ضرورة تتبع أصول المناقشات اللفظية في علم الأصول

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: ضرورت تبارشناسی مباحث لفظی علم اصول ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذه المقالة، يتم بحث ضرورة تتبع أصول المناقشات اللفظية في علم الأصول بنظرة نقدية إلى مسار التطورات التاريخية والقدرات الداخلية لهذا العلم. يؤكد المؤلف على الدور المحوري للشهيد صدر في بناء هيكل جديد للمباحث الأصولية، موضحًا تفريقه الرائد بين نوعين من «المباحث التحليلية» و«المباحث الاستكشافية» في مجال الألفاظ. تُظهر هذه الدراسة أن ابتكارات الشهيد صدر ليست انقطاعًا عن التقليد الأصولي أو مجرد اقتباس من فلسفة اللغة الغربية، بل هي صياغة دقيقة ومتطورة للحقائق الكامنة في علم الأصول. كما يُثبت البحث، من خلال مراجعة نقدية لبعض المناهج الاختزالية المبنية على اللغويات الغربية، القدرات المستقلة لعلم الأصول في التحليلات المعقدة الدلالية واللغوية.

المؤلف: رضا اسلامی

المصدر: نقد و نظر، ربيع وصيف 1385، العدد 41و42، ص 278-314.

المقدمة

منذ عقدين مضيا وحتى الآن، حيث نُشرت كتب ومقالات أكثر تعكس آراء وأفكار عامة اللغويين وخاصة فلاسفة اللغة، توجه انتباه مجموعة من الباحثين والعلماء في علم الأصول في الحوزات العلمية الشيعية إلى الإنجازات العلمية للغويين خلال القرنين الأخيرين، وكان لديهم دائمًا نظرة استقصائية إلى فروع مختلفة من العلوم اللغوية التي تختلف تمامًا عن مباحث الألفاظ في علم الأصول.

كان من المتوقع أن يتمكن مترجمونا الأكفاء ومحللو أعمال هؤلاء العلماء الغربيين على الأقل من إظهار فعالية وقدرات المناقشات اللغوية وآثار ومستلزمات منهج الفلاسفة التحليليين بينهم بشكل جيد؛ بحيث إذا كانت هناك أخطاء جزئية أو كلية في المنهج العلمي لعلماء الأصول في دراسة الدلالات اللفظية، أو إذا اكتُشفت حلقات مفقودة أو مهملة في مسار الاستدلالات والاستنتاجات، أو إذا لوحظ خلل في تنقيح الدلالة وظهورها واكتشاف طريقة التفاهم والفهم، أو إذا شوهد تقصير في إعداد وتدوين المبادئ والقواعد والأدوات اللازمة، فإن كل هذه الأخطاء تُشخّص ويُفتح المجال لإعادة النظر الكلية أو الجزئية في شكل مباحث الألفاظ في علم الأصول.

لكن، في نظر الكاتب، لم يُنجز عمل جدير في هذا المجال بعد، ولم يُطرح احتمال في الأذهان بأن المنهج العلمي ووجهات نظر اللغويين قد تمهد لحدوث تحول هيكلي أو موضوعي في مسار وبنية مباحث الألفاظ في علم الأصول. إن نتائج الجهود المبذولة لنقل هذه المعارف إلى فضاء مدارس علم الأصول وشرح الهامشات التي تُرى حول الترجمات، حتى من دون الدخول في نقد ومراجعات، غير كافية لإيجاد نظرة ثنائية الاتجاه، وفي هذه المقالة نحاول أن نُظهر إلى حد ما نقاط الخلل في بعض الدراسات المقارنة التي أُجريت، ربما لتوفير أرضية مناسبة لاستمرار الدراسات والتأملات اللاحقة. وبالطبع، نعترف بأن تشكيل نظرة دقيقة ثنائية الاتجاه واكتشاف ذهنيات الطرفين يتطلب وقتًا طويلًا للدراسة والمراجعة ثم العرض والشرح، وليس أمرًا سهلاً أو سريعًا. عادةً، من يخطو في هذا المجال، إذا كان من خلفية حوزوية خالصة، يُتهم بعدم فهم وجهات نظر العلماء الغربيين جيدًا والاكتفاء بدراسة ترجمات ضعيفة وغير واضحة، وإذا كان من خلفية جامعية خالصة يُتهم بعدم التعمق في آراء وأفكار علماء الأصول الشيعة والاكتفاء بدراسة محدودة وسريعة.

لذا، يجب ترك المجال للشخصيات التي لديها دراسات كافية وشاملة في كلا المجالين. ولكن إذا كان هناك بعد حتى ظهور مثل هذه الشخصيات، فيجب تمهيد أرضية للحوار المتبادل.

ومن دواعي السعادة أن مجلة نقد ونظر قد خطت خطوة مؤثرة في مسار الدراسة المقارنة والمقارنة من خلال تناول موضوع (علم الأصول والعلوم اللغوية). كما أن الكاتب، من خلال كتابة وتحرير مقال (منظومة مباحث الألفاظ في علم الأصول) الذي نُشر في العدد الأول الخاص من هذا العدد الخاص، سعى إلى تقديم تقرير واضح عن بعض قدرات علم الأصول في مباحث الألفاظ. هذا التقرير اقتصر على شرح أنواع الظهور العشرة ثم تحديد مصاديق الظهور ومقدماته وأخيرًا اعتبار وحجية الظهور؛ وبالطبع، فإن جغرافية مباحث الألفاظ في علم الأصول أوسع بكثير من هذا الحد، ولا يمكن الاكتفاء بالإشارات القصيرة التي وردت في ذلك المقال للتعرف على كل القدرات. كما أن تقرير الأستاذ مصطفى ملكيان في نفس العدد من المجلة كان مجرد إشارة إلى الكم الهائل من مباحث اللغويات عند العلماء الغربيين.

في العدد السابق من مجلة نقد ونظر (العدد 39 و40) نُشر مقال آخر بعنوان (تتبع أصول مباحث الألفاظ في علم الأصول) بقلم الكاتب نفسه، حيث أشار في ذلك المقال، مع اهتمامه بابتكار الشهيد صدر في بناء هيكل للمباحث في علم الأصول وبتقديره الكبير لعمل الشهيد صدر في تحليل ودراسة نوع مباحث الألفاظ في علم الأصول، إلى انتقادات وملاحظات على عامة علماء علم الأصول، وخاصة الشهيد صدر، وخلال دراسة مقارنة لتصنيف مباحث الألفاظ وفقًا لفروع العلوم اللغوية المختلفة التي سماها (تتبع أصول مباحث الألفاظ في علم الأصول)، حدد، حسب تصور نفسه، نقائص النقاش العلمي عند الأصوليين في مواضع مختلفة، لكنه في النهاية، من خلال بث الشك وزرع الريبة في الأسس الأساسية لهذا العلم، لم يترك مجالًا لتقييم عمل الأصوليين في مباحث الألفاظ؛ لأنه عندما يكون البيت مهدومًا من الأساس، لا يمكن التمسك بدور الإيوان.

على أية حال، فإن المقالة (تبارشناسي مباحث لفظي علم اصول) بغض النظر عن نقاط القوة التي تتمتع بها في مجال تقديم المصادر المهمة والموثوقة في ميدان العلوم اللغوية، وبغض النظر عن نقاط القوة التي تعكس الذهنية الخاصة للغويين الغربيين وتاريخ تطور وتكامل أفكارهم، تحتوي على نقاط مثيرة للشكوك والغموض وأحيانًا تدعو إلى الدهشة.

في البداية، سنعرض بعض النقاط الأساسية حول التقرير المختصر للسيد ملكيان عن مباحث ألفاظ علم الأصول.

النقطة الأولى: تكرار التأكيد على وجود خلافات بين علماء علم الأصول وتباين مواقفهم في مواضع متعددة، ومنها التعريف، تحديد الموضوع، التقسيم العام للمباحث، والتقسيم الخاص لمباحث الألفاظ، قد تم إبرازها بشكل واضح ومكثف بحيث يبدو أنه من النادر أن نجد في علم آخر هذا الكم وهذا النوع من الخلافات والتشتت في الآراء والأفكار، ويبدو أن أجواء النقاش غائمة ومبهمة لدرجة أن القارئ لا يستطيع أن يمسك بخيوط النقاش ولا يعرف ما هي طبيعة الخلاف وما هي تفاصيله. لكن يمكن التساؤل: هل فعلاً خلافات الأصوليين أكثر من خلافات أصحاب العلوم والفنون الأخرى في التعبير عن التعريف، تحديد الموضوع وتقسيم المباحث؟ وهل على الأقل هذه الخلافات أكثر من اختلافات وآراء اللغويين أنفسهم، كما ورد في المقال المذكور؟

يكفي أن نعيد النظر في الخلافات التي توجد في تعريف أصل اللغة، تعداد فروع علم اللغة، نطاق فلسفة اللغة، الفلسفة اللغوية والفلسفة التحليلية[1] وخاصة الخلافات وتعدد الآراء التي نقلها المؤلف نفسه في تفسير الوضع[2]. كيف يمكن تصديق أن هذا التباين في الآراء في مكان ما علامة على عمق علمي، وفي مكان آخر علامة على الارتباك؟ إذا كان توقع التوافق بين أهل علم معين مبررًا، فهو مبرر لكلا الطرفين، وإذا كان غير مبرر فهو غير مبرر لكليهما. لذلك، يجب القول إن المنهجية لا تتعارض مع التباين في الروايات.

أما الحل فيمكن أن نقول: إن الخلافات بين أصحاب العلوم والفنون يمكن تتبع جذورها بعدة أشكال:

1. أحيانًا يكون الخلاف متعلقًا بالاختلاف في الأسس والمقدمات.

2. أحيانًا يكون متعلقًا بالاختلاف في المناهج والأساليب واستخدام بعض الأدوات ودرجة الاستفادة من بعض المصادر. هذا النوع من الخلافات في الحقيقة يعود إلى الاختلاف في الأسس والمقدمات وأيضًا الاختلاف في المصادر؛ لذا فهو أعم من الحالة الأولى.

3. أحيانًا يكون متعلقًا بالاختلاف في الاستنتاجات وتحليل المعلومات.

4. أحيانًا يكون متعلقًا بالاختلاف في الذهنيات والبيئات والفضاءات الخارجية التي تؤثر على الاستنتاجات. في هذه الحالة يجب على كل عالم أن يتعرف على العوامل الذهنية والخارجية المؤثرة على استنتاجاته ويكتشف ما إذا كانت أساسًا ومصدرًا أم لا.

5. وأحيانًا يكون الخلاف ناتجًا عن عدم تنقيح المقدمات والأسس وعدم التعرف على جميع العوامل المؤثرة في الاستنتاج أو عدم الالتزام بمنطق الاستدلال ومنهج النقاش، بحيث إذا تم الانتباه إلى هذه النواقص، تُزال الخلافات وتُحل.

6. وأحيانًا يكون الخلاف ناتجًا عن طبيعة النقاش التي تكون سائلة وممتدة إلى حد يمكن لكل شخص أن يقدم رأيًا مخالفًا لآخر ويجد مبررًا لكلامه بحيث لا يمكن إبطال رأيه. بالطبع، هذا النوع من الخلافات لا يوجد في العلوم الاستدلالية، والقسم الخامس الذي يعود في الحقيقة إلى القسم الثاني، رغم أنه علامة على الضعف والانتقاص بسبب عدم الالتزام بمنطق الاستدلال، إلا أن الأهم هو إثباته. لكن وجود الخلاف لأحد الأسباب الأربعة الأولى أمر طبيعي وأحيانًا علامة على قوة وأصالة أسس بعض العلوم، ولا يمكن القول إن خلاف الأصوليين ليس من هذا النوع.

بعيدًا عن كل هذا، لا ينبغي أن يدفعنا تباين الأصوليين في التعريف، تحديد الموضوع وتقسيم المباحث إلى إعلان عدم الحاجة إلى تبني وجهة نظر خاصة؛ لأن في كثير من الحالات، أي حكم على مباحث علم الأصول يعتمد على تبني وجهة نظر معينة حول التعريف، الموضوع ومنهج تقسيم المباحث، ناهيك عن إمكانية استخراج قدر شامل من بين الآراء أو اعتماد الرأي الشائع كأساس للعمل. يتفق تقريبًا جميع الأصوليين على أن علم الأصول يناقش أدلة علم الفقه، بحيث يكون أصل كون الدليل دليلًا وطريقة دلالته محل نقاش، وبالطبع توجد مناقشات كثيرة بينهم في إدخال أو إخراج بعض القيود لجعل التعريفات الاصطلاحية التي تأتي في بداية العلم شاملة وكاملة، وهذا يُطرح في موضعه.

النقطة الثانية: دراسة مسار تطور مباحث علم الأصول وتغير هيكليته وتكامله من زمن سيد مرتضى صاحب الذريعة إلى أصول الشريعة، الذي يعد أول عمل موسع وبارز لدى الشيعة، وحتى زمن الشهيد الصدر، يمكن أن تظهر متعة الحوار حول تاريخ علم الأصول بشكل جيد، لكن يبدو أن في نظر مؤلف المقالة (تبارشناسي مباحث لفظي علم اصول) فإن مسار التطور التدريجي للمباحث في هذا التاريخ الذي يمتد لألف سنة، وتقلبات النقاشات التي هي أمر طبيعي تمامًا وتُرى في تاريخ تطور جميع العلوم، اعتُبرت دليلًا على وجود ضعف، وقد ذكروا أنه (مع أن طريقة تقسيم المباحث والمسائل في علم الأصول لها تأثير حاسم وكبير في تحديد نطاق المباحث اللفظية لهذا العلم، إلا أنه لا يوجد على الإطلاق اتفاق في طريقة هذا التقسيم بين الأصوليين)[3].

يجب القول، بعيدًا عن عدم الانتباه إلى مراحل وتحولات علم الأصول التي تقسم هذه الفترة الألفية إلى عدة مقاطع محددة بخصائص خاصة، هناك أيضًا مجال لهذا السؤال: هل يتوقع المؤلف المحترم أنه في مقطع زمني يمتد لمئة أو مئتي عام، لا يحدث أي تغيير أو تطور في أسلوب وبنية علمي، علم مثل أصول الفقه؟ فهل نقول إن علم الأصول خلال فترة ألف عام لم يتغير شكل تقسيماته؟ في الواقع، هل في مختلف فروع علم اللغة التي تعود إلى القرنين الأخيرين، يوجد اختلاف في الأقوال واختلاف في شكل تقسيم المواضيع أقل من الاختلاف في علم الأصول؟ والأكثر من ذلك، كل تلك التقسيمات التي نقلها المؤلف المحترم هي نتاج تطور الفكر الأصولي في الحوزات الشيعية، فماذا لو أردنا دراسة آثار مذاهب إسلامية أخرى ونقدم تقريرًا عن أعمالهم أيضًا.

على أي حال، فإن اختلاف الأسس واختلاف طبيعة المواضيع وكمّيتها ونوعيتها له تأثير لا يمكن إنكاره في التقسيمات والتصنيفات لكل علم، ونحن إما أن نكون من أهل ذلك العلم ونعتبر تقسيمًا معينًا قابلاً للدفاع ونعتمده معيارًا، أو نكتفي بعكس رأي المشهور بين المتأخرين الذي هو آخر ما توصل إليه العلم، وفي هذه الحالة، ما الجدوى من بيان اختلاف الرأي بين شخصيتين مثل سيد مرتضى وسيد خوئي؟

فيما يتعلق برأي المشهور بين الأصوليين، يمكن القول إنهم وضعوا جميع مباحث علم الأصول ضمن خمسة أقسام: مباحث الألفاظ ومقدماتها، مباحث الدليل العقلي، مباحث الحجج الشرعية، مباحث الأصول العملية، وأخيرًا مباحث تعارض الأدلة. سر هذا التقسيم هو أن الدليل إما أن يكون له جانب كشف عن الواقع، أو أنه بدون النظر إلى الواقع يحدد ويبين فقط الواجب العملي للمكلّف. في القسم الأول، إما نبحث في الدلالة أو في الدليلية، وفي هذا القسم الأول أيضًا يكون الدليل لفظيًا أو غير لفظي. أما بالنسبة للأصول العملية، فلا يتم تفريق بحث الدليلية عن بحث الدلالة، وما قيل في تنقيح دلالة الدليل اللفظي يمكن أن يُستخدم هنا. لذلك، فإن بحث الدلالة والدليلية للأصول العملية يتركز في مكان واحد. أما بالنسبة للإمارات (الأدلة الكاشفة)، فالحديث الصغروي، أي بحث الدلالة سواء دلالة الدليل اللفظي أو دلالة الدليل غير اللفظي (والأغلب هو الدليل العقلي)، يسبق بحث الدليلية الذي يُطرح تحت عنوان (الحجج الشرعية).

بعد دراسة هذه الأقسام الأربعة الكبرى في علم الأصول، يحصل القارئ على المعرفة اللازمة بما يؤهل الدليل لأن يكون دليلاً في الفقه، ويُدرك مقدار دلالته، ثم يحين دور دراسة العلاقة الطولية أو العرضية بين الأدلة، وبعبارة أخرى، كيفية ترتيب الأدلة. هنا يمكن تصور حالات مختلفة تعتمد على كيفية اعتبار الدليل ودلالته؛ ولكن إذا كان الدليلان في مرتبة واحدة ووقعا في حالة تعارض ثابتة، فإن النتيجة إما أن يُفضل أحد الدليلين على الآخر، أو لا يُوجد سبيل لتفضيل أحدهما. ولهذا السبب يُسمى باب تعارض الأدلة بـ(باب التوازن والترجيح).

هذا القدر هو نتيجة تبرير وجهة النظر المشهورة في تقسيم مباحث الأصول التي هي واضحة وجلية تمامًا.[4] الاختلافات التي تُرى في الكتب الموسعة، رغم أنها قد تكون مربكة لغير المتخصصين، إلا أنها أمر طبيعي تمامًا ومبرر للمتخصصين. على سبيل المثال، يمكن تقديم قاعدة حجية القطع كأعم عنصر مشترك في الاستنباط، أو يمكن زيادة أو نقصان مقدمات مباحث الألفاظ، أو يمكن نقل بعض المباحث التي بطبيعتها عقلية، رغم ارتباطها بالدليل اللفظي، من باب الأدلة اللفظية إلى باب الأدلة العقلية. كل هذه المناقشات هي مناقشات تطبيقية؛ لأن مع تطور علم الأصول وبزيادة الدقة، أدرك علماء الأصول أن بحثًا معينًا يجب أن يُضاف كمبحث تمهيدي، وآخر يمكن التعرف عليه كمبحث عقلي. لكن البنية العامة والتركيب الكلي لعلم الأصول لا يتغير مع هذه التنقلات في تطبيقات المباحث. على أي حال، للمقارنة بين مباحث الألفاظ في علم الأصول والعلوم اللغوية، الاكتفاء بالرأي المشهور في التقسيم الخماسي للأبواب أو الاكتفاء برأي أحد الأصوليين المشهورين المتأخرين أو أحد الكتب المحورية في علم الأصول في بيان فهرس مباحث كل باب هو أمر مفيد، وطرح اختلافات التقسيمات مضر، أما بالنسبة لطريقة تقسيم الشهيد الصدر لمباحث علم الأصول كما ورد في تقارير دروسه، فهناك نوعان من التقسيم يمكن ذكرهما: أولًا؛ التقسيم من حيث ذات الدليل، بمعنى نوع الدليل، وبهذا الأساس، الأبواب الثلاثة الكبرى لعلم الأصول هي: الأدلة المحرزة، الأصول العملية، وتعادل الأدلة. ثانيًا؛ التقسيم من حيث نوع دليلية الدليل، وبهذا الأساس، الأبواب الستة الكبرى لعلم الأصول هي: مباحث الألفاظ، الدليل العقلي البرهاني، الدليل الاستقرائي، الحجج الشرعية، الأصول العملية العقلية، وتعادل الأدلة.

في مقام مقارنة هذين التقسيمين، يجب القول إن التقسيم الأول أقرب إلى الطريقة القديمة في الحوزة في تقسيم مباحث علم الأصول، ويُظهر كفاءة القواعد الأصولية في مقام الاستدلال الفقهي بشكل جيد. أما التقسيم الثاني فهو أقرب إلى الطريقة الجديدة في الحوزة وأفضل لمناقشة القواعد نفسها وبمزيد من الدقة تجاهها. لذلك، إذا نظرنا إلى علم الأصول من زاوية كونه أداة لعلم الفقه وللتعرف على مجالات تطبيق القواعد الأصولية في الاستدلالات الفقهية، فلا شك أن التقسيم الأول أفضل، وإذا نظرنا إليه بشكل مستقل ومجرد عن علم الفقه، فبالتأكيد التقسيم الثاني هو الأنسب.

من بين هذين المنهجين، اختار الشهيد الصدر للدرس الخارج المنهج الثاني، ولتنظيم نص حلقات الأصول، المنهج الأول.[5]

النقطة الثالثة: في المقالة (تبارُشناسي مباحث لفظي علم الأصول) حول المباحث التحليلية في علم الأصول واختلافها عن المباحث الاستكشافية في باب الألفاظ، تم الانتباه إلى قولٍ من الشهيد الصدر الذي كان ترجمته الكاملة موجودة في العدد الأول من العدد الخاص (علم الأصول والعلوم اللغوية) في نقد ونظر (الأعداد 37 و38)، لكن مؤلف المقال المذكور بذل جهدًا مرة أخرى في ترجمة أجزاء من ذلك القول، ثم اعتبره في حكمه الابتدائي مدهشًا جدًا.

يجب التنبه أولاً إلى أن وجود هذين النوعين من المباحث (التحليلية والاستكشافية) في باب الألفاظ في علم الأصول ليس من اختصاص الشهيد الصدر، فهو ليس مبتكرًا للمباحث التحليلية، بل هو ناقل لواقع موجود داخل مباحث الألفاظ في علم الأصول. يمكنكم أن تراجعوا هذا التقرير وتقيسوا جودته أو تكملوه، لذا لا بد أن يكون أصل اهتمام الشهيد الصدر بوجود هذين النوعين من المباحث وتعريف خصائص ومصاديق كل منهما أمرًا ذا أهمية وعملًا محمودًا.

ثانيًا؛ لم يكن هدفه تحديد مكانة مباحث الألفاظ بين العلوم اللغوية، بل كان هدفه التمييز بين نوعي النقاش اللفظي في علم الأصول والأدوات اللازمة لدراسة كل منهما، ولا نعلم هل صنف هو هذه المباحث التحليلية من قبيل مباحث فلسفة اللغة من عنده، أم أنه اطلع على دراسات في آثار فلاسفة اللغة في الغرب وتأثر بها فانتبه إلى تبارُشناسي مباحث الألفاظ؟

ثالثًا والأهم من ذلك، أن المباحث التحليلية عند الأصوليين يمكن أن تُفهم بعدة معانٍ وهذه المعاني قد تختلف تمامًا عن شكل وطريقة المباحث التحليلية عند فلاسفة اللغة، فلا ينبغي الاكتفاء بمجرد وصف نقاش ما بأنه تحليلي؛ لأن الفلسفة التحليلية ليست فرعًا محددًا من العلوم اللغوية، بل كما ورد في المقال المذكور، هي منهج خاص في جميع فروع الفلسفة. ورد في المقال:

“هذا القول بأن مبحثًا ما جاء في الفلسفة التحليلية لا يوضح شيئًا… فالفلاسفة التحليليون درسوا وتأملوا في جميع الفروع أو التخصصات الفرعية للفلسفة… والقول بأن فلسفة اللغة جزء من الفلسفة التحليلية هو خطأ فادح. لا توجد تخصص فرعي من أي علم، ومن ضمنها أي تخصص فرعي من الفلسفة، يُعتبر جزءًا من وجهة نظر أو منهج معين.”[6]

هنا، ولزيادة الفائدة ودفع هذا الوهم بأن المباحث التحليلية عند الأصوليين نوع واحد فقط، أوجه انتباه القراء إلى ثلاثة أنواع من النقاشات التحليلية التي يمكن التعرف عليها في علم الأصول.

1. كل مسألة من مسائل علم الأصول تحتوي على موضوع ومحمول، وإذا أردنا معرفة العلاقة بينهما والحكم على صحة أو عدم صحة الحمل، يجب أن نعرف الطرفين جيدًا؛ أحيانًا يمكننا الحصول على علاقة الموضوع بالمحمول من خلال تحليل المفاهيم، ومعرفة ما إذا كان مفهوم ما شرطًا لشيء آخر أو شرطًا لعدم وجوده أو شرطًا بلا شرط، دون الحاجة إلى ترتيب مقدمات خارجية للحكم على صحة أو عدم صحة الحمل.

بالطبع، تحليل المفاهيم للوصول إلى العلاقة بينها في علم الأصول له بحث واسع يُطرح في باب الدليل العقلي، وطبيعة هذا البحث مرتبطة بطبيعتها لا باللغة ولا بدلالة اللفظ. اكتشاف ارتباط بعض الأحكام ببعضها، وارتباط الأحكام بموضوعاتها الواقعية، من ضمن هذه الأنواع من المباحث. لقد أخرج الأصوليون المشهورون، منذ ما يقرب من قرن، مباحث الملازمات العقلية من باب الألفاظ، ويعتقدون أنه في باب غير المستقلات العقلية التي يكون طرف الملازمة فيها الشرع والطرف الآخر العقل، مثل “مقدمة الواجب واجبة”، “التكليف المشروط ممكن”، “النهي في العبادة يقتضي الفساد”، يُنظر إلى الملازمة بين الطرفين بذاتها، ويحكم العقل بصحة أو عدم صحة الحمل بناءً على المعنى والمفهوم للطرفين. فإذا كان النقاش التحليلي بهذا المعنى هو أن العقل يعمل على تحليل المفاهيم وتحليل العلاقة بينها، فحينها لا يهم ما إذا كانت هذه المفاهيم مدلولات ألفاظ أو مدلولات غير ألفاظ. يمكن القول إن مباحث الألفاظ التي تهدف إلى تنقيح دلالة الخطابات الشرعية هي مقدمة للمباحث التحليلية، لأنها تعرفنا على أحد طرفي الملازمة.

الآن، قد يكون قصد الفيلسوف التحليلي الذي يوصي بالتدقيق والتأمل في اللغة لحل أو تفكيك بعض المسائل والمشكلات الفلسفية عبر اكتشاف العلاقات، هو أن الدقة في اللغة تهدف إلى تنقيح المفاهيم التي تكون طرف العلاقة، وبالطبع إذا لم يُعرف طرف العلاقة بدقة، فلن تُعرف العلاقة بدقة أيضًا.

اليوم، أصبح التمييز بين المناقشات اللفظية والمناقشات التحليلية (بمعنى المناقشات العقلية) لاكتشاف الترابط بين المفاهيم واضحًا جيدًا لدى أصوليي الفقه. على سبيل المثال، عندما يُقال في علم الأصول: (تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيح)، يمكن إثبات صحته من خلال تحليل المفاهيم المذكورة في القضية، ويُستدل على ذلك بأن (البيان) يعني الدليل الذي يوجه كيفية عمل المكلف، والشارع يبين به كيفية الأداء والامتثال وطريقة الخروج من التكليف. و(وقت الحاجة) يعني الزمن المحدد للامتثال، وتأخير البيان عن هذا الوقت يعني التأخير في التوجيه إلى ذلك إلى الحد الذي ينقضي فيه الوقت المحدد للامتثال. لذلك، إذا لم يكن للعمل وقت محدد، أو كان الوقت واسعًا ظاهريًا، وأتى البيان في آخر الوقت، فلا ينطبق تأخير البيان عن وقت الحاجة. و(القبيح) يعني ما يخالف مقتضى العقل مع مراعاة صفات الشارع وخاصة حكمته. ومن الواضح أنه إذا تم تحليل هذه المفاهيم الأربعة بشكل صحيح، فإن الحكم الصادر سيكون ضروريًا ولا يحتاج إلى ترتيب مقدمات خارجية.

2. المعنى الثاني، وهو أخص من المعنى الأول، يتوافق مع المصطلح الذي استخدمه الشهيد الصدر.[7] فقد قسم في تصنيف ابتكاري القضايا العقلية إلى نوعين: مركبة وتحليلية، ومراده من القضية المركبة هو القضية التي نتحدث فيها عن استحالة أو عدم استحالة شيء كان معروفًا سابقًا وكان لدينا تصور واضح عنه؛ مثل قولنا: (أخذ العلم بالحكم في الموضوع نفسه للحكم محال)؛ أي، على سبيل المثال، لا يمكن القول إن (الصلاة واجبة على من يعلم وجوبها). هنا، العقل يربط الموضوع بالمحمول ويكوّن تركيبًا منهما في قالب قضية.

أما القضية التحليلية فهي القضية التي لم يكن تركيب موضوعها ومحمولها من عمل العقل، بل ثبتت في مكان آخر، أي عند الشرع، كقضية ثابتة، والعقل يكتفي بتحليل نوع وطريقة العلاقة بين الموضوع والمحمول. على سبيل المثال، عندما يثبت الدليل الشرعي، سواء كان لفظيًا أو غير لفظي، أن (الحج واجب على كل مستطيع)، يقوم العقل بدراسة العلاقة بين وجوب الحج كحكم شرعي وموضوعه وهو الاستطاعة، ويفحص كون هذه العلاقة علّية أو سببية. أو عندما يقول الشارع: (على من أفطر رمضان عمدًا واختيارًا، وجب عليه تحرير عبد أو إطعام ستين مسكينًا أو صيام ستين يومًا)، يقوم العقل بتحليل هذه القضية ليفهم كيف ثبت الوجوب والتخيير معًا، مع أن الوجوب يعني التحديد وعدم جواز الترك، والتخيير يعني السعة وإمكانية الترك مع الرجوع إلى البديل.

وبناءً على هذا المصطلح الذي أسسه الشهيد الصدر، فإن المناقشات التحليلية في علم الأصول هي تلك المناقشات العقلية التي تبيّن العلاقة المنطقية والمعقولة بين أجزاء القضية الشرعية. وهذه المناقشات تقوم على الفرضية القائلة بأن التشريع عند الشارع لا يكون أبدًا مخالفًا لمقتضى العقل، بل إن نظام التشريع نظام معقول ومنطقي وقابل للدفاع عقليًا وفلسفيًا. أما المناقشات المركبة في علم الأصول فهي القضايا العقلية التي يأخذ العقل موضوعها من مكان ما أو يطرحها بنفسه، ثم يناقش إمكانية أو استحالة ذلك. العلاقة بين القضايا التحليلية والمركبة وتأثيراتهما المتبادلة موضوع نقاش مطول في علم الأصول.

والآن، إذا تجاوزنا مصطلح الشهيد الصدر ولم ننظر إلى تعارض هذين النوعين من القضايا، فلا بأس أن نعتبر هذه المناقشات المركبة أيضًا نوعًا من القضايا التحليلية وفقًا للمعنى الأول، لأن العقل هنا بتحليل أجزاء الموضوع يدرك استحالة أو عدم استحالة ذلك. على أي حال، كل هذه المناقشات تقع خارج باب الألفاظ.

3. لدى الشهيد الصدر مصطلح آخر يتعلق بالمناقشات التحليلية التي تخص باب الألفاظ. فقد ذكر في مقدمة مناقشات الدليل اللفظي أن هذه المناقشات نوعان: بعضها نقاشات لغوية ودلالية، وبعضها نقاشات تحليلية وفلسفية. في النوع الأول، يسعى الباحث الأصولي لاكتشاف المعنى، وفي النوع الثاني يُفترض أن معنى الكلام واضح لديه، لكن في تحليل وتفكيك المعنى وعلاقة كل جزء من المعنى بالجزء الآخر من الكلام، هناك مجال كبير للتأمل والتفكير. على سبيل المثال، في الجملة (حسن خرج من البيت)، ما المعنى المقابل لحرف (من)؟ وهل يمكن تقييد هذا المعنى بقيود الكلام؟ هذا نقاش لا مكان له في الفلسفة السائدة، لأن توجه الفلسفة السائدة ينصب على تفسير وتحليل أحكام الموجودات الخارجية أو الذهنية مع تجاهل مدلول الكلام. لذلك، يجب فتح باب نقاش آخر حول أحكام مدلولات الكلام، يتولاه فيلسوف اللغة في إطار هدفه، والعالم الأصولي في سبيل تعريف العناصر المشتركة.

المناقشات المتعلقة بالنوع الأول، أي المناقشات الاستكشافية التي تقابل المناقشات التحليلية، تكتسب تعقيدًا خاصًا في عدة حالات تحتاج إلى نقاش ودراسة في علم الأصول، ولا يكفي الرجوع إلى علماء اللغة فقط. وهذه الحالات المعقدة هي كما يلي:

أولاً، في المواضع التي يكون فيها الأصل في المعنى واضحًا لدى أهل اللغة، لكن لا يمكن توقع بيان خصائصه من أهل اللغويات؛ مثل دلالة صيغة الأمر على خصوص طلب وجوبي أو استحبابي أو طلب مطلق. في هذه الحالة، يحدد علماء أصول الفقه أحد المعاني المحتملة عن طريق التبادر أو الاستدلال العقلي، وفي الحالة الثانية التي يُلجأ فيها إلى الاستدلال العقلي لاكتشاف خصائص المعنى، يتشكل نوع من النقاش الفلسفي والعقلي لتحديد أحد المعاني المحتملة. ومن الأمثلة الأخرى على هذا النوع، النقاش الأصولي حول وضع بعض الأسماء لخصوص صحيح أو وضعها للأعم، حيث يقيم الأصوليون برهانًا ويثبتون أن وضع الاسم للخصوص الصحيح يستلزم إشكالًا عقليًا، فيقبلون وضع الاسم للأعم.

ثانيًا، حيث يكون الأصل في المعنى واضحًا، لكننا لا نعلم من أين نشأ هذا المعنى في اللغة. لنفترض أن العالم الأصولي اكتشف عن طريق التبادر أن صيغة الأمر تدل على الوجوب، هنا يطرح سؤال: هل مصدر هذه الدلالة هو الوضع أم الإطلاق؟ هذا الفرق مهم للأصوليين؛ لأنه في الحالة الثانية، استعمال اللفظ في معنى الاستحباب بطريقة تعدد الدال والمدلول ليس استعمالًا مجازيًا، على عكس الحالة الأولى. لذلك، يُفتح هنا باب نقاش تفسيري وتحليلي آخر حول مصدر الدلالة، ويكون من شأن العالم الأصولي أن يتناول هذا الأمر.

ثالثًا، حيث يكون الأصل في الدلالة، كقاعدة عامة، واضحًا لدى أهل اللغة والعرف، لكن عند تطبيقه على الخارج وإيجاد مصداقه نواجه غموضًا وصعوبة؛ بحيث لا يستطيع العرف العام وأهل اللغة الإجابة في هذا المجال، ويجب على العالم الأصولي أن يبحث ويجد الجواب بنفسه. على سبيل المثال، كما ذكرنا سابقًا، خلو الكلام من القيود في حالة معينة يدل على الإطلاق، ويقول العرف العام: كل ما كان المتكلم قادرًا على قوله ولم يقله، فلا شك أنه لم يرد ذلك ولم يقصده، لكن لماذا تدل صيغة الأمر عند تحقق حالة الإطلاق على الوجوب التعييني وليس على الوجوب التخييري، فهذا مبني على اختلاف طلب التخييري عن طلب التعييني، وبالطبع لا يمكن توقع جواب هذا من أهل اللغة.

رابعًا، حيث يكون معنى ومفهوم الكلام محددًا وواضحًا لدى العرف العام، لكن هناك فهمًا عرفيًا آخر لا يتوافق مع الفهم العرفي الأول حسب رأي العالم الأصولي؛ على سبيل المثال، نلاحظ أن الجملة الشرطية لدى العرف العام تحمل معنى معاكسًا وتدل على (الانتفاء عند الانتفاء)، لكن من جهة أخرى، نرى في الجملة الشرطية (كلما حصل احتكاك، ينتج حرارة) لا يوجد معنى معاكس؛ لأن الحرارة تنتج بطرق أخرى غير الاحتكاك، ومع ذلك لا يشعر أحد بأنها مجازية. خلاصة الأمر أنه من جهة يتبادر معنى إلى الذهن، ومن جهة أخرى، لا يكون العكس مجازًا. في كل هذه الحالات الأربع، توجد نوع من النقاشات المعنوية، معتمدة على البرهان والاستدلال العقلي وتحليل مدلولات الألفاظ، وهي تختلف عن تلك النقاشات التحليلية التي ذُكرت حول المعاني الحرفية، والنقاش التحليلي في كل هذه الأقسام من مباحث الألفاظ يختلف عن النقاش التحليلي في باب الدليل العقلي. والنتيجة النهائية أنه يجب النظر فيما يقصده كل شخص في كل موضع من (المباحث التحليلية).

دراسة ضرورة التتبع التاريخي

الآن، بعد بيان النقاط الثلاث السابقة، ننتقل إلى دراسة أصل مدعى المقالة (التتبع التاريخي لمباحث الألفاظ في علم الأصول). في رأينا، طبيعة عمل اللغويين تختلف تمامًا عن طبيعة عمل علماء علم الأصول في باب الألفاظ، رغم أن كثيرًا من الكلمات متشابهة في بعض الجوانب الجزئية. لذلك، لا يمكن فرض تصنيف مباحث مجموعة على أخرى، أو تقسيم مباحث مجموعة أخرى وفقًا لأنواع التقسيمات الداخلية لمجموعة معينة. ولكن، بالطبع، يجب البحث عن نقاط مشتركة دون فرض مصطلحات مجموعة على أخرى؛ لأن تقسيم وتتبع مباحث علم ما يخضع لأهداف ومقاصد ذلك العلم.

افترض أننا نرغب في تصنيف زهور بستان. بلا شك، الطبيب الصيدلي يصنفها بطريقة تختلف عن تاجر أو مزارع أو بستاني، بناءً على هدف دراسته. وكذلك النقاشات اللغوية تتقبل توجهات وأهداف مختلفة.

علماء علم الأصول يعتبرون اللغة وسيلة لنقل المعنى، ويطرحون مباحث الألفاظ بطريقة لم يتكفل بها أهل الأدب واللغة ولم يتناولوها، بهدف تنقيح دلالة ألفاظ القرآن والحديث باعتبارها خطابًا شرعيًا. بعض مباحثهم بالطبع تختص بألفاظ القرآن والحديث، لكن بعضها الآخر قابل للتعميم على ألفاظ المتكلمين الآخرين أيضًا. من هذه الزاوية، يمكن لعلم الأصول أن يقدم إنجازات مهمة لبعض فروع العلوم اللغوية؛ خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن مباحث الألفاظ لها تاريخ يمتد لألف سنة عند الأصوليين المسلمين، سواء الشيعة أو السنة، في حين أن معظم العلوم اللغوية بين الفلاسفة الغربيين تم التعرف عليها كعلوم مستقلة في قرنين أو ثلاثة فقط في العصر الحديث.

لدى أصوليي العلم مبادئ كلامية وغير كلامية خاصة بهم؛ مثل هذا المبدأ الذي يقول إن الشارع المقدس متكلم حكيم، ولا يقصد من تعبيراته اللغوية الإغواء أو الضلال؛ كما أنه معصوم من السهو والخطأ، ولا يخطئ في اختيار اللفظ المناسب لنقل المعنى. ومبدأ آخر هو أن الشارع المقدس متكلم ناقل، يستخدم اللغة لنقل المعاني المقصودة لديه، ومبدأ ثالث هو أن مجموع مقاصد الشارع يجب فهمه من مجموع كلامه، ومن خلال ربط مجموع الخطابات الصادرة عن الشارع يمكن تمييز مقصده النهائي، ومبدأ رابع هو أن الشارع اختار اللغة العرفية كمنصة أولى للتخاطب، ولهذا يمكنه الاعتماد على كل القرائن التي يعتمد عليها العرف، ومبدأ خامس هو أن اللغة لا تقصر ولا تعجز في نقل مقاصد الشارع؛ لأنه إذا كانت اللغة عاجزة عن نقل مفاهيم ومقاصد الشارع، فهذا يستلزم إثبات قصور وعجز للشارع في الإبلاغ وإرسال رسائله ومقاصده. وهناك مبادئ أخرى من هذا القبيل لا نعتزم حصرها الآن. ولكن، ربما تكون هذه المبادئ نفسها نقطة انطلاق للنقاش والحوار عند بعض علماء اللغة. كما أن هناك أحياناً في العلوم اللغوية مناقشات موضوعها يتجاوز عند الأصوليين باب الدلالة اللفظية أساساً، أو تقع ضمن تلك الدلالات اللفظية التي لا يتناولها علم الأصول، ويختص بها أهل الأدب، وأهل اللغة، وأهل الصرف والنحو، والمعاني والبيان والبديع، أو هي خارج نطاق اللغة واللفظ تماماً وتتعلق بعالم الفكر والذهن.

في الصفحة 13 من المقالة (تبارشناسي مباحث لفظي علم اصول) ورد:

“حتى حيثما يعلم المؤلف، لم يبذل أي من الأصوليين جهداً لتحديد مكانة مباحث اللفظ في علم الأصول بين العلوم اللغوية الحديثة، وهذا الحكم له استثناء واحد فقط وهو المرحوم سيد محمد باقر الصدر.”

ونحن أيضاً نقول إنه بالطبع، لم يبذل الأصوليون جهداً في هذا الاتجاه، ولكن السبب هو أنهم لم يروا أي ضرورة أو مبرر لذلك. فكيف يمكن توقع أن يقطع علم له جذور تمتد لألف عام علاقته بماضيه، ويتحول إلى إطار العلوم الحديثة؟ بالإضافة إلى أننا لا نمتلك حتى الآن نسخة واضحة من بنية المباحث المختلفة لهذه العلوم، ولا وصلتنا تقارير عن وجهة نظرها المشهورة، وما تُرجم ونُقل منها هو فقط وجهات نظر خاصة لأفراد. ومع ذلك، نحن ما زلنا نبحث عن ثمرات هذا العمل (تبارشناسي مباحث لفظي علم اصول)، فإذا توصلنا إلى نتيجة، سننبه علماء علم الأصول إلى ضرورتها.

أما فعلاً، فما الذي فعله الشهيد الصدر، الذي لا ينبغي تجاهل شرف شهادته، حتى اعتبره مؤلف المقالة المذكورة حالة استثنائية بين الأصوليين؟ أليس هو الذي قبل الدخول في بعض المباحث اللفظية، قدم تمهيداً في الفرق بين المباحث الاستكشافية والتحليلية؟ هل يمكن اعتبار الإشارة إلى هذا التمييز وكتابة هذه الصفحات القليلة جهداً في تبارشناسي مباحث لفظي علم اصول؟ مع أننا نعلم أن الأصوليين الآخرين، رغم عدم وجود نظرة خارجية وتقاريرية عن الفرق بين هذين النوعين من المباحث، إلا أنهم على أي حال أشاروا إلى كلا المبحثين (الاستكشافي والتحليلي) وتناولوهما. وفي كل الأحوال، سواء كان لدينا هذا التقرير الخارجي عن عمل الأصوليين أم لا، فإن جوهر جهودهم ليس في تقديم مكانة المباحث الأصولية ضمن منظومة العلوم اللغوية، بل في تقديم مقتضيات وثمرات ومصاديق كل مبحث.

والآن، إذا عدنا إلى طريقة تبارشناسي مباحث الألفاظ في المقالة محل النقاش، نرى أنهم مثلاً في تفسير العلاقة الوضعية ذكروا:

“حقيقة الوضع، وهل الوضع أحد أفعال القول أو الأفعال اللغوية أو أفعال اللغة، أم فعل غير قولي، وإذا كان في الحالة الأولى، هل هو من أفعال القول البيانية أو من أفعال القول ذات البيان، وإذا كان في الحالة الأولى، هل هو من الأفعال الإيجادية أو من الأفعال الالتزامية أو من الأفعال التحريضية، وإذا كان في الحالة الأولى، هل هو من مقولة التسمية أو من مقولة فعل إيجادي آخر، كل هذه الأمور تنتمي إلى مجال فلسفة اللغة، وهي من المباحث المتعلقة بنظرية الإشارة أو الإحالة، وكذلك من المباحث المتعلقة بعلم استخدام اللغة الفلسفي.”[8]

يجب القول: فعلاً، ما الفائدة التي تعود على عالم أصول من هذا النوع من التبارشناسي، ولماذا لا نعتبره معذوراً عن هذا الجهد؟ والطرح فقط لهذه الاحتمالات لا يكفي في النقاش، والأهم هو دراسة تأثيرات كل من هذه الاحتمالات في المباحث اللغوية؛ فمثلاً، بالنسبة لعالم الأصول، فإن الآثار المترتبة على الالتزام أو القطع بوضعية اللفظ مهمة. أما المباحث التي لا تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في اكتشاف المعنى والنقاط المتداخلة فيه، فهي مباحث غير ضرورية ولا نافعة لعالم الأصول. حتى المباحث التحليلية في علم الأصول هي تمهيد لنوع من المباحث الاستكشافية؛ فمثلاً، إذا كان البحث في المعنى الحرفي شكلاً تحليلياً، فهو تمهيد لاكتشاف إمكانية وجود الإطلاق في المعنى الحرفي، وإلا فهو خارج شأن عالم الأصول أن يدرس اللغة باعتبارها لغة أو باعتبارها ظاهرة تاريخية أو اجتماعية بحتة.

أو إذا نظرنا إلى تأصيل دلالات صيغة الأمر في نص المقال المذكور، نرى أنه فيما يتعلق بكل تلك المناقشات الدقيقة والعميقة حول دلالة صيغة الأمر على الوجوب ودلالة صيغة الأمر في الحالات المختلفة؛ مثل الأمر بالأمر أو الأمر مع العلم بانعدام الشرط، التي توجد في علم الأصول، قيل إن هذه المناقشات تنتمي إلى نظرية (الأفعال الكلامية) من المناقشات المتعلقة بعلم الاستخدام الفلسفي في فلسفة اللغة؛ في حين أن مبحث الأفعال الكلامية واسع جدًا بحيث يغطي أجزاء متعددة من مناقشات ألفاظ علم الأصول. ومن جهة أخرى، فيما يتعلق بمبحث تعلق الأمر بالطبيعة أو بالأفراد، أو مبحث حقيقة الواجب التخييري، والواجب الكفائي والواجب المؤقت، قيل إن كل هذه المناقشات تنتمي إلى فلسفة الأخلاق وليست من ضمن المناقشات اللغوية؛ مع أن، على سبيل المثال، مناقشة حقيقة الوجوب التخييري والكفائي من الأمثلة الواضحة للمناقشات التحليلية عند الشهيد الصدر، الذي اعتُبر رائد الأصوليين في مجال تأصيل مناقشات الألفاظ والتمييز بين المناقشات الاستكشافية والتحليلية. لذلك، إذا لم تكن هناك مناقشة في فروع العلوم اللغوية بهذا الشأن، فيجب أن يُلام أهلها على الغفلة. ومن مراجعة مجموعة من الأدلة من هذا النوع، يتضح أن مناقشات فروع العلوم اللغوية المختلفة، مقارنةً بتقسيم الأصوليين لمناقشات الألفاظ مثل (جمع المتفرقات وتفريق المجتمعات)، هي كذلك؛ كما أن تقسيم الأصوليين مقارنةً بعمل اللغويين هو نفسه. لذلك، يجب دراسة كل تقسيم في موضعه لمعرفة ما إذا كان يحقق غرض أهل ذلك العلم أم لا؟ ويبدو أن في نظر مؤلف المقال المذكور، شكل المناقشات المطروحة عند فلاسفة اللغة قد أصبح معيارًا علميًا ومقبولًا، بحيث تُعتبر مناقشات ألفاظ علم الأصول علمية ومقبولة بقدر ما تكون قابلة للدراسة بهذا الشكل المعياري.

ثم في بيان النتيجة الأخيرة التي استخلصوها من مقال (تأصيل مناقشات ألفاظ علم الأصول)، جاء في نصهم أن (أسس المابعد طبيعية للأصوليين إما (أ) غير مرتبطة بالقضايا اللغوية أو (ب) غير صالحة في مجال المعرفة المابعد طبيعية نفسها.) وهذا قول ثقيل ومدمر للأسس وادعاء كبير، يتضمن عدة ادعاءات أخرى، وإثبات كل منها يتطلب تأليف مقال أو كتاب مستقل ومجزأ، والغريب أنهم لم يطرحوا هذا الاعتراض بشكل قطعي، بل استخدموا تعبير (قد يبدو هكذا) الذي، مع ذلك، فإن إثارة مثل هذا الشك في نقاش علمي بحت، دون ذكر دليل أو مصدر، وبهذا العموم، أمر غير متوقع ومخالف للأخلاق العلمية. والأغرب من ذلك أنهم في قائمة تلك الفئة من المناقشات المابعد طبيعية التي استقاها الأصوليون ضمن مناقشات الألفاظ كمبادئ عقلية أو كلامية أو فلسفية، وضعوا ما يقرب من ثمانين مصطلحًا دون مراعاة أي ترتيب أو تناسب، ومن بينها: الوجود، الجوهر، العدم، الحقيقي، الاعتباري، الجنس، الفصل، النوع، الكلي، الجزئي، العلية، المعلولية، الاستحالة الدورية والتسلسل، البديهي، النظري، التصور، التصديق، العلم والقدرة.

على كل حال، يجب أن يتبين ويُحدد في أي من هذه الحالات كان تصور الأصوليين لمعنى المصطلح تصورًا خاطئًا وغير صالح، وفي أي منها كان استشهاد العالم الأصولي بأقوال المتكلمين أو الفلاسفة، بغض النظر عن صحتها أو خطئها، غير مبرر وغير ذي صلة، وإذا كانت كل هذه في قائمة المفاهيم غير المرتبطة بالنقاشات اللغوية، فما هي إذًا المفاهيم المرتبطة وغير الصالحة؟ هذا النوع من الشك، بالطبع، يمكن طرحه في عمل اللغويين، بل وفي حالات أخرى عندما يُذكر تبادل أصحاب العلوم.

يجب أن يُسأل: أي فئة من مناقشات الألفاظ يجب دراستها من الناحية التاريخية والتجريبية، التي دخل إليها الأصوليون بغير هذا الطريق؟ ومن هو صاحب القول الذي يُعتبر معيارًا في كيفية الدراسة، سواء كانت بهذه الطريقة أو بتلك؟ ما هي الاعتراضات التي وُجهت إلى الفرضيات الكلامية والفلسفية للأصوليين، والتي لم تُوجه أي اعتراضات على ذات تلك الاعتراضات؟ وإذا نشأ خلاف في نقاش أساسي، فبأي قول يجب أن يُؤخذ؟ هل يمكن أن يكون مجرد وجود اعتراض على مبدأ ما دليلاً على عدم صلاحيته؟

هل يمكن القول إنه لا ينبغي الحديث عن الاستحالة الدورية والتسلسل أو عن الوجود والعدم، لأن الجانب التجريبي والتاريخي للغة هو المعيار؟ وإذا كان الجانب التجريبي أو التاريخي لموضوع ما محل خلاف، فماذا يجب أن يُفعل؟ أساسًا، هل لا يُعتبر هذا النوع من الكلام وهذا النوع من الاعتراضات نوعًا من عدم التمييز بين الحدود؟ بغض النظر عن أنه لا يمكن الحكم على جميع الأصوليين بطريقة واحدة، يمكن لكل عالم أصولي أن يحدد قضية ما مكان إثباتها في الفلسفة والكلام كأحد مبادئ تصديقه، ويمكن لعالم آخر أن يرفضها أو لا يجعلها أساس نقاشه. على سبيل المثال، قاعدة (الواحد) كانت مستشهدًا بها من قبل بعض الأصوليين، في حين أن بعض الأصوليين الآخرين إما لم يقبلوها من الأصل أو لم يؤمنوا ببناء مسألة أصولية عليها.[9] وبالطبع، يمكن البحث عن مبادئ تصديقية مشتركة بين الأصوليين المشهورين، التي قُبلت صلاحيتها في مجال معرفي خاص، واعتُبر بناء مسألة أصولية عليها صحيحًا.

على أية حال، فإن طريق النقاش مع أصوليي الفقه، حول المبادئ التي اختاروها، مفتوح، كما أن طريق النقاش مع المتكلمين والفلاسفة حول المسائل التي طرحوها مفتوح كذلك. ولكن لا ينبغي أن يُظن أن سير تطور علم الأصول أبطأ من سير تطور الفلسفة والكلام، ولا ينبغي أن يُحكم بأن جميع الأصوليين يجهلون منهج البحث في المسائل اللغوية، ويأخذون مواد من الميتافيزيقا إما غير ذات صلة أو غير موثوقة؛ لأن كل عالم أصولي، بسبب اعتماد علم الفقه والأصول على علم الكلام، يمتلك شخصية كلامية، وبفضل هذه الشخصية الكلامية ينقي المبادئ العقلية اللازمة لنقاشاته؛ لذلك، يجب تحديد بشكل جزئي أي مبدأ وبالاستناد إلى أي دليل يُشكك فيه، وأي مسألة هي تجريبية وتاريخية لا يمكن الاستشهاد بها من مجال الميتافيزيقا؟ ولماذا هي تجريبية وتاريخية؟ وهل كون المسألة تجريبية وتاريخية يعني قطع ارتباطها بمجال المفاهيم المطروحة في الميتافيزيقا؟ بحيث لا يجوز حتى الحديث عن اعتبار أو حقيقة اللغة والمسائل المرتبطة بها، أو عن عمومية أو خصوصية معاني الألفاظ.[10]

خلاصة القول، تشكيل اللغة والكلمة مهما كان، يجب أن يُناقش في مكانه، ولكن في الاستناد إلى المعنى العرفي لكل لفظ، وفي الاستشهاد بالظهور العرفي لكل لفظ وكلمة، بالطبع تحكم القواعد والمبادئ المنطقية؛ فاعتبار اللغة تجريبية وتاريخية التي تتعلق بأصل تكوّن اللغة والظهورات العرفية للكلام، لا تتعارض مع ترسيخ القواعد والعلاقات المنطقية للاستناد إلى العرف وحل بعض المشكلات اللغوية، ولهذا السبب أشار الشهيد صدر إلى مقامين للثبوت والإثبات في النقاشات اللغوية.[11] ربما كان تجاهل وعدم الانتباه إلى هذه النقطة المهمة سببًا في اعتبار المسائل اللغوية غير مرتبطة بمجال المفاهيم المطروحة في فلسفة الميتافيزيقا.

ملاحظات خاصة

بعض النقاشات المطروحة في المقال (تبارشناسي مباحث لفظية علم الأصول) جديرة بالتأمل، وأشير إليها هنا.

1. في الصفحة 3 من المقال المذكور كتبوا أنه (وفقًا لبعض التقسيمات، بعض النقاشات المتعلقة بالوضع أو الاستعمال أو الدلالة للألفاظ؛ مثل النقاشات المتعلقة بحقيقة الوضع، وهوية واضع التعبيرات اللغوية، الوضع التعيني والوضع التعييني، أقسام الوضع، المعنى الحرفي… تُعتبر من مباحث لفظية علم الأصول، ووفقًا لتقسيمات أخرى لا تُحتسب ضمن هذه الفئة) ومرة أخرى في الحاشية أعادوا التأكيد على أنه (في هذا الباب، هل هذه النقاشات الأخيرة، أي النقاشات المتعلقة بالوضع أو الاستعمال أو الدلالة، هي من مباحث ومسائل علم الأصول أم لا، لا يوجد وفاق نظري). وكذلك في الصفحة 12 جاء: (في معظم التقسيمات، بعض المباحث اللفظية تُعتبر من مسائل علم الأصول والبقية من المقدمات أو المبادئ التصورية أو التصديقية… ولكن في بعض التقسيمات التي هي أقل عددًا من غيرها، يُنظم تقسيم مباحث علم الأصول بحيث تُعتبر جميع المباحث اللفظية التي يهتم بها الأصوليون من مسائل علم الأصول ولا تُعتبر من المبادئ أو المقدمات).

يجب القول: تكبير هذه المسألة بأن بعض المباحث المذكورة أحيانًا تُعتبر من مباحث الأصول وأحيانًا من مقدمات مباحث الألفاظ، ووجود اختلاف بين الأصوليين في هذا المجال، لا يحمل أهمية كبيرة.

بالتدقيق في النقاشات المتعلقة بالوضع والواضع وأقسامهما، والنقاشات العامة حول أصل الدلالة وأقسام الدلالة والاستعمال والعلامات التي تميز الحقيقة من المجاز، والأصول اللفظية التي تُستخدم لاكتشاف مراد المتكلم، يتضح أن شكل هذه المباحث لا يتعلق بلفظ معين من ألفاظ الكتاب والسنة. ولهذا السبب، لا تُعتبر هذه المباحث أبدًا مقدمة حديثة لقياس الاستنباط، وبناءً عليه، فهي ليست من المباحث الصغرى في علم الأصول؛ ولكن لأن بعض المباحث، مثل النقاشات العامة حول الدلالة، تُعتبر من مقدمات بعيدة لقياس الاستنباط، يمكن من منظور آخر اعتبارها من مقدمات الاستدلال وإدخالها في علم الأصول.

المحقق العراقي قد طرح هذا الاختلاف في الأساس بشكل جيد في بحث موضوع علم الأصول وميزان ومعيار أصولية أو عدم أصولية المسألة، ويجب التطرق إليه في موضعه.[12] والآن، هذه الفئة من المناقشات سواء كانت من صميم علم الأصول أو خارجه، بما أنه لا يوجد فرع علمي آخر يتولى ذلك، حتى وإن لم تكن المسألة أصولية، فإن الأصوليين لا بد لهم من التطرق إليها في مقدمة مباحث الألفاظ؛ لأنهم بحاجة إلى نتائج هذه المناقشات وهي مؤثرة في المباحث الأصولية المستقبلية.[13] على سبيل المثال؛ الفرق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية كما هو مطلوب في باب العام والخاص وباب المطلق والمقيد من علم الأصول، يتوقف على بحث عام حول أصل الوضع وتفسيره وتدخل إرادة المتكلم في المعنى اللغوي وأقسام الاستعمال وبيان أصل الفرق بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية، أو في باب دلالة صيغة الأمر نرى أن تحديد المعنى المراد عند المتكلم في بعض مصاديق صيغة الأمر يتوقف على مناقشات عامة حول أصل الدلالة وكيفية تحديد الدلالة وكيفية تحديد مراد المتكلم وإمكانية إلغاء اللفظ في أكثر من معنى أو إمكانية إرادة المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في الوقت نفسه وما شابه ذلك. هذه المناقشات التمهيدية تُطرح في علم الأصول بطريقة لا يتناولها أهل الأدب واللغة، والفلاسفة اللغويون الذين لم يمضِ وقت طويل على تناولهم هذه المناقشات، في بعض الحالات لم يولوا اهتمامًا لهذه الأنواع من المناقشات. ولهذا السبب، اضطر الأصوليون إلى الدخول في هذه الفئة من المناقشات واستفادوا من ثمراتها.

المؤلف في المقال المذكور لم يدرك ذلك الارتباط الوثيق الذي أوجده الشهيد صدر بين مقدمات مباحث الألفاظ ونفس المباحث، ووجه نقدًا للشهيد صدر في الصفحة 20 من ذلك المقال قائلاً: كيف يكون هذا الارتباط؟ بالطبع، عند أهل الاختصاص، الأمر واضح جدًا، وللكشف عن هذا الارتباط الطولي وطريقة بناء مباحث الألفاظ على مقدماتها، يمكن الرجوع إلى كيفية طرح السؤال في بداية المباحث نفسها.

لا يخلو تذكير هذه النقطة من فائدة، إذ إن علماء علم الأصول منذ القديم وحتى الآن عادةً لا يعيرون أهمية كبيرة لتغيير موقع مباحث علم الأصول وبنيته، ويحافظون على هيكله التقليدي قدر الإمكان بسبب إمكانية الإحالة والعنوان، إلا في الحالات التي يساعد فيها تغيير هندسة المباحث على اكتشاف نقاط تدخل في أصل البحث. كما أن تغيير ديكور المنزل يكون معقولًا ومنطقيًا فقط للاستفادة الأفضل من المساحة ووضع كل شيء في مكانه المناسب. الآن، يجب أن نرى ما تأثير وضع المباحث العامة المتعلقة بالوضع، والموضع، والدلالة، والاستعمال ضمن مقدمات أو ضمن نفس مباحث علم الأصول في الدراسات المقارنة. في هذه الدراسات يمكننا الاقتصار على عناوين المباحث، وإذا كان هناك إصرار على تحديد الموقع الأصولي للبحث، فلا بد من مراعاة اختلاف الأساس الذي يؤثر على اختلاف البنية، كما أشار المحقق العراقي.

2. في استكمال بيانه السابق، في الصفحة 12، ذكر: (التقسيمات التي وضعها السيد مرتضى علم الهدى والشيخ حسن بن زين الدين والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد محمد باقر صدر، تتبنى الموقف الثاني…)؛ أي هذا الموقف الذي (يعتبر جميع المباحث اللفظية التي يهتم بها الأصوليون ليست من مسائل علم الأصول ولا يعدونها من مقدماته ومبادئه).

لا أعلم! من أين استنتج المؤلف المحترم أن الشهيد صدر اختار الموقف الثاني ولا يعترف بشيء اسمه مقدمة لمباحث الألفاظ. مع أن ذلك واضح في حلقات الأصول، حيث نرى ترتيب مقدمات مباحث الألفاظ[14] وكذلك في تقارير درس الشهيد صدر.[15] في الصفحتين 14 و15 من المقال المذكور، التعبير المنقول عن الشهيد صدر هو: (لذا، سنطرح مباحث هذه المقدمة أثناء هذه المباحث القليلة…) وكذلك فيما يتعلق بالمبحث الرابع الذي يتعلق بمسألة المشتق والصحيح أو الأعم، قال الشهيد صدر: (البحث عنها في مقدمة علم الأصول مناسب).

ربما مصدر هذا التصور هو نظرته إلى تقسيم مباحث علم الأصول من حيث نوع الدليل، حيث يقول: (1. مباحث الالفاظ: و یتضمن البحث عن الدلیلیة اللفظیة و کل ما‌ یرجع‌ الی‌ تشخیص الظهورات اللغویة او العرفیة فیندرج فی هذا القسم کل البحوث اللغویة‌ الاصولیه‌.)[16]

والحال أن نظر الشهيد صدر هنا يتعلق بتلك الفئة من مباحث الألفاظ التي تحدد ظهور الدليل اللفظي وتكون الصغرى في القياس الاستنباطي، بحيث إذا أضيفت الكبرى المسماة (أصالة الظهور) إليها، ينتج استنباط الحكم؛ لكن من أين استُنتج أن المباحث الصغرى تعتمد على مقدمات بيانية وأن كل تلك المقدمات من مسائل علم الأصول؟

في التقسيم الثاني الذي يعتمد على نوع الدليل، وترجمته واردة في المقال المذكور، يقول الشهيد صدر:

(وفيما يخص دلالات الدليل الشرعي اللفظي، تقدم مقدمة تشمل مباحث الوضع والهيئات والدلالات اللغوية والمجازية.)[17]

أما عن رأي المحقق الخوئي، إذا رجعنا إلى تقارير دروسه، نجد أنه رسم مباحث ألفاظ علم الأصول في حدود المباحث الصغرى التي تحدد الظهور فقط، ولم يكن لديه نظر أساسًا في مقدمات هذه المباحث الصغرى؛ مثل تفسير الوضع والموضع وأقسامهما[18]، وفي موضع آخر، بناءً على مبدئه في تحديد أصولية المسألة أو عدمها، يقول: (مبحث المشتق، ومبحث الصحيح والأعم وبعض مباحث العام والخاص كمبحث وضع أداة العموم كلها خارجة عن مسائل هذا العلم… فالصحيح أنها من المسائل اللغوية ولكن بما أنها لم تُدوّن في علم اللغة، فقد دُوّنت في علم الأصول.)[19]

٣. إذا قبلنا أن جزءًا من مباحث الألفاظ يُعتبر من المباحث التمهيدية، فالمسألة هنا هي ما إذا كانت هذه المباحث التمهيدية من مبادئ التصديق لعلم الأصول، أم من مبادئ التصديق الخاصة بمباحث الألفاظ في علم الأصول. وبالطبع، هناك فرق بين مبادئ علمٍ ما ومبادئ بعض مسائل ذلك العلم؛ فمثلاً، بعض مسائل علم الهيئة تُعد من مبادئ التصديق لأحكام الوقت والقبلة في الفقه، وكذلك بعض مسائل الطب والرياضيات تُعتبر مبادئ تصديق لأحكام في باب الأطعمة والأشربة أو أحكام الأسرة والوراثة.

هذا النوع من العلاقة بين العلوم له دائرة واسعة جدًا، ولا يعني أن الهيئة والطب والرياضيات من مبادئ التصديق لعلم الفقه، بل يجب القول إن بعض مسائل هذه العلوم هي من مبادئ ومقدمات بعض مسائل علم الفقه. فقط بالنسبة لعلوم مثل الكلام والأصول، يمكننا القول إنها من مبادئ علم الفقه؛ لأن المسائل التي يعلّمنا إياها علم الكلام والأصول لا تخص موضوعًا معينًا من علم الفقه. لذلك، يجب اعتبار المباحث التمهيدية حول الوضع والواضع وأقسامها وعلامات التمييز بين الأوضاع، والأصول اللفظية التي تخص فقط مباحث ألفاظ علم الأصول وليس مباحث الدليل غير اللفظي (سواء العقلي أو غير العقلي)، من مبادئ تلك المباحث اللفظية نفسها وليس من مبادئ علم الأصول. وتعبير الشهيد صدر[20] الذي قال فيه: “في مقدمة هذا العلم تُناقش هذه المباحث” ليس دليلاً على أن هذه المباحث التمهيدية من مبادئ التصديق لعلم الأصول. ولهذا، كان من الأفضل ألا يُعبّر في المقال المذكور عن المباحث التمهيدية بـ(مبادئ علم الأصول).[21]

٤. في الصفحة ٢٠، في قالب اعتراض على الشهيد صدر، جاء:

(هل المباحث اللفظية التي يجب أن تُعد من مبادئ أو مقدمات علوم الأصول محصورة في تلك التي عادةً ما تأتي في بداية كتب الأصول، أم هي أكثر وربما أكثر بكثير من ذلك؟ وإن القول بأن هذه المباحث اللفظية تمهّد لفهم مجموعة من المسائل الأصولية الشائعة ليس ذا فائدة، لأنه يفتح باب السؤال عن أي مجموعة من المسائل الأصولية الشائعة تُمهّد هذه المباحث، ويعطي احتمال وجود مباحث لفظية أخرى تمهّد لفهم مجموعة أخرى من المسائل الأصولية الشائعة.)

فيما يتعلق بهذا الموضوع، يجب القول أولاً إنه لا ينبغي توقع أن الشهيد صدر حين يتحدث عن الأصل في ارتباط المباحث التمهيدية بالمباحث الرئيسية، يناقش في ذات الموضع كيفية ارتباط كل هذه المقدمات بكل تلك المباحث؛ بل إذا دخلت إلى كل واحدة من تلك المباحث الرئيسية ستجد طريقة الارتباط، وهذا واضح جدًا وقد أشرنا إليه. وإذا كنت تريد إجمالًا عن كيفية ارتباط المباحث الأصولية وتماسك النظام الكلي لمباحث علم الأصول ومنها مباحث الألفاظ، يمكنك الاطلاع على مقدمة الشهيد صدر على حلقات الأصول.

ثانيًا، جواب السؤال عما إذا كانت مقدمات مباحث الألفاظ محصورة أم لا، واضح جدًا. بلا شك، يجب القول إنه لا حصر عقلي لها، وهي قابلة للزيادة والنقصان؛ لأن كمية ونوعية المباحث تعتمد على الإشكالات والشبهات الواردة في باب اللغة ودلالة الألفاظ. وإذا كان جواب هذه الشبهات له مكانة في علم خاص، وإذا نُقّحت المباحث اللازمة لحل المسائل الأصولية فيه وتم التوصل إلى نتائج، فإن الباحث الأصولي يعتزل عن عناء الخوض فيها ويأخذ تلك النتائج كمبادئ، ويُحال في طلب إثبات تلك المبادئ إلى ذلك العلم نفسه. أما إذا لم يتناول علم معين هذا النقاش، فيمكن للباحث الأصولي أن يتناولها في مقدمات مباحث الألفاظ وينقّح أساسه.

على سبيل المثال، شبهة نسبية الفهم عمومًا، التي جزء منها نسبية فهم الخطابات الشرعية، يمكن التعرف عليها كمبحث تمهيدي لتنقيح دلالات الألفاظ وإثبات حجيتها. هنا، نتحدث أحيانًا عن تأثير ارتكازات ذهن المخاطب والانصرافات الخارجية والقرائن من هذا النوع التي قد تتعدد بسبب تعدد المخاطبين، وأحيانًا نتجاوز ذلك إلى تأثير مطلق الأفكار والآراء على بعضها البعض واختلاف الفهم بين جميع الأفراد وعدم تحقق أي فهم مشترك، باعتباره ظهورًا عرفيًا.

القسم الأول قد طُرح ضمن مباحث الألفاظ نفسها، ولم يُطرح النقاش الأوسع حول كيفية تأثير القرائن وعدد أقسامها في مقدمات علم الأصول، لعدم الحاجة إليه. أما القسم الثاني، الذي يُطرح الآن كواحدة من الشبهات في مباحث المعرفة، فإذا كان له جواب كافٍ ووافي في علم الكلام (الكلام الحديث)، فإن الباحث الأصولي يختار ذلك الجواب كمبادئ تصديقية له ولا يضيفه كمقدمة إلى المقدمات الأخرى في بداية العلم. أما إذا لم يرَ كفاية في النقاشات الموجودة، فيمكنه إضافة مبحث تمهيدي جديد في بداية علم الأصول.

يبدو أن مكانة تلك المباحث الجديدة في علم اللغة وبعض الشبهات التي طرحها الفلاسفة التحليليون أو الهرمنيوطيقيون، والتي تؤثر سلبًا أو إيجابًا في دلالة عموم الألفاظ، هي في مباحث التمهيد لعلم الأصول نفسها؛ إلا إذا أعد علم الكلام في سياق تطوير مباحثه، دفاعًا عن الكلام القدسي (نص القرآن والحديث)، أجوبة لهم، واعتبر الباحث الأصولي جواب المتكلمين كافيًا واعتزل.

٥. في الصفحة ٢٠ من المقال المذكور، وُجه اعتراض إلى الشهيد صدر لماذا وضعوا بحث الوضع إلى جانب بحث الدلالة واستعمال الألفاظ في مقدمات مباحث الألفاظ، وهذا الكلام بالطبع يخالف ما نقلناه في الملاحظة الثانية من مؤلف المقال المذكور. ثم جاء في النص:

(من الواضح أن هذا النقاش حول ما إذا كان واضع اللغة (وفي الواقع، اللغات) هو الله أم الإنسان… لا علاقة له بدلالة اللفظ على المعنى (وبالقياس الأول، لا علاقة له باستعمال اللفظ في المعنى).)

يجب أن ننتبه إلى أن الشهيد الصدر يتحدث عن أسبقية هذه المناقشات على المناقشات الداخلية لعلم الأصول في باب الألفاظ، وإذا قبلتم تفسير الوضع كبحث تمهيدي للمباحث الصغرى في باب الألفاظ وتمييز الظاهرات، فبذلك تكونون قد قبلتم ارتباط بحث الوضع ببحث الدلالة والاستعمال؛ بل إن ارتباط بحث الوضع بالمباحث التمهيدية للدلالة والاستعمال أوضح من ارتباطه بالمباحث الخاصة في باب الألفاظ حول دلالة اللفظ العام والمطلق وما شابه ذلك. سنوضح أكثر حول ارتباط بحث الدلالة والاستعمال اللفظي ببحث الوضع في الملاحظة السابعة. وهنا نكتفي بالقول إجمالاً إن الوضع والدلالة والاستعمال ثلاثة أمور مترتبة على بعضها البعض (مع استثناء الاستعمال بقصد الوضع)؛ لأنه ما لم يتم الوضع، لا تقوم الدلالة العامة، وإذا لم تقم الدلالة العامة، لا يستطيع المتكلم أن يستخدم اللفظ الموضوع لنقل المعنى إلى السامع، وباختصار لا نعلم ما علاقة هذا الانفصال الذي طرحه مؤلف المقال المذكور بهذا النقاش؟

6. تعبير المقرّر لدرس الشهيد الصدر حول المناقشات اللفظية الاستكشافية هو كما يلي:

(هذا بحث يغير من واقع ما يجري في الذهن فالأجنبي عن اللغة العربية بعد أن يتعلم هذه اللغة تحصل في ذهنه عند سماع قولنا (البياض في الجسم) صورة لم تكن تحصل قبل ذلك.)[22]

مضمون هذه العبارة هو أن تعلم اللغة يؤدي إلى انتقال إلى المعنى وإضافة شيء إلى معلومات ذهن السامع. لذلك، يتغير ذهن المخاطب بعد معرفته بالمباحث الاستكشافية عندما يسمع اللفظ؛ أي لا يبقى فارغاً ويضاف إلى كمية معلوماته الذهنية، على عكس المناقشات التحليلية التي لا تزيد كمية معلومات الشخص بالنسبة لمعاني الألفاظ. لكن في الاستنتاج من كلام الشهيد الصدر، لم يُعبّر عن هذه المسألة بشكل جيد، وقد يظن القارئ أن قصد الشهيد الصدر هو أن تناول المناقشات الاستكشافية له هذه الفائدة بأن معلوماتنا الذهنية تتغير.

في الصفحة 20 من المقال المذكور، ورد ما يلي: (لذلك، ما يمر في ذهننا أو لا يمر عند سماع كلمة يعتمد على ما إذا كنا على اطلاع بهذه الفئة من المناقشات أم لا.)

من وجهة نظرنا، هذا التعبير لا يفي بالغرض من عبارة الشهيد الصدر.

7. في الصفحة 22، وُجهت نقد للشهيد الصدر بأنه في كلتا الحالتين، في طرح المناقشات الاستكشافية والتحليلية، اعتبر كل المناقشات اللفظية من نوع المناقشات المعرفية الشاملة، سواء المعرفية اللغوية أو الفلسفية، ولم يتحدث عن مراد المتكلم؛ مع أن بعض المناقشات اللفظية عند الأصوليين تتعلق بتحديد مراد الشارع.

في الرد على هذا النقد، يجب القول إنه عند الأصوليين واضح أن تنقيح مراد المتكلم وتشكّل الدلالة التصديقية الأولى والثانية لا ينفصل عن أصل النقاش حول الدلالة؛ سواء اعتبرنا الوضع والدلالة اللفظية هما ذات الدلالة التصورية، والدلالة التصديقية نكتشفها من باب تطابق المدلول التصديقي مع المدلول التصوري، أو اعتبرنا الوضع والدلالة اللفظية هما ذات الدلالة التصديقية، والدلالة التصورية من باب تداعي المعاني[23]؛ في كل الأحوال، عندما يناقش الأصوليون أصل الدلالة في المناقشات الاستكشافية، فإنهم يضعون في اعتبارهم جميع أنواعها، وفي تنقيح الدلالة يدرجون كل الأمور بما فيها حال المتكلم والمخاطب، والقرائن العقلية، والزمان والمكان.

هذا مقتضى النقاش الأصولي الذي لا يرى المراد منفصلاً عن المناقشات الاستكشافية. أما إذا كان علماء اللغة الغربيون يحصرون الدلالة في الدلالة التصورية ويناقشون تدخل القرائن والأمور الخارجية في تشكيل دلالة أخرى تسمى (الدلالة التصديقية) ضمن مناقشات علم الاستعمال، ونتيجة لذلك يفصلون مناقشات المراد عن مناقشات المعنى، فلا حرج على الأصوليين؛ لأن الأصوليين يجمعون هذين النقاشين معاً تحت عنوان المناقشات الاستكشافية ويتناولونهما في مرحلتين؛ أي في مرحلة تنقيح الدلالة التصورية ومرحلة تنقيح الدلالة التصديقية. لذلك، أصل النقد ينبع من عدم الانتباه إلى بنية النقاش الأصولي وفرض مصطلح على أهل مصطلح آخر؛ بل يمكن القول إن شكل وطريقة النقاش عند الأصوليين، بسبب ارتباط الدلالة التصديقية بالتصورية وتشكّل الأصل العرفي والعقلي المهم المسمى (أصالة التطابق) (تطابق المدلول التصوري مع المدلول التصديقي والعكس)، أفضل من شكل وطريقة النقاش عند علماء اللغة. وإذا كان علماء اللغة يعتبرون مناقشات علم الاستعمال فرعاً من مناقشات فلسفة اللغة، فلماذا لا يستطيع الأصوليون اعتبار المراد فرعاً من المناقشات الاستكشافية؟

في الواقع، كيف توصل مؤلف المقال المذكور إلى هذا الاستنتاج من كلمات الشهيد صدر بأنّه يعتبر النقاش الاستكشافي بمعنى النقاشات الدلالية منفصلة عن النقاشات التطبيقية؟ أقصى ما يمكن قوله هو أن تعبيراته لا تدل على أنه قد أدرج نقاشات المعنى المقصود ضمن النقاشات الاستكشافية نفسها. في قائمة النقاشات اللفظية التي قدمت في المقال المذكور،[24] نرى اهتمام الأصوليين بنقاشات المعنى المقصود، وقد أشار المؤلف هناك إلى إدراج جميع تلك النقاشات تحت نقاشات فلسفة اللغة. لذلك، يمكن للأصوليين أيضًا أن يدرجوا نقاشات المعنى المقصود ضمن النقاشات الاستكشافية، فضلاً عن أن اعتبار نقاشات المعنى المقصود خارج القسمة لا يحمل محظورًا؛ لأنه يمكن القول إن هذه القسمة لم تهتم بجميع النقاشات اللفظية في علم الأصول، بل اهتمت فقط بالنقاشات الدلالية التي هي بدورها من قسمين: الدلالة اللغوية والدلالة الفلسفية، وبعبارة أخرى، في مكان ما يتم كشف أصل الدلالة التصورية، وفي مكان آخر يتم تحليل الدلالة التصورية.

خلاصة القول، في كل الأحوال، لا يُوجه أي اعتراض على الشهيد صدر، إما لأنه لم يفترض شمولية القسمة، وفي هذه الحالة يكون خروج نقاشات المعنى المقصود مبررًا، أو لأنه افترض شمولية القسمة، وفي هذه الحالة يكون قد أدرج نقاشات المعنى المقصود ضمن النقاشات الاستكشافية لكنه لم يصرح بذلك لأنه اعتبره واضحًا.

8. حول تقدم أو تأخر النقاشات التحليلية على النقاشات الاستكشافية، في الصفحة 23 وُجه اعتراض على الشهيد صدر لأنه، مثل جميع أسلافه، قد قدم (البحوث اللفظية التحليلية) على (البحوث اللفظية اللغوية)، مع أنه كان ينبغي أن يؤخرها.

عند دراسة هذا القول يمكن القول إنه من الناحية الأصولية، لا يوجد تقدم أو تأخر منطقي وعقلي في هذا المجال؛ لأن شأن العالم الأصولي أولاً ليس تعليم اللغة وفنون النحو والأدب بشكل عام، بل شأنه هو كشف بعض الدلالات العرفية للوصول إلى بعض العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. لذا فإن هذا الاعتراض نابع من تصور أن عمل الأصوليين في باب الألفاظ يشبه عمل اللغويين الذين يبحثون في جميع أنواع الدلالات اللغوية، سواء في علم الصرف أو النحو أو المعاني والبيان وغيرها.

ثانيًا، في نطاق النقاشات اللغوية والتحليلية التي تطرح في علم الأصول، نرى أن النقاشات التحليلية، مثل نقاش معاني الحروف والأشكال، ليست متوقفة على نقاش استكشافي؛ والسر في ذلك أن الأصوليين لا يسعون إلى تحليل وتفسير المعاني الاستكشافية في الأصول، بل يسعون إلى تحليل وتفسير معنى لا يوجد نقاش استكشافي حوله في علم الأصول، وبعبارة أفضل، النقاش الاستكشافي حوله غير مطلوب في علم الأصول، بل النقاش اللغوي والاستكشافي حوله مُحال إلى العلوم الأدبية.

ثالثًا، في بعض الحالات الخاصة التي يكون فيها النقاش التحليلي متوقفًا على نقاش استكشافي خاص في علم الأصول، فإنهم بالطبع يراعون التقدم والتأخر المنطقي للنقاش؛ على سبيل المثال، يبدأون أولاً بالحديث عن أصل دلالة صيغة الأمر على الوجوب أو الاستحباب أو الطلب المطلق، وإذا انتهوا من دلالتها على الوجوب، ينتقلون في المرحلة التالية إلى النقاش التحليلي حول مصدر الدلالة، هل هو العقل أم الوضع أم مقدمات الحكمة.

رابعًا، النقاشات التحليلية، كما شرحها الشهيد صدر والموجودة بين المتأخرين من الأصوليين، لم تكن لها مكانة في نقاشات الألفاظ لدى السابقين، فكيف إذن ادعوا أن جميع السابقين قد قدموا النقاشات التحليلية على النقاشات الاستكشافية؟ على سبيل المثال، يكفي الرجوع إلى الذريعة لسيد مرتضى، وعدة الأصول للشيخ الطوسي، والمعراج للمحقق الحلي، ومعالم الأصول للشيخ حسن بن زين الدين، والوافية لفاضل التوني.

9. في الصفحة 24، طُرحت وجهة نظر اللغويين حول تمييز الواضع، وذكر مؤلف المقال أولاً: (في منتصف القرن الثامن عشر، كان هناك جدل حاد حول منشأ اللغة والواضع الحقيقي لها، وقد بدأه الفيلسوف الفرنسي كوندياك (1715-1780) في عام 1746م.) ثم أضاف (ولی تا اوائل دهه 1990، زبان شناسان معمولاً به مسئله منشأ زبان با احتیاط نزدیک میشوند.)

حتى هذه اللحظة، لا يفهم القارئ هل كان هذا النقاش (منشأ اللغة) بعد عام 1746م وقبل أوائل تسعينيات القرن العشرين نقاشًا حاميًا، أم نقاشًا باردًا وحذرًا. ثم في سياق كلامه نقل بدقة عبارة من بينكر: (منذ ذلك الحين، لم يعد علم اللغة يؤمن بألوهية منشأ اللغة وأن الله هو واضع اللغة.) وفي النهاية قال في علم الأنساب: (على أي حال، هذا النقاش ينتمي إلى علم اللغة التاريخي أو إلى زمن معين.)

عند دراسة مجموع هذه الكلمات يجب القول أولاً، ما هي النقطة التي تجبرنا على أن نكون دقيقين جدًا في ترجمة بعض العبارات بحيث نضع (ليس) و(هو) متتاليين؟

حتى في ترجمة القرآن الكريم التي نعتبرها أدق النصوص، لا يسمح أحد بهذا النوع من الترجمة.

ثانيًا، كيف يمكن بمقال واحد أن يتغير مسار نقاشات علم اللغة حول تمييز الواضع فجأة بحيث يجب على جميع الفلاسفة بعد ذلك أن يؤمنوا بأن نقاش تمييز الواضع نقاش تاريخي؟ هل يعني هذا سوى فرض أساس على نقاشات علم؟ حتى لو كانت ألوهية اللغة أساسًا ضعيفًا، فلا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى اعتبار النقاش نقاشًا تاريخيًا مطلقًا. لأن تحديد موقع النقاشات لا يعتمد على أساس واحد، وحتى لو كان الأمر كذلك، فلا يمكن تصنيف نقاشات الألفاظ في علم الأصول بطريقة تتوافق مع مقال بينكر وقولنا: لأنّه اعتبر اللغة ظاهرة تاريخية، يجب على الأصوليين أن يعتبروا هذا النقاش نقاشًا تاريخيًا.

ثالثاً، تشخيص واضع غير مرتبط بتفسير العلاقة الوضعية ولا بنقاش أقسام الوضع. المؤلف في تفسير العلاقة الوضعية قد بحث عدة احتمالات. الآن، يجب أن يُسأل هل كل أقسام الوضع تقبل تفسيراً تاريخياً وهل كل الاحتمالات التي ذُكرت في تفسير العلاقة الوضعية تتوافق مع تاريخية نقاش تشخيص الواضع؟ نحن من جانبنا لم نجد هذه التوافقية.

10. في الصفحة 26 ورد: (لم يتناول الأصوليون المسلمون هذه المسألة التي أحياناً تُقام فيها علاقة معنوية بين جملتين وليس بين كلمتين… لكن الفلاسفة اللغويين تناولوا ذلك.)

يجب القول إن هذه النقطة عندنا مبدأ مسلم به، وهو استحالة وجود علاقة معنوية بين جملتين، وهذه دقة جيدة جداً. الأصوليون يستندون إلى ما قاله أهل الأدب عن الفرق بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية، والمضارعة والماضية، والفرق بين قيد الكلام، ويؤسسون على قاعدة (زيادة المباني تدل على زيادة المعاني) التي تعتبر اشتراكاً معنوياً تاماً بين تركيبين لفظيين مختلفين سواء كانا جملة تامة أو ناقصة مستحيلاً. الدقة في تفسير الآيات المماثلة في القرآن الكريم تُظهر هذه الحقيقة بوضوح.

11. في الصفحة 27، نوقش موضوع علامات الحقيقة وتشخيص المعنى (مثل التبادر، الإطراد، وصحة الحمل) وربط ذلك بمباحث علم الدلالة التطبيقية واللسانيات وكذلك بنظرية المحادثة أو نظرية المعاني الضمنية من مباحث الفلسفة التطبيقية (في فلسفة اللغة).

بينما نحن نكتشف تحقق الوضع عن طريق وجود الإطراد أو التبادر أو صحة الحمل بطريقة آنية. لذلك، لا يُعد النقاش حول هذه العلامات من المباحث التحليلية ولا ينبغي أن يكون ضمن فلسفة اللغة.

في سياق الكلام نفسه، حيث يميز الشهيد الصدر بين المباحث الاستكشافية والمباحث التحليلية، يقول إن لدينا أداتين أساسيتين لاكتشاف المعنى بغض النظر عن العلوم اللغوية؛ الأولى الانسياق والتبادر، والثانية البرهان.[25] وفي موضع آخر ربط الشهيد الصدر نقاش هذه العلامات بنقاش الدلالة في مقام الإثبات،[26] ويجب الانتباه إلى أن تشخيص معنى الموضوع له يختلف عن تشخيص معنى المراد. الأصوليون حيث لا يوجد قرينة لتشخيص مراد المتكلم، يستخرجون مراد المتكلم من معنى الموضوع له بتنفيذ قاعدة التطابق، ولتشخيص معنى المراد في حالات الشك أسسوا قاعدة (أصالة الظهور) التي هي الأم لقواعد أخرى مثل أصالة العموم وأصالة الإطلاق. لذلك، يجب أن يُدرج نقاش الأصول اللفظية ضمن مباحث علم الدلالة التطبيقية وليس ضمن نقاش علامات تشخيص الحقيقة والمجاز.

12. في الصفحة 27، ذُكر نقاشان مشهوران في علم الأصول، وهما نقاش الحقيقة الشرعية ونقاش الصحيح أو الأعم تحت عنوان (تطبيقات فيها اختلاف في شأنها)، وفي ترجمة كلام الشهيد الصدر في الصفحة 15 ذُكر بعنوان (تطبيقات فيها اختلاف في مدلولها الحقيقي). في كلا الموضعين تم اختيار كلمة (تطبيقات) أو (استعمالات) كترجمة لكلمة (تطبيقات).

أولاً، من اللازم التنويه إلى أنه في تقارير درس الشهيد الصدر بعنوان (تطبيقات مختلفة بشأنها) ورد: (بعد أن اتضحت نظرية الدلالة على المعنى الحقيقي والدلالة على المعنى المجازي بشكل عام يقع البحث عن تطبيقات وقع الخلاف فيها حول تحديد ما هو المدلول الحقيقي للفظ).[27]

والآن، بالنظر إلى كلمات الشهيد الصدر، يبدو من المناسب أن نضع عنوان النقاش هكذا: (ألفاظ فيها اختلاف في تحديد مدلولها الحقيقي)؛ أي أن الخلاف في الواقع حول أي من المعاني الحقيقية التي ذُكرت سابقاً تنطبق على هذه الألفاظ. إذن كلمة (تطبيقات) تعني بالضبط ما هو متبادر إلى الذهن لدينا وليس بمعنى (تطبيق) أو (استعمال). حتى لو تُرجمت عبارة (تطبيقات مختلفة بشأنها) إلى: المعاني التي فيها اختلاف، فلن تكون واضحة كفاية.

مع ذلك، نرى أن لا هذه الترجمة الدقيقة ولا العنوان المقترح ولا العنوان المذكور في المقالة مناسبة لتعريف المباحث المطروحة تحت هذا النقاش، لأن عنوان النقاش يجب أن يعبر عن طبيعة وخصوصية النقاش الأصولي.

13. في متابعة نفس النقاش حول المشتق ونقاش الصحيح أو الأعم، أورد المؤلف: (هذان النقاشان كما يبدو ومن المتوقع، لا يحظيان بالاهتمام في أي من العلوم اللغوية الحديثة؛ لأنهما يتعلقان بمعاني شرعية لأسماء العبادات والمعاملات ولا علاقة لهما بالمباحث اللغوية البحتة.)

لكن يجب الانتباه إلى أن لغة الشارع ليست لغة تأسيسية أو اختراعية، بل الشارع يتكلم بناءً على لغة العرف، وكما قال القرآن الكريم: (ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)[28]، أقصى ما في الأمر أن الشارع قد طور لغة العرف، كما فعل الشعراء والأدباء بدرجة أقل. ولكن هذا التطور أيضاً مبني على قبول لغة العرف وأساسيتها في التفاهم والتفهّم. لذلك، ليست صفة الشارع بوصفه شارعاً هي الموضوع في هذا النقاش، بل صفة الشارع من حيث أنه يحمل مراداً خاصاً ويريد نقل مفاهيم جديدة في إطار ألفاظ عرفية هي المعيار. ومن ثم، جوهر هذا النقاش يدخل في تحليل لغة كل الأشخاص أو الجماعات التي تسعى إلى إيصال مفاهيم جديدة[29] ولا بد أن يكون له مكانة في العلوم اللغوية.

14. المؤلف في الصفحة 28، اعتبر بريسكيانوس (أعظم نحويي اللغة اللاتينية في القرن الخامس الميلادي) مبتكر البحث في المعنى الحرفي وتمييزه عن المعنى الاسمي، ثم انتقل في الاستمرار إلى الفرق بين (المقولة) و(المقولة الرابطية) نقلاً عن فلاسفة اللغة، وفي النهاية ذكر أن بعض الكلمات لها استخدام مقولي وأيضًا استخدام مقولي رابط؛ مثل كلمة (كل) في الجملة (كل هذا الورق أبيض) التي هنا لها استخدام مقولي رابط، وفي الجملة (كل سطح هذا الورق 600 سنتيمتر مربع) التي هنا لها استخدام مقولي.

يجب القول أولاً، من أين يمكن أن نعلم أن مبتكر المعنى الحرفي هو بريسكيانوس؟ وكيف يمكن إثبات هذه الحقيقة؟ ومن أين نعرف أن تمييزه بين الأسماء والحروف مشابه لتمييز الأصوليين؟ وفي الصفحة 30 أيضًا ذكروا أن تقسيم الكلمات العربية إلى ثلاثة أقسام هو تقليد للصرف والنحو الهندي واللغة السنسكريتية، ثم نرى في نفس الموضع أنه في التقسيم الثماني لليونانيين لا يوجد أي أثر للحروف بمعناها المطلق (بما في ذلك حروف الجر والربط)، فكيف يمكن لبريسكيانوس أن يكون مبتكر المعنى الحرفي ذاته الذي يقصده الأصوليون المسلمون؟ بل في الصفحة 28 أشاروا إلى الفرق بين مصطلح المعنى الحرفي عندنا والمعنى الحرفي عند اليونانيين.

ثانيًا، الهدف من تتبع أصول مناقشات الألفاظ في علم الأصول هو أن نعرف مكانة ما قاله الأصوليون عن مثلاً كون المعنى الحرفي إبداعيًا أو تحذيريًا، وإمكانية عمومية وتقييد ذلك، في سياق مناقشات علم اللغة، وهل له أصل لديهم أم لا؟ في مثل هذا البحث، الاقتصار على ذكر بعض عناوين المناقشات الأصولية وعناوين مناقشات علماء اللغة التي تبدو متشابهة ظاهريًا، دون الانتباه إلى نوعية مناقشاتهم، لا يحقق الغرض الأساسي من البحث.[30]

وثالثًا، ما قيل عن استخدام كلمة (كل) في الجملتين يمكن أن يُشكك فيه، ويُعتبر الفرق المذكور متعلقًا بنقطة خارجية؛ وهي أن لون كل سطح هو لون كل جزء منه، لكن وزن أو مساحة الكل ليست وزن أو مساحة كل جزء منه. الانتباه أو عدم الانتباه لهذه النقطة الخارجية لا علاقة له باستخدام كلمة (كل) في معناها الخاص، وربما لهذا الخلاف نفسه أورد المؤلف في الهامش أنه لا يدعي صحة كل أقوالهم.

15. في الصفحة 30، ذكروا: (الأصوليون المسلمون اعتبروا اللغة العربية نموذجًا ونمطًا لكل اللغات.) وذكروا أيضًا: (يبدو أن الأصوليين المسلمين كانوا يظنون أن تقسيم الكلمات إلى ثلاثة أقسام (اسم، فعل، حرف) هو من (بعبارة علماء اللغة) المشتركات اللغوية.)

لكن يجب القول: إن هذا القول ينبع من تصور أن الأصوليين في باب الألفاظ يناقشون علم اللغة بالمعنى العام؛ بينما الأصوليون في مناقشات الألفاظ وفي تنقيح دلالة الدليل اللفظي يتعاملون فقط مع اللغة العربية، وإذا لم تستطع اللغة العربية أن تكون نموذجًا لفهم اللغات الأخرى، فلا مشكلة في عملهم أو في شكل مناقشات الألفاظ في علم الأصول؛ لأن علماء علم الأصول يدرسون مناقشات الألفاظ لفهم الخطابات اللفظية للقرآن الكريم والأحاديث، التي لفظها من الشارع ونزل أو صدر (بلسان عربي مبين).[31] لذلك، القواعد الأصولية في باب الألفاظ تركزت على اللفظ العربي، وما يمكن استخدامه من هذه القواعد والمقدمات العامة في لغات أخرى يمكن أن يكون مفيدًا لعلماء اللغة، وما لا يمكن استخدامه لا يمكن أن يكون محل إشكال؛ لأن عالم الأصول في باب الألفاظ لا يدعي طرح مناقشات علم اللغة، وتوقع طرح مثل هذه المناقشات منه توقع د.م. أما لماذا اختار الشارع اللغة العربية للتخاطب ولماذا رأى قدرتها وكفاءتها في بيان مقاصده أكثر من لغات أخرى مثل اليونانية واللاتينية، فهذا موضوع آخر له مكانه.

لذا، لا يمكن القول إن التقسيم الثماني للكلمات عند اليونانيين أفضل من التقسيم الثلاثي للكلمات في اللغة العربية، ولا يمكن اكتشاف سعة قدرة اللغة في إيصال المعاني بمجرد زيادة الأقسام في التقسيم الأول؛ بل تُكتشف قدرات اللغة من خلال قدرتها العالية على بيان المفاهيم المعقدة والصعبة العقائدية والفلسفية والفقهية، وبيان المشاعر العميقة الداخلية في قالب أنواع الكنايات، والاستعارات، واللطائف، والأشعار، والخطابات، وما شابه ذلك.

بعيدًا عن كل هذا، يجب القول إن الهدف من تتبع أصول مناقشات الألفاظ في علم الأصول هو توضيح مكانة تلك المناقشات عند الأصوليين ضمن العلوم اللغوية؛ ونحن هنا رغم أننا خطونا خطوة نحو كشف الذهنيات الأخرى، إلا أننا لم نصل إلى الهدف.

16. حول دلالات صيغة الأمر في الصفحة 34، ذكروا أن (دلالة الأمر على الوجوب النفسي العيني التعييني، ودلالة الأمر في موضوع الحظر أو دلالته على التكرار أو المرة، تنتمي إلى مبحث الأفعال الكلامية من مباحث التطبيق، وكذلك إلى مبحث نظرية الأفعال الكلامية من مباحث التطبيق الفلسفي في فلسفة اللغة)، وحددوا نفس المكانة لمناقشة الحالات الخاصة للأمر؛ مثل الأمر بالأمر، والأمر بعد الأمر، وكذلك لمبحث المفاهيم ومبحث صيغة النهي.

لكن يجب القول إن الأصوليين في المقام الأول تحدثوا عن اكتشاف الظهور العرفي، وفي المقام الثاني، من باب التطابق بين مدلول تصديقي ومدلول تصوري، تحدثوا عن مراد المتكلم. إذًا، أولًا وبالذات مكانة المناقشات المذكورة هي فرع من فروع الدلالة اللغوية، والمناقشات المطروحة حول الأصول اللفظية التي كلها تعود إلى أصالة الظهور تنتمي إلى فرع الدلالة الفلسفية ومباحث التطبيق.

17. في الصفحة 34 من نفس المقالة ورد أن نقاش الواجب المشروط والواجب المطلق، والواجب المعلق والواجب المنجز، والواجب النفسي والواجب الغيري… مرتبط بفلسفة الأخلاق.

يجب القول إن بعض هذه المناقشات لها طابع تحليلي بحت؛ مثل نقاش أصل إمكانية الواجب المشروط أو الواجب الاختياري. وذلك لأن الشرطية أو الاختيار يُتصور أنهما غير متوافقين مع ذات الوجوب؛ لكن أصل تحقق مثل هذا الشيء ظاهريًا في الخطاب اللفظي لا يختلف فيه، والنقاش الأصولي يقتصر على التبرير العقلي وعدم استحالة تحققه. في جميع اللغات توجد تعبيرات تفهم الإلزام من جهة والاشتراط أو الاختيار من جهة أخرى، وما هو موضع النقاش هو التحليل العقلي لهذه الظاهرة اللغوية.

لذا، يجب أن تحتل هذه المناقشات مكانة بين فلاسفة اللغة، سواء تناولها فلاسفة الأخلاق أم لا؛ وكذلك فيما يتعلق بالألفاظ العمومية وأقسامها في الصفحة 36، حيث ورد: (طالما أنها ترتبط بمسائل منطقية وفلسفية، فهي تنتمي إلى نقاش مقادير المتغيرات التي هي من المناقشات المتعلقة بنظرية الحكايات أو الإحالة في فلسفة اللغة، وأينما تتعلق بمعنى كلمات خاصة في لغة معينة فهي تنتمي إلى علم معاني تلك اللغة الخاصة.) ولكننا نعلم أن طريقة استخدام العموم للنكرة في سياق النهي أو النفي هي نقاش تحليلي وليس اكتشافي؛ وكذلك طريقة استخدام العموم البدلي لبعض الألفاظ هي نقاش تحليلي؛ لأن هذا النقاش يهدف إلى إزالة التنافي بين العمومية والبدلية.

18. في الصفحة 36 ورد: (جميع الجمل الشرطية التي يتعامل معها الأصوليون هي شرطيات يكون فيها جملة الجزاء ليست جملة إخبارية؛ بل جملة إنشائية، وعادة من نوع الأمر (أو النهي)… ولكن، من جهة أخرى، غالب الشرطيات التي تُناقش وتُبحث في المنطق وفلسفة المنطق ليست من هذا النوع [إخبارية]… لذلك، فإن الأعمال التي نشرها المنطقيون أو فلاسفة المنطق في باب الشرطيات لا تساعد في فهم منطوق ومفهوم الجمل الشرطية التي يناقشها الأصوليون.)

لكن يجب الانتباه إلى أن الشرطيات التي تكون جملة الجزاء فيها إخبارية هي أيضًا محل نقاش الأصوليين؛ مثلما يُقال: (إذا بلغ الماء حد الكر، فإنه اعتصام، ولا يتنجس بمجرد ملاقاته للنجس) أو يُقال: (إذا أُديت الصلاة بهذا الشكل أو ذاك، فصلاة المكلف صحيحة أو باطلة).

في هذه الأنواع من الجمل، تُوضع الأحكام الوضعية في قالب جملة إخبارية جزائية، ومفهوم نقيض الجملة الشرطية هو محل نقاش أصولي. أما إذا وُضعت الأحكام التكليفية كجزاء للشرط، فيمكن أن تكون في قالب الأمر والنهي، ويمكن أن تكون أيضًا في قالب جملة إخبارية؛ مثلما يُقال: (إذا جاء زيد إليك، فالإكرام عليه واجب عليك) أو (إذا استطعت، فالحج عليك واجب)، في كل هذه الحالات، هناك إخبار من عالم التشريع، كما أن أهل علم المنطق عادة ما يوردون أمثلة يكون فيها جملة الجزاء متضمنة إخبارًا من عالم التكوين؛ مثل هذا المثال: (إذا لم تصل النور إلى النبات، فإنه يتوقف عن النمو). على كل حال، إذا عُلق تحقق شيء في عالم التكوين أو التشريع بشرط، فالمهم أن نعرف في أي حالة يمكن لهذا التعليق والاشتراط أن يكون له أيضًا مفهوم نقيض.[32] لذلك، من حيث كون جملة الجزاء إخبارية أو إنشائية، لا فرق بين النقاش الأصولي والنقاش المنطقي.

19. في الصفحة 38 وتحت عنوان (التخصيص) قيل: (جميع الآراء التي أوردها الأصوليون في المناقشات المتعلقة بالتخصيص هي لهذا الغرض وللحفاظ على مقتضيات مبدأ الحمل على الأحسن.)

وبالنظر إلى الشروحات التي ذُكرت في الصفحات السابقة حول الحمل على الأحسن ودور ديفيدسون (فيلسوف اللغة والعقل الأمريكي) في هذا المجال، يجب القول إن التخصيص الذي يتحدث عنه الأصوليون والمقتضى للجمع العرفي، رغم أنه يشبه ما قاله بعض فلاسفة اللغة عن الحمل على الأحسن، إلا أنه متميز عنه في عدة جوانب تتعلق بطبيعة النقاش الأصولي. النقطة المهمة هي أن اللغة ليست خاضعة لفلسفة أي فيلسوف؛ بل يمكن لفيلسوف اللغة أن يكون موثقًا لأنواع وظائف اللغة، ونعلم أن التخصيص وأنواع الجمع العرفي الأخرى؛ مثل الحمل المطلق على المقيد وحمل جميع أنواع ذوي القرائن على القرائن، ليست اختراعًا من الشارع ولا توصية من فيلسوف لغة أو عالم أصول، بل تفسير المعنى مع مراعاة جميع القرائن اللفظية وغير اللفظية للكلام هو أمر شائع بين جميع الناس من جميع الأمم؛ إلا أن الحديث في باب التخصيص والتقييد يتعلق بالقرائن المنفصلة للكلام التي تظهر بعد انعقاد الظهور الأول للكلام. الآن، إذا كان لزوم أو عدم لزوم الحمل على الأحسن يستند إلى حكم العرف ومراعاة جميع الأمور المعنية؛ مثل مراعاة زمن الحاجة وزمن صدور كلا الكلامين (العام والخاص) ومراعاة شخصية المتكلم ومراعاة اللسان العام والمطلق (مراعاة كون الشيء أزرق أو لا من التخصيص والتقييد)، ففي هذه الحالة، سيكون هناك جسر اتصال بين نقاش التخصيص وما قيل عن الحمل على الأحسن.

في رأينا، التفسير الأوسع للذهنية الأصولية في المناقشات اللفظية هنا وفي الحالات السابقة هو مساعدة جيدة لتقدم الدراسات المقارنة والمقارنة. لأننا سنعرف ما هي النقاط التي نبحث عنها في الكم الهائل من ما قاله علماء اللغة؛ ليُسهل هذا الطريق.

[1] انظر: ملكيان، مصطفى، (جغرافية المعارف اللغوية)، مجلة نقد ونظر، (العدد الخاص بعلم الأصول والمعارف اللغوية) السنة العاشرة، العدد الأول والثاني، ربيع وصيف 1384، على سبيل المثال، ص 87 و89 و95.

[2] انظر: ملكيان، مصطفى، (أنساب مناقشات الألفاظ في علم الأصول)، مجلة نقد ونظر، (العدد الخاص بعلم الأصول والمعارف اللغوية 2) السنة العاشرة، العدد الثالث والرابع، خريف وشتاء 1384، ص 24.

[3] المرجع نفسه، ص 3.

[4] انظر: إسلامي، رضا، (مدرسة أصول الشهيد آية الله صدر)، مجلة بحوث وحوزة، السنة العاشرة، خريف وشتاء 1385، العدد 27 و28، ص 134.

[5] انظر: هاشمي، سيد محمود، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس الشهيد صدر)، قم، مكتبة الإعلام الإسلامي، الطبعة الثانية، 1405 هـ.ق، ج 1، ص 57-61. وقد قدم الكاتب بحثًا تفصيليًا في هذا الشأن في مقال (مدرسة أصول الشهيد صدر) في مجلة بحوث وحوزة، العدد 27 و28، وأشار هناك إلى نوع من التناقض في الكلمات المنقولة عن الشهيد صدر في اعتبار المنهج الجديد في الحوزة مجردًا أو تطبيقيًا.

[6] ملكيان، مصطفى، (أنساب مناقشات الألفاظ في علم الأصول)، ص 41.

[7] انظر: محمد باقر صدر، حلقات الأصول، الحلقة الثالثة، بداية البحث في (الدليل العقلي).

[8] المرجع نفسه، ص 24.

[9] على سبيل المثال، انظر: محمد باقر صدر، حلقات الأصول، الحلقة الثالثة، بحث موضوع علم الأصول وكذلك آخوند خراساني، كفاية الأصول، بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1412 هـ.ق، في بحث وضع المركبات، الصحيح أو الأعم، وبحث التجري، والوجوب التخيييري والكفائي، مفهوم الشرط وحمل المطلق على المقيد.

[10] للاطلاع على المبادئ العقلية لآخوند خراساني (صاحب الكفاية)، كأحد الأصوليين المشهورين، انظر: انتظام، سيد محمد، الافتراضات الفلسفية في علم الأصول، قم، بوستان كتاب، 1384.

[11] انظر: بحوث في علم الأصول، ج1، ص 68.

[12] انظر: ضياء الدين العراقي، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، ج1، ص 53، 1414 هـ.ق.

[13] انظر: العلامة الشعراني، المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه، قم، نشر الهادي، 1373 ش. هذا الكتاب له نظرة خاصة لأقسام مبادئ المناقشات الأصولية.

[14] انظر: محمد باقر صدر، حلقات الأصول، الحلقة الثانية، ص 71 إلى 88.

[15] انظر: بحوث في علم الأصول، ج1، ص 68.

[16] بحوث في علم الأصول، ج1، ص 58.

[17] المرجع نفسه، ص 59.

[18] انظر: محمد إسحاق فياض، محاضرات في أصول الفقه، طبعة أنصاريان، قم، 1410 هـ.ق، ج 1، ص 6.

[19] المرجع نفسه، ص 13.

[20] انظر: بحوث في علم الأصول، ج1، ص 67.

[21] انظر: ملكيان، مصطفى، (أنساب مناقشات ألفاظ علم الأصول)، ص 13، السطر 4 و18.

[22] بحوث في علم الأصول، ج1، ص 224.

[23] في موضوع الفرق بين هذين الرأيين، انظر: محمد رضا مظفر، أصول الفقه، بحث (تبعية الدلالة للإرادة) ومحمد باقر صدر، حلقات الأصول، الحلقة الأولى والثانية، بحث حقيقة الوضع.

[24] انظر: بحث تبعية الدلالة للإرادة ص 26، المعنى المجازي في نفس الصفحة، بحث التخصيص ص 37، بحث المطلق والمقيد وكذلك بحث المجمل والمبين ص 3 من نفس المقال.

[25] بحوث في علم الأصول، ج1، ص 224.

[26] المرجع نفسه، ص 68.

[27] المرجع نفسه، ص 177.

[28] سورة إبراهيم (14) آية 4.

[29] لمزيد من الشرح انظر: إسلامي، رضا، (منظومة مناقشات ألفاظ علم الأصول) مجلة نقد ونظر، السنة العاشرة، العدد الأول والثاني، (التتابع 37 و38) ربيع وصيف 1384.

[30] كما ورد في الجزء الأول من المقال (جغرافية المعارف اللغوية)، ص 79، أن أندريه مارتين قد لاحظ لأول مرة التحليل الثنائي للغة؛ مرة تحليل الكلام إلى مفردات، ومرة أخرى تحليل المفردات إلى أصوات. في حين أن هذا النوع من تحليل الكلام يختلف عن عمل الأصوليين في تحليل الكلام إلى كلمات وتحليل الكلمات إلى حروف؛ لكن دراسة آثار التحليل الثنائي للكلام كما قال مارتين مهمة لنا، وفي الجزء الثاني من المقال هناك نقص في هذا العمل؛ لأن مجرد اختلاف التصنيفات لا ينتج شيئًا.

[31] سورة الشعراء (26)، آية 195.

[32] انظر: محاضرات في أصول الفقه، ج5، ص 60.