
كما تشير آيات من القرآن إلى أن قيمًا مثل العدالة والمساواة وإيجاد روح الأخوة بين المؤمنين هي من الأهداف المهمة للإسلام[22] التي يجب على ولي الأمر مراعاتها عند صياغة الأحكام المتغيرة، وأن يقيس مصالح الناس في ضوئها، ومن خلال هذا القياس والتقييم يصوغ الأحكام الحكومية.
ومن أقوال الشهيد الصدر يتضح أن ولي الأمر أولاً: يجب أن يؤسس جميع أحكامه في «منطقة الفراغ» على المصالح، وثانيًا: أن هذه المصالح والأحكام الناشئة عنها تُفسر في ضوء مصالح وأهداف الأحكام الدائمة، فتكتسب لونها وشكلها وتسعى إلى إقرارها.
مرجع تشخيص المصلحة
سبق أن ذكرنا أن ملء المنطقة الخالية والفضاء الحر (منطقة الفراغ) قد حدده الشارع المقدس لتلبية احتياجات المجتمع المتغيرة والحكومة الإسلامية، وأشرنا إلى أن هذه المسؤولية في زمن الحضور تقع على عاتق النبي والأئمة المعصومين عليهم السلام، وهم وحدهم القادرون على إقامة الحكومة الإسلامية الكاملة والصحيحة، وقد وضعوا هذه المهمة في زمن الغيبة على عاتق ولي الأمر أو البرلمان. في هذا القسم نتابع الإجابة الأدق على هذا السؤال.
لدى الشهيد الصدر في هذا الشأن نظريتان؛ وفقًا للنظرية الأولى التي وردت في «الاقتصادنا»، من مناصب ولي الأمر أن يضع الأحكام الحكومية التي تحقق تقدم المجتمع الإسلامي، مع مراعاة مصالح ومنافع المجتمع. في ذلك الكتاب، يستدل على إثبات هذه النظرية ويكتب أنه يمكن الاستناد في إثباتها إلى العقل والنقل معًا. ويؤسس الدليل العقلي على ثلاثة مقدمات؛ الأولى: أنه بلا شك يجب أن يقوم النظام الاقتصادي على العدالة الاجتماعية. وهذه المقدمة واضحة لأن الآيات والأحاديث التي تدعو إلى إقامة العدالة كثيرة، وكذلك حسن العدل وقبح الظلم من المستقلات العقلية. المقدمة الثانية: أن كيفية إقامة العدالة الاجتماعية والمصالح العامة تتغير وتتبدل مع مرور الزمن؛ فمثلاً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، كان حرية الأفراد في إحياء الأراضي تؤدي إلى ازدهار الزراعة وتربية المواشي، ومن ثم كانت تحمل مصلحة ومبنية على العدالة، أما في عصرنا الذي شهد تطورًا هائلًا في الصناعة وأدوات الزراعة، فإن حرية الناس، وخصوصًا أصحاب رؤوس الأموال، في هذا المجال تؤدي إلى التمييز والظلم.
المقدمة الثالثة: أن السبيل الوحيد للحفاظ على العدالة الاجتماعية والمصالح العامة هو أن تُسند هذه المنصب إلى ولي الأمر. والسبيل المحتمل الآخر هو أن يُترك الأمر للشعب، وهذا يؤدي إلى نقض الغرض؛ لأن ذلك يسبب اضطراب النظام، ورغم ضرورة أن يسعى الجميع لتحقيق المصلحة وإقامة العدالة، إلا أن ذلك لن يكون كافيًا. لذلك، فإن تحقيق المصالح وتنفيذ العدالة ضروري، وبما أنه يتغير عبر التاريخ، يجب أن يُسند في كل زمن إلى الأشخاص الأكفاء والمؤهلين، ولا يملك أحد هذه الكفاءة سوى ولي الأمر.[23]
أما الدليل النقل فهو آية «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»
ويكتب الشهيد الصدر في استدلاله بهذه الآية:
«هذا النص يدل بوضوح على وجوب الطاعة لولاة الأمور. ولا يوجد خلاف بين المسلمين في أن ولاة الأمور هم جماعة لهم سلطة وهيمنة شرعية في المجتمع الإسلامي، والاختلاف يكون في شروط وصفاتهم، فالمقتدرون من ذوي الرتب العالية في المجتمع الإسلامي لهم الحق في التدخل في تدبير شؤون المجتمع ويجب على الآخرين طاعتهم.»[24]
أما نظريته الثانية فهي أن تشخيص المصالح وملء منطقة الفراغ يجب أن يُسند إلى البرلمان المنتخب من الشعب، الذي يتكون من أهل الحل والعقد. في كتاب «الإسلام يقود الحياة» يشير إلى مهام البرلمان ويكتب:
«ثانيًا، في المجال الذي لا يوجد فيه حكم قطعي من الشرع المقدس، أي لا حرمة ولا وجوب، يضع البرلمان المنتخب من الشعب القوانين التي يراها مصلحة بشرط ألا تخالف الدستور، وتسمى هذه المنطقة التي يكون فيها التشريع حرًا منطقة الفراغ. وهذه المنطقة تشمل جميع الحالات التي لا يحدد فيها الشرع المقدس موقفًا معينًا أو حكمًا خاصًا (وجوبًا أو حرمة). (وكما أشرنا سابقًا) يجب أن تكون قوانين البرلمان متوافقة مع المصلحة العامة للشعب وألا تتعارض مع الدستور.»[25]
كما أن الإمام الخميني كان يرى أن تشخيص المصلحة[26] وإصدار الأحكام الحكومية من مناصب وواجبات ولي الفقيه التي تُترك في نظام الجمهورية الإسلامية لمجلس الشورى الإسلامي ومجمع تشخيص مصلحة النظام. ومن المحتمل أن يكون المقصود من نظرية الشهيد الصدر الثانية هو ذات الأمر، بحيث لا تتعارض مع نظريته الأولى في هذا الافتراض. وربما لهذا السبب اعتبر أحد تلامذته نظريته في كتاب «الإسلام يقود الحياة» غامضة، ومع ذلك لا ينبغي إغفال أن الشهيد الصدر في ذلك العمل يحدد تشخيص المصلحة صراحةً كواجب من واجبات المجلس.[27]
الأحاديث الحكومية
يؤكد الشهيد الصدر أن بعض الأحاديث المنقولة عن النبي الأكرم ليست دالة على حكم دائم، بل لأن النبي كان يشغل منصبين، منصب تبليغ الأحكام الإلهية ومنصب الولاية، وبناءً على منصبه الأول كان عليه واجب نشر وتبليغ الأحكام الإلهية، وكل أقواله وأفعاله – طالما تتعلق بهذا الجانب – حجج، وبناءً على منصبه الثاني يجب عليه أن يملأ منطقة الفراغ بالأحكام الولائية وفق المصلحة، وليس بالأحكام القليلة التي وردت عن النبي في هذا المجال يمكن الاستدلال عليها كحجة شرعية أو استخراج حكم منها.[28]
نظرة إلى نظرية الشهيد الصدر
تاريخياً، كما ذكرنا، روح هذه النظرية والعديد من عناصرها وردت في رؤية النائيني؛ فقد وصف النائيني منطقة الفراغ بـ«]الحقل[ غير المنصوص»، وبيّن مسألة المصلحة، وتغيير الحكم في هذا الحقل تبعاً لتغير المصالح، وكذلك مكانة ولي الفقيه ومجلس الشورى فيه بشكل جيد وموجز. لكن الشهيد الصدر نظمها وجعلها خطة شاملة، واسعة ومستدلّة.
يبدو أن هناك غموضاً وتساؤلات في نظرية الشهيد الصدر لا يمكن إيجاد إجابة واضحة لها في نظرية منطقة الفراغ.
أحدها: لماذا تقتصر أحكام الولاية على نطاق المباحات فقط، ولا يمكنه إصدار حكم يتجاوز ذلك؟ الجواب الظاهر واضح؛ لأنه في هذا النطاق لا يوجد حكم شرعي إلزامي، ومن ثم فإن أي حكم سواء كان منعاً مطلقاً أو وجوباً مطلقاً أو مشروطاً، لا يتعارض مع الحكم الشرعي. على العكس، إذا كان الحكم الحكومي في نطاق الواجبات والمحرمات، فإنه يتعارض مع حكم الله، وهذا لا يحدث في إطار المباحات.
وبذلك، فإن هذه النظرية، خلافاً لنظرية الإمام الخميني التي واجهت هذا التحدي، لا تواجه مشكلة من حيث التعارض مع الحكم الشرعي.
لكن يبدو أن هذا الاستنتاج مبني على نظرية مفادها أن مخالفة الأحكام الولائية للوجوب والحرمة فقط هي التي تُعد مخالفة لحكم الله؛ بمعنى آخر، ما يهم في الأحكام التكليفية الخمسة هو الواجب والحرام فقط، وأن مخالفة هذين الحكمين فقط تُعد مخالفة لأحكام الله، وتجاهل المكروه والمستحب والمباح[29] لا يُعد مخالفة للأحكام الإلهية. ويؤيد هذا أن الفقهاء في إثبات الأحكام المستحبة يلجأون إلى قاعدة التسامح في أدلة السنن، ويستندون إلى الأحاديث الضعيفة لإصدار الفتوى بالاستحباب الموضوعي.
ورغم أن هذه النقطة تبدو بديهية وواضحة، إلا أن إثباتها ليس بالأمر السهل؛ فعندما يقرر الله تعالى حكماً بأنه مكروه أو مستحب أو مباح، فإن مخالفة ذلك تُعد مخالفة للحكم الإلهي، بمعنى أننا يجب أن نوقر جميع الأحكام الإلهية ونحترم حرمتها، وإذا ترك الله عباده في حكم ما حراً ولم ير فيه مصلحة تقتضي الوجوب أو الحرمة، فلماذا يجوز للحاكم أو غيره أن يفرضه واجباً على الناس؟ ويبدو أن تعطيل الواجب أو تحقيق الحرام يعدان بنفس القدر مخالفة لحكم الله.
دليل هذه النقطة الأحاديث التي تنهى عن وضع أي قانون يخالف القوانين الإلهية. وهذه الأحاديث تشمل إطلاقاً وضع أي قانون يتعارض مع أي من الأحكام التكليفية الخمسة. على سبيل المثال، في حديث تحف العقول الذي زين به الشيخ الأنصاري كتابه القيم «المكاسب» بفتحه، ورد وصف «الوالي العادل» بأنه «بلا زيادة ولا نقصان»[30]. ووفقاً لهذا الحديث، فإن التعاون والعمل مع الوالي العادل صحيح لأنه يعمل وفق أحكام الله دون زيادة أو نقصان. وفي نفس الكتاب، في باب شروط الصحة، نقرأ: «المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً.»[31]
وكذلك ورد في نفس الموضع أن هذا المعنى جاء في الأحاديث المستفيضة بل المتواترة المعنوية، التي تفيد أن أي شرط يخالف كتاب الله باطل ولا اعتبار له. ورغم أن هذه الأحاديث تتعلق بالشرط المخالف للكتاب والسنة، إلا أنه يمكن استنباط منها مبدأ تحريم الحلال وتحليل الحرام في نفس المستوى.[32]
إذا قيل إن المقصود هو أنه لا ينبغي لأحد أن يقول إن حكماً أباحه الله حرام، فإن ذلك لا ينطبق على الأحكام الحكومية، لأن الحاكم الإسلامي يعلم أن الحكم في الأصل مباح ويقر بذلك، لكنه يحظره مؤقتاً لمصلحة ما أو يفرض ما ليس ضرورياً على درجة الوجوب. والرد هو أن هذه الأحاديث مطلقة وتشمل هذه الحالة، لأن كل شرط يخالف كتاب الله، وأيضاً الشرط الذي يجعل الحلال حراماً، حتى لو كان المحرم نفسه يعترف بحله، فهو باطل ولا اعتبار له.
باختصار، في القرآن الكريم، بنفس النغمة واللحن الذي يتحدث فيه عن تحريم الأشياء – مثلاً، يقول: «حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم …»[33] أو «حرمت عليكم الميتة والدم …»[34] – يبيّن أيضاً تحليل الأشياء؛ كمثل: «أحلّ لكم الطيبات»[35] و«وأحلّ لكم ما وراء ذلك …»[36].
بهذا الشكل، فإن الحلال والمباح لهما نفس القدر والقيمة التي للواجبات والمحرمات، إذ إن كلاهما نزل من جهة واحدة وله مخاطب واحد، والله تعالى هو الذي منح هذه الأحكام الإلزامية للواجب والحرام بسبب المصلحة التي كانت كامنة فيها. وكذلك في المباح أو إباحة الأشياء، توجد مصلحة أُخذت في الاعتبار عند تشريع الإباحة. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض آيات القرآن تنهى صراحة عن تحريم الحلال؛ يقول الله تعالى في القرآن:
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَحَرَّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»[37]
«يا أيها الذين آمنوا، لا تحرموا الطيبات مما أحل الله لكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.»
هذه الآية الكريمة تنهى عن اعتبار الحلال حرامًا، وتعد ذلك تعديًا على حدود الأحكام الإلهية.[38] فكل ما أحله الله تعالى طيب ونقي، وبعبارة أخرى، فيه مصلحة كامنة، وكما قال القرآن: «يَحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ»[39]، ومن ثم، بقدر ما يؤدي ارتكاب الحرام إلى النجاسة، يحرم الامتناع عن الأمور الطيبة الإنسان من منافعها، وكما أن اعتبار الحرام باطلاً والتعدي على الحقوق الدينية والإلهية يعد تعديًا على حدود الأحكام الإلهية[40]، فإن اعتبار الحلال حرامًا والابتعاد عنه يعد أيضًا من قبيل التعدي على الحدود الإلهية، والله لا يحب المعتدين.[41]
إذا قيل إن كلمة «طيبات» في الآية الكريمة تدل على أن هذا الحكم خاص بالأطعمة وما شابهها، فالجواب أن هذا غير صحيح؛ لأن أولاً: جملة «ولا تعتدوا» في نهاية الآية عامة وتشمل كل أنواع التعدي على الأحكام الإلهية والتخلي عنها، وهي شاملة بالتأكيد في ما يتعلق بتحريم أحكام الله، إذ إن ظاهر الجملة الأخيرة في الآية يهدف إلى بيان قاعدة ينطبق مثالها على ما ورد في بداية الآية.[42] ثانياً: كلمة «طيبات» تعبير عن الحلال، أي أن الله تعالى أشار إلى حكمة تحريم الأشياء، وقال إن ما أحلناه طيب ونقي، فلا ينبغي اعتباره حرامًا؛ وكتب العلامة الطباطبائي في تفسير الآية:
«هذه الآية تمنع المؤمنين من تحريم ما أحل الله، وتحريم الحلال يكون إما بأن يحرمه شخص بالتشريع أو يمنع الآخرين من فعله ويمتنع هو عنه… وإضافة كلمة “طيبات” إلى الجملة التالية مع أن المعنى كان كاملاً بدونها، هي للإشارة إلى إتمام سبب النهي… والمقصود من “اعتداء” في الآية الكريمة هو تحريم الحلال الذي نهي الله عنه في أول الآية، فالجملة “لا تعتدوا” هي بمثابة تأكيد لـ”لا تحرموا”.»[43]
وبهذا، وبناءً على هذه الآية وغيرها من الآيات المماثلة[44]، يبدو أن مخالفة الحلال الإلهي أمر خطير للغاية، ومخالفتها تعد مخالفة لحكم الله، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن يصدر حكم من ولي الأمر أو غيره يجعل مباحًا إلزاميًا. ومن ثم، بقدر ما يُمنع مخالفة الواجب والحرام، لا يجوز مخالفة الحلال أيضًا، وهكذا، كلما أدت أحكام ولي الأمر أو المجلس إلى جعل حكم مباح إلزاميًا – كما ورد في منطقة الفراغ – يكون في الواقع مخالفة لحكم شرعي.
ومن ذلك نستنتج أن نظرية منطقة الفراغ في الواقع هي نقض للغرض، لأن من أهداف هذه النظرية هو تجنب مخالفة الحكم الشرعي، ولكن النتيجة هي الوقوع في ذلك.
يبدو أن المفتاح الرئيسي لحل هذه المشكلة هو مسألة الأهم والأهم، التي يمكن أن تفتح باب هذه المشكلة وتزيل العوائق الشرعية.
ومن الجدير بالذكر أن هذا لا يعني التقليل من خطورة مخالفة الحرام والواجب، بل تبقى هذه الخطورة كما هي، وحساسية الفقهاء مثل الشهيد الصدر تجاه عدم مخالفة هذه الأحكام جديرة بالإعجاب.
قاعدة التسامح في أدلة السنن تحتاج أيضًا إلى تأمل عميق، ولا يتسع المجال لمناقشتها في هذا المقال، لكن بشكل إجمالي تظهر دراسات الكاتب أن الحساسية التي يجب أن نتحلى بها في استنباط أحكام الواجب يجب أن تكون موجودة أيضًا في استنباط أحكام المستحب.
طريق التعرف على الأحاديث الحكومية
النقطة المهمة جدًا التي تظهر من نظرية منطقة الفراغ في التعرف على الأحاديث الحكومية هي أن نبي الله كان له منصبان: منصب الرسالة ونشر أحكام الله، ومنصب الولاية والرئاسة على الناس. وبسبب المنصب الأول، بيّن وبلغ الأحكام الثابتة الإلهية، وبما أنه كان ولي المسلمين ومسؤول تدبير المجتمع الإسلامي الشامل، وكان يجب أن يملأ منطقة الفراغ بمراعاة مصالح ومنافع المجتمع من الأحكام الولائية والمستمدة من المصلحة، أصدر العديد من الأحكام الحكومية التي نقلها الرواة والمحدثون في المصادر الروائية. ومن وجهة نظر الشهيد الصدر، لا يمكن استنباط الأحكام الشرعية الدائمة من هذه الأحاديث لأنها تتعلق بالأحكام الحكومية والمصلحية التي تتغير في الأزمنة والأمكنة المختلفة.
يذكر الشهيد الصدر أمثلة مثيرة للاهتمام منها، لكنه لا يقدم معيارًا لكيفية التمييز بين الأحاديث الحكومية وغير الحكومية، وكيف يمكن الوصول إلى الأحاديث الحكومية وبالتالي توفير الأساس لعدم الخلط بينها. ومع ذلك، فإن نظرية الشهيد الصدر حول المصلحة جديرة بالتأمل وتستحق بحوثًا مستقلة، ويمكن أن تكون مفيدة من بعض الزوايا.
________________________
[1] سيد محمد باقر صدر، اقتصاد برتر، علي أكبر سيبويه، طهران، دفتر نشر ميثم، د.ت، ص 169 وكذلك سيد محمد باقر صدر؛ خطوة في مسار بحثي تحت البناء في الاقتصاد الإسلامي، بيات شوشترى، طهران، منشورات روزبه، 1354 ش، ص 45 وكذلك سيد محمد باقر صدر. اقتصادانا، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة السادسة عشرة، 1402 ق، ص 317.
[2] اقتصاد برتر، المرجع السابق؛ ص 169.
[3] كما ذُكر، لا يُفهم نظرية منطقة الفراغ بشكل صحيح دون النظر في هذه المقدمات، وقد اشتكى بعض تلاميذهم من الخلط بين هذه النظرية وبين الأحكام المتغيرة ومسألة الزمان والمكان. انظر: مجموعة دور الزمان والمكان في الاجتهاد، مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1374 ش، ج 14، مقابلة مع السيد محمود هاشمي، ص 16، ومقابلة مع السيد كاظم حائري، ص 111.
[4] اقتصادنا، المرجع السابق، ص 338.
[5] نفسه.
[6] نفسه، ص 339.
[7] نفسه، ص 339. وكذلك صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، المجموعة الكاملة لمؤلفات الشهيد محمد باقر الصدر، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1410 ق، ص 43-44.
[8] انظر: نفسه وكذلك لمحّة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، منشورة ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر (بیروت، دارالتعارف للمطبوعات، 1410هـ) ج 12، ص 19.
[9] السيد محمد باقر صدر، الأسس الإسلامية، الأساس رقم 1، ص 337، انظر: محسن كديور، نظريات الدولة في فقه الشيعة، طهران، نشر ني، الطبعة الثانية، 1377، ص 160.
[10] نفسه.
[11] الشهيد الصدر في اقتصادنا (ص 680 – 684) يترك وضع الأحكام الحكومية لولي الفقيه، وفي الإسلام يقود الحياة، ص 18 و19 (لمحّة فقهية تمهيدية) يتركها للمجلس المنتخب، وسيأتي شرح ذلك.
[12] فتح القدير، ج 1، ص 481.
[13] السيد محمود الآلوسي البغدادي، روح المعاني (بيروت، دار الفكر، د.ت.) ج 3، ص 66.
[14] الشيخ مرتضى الأنصاري، المكاسب، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1430 ق، الطبعة الأولى، ج 6، ص 34-35.
[15] محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، طهران، شركة سهامي النشر، الطبعة التاسعة، 1378، صص 135-130.
[16] محمد حسين النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، طهران، شركة سهامي النشر، الطبعة التاسعة، 1378، ص 135-130.
[17] اقتصادنا، المرجع السابق، ص 726.
[18] نفسه، ص 400-402 و 725-726.
[19] السيد محمد باقر صدر، الإسلام يقود الحياة، لمحّة فقهية تمهيدية، منشورة في المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1410 ق، ص 18 و19. وكذلك خطوط تفصيلية عن اقتصاد مجتمع الإسلام، ص 79-88.
[20] الإسلام يقود الحياة، المرجع السابق، وصورة تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي، منشورة ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، المرجع السابق، ص 48.
[21] نفسه، ص 49.
[22] نفسه.
[23] صورة تفصيلية عن اقتصاد مجتمع الإسلام، المرجع السابق، واقتصادنا، ص 301.
[24] صورة تفصيلية عن اقتصاد مجتمع الإسلام، المرجع السابق، واقتصادنا، ص 301 و527.
[25] الإسلام يقود الحياة، لمحّة فقهية تمهيدية، ص 19. هذا العمل المختصر كتبه الشهيد الصدر ردًا على مجموعة من رجال الدين في لبنان حول توضيح أصول ومبادئ الدستور والثورة الإسلامية في إيران.
[26] انظر: فكر صادق، العدد 5، نظرية المصلحة من وجهة نظر الإمام الخميني، سيد علي حسيني.
[27] مقابلة مع السيد كاظم حائري، مجموعة دور الزمان والمكان في الاجتهاد، المرجع السابق، ج 14، ص 111.
[28] نفسه، صص 642، 401، 725 و726.
[29] الشهيد الصدر في «الإسلام يقود الحياة» (لمحّة فقهية) ص 19 يكتب صراحة: «المقصود من منطقة الفراغ، الحيز الذي لا يكون فيه حكم واجب أو حرام.»
[30] كتاب المكاسب، ج 6، ص 1.
[31] كتاب المكاسب، ج 6، ص 1، انظر: وسائل الشيعة باب 3 من أبواب الخِيار، حديث 1، ج 12، ص 349.
[32] كتاب المكاسب، ج 6، صص 22، 34 و26.
[33] سورة النساء / آية 23.
[34] سورة المائدة / آية 3.
[35] سورة المائدة / آية 4 و5.
[36] سورة النساء / آية 24.
[37] سورة التوبة / آية 87.
[38] السيد عبد الله البشر، تفسير القرآن الكريم، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، د.ت.، ص 145.
[39] سورة الأعراف / آية 57.
[40] سورة البقرة، آية 229، سورة النساء، آية 114.
[41] التبيان في تفسير القرآن، المرجع السابق، ج 4، صص 7 و8.
[42] محمد بن جرير الطبري بتحقيق الدكتور بشار عواد معروف وعصام فارس الحرستاني، تفسير الطبري عن كتابه جامع البيان عن تأويل آي القرآن، بيروت، مؤسسة الوسالة، 1415 ق، ج 3، صص 87-88.
[43] محمد حسين الطباطبائي، المرجع السابق (الميزان)، ج 7، ص 105-106. انظر: القرطبي، المرجع السابق (الجامع لأحكام القرآن)، ج 6، ص 262.
[44] كمثال سورة التحريم، آية 1: «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك»

