دراسة مبدأ العدالة في الحكم الاقتصادي وفق نظرية الشهيد الصدر مع التركيز على العدالة التوزيعية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بررسی اصل عدالت در حکمرانی اقتصادی مبتنی‌بر نظریه شهید صدر (با تأکید بر عدالت توزیعی) ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: أحد المجالات الأساسية في إدارة أي دولة هو مجال الاقتصاد، حيث تتمثل الرسالة الرئيسية للدولة في إقامة التوازن الاجتماعي، وإزالة التمييز، وتمهيد الطريق لتحقيق أقصى استفادة لأفراد المجتمع من الإمكانات والنعم العامة. يتم تحليل هذه المسؤوليات في إطار المعرفة الحديثة للحكم الاقتصادي. في هذا البحث، سُعي إلى إعادة قراءة وتحليل مكانة العدالة في الحكم الاقتصادي بالاعتماد على آراء ونظريات آية الله الشهيد سيد محمد باقر الصدر علميًا. ونظرًا لأن إقامة العدل والتوازن الاقتصادي من المهام المحورية للحكم الإسلامي، فإن القضية الأساسية في هذه المقالة هي توضيح عناصر العدالة التوزيعية الاستراتيجية في هذا النظام الفكري. وتُظهر نتائج البحث أن تحقيق العدالة في نموذج الحكم الاقتصادي الإسلامي يتطلب توزيعًا متوازنًا وعادلاً لفرص العمل، والفرص التعليمية، والدخول، والأنفال، والمعلومات؛ بحيث يتم ضمان الحد الأدنى من المعيشة للجميع، وتوفير بيئة للاستفادة المتساوية من الموارد والثروات العامة لجميع أفراد المجتمع.

المؤلف: مهدی رعایائی، محسن داودآبادی فراهانی

المصدر: تحقیقات بنیادین علوم انسانی، ربيع 1400، العدد 22، ص 107 إلى 131.

1. المقدمة وبيان المشكلة

في الفكر الديني، مقصد الحكم وتولي الأمور هو إقامة الحق والعدل بين الناس، وقد كلف الأنبياء الإلهيون بإقامة العدل. وقد ورد في آيات متعددة من القرآن الكريم تأكيد على هذه النقطة، بأن إقامة العدل والإنصاف أمر إقامِيّ، ولا يمكن أن يتم تلقائيًا وبدون تدخل الحكم الإسلامي: «لَقَد أَرسَلنا رُسُلَنا بِالبَيناتِ وَأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالميزانَ لِيقومَ النّاسُ بِالقِسطِ» (حدید: ٢۵‌)؛ «يا‌ أَيهَا‌ الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا قوَّامِينَ بالْقِسْطِ» (نساء: ١٣۵).

وقد تم توضيح هذا الأمر المهم بوضوح في قول أمير المؤمنين (عليه السلام). حيث يقول في شأن مقصد الحكم والولاية: «وَاللَّهِ لَهِي أَحَبُّ‌ إِلَي‌ مِنْ‌ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا» (نهج‌البلاغه: خطبه 33‌)؛ أي والله إن هذا [النعلين] أحب إليّ من حكمكم، إلا أن أقيم حقًا أو أدفع باطلاً. ويعتبر (عليه السلام) أن مقصد كل النضالات والجهود والقوة في إدارة الأمور هو العدالة.

أحد المجالات المهمة في المجتمع، التي تحتل فيها إقامة العدالة مكانة خاصة في التعاليم الإسلامية، هو مجال الاقتصاد والمعيشة. سلوك الإنسان، لا سيما في المسائل المعيشية والمادية، يتأثر بشدة بالطمع المفرط، مما يؤدي إلى أن يهيمن من يمتلك قوة وإمكانات أكثر على الآخرين بشكل مستمر. وللوقاية من هذا الوضع، فإن أحد أهداف ومهام الدولة الإسلامية هو منع الظلم الاجتماعي وإقامة العدل، لا سيما في الأبعاد المعيشية والاقتصادية. والعدالة الاقتصادية تعني إزالة الفقر والحرمان، وإيجاد الرفاهية العامة، وتحقيق التوازن في الثروات والدخول. ومن أجل أهمية العدالة الاقتصادية، يمكن الإشارة إلى قول الإمام الصادق (عليه السلام) الذي يقول: «إِن النَّاسَ يسْتَغْنُونَ إِذَا عُدِلَ بَينَهُم»: «إذا عُدل بين الناس، يصبح الجميع غير محتاجين» (کلینى، 1404، ج 3: ص 568). ووفقًا لآيات القرآن (بقره: 29)، فإن جميع البشر في مقام خليفة الله لهم حق الاستفادة من النعم؛ لذلك، فإن تركيز الإمكانات في يد مجموعة أقلية وحرمان غالبية الناس لا يتوافق مع التعاليم الأخلاقية للإسلام ولا مع مقام الخلافة الإنسانية. وتتحمل الدولة الإسلامية مسؤولية مراقبة السلوكيات الاقتصادية للناس، ومن خلال تطبيق أحكام الاقتصاد الإسلامي في مجال حقوق الملكية، والحريات الفردية والاجتماعية، وتنظيم التوزيع قبل وبعد الإنتاج، وإعادة توزيع الدخل، توفير الظروف الملائمة للقضاء على الفقر وتحقيق التوازن الاقتصادي (موسویان، 1382: ص 62).

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن مفهوم العدالة والتوازن الاقتصادي لا يعني منح الجميع مكافآت متساوية دون النظر إلى دور الفرد في اقتصاد المجتمع. الإسلام يقبل بعض الفروق في الدخل والثروة؛ لأن جميع الناس ليسوا متساوين من حيث الشخصية والقدرة والخدمة للمجتمع. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «وَهوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ‌ خَلَائِفَ‌ الْأَرْضِ‌ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ‌ بعْضٍ‌ دَرَجاتٍ لِّيبْلُوَكُمْ فِي مَا‌ آتَاكُمْ‌» (انعام: 165)؛ أي هو الذي جعلكم خلفاء الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم. في المجتمع الإسلامي، رغم وجود درجات متفاوتة من التمتع، فإن هذا الاختلاف لن يكون في مستوى التناقض الكلي الموجود في المجتمعات الرأسمالية، ومع إقرار حق التمتع الحد الأدنى للجميع، ستكون الفروق متناسبة مع جهود الأفراد، وتتحمل الحكومة مسؤوليات في خلق هذه الحالة المثلى.

بشكلٍ عام، يمكن تتبع تفسير أهداف ووظائف الحكومة في علم يُسمى «الحُكم» أو «الحكْم». يُقال إن الحُكم هو مجموعة من الأساليب والقوانين التي يستخدمها الحكام لإدارة المجتمع (Kjaer‌, 2004, pp 1-2). بطبيعة الحال، أحد ميادين إدارة المجتمع هو المجال الاقتصادي، الذي يتولاه الحُكم الاقتصادي، وأحد المبادئ المهمة في الحُكم الاقتصادي هو إقامة العدالة (التوزيعية). كيفية إقامة العدالة الاقتصادية من قبل الحكومة والدلالات التي يحملها هذا القاعدة المهمة في مجال الحُكم الاقتصادي تشكل السؤال الرئيسي لهذا البحث. في الإجابة على هذا السؤال، قدم العلماء الإسلاميون في كتبهم ومقالاتهم آراءً، ومن بين أكثر الأفكار انتظامًا تلك التي تعود للمفكر المعاصر الشهيد سيد محمد باقر الصدر (رحمه الله عليه). وفقًا لهذا المفكر، فإن الدولة الإسلامية مسؤولة عن متابعة العدالة والتوازن الاجتماعي بالمعنى المذكور كهدف مهم وأساسي (صدر، 1393الف: ص 71). لقد قدم في كتاباته حلولاً ونصائح لإقامة العدالة الاقتصادية وواجبات الحكومة، ويبدو من الضروري تدوينها وتفسيرها.

وبما أن الهدف الرئيسي من هذا البحث هو تفسير حلول العدالة الاقتصادية (مع التركيز على العدالة التوزيعية) في الحُكم من المنظور الإسلامي، فإن البحث الحالي يسعى بأسلوب «تحليلي» إلى دراسة قضية الحُكم في المجال الاقتصادي من منظور التعاليم الإسلامية مع التركيز على مبدأ العدالة (التوزيعية) وبالاعتماد على آراء الشهيد الصدر. في هذا المقال، بعد تفسير مفهوم الحُكم والحُكم الاقتصادي، يتم تفسير مبدأ العدالة، وفي النهاية يتم تطبيق قاعدة العدالة على الحُكم الاقتصادي وتقديم أمثلة عليه.

2. خلفية البحث

وبما أن الدراسة الحالية تهدف إلى دراسة مبدأ العدالة في الحُكم الاقتصادي بناءً على نظرية الشهيد الصدر، فهي تفتقر إلى خلفية متماسكة؛ ولكن في المجالات ذات الصلة مثل الحُكم الاقتصادي وكذلك في موضوع العدالة، أُجريت بحوث يمكن الإشارة إلى بعضها بإيجاز.

مبارك وآذرپيوند (1388) في مقالهم بعنوان «نظرة إلى مؤشرات الحُكم الرشيد من منظور الإسلام وتأثيرها على النمو الاقتصادي»، أشاروا إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لجميع الأنظمة الاقتصادية، وخاصة الاقتصاد الإسلامي، هو تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية، ودرسوا تأثير العامل المؤسسي إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى على النمو الاقتصادي، وحققوا في فرضية وجود علاقة إيجابية وذات دلالة إحصائية بين البيئة المؤسسية والنمو الاقتصادي.

شاه‌آبادي وبورجوان (1391) في مقال «علاقة الحُكم بمؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول المختارة» قاموا بتحليل إحصائي لمؤشرات الحُكم المؤسسية (وفق تعريف البنك الدولي) وبعض متغيرات الأداء الصحي والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي للتنمية خلال الفترة من 1996 إلى 2006 لـ 35 دولة. بشكل عام، أظهرت نتائج الدراسة أن تحسين مؤشرات الحُكم مثل الشفافية، والمساءلة، وغيرها في الدول المدروسة يمكن أن يكون له تأثيرات ذات دلالة على رفع مؤشرات التنمية مثل زيادة دخل الفرد، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وغيرها.

في الدراسات الأجنبية، أكد العديد من الباحثين مثل ياو، واتانيب، ولي[1] (2009)، ومحمد وستروبل[2] (2009)، وتامسون[3] (2007)، وشارما[4] (2007)، ودياموند[5] (2000)، وشيما وماغوير[6] (2003)، وفاغنر[7] (2004)، ووكالة التنمية الدولية التابعة للأمم المتحدة[8] (2003) على أهمية الحُكم ومكوناته (مثل الشفافية، والوصول إلى المعلومات، ومساءلة الحكومة للمواطنين عبر الصحافة الحرة، والكفاءة والفعالية في إدارة الدولة، وكذلك سيادة القانون للقضاء على الفقر وزيادة رفاهية المجتمعات).

وفيما يخص العدالة، يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى مقالات: زرقاء (1379) في مقاله بعنوان «العدالة التوزيعية في الإسلام» الذي أقر بأن الإسلام، كدين شامل، يقدم استراتيجيات وأدوات إجبارية وطوعية متعددة للتوزيع مثل الزكاة، وزكاة الفطر، والإنفاق الواجِب على الأقارب الفقراء، وغيرها، لمنع تركيز الثروة في يد فئة معينة وضمان تأمين الاحتياجات الأساسية وتوفير الحد الأدنى للمعيشة لجميع المواطنين، وناقش هذه الأدوات بالتفصيل وفقًا لفقه أهل السنة، ودرس مدى كفاءة النظام الإسلامي وإعادة توزيع الدخل والثروة والموارد الأخرى في مكافحة الفقر وتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

آقانظري (1383) في بحثه «العدالة الاقتصادية من وجهة نظر أفلاطون، أرسطو، والإسلام» أشار إلى أن الظواهر الشاذة في العلاقات الاقتصادية مثل البطالة، وعدم استقرار الأسعار، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وغيرها، تُعد مظاهر للظلم الاقتصادي (وهي قضية كانت ولا تزال من هموم المفكرين الاقتصاديين)، وحاول تقييم طبيعة العدالة الاقتصادية من وجهة نظر أفلاطون وأرسطو، المفكرين الاجتماعيين اليونانيين، ومنظور الإسلام.

حسيني (1387) في بحثه «معايير العدالة الاقتصادية من منظور الإسلام (دراسة نقدية لنظرية الشهيد الصدر)» يبيّن أنه بالنظر إلى قواعد توزيع الدخل والثروة في الإسلام، يجب تعريف معايير العدالة على ثلاثة مستويات منفصلة: 1. الأصل: العدالة في الإمكانات والفرص الأولية؛ 2. العملية: العدالة في العلاقات وعملية الإنتاج والتوزيع؛ 3. النتيجة: العدالة في الوضع النهائي ونتيجة أداء النظام الاقتصادي. ويرى أن الشهيد الصدر رغم أنه تناول قواعد التوزيع في كل المستويات الثلاثة في نظريته عن التوزيع، إلا أنه في نظرية العدالة يقدم فقط معيارين هما «التوازن العام» و«التأمين الاجتماعي» كمقومات للعدالة الاقتصادية. تؤكد هذه المقالة على هذا الرأي بأن هذين المعيارين يختصان فقط بتقييم الوضع العادل في مرحلة النتيجة، وأن تحقيقهما دون مراعاة تحقيق العدالة في مرحلتي الأصل والعملية لا يدل على تحقق العدالة الاقتصادية، وثانيًا، إن العدالة التوزيعية في مرحلة النتيجة يمكن تقييمها كقاعدة قانونية وملزمة بالاعتماد على معيار التأمين الاجتماعي الواحد.

أحمدي (1391) في مقاله «معيار العدالة التوزيعية وعلاقته بالإنصاف والمساواة مع التأكيد على الأخلاق الحكومية للإمام علي (عليه السلام)» وبعد دراسة ونقد النظريات في العدالة التوزيعية وإظهار عدم كفاءة كل منها، يبيّن أن كل عنصر من عناصر «العمل»، «الحاجة» و«المساواة العامة» التي تُعتبر معايير للتوزيع العادل في النظريات المتعلقة بالعدالة التوزيعية، يمكن أن تكون أدوات لمعرفة حقوق الأفراد وليست معيارًا عامًا وشاملاً؛ ومن ثمّ، يعتبر أساس العدالة التوزيعية حقوق الأفراد والالتزام بالاستحقاقات الناشئة عن «العمل» و«الحاجة» وغيرها، وعلى هذا الأساس يرى أن علاقة «العدالة التوزيعية» بـ «السلوك المتساوي والمتكافئ بين الأفراد» هي علاقة عموم وخصوص من وجه.

حسن علي علي أكبريان (1398) في بحثه بعنوان «قاعدة العدالة التوزيعية في الاقتصاد والسياسة» حاول أن يجيب بطريقة وصفية تحليلية على سؤال: ما الخير الذي يجب توزيعه في الحكم بطريقة عادلة وما هي قاعدة العدالة في هذا التوزيع؟ وفي النهاية يستنتج أن على الحكم توزيع الأموال والفرص التي يمتلكها وفق قاعدتين هما تأمين الكفاف العام وتعديل الثروة. وهذه القاعدة ذات توجه نتيجوي. كما يرى أن القواعد الالتزامية مثل المساواة، الاستحقاق والحاجة، أو مزيج منها، ليست فعالة في المجتمعات المعاصرة.

هادوي نيا (1399) في مقاله «معايير العدالة التوزيعية من وجهة نظر القرآن الكريم» يسعى للإجابة على سؤال: كيف يمكن للاقتصاد أن يستفيد من تخصيص وتوزيع فعال للموارد (الطبيعية والبشرية) والدخل؟ بمعنى آخر، في الاقتصاد الإسلامي على أي معيار أو معايير يتم تخصيص وتوزيع الموارد (الطبيعية والبشرية) والدخل؟ وما هي هندسة هذه المعايير؟ يرى المؤلف أن في نظرية التوزيع من وجهة نظر القرآن الكريم هناك خمسة معايير توزيعية فاعلة وهي: تقليل التفاوت في الدخل، الحاجة الحقيقية الضرورية، العمل المباشر، الحاجة الحقيقية المتوسطة للفرد (في حدود الكفاف والكرامة) والحاجة الحقيقية المتوسطة للآخرين (في حدود الكفاف والكرامة).

وبناءً على ما ذُكر أعلاه، فإن البحوث المنجزة في موضوع الحوكمة وخاصة الحوكمة الاقتصادية كانت أقل توجهًا نحو المنهج الإسلامي، ومن الضروري أن تحظى الحوكمة الاقتصادية من منظور إسلامي باهتمام أكبر في البحوث العلمية، كما أن الدراسات المنجزة حول العدالة والعدالة التوزيعية كانت في الغالب قليلة الاهتمام بدور الحكومة وتقديم عناصر أو دلالات (حلول) مبدأ العدالة في الحوكمة؛ لذلك، تهدف الدراسة الحالية إلى بحث أحد أهم القضايا في مجال الحوكمة الاقتصادية وهو موضوع العدالة التوزيعية بمنهج إسلامي. وكما ذُكر سابقًا، فقد سُعي للاستفادة من نظريات الشهيد الصدر وبيان دلالات مبدأ العدالة في الحوكمة الاقتصادية كحلول عملية لإدارة الشؤون الاقتصادية والمعيشية للمجتمع.

3. أدبيات الموضوع

31. الحوكمة

قدّمت تعاريف متعددة ومختلفة للحوكمة. في بعض التعاريف، تُعرّف الحوكمة بأنها إدارة القواعد السياسية الرسمية أو غير الرسمية للعبة؛ فوفقًا لهذا التعريف، تشير الحوكمة إلى المعايير التي تشمل وضع قواعد لممارسة السلطة وتسوية النزاعات في إطار تلك القواعد (Kjaer, 2004, pp1_2). كما أن البنك الدولي في تعريفه الأولي عرف الحوكمة بأنها مجموعة من التقاليد والمؤسسات التي يعمل ضمنها الحكام، أو كطريقة لتطبيق السلطة في المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدول، أو كمسؤولية اقتصادية وسياسية وتنفيذية لإدارة كافة علاقات الدولة على جميع المستويات (World Bank, 2000). وتشمل هذه المسؤولية الآليات والعمليات والمؤسسات التي يطالب من خلالها المواطنون والمجموعات المعنية بحقوقهم القانونية، ويتعرفون على التزاماتهم، ويواجهون الاختلافات فيما بينهم (World Bank, 2007: p 4). ومن هذا التعبير يُستنتج أن الحوكمة عملية يتفاوض فيها الحكام حول القوانين ويضعونها، وفي النهاية تُعلن هذه القوانين وتُنفذ؛ لذلك، فإن فهم مفهوم الحوكمة يتطلب معرفة القوانين وواضعيها، وكذلك فهم عمليات اختيار وتوضيح القوانين وعلاقاتها ببعضها البعض ومع المجتمع.

تعريفات جديدة للحكم تشير إلى مفهوم أوسع من الحكومة. الاستخدام الجديد لهذا المصطلح لا يشمل فقط الفاعلين والمؤسسات الحكومية؛ بل يشمل ثلاث مؤسسات: الحكومة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص (میدری و خیرخواهان، 1383: ص 194). ومن هذا المنطلق، يشمل المصطلح المذكور حكم الدولة، لكنه يتجاوز ذلك من خلال إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني. كلٌّ من هذه الثلاثة ضروري للتنمية البشرية المستدامة (United Nations Development Programme, 1998: p 25).

بالنظر إلى ما ذُكر، يمكن أن يُطرح الحكم على مستويات مختلفة، منها العامة، العالمية، غير الربحية، والشركات، وفي مجالات متنوعة مثل الاقتصادية، السياسية، الثقافية، البيئية، الفضاء الإلكتروني، أو حتى في نماذج مختلفة مثل متعددة المستويات، التشاركية، التنظيمية، والمشتركة. ومن بين هذه المجالات، يُعد الحكم الاقتصادي من أهم مجالات الحكم.

32. الحكم الاقتصادي

مصطلح الحكم الاقتصادي يشير إلى الأنظمة والمؤسسات والإجراءات التي تُنشأ لتحقيق الأهداف الاقتصادية (بما في ذلك التقدم والرفاهية العامة)، من خلال تنفيذ وتنسيق السياسات الاقتصادية. في الواقع، يشير الحكم الاقتصادي إلى الترتيبات السياسية والرقابية التي تتخذها الدول لإدارة الاقتصاد. يشمل الحكم الاقتصادي مجالين: الإدارة الكلية والإدارة الجزئية للاقتصاد. يسعى الحكم الاقتصادي الفعال إلى إنشاء هياكل جيدة، وسياسات مالية ونقدية وتجارية منسقة ومتضافرة، وإنشاء نظام للرصد والرقابة لتعزيز وتنسيق الأنشطة الاقتصادية المختلفة (AusAID, 2008: p 5)؛ لذلك، يمكن تعريف الحكم الاقتصادي كنظام للتخطيط واتخاذ القرار وتنفيذ السياسات الاقتصادية، ولهذا السبب يجب اعتباره أساساً وجوهر كل حدث إيجابي أو سلبي في مجال الاقتصاد الوطني في جميع البلدان. يمكن تلخيص كفاءة الحكم الاقتصادي في التشخيص الصحيح وفي الوقت المناسب للمشكلات، والسرعة العالية في التوصل إلى توافق في اتخاذ القرار، وكذلك في التنفيذ الدقيق للسياسات والقرارات الاقتصادية (سیف، 1398).

33. العدالة

يكتب ابن منظور في تأليفه في باب معنى العدل: «ما في النفوس من اعتدال ورتابة واستقامة وانتظام هو العدل، والإنسان بذلك مستقيم ومستقيم وصحيح، وضده هو الجور» (ابن‌منظور، 1414: ص 83). كما ورد العدل بمعنى الحكم بالحق. يكتب مؤلف قاموس العلوم الفلسفية والكلامية في شرح المعنى اللغوي للعدل: العدل يعني المعادل، المتوازن، الوسط، ضد الجور، ويعني الشهادة بالحق، أي العادل، المعطي، المكيال، الجزاء، وغيرها. في الحكمة العملية، العدل مقابل الظلم، ويعني إحقاق الحق وإخراج الحق من الباطل، ويقال إن الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط هو العدل (سجادی‌، 1375‌: ص 47). ما يقترب من مفهومنا في هذا التعريف هو العدل بمعنى المساواة والتكافؤ، والإنصاف والعدالة، ومفاهيم من هذا القبيل، وكذلك الحكم بالحق، وهو ما يتوافق ويتطابق مع معنى العدالة في النظام الاجتماعي التي تعني العلاقات القائمة على الحق على المستوى الكلي في مجال السلوكيات الاجتماعية وسلوك الحكام في المجتمع. في التعريف المشهور، «العدل» يعني «إعطاء كل ذي حق حقه»، أي إعطاء صاحب الحق حقه (شهیدی، 1379: ص 440).

فيما يتعلق بالمعنى الاصطلاحي لـ«العدل» يمكن القول إن هناك تعريفين شائعين للعدالة؛ مراعاة حقوق الآخرين، وإعطاء كل ذي حق حقه، وهذا التعبير ينعكس صراحة أو ضمنياً في روايات المعصومين (عليهم السلام)، مثلاً في رواية عن الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء فيها: «إن الله قد قسم كل نوع من الأموال ووزع حق كل صاحب حق من الخاص والعام (الإمام وسائر الناس) والفقراء والمساكين وأصناف الناس عليهم. إذا قامت العدالة بين الناس، أصبح الجميع غير محتاج» (کلینی، 1405، ج 1: ص 542). ومن كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) يمكن استنباط هذا التعريف للعدالة: «إذا أدى الرعية حق الوالي وأدى الوالي حق الرعية، يعز الحق بينهم، وتخلو طرق الدين من الانحراف، وتثبت علامات العدل» (نهج‌البلاغه: خطبه 216)؛ المعنى الاصطلاحي الثاني للعدل هو وضع كل شيء في موضعه المناسب. هذا المصطلح مأخوذ من كلام الإمام علي (عليه السلام) حيث يقول: «العدل يضع الأمور مواضعها» (نهج‌البلاغه: حکمت 437). بعبارة أخرى، كل شيء وكل فعل بحسب حكم العقل أو حكم الشرع وبناءً على المصالح العامة والخاصة في نظام الوجود، يتطلب مكانة وحدوداً خاصة، والعدل مشروط بمراعاة تلك المكانة والحدود.

لذا، تعريف العدالة بـ«إعطاء كل ذي حق حقه» يدخل ضمن هذا التعريف «وضع كل شيء في موضعه». «النتيجة أنه يمكن اعتبار للعدل مفهومين خاص وعام؛ أحدهما مراعاة حقوق الآخرين، والآخر القيام بالعمل الحكيم ووضع كل شيء في مكانه المناسب، ومراعاة حقوق الآخرين من مصاديق ذلك» (مصباح‌ یزدی‌، 1374: ص 193‌). وبالطبع هذان التعريفان يشيران إلى المعنى اللغوي للعدالة (الاستقامة، عدم الانحراف وعدم تجاوز حدود الأشياء المحددة) وليسا اصطلاحين خاصين ومتناقضين مع المعنى اللغوي (احمدی، 1391‌: ص 60‌).

يقول الشهيد صدر عن العدالة إنها حقيقة قائمة بذاتها وواقع في ذاته حق وخير وصلاح. فالعدالة هي الثبات على شريعة الإسلام وطريقها الذي هو الصراط المستقيم[9](صدر‌، 1434‌ق، ج 16‌: ص 131). وبخصوص رؤية الشهيد صدر في تعريف العدالة، يمكن القول إنه رغم جهوده البارزة في شرح محتوى العدالة وقوانين توزيع الدخل والثروة في الإسلام، إلا أنه لم يقدم تعريفًا واضحًا ومحددًا للعدالة، بحيث أُعتبر هذا الأمر من الانتقادات الموجهة إلى نظريته في العدالة. وباختصار، يمكن الادعاء أن محتوى نظرية العدالة الاقتصادية في الإسلام من وجهة نظر الشهيد صدر قد تناول ثلاثة أبعاد متوازية هي الأصل، والعملية، والغاية. ولكن في النهاية، المعايير التي قدمها للعدالة الاقتصادية تقوم على الغائية وتركيزها على النتائج (نک: حسینی، 1387‌: ص ص.‌ 1615).

34. العدالة الاقتصادية (مكانة العدالة في الاقتصاد)

العدالة الاقتصادية هي إحدى القضايا الحيوية في المجتمع البشري، وعلى المستوى النظري كانت محل اهتمام خاص من قبل المفكرين الاقتصاديين منذ زمن بعيد وحتى الآن. وقد ذُكر أن تقليل الفقر والفجوة الطبقية وتحقيق توازن نسبي في العلاقات الاقتصادية وتكافؤ فرص الكسب والتمتع من أهم مكونات العدالة الاقتصادية (آقانظری، 1383: ص 65). توجد في الأدبيات الاقتصادية تعريفات نظرية مختلفة للعدالة. والتعريف الشائع في هذا المجال هو رفع مستوى رفاهية وحياة عموم الناس إلى مستوى ثابت ومحدد (سیف و همکاران، 1398: ص 209‌). وفي تعريف آخر، يُقال إن العدالة الاقتصادية هي مراعاة العدالة في تمتع أفراد المجتمع بالموارد الاقتصادية والفرص المتساوية في الاستفادة من المال العام أو الموارد الطبيعية (قابل، 1390: ص 84). ووفقًا لرؤية الشهيد مطهري (رحمه الله) فإن العدالة الاقتصادية هي فرع من العدالة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية تعني مراعاة المساواة في سن وتنفيذ القوانين بحيث تكون القوانين متساوية للجميع وتوفر فرصًا متساوية للتقدم والاستفادة وبلوغ مراتب الترقّي (مطهری، 1403: ص 156).

من وجهة نظر الاقتصاد التقليدي، يمكن للمجتمعات التفكير في العدالة في موقفين: أولاً، عند تخصيص النعم والموارد لاحتياجاتهم ورغباتهم؛ وثانيًا، عند توزيع نتائج هذا التخصيص بين أعضاء المجتمع. وقد أُطلق على التخصيص العادل لعوامل الإنتاج لإنتاج السلع والخدمات المختلفة مصطلح “العدالة التخصيصية”؛ ومن ناحية أخرى، عندما تُنتج السلع والخدمات في المجتمع، يُطلق على التوزيع العادل لها بين أعضاء المجتمع مصطلح “العدالة التوزيعية”. وبعبارة أخرى، من وجهة نظر الاقتصاديين، التعامل العادل مع عوامل الإنتاج أثناء إنتاج السلع والخدمات هو العدالة التخصيصية، والتعامل العادل مع مستهلكي السلع والخدمات هو العدالة التوزيعية (رنانی و باستانی‌فر، 1386: ص ص. 290289). وفي التعاليم الإسلامية أيضًا، تم تعريف مكونات وعناصر للعدالة، وللوصول إليها يتم تنظيم شؤون المجتمع وتخصيص النعم والموارد والفرص، من خلال اكتشاف مصادر الحقوق من المصادر الدينية وبالتعاون بين الحكومة والشعب. ولا يمكن تحقيق هذه الحقوق بشكل كامل وصحيح إلا باستخدام التعاليم الدينية (زریباف، 1397: ص ص. 8280).

4. دلالات أصل العدالة في الحوكمة الاقتصادية

كما ذُكر، القضية الأساسية في العدالة الاقتصادية هي جودة توزيع الدخل، والوظائف، والفرص، والحريات الاقتصادية، والفراغ، والحقوق، والامتيازات، وبشكل عام توزيع المنافع الاقتصادية بين الأفراد والجماعات (توسلی، 1375: ص 53). أي، كيف تُوزع النعم والمزايا الحكومية، والأموال، ورؤوس الأموال التي تخص عموم الناس، والوظائف، والمناصب السياسية والاجتماعية، ومن ثم الدخل الوطني، وفق أي مبدأ ومعيار بين طبقات المجتمع المختلفة بطريقة عادلة؟ (احمدی‌، 1391: ص 53). في ما يلي، سُعي إلى دراسة دلالات أصل العدالة أو بمعنى آخر مكونات العدالة التوزيعية (كحلول عملية) في مختلف المجالات من وجهة نظر الحوكمة الاقتصادية وشرحها.

41. توزيع الفرص الاقتصادية (فرص التوظيف الوظيفي وتصاريح الأعمال)

وفقًا لرأي الشهيد صدر، العمل باعتباره أساس الملكية هو الأداة الرئيسية الأولى في نظام التوزيع (صدر، 1393ب، ج 1: ص 404)؛ ولذلك، من الضروري توفير فرص العمل للجميع في المجتمع الإسلامي بشكل عادل بحيث تتاح فرصة الاستفادة لكل فرد حسب قدراته وإمكاناته. يمكن طرح إقامة العدالة التوزيعية في توزيع الفرص الاقتصادية على مستويات مختلفة، لكن أهمها هي: 1. إقامة العدالة في توزيع تصاريح الأعمال؛ فمن الطبيعي أن يحتاج كل شخص لأي نشاط اقتصادي أو إنشاء مشروع، سواء كان إنتاج سلعة أو تقديم خدمة أو استخراج مورد، إلى الحصول على تصريح من الدولة. وبناءً عليه، فإن سرعة وشفافية ومساواة شروط الحصول على تصريح لإنشاء نشاط اقتصادي هي من واجبات الدولة. 2. التوزيع العادل لفرص التوظيف الحكومية (المناصب والمواقع الحكومية) يجب أن يتم من خلال إجراء امتحانات توظيف شفافة ومنطقية (بشكل شامل) تتناسب مع القدرات اللازمة لتولي المناصب، وكذلك تقديم إجراءات صحيحة للترقية الوظيفية لموظفي الدولة. في الواقع، يجب على الدولة توفير فرص العمل في حدود صلاحياتها لكل من يستطيع العمل في أحد القطاعات العامة أو الخاصة (صدر، 1393ب، ج 2: ص 392).

توضيح أن الاقتصاد الإسلامي يهيئ مجال النشاط الاقتصادي السليم في إطار العدالة الاجتماعية والحرية الاقتصادية المشروعة ليُنشئ بيئة مناسبة لظهور الإبداعات الإنسانية المتنوعة. وتكون الحكومة في ميدان التشريع والتنفيذ ملزمة أولاً بتوفير الظروف الملائمة لتشغيل القوى البشرية على أساس استحقاقهم؛ وثانياً، مع الحفاظ على حرمة واحترام جميع الفئات والطبقات الفاعلة في المجال الاقتصادي، سواء في ميدان الإنتاج أو في ميدان تقديم الخدمات، أن تولي اهتماماً للتوزيع العادل للدخول من خلال اللجوء إلى القواعد الاقتصادية المعتبرة واعتماد الحلول الصحيحة لإصلاح الشؤون الإدارية وتنظيم السوق وغيرها (احمدی، 1391: ص 71). في الواقع، وفق العدالة الاقتصادية، فإن الحكومة الإسلامية ملزمة بأن تمنع تركيز الأموال وعدم توزيعها، وتحافظ على التوازن الاجتماعي (صدر‌، 1393‌الف: ص 72)؛ ومن ثم، تقع على عاتق الدولة مسؤولية السعي لتوفير فرص العمل ووسائل الإنتاج لجميع الناس (صدر، 1393‌الف: ص 132).

والدولة، كما هي وسيلة لتقديم الخدمة للناس وتحقيق الحقوق لأصحابها، تُعتبر مسؤولة أيضاً عن تحقيق التقدم والتشغيل في المجتمع، وتقوم بذلك من خلال توفير فرص العمل وتأمين معيشة الأفراد عبر تأسيس المؤسسات العامة وإطلاق المشاريع الصناعية والزراعية. وهذه المشاريع تساهم في زيادة الثروة العامة وتُشرك أفراد المجتمع في أرباحها؛ لذلك، فإن الدولة الإسلامية ملزمة بتسهيل طرق الاستثمار، ومنح المساعدات المالية والتسهيلات الائتمانية، وتشجيع الفلاحين والصناعيين والتجار على استصلاح الأراضي، وزراعة المحاصيل، وإقامة الصناعات، وتنشيط الأسواق (العسل، 1378: ص 184).

ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أنه في إطار نظام الإنتاج العادل، لا ينبغي أن يجعل رأس المال قوة العمل والعوامل الإنتاجية الأخرى تحت التوظيف والاستغلال، بل يجب أن يكون إلى جانب عوامل الإنتاج الأخرى، وبافتراض ظروف المخاطرة، يحصل على حق متساوٍ ويشارك في الإنتاج (زریباف، 1397: ص 85). يقول الشهيد صدر في هذا الصدد: وفق العدالة الاقتصادية، يجب على الحكومة الإسلامية أن تسعى إلى إيجاد تناسب بين الدخل والعمل، وكلما ضعف دور المخاطرة لرأس المال في المشاريع الإنتاجية والتجارية، من المناسب أن تخرج عن كسب الدخل المبني على الرأسمالية الخالصة، وتُصرّ على كسب الدخل المبني على العمل (صدر، 1393‌الف: ص 72).

42. توزيع فرص التعليم والتحصيل العلمي

وبما أن العلم والتعلم من أهم مقدمات استفادة الأفراد من الإمكانات والمزايا الاقتصادية للمجتمع، فلا بد من طرح العدالة التعليمية تحت مظلة العدالة الاقتصادية [10]. وبناءً على قانون العدالة الاجتماعية في الإسلام، فإن التمتع بالتعليم الأدنى حق لجميع أفراد المجتمع، والحاكم الإسلامي ملزم بتوفير فرص متساوية للنمو والتقدم للأشخاص المختلفين (انظر.: مطهری، 1403 و واعظی، 1393)، حتى يتمكن الأفراد من الوصول إلى مستويات ومراكز مختلفة في المجتمع بما يتناسب مع مقدار جهدهم ومواهبهم [11]. يقول الشهيد صدر في هذا المجال: إن الحكومة ملزمة بأن تدفع من إيرادات القطاعات العامة تكاليف التعليم لجميع الناس في جميع مراحله، وكذلك الخدمات العلاجية بمختلف أشكالها مجاناً؛ بحيث يستطيع كل مواطن أن يستفيد من الإمكانات التعليمية والطبية دون دفع أجر، ووفق النظام الذي تحدده الدولة (صدر، 1393‌الف: ص 73).

وفي ميدان التعليم، تشير قاعدة العدالة إلى ضرورة توفير إمكانية متساوية للتعليم الأدنى للجميع، كما يجب توفير فرص متساوية للاستفادة من الإمكانات التعليمية والوصول إلى التعليم العالي والتخصصي للجميع (انظر.: علم‌الهدی، 1391: ص 504). وقد أُخذ هذا الأمر بعين الاعتبار في الدستور الوطني أيضاً. وفقاً للمادة الثلاثين، يجب تقديم التعليم العام الضروري لجميع الفئات بشكل متساوٍ ومجاني، ويجب أن تتوفر الظروف والبيئة للدخول إلى التعليم التخصصي (العالي وغيره) في الجامعات والمراكز التخصصية الحكومية لجميع الفئات المؤهلة بشكل متساوٍ [12].

43. توزيع الأنفال والموارد الطبيعية

يتضح من دراسة الأحاديث الإسلامية أن تشريع ملكية الحكومة في المجتمع الإسلامي قد تم بهدف خدمة التوازن الاجتماعي، وأن هذه الملكية شُرعت لكي يُستخدم كل ما يقع ضمن نطاقها في سبيل تحقيق هذا التوازن. وقد وضع الإسلام مصطلحاً خاصاً لملكية الحكومة والثروات التي تشملها، والذي يُعرف في الفقه الإسلامي بـ«الأنفال»، وهو كل ما تملكه الحكومة في المجتمع الإسلامي (صدر‌، 1394: ص 177). في الإسلام، جميع الثروات والموارد الطبيعية مثل البحار، والغابات، والمناجم، والجبال، والأراضي الميتة تُعد من الأنفال وتكون تحت تصرف الحكومة الإسلامية. وتكون الحكومة الإسلامية، لكي تُنظّم خطة اقتصادية صحيحة تحظى باهتمام الإسلام، ويدور اقتصاد المجتمع حول الاعتدال، ويتم الإنتاج والتوزيع على أساس العدالة الاقتصادية، ملزمة بإدارة هذه الموارد وتوزيعها بطريقة تتيح لجميع الأفراد الاستفادة منها وتكون في سبيل تحقيق العدالة في المجتمع (انظر.: نوری، 1369: ص ص. 340338).

ربما الأساس النظري الذي تستند إليه فكرة التأمين الاجتماعي عند الشهيد الصدر هو إيمان الإسلام بحق جميع الناس في الموارد الطبيعية؛ لأن هذه الموارد الطبيعية خُلقت لجميع الناس وليس لفئة خاصة: «خلَقَ لَكمْ ما فِي الْأَرْضِ‌ جميعاً‌» (بقره: 29‌) أي كل ما في الأرض خُلق لكم جميعًا. هذا الحق يعني أن لكل فرد في المجتمع حقًا في الاستفادة من الموارد والثروات الطبيعية والتمتع الكريم بها. ولكن إذا لم تتوفر الفرصة للعمل لشخص ما أو لم يكن قادرًا على القيام به، فإن الدولة ملزمة بضمان حقه في استخدام الثروات الطبيعية من خلال توفير مستوى معيشي كريم كافٍ؛ لذلك، تقوم المسؤولية المباشرة للدولة في التأمين الاجتماعي على الحق العام للشعب في استخدام الثروات الطبيعية وثبوت هذا الحق للأشخاص غير القادرين على العمل (صدر، 1393‌ب، ج 2: ص 392‌).

في الواقع، وفقًا للاقتصاد الإسلامي، جميع موارد الثروة الطبيعية ملك لله تعالى، ولا يُكتسب حق خاص في استخدام هذه الموارد إلا من خلال العمل والاجتهاد (صدر‌، 1393‌الف‌: ص 72‌). ومقتضى مبدأ العدالة هو أنه لا يجوز في أي حالة أن تُترك هذه الثروات والموارد الطبيعية في يد أفراد أو مجموعات معينة فقط. بناءً على ذلك، فإن اتخاذ القرار العام والإدارة الكبرى للثروات والموارد الطبيعية تكون بيد الدولة؛ مع أن قبول هذا المبدأ لا يعني بالضرورة احتكار الدولة للتصرف، ولكن في كل الأحوال يجب مراعاة مصالح عموم الناس والمجتمع الإسلامي، وعلى الدولة أن تتخذ قراراتها بناءً على مبدأ العدالة (موسویان، 1382: ص 69).

وقد طرح الشهيد الصدر نظريته في هذا المجال من جانبين يسيران بالتوازي ويكمل كل منهما الآخر. وفقًا للجانب الإيجابي للنظرية، العمل هو الأساس المشروع للحصول على الحقوق والملكية الخاصة في الثروات الطبيعية. أما الجانب السلبي من نظرية الشهيد الصدر فيرفض أي ملكية أو حق خاص ابتدائي في الموارد الخام الطبيعية دون عمل ونشاط. ووفقًا لرأيه، لا يملك أي فرد بشكل ابتدائي حقًا خاصًا في الموارد الطبيعية يميّزه قانونيًا عن الآخرين، إلا إذا كان هذا الحق نتيجة لعمل خاص قام به ذلك الفرد في الموارد الطبيعية، مما جعله يتفوق على الآخرين في الواقع الحياتي؛ لذلك، رفض أي حق ابتدائي في الثروات الطبيعية دون عمل هو الجانب السلبي للنظرية، والإيمان بالحق الخاص في هذه الموارد بناءً على العمل هو الجانب الإيجابي لهذه النظرية (صدر، 1393‌ب، ج 2: ص ص. 304299).

بشكل عام، يمكن للأفراد أن يتملكوا في مجال الموارد الطبيعية مع مراعاة الحدود القانونية في النظام الإسلامي، في حالات معينة، والفرصة الأصلية للجميع متساوية، ولكن طريقة أداء الأفراد والثروات المكتسبة لن تكون بالضرورة متساوية، بل وفقًا للرأي الشائع، يمكن للأفراد أن يحصلوا على ثروات كبيرة بناءً على مواهبهم وقدراتهم، ولا يُعطى المساواة إلا في الفرصة الأولية للعمل (‌‌عاملی‌، 1392: ص 73).

44. توزيع الدخل والثروة (الخمس والزكاة والضرائب والمساعدة للمحتاجين)

أحد الجوانب المهمة للعدالة الاقتصادية هو أن يأخذ كل شخص نصيبه من الإنتاج والدخل بما يتناسب مع جهده والقيمة المضافة التي أوجدها؛ بمعنى آخر، القيمة المضافة تعود فقط لمن أوجدها، ولا يجوز لأحد أن يغتصب حصة الآخرين أو يستولي عليها. مثل هذا الاستيلاء يُعتبر «أكل مال بالباطل» وهو حرام [13]. ومن ناحية أخرى، تظهر الآية «كَي لَا يكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» (حشر: 7) أن التوازن وتوزيع رأس المال (بما يغطي جميع الاحتياجات المشروعة للمجتمع ويمنع تركيزه في يد عدد قليل من أفراد المجتمع) هو أحد أهداف التشريع الإسلامي. هذا الهدف يُعتبر مبدأ ثابتًا في متغيرات الاقتصاد. بناءً عليه، يضع الولي الأمر قوانين تحافظ على التوازن الاجتماعي في توزيع الثروة، وبذلك يمنع تركيزها في أيدي قلة، وتكافح الدولة الإسلامية أشكال التركيز الرأسمالي في الإنتاج والاحتكار بمختلف أشكاله (صدر، 1393الف: ص 52).

بمعنى آخر، قد يكون هناك فئة من المواطنين غير قادرين على العمل بسبب إعاقات جسدية أو عقلية، ويواجهون صعوبات في تأمين معيشتهم؛ أو فئة أخرى، رغم مشاركتها في النشاطات الاقتصادية، لا يكفي دخلها لتلبية جميع احتياجاتها المعيشية؛ في هذه الحالات، يجب على الحكم الإسلامي أن يتدخل وفقًا لمبادئ التوزيع الإسلامي لحل مشاكل هذه الفئات، مع مراعاة عنصر «الحاجة»، ويشركهم في مرحلة أخرى من التوزيع التي يسميها العلماء «إعادة توزيع الثروة والدخل» (عیوضلو، 1384: ص 218). في الواقع، ينظر الفكر الاقتصادي الإسلامي إلى الملكية الحقيقية لجميع الأشياء، بما في ذلك الإنسان وأمواله، على أنها ملك لله تعالى، ويعتبر كل الثروات أمانة من الله في يد البشر: «المَالَ‌ مالُ‌ اللّه يضَعُهُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَدائعَ…» (مجلسی، 1403، ج 72: ص 305). لذلك، من خلال فرض الواجبات المالية مثل الخمس والزكاة، يُعنى الإسلام بالنمو الروحي والاحتياجات النفسية للأثرياء، كما يهتم بالاحتياجات المادية للمحرومين. ولهذا، فإن المسلمين الذين لديهم القدرة المالية مسؤولون عن تأمين الاحتياجات الضرورية للمحتاجين، ويجب عليهم أداء الفروض المالية بنية التقرب إلى الله، وحتى إذا امتنعوا، يمكن للحاكم والدولة الإسلامية إجبارهم على ذلك.

من ناحية أخرى، فإن الحكومة ومديري المجتمع ملزمون باستخدام أموال مثل الضرائب الحكومية، والثروات الناتجة عن الأنفال والوقف لتحسين وضع حياة هذه الفئة من المجتمع الإسلامي؛ فوفقًا لرؤية الاقتصاد الإسلامي، يجب مكافحة الفقر، وكرامة الحكومة الإسلامية تقتضي أن تعمل في مسار الإرادة التكوينية لله تعالى حتى ينال الجميع رزقهم ونصيبهم، ولا يوجد في المجتمع فقير. يرى الشهيد الصدر في هذا المجال أن دفع الزكاة ليس فقط لتلبية الاحتياجات الضرورية للفقراء، بل لكي يصل الفقير من الناحية المعيشية إلى مستوى الآخرين. أي يجب أن يصل وضع الفقير المعيشي إلى حد يساوي المستوى الذي يتمتع به عامة الناس في المجتمع[14]، وهذا يعني أن توفير مستوى متساوٍ أو متقارب من المعيشة لجميع أفراد المجتمع هدف إسلامي يجب على الوليّ الأمر السعي لتحقيقه(صدر، 1393‌الف‌: ص 65).

ومن هنا، يرى كثير من الفقهاء أن جمع وتوزيع الزكاة من مسؤوليات الدولة الإسلامية(قرضاوی، 1410‌ق: ص 747‌). لذلك، يجب على الدول الإسلامية تصميم نظام فعال لجذب وتوزيع الزكاة، زكاة الفطر، الخمس وغيرها، وتحمل جزء من تكاليف الضمان الاجتماعي من خلال ذلك(موسویان‌، 1382: ص 71). في رواية عن الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء: على ولي أمر المسلمين أن يوسع للفقراء من عنده بقدر طاقتهم حتى يبلغوا حد العوز إذا لم تكن الزكاة كافية؛ فإعداد حد أدنى من العوز على مستوى المعيشة لجميع أفراد المجتمع الإسلامي من واجبات الحكومة الإسلامية(صدر، 1393‌الف‌: ص 71‌).

لذا، فإن الإسلام بالإضافة إلى وضع مبدأ التوازن الاجتماعي وتحديد مفهومه، قد وفر للحكومة الإمكانيات اللازمة لكي تتمكن ضمن حدود تلك الإمكانيات من توزيع الدخل، والتي هي: 1. فرض ضرائب ثابتة تُحصّل بشكل مستمر وتُصرف للحفاظ على التوازن العام. تشمل هذه الضرائب الزكاة والخمس، التي لم تُشرّع فقط لتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء، بل أيضًا لعلاج الفقر جذريًا ورفع مستوى معيشة الفقراء إلى مستوى معيشة الأغنياء، وبذلك يتحقق التوازن الاجتماعي بمعناه الإسلامي. 2. إنشاء قطاعات عامة تملكها الحكومة وتوجيه الدولة لاستغلال تلك القطاعات في تحقيق أهداف التوازن. والشرح أن الإسلام لم يكتفِ بالضرائب الثابتة التي شرعها لتحقيق التوازن، بل جعل الحكومة مسؤولة عن الإنفاق من القطاع العام لتحقيق هذا الهدف(نک: صدر 1394: ص ص. 177173).

45. توزيع المنافع العامة والإمكانات الحكومية

أحد الجوانب المهمة للعدالة الاقتصادية هو حق جميع الناس بالتساوي في التمتع بالموارد والثروات العامة والمشتركة. وقد حظي هذا الأمر باهتمام كبير في آراء المفكرين الإسلاميين الكبار. يرى الفارابي أن أحد وجوه العدالة هو توزيع السلع العامة والمشتركة بين جميع الناس: «قسم الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم»(نک: فارابی، ١٣۶١). كما ذكر الشهيد المطهري العدالة من هذا الجانب بمعنى توفير فرص متساوية للجميع(نک: مطهری، ١۴٠٣)، وخلص العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسير الميزان بعد نقاشه التفسيري إلى أن «كل الثروات للناس» وأضاف أن «من بين هذه الأمور تقسيم بيت المال بالتساوي بين جميع الأفراد دون أي تمييز»[15] (زریباف، 1397: ص 111)؛ أي ما يقع ضمن نظام الاقتصاد الإسلامي تحت مظلة الملكية العامة[16] للمسلمين ويجب أن يُصرف للمصالح الجماعية والعامة(نک: صدر، 1393‌ب، ج 1: ص 339). في الواقع، يجب توفير الحد الأدنى من الراحة والرفاهية لكل فرد من أفراد المجتمع، ويتم ذلك أولاً من خلال التوزيع المناسب للمنافع العامة والإمكانات الحكومية، وثانيًا برفع مستوى معيشة من تقل أوضاعهم المعيشية عن متوسط المجتمع(نک: صدر، 1393الف: ص 132).

هذه الثروات والمزايا، لأنها لا تدخل في الملكية الخاصة الفردية، تكون في حوزة الحكومة الإسلامية، وتقع على عاتقها مسؤولية توزيعها بين أعضاء المجتمع. إن مراعاة العدالة في توزيع هذه الأنواع من الإمكانات والمزايا لها أهمية كبيرة في تحقيق العدالة الاجتماعية؛ لأن هذه الثروات تعد عوامل وأدوات أولية مؤثرة في مجال الأنشطة الإنتاجية والخدمية، ولها تأثير في شغل الوظائف من قبل الأفراد في المستويات الحكومية والعامة، والمناصب السياسية والاجتماعية(احمدی، 1391: ص ص. 6564)؛ ومن ثم، فإن تحقيق العدالة في توزيع المنافع العامة والإمكانات الحكومية يتأثر بالعدالة التوزيعية في هذه المرحلة. في الواقع، وفقًا لرؤية الاقتصاد الإسلامي، لا ينبغي تداول الثروة العامة التي تخص الجميع بين أثرياء المجتمع: «كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم»(زریباف، 1397: ص 111).

في الواقع، يشير الشهيد صدر في تفسيره لإحداث العدالة في القطاع العام إلى نصوص تُلزم الدولة برفع الفقر من مصادر أخرى، ويستند في هذا الاتجاه إلى آية الفَيْء ويدخلها في مفهوم الأنفال، فيستنتج أن الفَيْء والأنفال يُستخدمان لمصالح عامة وكذلك لضمان التوازن وتدفق رأس المال (حسینی، 1387: ص 18).

46. توزيع معلومات السوق (شفافیت[17] و نبود رانت اطلاعاتی)

الحصول المبكر والحصري على المعلومات الاقتصادية المتعلقة بسياسات التجارة والنقد والعملات وسوق الأسهم والشؤون المالية والمشاريع العمرانية هو مصدر أحد أهم أنواع الريع الذي أدى إلى مظالم واسعة النطاق. فمجموعة من الأشخاص الذين يحصلون على معلومات مبكرة حول التغيرات المستقبلية القريبة في القوانين واللوائح والسياسات والقرارات الجديدة، والمشاريع العمرانية الكبرى، والإصلاحات في المناطق والخرائط الحضرية، والشؤون المتعلقة بكيفية أداء الشركات، يحصلون على معلومات سرية، مما يؤدي إلى نشوء منافسة غير صحية في سوق رأس المال، ونتيجة لذلك، تدفع هذه الأفعال الريعية أصحاب رؤوس الأموال إلى أنشطة اقتصادية غير منتجة مثل شراء وبيع الهواتف المحمولة، والسيارات، والعملات، والذهب، والعقارات، وبهذا الشكل، يخرج حجم كبير من رؤوس أموال المجتمع من دائرة النمو والتطور.

في الواقع، إن مراعاة العدالة في توزيع المعلومات هي السبيل الوحيد لمنع الريع الاقتصادي الناجم عن المعلومات المبكرة؛ على سبيل المثال، الأشخاص الذين يحصلون لأي سبب كان على معلومات عن الميزانيات وحسابات الأرباح والخسائر للشركات في سوق الأوراق المالية قبل الآخرين، يتخذون سياسات مناسبة ويظهرون الوضع المالي للشركة بشكل سلبي، مما يؤدي إلى انخفاض سعر الأسهم، وبعد شراء الأسهم الرخيصة، يروجون لوضع الشركة الجيد جدًا، وبزيادة سعر الأسهم، يبيعون الأسهم التي اشتروها بسعر أعلى ويحققون أرباحًا طائلة من خلال الريع المعلوماتي. بشكل عام، الريع أو الدخل غير المكتسب هو من المشاكل الأساسية، وبدون القضاء عليه، لن يكون من الممكن مكافحة الفساد المالي والاقتصادي بشكل جاد وتحقيق العدالة الاقتصادية وتوزيع الفرص بشكل عادل (آقانظری، 1383: ص 79). وهذا في حين يجب أن يكون لجميع الناس حصة متساوية في الحصول على المعلومات الاقتصادية حتى لا يتمكن بعض الأفراد من استخدام العلاقات وتجاوز القواعد للوصول إلى بيانات تمكنهم من تحقيق أرباح ضخمة (احمدی‌، 1391‌: ص 69).

بناءً على ذلك، وبالتأمل في أبواب الروايات والفقه، يمكن القول إن الشفافية من خصائص السوق الإسلامية. ومن علامات الشفافية في السوق الإسلامية التي وردت في الآيات والروايات والنصوص الفقهية ما يلي: كراهية اعتبار الركبان؛ المنع من البيع والشراء بين المدن والقرى (واستخدام الريع المعلوماتي)؛ التأكيد على صياغة العقود وأخذ الشهود عند تسجيلها؛ المباشرة في إجراء المعاملات المهمة؛ كراهية التعامل مع الأطفال؛ وجوب معرفة الوزن أو المكيال أو العدد (حسب نوع السلعة)؛ ضرورة إجراء المعاملة في كل مدينة بوحدات القياس الخاصة بتلك المدينة؛ المنع من البيع والشراء العشوائي بصيغ «منابذة»، «ملامسة»، و«حصاة» في الفقه الإسلامي، والمنع من إخفاء عيوب السلعة [18] (رجایی، 1389‌: ص 100‌).

بشكل عام، تقع على عاتق الحكومة، بصفتها منظم السوق والمصدر الرئيسي للمعلومات الاقتصادية والسياسية المهمة، مسؤولية توضيح الأجواء الاقتصادية في البلاد وفقًا لقاعدة العدالة، وتوفير المعلومات بشفافية للجميع. في توضيح النظام المعلوماتي، يتم الإعلان عن الفرص بشكل عام، ويستفيد الأفراد من هذه الفرص بناءً على قدراتهم ومواهبهم. بمعنى آخر، في هذا التوضيح لا يوجد قيد على إعلان المعلومات الاقتصادية للمجتمع سوى المصالح الوطنية، ويمكن اعتبار مبدأ المساواة معمولًا به في إعلان هذا المجال.

5. الخلاصة والنتيجة

النمو الطبيعي للمجتمع الإسلامي في إطار اقتصادي سليم لا يسمح بتراكم رأس المال لدى قلة محدودة وتركيزه، كما حدث في المجتمعات الرأسمالية حيث أدى ذلك إلى نشوء الاحتكار في الحياة الاقتصادية. ولهذا السبب، فإن التطبيق الصحيح لقواعد ومبادئ الاقتصاد الإسلامي من قبل الحكومة الإسلامية هو أفضل طريق للحفاظ على التوازن الاجتماعي. ومن أهم القواعد في الحكم الاقتصادي هو مبدأ العدالة الذي تم بحثه مع التركيز على العدالة التوزيعية. وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الحكم الاقتصادي الصحيح يتحدد بمراعاة مؤشرات العدالة. وتشير نتائج هذا البحث إلى أن الدولة في حكمها الاقتصادي يجب أن تراعي العدالة في توزيع الأمور التالية:

توزيع فرص (العمل) الاقتصادية؛

توزيع الفرص التعليمية والدراسية؛

توزيع الأنفال والموارد الطبيعية؛

توزيع الدخل والثروة؛

توزيع المنافع العامة والإمكانات الحكومية؛

توزيع معلومات السوق.

إن إقامة العدالة التوزيعية مع التركيز على الأمور المذكورة يمكن أن تمهد الطريق للاستفادة الصحيحة والمتناسبة لجميع أفراد المجتمع الإسلامي وخلق التوازن والعدالة الاجتماعية.

قائمة المراجع

القرآن الكريم.

نهج البلاغة.

آقانظری، حسن. 1383. «عدالت اقتصادی ازنظر افلاطون، ارسطو و اسلام». اقتصاد اسلامی. سال‌ چهارم‌. تابستان. العدد 14. ص ص. 7863.

ابن‌منظور. 1414. لسان‌العرب. بیروت: دارالفکر. الطبعة الثالثة.

احمدی، سید جواد. 1391. «معیار عدالت توزیعی و نسبت آن با انصاف و برابری با تأکید بر اخلاق حکومتی‌ امام‌ علی (علیه‌السلام‌)». پژوهش‌نامه اخلاق. سال پنجم. زمستان. العدد 18. ص ص. 7653.

توسلی، حسین. 1375. مبانی نظری عدالت اجتماعی‌. تهران: مدیریت بهره‌وری بنیاد مستضعفان و جانبازان.

حسینی، سید رضا. 1387. «معیارهای‌ عدالت‌ اقتصادی‌ از منظر اسلام (بررسی انتقادی نظریه شهید صدر)». اقتصاد اسلامی. سال هشتم. زمستان. العدد 32. ص ص. 32‌7.

‌‌رجایی‌، سید محمدکاظم. 1389. «ویژگی‌های بازار اسلامی در نظریه و عمل». معرفت اقتصادی. سال دوم‌. پاییز‌ و زمستان‌. العدد 3. ص ص. 11893.

رنانی، محسن؛ باستانی‌فر، ایمان. 1386. «كاتالاكسی و عدالت: بررسی پیامدهای توزیعی مداخله‌ در کاتالاکسی (مطالعه موردی شهر اصفهان)». پژوهش‌نامه اقتصادی. سال هفتم. زمستان. ‌شماره 27‌. ص ص. 331285.

زرقا‌، محمدانس‌. 1379. «عدالت توزیعی در اسلام». ترجمة سید اسحاق علوی. نامه مفید. سال ششم. پاییز. العدد 23. ص ص. 132109.

زریباف، سید مهدی. 1397. «مؤلفه‌های نظام اقتصادی الگوی اسلامی ایرانی پیشرفت». تهران‌: أطروحة دكتوراه علوم اقتصادی (گرایش اقتصاد اسلامی). دانشگاه علامه طباطبایی.

سجادی، سید جعفر. 1375. فرهنگ علوم فلسفی و کلامی. تهران: امیرکبیر.

سیف، اله‌مراد. 1398. «ناکارآمدی حکمرانی اقتصادی ریشه مسائل جاری». تاریخ دریافت‌ مطلب‌: 20/ 9/ 1399. قابل دسترسی در آدرس https://amseif.ir/?p=7753#_ftn4.

سیف، اله‌مراد؛ شیخ، علیرضا؛ بهدادفر، محمدرسول. 1398. «الگوی عدالت اقتصادی در چهارچوب اقتصاد مقاومتی جمهوری اسلامی ایران». مطالعات دفاعی‌ استراتژیک‌. سال هفدهم. زمستان. العدد 78. ص ص. 228203.

شاه آبادی، ابوالفضل؛ پورجوان، عبدالله. 1391. «رابطه حکمرانی با شاخص‌های توسعه اقتصادی- اجتماعی کشورهای برگزیده». علوم اجتماعی (فردوسی مشهد). سال‌ نهم‌. پاییز و زمستان. العدد 2. ص ص. 7553.

شهیدی، سید جعفر. 1379. نهج البلاغة. تهران: منشورات علمی فرهنگی. الطبعة هفدهم.

صدر، محمدباقر. 1434ق. التفاوی الواضحه وفقا لمذهب اهل البیت (موسوعه الامام الشهید‌ السید‌ محمدباقر‌ الصدر). المجلد 16. قم: مرکز‌ الابحاث‌ و الدراسات‌ التخصصیه للشهید الصدر.

. 1393الف. اسلام، راهبر زندگی. قم: منشورات دارالصدر.

‌. 1393ب. اقتصادنا. قم: منشورات دارالصدر.

‌. 1394. بارقه‌ها‌ (مقالات‌، سخنرانی‌‌ها و یادداشت‌ها). قم: منشورات دارالصدر.

طباطبایی، محمدحسین‌. 1372‌. تفسیر المیزان. المجلد 4. قم: منشورات اسلامی.

عاملی، سید احمد. 1392. «اصل مساوات و اصول الگوی اسلامی نظام توزیع». پژوهش‌های اجتماعی‌ اسلامی‌. سال‌ نوزدهم. پاییز. العدد 98. ص ص. 8963.

العسل، ابراهیم. 1378‌. توسعه در اسلام. ترجمة عباس عرب‌مازار. مشهد: آستان قدس رضوى.

علم‌الهدی، جمیله. 1391. نظریه اسلامی تعلیم و تربیت (مبانی‌ آموزش‌ رسمی‌). تهران: دانشگاه امام صادق(ع).

علی‌اکبریان، حسنعلی. 1398. «ضابطه عدالت توزیعی در‌ اقتصاد‌ و سیاست». علوم سیاسی. سال بیست‌و‌دوم. پاییز. العدد 87. ص ص. 5633.

عیوضلو، حسین. 1384. عدالت و کارایی‌. تهران‌. دانشگاه‌ امام صادق‌ (علیه‌السلام).

فارابی، ابونصر. 1361. اندیشه‌های اهل مدینه فاضله. ترجمة سیدجعفر‌ سجادی‌. تهران‌: طهوری. الطبعة الثانية.

قابل، هادی. 1390. قاعده عدالت و نفی ظلم. قم: فقه الثقلین.

قرضاوى‌، یوسف‌. 1410‌. فقه الزکاة. المجلد 2. بیروت: مؤسسة الرساله.

کلینی، محمد بن یعقوب. 1405. الکافی. المجلد 1 و 2. بیروت‌: درالأضواء‌

مبارک، اصغر؛ آذرپیوند، زیبا. 1388. «نگاهی به شاخص‌های حکمرانی خوب از منظر اسلام‌ و تأثیر‌ آن‌ بر رشد اقتصادی». فصلنامه اقتصاد اسلامی. سال نهم. العدد 36. ص ص. 208179.

مجلسی‌، محمدباقر‌. 1403. بحارالأنوار. المجلد 72. بیروت: مؤسسه الوفاء.

محمدبیکی، علیرضا؛ توتونچیان، مهری. 1398. «بررسی‌ قاعده‌ عدالت‌ از دیدگاه فقه امامیه». فصلنامه علمی تخصصی مطالعات راهبردی فقه و حقوق. سال اول. پاییز. العدد‌ 3. ص ص.‌ 8147.

مصباح یزدی، محمدتقی. 1374. آموزش عقاید. قم: مرکز الطبعة و نشر‌ سازمان‌ تبلیغات‌ اسلامی.

مطهری، مرتضی. 1403. بررسی اجمالی مبانی اقتصاد اسلامی. تهران: منشورات حكمت.

‌. 1387. مجموعه‌ آثار‌ شهید‌ مطهری. المجلد 25. تهران: صدرا. الطبعة الثانية.

موسویان، سید عباس. 1382. «جایگاه‌ دولت‌ در اقتصاد از دیدگاه اسلام». اقتصاد اسلامی. سال سوم. العدد 10. ص ص. 7955.

میدری، احمد‌؛ خیرخواهان‌، جعفر. 1383. حکمرانی خوب، بنیان توسعه. تهران: مرکز پژوهش‌های مجلس شورای اسلامی‌.

نوری‌، حسین. 1369. «حکومت اسلامى و نقش انفال». حوزه‌. العدد‌ 37‌ و 38. صص346333.

واعظی، احمد. 1393‌. نقد‌ و بررسی نظریه‌های عدالت. قم: مؤسسه امام خمینی.

هادوی‌نیا، علی‌اصغر. 1399. «معیارهای عدالت توزیعی‌ از‌ دیدگاه القرآن الكريم». آموزه‌های قرآنی‌. سال‌ هفدهم. بهار‌ و تابستان‌. العدد‌ 31. ص ص. 263.

AusAID. 2008. Economic‌ governance‌. ANNUAL THEMATIC PERFORMANCE REPORT 2006–07. Canberra. Australian Agency for International Development‌ (AusAID‌).

Ayrikyan, Azatuhi & Zaman, Muhammad H. 2012. Creating‌ an Innovation Ecosystem: Governance‌ and‌ the Growth of Knowledge Economies‌. Boston‌ University.

Kjaer, Anne Mette. 2004. Governance, Key Concepts. Oxford. United Kingdom. Polity Press‌.

United‌ Nations Development Programme. 1998. Governance‌ for‌ sustainable‌ growth and equity‌: report‌ of International Conference. New‌ York‌. United Nations Development Programme. Management Development and Governance Division.

World Bank. 2000. “Poverty Reduction‌ Strategy‌ Papers”. IMF and the World Bank‌. September‌ 7.

. 2007‌. “A Decade‌ of‌ measuring the quality of‌ governance: governance matters. World wide governance indicators. 1996-2007. Washington, D.C.

[1] Xuening‌ Yao‌, Chihiro‌ Watanabe, Ying Li

[2] ArifieMarie Mohammad and Eric Stroble‌

[3] Mark‌ R. Thompson

[4] Shalendra D. Sharma

[5] Larry Diamond

[6] Shabbir Cheema and Linda Maguire

[7] HansJurgen Wagener

[8] United States Agency for International Development

[9] في ما يلي، يذكر عدة مسائل شرعية يُعتبر العدل شرطًا أساسيًا فيها مثل المرجعية، القضاء، إقامة الشهادة وغيرها.

[10] بالطبع، جميع المجالات الاجتماعية مترابطة، وقد يتأثر تحقيق العدل في كل منها بالمجالات الأخرى، ولكن نظرًا لأهمية وتأثير العدل التعليمي على العدل الاقتصادي، فقد تم التطرق إلى هذا الموضوع هنا.

[11] يقول العلامة الطباطبائي في المجلد ٤ من تفسير الميزان: «العدل الاجتماعي يعني أن يُعامل كل فرد من أفراد المجتمع بما يستحقه وأن يُوضع في المكانة التي يستحقها» (۱۳۷۲: ص ۲۴۵).

[12] يقول الشهيد المطهري في هذا الصدد: «يجب أن تتاح إمكانية تحصيل العلم للجميع و… يجب توفير تلك الإمكانيات بالتساوي للجميع بحيث تكون الوسائل متاحة تدريجيًا لابن ذلك الفلاح في ذلك الركن من البلاد الذي يمتلك موهبة علمية واجتماعية كامنة، ليتمكن من اجتياز المراتب حتى يصل إلى درجة التخصص في فرع علمي، وإذا كانت موهبته الاجتماعية جيدة، مثلاً يصل إلى منصب الوزارة» (مطهری، ۱۳۸۷: ص ۲۵۵).

[13] يجب الانتباه إلى أن التوازن في الدخل من منظور الإسلام ليس مشابهًا للاقتصاد الاشتراكي الذي يحول جميع أفراد المجتمع إلى عمال وموظفي الدولة ويجردهم من الحرية الاقتصادية، مما يؤدي إلى تحويل غالبية أفراد المجتمع إلى طبقة فقيرة وعاملة. عمومًا، لا يمكن التضحية بالعدل من أجل التنمية والنمو غير المستدام وغير المتوازن، ولا يمكن تجاهل التنمية والنمو باعتبارهما تحقيقًا للعدل وتوزيعًا منصفًا للفقر العام؛ بل إن الاعتدال والتوازن يقتضيان أن تسعى السياسات الاقتصادية والاجتماعية العادلة إلى التنسيق مع التنمية المستدامة.

[14] ورد هذا الحد في الروايات الإسلامية بعبارة «… حتى تغنيه» و«… حتى يلحقهم بالناس» (زریباف، 1397: ص111).

[15] تشير بعض مبادئ الدستور الإسلامي للجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى هذا القاعدة أو تظهر آثار تطبيقها، ومن بينها ما يلي: المادة ٣٠: التعليم مجاني حتى نهاية المرحلة الثانوية. المادة ٢٩: الضمان الاجتماعي كحق عام. المادة ٣١: … الحصول على سكن مناسب حاجة لكل فرد وعائلة إيرانية. المادة ٤٣: … ١. توفير الاحتياجات الأساسية: السكن، الغذاء، الملابس، الصحة، العلاج، التعليم والوسائل اللازمة لتكوين الأسرة للجميع؛ ٢. توفير الظروف والوسائل للعمل للجميع بهدف تحقيق التوظيف الكامل وتوفير أدوات العمل لكل من يستطيع العمل وليس لديه وسائل.

[16] الأراضي المأهولة التي استولى عليها جند الإسلام أثناء الجهاد مع الكفار بالقهر والغلبة (وليس بالصلح) وأصبحت جزءًا من الأراضي الإسلامية، بشرط أن يكون ذلك الجهاد بإذن ولي أمر المسلمين، تصبح ملكًا عامًا لجميع المسلمين عبر الأجيال.

[17] في الأدبيات الاقتصادية، يُعرف الشفافية بأنها تدفق المعلومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الوقت المناسب وبموثوقية، وتوفرها لجميع أصحاب المصلحة في السوق. كما يُعرف غياب الشفافية بأنه: المنع المتعمد من الوصول إلى المعلومات، تقديم معلومات خاطئة، أو عجز السوق عن التأكد من كفاية وملاءمة وجودة المعلومات المقدمة.

[18] من بين الأمور الأخرى يمكن الإشارة إلى العناوين التالية: الصدق، الثقة، التراضي، الإلمام بالبيئة، كتابة وتوثيق العقد، شهود العقد، الإفصاح عن السلعة ومنع الاحتكار. فيما يتعلق بنوع وموضوع العقد، هناك مجموعة من النقاشات التي تؤدي إلى وضوح عنوان العقد، وضوح نوع وكمية السلعة، وضوح السعر، دقة أدوات القياس، وتحديد وقت القبض والتسليم. إذًا، تؤكد نظرية السوق الإسلامية على وضوح المسائل المتعلقة بالتبادل وإزالة الغموض عن القضايا التي تمس مصالح طرفي العقد، مما يؤدي إلى الشفافية. كما يُشترط في طرفي العقد، بالإضافة إلى الشروط العامة (البلوغ والعقل)، أن يكونا مالكين ومحترمين وأن يكونا على دراية بالأحكام (القوانين والأنظمة). كما يشترط إتمام القبض والتسليم لتحقيق العقد وإتاحة فرصة لتقييم الصفقة بعد القبض والتسليم، ووجود أنواع من الخيارات منها خيار العيب للكشف عن العيوب الخفية وإتاحة فرصة للتعويض، كل ذلك يدل على شفافية السوق الإسلامية.