ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: کاوشی نو در نقشیابی اهداف شریعت در منطقة الفراغ (با تکیه بر آراء شهید صدر، آیتالله شمسالدین و آیتالله سیستانی) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذا البحث، يتم دراسة العلاقة والارتباط بين نظرية «منطقة الفراغ» وأهداف ومقاصد الشريعة. نظرية منطقة الفراغ التي اشتهرت أكثر بفضل كتاب «اقتصادنا» للشهيد صدر، كانت تدعي أنها تُسهم في ديناميكية ومرونة أكبر للشريعة في مواجهة القضايا المستجدة، وبعده حظيت باهتمام فقهاء آخرين مثل آية الله شمس الدين وآية الله السيستاني. ونظرًا لعدم وجود بحث مستقل حتى الآن يتناول ارتباط هذه النظرية بمقاصد الشريعة، فإن البحث الحالي بعد توضيح مسألة منطقة الفراغ بشكل مقارن بين الباحثين الثلاثة المذكورين، ومن خلال إعادة قراءة بعض الروايات والتقارير التاريخية الموجودة والتي لم تحظَ باهتمام كافٍ، يستكشف دور تحديد أهداف الشريعة.
المؤلف: حسینعلی سعدی، حمیدرضا تمدن
المصدر: پژوهشنامه فقه اجتماعی، ربيع وصيف 1398، العدد 2، ص 209 إلى 234.
المقدمة
في الكتابات الفقهية والأصولية الشيعية، لم يكن هناك اهتمام كبير بأهداف الشريعة لأسباب متعددة. نظرية منطقة الفراغ التي تحدث عنها الشهيد صدر في كتاب «اقتصادنا» أثارت العديد من الأسئلة أمام الفقهاء، وبعضها لم يُجب عنه حتى الآن. ومن هذه الأسئلة: «كيف يجب الرد على مناطق الفراغ الموجودة في الشريعة؟»
يبدو أنه قبل الخوض في موضوع منطقة الفراغ وأهداف الشريعة، يجب دراسة المسألة على عدة مراحل لكي يمكن التحدث بدقة عن العلاقة بينهما ومكانة كل منهما. فقد أشار آية الله السيستاني قبل التطرق إلى مسألة «منطقة الفراغ» أولاً إلى معنى الحكم الولائي وأقسامه، ليتمكن من توضيح دور الفقيه في مجال منطقة الفراغ (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٢). وقد وضع الأسئلة التالية محور نقاشه في هذا المجال:
١. ما المقصود بمنطقة الفراغ؟
٢. هل أصدر المعصومون أيضًا حكمًا ولائيًا؟
٣. ما هو مؤشر اتخاذ قرار الولي في نطاق منطقة الفراغ؟
وعلى هذا الأساس، يجب أولاً دراسة المسألة في ثلاثة أبعاد: أ. أقسام الولاية وعملية صدور الحكم الولائي.
ب. منطقة الفراغ والحكم الولائي.
ج. أدلة على وجود الأحكام الولائية.
حتى الآن، لم يُجرَ أي بحث حول مكانة أهداف الشريعة في منطقة الفراغ، رغم أن محمد مهدي شمس الدين أشار بشكل عابر إلى هذا الموضوع في كتابه «الاجتهاد والتجديد» وفي مقابلة مع مجلة «المنهاج» اللبنانية، كما أشار آية الله السيستاني في كتاب «الاجتهاد والتقليد» في بضعة أسطر إلى أهمية أهداف الشريعة في ملء منطقة الفراغ.
يمكن تلخيص جانب الابتكار في هذا البحث في نقطتين: أولاً، التطرق إلى آراء فقهاء الشيعة حول أهداف الشريعة، في حين أن معظم الدراسات حول أهداف أو مقاصد الشريعة كُتبت في إطار الفقه العام. ثانيًا، توضيح مكانة هذه الأهداف والمقاصد في نطاق «منطقة الفراغ».
١. أقسام الولاية وعملية صدور الحكم الولائي
النقاش في هذا الجزء يدور حول أصل ثبوت الولاية، أي السلطة القضائية والتنفيذية والقانونية للنبي والأئمة (ع). في هذا القسم، يبدو التعرف على مصطلحين ضروريين، وهما: أ. الولاية في الأمور العامة، ب. الولاية العامة.
الولاية في الأمور العامة تعني تفويض الأمور العامة إلى المعصومين (ع) ولا يحق لأحد غيرهم التدخل فيها. والمقصود بالأمور العامة هنا شؤون مثل الحكم والقضاء والسياسة الداخلية والخارجية؛ أما الولاية العامة فتعني أنهم (ع) أولى بالحقوق على أموال الناس وأنفسهم. وبعبارة أخرى، تعني الولاية في الأمور العامة أن نعترف بأن جميع الأعمال والشؤون التي يتولاها حكام كل مجتمع هي ثابتة أيضًا للمعصومين (ع). أما ثبوت هذا الحق للفقهاء فهو محل نقاش واختلاف.
أما الولاية العامة فتعني التصرف في النفس والمال والكرامة للناس بناءً على المصالح العامة، سواء كانت في الأمور العامة المتعلقة بالحكام أو في الأمور الخاصة[1] (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٢).
أدلة ثبوت أصل الولاية تنقسم إلى نوعين:
أولاً: تلك التي أمرت بطاعة المعصومين (ع). وهذه الروايات كثيرة، مثل: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» (نساء: ٥٩)، «ومن يطع الرسول فقد أطاع الله» (نساء: ٨٠)، «ما آتاكم الرسول فخذوه» (حشر: ٧)، «وما أرسلنا رسولًا إلا ليطاع بإذن الله» (نساء: ٦٤). والطاعة في هذه الحالات مطلقة وتشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية.
ثانيًا: تلك التي نصت على الولاية، مثل: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» (احزاب: ٦) و«إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا» (مائده: ٥٥)، وكذلك الروايات الشريفة مثل حديث الغدير «ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى، قال من كنت مولاه فهذا علي مولاه» ورواية أيوب بن عطيّة «أنا أولى من كل مؤمن نفسه» (حر عاملی، د.ت.، ج ٢٦، ص. ٢٥١).
المقصود بـ«الولي» في جميع هذه النصوص هو الخليفة والوكيل الحقيقي للنبي (ص) في جميع الأمور. ومن جميع هذه الأدلة يمكن استنباط كلا النوعين من الولاية المذكورة (الولاية العامة والولاية في الأمور العامة) (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٣).
قوام الولاية في الأمور العامة هو أن تكون السلطة القضائية والتنفيذية بيد النبي (ص) والأئمة (ع)، ولا يوجد نقاش في ثبوت ذلك (وحتى الولاية العامة) للنبي (ص) والأئمة (ع) (سیستانی، ١٤٣٧هـ، ص ص.. ٨٥-٨٦). فيما يتعلق بالسلطة القضائية، هناك روايات تشير إلى أن حق التصدي لها يخص النبي (ص) أو أوصيائه فقط. كما تشمل الوصاية صورتها بالواسطة التي تنطبق على الفقهاء والمجتهدين المعينين من جانبهم (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٣). للقاضي حقوق وواجبات ثابتة منها: حق الفصل في الخصومات بين المتخاصمين، وحق تعيين الوصي على الأموال في بعض الحالات (كالشخص الغائب أو المهجور)، وحق حبس بعض الأشخاص، وغيرها.
أما السلطة التنفيذية (التنفيذية) فتشمل مهام متعددة، منها السلطة التي بموجبها يمكن تنفيذ الأحكام الجزائية مثل الحدود والتعزيرات بحق من يستحق العقوبة.
كما يمكن للفقير بدعم من هذه السلطة تحديد مقدار التأديب والعقوبة البدنية والمالية في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (في القسم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تحدث عنه الفقه). مثلاً، قال الفقهاء في النوع الثالث من النهي عن المنكر، وهو التأديب البدني للعاصي أو إتلاف المال المستخدم في طريق الفساد، إن عقوبته تحتاج إلى إذن الفقيه. وكذلك الحال في وضع العقوبات البدنية والمالية التي لم يذكرها القانون العام. كما قال الفقهاء في باب التعزيرات إن الحاكم مخير بين أقل حد (٨٠ جلدة) أو ما دون ذلك (أنواع أخرى غير الحد) مثل تحديد عقوبة السجن بما يتناسب مع جرم الشخص الذي خالف القانون. كل الأنواع المذكورة ثابتة للحاكم حتى في الحقوق والقوانين المعاصرة. التدبر في حدود هذا النوع من السلطة يؤثر في فهم النصوص. ولهذا السبب أمر رسول الله (ص) بقطع شجرة سمرة بن جندب في حديث لا ضرر (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٣). اختلف الفقهاء في فهم هذه المسألة ووجهوا اعتراضاً بأن مفاد حديث لا ضرر لا يتطابق مع موضوع صدوره وفق كل المبادئ الموجودة في هذا المجال. أي سواء اعتبرنا مفاده نهيًا ولائيًا سلطانيًا كما قال الإمام الخميني (ره) (خمینی، ١٤١٤هـ، ص ص.. ٥٤-٥٥)، أو اعتبرناه نهيًا قانونيًا كما قال شيخ الشريعة الأصفهاني (شریعت اصفهانی، ١٤٠٧هـ، ص. ٢٨)، أو اعتبرناه حكمًا لحكومية لا ضرر على الأدلة الأولية، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: إما نفياً للحكم بلغة نفي الموضوع كما يرى صاحب الكفاية (آخوند خراسانی، ١٤٠٩هـ، ج ٢، ص. ٢٦٨)، أو نفياً للحكم بالضرر كما اعتقد شيخ الأنصاري (انصاری، ١٤١٩هـ، ج ١، ص ص.. ١١٤-١١٦).
على كل حال، يتفق الجميع على أن أقصى ما تقتضيه هذه الرواية هو رفع منشأ الضرر، أي الدخول دون أخذ إذن أو استئذان. لكن الشجرة الموجودة في ذلك البستان ليست منشأ ضرر حتى يأمر رسول الله (ص) الأنصاري بقطعها. ومع ذلك، يرى آية الله السيستاني أن الأمر ليس كذلك، وأن مفاد الحديث يتطابق مع موضوعه، بحيث يكون الموضوع هو دخول سمرة إلى البستان دون إذن، وهو ما منع منه في حديث لا ضرر. وبالتالي تحقق تطابق الموضوع والمفاد، لكن الأمر بقطع الشجرة من قبل النبي (ص) يرتبط بجانب آخر من المسألة وهو غير الإضرار بالآخرين، بل هو مخالفة القانون (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٤).
لذلك، استحق سمرة العقوبة بسبب مخالفته القانون في طلب الإذن من الآخرين عند دخوله إلى حرمهم الخاص، سواء كانت مخالفته تسبب ضرراً للآخرين أو لا. وبالتالي يمكن للحاكم الشرعي عقابه، وكان للنبي (ص) في هذا الشأن حق الاختيار بمقتضى الولاية في الأمور العامة، إما أن يعاقبه بدنيًا أو يأخذ منه غرامة مالية. واختار النبي (ص) الحالة الأخيرة، ومثال ذلك قطع شجرة سمرة من البستان، لأن قطع جذور الفساد أكثر تأثيراً من العقوبة الجسدية. إن الفهم الكافي لثبوت هذا النوع من السلطة في تحديد العقوبة للولي له أثر كبير في حل الخلافات النصية. مثلاً، ما ورد في بعض النصوص من الكفارة عن وطء الحائض بدينار، وفي بعضها بنصف دينار، وفي بعضها بإطعام مساكين، يمكن أن يُحمل على الوجوب التخييري، وقد يكون من باب الحكم الولائي في تحديد مقدار العقوبة بحسب اختلاف الأشخاص والظروف ونوع المعصية [2].
ومن الأمثلة الأخرى المرتبطة بالولاية العامة يمكن الإشارة إلى السلطة السياسية في تقرير أمر الجهاد والسلام، والسلطة على الأمور المالية مثل جمع الخمس والزكاة والخراج والمقاسمة وصرفها في مواردها، والتصرف في الأنفال بناءً على المصلحة العامة. بعض الفقهاء يرون أن التصرف في الأنفال حكم قانوني عام، بينما يرى آية الله السيستاني أن هذه الأمور من الأحكام الولائية لأنها من الشؤون التي تكون في يد ولي الأمر (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٥). أما الولاية العامة فهي تعني الولاية المطلقة للنبي (ص) والأئمة (ع) على الأموال والذمم، بمعنى أن اتباعهم وأوامرهم ونواهيهم واجب، حتى وإن كان ذلك يقتضي إتلاف أرواح وأموال بعض الناس، وذلك بسبب تحقيق المصالح العامة أو مواجهة المفاسد العامة. وهذه الأحكام تتغير بتغير الأشخاص والظروف [3] (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٥؛ سیستانی، ١٤٣٧هـ، ص. ٨٦).
كما أن المعصومين قد نهوا بعض الناس عن قراءة الكلام والتعمق في مسائلهم، وأمروا آخرين بمتابعة ذلك العلم (کشی، ١٣٤٨هـ، ص. ١٧٠). كل هذه الأمور من شؤون الولاية التي بموجبها يمكن التصرف في الأموال والأشخاص بناءً على توفر المصلحة؛ مثل فرض ضريبة تصاعدية على الأموال أو تطبيق الزكاة في غير الحالات المنصوص عليها، كما فعل أمير المؤمنين (ع) بشأن زكاة الخيل، رغم أن الفقهاء فسروها على أنها استحباب، إلا أن رأي آية الله السيستاني يرى أن هذا الأمر من الأحكام الولائية. كأن يحتاج الدولة الإسلامية إلى بعض الأموال، وإذا لم تكن الخمس والزكاة والضرائب كافية لإدارة شؤونها، يمكن للإمام (ع) أن يفرض ضرائب جديدة أو يجبر شخصًا على طلاق زوجته أو بيع منزله، أو يمكنه أن يهدر ماله بناءً على المصلحة العامة. لأن الآية الكريمة تقول: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم» وهو أحق بأموالهم منهم (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص ص.. ٤٥-٤٦)؛ مثل النهي الذي قام به أمير المؤمنين (ع) في عهد نامه إلى مالك الأشتر عن الاحتكار. ومن وجهة نظرنا، هذا النهي من شؤون الولي وليس من القوانين التشريعية العامة.
٢. منطقة الفراغ والحكم الولائي
وفقًا لرأي آية الله السيستاني، يجب أن يكون التشريع الولائي الخاص الصادر عن النبي (ص) ضمن نطاق منطقة الفراغ حتى لا يتعارض أو يتزاحم مع الأحكام الصادرة على نحو التشريع العام (سیستانی، ١٤١٤هـ، ص. ٨٦؛ هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٦). ومن منظور آية الله السيستاني، منطقة الفراغ لا تعني الحكم على شيء لا يوجد له حكم من الأحكام الخمسة. لذا يُدفع الاعتراض الذي يطرحه البعض بأن “لا يوجد حدث بلا حكم”. وهناك العديد من الروايات التي تشهد على هذا القول، كما أن مقتضى قاعدة التخطيء وعدم التصديق هو ذاته (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٦). ويبدو أن المقصود من منطقة الفراغ هو أن الحكم المحدث من جانب أولي الأمر لا يكون محرماً حلالاً (وهو ما يتعلق بالموسعات وليس بالمضيقات) ولا محللاً حراماً (سیستانی، ١٤١٤هـ، ص. ٨٦؛ هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص.٤٦). وقد ورد في رواية ميثمي [4] تأكيد على ذلك، حيث إن الأئمة (ع) باعتبارهم متمموا مسيرة النبي (ص) وتابعوه، لا يغيرون حلال الله وحرامه. وأولي الأمر بعدهم، في حالة ثبوت الولاية في زمن الغيبة، يكون الفقيه كذلك. والعبارة الموجودة في رواية ميثمي وبعض الروايات الأخرى تشير إلى هذه الحقيقة؛ مثل: «أشهد أنك قد حللت حلال الله وحرمت حرام الله» [5].
آية الله السيستاني، بعد نقل الخلافات بين الفقهاء حول تفسير عبارة «المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً»، يرى أن المقصود من التحليل والتحريم هو المواجهة مع الأحكام الشرعية على مستوى الأهداف والبناء (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٧).
توضيح ذلك: أولاً: (من منظور آية الله السيستاني) تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: بنائي وهدمي. المقصود بالأحكام البنائية هي الالتزامات الوجوبية، التحريمية، الإيمائية، والتأسيسية. والمقصود بالأحكام الهدمية هي التشريعات والالتزامات التي كانت موجودة في الشرائع السابقة وفي عصر الجاهلية، والتي ألغى الإسلام وجودها. مثل أن اليهود حرّموا كل أنواع الدهون على أنفسهم، فألغى الإسلام ذلك الحكم، أو أن المسيحية حرّمت الزواج بأكثر من امرأة، فأبطله الإسلام، أو أن أهل البيت (ع) ألغوا حكم تحريم المتعة الذي شرعه بعض المسلمين واعتبروه باطلاً.
ثانياً: في هذه المقدمة يجب تحديد معنى الحلال والحرام. المقصود بالحرام هو ما يسعى الشارع إلى عدم وقوعه في الخارج باستخدام الأدوات القانونية [6]. والمقصود بالحلال هو ما رفع عنه الحظر والمنع من الفعل، أي ما كان ممنوعًا في الشرائع السابقة، لكن الإسلام رفع المنع عنه وأباحه، وبعبارة أخرى، المكلف مطلق الحرية في فعله أو تركه. ومن الواضح أن المقصود بالحلال ليس المباح بالمعنى الأخص.
بعد ذكر هذين المقدمتين، يمكن القول إن المقصود من تحريم الحلال هو أن يقوم الولي أو أحد المتعاقدين بإحياء حكم أُلغي في الإسلام، وبذلك يعارض أهداف الشريعة الإسلامية ويعمل بما هو مكروه عند الدين الإسلامي. مثل أن يجعل الولي شرب الخمر مباحًا أو يحرم الزواج بأكثر من امرأة. لذلك، فإن هذه الحالات تمثل تحريم الحلال وتحليل الحرام. ومن الجدير بالذكر أنه إذا قام الولي في بعض الظروف بتحريم حلال مؤقتًا أو العكس، كما فعل ميرزا الشيرازي، فلا يعد ذلك تحريمًا للحلال، لأنه لا يتعارض مع التشريع العام في الهدم والبناء [7] (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص50).
3. أدلة على وجود الأحكام الولائية
في هذا القسم، بناءً على آراء آية الله السيستاني، سنذكر أدلة تُظهر تفسيرًا ولائيًا لبعض الأحكام الصادرة عن المعصومين (ع). مع أن ما سنذكره ليس بالضرورة التفسير الوحيد لهذه التقارير والأحكام، وقد يقدم الباحثون تفسيرات أخرى بعد المزيد من الدراسات.
١. كمثال أول، يمكن الإشارة إلى رواية وردت من طرق خاصة وعامة عن تحريم لحم الحمير الأليفة (کلینی، ١٣٦٩، ج ٦، ص.٢٤٦؛ طوسی، ١٣٨٥، ج ٧، ص. ٢٥١)[8].
يرى جمهور أهل السنة أن هذا التحريم مطلق[9]؛ لأن النبي(ص) في غزوة خيبر كما روى جابر بن عبد الله وآخرون (وهو وارد أيضًا في بداية ابن رشد) حرّم لحم الحمير الأليفة[10]؛ ولكن في رواياتنا التي تشير فيها إلى خطأ العامة، ورد فيها تصريح بأن النهي عن لحم هذه الحمير كان فقط في يوم خيبر، وذلك لأن دابة المقاتلين المسلمين في ذلك اليوم كانت من هذه الحمير. لذلك، كان النهي صادرًا فقط لمنع وقوع المسلمين في المحظور(کلینی، ١٣٦٩، ج ٦، ص. ٢٤٦؛ ابن بابویه، ١٣٧٧هـ، ج ٢، ص. ٥٦٣). وفي الحكومات الحديثة اليوم، يحدث أمر مشابه. كما نرى، في أوقات معينة، تمنع السلطة الحاكمة صيد الأسماك أو بعض الحيوانات بهدف عدم انقراض هذه الكائنات. إذًا، فإن النهي الصادر عن النبي(ص) كان نهيًا ولائيًا مؤقتًا قائمًا على المصلحة. ومع ذلك، استخلص العامة من ذلك تحريمًا مطلقًا، وبعض الإمامية أيضًا استدلوا على كراهة هذا النوع من اللحم، وذلك بسبب عدم تمييزهم للشأن الولائي فيه. وقد حمل صاحب وسائل أيضًا المسائل التي يبدو أنها جميعًا أحكام ولائية على الكراهة والاستحباب وجمع بينها[11].
٢. كمثال آخر، يمكن الإشارة إلى الروايات التي صرحت بأن أمير المؤمنين (ع) فرض زكاة على الخيول بدينارين(حر عاملی، د.ت.، ج ٦، ص. ٥١)، لكن بعض الفقهاء حملوا هذه الروايات على الاستحباب، مع أن ظاهرها يدل على الوجوب(کلینی، ١٣٦٩، ج ٣، ص. ٥٣٠ و ج ٧، ص. ٩٩؛ مفید، ١٤١٤هـ، ص. ٢٤٦).
٣. الروايات الواردة حول الحبوب والبذور الصالحة للأكل. توجد روايات كثيرة في مصادر الإمامية تدل على أن الزكاة في المنتجات الزراعية تخص الحبوب الأربعة فقط، وأن النبي(ص) أعفى الناس من دفع الزكاة في غيرها(کلینی، ١٣٦٩، ج ٧، ص. ٤٤).
لكن هناك أيضًا روايات كثيرة تدل على ثبوت الزكاة في غير الحبوب الأربعة، ويبدو أن ذلك يعود إلى الشأن الولائي للأئمة وفي نطاق منطقة الفراغ[12].
٤. يمكن اعتبار مسألة تحريم ذبائح أهل الكتاب من هذا الباب أيضًا. يرى آية الله السيستاني: «النقاش في هذا الباب كثير. ويبدو لنا أن بعض الروايات في هذا الباب تدل على أن حكم التحريم سياسي وولائي… لأن ظاهرة اختلاط المسلمين بالكفار من المسائل التي يجب أن يوليها ولي أمر المسلمين اهتمامًا حتى يتمكن من تحديد حدود هذا التعايش والاختلاط، وكذلك يحدد متى يكون ذلك لمصلحة المسلمين ومتى لا يكون… وهذه المسائل لا تحل إلا بتدخل ولي الأمر فيها من باب الولاية، وربما كان تحريم ذبائح أهل الكتاب أحد هذه الطرق»(هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٥٥).
٥. مسألة التسعير والاحتكار: يبدو أن جمهور العلماء قد أفتوا بعدم جواز التسعير والفرض الإجباري للأسعار[13]. كما خصّوا تحريم الاحتكار بالطعام(خویی، ١٣٨٣، ج ٢، ص. ٥١٢). وبعضهم خصه بأنواع معينة من الطعام(خمینی، ١٤٢١هـ، ج ٣، ص. ٤١٥). بينما أثبت المرحوم السيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة تحريم الاحتكار في مطلق ما يحتاجه الناس[14] (اصفهانی، ١٣٩٣هـ، ج ٢، ص. ١٩٧).
ويرى آية الله السيستاني أن هذا الأمر ربما يعود إلى العلاقة الوثيقة مع الناس ومكانتهم وزعامتهم(هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٥٥). كما أن الجزء الثاني من وسيلة النجاة المتعلق بالمعاملات يتسم بحيوية خاصة قد لا توجد في معظم الرسائل العملية. وقد استخدم تعبيرات خاصة في هذه المسائل تدل على فهم عميق لقضايا المعيشة. خلاصة القول أن هناك نقاشًا طويلًا حول تحريم الاحتكار المحدود أو المطلق، وكذلك جواز أو عدم جواز التسعير.
يقول الإمام (ع) في عهدنامه مالك اشتر: «كن واعيًا أنه مع كل ما ذكرت، يوجد بينهم جماعة ضيقة الأفق وبخيلة بطريقة قبيحة، وأناس يحتكرون ويحددون الأسعار كيفما يشاءون في البيع والشراء، وهذا الوضع يضر المجتمع ويعيب ويخزي الحكام. فامنع الاحتكار الذي نهى عنه رسول الله(ص). يجب أن يكون البيع والشراء سهلاً وعلى أسس العدل، وبسعر لا يظلم البائع ولا المشتري. وإذا احتكر أحد بعد نهيك، فعاقبه، ولكن اجتنابًا للإفراط في العقوبة»[15].
إن قول الإمام: «كه در اين وضع، زيان جامعه است (و ذلك باب مضرة للعامۀ)» يعني أن نتيجة الاحتكار هي أن الأرباح ورأس المال تتجمع في يد مجموعة معينة مما يسبب الضرر للجمهور. وكذلك قوله: «و ننگي براي زمامداران است (و عيب علي الولاة)» يعني أن على الوالي عيب أن يفضل مصلحة مجموعة خاصة على مصلحة عامة الناس، لأن الوالي مكلف بإدارة الشؤون الاجتماعية بعدل، ولهذا لا يمكن أن يمنح أحدًا حرية مطلقة في التصرف في الأموال. أما العبارة «او را منع و مجازات كن ولي در مجازاتش از زياده روي بپرهيز (فنكل به و عاقبه في غير اسراف)» فتعني أنه إذا صدر منك أمر ولائي بمنع الاحتكار، فعليك معاقبة من يخالف هذا الحكم وفقًا للضوابط التي تراها دون إفراط. وهذا أيضًا يعني تفويض الحكم الجزائي إلى ولي الأمر.
٤. منطقة الفراغ من منظور الشهيد صدر
كان الشهيد صدر (ره) يعتقد أيضًا أنه في جزء من نظام التشريع الإسلامي لا يوجد حكم إلزامي (إباحة بالمعنى الأعم)، وهذا لا يعد عيبًا أو نقصًا في الشريعة، بل يؤدي إلى حيوية الاجتهاد وتمكين الشريعة من الاستجابة للاحتياجات المعاصرة (صدر، ١٤٢١هـ، ج ٢، ص ص.. ١٦٥-١٦٦). وقد أطلق على هذا النطاق اسم «منطقة الفراغ» حيث يمكن لولي الأمر أن يصدر تشريعًا بناءً على المصلحة، ويصدر حكمًا ثانويًا على موضوع مباح بطبيعته[16]. فمثلاً، الحكم الأولي في حرث الأرض هو الإباحة، لكن ولي الأمر يمكنه منع ذلك بناءً على الظروف (صدر، ١٣٨٢، ص. ٧٢٥).
ومن مناقشات الشهيد صدر حول منطقة الفراغ يُستنتج أنه يرى معيار التشريع في هذه المنطقة في أمرين:
أ. عدم مخالفة القوانين والأوامر الشرعية (صدر، ١٤٢١هـ، ص ص.. ١٠-١٤).
ب. عدم مخالفة الدستور الوطني (صدر، ١٣٨٢، ص. ٧٢٦).
كما يرى الشهيد صدر أن الأحكام الصادرة في إطار منطقة الفراغ يجب أن تسعى لتحقيق الأهداف التي تهتم بها الشريعة. فمثلاً يستنبط من الآية «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» (حشر: ٧) عدم جواز تمركز الأموال في يد فئة معينة (صدر، ١٤٢١هـ، ص ص.. ٤٥-٤٦).
٥. منطقة الفراغ عند الشيخ محمد مهدي شمس الدين
يرى المرحوم شمس الدين، مثل الشهيد صدر وآية الله السيستاني، وجود مناطق فراغ تشريعية، لكنه يبدو أنه يعتبر نطاق هذه المناطق أوسع منهم. فقد تناول هذا الموضوع في بعض محادثاته وملاحظاته، وكذلك في كتابيه «الاجتهاد والتقليد» و«الاجتهاد والتجديد» [17]. ويعتقد المرحوم شمس الدين أن مناطق الفراغ التشريعية يمكن تصورها على ثلاثة مستويات:
١. نطاق الموضوعات والأفعال والتركيبات التي فيها وجوب أو تحريم إلزامي.
٢. الحالات التي لا توجد فيها أوامر ونواهي إلزامية، وهي نطاق المباحات، المستحبات أو المكروهات.
٣. النطاق الذي لم يرد فيه من الشارع عنوان خاص أو عام، بل هو نطاق المجهولات التي يكشفها تقدم الإنسان والمجتمع [18].
ثم يوضح بنفسه أن النطاق الأول ليس منطقة فراغ تشريعية. ويعتبر إدراج الأحكام الثانوية ضمن منطقة الفراغ التشريعية تسامحًا واضحًا، ويعتقد أن الحكم الثانوي هو أيضًا من التشريعات ويشمل قاعدة عامة في أصل التشريع [19] (شمس الدین، ١٤١٧هـ، ص ص.. ١٢-١٤). أما النطاق الثاني، أي نطاق المباحات بالمعنى الأعم، فهو يعني عدم وجود أحكام إلزامية فيه. لذلك، إذا اقتضت الظروف الفردية أو الاجتماعية أن يصبح أمر مباح (بالمعنى الأعم) حرامًا أو واجبًا، فإن سلطة التشريع الاجتهادي قادرة على هذا التصرف. وفي هذه الحالة، لا يكون الحكم بالوجوب أو التحريم مستندًا إلى نص، بل يعتمد على تقدير المجتهد. وبناءً على هذه التوضيحات، يمكن اعتبار هذا النطاق منطقة الفراغ الشيعية، وإلا فإن المباح بالمعنى الخاص أو العام يخضع لحكم شرعي.
الفرق بين الحكم الثانوي في النطاق الأول وهذا الحكم الحكومي في النطاق الثاني (المباحات بالمعنى الأعم) هو أن الأحكام الثانوية لها مرجع منصوص عليه في الشريعة (مثل قاعدة الضرر، الضرورة، العسر والحرج وغيرها)، أما الحكم الحكومي فلا يعود إلى نص منصوص عليه في الشريعة، وما يحدد ذلك هو «سلطة التشريع الاجتهادي».
أما النطاق الثالث، كما ذكرنا، فهو نطاق المجهولات التي لا يوجد لها في الشريعة عنوان خاص أو عام يشملها، ومنشأه حركة المجتمع والإنسان في الحياة، وكذلك الاحتياجات الجديدة الثابتة أو الطارئة التي تحدث خلال الحياة. فمثلاً يمكن الإشارة إلى تقدم العلوم الطبية التي أدت إلى ظهور ظواهر مثل زراعة الأعضاء والتلقيح الاصطناعي. أو نتيجة تقدم علوم مثل الفيزياء والكيمياء والهندسة، ظهرت ظواهر مثل الأسلحة الدمار الشامل، الفضاء، الأقمار الصناعية، والقضايا المتعلقة بالبيئة والحضر وغيرها، وكل هذه الأمور تحتاج إلى تخطيط وقانون مدون ودقيق. وبعض عباراته تشير إلى هذا النطاق (شمس الدین، ١٤١٩هـ، ص. ٢٠٨).
كما يرى ضرورة وجود بعض المؤسسات والمراكز لضبط هذا النطاق ضمن ضوابط معينة حتى لا يقع في الفوضى [20]. وبالتالي، يرتبط هذا النطاق بالإنجازات البشرية وتقدير الإنسان، ولا يوجد تدخل مباشر من الشارع والوحي الإلهي فيه [21].
وبناءً على ما ذُكر، يمكن الاستنتاج أن شمس الدين يرى نطاق منطقة الفراغ في نطاقين:
١. مباحات بالمعنى الأعم التي يُشرع فيها حكم إلزامي بناءً على المصلحة، مثل تحريم استعمال التبغ من قبل ميرزا الشيرازي. كما ذُكر سابقًا، وجود هذا النطاق لا يعني عدم وجود حكم في ذلك من قِبل الشارع.
٢. مجهولات لم يُذكر لها عنوان في الشرع، ولها ارتباط مباشر بديناميكية وتقدم المجتمعات والعلم البشري.
يبدو أن شمس الدين يعتبر الأحكام (الأوامر والنواهي) الصادرة في نطاق المباحات بالمعنى الأعم أحكامًا شرعية، ويعتقد أنه لا يمكن إطلاق «حكم شرعي» على ما هو موجود في نطاق المجهولات، بل هي تعليمات إدارية تتغير تبعًا لظروف المجتمع[22].
٦. ملء مناطق الفراغ التشريعي
يبدو أن الفقهاء الثلاثة المذكورين يعطون دورًا محوريًا لأهداف الشريعة، وعلى هذا الأساس لا يرون إصدار الحكم في نطاق منطقة الفراغ بلا ضوابط. ومع ذلك، فيما يتعلق بكيفية تطبيق الأهداف والمقاصد، تختلف آراء شمس الدين عن الشهيد الصدر وآية الله السيستاني. على أي حال، يمكن أن يفتح هذا الموضوع مجالًا لطرح مسألة مقاصد الشريعة في الشيعة، والتي تحتاج إلى مجال آخر للبحث.
يرى شمس الدين (١٤١٧هـ) أن: «بناءً على ثبوت الولاية العامة للفقهاء، يتمتع الفقيه بسيطرة تشريعية اجتهادية في جميع مناطق الفراغ المذكورة»، أما «في حال عدم ثبوت هذه الولاية له، فتثبت ولاية الأمة على نفسها. وفي هذه الحالة يبدو أن الرجوع إلى الفقيه للعثور على الحكم في ما يتعلق بالموضوعات الخارجية والتصرف في النفس أمر لا مفر منه». كما يرى شمس الدين أن السيطرة التشريعية ثابتة لـ «الفقهاء بما هم فقهاء» وليس «بما هم ولاة أمر».
لذلك، وفقًا لرأيه، يتم ملء مناطق الفراغ التشريعي في المجال الجديد الذي يطرحه بيد الأمة ومن خلال ممثليها في المجالس، ولا تعتمد مشروعيته على فتوى الفقيه أو حكمه. ومن الأمور اللافتة للنظر أن شمس الدين يعتبر هذا الأمر (ولاية الناس على أنفسهم في المجال المذكور) قائمًا أيضًا في عصر النبوة والإمامة (ع).
ما يبدو ضروريًا ذكره، وهو الحلقة التي تربط موضوع «مقاصد وأهداف الشريعة»، هو الربط بين نطاق مناطق الفراغ (سواء قبلنا تفسير الشهيد الصدر وآية الله السيستاني أو فهم شمس الدين) وما يسميه هؤلاء المنظرون «المؤشرات العامة» و«الأدلة التشريعية العليا». بعبارة أخرى، فإن كيفية الاجتهاد واستخلاص الحكم الشرعي في مجال الأحكام التدبيرية (مناطق الفراغ) ستكون بناءً على معايير معينة تتجاوز مجرد عموم الاجتهاد واستخلاص الحكم.
بعد أن قدم شمس الدين عرضًا موجزًا للأدلة العليا للتشريع، يذكر مجموعة من الآيات التي تُعتبر مبادئ وقواعد عامة، مثل: «آيات التسخير، الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء، آيات النهي عن الإسراف، آيات النهي عن العلو والفساد في الأرض، وآيات النهي عن إحداث تغيير في خلق الله تعالى[23].»
كل من هذه الآيات والقواعد ستكون أساسًا للتشريع ضمن نطاق منطقة الفراغ، دون أن تدل حرفيًا على حكم معين. بل يجب أن تتناسب التشريعات البشرية مع هذه الأدلة العليا. على سبيل المثال، تُستخدم آيات التسخير للتشريع في مجال علاقة الإنسان بالطبيعة، أو تُستخدم آيات الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر في مجال علاقات الإنسان مع الآخرين (الاجتماعية والدولية).
يُطلق الشهيد الصدر على هذه الأدلة العليا والحاكمة «المؤشرات العامة». ويعتقد أن الإسلام والشريعة لهما مرتبتان:
المرتبة الأولى: مرتبة ناقصة تُعنى بواجبات الفرد.
المرتبة الثانية: المرتبة الكاملة التي تُوجه وتنظم الحياة الاجتماعية من خلال الأنظمة الاجتماعية (صدر، ١٤٢١هـ، ص. ٦١). ويرى أن الفقيه في مجال بناء النظام الفقهي ونطاق منطقة الفراغ (المباحات بالمعنى الأعم) يجب أن يصدر التشريع وفقًا للمؤشرات والدلائل العامة[24].
أما آية الله السيستاني فيتحدث عن «الأهداف العليا والمبادئ الثابتة والمسلَّم بها» في منطقة الفراغ وفي نظرية التوافق الروحي[25]. على سبيل المثال، في تفسير قول الشيخ المفيد الذي اعتبر وجود حاكم من القياس شرطًا لقبول الخبر الواحد (تح. حلی، د.ت.، ص. ١٨٧)، يرى: «هذه العبارة تعني مقارنة الخبر الواحد مع الأمور المسلَّم بها في الكتاب والسنة… بحيث نرى هل مضمون الخبر متوافق ومتناغم مع الأهداف والأحكام الواردة في الكتاب والسنة؟ هل هما من مصدر واحد (من حيث المضمون)؟ بمعنى آخر، هل يتناسب روحيًا مع تلك الأهداف والمبادئ الثابتة والمسلَّم بها أم لا؟». ويعتبر أن الأهداف العليا والمبادئ الثابتة في الشريعة الإسلامية لها درجات مختلفة، بعضها يتعلق بالله، وبعضها بالإنسان، وبالبداية والنهاية، وبعضها الآخر بالعلاقات الأساسية بين البشر أو العلاقات الاجتماعية، وهي مصدر التشريع في تلك المجالات. مثل: «الأمر بالعدل والإحسان، أو الحكم على أساس القسط والعدل، وكذلك نفي الحرج، والمساواة، وكرامة الإنسان، وغيرها. هذه بعض الأهداف الأساسية والمبادئ العامة للدين الإسلامي… وكذلك مجموعة القوانين التي بيّنها القرآن الكريم والسنة مستمدة من هذه المبادئ والأهداف العامة… بل الأوامر والنواهي الصادرة عن بعض المعصومين باعتبارهم أولياء، والتي صدرت بناءً على مصالح متغيرة (مثل التسعير في عهد مالك الأشتر) أيضًا مستمدة من هذه الأهداف والمبادئ العامة. كل هذه الأمور لها أساس واتجاه واحد» (رباني، ١٤٣٧ق، صص..(25-24
كما أن نظرته إلى هذه المسألة منظومة متكاملة:
«النتيجة أن الخبر يجب أن يتوافق ويتناسق مع الأمور المذكورة، لا أن تُجمع كلمة من هذا الجانب وكلمة من ذلك الجانب معًا. لذلك يجب أن تكون مبنية على وحدة واحدة[26]». بناءً عليه، سيكون مجموعة من هذه المبادئ والأهداف الثابتة والراسخة في نطاق منطقة الفراغ هي الأساس والمرتكز.
من النقاط الجديرة بالاهتمام في منهج تدريس آية الله السيستاني هو الدراسة المقارنة بين النظريات الفقهية والقوانين العرفية. ومن ذلك في هذا الموضوع تحديدًا الذي يتناول الدراسة المقارنة لدور المبادئ والأهداف العليا في المذاهب الدينية وغير الدينية. من وجهة نظره؛ «التشريع بشكل عام في كل مدرسة (دينية أو غير دينية) يتم في ضوء تلك الأهداف العليا المعروفة. بحيث إذا كانت الأهداف العليا لمجموعة ما هي إزالة الفوارق الطبقية في المجتمع أو تقليل تلك الفوارق بناءً على تصورهم للعدالة الاجتماعية، فإنهم يؤسسون قوانينهم على هذا الأساس. وكذلك إذا كانت في مدرسة ما هذه الهدف الأعلى مبنيًا على القومية، فالأمر سيكون على هذا النحو. مثل النازية التي أسست دينها الاجتماعي على هذا الأساس» (رباني، ١٤٣٧ق، ص..(36
ما ذكره الباحثون المذكورون يشبه إلى حد كبير نظرية «مقاصد الشريعة» في الفقه العام، والتي أكد آية الله شمس الدين إيمانه بها.
الخلاصة والاستنتاج
بناءً على ما تقدم، علمنا أن الشهيد الصدر، وآية الله شمس الدين، وآية الله السيستاني، جميعهم مرتبطون بنظرية منطقة الفراغ. مع أن آية الله شمس الدين يرى نطاقها أوسع. وفيما يخص ملء منطقة الفراغ، يرى الفقهاء الثلاثة أن أهداف الشريعة هي الحاكمة في هذا النطاق، ويعتقدون أن الحكم الصادر في هذه المنطقة لا ينبغي أن يكون بلا ضابط، بل يجب أن يتوافق مع «الأهداف العليا» و«المؤشرات العامة» أو ما يُعرف بالأهداف الحاكمة على جميع التشريعات.
قائمة المراجع
القرآن الكريم.
آخوند خراساني، محمد كاظم (١٤٠٩هـ). كفايۀ الأصول. قم: مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث.
ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (١٣٨٥هـ). شرح نهج البلاغة. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
ابن بابويه (صدوق)، محمد بن علي (١٣٧٧هـ). من لا يحضره الفقيه. النجف: دار الكتب الإسلامية.
ابن إدريس حلي، محمد بن منصور (١٤١١هـ). مستطرفات السرائر. قم: نشر إسلامي.
أصفهاني، سيد أبو الحسن (١٣٩٣هـ). وسيلة النجاة، تحقيق سيد محمد رضا موسوي گلپايگاني.
أنصاري، مرتضى (١٤١٩هـ). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
البخاري، محمد بن إسماعيل (١٤٠١هـ). صحيح البخاري. بيروت: دار الفكر.
تمدن، حميد رضا، (١٣٩٧). دور مقاصد الشريعة في الاجتهاد الشيعي ومكانتها في بناء النظام الفقهي. طهران: جامعة الإمام الصادق (ع) (رسالة ماجستير).
تمدن، حميد رضا؛ والهي خراساني، علي (١٣٩٦). دراسة نظرية نسب القياس إلى ابن جنيد. دراسات فقهية وأصولية. ٣(٣)، ٦٥-٩٠.
حائري، مرتضى؛ وأمر اللهي، محمد حسين (١٣٩٤). ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة. قم: مؤسّسة النشر.
حر عاملي، محمد بن حسن (١٤١٦هـ). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. قم: مؤسّسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
حر عاملي، محمد بن حسن (د.ت.). وسائل الشيعة. د.م.: دار العهد الجديد للطباعة.
خميني، سيد روح الله (١٤١٤هـ). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني (ره).
خميني، سيد روح الله (١٤٢١هـ). البيع. طهران: مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام خميني (ره).
خوئي، سيد أبو القاسم (١٣٨٣). التنقيح في شرح المكاسب. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام خوئي.
رباني، سيد محمد علي (١٤٣٧هـ). حجية خبر الواحد (تقرير بحث الأصول للسيد علي السيستاني)، نسخة أولية محدودة التداول.
رباني، سيد محمد علي (١٤٣٧هـ). مباحث الحجج (تقرير بحث الأصول للسيد علي السيستاني). نسخة أولية محدودة التداول.
سعدي، حسين علي (١٣٩٥). الحجية في الاجتهاد البنائي. فصلية استراتيجية الثقافة، ٩(٣٦)، ٤٣-٦٠.
سيستاني، سيد علي (١٤١٤هـ). قاعدة لا ضرر ولا ضرار. قم: مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني.
سيستاني، سيد علي (١٤٣٧هـ). الاجتهاد والتقليد. قم: مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني.
شريعت أصفهاني، فتح الله (١٤٠٧هـ). قاعدة لا ضرر. بيروت: دار الأضواء.
شمس الدين، محمد مهدي (١٤١٧هـ). مجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي. المنهاج، ٣(٣)، ٧-٣١.
شمس الدين، محمد مهدي (١٤١٩هـ). الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي. بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر.
صدر، سيد محمد باقر (١٣٨٢). اقتصادنا. قم: مؤسسة بوستان الكتاب.
صدر، سيد محمد باقر (١٤٢١هـ). الإسلام يقود الحياة. قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للإمام الشهيد الصدر.
صدر، سيد محمد باقر (١٤٢١هـ). دروس في علم الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
طباطبائي، سيد علي (١٤٢٠هـ). رياض المسائل. قم: نشر إسلامي.
طوسي، محمد بن حسن (١٣٩٠هـ). الاستبصار. طهران: دار الكتب الإسلامية.
طوسي، محمد بن حسن (١٤١٤هـ). الخلاف. قم: نشر إسلامي.
طوسي، محمد بن حسن (١٣٨٥). تهذيب الأحكام في شرح المقنعة. طهران: دار الكتب الإسلامية.
علم الهدى، الشريف الرضي (١٤١٢هـ). تحقيق وشرح محمد عبده. بيروت: دار المعرفة.
كشي، محمد بن عمر (١٣٤٨هـ). رجال الكشي. مشهد: جامعة مشهد.
كليني، محمد بن يعقوب (١٣٦٩). أصول الكافي. طهران: مكتبة علمية إسلامية.
محقق حلي، جعفر بن حسن (١٤٠٣هـ). معارج الأصول. قم: مؤسّسة آل البيت (ع).
مفيد، محمد بن محمد (١٤١٠هـ). المقنعة. قم: نشر إسلامي.
مفيد، محمد بن محمد (١٤١٤هـ). تحريم ذبائح أهل الكتاب. بيروت: دار المفيد.
نجفي، محمد حسن (١٣٦٦). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. طهران: دار الكتب الإسلامية.
نووي، محيي الدين بن شرف (١٤٠٧هـ). شرح صحيح مسلم. بيروت: دار الكتاب العربي.
نيسابوري، مسلم بن حجاج (١٤١٥هـ). صحيح مسلم. بيروت: دار الفكر.
هاشمي، سيد هاشم (١٣٩٦هـ). اختلاف الحديث (نسخة قديمة). د.م.: بينا.
هاشمي، سيد هاشم (د.ت). تعارض الأدلة واختلاف الحديث. د.م: د.ن.
[1] للعثور على الأحاديث التي استُدل بها كمؤيد لهذا التقسيم، انظر: (سیستانی، ١٤٣٧هـ، ص ص.. ٨٥-٨٨).
[2] للاطلاع على شروحات حول ارتباط هذه المسألة بخلاف الحديث وكذلك الاحتمالات الموجودة حول رمي بعض كبار الإمامية بالقياس، انظر: (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص. ٤٢؛ تمدن، و الهی خراسانی، ١٣٩٦هـ، ص. ٧٥).
[3] كما ورد في كتيب «الاجتهاد والتقليد» لآية الله السيستاني: «والمراد من الولاية العامة هو ولاية النبي (ص) والأئمة (ع) على المؤمنين وأموالهم، ومرجعها إلى حق تقنين القوانين المؤقتة وفق المصالح والمفاسد الوقتيّة للحفاظ على شؤون المجتمع بحيث يختل النظام بلا تقنين هذه القوانين أو يتوقف رقي المجتمع بدونها» (سیستانی، ١٤٣٧هـ، ص. ٨٦).
[4] محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن زياد، عن محمد بن الحسن الميثمي، عن أبي عبد الله (ع) قال: «سمعته يقول: «إن الله عز وجل أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوّض إليه فقال عز ذكره: -ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا-، فما فوّض الله إلى رسوله (ص) فقد فوّضه إلينا» (کلینی، ١٣٦٩، ج ١، ص. ٢٦٨).
[5] في باب الصلح واليمين والشروط أيضاً أُشير إلى هذه المسألة: «المؤمنون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً».
[6] للاطلاع على تفسير خاص لآية الله السيستاني لمعاني الحرام الأربعة، انظر: (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص ص.. ٤٨-٤٩).
[7] لأنه لا يريد أن يُزيل أساس البناء أو الهدم الذي أُجرِي بواسطة الشارع، وبسبب مصلحة أعلى يغيّر الحكم مؤقتاً.
[8] يرى الشيخ الطوسي أن هذا الحديث تقية ويعتبر مضمونه متناقضاً مع مسلمات الإمامية. يكتب شيخ الطائفة في الاستبصار: «فالوجه في هذه الرواية أن نحملها على التقية لأنها موافقة لمذاهب العامة والأخبار الأولى موافقة لظاهر الكتاب وإجماع الفرقة المحقة على موجبها، فيجب أن يكون العمل بها دون هذه الرواية الشاذة» (طوسی، ١٣٩٠هـ، ج ٣، ص. ١٤٢). وأكد الشيخ حر العاملي على نفس رأي الشيخ الطوسي واعتبره صحيحاً (حر عاملی، د.ت.، ج ٢١، ص. ١٢)؛ وللعثور على الحديث في مصادر العامة، انظر: (بخاری، ١٤٠١هـ، ح ٣٨٩٤ و ٦٤٤٦؛ مسلم، ١٤١٥هـ، ح ٢٥١٠-2513).
[9] أشار النووي في شرحه على صحيح مسلم إلى بعض الآراء وأسباب اختلاف العلماء في هذه المسألة (نووی، ١٤٠٧هـ، ح ١٤٠٧، ص. ٨١).
[10] ذكر آية الله شمس الدين نفس المثال لأحكام التدبير: «من الموارد الخاصة للأحكام التدبيرية الواردة عن النبي والأئمة المعصومين، من قبيل: نهي رسول الله عن أكل لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، حيث كانت حمولة المسلمين، فخشى رسول الله (ص) عليها من النفاد، ولم يكن أكلها حراماً، ويشهد لذلك الروايات الكثيرة الواردة في ذلك، منها: ما روي عن محمد بن مسلم، وزرارة، عن أبي جعفر (ع) أنهما سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهلية؟ قال: «نهى رسول الله عنها وعن أكلها يوم خيبر، وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنها كانت حمولة الناس، وإنما الحرام ما حرم الله عز وجل في القرآن في رواية أخرى عن أبي جعفر (ع) قال: «نهى رسول الله عن أكل لحوم الحمير، وإنما نهى عنها من أجل ظهورها؛ مخافة أن يفنوها، وليست الحمير بحرام، ثم قرأ هذه الآية: «قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم» (الأنعام: ١٤٥). «تحريم الحمر الأهلية من قبل رسول الله لم يكن تحريماً تشريعياً، وإنما هو إجراء اتخذه رسول الله في وقت معين، وهو في معركة؛ من أجل الحفاظ عليها واستخدامها لغرض الحمولة. ونستفيد من هذه الحادثة اليوم في تحريم صيد أنواع معينة من الأسماك والطيور في أوقات خاصة، وهي أوقات تكاثرها مثلاً. وكذلك من قبيل: التعليل الوارد في أدلة الاحتكار، ومن قبيل: التعليلات الواردة في جواز العمل والتعامل مع الحكومات غير الشرعية. فإن التعليلات الواردة في هذه الموارد وأمثالها لا يقتصر فيها على موردها، بل هي معايير ترشد الفقيه والخبير إلى المنهج الذي يجب اعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وأنظمته وقضاياه، والمشاكل التي تواجهه في داخله، وفي علاقاته مع الخارج المسلم وغير المسلم. وهذه التعليلات ليست أحكاماً شرعية إلهية، وليست منشأ لأحكام شرعية إلهية، بل هي أسس أحكام شرعية تدبيرية، يعود أمر النظر في موضوعاتها واستنباطها إلى المجتمع الإسلامي بواسطة خبرائه وفقهائه، فهي مبادئ منهجية للاستنباط في هذا المجال» (شمس الدین، ١٤١٩هـ، ص ص.. ١٦-١٧).
[11] انظر: (حر عاملی، د.ت.، روایات باب ٩، ١٣، ١٦، روایت چهارم باب ١١، روایت دوم باب ١٧ از ابواب ما تجب الزکاة فیه و ما تستحب فیه).
[12] للعثور على موقف تعميمي ليونس بن عبد الرحمن والكليني، انظر: (کلینی، ١٣٦٩، ج ٣، ص. ٥٠٩)؛ وكذلك للاطلاع على شروحات أكثر حول الأحاديث التي ثبتت الزكاة في غير الغلات الأربعة وكذلك موقف العامة منها، انظر: (هاشمی، ١٣٩٦هـ، ص ص.. ٥٣-٥٤).
[13] كمثال، انظر: (طوسی، ١٣٨٥، ج ٣، ص. ٣١٣؛ ابن ادریس، ١٤١١هـ، ص. ٢١٢؛ طباطبایی، ١٤٢٠هـ، ج ١، ص. ٥٤١).
[14] كمثال لمن لديهم نظرة تعميمية في هذا المجال ويعتبرون بالإضافة إلى الطعام، احتكار سائر السلع التي يحتاجها الناس، مثل الملابس، محرماً، يمكن الإشارة إلى صاحب جواهر والشيخ مرتضى حائري (نجفی، ١٣٦٦، ص. ١٢؛ حائری، ١٣٩٤، ج ١، ص. ١٩٧). يكتب صاحب جواهر: «تخزين كل ما يحتاجه الناس ويضطرون إليه من قبيل المأكولات والمشروبات والملبوسات وغيرها، حكمه حكم الاحتكار. حكم الحرمة ليس مقصوراً على زمان معين أو جنس معين أو نوع معين من العقد… بل ربما إذا احتكر شخص سلعة وفيرة لا يحتاجها الناس حتى تصبح بسبب غلوّها محتاجين إليها، يكون ذلك حراماً. بل أحياناً يُقال إن مثل هذا العمل بقصد الغلاء والرغبة فيه أيضاً حرام حتى لو لم يكن بقصد الإضرار. فربما بعض الحالات المذكورة أعلاه تدخل في باب الاحتكار الحرام».
[15] «واعلم مع ذلك أن في كثير من الناس ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً وإنكاراً للمنافع وتحكماً في المباحات، وذلك باب مضرة للعامّة وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (ص) منعه، ولكن البيع بيعاً سهلاً بموازين عدل وأسعار لا يظلم الطرفين البائع والمشتري، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف» (علم الهدی، ١٤١٢هـ، ص. ٤٣٨).
[16] يكتب الشهيد الصدر (ره) حول أن منطقة الفراغ هي منطقة مباحة بالأساس: «وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات أولي الأمر تضم في ضوء هذا النص الكريم كل فعل مباح تشريعياً بطبيعته. فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه يسمح لولي الأمر بإعطائه صفة ثانوية بالمنع عنه أو أمر به…» (صدر، ١٣٨٢، ص ص.. ٧٢٥-٧٢٦). وكذلك في نص كتبه عن الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية يقول: «تشمل هذه المنطقة كل الحالات التي تركت الشريعة فيها للمكلف اختيار الموقف» (صدر، ١٤٢١هـ، ص. ١١). بناءً على ذلك، يمكن لجهاز التشريع في الحكومة الإسلامية أن يتخذ موقفاً معيناً وفق المصالح العامة ويلزم الناس بتنفيذه.
[17] للاطلاع على مزيد من التفاصيل حول رأيه في نظرية منطقة الفراغ، انظر: ألف. بن علي، أسعد، منطقة الفراغ بين النظرية والتطبيق؛ ب. الجبران، عبد الرزاق، منطقة الفراغ، إطار العنصر المتحرك؛ ج. الطائي، سرمد، مقاصد الشريعة في آثار الشيخ شمس الدين؛ د. النجار، محمد، مناطق الفراغ التشريعي. «فمساحة ما ترك للإنسان أن يجرب فيه، وأن يخطئ فيه، وأن يبدع فيه، هي مساحة كبيرة جداً، فالخالق عز وجل لم يحدد للإنسان صيغ عيشه، بل أعطاه الله مناهج عامة، وترك له مساحات واسعة، سمه إن شئت باب الإبداع البشري في حدود الحلال والحرام، سمه إن شئت ما اصطُلح عليه في العقد الأخير بتسميته “مجال الفراغ التشريعي”».
[18] للاطلاع على هذه المستويات الثلاثة، انظر: (شمس الدين، ١٤١٧ق، عدد ٣، الصفحات ١٢-.(19
[19] (شمس الدین، ١٤٢١هـ، عدد ٣، ص ص.. ١٢-١٤).
[20] في مقال مجلة منهاج الذي أُشير إليه سابقاً جاء فيه: «علاقات الناس ببعضهم، وعلاقتهم بالمرافق العامة، وطريقة استخدامهم لها، وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، وعلاقتها بهم، وعلاقة الدول ببعضها، وعلاقة المجتمعات والدول بالطبيعة (أرضها وجوها وبحرها وأعماق الأرض والمعادن والمياه، وغير ذلك)، تستدعي تكوين سلطات في المجتمع على المستوى الإقليمي والدولي، وتستدعي تقييد حريات الأفراد والمجتمعات والدول بما يتناسب مع أوامر هذه السلطات ونواهيها وشروطها وقيودها. وقد تكونت هذه السلطات فعلاً على المستوى الدولي، فأنشئت (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، كما أنشئت وكالات دولية وإقليمية للسكان، والصحة العالمية، ويجري العمل لإنشاء وكالة عالمية لحماية البيئة وغير ذلك».
[21] «وهذا المجال [مستوى التنظيم والعلاقات] لم يكن موجوداً عند التشريع. ولا يمكن للبشر التنبؤ به. وليس من الحكمة أن يكشف عنه الوحي الإلهي؛ لأن الحكمة تقضي بإطلاق حرية البشر في تكوين صياغات اختياراتهم وصيغ استجابتهم لضروراتهم، وتقضي بعدم حصرهم في قوالب وصيغ تنظيمية لتطورهم وصيغ استجابتهم لمقتضيات هذا التطور الذي تقضي به طبيعة الحياة وتقلباتها».
[22] «التشريع في الموضوعات بالإباحة والإيجاب والتحريم من سنخ الحكم الشرعي الإلهي على الموضوعات المنصوصة، وأما قضايا العلاقات والتنظيم فهي بعيدة عن مفهوم الحكم الشرعي الإلهي وإن كان فيها إلزام وحظر، وأقرب إلى الأمور الإجرائية، كتنظيم المدن والسير، والمراعي، والسوق. وهذا النوع من الأوامر والنواهي ليس أحكاماً شرعية بالمعنى المصطلح، بل هو إجراءات إدارية وتنظيمية تستجيب لحاجات إدارية وتنظيمية تتغير بتغير الظروف والأحوال».
[23] «أدلة التشريع العليا: وهي فوق أدلة التشريع المباشرة من المبادئ والقواعد العامة وأدلة الأحكام الكلية، التي هي مدار نظر الفقيه واستنباطه في مجال اجتهاده المألوف والمتعارف عليه، وهي من قبيل: آيات التسخير، والأمر بالعدل والإحسان، والنهى عن الفحشاء، وآيات النهي عن الإسراف والتقتير، وشرط القدرة في التكليف، وآيات النهي عن العلو والفساد في الأرض، وآيات النهي عن تغيير خلق الله» (ن.ک: شمس الدین، ١٤١٧هـ، ص. ١٣).
[24] «أن هذه الأحكام تُعطى إسلامياً من خلال صورتين: إحداهما الصورة الكاملة إسلامياً، والأخرى الصورة المحدودة إسلامياً. والصورة الكاملة هي الصورة التشريعية التي تُعطى إسلامياً في حالة مجتمع كامل يُراد بناء وجوده على أساس الإسلام وإقامة اقتصاده وخلافته في الأرض على ضوء شريعة السماء. والصورة المحدودة هي الصورة التشريعية التي تُعطى إسلامياً في حالة فرد متدين أي شخصياً بتطبيق سلوكه وعلاقاته مع الآخرين على أساس الإسلام، غير أنه يعيش ضمن مجتمع لا يتبنى الإسلام نظاماً في الحياة، بل يسير وفق أنظمة اجتماعية وإيديولوجيات عقائدية أخرى. والفارق بين الحالتين كبير، وتبعاً لذلك تختلف الصورتان. ويمكن أن نلخص أهم أسباب الاختلاف بين الصورتين فيما يلي: أولاً: أن عدداً من الأحكام الثابتة في الشريعة الإسلامية يتجاوز قدرة الفرد ويعتبر حكماً موجهاً نحو المجتمع، وهذا النوع من الأحكام لا موضع له في الصورة المحدودة التي ترسم للفرد المتدين سلوكه الاقتصادي، بينما هي جزء أساسي في الصورة الكاملة لاقتصاد المجتمع الإسلامي. ومن أمثلة ذلك: وجوب إيجاد التوازن الاجتماعي في المجتمع الإسلامي بالمعنى الذي سيأتي شرحه، فإن هذا الوجوب يمثل تكليفاً للمجتمع وقيادته العامة، وليس له مدلول عملي في التطبيق الديني الفردي البحت. ثانياً: أن المؤشرات الإسلامية العامة التي تشكل أساساً للعناصر المتحركة في الاقتصاد الإسلامي وما ينجم عنها من هذه العناصر، تدخل في تكوين الصورة الكاملة لاقتصاد المجتمع الإسلامي، مع أنها كثيراً ما لا تلعب أي دور في الصورة المحدودة لسلوك الفرد المتدين؛ لأنها على الأكثر ترتبط بصيغ تشريعية يضعها ولي الأمر والحاكم الشرعي وفقاً لصلاحياته الشرعية وتجسيداً لمسؤولياته في قيادة المجتمع على ضوء تلك المؤشرات. وأما حيث لا تكون المسألة مسألة قيادة مجتمع، بل توجيه فرد، فتختفي جل تلك العناصر المتحركة وصيغها التشريعية». للاطلاع على تفصيل آراء الشهيد الصدر حول ملء منطقة الفراغ وربطها بالنظام الفقهي، انظر: (سعدی، ١٣٩٥).
[25] للاطلاع على شروحات أكثر حول نظرية الموافقة الروحية وكذلك نسبتُها إلى مقاصد الشريعة، انظر: تمدن، حميدرضا، نقش يابي مقاصد الشريعة في الاجتهاد الشيعي ومكانتها في النظام الفقهي، جامعة الإمام الصادق (ع) (رسالة ماجستير).
[26] «فالخلاصة أن الخبر لابد أن يتوافق وينسجم مع تلك الأمور، لا أن تكون كلمة من هنا وكلمة من هناك، بل لا بد أن يكون على أساس واحد» (رباني، ١٤٣٧ق، الصفحات ٢٤-.(25

