الفكر السياسي عند الإمام الشهيد

مداخلة نقدية حول الاتجاه التشكيكي بإبداعات الإمام الشهيد الصدر(رض)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

من حيث أن الظواهر السياسية هي ظواهر اجتماعية، وبالتالي فإن المشكلة السياسية، التي تعني مشاكل الحكم والسلطة، هي مشكلة اجتماعية من هنا فقد كان كتاب (مجتمعنا) هو الكتاب المقرر لبحث هذه المسائل ودراستها.

لقد كان سيدنا الشهيد عازماً على عرض المدرسة الإسلامية كاملة مقارنة بالمدارس الأخرى المعاصرة وقد كان كتاب (فلسفتنا) وكتاب (اقتصادنا) هو الخطوة الأولى والثانية في هذا السبيل، وكان مقرراً أن يكون (مجتمعنا) هو الخطوة الثالثة.

وأمام هذا الكتاب وفقت عدة موانع بعضها سياسياً، ولعله كان المهم من تلك الموانع.

أن مطاردة السلطات الكافرة للمد الإسلامي الذي يعبر عنه قلم السيد الشهيد وفكره ونشاطه منعت هذا الكتاب، خصوصاً بعد أن بدأت مضايقات السلطة الكافرة للسيد الشهيد علنية في كتبه ونشاطاته الأخرى.

ولكن المكتبة الإسلامية إذ حرمت من كتاب (مجتمعنا) فإنها لم تحرم من أفكار السيد الشهيد في مجال السياسة، ولو بشكل خطوط عريضة، وأتذكر أنه بعد الثورة الإسلامية المباركة في إيران طرح على السيد الشهيد أن يكتب في موضوع السياسة والحكم في الإسلام.

ولكن مسؤولية قيادة التحرك الإسلامي المكثف والسريع في العراق، والتي تحملها السيد الشهيد لم تتح له فرصة التفرغ للكتابة في هذا المجال.

على أنه استطاع في هذه الفترة بالذات أن ينجز شيئاً كثيراً، فقد كتب الحلقات الست بعنوان (الإسلام يقود الحياة) وكان منها (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران) كما كان منها (منابع القدرة في الدولة الإسلامية)، التي سنتخذها مصادراً أساسية في دراسة أفكار السياسة فيا الوقت الذي كان مشغولاً بدراسة قوانين التاريخ الإنساني في الإسلام، وهذا البحث يرتبط إلى حد كبير بموضوع الدول والحضارات والحكومات.

وفي الخمسينات 1950 – 1960 م كان السيد الشهيد قد كتب عن (الحكومة الإسلامية)، كما كان كتب (دستورا) للحكم الإسلامي، ذلك ما حدثنا به حجة الإسلام السيد محمد باقر الحكيم في مذكراته المخطوطة عن جماعة العلماء في النجف الأشرف في تلك الفترة التاريخية.

وأوثر أن أنقل لكم نص العبارة التي حملتها المذكرات

((وأتذكر أن السيد الشهيد الصدر كتب رسالة خطية في الاستدلال على مشروعية الحكومة – الإسلامية – وقد كنت أخذت هذه الرسالة وعرضتها على بعض المجتهدين المعروفين حينذاك من أجل تأكيد هذه الفكرة وتطويرها))

ويتحدث أيضاً فيقول في موضع آخر من مذكراته.

((بالمناسبة أتذكر حادثه طريفة وتاريخية هي أن مجموعة من طلائع الحركة الإسلامية وأبناء جماعة العلماء كانوا قد وضعوا دستوراً، إسلامياً وكان الواضع له بالأساس السيد الشهيد الصدر ثم جرت مداولات مع بعض العناصر من الإسلاميين من أبناء السنة لمناقشة ورقة الدستور والاتفاق عليه.

وكانت الورقة تتبنى مذهب أهل البيت (ع) وتفترض أنه الحل للمشكل في القضية، الإسلامية..))[1].

وبالطبع فإننا اليوم لا نملك شيئاً من تلك الكتابات!

نسبة إلى فكر الشهيد العظيم فإن كتابتنا عن المجال السياسي منه ستكون قليلة و متواضعة، لأن المصادر التي بين أيدينا حول هذا الموضوع فقيرة بالقياس إلى مدرسته واعتباره أكبر مفكر عرفه تاريخ الإسلام المعاصر، بل أكبر مفكر عرفه العالم المعاصر؟

سنعتمد على ما كتبه السيد الشهيد في:

خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

منابع القدرة في الدولة الإسلامية

لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران.

كتاب (رسالتنا) الذي نشرته مجلة الأضواء، سنة 1960 م ثم طبع مستقلاً يحمل عنوان (جماعة العلماء)، وهو في الحقيقة قلم السيد الشهيد نفسه، عدا بعض صفحاته.

كتاب (اقتصادنا) الذي تعرض فيه استطراداً إلى دور الدولة ومسؤولياتها، وكذا ما كتبه عن الاقتصاد الإسلامي في سلسلة الإسلام يقود الحياة.

وتشير تبعاً إلى أن السيد الشهيد في (محاضرات في أهل البيت (ع)) التي جمعت في كتاب ما يزال خطياً – تحدث عن أنواع الحكومات الحاكمة باسم الإسلام وفي أية ضرورة تجوز الثورة ضدها. إلا أننا ونحن هنا في إيران لا نملك تلك الكتابات.

حول الدولة

هناك عدة مسائل (حول الدولة) بحثها السيد الشهيد في مجموعة الكتب التي أشرنا إليها.

وربما لا يصح أن نقول (بحثها)، وإنما استطردها وعرض لها وأعطى فيها الرأي الإسلامي

وفيما يلي نستعرض تلك المسائل:

نشأة الدولة التأريخية

إن مسألة (نشوء الدولة) وظهورها للوجود في تاريخ الإنسان ليست مسألة تاريخية ترتبط بمهمة الباحث التاريخي.

كما أنها ليست مسألة سياسية فقط يقع بحثها على عهدة، رجل السياسة!

وإنما هي – من بعض الجوانب – مسألة الإنسان، دوره ومهمته في بناء وجوده الاجتماعي.

السياسيون، والتاريخيون، وعلماء الاجتماع بحثوا هذه المسألة، ولعلهم يختلفون في الزاوية التي ينطلقون منها البحث المسألة وفي ثنايا هذا البحث كان هناك اتجاه يرى أن الدولة ضرورة اجتماعية، بينما يذهب الاتجاه الآخر إلى أنها. ليست ضرورة، وأن بالإمكان الاستغناء عنها، واستمرار الحياة الاجتماعية بدونها.

إن هذا الخلاف في ضرورة الدولة وعدمها اضطر الباحثين للرجوع إلى الوراء، إلى التاريخ البعيد السحيق، ودراسة الدولة في جذورها الممتدة في أعماق التاريخ.

قال الماركسيون الدولة – على طول التاريخ – هي صنيعة الطبقة المستغلة من أجل

تشديد القبضة على الطبقة المستغلة. فهي صنيعة الأسياد في مرحلة (دولة العبودية).

وهي صنيعة الاقطاع في مرحلة (دولة الاقطاع). وهي صنيعة البورجوازية في مرحلة (دولة البورجوازية) وهكذا فإن الدولة دائماً هي وسيلة استغلال، لأنها تابعة من الاستغلال.

ولهذا – قالت الماركسية – أنه لا بد من السعي للسيطرة على هذا الجهاز، وحينما يكون بيد العمال، وبعد المرور بمرحلة ديكتاتورية العمال، سيتلاشى هذا الجهاز لوحده من حيث أنه لم يعد ما يبرره.

وفي قبال هذه النظرة كان هناك عدة نظريات، لعل أبرزها ( نظرية العقد الاجتماعي) لـ جان جاك روسو.

لقد قال أن الدولة هي نتيجة تعاقد اجتماعي، فمن أجل يحكم الإنسان نفسه بنفسه، ومن أجل حل مشاكله الاجتماعية، اختار لنفسه هذا الطريق، طريق التعاقد مع فنة تحكمه وتسوده وتكون عليها مسؤولية إدارة المجتمع، وضمان الأمن الاجتماعي.

إن هذه النظرية تنظر إلى الدولة بعين حسنه.

فالدولة ليست صنيعه المستغلين، ولا وسيلة استغلال.

وإنما هي صنيعه إرادة الإنسان نفسه، ووسيلة إدارة شؤونه الاجتماعية، وما دام الأمر كذلك فالدولة لن تفقد في يوم من الأيام ودواعي وجودها، وستبقى إلى الأخير ضرورة اجتماعية.

وكانت هناك نظريات أخرى في نشوء الدولة، مثل نظرية (التطور العائلي) و (نظرية القوة والغلبة) وغيرها.

وضلت النظرية الإسلامية في هذا الموضوع غامة، وربما أمكن القول أن أحداً لم يكتب فيها، بل وحتى لم يفصح عنها.

أما السيد الشهيد فإنه في (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية) أعطانا لمحة عن هذا الموضوع.

فقال:

((إن الدولة ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان))[2]

الدولة إذن ضرورة فرضتها الحياة الاجتماعية للإنسان، وليست هي صنيعة الطبقة المستغلة كما تقول الماركسية، وإذن فالتفكير في الاستغناء عن الدولة، والوصول إلى مجتمع بلا دولة تفكير يمكن أن نصفه بالسذاجة.

لأن الدولة – وكما هو معلوم – لا تقوم بدور الحكم فقط، وإنما تقوم بدور الحكم، ودور الإدارة، الحكم في المشاكل الاجتماعية. والإدارة والتنسيق للنشاطات الاجتماعية.

وفي كلا هذين المجالين فإن الدولة لا يمكن الاستغناء عنها، فالمشاكل الاجتماعية لا تنتهي ووجوه النشاطات الاجتماعية لا تستغني يوماً عن التنسيق.

ولو أمكن الاستغناء عن الدولة في المجال الأول حينما تذوب عواطف الإنسان في مصالح المجتمع ولا تبقى له نزعات شخصية ذاتية – كما تفترضه الماركسية في المجتمع الشيوعي -، حتى لو أمكن ذلك فإن الجانب الإداري يبقى كافياً لضرورة قيام الدولة.

إن مجتمع بلا دولة أشبه بدولة بلا مجتمع، وإذا كان الثاني كلاماً غير علمي فالأول مثله.

على أن مفكرنا العظيم الشهيد ناقش في كتاب اقتصادنا – بشكل استطرادي أيضاً – مسألة ضرورة الدولة أولاً.

الماركسية هكذا فكرت: أن الدولة نتيجة التناقض الطبقي، وحيث يزول هذا التناقض بحكومة الطبقة العاملة، ويصبح المجتمع كله عمالياً فسوف تزول الدولة.

لقد حاسب السيد الشهيد هذا التصور فقال: من حقنا أن نتساءل عن هذا التحول الذي ينقل التاريخ من مجتمع الدولة إلى مجتمع متحرر منها…

كيف يتم هذا التحول الاجتماعي؟

وهل يحصل بطريقة وانقلابية،… أو أن التحول يحصل بطريقة تدريجية، فتذبل الدولة وتتقلص تتقلص حتى تضمحل وتتلاشى؟

فإذا كان التحول ثورياً آنياً وكان القضاء على حكومة البروليتاريا سيتم عن طريق الثورة فمن هي الطبقة الثائرة…؟ وقد علمتنا الماركسية أن الثورة الاجتماعية على الحكومة، إنما تنبثق دائماً من الطبقة التي لا تمثلها تلك الحكومة… فهل تريد الماركسية أن تقول لنا أن الثورة الشيوعية تحصل على أيدي رأسماليين مثلاً؟ وإذا كان التحول تدريجياً فهذا يناقض قبل كل شيء قوانين الديالكتيك التي ترتكز عليها الماركسية، فإن قانون الكمية والكيفية في الديالكتيك يؤكد:

إن التغييرات الكيفية ليست تدريجية، بل تحصل بصورة فجائية…

وعلى أساس هذا القانون آمنت الماركسية بضرورة الثورة في مطلع كل مرحلة تاريخية…

والتحول التدريجي السلمي.. كذلك يناقض طبيعة الأشياء، إذ كيف يمكن أن نتصور أن الحكومة في المجتمع الاشتراكي تتنازل في التدريج عن السلطة وتقلص ظلها، حتى تقضي بنفسها على نفسها، بينما كانت كل حكومة أخرى على وجه الأرض تتمسك بمركزها وتدافع عن وجودها السياسي إلى آخر لحظة من حياتها!؟…

إن من ضرورات المرحلة الاشتراكية قيام حكومة دكتاتورية مطلقة السلطان، فكيف تصبح هذه الدكتاتورية المطلقة مقدمة لتلاشي الحكومة واضمحلالها نهائياً!؟[3]

وفيما يتعلق بنشأة الدولة تاريخياً فقد كشف السيد الشهيد النقاب عن النظرية الإسلامية التي نصطلح عليها (نظرية دور الأنبياء).

فليست الدولة تطور عائلي، ولا سيطرة أقوياء، ولا حكومة طبقة، ولا تعاقد اجتماعي، إنما الدولة ظاهرة اجتماعية سعى إلى تحقيقها الأنبياء.

لقد تحدث السيد الشهيد قائلاً:

((إن الناس كانوا أمة واحدة في مرحلة تسودها الفطرة، ويوحد بينها تصورات بدائية للحياة وهموم محددة وحاجات بسيطة. ثم نمت من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة المواهب والقابليات وبرزت الإمكانات المتفاوتة، واتسعت آفاق النظر، وتنوعت التطلعات، وتعقدت الحاجات فنشأ الاختلاف، وبدأ التناقض بين القوي والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدد الحق، وتجسد العدل، وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم…

وفي هذه المرحلة ظهرت فكرة الدولة على يد الأنبياء، وقام الأنبياء بدورهم في بناء الدولة السليمة، ووضع الله تعالى للدولة أسسها وقواعدها،…..))[4]

ويعتمد السيد الشهيد في هذا الرأي على قوله تعالى:

((كان الناس أمة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيهن، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه…))

وهكذا ظل الأنبياء يواصلون بشكل وآخر دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة، وقد تولى عدد كبير منهم الإشراف المباشر على الدولة كداوود وسليمان وغيرهما، وقضى بعض الأنبياء كل حياته وهو يسعى في هذا السبيل كما في حالة موسى (ع) واستطاع خاتم الأنبياء (ص) أن يتوج جهود سلفه الطاهر بإقامة أنظف وأطهر دوله في التاريخ شكلت بحق منعطفاً عظيماً في تاريخ الإنسان، وجسدت مبادئ الدولة الصالحة، تجسيداً كاملاً ورائعاً))[5]

الدولة الإسلامية ضرورة حضارية

وتنتقل من الدولة عموماً إلى الدولة الإسلامية، ومن ضرورة الدولة إلى ضرورة الدولة الإسلامية.

لقد كان هناك تساؤل عريض، طرحه أبناء الإسلام أنفسهم، بعد عملية الفصل الاستعماري بينهم و بين الحكم الإسلامي من ناحية، والفكر الإسلامي العميق من ناحية ثانية.

لقد تساءلوا هل هناك ضرورة لإقامة دولة إسلامية، أو إن الإسلام لا يطلب دولة، وأن يتكلم مع القواعد الشعبية مباشرة لا من خلال دوله، وأنه يعني بالسلوك الشخصي للإفراد اكثر مما يعني بالمشاكل السياسية والاجتماعية في الأمة؟

ولقد بلغ الفصل الاستعماري إلى حد أصبحت فكرة الحكومة الإسلامية، والدولة الإسلامية، فكرة غريبة في المجتمع الإسلامي نفسه، بل وحتى غريبة لدى عدد من الفقهاء الذين تأثروا وبعقلية الفصل بين الدين والسياسة.

أما السيد الشهيد فقد أكد ضرورة الدولة الإسلامية، والسعي من أجل إقامتها.

إن الدولة هي المسؤولة عن إقامة حكم الله في الأرض، وإذا كان هذا من مسؤولية الجميع، فإن العمل من أجل إقامة دولة إسلامية يصبح ضرورة، باعتبار أنها طريق لإقامة حكم الله في الأرض.

أن الدولة هي الكفيلة بنجاح التطبيق الإسلامي، ومن المؤكد أن التجربة الإسلامية غير قادرة على النجاح إذا لم تمتلك زمام الحكم.

هناك إذن ضرورة شرعية كما عبر السيد الشهيد في إقامة دولة إسلامية لأنها إقامة لحكم الله على

الأرض، وتجسيد لدور الإنسان في خلافة الله[6] لكن السيد الشهيد لم يقف عند هذا الحد، لقد رأى وأكد أن الدولة الإسلامية ليست ضرورة شرعية فحسب بل هي ضرورة حضارية.

ومعنى ذلك أنه ليس فقط من مسؤولية المؤمنين بالشريعة الإسلامية السعي لإقامة دولة إسلامية، وإنما الطريق الوحيد المفتوح للإنسانية من أجل مجتمع متكامل موحد سعيد هو هذا الطريق، وبالتالي فإن على الإنسانية أن تدرك أنها ليست صاحبة خيار في هذا الطريق، وإذا كانت جادة في السعي إلى سعادتها، وقراره، فإن عليها السعي بجد نحو مجتمع إسلامي تحت لواء دولة إسلامية إنسانية.

وإذا كان الحديث عن الأمة المسلمة بالخصوص، فإنها مدعوة للتحرك نحو إقامة دولة إسلامية سواء من منطلق شرعي أو من منطلق التسابق الحضاري العالمي.

هكذا تحدث السيد الشهيد

((إن الدولة الإسلامية ليست ضرورة شرعية فحسب، بل هي إضافة إلى ذلك ضرورة حضارية، لأنها المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي، والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة الإنسانية، وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع))[7]

الدولة مسؤولياتها وصلاحيتها

لقد شغل البحث عن (مسؤوليات) و (صلاحيات) الدولة قسطاً كبيراً من اهتمام الباحثين السياسيين.

وبحق شغلت هذه المسألة اهتمام الباحثين، ففي ضوء مسؤولية وصلاحية الدولة تتحد مسؤولية و صلاحية الشعب، والصراع السياسي العالمي القائم اليوم لا يختلف في تجديد شكل الدولة الحاكمة، وإنما يختلف أيضاً في المسؤوليات المفروضة على الدولة، والصلاحيات المعطاة لها.

والمسألة في تفاصيلها، وأبعادها، وخلفياتها، لا يتسع لها مجال الحديث هنا، على أنا لا نريد أن نشرع ببحث مستقل حول الموضوع، بقدر ما نريد أن نعرض إلى الأفكار السياسية للسيد الشهيد، والتي يعبر فيها بالطبع – عن الموقف الإسلامي.

مسؤوليات الدولة:-

إذا كانت النظم السياسية الحديثة تفرض على الدولة مسؤوليات في المجال الاجتماعي والاقتصادي فإن الإسلام كان قد حدد هذه المسؤوليات وفرضها من قبل.

فمن أجل الرفاه، والتكامل الاجتماعي، سلك الإسلام طريقين:

  1. طريق المجتمع.
  2. طريق الدولة.

فأبناء المجتمع يتحملون قسطاً من المسؤولية انطلاقاً من قوله تعالى ((المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض))، وقوله (ص) ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) وما ماثل من أحاديث أخرى في هذا الموضوع.

وفي هذا الطريق تأتي أعمال الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدقات والنفقات، سواء الواجبة منها أو المستحبة، فهي جميعا تعبير عن مشاركة المجتمع في تحمل المسؤولية.

إلا أن الإسلام لم يسمح للدولة التنصل من المسؤولية، والاتكال على أبناء المجتمع أنفسهم، أن لها دورها المستقل، ومسئوليتها الخاصة في هذا المجال.

ففي المجالات التي يعجز المجتمع عن تحملها تكون الدولة هي المسؤولة، وفي المجالات التي يتخلف المجتمع فيها عن أداء مسؤوليته، فإن الدولة هي التي ستتحمل المسؤولية.

كما أن المجالات الإدارية، والتنسيقية هي من مهمات الدولة بالأساس.لم يكتب السيد الشهيد بحثاً في هذا الموضوع، إنما في المجال الاقتصادي فقط تناول مسألة (مسؤولية الدولة العامة)[8]

لقد حدد السيد الشهيد مسؤولية الدولة في (الضمان الاجتماعي) و (التوازن الاجتماعي) و (رعاية القطاع العام) و (الإشراف على مجمل حركة الإنتاج) و (والحفاظ على القيم التبادلية للسلع) أما مسؤولية الضمان الاجتماعي فهي في الأساس ترتكز على إيمان الإسلام بحق الجماعة كلها في الانتفاع بثروات الطبيعة، وتنشأ من هذا الحق المسؤولية المباشرة للدولة في ضمان مستوى الكفاية في العيش الكريم لجميع أفراد المجتمع، وذلك بتوفير العمل لمن كان قادراً على العمل منهم، وبإعالة الأفراد العاجزين عن العمل، أو الذين لم يمكن توفير فرص العمل لهم…

وأما مسؤولية التوازن الاجتماعي فهي تعني:-

أولاً: توفير حد أدنى من اليسر والرفاه لكل أفراد المجتمع.. وقد جاء في الحديث عن الإمام موسى بن جعفر (ع) ((إن الوالي يأخذ المال فيوجهه الوجه الذي وجهه الله له على ثمانية أسهم… فإن فضل من ذلك شيء رد إلى الوالي، وأن نقص من ذلك شيء، ولم يكتفوا به كان على الوالي أن يمونهم من عنده بقدر سعتهم حتى يستغنوا)).

ثانياً: التحديد من الإنفاق والمنع من تجاوز مستوى المعيشة.. المعقول للرفاه.

ثالثاً: الحيلولة دون احتكار الثروة وتكديس الأموال في أيدي كبقة خاصة، والسعي من أجل توفير إمكانات العمل وفرص الإنتاج للجميع.

وفيما يتعلق بالقطاع العام.. فلا بد لولي الأمر من رعاية هذا القطاع الاستفادة من أحدث الأساليب، وكل المستجدات العلمية في سبيل تنميته وإصلاحه والارتفاع بمستوى قدرته الإنتاجية…

ولا تزال كلمة الإمام أمير المؤمنين في هذا المجال رقماً حياً على هذه الحقيقة، حين كتب إلى واليه مالك الأشتر قائلاً له ((وليكن نظرك في عمارة الأرض، أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج))

وأما مسؤولية الأشراف على مجمل حركة الإنتاج فتنبع من وجوب تطبيق السياسة الإسلامية في مجال الإنتاج، وضمان إنتاج الحاجات العامة بدرجة توفر للجميع فرصة الحصول عليها والحيلولة دون الإسراف في الإنتاج….

وينتهي السيد الشهيد إلى إقرار القواعد التالية حول مسؤولية الدولة

القاعدة(7):

كلما وجدت ظروف استثنائية تؤدي إلى تعرض التوازن الاجتماعي إلى الخطر بسبب ما تقدم في القاعدة (5) تتدخل الدولة وفقاً لصلاحياتها في اتخاذ الإجراءات المناسبة لإيجاد التوازن الاجتماعي والحفاظ عليه.

القاعدة(13):

على الدولة.. إن تحقق:

أولاً:- ضماناً اجتماعياً يكفل حداً أدنى من الرفاه لجميع أفراد المجتمع.

ثانياً:- توازناً اجتماعياً في المعيشة بالتقارب بين مستويات المعيشة، وفي الدخل بالمنع في الاحتكار وتركز الأموال.

ثالثاً:- استثماراً بأعلى درجه ممكنة للقطاع العام مع وضع سياسة للتنمية الاقتصادية.

وفي المجال السياسي تحدث السيد الشهيد – بشكل مستطرد – عن مسؤولية الدولة.

فالأمة هي صاحبة الحق في إدارة شؤونها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ضوء ما تمليه الشريعة الإسلامية بالطبع.

ولذا فإن لكل من أفراد المجتمع التعبير نم خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وأفكاره وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله، كما أن لهم جميعاً ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية.

وهنا تأتي مسؤولية الدولة.

فالدولة هي التي تكفل هذه الحقوق لأبناء المجتمع، ويقع على مسؤوليتها توفير الأجواء من أجل ممارسة هذا الحق وكما تتعهد الدولة بذلك للمسلمين، فإنها تتعهد – كما كتب السيد الشهيد – بتوفير ذلك لغير المسلمين من مواطنيها الذين يؤمنون بالانتماء السياسي إليها، وإلى إطارها العقائدي، ولو كانوا ينتسبون دينياً، إلى أديان أخرى))[9]

مسؤولية الدولة في السياسة الداخلية والخارجية:-

وتنعكس مسؤولية الدولة في ضوء ما تقدم على سياستها الداخلية وسياستها الخارجية.

لقد لخص لنا السيد الشهيد مسؤولية الدولة في كلا المجالين، أما على صعيد السياسة الداخلية فالدولة الإسلامية تستهدف ما يلي:

أولاً:- تطبيق روح الإسلام، بإقامة مبادئ الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي والقضاء على الفوارق بين الطبقات في المعيشة وتوفير حد أدنى كريم لكل مواطن، وإعادة توزيع الثروة بالأساليب المشروعة، تثقيف المواطنين على الإسلام تثقيفاً واعياً، وبناء الشخصية الإسلامية العقائدية في كل مواطن لتتكون القاعدة الفكرية الراسخة التي تمكن الأمة من مواصلة حمايتها للثورة.

وأما على صعيد السياسة الخارجية، فالدولة الإسلامية تستهدف ما يلي:-

أولاً:- حمل نور الإسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة إلى العالم كله.

ثانياً:- الوقوف جانب الحق والعدل في القضايا الدولية، وتقديم المثل الأعلى للإسلام من خلال ذلك.

ثالثاً:- مساعدة كل المستضعفين والمعذبين في الأرض، ومقاومة الاستعمار والطغيان، وبخاصة في العالم الإسلامي… [10]

صلاحيات الدولة:

ومن الحديث عن مسؤولية الدولة، ننتقل للحديث عن صلاحيات الدولة. في أي الحدود تستطيع أن تتحرك الدولة؟

وإلى أي مدى تكون كلمتها نافذة؟

والحقيقة أن الحديث عن صلاحيات الدولة مرتبط بمدى تقييمنا لكل من الفرد، والمجتمع.

وفي هذا فقد عرف اتجاهان:

اتجاه يلتزم بأصالة الفرد، حيث يرى أن الفرد هو القيمة المطلقة الذي يجب أن تحفظ له حريته المطلقة، من دون أي تدخل مهما كان نوعه في شؤونه.

وقد كان مذهب (عدم تدخل الدولة) هو انعكاس عن هذه النظرة إلى الفرد، أن الدولة لا يحق لها التضحية بمصالح الأفراد، واختياراتهم، أن مقولة ((دعه يعمل)) هي التعبير عن هذا المذهب.

والاتجاه الغربي الديمقراطي هو الذي تبنى هذا الرأي.

وفي مقابل هذا الاتجاه، كان الاتجاه الذي يؤمن بـ (أصالة المجتمع)، فليس الفرد هو القيمة المطلقة التي يجب أن لا تمس، وإنما المجتمع هو الأصل في الوجود الاجتماعي، وهو القيمة المطلقة التي يجب أن لا تمس، وإنما المجتمع هو الأصل في الوجود الاجتماعي، وهو القيمة المطلقة التي يجب الحفاظ عليها، كما هو الهدف الذي يجب التضحية بكل شيء من أجله.

ونحن نلاحظ إن هذا الاتجاه يفترض الاثنينية بين الفرد والمجتمع، فإن كانت الديمقراطية تلتزم أصالة الفرد، فإن هذا الاتجاه يلتزم أصالة المجتمع.

ومهما يكن، فقد كان نتيجة هذا الاتجاه، الالتزام بمذهب (تدخل الدولة)

فمن أجل ضمان المصالح الاجتماعية يكون من حق الدولة التدخل في شؤون الأفراد ولو حساب حرياتهم.

الاتجاه الشرقي (الاشتراكي والشيوعي) هو الذي التزم هذا المذهب.

أما عن المذهب الإسلامي فقد كتب السيد الشهيد قائلاً:

((نرفض إسلامياً المذهب الفردي، أو مذهب عدم التدخل المطلق (أصالة الفرد)، والمذهب الاشتراكي أو (أصالة المجتمع).

ونؤمن بأن وظيفتها – الدولة – تطبيق شريعة السماء التي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع لا بوصفه وجوداً هيغلياً، مقابلاً للفرد، بل بقدر ما يعبر عن أفراد وما يضم من جماهير تتطلب الحماية والرعاية-))[11]

أن وضع المجتمع في مقابل الفرد، وهكذا العكس تركيب غير صحيح، وكلام لا معنى له القول بـ (أصالة المجتمع) أو (أصالة الفرد).

إن المصالح الاجتماعية هي مجموع مصالح الأفراد ومصالح الأفراد مجتمعة هي المصلحة الاجتماعية.

أنه لا بد من الحفاظ على حريات الأفراد، وحقوقهم، واختياراتهم، بالقدر الذي لا يتجاوز الحدود، وبالقدر الذي لا يسيء إلى المصلحة الاجتماعية، ولا يلوث البيئة الاجتماعية.

الإسلام يؤمن إذن بمبدأ (تدخل الدولة)، لكن لا بمعنى استهانة الأفراد، وازدراءهم، أمام صنم المجتمع الوهمي.

والمصالح العامة الاجتماعية ذات قيمة محفوظة، لكن بالمعنى الذي تنعكس على الأفراد، لا بمعنى استلاب حقوق الأفراد كما تمارسه الاشتراكية.

وعلى مستوى الكلام قد تقول الاشتراكية بنفس هذا المنطق، إلا أن ممارستها على صعيد التطبيق كشفت النقاب عن هوية سياستها التي لا تعترف بقيم حقيقية للأفراد، وتجعل من صنم المجتمع عدوا للأفراد يقف أمام مصالحهم وإرادتهم.

كما أننا لا نعترف بمذهب (أصالة الفرد) الذي لا يضع لحرية الأفراد حدوداً وضوابط، والذي يتعامل مع الفرد كما لو كان حيواناً في غابة لا بوصفه عضوا في جماعة إنسانية تكاملية.

إن الفرد يحمل مسئوليته، كما يحمل مسؤولية مجتمعه، وبالتالي فإن من الحق أن يطلب منه السير في خدود ما تسمح به الدائرة الاجتماعية التي هو منها.

أن الدولة إذن تتدخل في شؤون الأفراد، سواء في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الأخرى.

وكما كانت الدولة مسؤولة عن الضمان الاجتماعي، والتوازن الاجتماعي، مسؤولة عن توفير فرص العمل، ومستوى المعيشة، والأمن الاجتماعي، والتعليم المجاني، والخدمات الصحية وغيرها.

كما أشار إلى ذلك السيد الشهيد –[12]فإنها بدورها ذات صلاحيات واسعة تمكنها من السعي لأداء مسئوليتها.

كتب السيد الشهيد:

((لا يقتصر تدخل الدولة على مجرد تطبيق الأحكام الثابتة في الشريعة، بل يمتد إلى ملء منطقة الفراغ من التشريع، فهي تحرص من ناحية على تطبيق العناصر الثابتة من التشريع، وتضع من ناحية أخرى العناصر المتحركة وفقاً للظروف))[13]

وبشكل مفصل تحدث السيد الشهيد عن منطقة الفراغ هذه، لماذا وضعت؟ وما هي شروط التحرك فيها؟

وما هو دليل جواز التحرك في هذه المنطقة، الذي يعني تدخل الدولة؟

ليس من قصدنا فعلاً تناول هذه المسألة بشكلها المعروض في اقتصادنا.

وإنما نؤثر أن ننقل للقارئ هذا مقطع من كلام السيد الشهيد:

وحدود منطقة الفراغ التي تتسع لها صلاحيات أولي الأمر، تضم … كل فعل مباح تشريعياً بطبيعته، فأي نشاط وعمل لم يرد نص تشريعي يدل على حرمته أو وجوبه..يسمح لولي الأمر بإعطائه صفة ثانوية، بالمنع عنه أو الأمر به.

فإذ منع الإمام عن فعل مباح بطبيعته أصبح حراماً، وإذا أمر به أصبح واجباً، وأما الأفعال التي ثبت تشريعياً تحريمها بشكل عام، كالربا مثلاً، فليس من حق ولي الأمر، الأمر بها، كما أن الفعل الذي حكمت الشريعة بوجوبه، كأنفاق الزوج على زوجته، لا يمكن لولي الأمر المنع عنه، لأن طاعة أولى الأمر مفروضة الحدود التي لا تتعارض مع طاعة الله وأحكامه العامة.

فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكل منطقة الفراغ))[14]

ومنطقة الفراغ التي يحق للدولة التدخل فيها تستوعب كل المجالات الاجتماعية، بما فيها السياسة.

فكما يحق للدولة فرض الضرائب، أو تحديد الأسعار، أو وضع حد للملكية، يحق لها التدخل في مجال النشاطات السياسية الأخرى.

الدولة والأمة

أن الصراع الفكري والسياسي القائم بين المذاهب السياسية المعاصرة يتمركز حول هذه النقطة بالذات: العلاقة بين الدولة والأمة. ولقسمت المذاهب السياسية إلى ديمقراطية تؤمن بأن الأمة هي مصدر السيادة، وإلى شيوعية تؤمن بحكومة الحزب، وديكتاتورية الحزب (حزب الطبقة العاملة)، وإلى مذاهب أخرى تتأرجح بين اليمين واليسار.

وليست هذه المسألة قليلة الأهمية في السياسة الإسلامية وقد عرض لها السيد الشهيد سريعاً في (لمحة فقهية)، فأعطانا وجهة النظر الإسلامية فيها.

ومرة أخرى نؤكد أن عرض السيد الشهيد لهذه المسألة ولغيرها من المسائل السياسية كان عرض لمحات وليس عرض تفاصيل واستدلال كما هو في مجال الاقتصاد الإسلامي، والفلسفة الإسلامية.

كما نؤكد مرة أخرى على أن مسئوليتنا في هذا الكتاب لا تسمح لنا تجاوز ما كتبه السيد الشهيد، والشروع بدراسة مفصلة للمادة. ومن هنا فإننا نعتذر للنظرية الإسلامية السياسية أولا، إذ لا نعطيها حقها في هذا المجال، ونأمل أن نوفق لدراستها وعرضها مفصلاً في كتاب غير هذا الكتاب إن شاء الله.

كما نعتذر للقارئ الكريم إذ لا نتوسع بدراسة المسألة بشكل مفصل ومستدل ومقارن.

يقارن السيد الشهيد – حول مسألة الدولة والأمة – بين الديمقراطية والإسلام فيقول:

((الأمة هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطي، وهي محط الخلافة ومحط المسؤولية أمام الله تعالى في النظام الإسلامي))[15]

وهنا يأتي الحديث عن نظرية الخلافة، ماذا تعني؟

مفهوم الإسلام الأساسي عن الخلافة هو أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم، وقيادة الكون، وأعماره اجتماعياً وطبيعياً، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم، وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله.

وعملية الاستخلاف الرباني للجماعة على الأرض تعني كما يتحدث السيد الشهيد:

أولاً: انتماء الجماعة البشرية إلى محور واحد وهو االمستخلف … وهذا هو التوحيد الخالص الذي قام على أساسه الإسلام…

ثانياً: إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلصة لله، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء، التي تمثل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها)

ثالثاً: تجسيد روح الأخوة العامة في كل العلاقات الاجتماعية… فما دام الله سبحانه وتعالى واحد، ولا سيادة إلا له، والناس جميعاً عباده ومتساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا أخوة متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق..

رابعاً: أن الخلافة استئمان ولهذا عبر القرآن الكريم عنها.. بالأمانة، والأمانة تفترض المسؤولية والإحساس بالواجب.[16]

هذه هي نظرية الخلافة في المفهوم الإسلامي. وهنا يبرز الفرق بينها وبين الديمقراطية، فالجماعة الإنسانية في المفهوم الإسلامي هي الخليفة أما في المفهوم الديمقراطي هي الحاكمة.

الجماعة في هذه الأنظمة – الديمقراطية – هي صاحبة السيادة، ولا تنوب عن الله في ممارستها، ويترتب على ذلك أنها ليست مسؤولة بين يدي أحد، وغير ملزمة بمقياس موضوعي في الحكم.

… وعلى العكس من ذلك حكم الجماعة القائم على أساس الاستخلاف، فإنه حكم مسؤول والجماعة فيه ملزمة بتطبيق الحق والعدل ورفض الظلم والطغيان،، وليست مخيرة بين هذا وذاك[17].

ونظرية الخلافة لا تسلب الأمة حق الحكم، إنما تكون هي الحاكمة لكن على أساس الاستخلاف.

وهذا يعني ((أن الأمة هي صاحبة الحق في الرعاية، وحمل الأمانة، وأفرادها جميعاً متساوون في هذا الحق أمام القانون، ولكل منهم التعبير من خلال ممارسة هذا الحق عن آرائه وأفكاره وممارسة العمل السياسي بمختلف أشكاله، كما أن لهم جميعاً ممارسة شعائرهم الدينية والمذهبية))[18]

وحينما نقول أن الأمة حاكمة على أساس الاستخلاف، فإن هذا يفترض حكومتها على أساس الدستور الإلهي، وضمن حدوده.

على أنه يفترض شيئاً آخر وهو (رقابة نائب الإمام) الذي أعطته الشريعة الإسلامية هذا الموقع.

كتب السيد الشهيد:

((الخلافة العامة للأمة على أساس قاعدة الشورى التي تمنحها حق ممارسة أمورها بنفسها، ضمن إطار الأشراف والرقابة الدستورية من نائب الإمام))[19]

وفي ضوء هذه النظرية يجب أن نحدد علاقة الأمة بالدولة، وما هي صلاحيات الأمة، وحدود حاكميتها، وهنا نلاحظ ما يلي:-

(1) إن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية قد أسندت ممارستها إلى الأمة، فالأمة هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة التي يعينها الدستور.

وهذا الحق حق استخلاف ورعاية مستمد من مصدر السلطات الحقيقي وهو الله تعالى.

وبهذا ترتفع الأمة وهي تمارس السلطة إلى قمة شعوريا بالمسؤولية، لأنها تدرك بأنها تنصرف بوصفها خليفة الله في الأرض…[20]

أما كيف تمارس الأمة سلطتها التنفيذية والتشريعية، فذلك ما يضعه لنا السيد الشهيد في طريقين:

أولاً: يعود إلى الأمة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية بعد أن يتم ترشيحه من المرجعية،.. أو يمضى ترشيح الفرد أو الأفراد الذين يتقدمون للنفوذ بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية

ثانياً: ينبثق عن الأمة بالانتخاب المباشر مجلس، وهو مجلس أهل الحل والعقد، ويمارس هذا المجلس مهمات السلطة التشريعية، وإقرار أعضاء الحكومة التي يشكلها رئيس السلطة التنفيذية..[21]

المرجع العام

بقى موضوع المرجع العام (نائب الإمام) الذي يشرف على سير الأمة وكل أجهزة الدولة وسلطاتها وله القيمومة عليها.

ما هي لعاقة الأمة بهذا المرجع؟ وما هو دورها في اختياره وتشخيصه؟

الحقيقة أن المرجع العام ليس مفروضاً على الأمة، وإنما هي التي تختاره لنفسها مرجعاً، بعد توفر الصفات الخاصة التي فرضها الله فيه فهي مره أخرى إذن صاحبة الاختيار، وصاحبة الرأي.

هكذا كتب السيد الشهيد: ((المرجع.. معين من قبل الله تعالى بالصفات والخصائص… ومعين من قبل الأمة بالشخص، إذ تقع على الأمة مسؤولية الاختيار الواعي له))[22]

وعلى هذا الأساس نستطيع أن ننتهي إلى هذه النتيجة: خط الخلافة ينتقل إليها – الأمة – فهي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية بتطبيق أحكام الله ، وعلى أساس الركائز المتقدمة، للاستخلاف))[23]

ويؤكد السيد الشهيد القول :

((  من الضروري أن نلاحظ أن المرجع ليس شهيداً على الأمة فقط، بل هو جزء منها أيضاً ، وهو عادة من أوعى أفراد الأمة وأكثرها عطاءاً ونزاهة .

وعلى هذا الأساس، وبوصفه جزءا من الأمة يحتل موقعاً من الخلافة العامة للإنسان على الأرض، وله رأيه في المشاكل الزمنية وأوضاعها السياسية بقدر ما له من وجود في الأمة ، وامتداد اجتماعي وسياسي في صفوفها))[24]

حول الحكومة

نستطيع أن نضع مسألتين حول الحكومة الأولى : مسلة محتوى الحكومة، والثانية،مسألة شكل الحكومة. وحول هاتين المسألتين يمكن أن نستخلص شيئاً مهما مما كتبه السيد الشهيد، وذلك ما سنعرضه في هذا الفصل إن شاء الله .

  • الحكومة شكلاً ومحتوى
  • محتوى الحكومة

محتوى الحكومة مصطلح يقصد به أيديولوجية الحكومة، والأهداف التي تنطلق منها، وتسير نحوها والأساس الاجتماعي الذي تعتمد عليه وطريقة ممارستها للحكم من ناحية أخلاقية.

والحومة الإسلامية تختلف في محتواها أساسياً وجوهرياً عن الحكومات الأخرى سواء الشيوعية منها والاشتراكية أو الديمقراطية.

وفيما يلي نستوضح محتوى الحكومة الإسلامية في النقاط التالية :

الأساس العقائدي : –

التوحيد هو الأساس الذي تعتمد الحكومة الإسلامية، وعلى ذلك فانا نستطيع التعبير عنها بأنها حكومة توحيدية .

والتوحيد ليس مجرد عقيدة مفصولة عن عطاءاتها العملية والسياسية .

وانما الأساس التوحيدي ينسحب على أهداف وأخلاقية الحكومة الإسلامية.

الأساس التوحيدي يعني ما يلي:

1– انتماء الجماعة البشرية إلى محور واحد هو الله سبحانه وتعالى .

2– إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلصة لله، وتحرير الإنسان من عبودية الآلهة المزيفة التي تمثل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت.

3– تجسيد روح الأخوة العامة في كل العلاقات الاجتماعية[25].

وفيما يتعلق بالأهداف والطموحات فإن الحكومة الإسلامية تضع الله هدفاً للمسيرة الأساسية وتطرح صفات الله وأخلاقه كمعالم لهذا لهدف الكبير.

وهنا يختلف التصور الإسلامي للحكومة عن المادية التاريخية التي وضعت للمسيرة الإنسانية هدفاً لا واعياً وهو إزالة العوائق الاجتماعية عن نمو القوى المنتجة ووسائل الإنتاج وذلك بالقضاء على الملكية الخاصة وإقامة المجتمع الشيوعي.

وإذا كان هذا هو هدف المسيرة فهذا يعني إنها ستتوقف وإن التطور سيتجمد في اللحظة التي يقوم فيها المجتمع الشيوعي.

أما في التصور الإسلامي إذا كان الله هو الهدف فكلما اقتربت الإنسانية خطوة نحو هذا الهدف انفتحت أمامها آفاق أخرى أرحب، لأن الإنسان المحدود لا يمكن أن يصل إلى الله المطلق…[26]

وإذا كانت الحكومة الإسلامية توحيدية في محتواها كان بالإمكان أن نقرر ما كتبه السيد الشهيد في (لمحة فقهية عن الدستور).

((إن الله سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات جميعاً. وهذه الحقيقة الكبرى تعتبر أعظم ثورة شنها الأنبياء وما رسوها في معركتهم من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان.

وتعني هذه الحقيقة أن الإنسان حر ولا سيادة لإنسان آخر أو الطبقة أو لأي مجموعة بشرية عليه، وإنما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حد نهائي لكل ألوان التحكم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان.

وهذه السيادة لله تعالى التي دعي إليها الأنبياء تحت شعار (لا إله ألا الله) اختلافاً أساسياً عن الحق الإلهي الذي استغله الطغاة والملوك والجبابرة قرونا من الزمن للتحكم والسيطرة على الآخرين. فإن هؤلاء وضعوا السيادة أسمياً لله لكي يحتكروها واقعياً وينصبوا من أنفسهم خلفاء لله على الأرض))[27]

الأساس الأخلاقي:

ما هو الأساس الأخلاقي الذي تعتمده الحكومة؟

وما هي الأخلاقية التي تسير في ضوءها؟

بالاتفاق فإن الحكومة يجب أن تسعى لتحقيق المصالح الاجتماعية، والإسلام في هذه النقطة لا يختلف مع التيارات والمذاهب السياسية الأخرى، فالحكومة الإسلامية من مهامها ومسؤولياتها الأساسية توفير الصالح العام.

إلا أن هنا مجالاً للتساؤل:

هل تعتمد الحكومة الأساس المصلحي النفعي في سياستها واخلاقيتها؟

أو أن هناك مبادئ ومثل إنسانية حقه هي التي تحدد طريقة المسيرة؟

الحكومة الإسلامية تضع (الحق والعدالة) أساساً أخلاقياً لسياستها، وهي لا تهدف لتطبيق الحق والعدالة فقط، وإنما تمارس خطواتها أيضاً نحو هذا الهدف في ضوء ما يمليه هذا الهدف نفسه.

فهي إذن تهدف إلى العدالة، وتمارس العدالة، وهذه هي الميزة المهمة في الحكومة الإسلامية وينتج من ذلك أن الحكومة الإسلامية تتعامل على الساحة الدولية لأعلى أساس الاستغلال وامتصاص الشعوب الضعيفة، كما تصنع الحضارة الغربية، ولا على أساس المصالح المتبادلة كما تدعي هذه الحضارة، بل على أساس الحق والعدل ومقاومة الاستعمار والطغيان، وبخاصة في العالم الإسلامي))[28].

ومن أخلاقية السياسة ننتقل إلى أخلاقية الحاكم نفسه. وهنا مرة أخرى يختلف محتوى الحكومة – الذي يعبر عنه أشخاص الحاكمين – بين الإسلام والمذاهب السياسية الأخرى. فالحاكمون في الدولة الإسلامية يعيشون مواطنين اعتياد بين في حياتهم الخاصة وسلوكهم مع الناس ومساكنهم التي يسكنونها وعلاقاتهم مع الآخرين.

وتاريخ التجربة الإسلامية وواقعها المعاصر شاهدان حيان على ذلك، ففي تاريخ التجربة وقف رئيس الدولة الإسلامية الإمام علي (ع) بين يدي القاضي مع مواطن اعتيادي شكاه إلى القاضي فأحضرهما القضاء لكي يقضي بينهما.

ويستمر السيد الشهيد في حديثه عن أخلاقية الحاكم في الدولة الإسلامية، وينتقل من تاريخ التجربة الإسلامية في عهد الرسول (ص) وما بعده، إلى الواقع المعاصر الذي تعيشه التجربة الإسلامية في إيران.

فيقول:

((وإذا تجاوزنا تاريخ التجربة إلى واقعها المعاصر وجدنا ذلك العلوي العظيم الذي قاد كفاح شعبه تحت راية الإسلام حتى نصره الله وسقطت في يده إمبراطورية الشاه بكل خزائنها ورجع إلى بلده رجوع الفاتحين، لم يؤثر على بيته القديم بيتاً، بل عاد إلى نفس البيت الذي نفاه الجبارون منه قبل عشرين عاماً تقريباً…))[29]

ويلاحظ السيد الشهيد أن أخلاقية الحاكم في الحكومة الإسلامية هي واقع عملي، وليست بنوداً مسطورة في الدستور دون أن تنعكس على سلوك الحاكمين.

فما أسهلها من لعبة تشريعية على الطغاة والجبارين أن يصوغوا للشعوب التي يحكومنها دساتيرها، ويملأون هذه الدساتير بمفاهيم المساواة بين الحاكم والمحكومين، ولكنها تضل في واقع الحياة مجرد ألفاظ لإعطاء فيها ولأبناء، وليس لها من دور إلا التستر على واقع التناقض بين حياة الحاكم وحياة المحكومين وامتيازات الحاكم وهوان المحكومين.

الأساس الاجتماعي:-

الماركسية تتحدث أن الطبقة هي التي تحدد محتوى الحكومة

فالدولة أما أن تكون دولة رقيق أو دولة إقطاعية أو برجوازية أو رأسمالية، أو بروليتارية أو اشتراكية. وكل دولة هي ديكتاتورية طبقه

هكذا كتب بوليتزر[30].

ويتساءل:

هل الدولة السوفياتية هي دولة العمال والفلاحين؟ ثم يجيب:

أجل، لأن أساس الاتحاد الحكومة إذن – في التصور الماركسي – هي حكومة طبقة وليست حكومة شعب.

وإذا كنا نحاول دراسة وتقييم الواقع الخارجي للحكومات في دول العالم، فربما كان صحيحاً أن الحكومات القائمة لا تمثل تماماً شعوبها، وإنما تمثل طبقة، أو فئة اجتماعية، أو طائفة دينية، أو عائلة مالكة، وهكذا.

إلا أن الماركسية لا تريد أن تحكم على الواقع الخارجي، وإنما تقول:

هكذا هي الحكومات، ويجب أن تكون هكذا! ولا يمكن غير ذلك؟ وحتى في الشيوعية المنتصرة فإن طبقة العمال هي التي تحكم، وتمارس ديكتاتوريتها.

إذن فالأساس الاجتماعي للحكومة في هذا الضوء هو أساس طبقي. أما في الإسلام فهذا الأساس مرفوض!

أن الحكومة التي يطمح إليها الإسلام تعتمد على أساس الإنسان، على أساس الشعب كله، وليس على أساس الطبقة، مهما كان نوع تلك الطبقة وحجمها.

والحكومة الإسلامية في هذا الطموح تنطلق من أساسها العقائدي، ومن أساسها الأخلاقي، فما دام الناس كلهم خلفاء لله، وما دامت موازين الحق والعدالة هي التي يجب أن تحكم، إذن فالمجتمع بكل أفراده، وقطاعاته، وطبقاته، ومذاهبه، يجب أن، يشارك في الحكم، ويمارس عملية استخلافه في الأرض.

ربما يتطلب منا هذا الموضوع شرحاً أكثر، إلا أننا نقف في الحدود التي وقف فيها السيد الشهيد، من حيث أنا نسطر أفكاره، ونأمل – بحول الله – أن نوفق لذلك غير هذا الكتاب.

لقد كتب السيد الشهيد:

((الشريعة الإسلام التي وضعت مثلاً مبدأ الملكية العامة، وملكية الخاصة لم تعبر بذلك عن نتاج صراع طبقي أو تقديم لصالح هذا الجزء من المجتمع على ذلك الجزء، وإنما عبرت عن موازين العدل، والحق، ولهذا سبقت بذلك تاريخياً كل المبررات المادية، أو الطبقية لظهور هذا اللون من التشريع))[31]

شكل الحكومة

من دون النظر إلى المحتوى.

ومهما كان المحتوى.

فإن (شكل الحكومة) يقصد به (شكل الجاهز الحاكم)، والطريقة التي يحكم بها.

وعلى مدى التاريخ فقد تعددت أشكال الحكومة، كما أن المذاهب السياسية مختلفة في تقييمها لتلك الأشكال.

هناك حكومات فردية، وحكومات ارستقراطية، وحكومات ديمقراطية، كما هناك حكومات ملكية وأخرى جمهورية، إلى أشكال أخرى للجهاز الحاكم وطريقة حكمه، وليس من قصدنا دراسة هذه الأشكال، وحتى استعراضها.

إنما نقصد إلى عرض (شكل الحكومة الإسلامية) بالحدود التي تناولها السيد الشهيد.

حكومة دستورية: ((من ناحية شكل الحكومة تعتبر الحكومة قانونية، أن تتقيد بالقانون على أروع وجه، لأن الشريعة تسيطر على الحاكم والمحكومين على السواء))[32]

هكذا تحدث الصدر.

يمكن تصنيف الحكومة الإسلامية في عداد الحكومات الدستورية، التي تعتبر لائحة الدستور فيها هي ميزان العمل فالحكومة الإسلامية ترفض العمل انطلاقاً من الأهواء، أو على أساس المصالح والرغبات الشخصية، وتضع الدستور فوق الأشخاص، وفوق الانتماءات، وفوق المصالح الخاصة.

ولكن فرقاً كبيراً يبقى بين الحكومة الإسلامية والحكومات الدستورية الأخرى، ولقد تحدث السيد الشهيد عن هذا الفرق بالقول:

((الدستورية كله من صنع الإنسان في النظام الديمقراطي، ويمثل على أفضل تقدير، وفي لحظات مثالية تحكم الأكثرية في الأقلية.

بينما تمثل الثابتة من الدستور شريعة الله تعالى وعدالته التي تضمن موضوعية الدستور وعدم تحيزه))[33]

والحقيقة أن هذا الفرق بين دستورية الحكومة الإسلامية، ودستورية الحكومات الديمقراطية، ينشأ من الخلاف في النظرة إلى الأمة وموقعها، فبينما الأمة هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطي، هي محط الخلافة ومحط المسؤولية أمام الله تعالى في النظام الإسلامي على حديث تقدم في ذلك.

حكومة الأمة وقيمومة الفقيه:

كتب الصدر:

((النظرية الإسلامية ترفض الملكية، أي النظام الملكي، وترفض الحكومة الفردية بكل أشكالها، وترفض الحكومة الأرستقراطية))[34]

أن مراجعة الأسس السابقة توضح لنا لماذا نرفض إسلامياً الحكومة الفردية، والحكومة الأرستقراطية التي تتقدم فيها إلى دست الحكم الأقلية الممتازة، وما يسمى به (حكومة الصفوة). الناس كلهم متساوون في العبودية لله، كما هم متساوون في الخلافة عنه، إذن فهم المسؤولون جميعاً عن تحمل أمانة الاستخلاف.

ولا معنى لتحكم الفرد، أو تحكم الصفوة.

من ناحية أخرى فإن حكومة (الحزب الواحد) مرفوضة في الإسلام أيضاً.

والماركسية هي التي تنبت حكومة الحزب الواحد، بوصفه الحزب الطليعي، الذي يستطيع أن يعبر عن مصالح الجماهير، ولم تمتنع الماركسية من أن تنطلق على حكومتها سمة الديمقراطية، في الوقت الذي يحرم كل أحد من التعبير عن رأيه سوى الحزب، وقادة الحزب، ولندع الماركسية تقول أنهم (الديمقراطية الشعبية)!

على أي حال هذه أيضاً مرفوضة إسلامياً، إذن ما هو شكل الحكومة في النظرية الإسلامية؟

الحكومة الإسلامية هي:

حكومة الأمة، إشراف الفقيه المرجع

فالأمة بكل قطاعاتها، وقنواتها هي المستخلفة على أعمار الأرض، وإنجاح التجربة الإنسانية، إذن فهي الخليفة.

والفقيه هو الشهيد على الأمة، والرقيب لسيرها في تجربتها ضمن الحدود والخطوط التي وضعها الله لسير الأمة.

فالنظرية الإسلامية إذن هكذا[35].

هذا الموضوع بحثه السيد الشهيد بشكل معمق وتفصيلي ومستدل إلى حد ما في كتاب (خلافة الإنسان، وشهادة الأنبياء). حيث رسم خطين يمارس الإنسان من خلالهما تجربته الإنسانية، وهما خط الخلافة الموكول إلى الأمة وخط الشهادة الموكول إلى الأنبياء ثم الأوصياء ثم المرجعية.

((وهكذا وزع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطين بين المرجع والأمة، بين الاجتهاد الشرعي والشورى الزمنية، فلم يشأ أن تمارس الأمة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها، ويشرف على سلامة المسيرة، ويحدد لها معالم الطريق من الناحية الإسلامية، ولم يشأ من الناحية الأخرى أن يحصر الخطين معاً في فرد..))[36]

هنا أيضاً تختلف النظرية الإسلامية في الحكم عن الديمقراطية.

فالإسلام في الوقت الذي يعطي حق الحكم للأمة – كما تفترض الديمقراطية أيضاً – أعطى حق الأشراف والقيمومة والتوجيه للمرجع الفقيه، أما في الديمقراطية فالأمة نفسها تتكفل دور ممارسة التجربة (الخلافة) ودور تقييم وتقويم تلك الممارسة (الشهادة)

بينما من المؤكد أن الأمة – وهي بعد لم تبلغ درجة العصمة – لا تستغني عن الشهيد الذي هو – حسب الفرض كما يأتي – أكثر منها عمقاً، واستيعاباً للرسالة.

نقرأ معاً هذا النص للشهيد العظيم:

((حيث لا يوجد على الساحة فرد معصوم – بل مرجع شهيد – ولا أمة قد أنجزت ثورياً بصورة كاملة، وأصبحت معصومة في رؤيتها النوعية – بل أمه لا تزال في أول الطريق، فلا بد أن تشترك المرجعية والأمة في ممارسة الدور الاجتماعي الرباني بتوزيع خطي الخلافة والشهادة وفقاً لما تقدم))[37]

ولاية الفقيه وقيادة المرجعية.

في ضوء ما كتبه السيد الصدر عن قيادة المرجعية نستطيع أن نضع هذه النتيجة!

أن الولاية بمعنى القيمومة – على نحوين:-

الولاية الخاصة.

والولاية العامة.

الولاية الخاصة هي قيمومة الفقيه في حدود أتباعه ومقلديه ومراجعيه.

والولاية العامة هي القيمومة على الأمة الإسلامية كلها، بحيث تكون كلمة الفقيه نافذة المفعول شرعاً لاتباعه في التقليد وغيرهم، وهذا المعنى هو الذي اصطلحنا عليه بالقيادة.

والسيد الشهيد يؤمن بولاية الفقيه، سواء كان مرجعاً للأمة أم لا، ولاية خاصة ، أما الولاية العامة فهي من شؤون الفقيه المرجع.

والتفرقة بين الفقيه والمرجع واضحة، الفقيه هو الذي استوعب الشريعة، وبلغ درجة الاجتهاد، وسمح لعامة الناس بتقليده والرجوع إليه في شؤونهم الشرعية.

أما المرجع فهو الفقيه الذي رجعت إليه الأمة، بالفعل ونفذ في أعماقها، إلى حد أصبح يملك وجوداً اجتماعياً يمكنه من ممارسة قيادة الأمة وتوجيهها نسبة إلى عمق وجوده في أوساطها.

وعلى هذا الأساس فإن من المعقول أن نفترض فقيهاً بلغ درجة الاجتهاد، إلا أنه ليس معروفاً في أوساط الأمة، ولا قادراً على التأثير فيها، ومثل هذا الفقيه ليس مرجعاً إذن.

يؤكد السيد الشهيد بأن القيم على الأمة، والشرق على شؤونها، والذي تناط به مسؤولية قيادة الأمة الإسلامية، إنما هو المرجع، وليس كل فقيه!

فالمرجع إذن هو الشهيد على الأمة، وهو الذي يمثل خط الشهادة بينما تتحمل الأمة خط الخلافة كما تقدم.

كتب الإمام الصدر:

((من هنا أمكن القول بأن خط الشهادة – بمعنى القيمومة – والإشراف – يمثل:

أولاً: في الأنبياء.

وثانياً: في الأئمة …

وثالثاً: في المرجعية التي تعتبر امتداداً رشيداً للنبي والإمام في خط الشهادة))[38]

وحين تحدث السيد الشهيد عن المرجعية قال:

((المرجعية حقيقة اجتماعية موضوعية في الأمة)) والذي يمثل هذه المقولة ((يجب أن تكون مرجعيته بالفعل في الأمة، بالطرق الطبيعية المتبعة تاريخياً)).

((ويؤيد الترشيح – أي ترشيحه للمرجعية – من قبل عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية، كعلماء وطلبة في الحوزة، وعلماء وكلاء، وأئمة مساجد وخطباء، ومؤلفين ومفكرين إسلاميين))[39]

شروط المرجع القائد:-

تحدث السيد الشهيد عن شروط المرجع القائد، ولخصها فيما يلي:.

العدالة، وهي الوسيطة والاعتدال في السلوك الذي عبر عنه القرآن الكريم في قوله ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس))

العلم واستيعاب الرسالة الذي هو استحفاظ الكتاب حسب تعبير القرآن الكريم ((بما استحفظوا من كتاب الله، وكانوا عليه شهداء)).

الوعي على الواقع القائم، وهذا الشرط مستبطن في الرقابة التي يفترضها مقام الشهادة، إذ لا معنى للرقابة بدون وعي وإدراك يراد من الشهيد – القائد – مراقبته من ظروف وأحوال.

الكفاءة والجدارة النفسية التي ترتبط بالحكومة والتعقل والصبر والشجاعة.[40]

مسؤوليات المرجع:

تحدث السيد الشهيد عن مسؤوليات المرجع ولخصها بما يلي:

أولاً:- يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة ويرد عنها كيد الكائدين وشبهات الكافرين والفاسقين.

ثانياً:- أن يكون هذا المرجع (مجتهداً)[41] في بيان أحكام الإسلام ومفاهيمه، ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للأمة من الناحية الإسلامية، وتمتد مرجعيته…

لا للعناصر الثابتة من التشريع في المجتمع الإسلامي فقط، بل للعناصر المتحركة الزمنية أيضاً، باعتباره هو الممثل الأعلى للأيديولوجية الإسلامية.

ثالثاً:- أن يكون مشرفاً ورقيباً على الأمة، وتفرض عليه هذه الرقابة عليه أن يتدخل لإعادة الأمور إلى نصابها إذا انحرفت عن طريقها الصحيح إسلامياً…[42]

وفي (لمحة فقهية) حدد السيد الشهيد مسؤوليات المرجع بشكل أكثر تفصيلاً فيما يلي:

المرجع هو الممثل الأعلى للدولة، والقائد الأعلى للجيش.

المرجع هو الذي يرشح أو يمضي ترشيح الفرد أو الأفراد الذين يتقدمون للفوز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذية.

على المرجعية تعيين الموقف الدستوري للشريعة الإسلامية. عليها البت في دستورية القوانين التي يقننها مجلس أهل الحل والعقد – مجلس الشورى – لملء منطقة الفراغ.

إنشاء محكمة عليا للمحاسبة في كل مخالفة محتملة في المجالات السابقة.

إنشاء ديوان المظالم في كل البلاد لدراسة لوائح الشكاوى والمتظلمين وإجراء المناسب بشأنها.

وإلى هنا ننتهي في عرض ما سجله شهيدنا الخالد، ومفكرنا العظيم، تسجيلاً سريعاً في مجال الفكر السياسي.

ويجب  في الختام أن نشير إلى حقيقتين:

الحقيقة الأولى: أن المسائل التي عرضنا لها في هذا الكتاب كانت منا شرحاً، ودراسة. وعمقاً أكثر، وما زلنا نلاحظ أن عرضنا لها كان سطحياً ومختصراً، نسبة إلى عمق النظريات المطروحة، وتشعب الكلام فيها، إلا أننا كما أوضحنا للقارئ أكثر من مرة لم نهدف إلى أعداد دراسة حول المسائل السياسية المعروضة، بقدر ما استهدفنا عرض كتابات السيد الشهيد، والسيد الشهيد لم يكتب فيها إلى سريعاً ومختصراً، على أننا نأمل أن نكون قد أعطينا فكرة واضحة ومقبولة – إلى حد ما – فيما عرضنا له من المسائل والتصورات السياسية.

الحقيقة الثانية:- إننا نؤكد للأمانة العلمية، والصدق في نقل الأفكار، أننا عرضنا أفكار السيد الشهيد في حدود فهمنا لها، وفي حدود ما تفيده كتاباته فيها، وعلى عهدتنا تقع مسؤولية الخطأ إن كان هناك خطأ، والله العاصم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

((ربنا أفرغ علينا صبراً، وثبت أقدامنا، وأنصرنا على القوم الكافرين)).

المصادر الواردة في الكتاب حسب التسلسل

مذكرات تاريخية عن حركة جماعة العلماء للسيد محمد باقر الحكيم.

لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران للإمام الشهيد محمد باقر الصدر.

اقتصادنا للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.

منابع القدرة في الدولة الإسلامية للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.

خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي للإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر.

صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي للإمام الشهيد محمد باقر الصدر.

خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء للإمام الشهيد محمد باقر الصدر.

أصول الفلسفة الماركسية.. جورج بولتيزر.

صدر الدين القبانجي

[1] مذكرات تاريخية عن حركة جماعة العلماء – السيد محمد باقر الحكيم

[2] انظر (لمحة فقهية) ص10

[3] انظر (اقتصادنا) 248 – 249.

[4] انظر لمحه فقهية 9-12

[5] المصدر السابق.

[6] انظر منابع القدرة في الدولة الإسلامية – 5

[7] انظر (خطوط تفصيلية عن اقتصاد المجتمع الإسلامي) القسم الثاني.

[8] وبشكل أكثر تفصيلاً في اقتصادنا – مسؤولية الدولة في الاقتصاد الإسلامي 695 – 728.

[9] انظر لمحة فقهية – 29

[10] انظر (لمحه فقهية) 30 – 31.

[11] انظر (صوره عن اقتصاد المجتمع الإسلامي) 45-47.

[12] انظر (صوره عن اقتصاد المجتمع الإسلامي) – 45 –47.

[13] انظر (اقتصادنا) – مبدأ تدخل الدولة – 721.

[14] انظر لمحة فقهية 36.

[15] لمحه فقهية – 360.

[16] انظر (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) 8 – 16.

[17] المصدر السابق.

[18] لمحه فقهية – 29

[19] لمحه فقهية – 36

[20] لمحه فقهية –23-24.

[21] لمحه فقهية –24-25 مع تغيير في العبارة اختصاراً.

[22] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء – 52 – 53.

[23] المصدر السابق – 53.

[24] المصدر السابق – 55.

[25] مع تصرف قليل عن خلافة الإنسان – 13.

[26] انظر منابع القدرة – 8 – 10

[27]. لمحه فقهية – 20 – 21.

[28] لمحة فقهية – 31

[29] انظر (منابع القدرة) 20 – 23.

[30] انظر (أصول الفلسفة الماركسية) الجزء الثاني – 248

[31] انظر (لمحه فقهية) – 36.

[32] لمحه فقهية – 35.

[33] المصدر السابق 36.

[34] لمحه فقهية – 35.

[35] انظر (خلافة الإنسان) 54 – 55

[36] في موضوع (ولاية الفقيه وقيادة المرجعية) سنستوعب الحديث – إنشاء الله – فيما يتعلق بشهادة الفقيه.

[37] (خلافة الإنسان) – 55.

[38] خلافة الإنسان – 22

[39] انظر (لمحه فقهية) – 28

[40] انظر (خلافة الإنسان) 25 – 26.

[41] تشير إلى أن هذه الكلمة ساقطة من الكتاب.

[42] المصدر السابق. 52