التحكيم بين المنطقيين وأهل الأدب في تحليل مدلولات الجمل الشرطية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: داوری میان منطقیان و اهل ادب در تحلیل مفاد جملات شرطی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذه المقالة، من أجل التحكيم بين المنطقيين وأهل الأدب في تحليل مدلولات الجمل الشرطية، يتم دراسة وجهات النظر المختلفة وتفاسير الأصوليين في هذا المجال. لقد تناول أهل الأدب في موضوع «تقييد المسند بالشرط» والعلماء المنطقيون في موضوع «أقسام القضايا» تحليل مدلولات الجمل الشرطية من منظورين مختلفين، وكانت النتيجة تقديم وجهتي نظر مختلفتين. وفقًا للرأي الأول، يصدر المتكلم حكمه بناءً على النسبة المذكورة في جملة الجزاء التي قُيدت بالشرط، وبناءً على الرأي الثاني، يصدر حكمه بناءً على نسبة الملازمة أو الاستلزام بين مدلول جملة الشرط ومدلول جملة الجزاء. إن غفلة كلا الطرفين عن نقطة جديرة بالاهتمام (وهي الفرق بين التقييد والإناطة والتعليق التي تلعب دورًا رئيسيًا في تحليل الجمل الشرطية) أدت إلى عدم تقديم أي من مؤيدي هذين النظريتين تحليلًا شاملًا يمكنه تحمل المسلّمات الموجودة في الجمل الشرطية. ومع ذلك، فإن دراسة الحجج التي قدمها الأصوليون لصالح كل من هذين الرأيين ستوضح بعض نقاط الغموض في تحليل الجمل الشرطية. في هذا المقال، سيتم أولاً عرض موجز لكل من هذين الرأيين وتفاسير الأصوليين المختلفة، ثم سيتم تقييم الحجج المقدمة وبيان تفضيل وجهة نظر أهل الأدب على وجهة نظر المنطقيين من خلال توضيح التحليل المختار.

المؤلف: صادق لاریجانی

المصدر: پژوهش‌های اصولی، شتاء 1390، العدد 11، ص 7 إلى 67.

المقدمة[1]

إن دراسة وجهتي نظر أهل الأدب والمنطقيين تؤثر تأثيرًا بالغًا في مسائل أصولية مهمة مثل «الواجب المشروط»، و«مفهوم الشرط»، و«الاستصحاب التعليقي»؛ كما أنها تؤثر على مسائل مهمة أخرى مثل «تحليل المعنى الحرفي»، و«الفرق بين النسب الناقصة والكاملة»، و«تحليل مراحل الدلالة المختلفة». الأصوليون الذين تناولوا هذا النقاش قد ركزوا في بحثهم على موضوع «الواجب المشروط» و«مفهوم الشرط». ومن بينهم، كان تحقيق أصفهاني والشهيد الصدر أكثر اجتهادًا في دراسة هذا النزاع مقارنة بالآخرين.

وقبلهم، أبدى الشيخ الأنصاري رحمه الله رأيًا مختصرًا في هذا الموضوع. فقد دافع تحقيق أصفهاني والشيخ الأنصاري، رغم اختلافهما في تفسير وجهة نظر أهل الأدب، عن هذه الرؤية. أما الشهيد الصدر قدس سره، فقد قبل وجهة نظر المنطقيين على عكس هؤلاء العلماء الكبار. [2]

قبل بدء النقاش، يجب الانتباه إلى أن النزاع بين المنطقيين وأهل الأدب يتعلق بتشخيص مدلول وتحليل دلالة الجملة الشرطية. لذلك، ليس من الصحيح، كما فعل المرحوم الروحاني في تقرير هذا النزاع، أن نعرف مدلول ومفهوم الجملة الشرطية على أنهما متفق عليهما بين الطرفين، وأن نعتبر الخلاف فقط في تحديد الدال عليها. فقد قال في تقرير هذا النزاع:

إن الجملة الشرطية تفيد تعليق الجزاء على الشرط، وربط أحدهما بالآخر بنحو من أنماط الربط، سواء قلنا إن ذلك هو مدلول الأداة نفسها، أو قلنا بأن مدلول الأداة ليس إلا كون التالي واقعًا موقع الفرض والتقدير، والتعليق يُستفاد من «الفاء» أو «ثم» أو غيرهما من الأدوات الداخلة على الجزاء، أو من نفس ترتيب الجزاء على الشرط والهيئة التركيبية الخاصة – فإن تحقيق أحد الوجهين اللذين ذهب إليه أولهما أهل الميزان وإليه ثانيهما أهل العربية، ليس مهمًا في المقام. [3]

وقد اعتبر هذا التقرير أن النزاع هو في ما إذا كان التعليق والإناطة وربط الجزاء بالشرط يُفهم من أدوات الشرط نفسها، وأن أدوات الشرط دالة على هذا الربط، كما قال أهل المنطق، أو أن أدوات الشرط تدل على أن مدخولها في موقع الشرط والتقدير، وأن الربط والتعليق بين الجزاء والشرط يُفهم من هيئة الجملة الشرطية أو من «فاء» و«ثم» التي دخلت على الجزاء، كما يُنسب إلى أهل الأدب.

هذا التقرير للنزاع لا يتوافق بأي حال مع عبارات أهل الأدب والعلماء المنطقيين. بل إن هذه العبارات صريحة في أن النزاع هو في تشخيص مدلول وتحليل دلالة الجملة الشرطية. على سبيل المثال، يقول التفتازاني في شرح هذا النزاع:

والتحقيق في هذا المقام أن مفهوم الشرطية بحسب اعتبار المنطقيين يختلف عن مفهومها بحسب اعتبار أهل العربية، لأننا إذا قلنا: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» فعند أهل العربية «النهار» هو المحكوم عليه و«موجود» هو المحكوم به، والشرط قيد له. ومفهوم القضية هو أن الوجود يثبت للنهار على تقدير طلوع الشمس… وأما عند المنطقيين فالمحكوم عليه هو الشرط والمحكوم به هو الجزاء، ومفهوم القضية هو الحكم بلزوم الجزاء للشرط… أن قولنا «كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» مفهومه عندهم «أن وجود النهار لازم لطلوع الشمس» وعند النحاة أن التقدير: «النهار موجود في كل وقت طلوع الشمس» وظاهر أنه جملة خبرية قيد مسندها بمفعول فيه منكم بين المفهومين. [4]

نظرية المنطقيين في مدلولات الجمل الشرطية

ما يُنسب إلى أهل المنطق هو أن مدلول الجملة الشرطية هو بيان الملازمة بين المقدم والتأخر؛ لذا فإن طرفي الملازمة خاليان من الحكم؛ أي في جملة «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» تكون جملة «الشمس طالعة» خالية من الحكم وكذلك جملة «النهار موجود». [5]

ومن هنا جاء القول المشهور عند المنطقيين: «صدق الملازمة بين المقدم والتأخر، ليس بملازمة لصدق طرفيها»؛ لأن مدلول القضية الشرطية هو الحكم على الملازمة نفسها، وليس حكمًا موجودًا في طرفي هذه الملازمة. وبالطبع هناك نقاش مهم حول كون هذه الملازمة اسمية أو حرفية، وبعبارة أخرى استقلاليتها أو آليتها، وهو موضوع سيتم تناوله بالتفصيل ضمن الحجة الأولى التي تُطرح لصالح هذه النظرية.

لذلك فإن القول المشهور بين المنطقيين هو أن «صدق ملازمة بين المقدم والمتأخر لا يعني صدق طرفيه»؛ لأن مدلول القضية الشرطية هو الحكم على الملازمة نفسها، لا الحكم الموجود في طرفي هذه الملازمة. وبالطبع هناك نقاش مهم حول كون هذه الملازمة اسمية أو حرفية، وبعبارة أخرى استقلاليتها أو كونها آلية، وهو ما سنفصّل فيه ضمن الاستدلال الأول الذي يُطرح لصالح هذا الرأي.

نظرية أهل الأدب في مدلول الجمل الشرطية

يطرح سعد الدين التفتازاني في المطوّل ما يُنسب إلى أهل الأدب[6] ويؤكد على مقابلة كلام أهل العربية وأهل الميزان، وكما سيأتي، يوافقه المحقق الأصفهاني إلى حد كبير في كيفية تقرير نظرية أهل الأدب. وجزء من عبارة التفتازاني كما يلي:

«والتحقيق في هذا المقام أن مفهوم الشرطية بحسب اعتبار المنطقيين يختلف عن مفهومها بحسب اعتبار أهل العربية، لأننا إذا قلنا: “إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود” فعند أهل العربية “النهار” هو المحكوم عليه و”موجود” هو المحكوم به، والشرط قيد له، وهو مفهوم القضية أن الوجود يثبت للنهار على تقدير طلوع الشمس… وأما عند المنطقيين فالمحكوم عليه هو الشرط، والمحكوم به هو الجزاء، ومفهوم القضية هو الحكم بلزوم الجزاء للشرط وصدقها باعتبار مطابقة الحكم باللزوم وكذبها بعدمها، فكل من الطرفين قد انخلع عن الخيرية واحتمال الصدق والكذب… فقولنا: “كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود” مفهومه عندهم “أن وجود النهار لازم لطلوع الشمس”، وعند النحاة أن التقدير: “النهار موجود في كل وقت طلوع الشمس”، ويظهر أنه جملة خبرية مقيدة بمسند، بمفعول فيه، فكم بين المفهومين».[7]

لكن الشريف الجرجاني في حاشية المطوّل له نزاع مطول مع التفتازاني، ويرى أن النسبة التي أعطاها التفتازاني لأهل العربية غير كاملة، وأن كلام هذين الفريقين قابل للإحالة إلى بعضهما البعض، كما يرى أن التوابع الفاسدة التي ذكرها التفتازاني لكلام أهل المنطق غير كاملة.

والعبارات في المطوّل في هذا الخصوص كما يلي:

«فقول صاحب “المفتاح”: إن الجملة الشرطية جملة خبرية مقيدة بقيد مخصوص محتملة في نفسها للصدق والكذب بناء على أنه في بحث تقييد المسند الخبري، وأما نفي الشرط بدون الجزاء فليس بخبر قطعا لأن الحرف قد أخرجته إلى الإنشائية كالاستفهام، ولذا لا يسبق عليه ما في حيزه ولا يصح “عمرًا إن تضرب أضربك”. وأما ما ذكره الشارح العلامة من أن مراده أن الجزاء جملة خبرية مقيدة بقيد مخصوص محتملة للصدق والكذب في نفسها أي: نظرا لذاتها مجردة عن التقييد بالشرط لا مع التقييد به على ما ظن، لأن التقييد بالشرط يخرجها عن الخبرية وعن التقييد بالشرط لا مع التقييد به على ما ظن لا التقييد بالشرط يخرجها عن الخبرية وعن احتمال الصدق والكذب، ولهذه الدقة قيد بقوله: “في نفسها” فتعسب منه وتخلط كلام أهل العربية بما ذهب إليه المنطقيون من أن القضية إذا جعلت جزءًا من الشرطية مقدمًا أو تاليًا ارتفع عنها اسم القضية، ولم يبق لها احتمال الصدق والكذب، وتعلق الاحتمال بالربط بين القضيتين، فقولنا: “إن كانت الشمس طالعة” ليس بقضية ولا محتمل للصدق والكذب، وكذلك قولنا: “فالنهار موجود” عند وقوعه جوابًا للشرط وعليه منع ظاهر، وهو أننا لا نسلم ذلك في الجزاء لأن قولنا: “أكرمك إن جئتني” بمنزلة قولنا أكرمك على تقدير مجيئك أو وقت مجيئك».[8]

تفسير المحقق الأصفهاني قدّس سرّه لكلام أهل الأدب

يبيّن المحقق الأصفهاني في تفسير كلام أهل الأدب أن الحكم الموجود في الجملة الشرطية في نظر الأدباء هو الحكم الموجود في التالي، وليس الأمر أن طرفي الملازمة خاليان من الحكم ويُحكم على الاستلزام والملازمة فقط، بل يُحكم على الشيء الذي هو مدلول التالي. وبالطبع الحكم على مدلول التالي يكون في فرض ثبوت المقدم. فنحن أحيانًا نقول مطلقًا: «النهار موجود» وأحيانًا يكون هذا الحكم الجازم له ظرف وتقدير خاص، مثل أن نقول: «النهار موجود على تقدير طلوع الشمس»، وهذا هو مدلول الجملة الشرطية من هذا النوع.

وهذا التقدير والفرض يتم بواسطة أداة الشرط – مثل «إن» – أي أن أداة الشرط تضع مدخولها الذي هو المقدم في موضع الفرض والتقدير. لذلك، مدلول الجملة الشرطية ليس حكمًا على الاستلزام والملازمة بين المقدم والتالي، بل هو حكم جازم بثبوت التالي الذي له ظرف وتقدير خاص، وليس الأمر أن التالي يثبت على كل تقدير.

في هذا البيان، تكون الجمل الشرطية مثل القضايا الحقيقية؛ لأن في القضايا الحقيقية أيضًا الحكم يثبت في تقدير وفرض خاصين، وهو تقدير وفرض ثبوت الموضوع. والآن إذا افترضنا أن القضايا الحقيقية في كل مكان ترجع إلى القضايا الشرطية – كما يقول المرحوم النائيني – فلا شك أنه لا مكان لتفسير أهل المنطق للجمل الشرطية، لأنه لا يمكن في القضايا الحقيقية أن نقول إن مدلولها بيان ملازمة بين جملتين، بل لا بد أن تحمل القضايا الحقيقية مثل سائر القضايا الحملية حكمًا جازمًا، طبعًا في فرض ثبوت الموضوع.

نتيجة مذهب أهل المنطق في تفسير الجمل الشرطية هي أن صدق الجملة الشرطية هو صدق الملازمة ولا علاقة له بالطرفين؛ أما بحسب مذهب الأدباء فإن صدق الجملة الشرطية هو صدق التالي في فرض ثبوت المقدم. وفي هذه الحالة، يظهر فرق جوهري بين الرأيين في «حامل الصدق» أو «معروض الصدق». فالمعروض للصدق بحسب أهل المنطق هو نفس النسبة الحكمية التي تعبر عن الملازمة، بينما بحسب أهل الأدب، المعروض للصدق هو النسبة الحكمية للتالي، وإن كان على تقدير خاص.

علاوة على أنه إذا ما فسرنا «فرض ثبوت مقدم» الذي ورد في كلام أهل الأدب، مثل تفتازاني و مير سيد شريف جرجاني، بمعنى «زمني»، ففي الحالات التي يكون فيها تحقق التقديم والتأخير مستحيلاً، تكون القضية الشرطية بحسب قول أهل الأدب كاذبة، وبحسب قول المنطقيين صادقة.

يقول تفتازاني في المطول:

«إن الشرط قيد للفعل مثل المفعول ونحوه، فإن قولك: “إن تكرمني أكرمك”، بمنزلة قولك: “أكرمك وقت إكرامك إيّاي”، ولا يخرج الكلام بتقييده بهذا القيد عما كان عليه من الخبرية والإشائية، فالجزاء إن كان خبراً فالجملة خبرية نحو: “إن جئتني أكرمك”، بمعنى أكرمك وقت مجيئك، وإن كان إنشاءً فالجملة إنشائية نحو إن جاءك زيد فأكرمه إيّاي أكرمه وقت مجيئه» [9]

كما أن مير سيد شريف جرجاني في تعليقاته على كتاب المطول، معتبراً هذا المعنى نفسه من فرض ثبوت مقدم، قد اعترض على كلام تفتازاني وقال:

«إذا قلت “إن ضربني زيد ضربته” فلو كان معناه أضربه في وقت ضربه إيّاي لم يكن صادقاً إلا إذا تحقق الضرب منك مع ذلك القيد، فإذا فرض انتفاء القيد عني: وقت ضربه إيّاك لم يكن الضرب المقيد به واقعاً، فيكون الخبر الدال على وقوعه كاذباً سواء وجد منك الضرب في غير ذلك الوقت أو لم يوجد، وذلك باطل قطعا لأنه إذا لم يضربك ولم تضربه وكنت بحيث إن ضربك ضربته عدّ كلامك صادقاً عرفاً ولغة» [10]

وفق تفسير مير سيد شريف وتفتازاني لـ «فرض ثبوت مقدم»، معنى جملة «إن كان زيد ناهقاً فهو حمار» هو: «زيد حمار في وقت نهيقه». ومن الواضح أن في هذه الحالة يكون مدلول هذه القضية الشرطية مخالفاً للواقع، وتكون القضية كاذبة؛ لأن وقت نهيق زيد غير قابل للتحقق بأي حال. أما بحسب نظرية المنطقيين التي ترى أن مدلول هذه الجملة الشرطية هو الحكم بوجود ملازمة بين نهيق زيد وكونه حماراً، فهذه القضية صادقة.

وبالطبع، كما سيأتي، نحن -اتباعاً لمحقيق أصفهاني قدس سره- نعتبر هذا الفهم من نظرية أهل الأدب خاطئاً، ولا نفسر فرض ثبوت مقدم بزمن ثبوت مقدم في الخارج.

تفسير الشيخ الأنصاري قدس سره لنظرية أهل الأدب

كما تقدم، يرى محقق أصفهاني أن نظر أهل الأدب مفاد القضية الشرطية هو الحكم على النسبة الموجودة في التالي، في فرض ثبوت المقدم. لكنهم لم يصرحوا في عباراتهم بأن هذا التقدير هو تقدير حكم التالي أو تقدير موضوعه.

يبدو أنه وفق نظرية الأدباء، لا يزال هناك احتمالان يمكن طرحهما يؤديان إلى تفسيرين مختلفين لهذه النظرية.

والتوضيح أن إذا قبلنا في تحليل مدلول الجملة الشرطية هذه النظرية التي تقول إن مدلول الجملة الشرطية هو الحكم على النسبة الموجودة في التالي على تقدير خاص، يبقى السؤال: ما هو هذا التقدير الخاص؟ هل هو تقدير نسبة حكم التالي، أم تقدير موضوع التالي؟

إذا كان التقدير الخاص هو تقدير نسبة الحكم الموجود في التالي، ففي جملة «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» لم يحكم المتكلم على نسبة الاتحاد بين الموضوع والمحمول في التالي مطلقاً، بل حكمه على نسبة الاتحاد بين الموضوع والمحمول في التالي هو على فرض «طلوع الشمس».

أما إذا كان التقدير الخاص هو تقدير موضوع التالي، فيجب القول إن نسبة الاتحاد بين موضوع ومحمول التالي وحكم المتكلم على هذه النسبة لا يحمل أي قيد، بل الموضوع هو المقيد. أي أن المتكلم حكم بشكل جازم وباطن على وجود نهار يكون هذا النهار مقيداً بفرض طلوع الشمس. في هذه الحالة، يكون مدلول الجملة الشرطية «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» مماثلاً لمدلول الجملة التي نقول فيها: «النهار الذي هو في فرض طلوع الشمس موجود».

وفي الجمل الشرطية الإنشائية يمكن طرح كلام مماثل. مثلاً في جملة «إذا زالت الشمس فصلّ» إذا كان تقدير «زوال الشمس» هو تقدير نسبة بعثية التالي، يجب أن نعتقد أن المتكلم في فرض «زوال الشمس» حكم بوجوب الصلاة، وإذا كان تقدير «زوال الشمس» هو تقدير موضوع التالي، يجب أن نعتقد أن المتكلم حكم بشكل جازم على وجوب صلاة تكون هذه الصلاة مقيدة بفرض تحقق «زوال الشمس». ويجب الانتباه إلى أنه في الفرض الأخير، تقدير «زوال الشمس» هو تقدير متعلق بالوجوب، والوجوب نفسه لا يحمل أي شرط أو تقدير.

كما هو واضح، نتيجة هذا التحليل التي تجعل تقدير تحقق الشرط هو تقدير موضوع التالي، هي أن الجمل الشرطية التي تعبر عن الوجوب -مثل «إذا زالت الشمس فصلّ»- يكون الوجوب فيها مطلقاً والواجب مقيداً؛ إذن لازمة نظرية أهل الأدب مع هذا النوع من التفسير هي قبول نظرية الشيخ الأنصاري قدس سره في الواجب المشروط. ومن قبيل الصدفة أن الشيخ نفسه، الذي ينتقد في عبارة قصيرة نظرية أهل الأدب وينسبها إلى تفتازاني، يطرح هذا التفسير. يقول:

«وأما على ما زعمه التفتازاني من أن المقصود فيها هو التصديق بثبوت المحمول للموضوع في التالي على تقدير المقدم، وبيان ذلك أن المخبر عن ثبوت شيء لشيء قد يكون في صدد الإخبار عن ثبوت المحمول للموضوع على جميع التقادير المتصورة لذلك الموضوع من الوقائع المربوطة به، وقد يكون مقصوده الإخبار عنه لكن على تقدير خاص كطلوع الشمس للحكم بوجود النهار، فعلى الأول لا مناص من التعبير بالقضية الحملية فإنها تفيد ثبوت المحمول للموضوع على أي تقدير فرض، وعلى الثاني فلا بد من إيراده على وجه الاشتراط.» [11]

مراجعة تفاسير نظرية‌ أهل‌ الأدب

هذان التفسيران قابلان للمراجعة من جهتين: أولاً يجب أن نرى أي من هذين التفسيرين يستفاد من عبارات أهل الأدب. وثانياً، بغض النظر عن ماهية قصد أهل الأدب، يجب دراسة مطابقة أو عدم مطابقة كل من هذين التفسيرين مع ظهور الجملة الشرطية.

فيما يخص الاتجاه الأول، يبدو أن العنوان نفسه الذي اختير في كتب أهل البلاغة لهذا النقاش يشير إلى أن مراد أهل البلاغة لا يمكن أن يكون تفسير شيخ الأنصاري لنظريتهم. ففي كتب البلاغة يُطرح هذا النقاش تحت عنوان «تقييد المسند بالشرط»؛ [12] بينما لو كان تفسير الشيخ مراد علماء البلاغة ومن وجهة نظرهم أن تقدير تحقق الشرط هو تقدير موضوع التالي، لكان ينبغي أن يُطرح هذا النقاش في كتب البلاغة بعنوان «تقييد المسند إليه بالشرط».

على سبيل المثال، في الجملة الشرطية «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» إذا كان تقدير «طلوع الشمس» هو تقدير موضوع التالي، فيجب أن نعتبر الشرط قيدًا لـ «النهار». ومن الواضح أن كلمة «نهار» ليست مسند الجملة التالية، بل هي المسند إليه. فإذا كان تفسير شيخ الأنصاري هو المقصود من قبل أهل الأدب، لكان ينبغي أن يُطرح هذا النقاش بعنوان «تقييد المسند إليه بالشرط».

بالطبع، المقصود من قبل الأدباء بـ «تقييد المسند بالشرط» ليس تقييد ذات المسند، بل تقييد ما هو مسند أو تقييد الإسناد. وبهذا التوضيح يتضح أن تفسير المحقق الأصفهاني قدس سره، الذي يرى أن تقدير تحقق الشرط هو تقدير النسبة الموجودة في التالي، يتوافق تمامًا مع عنوان هذا النقاش (تقييد المسند بالشرط)؛ لأن المقصود من «تقييد المسند بالشرط» هو تقييد المسند بما هو مسند أو ما يسمى تقييد الإسناد.

قبل أن نعبر عن رأينا في أي من هذين التفسيرين يتوافق مع ظهور الجمل الشرطية، يجب أن نؤكد على هذه النقطة أنه وفقًا للمبنى المختار، لا يحدث أساسًا في مفاد الجمل الشرطية أي تقييد أو تضييق أو تحصيص في ناحية مفاهيم موجود في جملة الجزاء، بما في ذلك النسبة التي هي مفاد الهيئة التالية – والتي هي من جنس المعنى. بل في الجمل الشرطية الإخبارية، المحك الحقيقي بذاته هو جملة الجزاء – التي توجد حتى في الجمل الكاذبة – وفي الجمل الإنشائية الوجوبية، يكون الوجوب متعلقًا ومنوطًا بالشرط، وهو وجوب على حمل شائع – الذي يُستنبط حسب المبنى الصحيح من «الإنشاء بداعي جعل داعي».

سر اختيار هذا المبنى في تحليل الجمل الشرطية هو أن التالي لا يُقيد بالشرط، بل يكون معلقًا ومنوطًا به، والتعليق والإناطة سواء في ناحية المعاني الحرفية أو في ناحية المعاني الاسمية أمر غير معقول. وقد أوردنا شرحًا مفصلًا لهذا المبنى وأدلته التي تتطلب مجالًا أكبر من هذا المقال في أحد مباحث الواجب المشروط الذي يختص بتحديد مرجع الشرط في الجمل الشرطية.

لذا، إذا أردنا أن نتحدث وفقًا للرأي المختار، يجب أن نقول إن ظهور الجملة الشرطية لا يتوافق مع أي من التفسيرين، تفسير شيخ الأنصاري أو تفسير المحقق الأصفهاني من وجهة نظر أهل الأدب. ومن ثم، إذا فضلنا في المناقشات القادمة تفسير المحقق الأصفهاني على تفسير شيخ الأنصاري من وجهة نظر علماء البلاغة وتحدثنا عن تقييد النسبة الحكمية، فالمقصود بذلك هو أننا نتجاوز المبنى المختار في هذا الموضوع لنقول أي من هذين التفسيرين «أكثر توافقًا» مع ظهور الجمل الشرطية.

وبالنظر إلى هذه النقطة، فيما يخص هذا النقاش حول أي من هذين التفسيرين أكثر توافقًا مع ظهور الجمل الشرطية، يجب القول إن العدل يقتضي أن تفسير المحقق الأصفهاني أكثر توافقًا مع ظاهر الجمل الشرطية؛ أي أن ظاهر الجمل الشرطية هو أن النسبة الحكمية التالية نفسها معلقة، وليس أننا نحكم بجعل النسبة بين المحمول التالي وموضوعه مقيدة بفرض تحقق الشرط.

ظاهر الجملة الشرطية «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» يتوافق أكثر مع هذا القول بأن النسبة الحكمية التالية التي تقام بين «النهار» و«موجود» معلقة ومشروطة بـ «طلوع الشمس»، وليس أن موضوع التالي (النهار) مقيد بفرض «طلوع الشمس».

وظهور الجمل الشرطية الإنشائية كذلك على هذا النحو. على سبيل المثال، ظهور الجملة الشرطية «إن زالت الشمس فصلّ» يتوافق أكثر مع القول بأن «وجوب الإكرام» هو على فرض خاص، وليس أن الوجوب مطلق وغير مشروط على الصلاة مقيد بفرض زوال الشمس.

ومن قبيل الصدفة، أن الشيخ المرحوم نفسه الذي قبل التفسير الثاني لنظرية أهل الأدب ورأى أن تقدير تحقق الشرط هو تقدير موضوع التالي، قد اعترف في عباراته بهذه الحقيقة، وهي أن رجوع الشرط إلى المادة – وهو النتيجة الطبيعية لتفسيره لنظرية أهل الأدب – يخالف قواعد اللغة العربية. وهذا القول يمكن أن يُعتبر اعترافًا أيضًا بأن تفسير شيخ الأنصاري لنظرية أهل الأدب يخالف ظاهر الجمل الشرطية.

بعض عبارات شيخ الأنصاري هي كما يلي:

فلا فرق فيما ينقدح في نفس الأمر بين أن يكون الزمان بحسب القواعد اللغوية قيدًا للفعل كما إذا قيل: «افعل في وقت كذا» أو للحكم كما إذا قيل: «إذا جاء وقت كذا افعل كذا». [13]

إذا تعلق الأمر بشيء فهناك وجوه أحدها أن يكون الأمر غير معلق على صفة مع إطلاق الفعل الأمور به كأن يكون الأمر مطلقًا مادة وهيئة نحو قولنا أكرم رجلاً فإنه ليس في المقام ما يحتمل رجوعه بحسب القواعد العربية إلى الهيئة ليكون قيدًا للأمر بحسب ما هو الظاهر وإن كان راجعًا إلى تقييد المادة كما عرفت ولا يحتمل أوله إلى المادة. [14]

دراسة نظرية القضية الشرطية مع القضية الحقيقية بحسب نظرية الأدباء

كما مر في تفسير المحقق الأصفهاني لنظرية الأدباء، فقد اعتبر القضية الشرطية بحسب مبنى أهل الأدب نظرية القضية الحقيقية. ولكن بالنظر إلى التفسيرين المقدمين لهذه النظرية، يبدو أن هذا القول ليس صحيحًا مطلقًا؛ أي أنه لا يمكن القول بحسب نظرية أهل الأدب إن مفاد القضية الشرطية مماثل لمفاد القضية الحقيقية إلا إذا كان تقدير تحقق الشرط هو تقدير موضوع التالي، وليس تقدير النسبة الحكمية الموجودة في التالي.

على الرغم من وجود الفرض والتقدير في القضايا الحقيقية كما هو الحال في القضايا الشرطية، إلا أن هذا الفرض والتقدير من ملحقات موضوع القضية وليس من نسبة الحكمية. لذلك، إذا قبلنا التفسير الأول لنظرية أهل الأدب واعتقدنا أن تقدير تحقق الشرط هو تقدير نسبة الحكمية وليس تقدير موضوع التالي، فإن مفاد القضية الشرطية يختلف بوضوح عن مفاد القضية الحقيقية.

سر هذا الاختلاف هو أنه في هذا التفسير من نظرية أهل الأدب، نسبة الحكمية الموجودة في التالي هي التي تُقدّر بتقدير خاص؛ بينما في القضية الحقيقية، نسبة الحكمية ليست معلقة على شيء. وعلى الرغم من أن طرح تفصيلات مناقشات تحليل القضايا الحقيقية خارج نطاق هذا المقال، إلا أنه من الضروري ذكر هذه النقطة أنه بناءً على ما اخترناه في هذا النقاش، الفرض والتقدير الموجود في القضية الحقيقية هو فقط من ملحقات الموضوع وليس شرط ثبوت المحمول للموضوع. وبعبارة أخرى، على الرغم من وجود نوع من الشرط في القضية الحقيقية، إلا أن هذا الشرط هو شرط عقد الوضع وليس شرط عقد الحمل.

على سبيل المثال، في القضية الحقيقية «شريك الباري ممتنع» نفرض وجود فرد لشريك الباري، لكن هذا الفرض والتقدير هو فقط لتتميم موضوع القضية وليس نسبة الحكمية بين الموضوع والمحمول. أي أن إثبات الامتناع لشريك الباري في هذه القضية ليس مشروطًا بالفرض والتقدير، بل الامتناع ثابت في كل حال لشريك الباري.

أما إذا كان التفسير الثاني، أي تفسير الشيخ الأنصاري قدس سره، لنظرية أهل الأدب صحيحًا، وكان تقدير تحقق الشرط هو تقدير موضوع التالي، فالنتيجة الطبيعية لذلك أن الفرض والتقدير المقدم هما من ملحقات الموضوع. لذلك، بهذا التحليل للجمل الشرطية، يصبح مفاد القضية الشرطية مثل مفاد القضية الحقيقية؛ لأن في القضية الحقيقية أيضًا، كما في القضية الشرطية، الفرض والتقدير من ملحقات الموضوع.

بالطبع، وفقًا لتفسير الشيخ الأنصاري من نظرية أهل الأدب، يجب الانتباه إلى هذا الاختلاف بين القضايا الحقيقية والقضايا الشرطية، وهو أنه في القضايا الحقيقية، التقدير الذي يكون ملحقًا بالموضوع هو دائمًا تقدير وجود الموضوع وليس تقديرات أخرى مثل طلوع الشمس ونظائرها. ولكن وفقًا لتفسير الشيخ الأنصاري من نظرية أهل الأدب، يمكن أن يكون أي ما يفيد جملة الشرط مثل طلوع الشمس أو مجيء زيد تقدير موضوع التالي، وهذا التقدير ليس محصورًا في تقدير وجود الموضوع فقط.

أدلة على نظرية المنطقيين

حقق أصفهاني قدس سره دليلاً واحدًا وشهيد صدر دليليْن[15] لصالح نظرية المنطقيين في تحليل مفاد الجمل الشرطية. كما أن مقرر شهيد صدر، رغم أنه في شرح استدلال شهيد صدر قدّم استدلالًا مستقلاً لصالح نظرية المنطقيين، إلا أنه، خلافًا لعادة نفسه في كتاب بحوث، في الهامش المفصل نسبيًا لهذا الكتاب وكذلك في كتاب أضواء وآراء، اعتبر استدلالات أستاذه مشكوكًا فيها وقبل نظرية أهل الأدب.

نحن هنا سنبحث في أربعة استدلالات من الاستدلالات التي قُدمت لصالح نظرية المنطقيين والتي تساعد أكثر على فهم بنية الجمل الشرطية.

الاستدلال الأول على نظرية المنطقيين

إذا تعلق الحكم بنفس ملازمة بين المقدم والتالي، فلا يمكن أن يكون للطرفين في هذه الملازمة حكم أيضًا. إذا كان طرفا القضية مفردين – مثل «زيد قائم» – فمن الواضح أن الطرفين خاليان من الحكم، ولكن إذا كانا جملة أو مركبًا، فلا معنى لأن يكون للطرفين حكم بالفعل، والحكم بالملازمة أيضًا موجود بالفعل؛ وبعبارة محقق أصفهاني، ليس معقولًا أن يكون طرف نسبة الحكمية هو نفسه دالًا على حكم. هذه النقطة جعلت علماء المنطق يعتبرون، مع اعتبار أن مفاد الجملة الشرطية هو الملازمة بين المقدم والتالي، أن المقدم والتالي خاليان من الحكم.

يقول محقق أصفهاني قدس سره في تقريب هذا الاستدلال:

و الوجه فيما ذهبوا إليه أن الحكم بالتعليق بين الطرفين لا يجتمع مع الحكم بالطرفين إذ الطرف بما هو متعلق للنسبة الحكمية لا يعقل أن يعتبر فيه حكم، واشتهر بينهم أن صدق الشرطية بصدق الملازمة لا بصدق الطرفين. [16]

بالطبع يمكن تقديم تقريب آخر لهذا الاستدلال، وعلى الرغم من أن مقدمة هذا التقريب لا تختلف عن التقريب السابق، إلا أنه يستفيد في نفي نظرية علماء البلاغة من نقطة مختلفة عما ورد في عبارة محقق أصفهاني. التقريب الثاني للاستدلال هو:

في كل جملة شرطية، يخبر المتكلم عن الملازمة بين المقدم والتالي ويحكم عليها. فإذا تعلق الحكم أيضًا بنسبة التماثل بين موضوع ومحمول التالي، فالنتيجة أن الجملة الشرطية تحتوي على حكمين، والمتكلم قدّم حكمين وخبرين. وهذا في حين أنه بحكم الاستقراء، لا يوجد في كل جملة شرطية أكثر من حكم واحد.

اعتراض محقق أصفهاني قدس سره على الاستدلال الأول

يقول محقق أصفهاني في اعتراضه على نظرية أهل المنطق إن الاستلزام الذي يزعم أهل المنطق تحليله لمفاد الجملة الشرطية لا دلالة له في الجملة الشرطية. ما في الجملة هو جملة في ناحية المقدم وجملة في ناحية التالي وهيئة واحدة للجملة الشرطية قائمة على المقدم والتالي، ولا دلالة على الاستلزام.

ثم عدل في تعبيره قائلاً: إذا كان مراد أهل المنطق بالاستلزام هو الاستلزام بالمفهوم الاسمي، فلا دلالة على ذلك في الجملة الشرطية؛ لأن معنى الجملة سيكون «المقدم مستلزم للتالي» أو «الاستلزام بين المقدم والتالي محقق وموجود». ومن الواضح أن مثل هذا المفهوم لا يُفهم من الجملة الشرطية.

أما إذا كان المقصود من ذلك، الاستلزام على وجه حرفي، فمع أنه يحمل الإشكال المذكور، فإنه لا يكون كذلك -لأن الدال على هذا الاستلزام هو ذات هيئة الجملة الشرطية التي تفيد ملازمة بين المقدم والتأخير على وجه المعنى الحرفي- إلا أنه لا يمكن من هذا الاستلزام استنتاج النقطة التي كان أهل المنطق يقصدونها، وهي القول بأن طرفي الملازمة يجب أن يكونا خاليين من الحكم؛ لأن الاستلزام لم يعد موضوع حكم، فلا يمكن القول إن طرفيه لا يمكن أن يحتوي على حكم فعلي. لذلك، مع أننا نقبل أن يكون بين حكم فعلي وشيء آخر استلزام على نحو حرفي، فإن الاستلزام الحرفي لا يمكن أن يكون موضوع حكم.

عبارة محقق أصفهاني قدس سره هي كما يلي:

أن التعليق والاستلزام إن كانا ملحوظين بالاستقلال وكان صحة السكوت باعتبار الحكاية عنه أو جعله، كان طرفاه كما قيل خارجين عن مورد الحكم إلا أن القضية الشرطية ليست كذلك لوضوح أن أجزاء القضية في المقدم والتأخير لا تلتفت لعنوان التعليق والاستلزام اسميًا حتى يكون موردًا للحكم… فما في كلمات بعض علماء الميزان أن مفاد هذه القضية أن طلوع الشمس مستلزم وجود النهار صحيح من وجه دون آخر، فإنها تدل على الاستلزام الحرفي لا على حمل الاستلزام ليكون موردًا للحكم ومصححًا للسكوت، بل ظاهرها الحكم باتحاد عنوان المحمول في التأخير لموضوعه في فرض اتحاد عنوان المحمول في المقدم لموضوعه فتدبره جيدًا. [17]

ويقول في تعليقه في الصفحة التالية:

إلا أن التعليق والإناطة والملازمة وأشباهها في القضايا الشرطية ملحوظة على الوجه الحرفي فلا تكون طرفًا للحكم، فالحق ما ذهب إليه علماء العربية. [18]

وبالنظر إلى أن محقق أصفهاني في نهاية الدراية وتعليقاته يطرح الاستلزام الحرفي والاسمي كاحتمالين، وعباراته في هذا القسم مصحوبة بالتردد، فلا يمكن من هذه العبارات الاستدلال على أنه ينسب الاستلزام والتعليق الاستقلالي إلى علماء المنطق بشكل يقيني. مع أنه قد يُدعى أن التردد المذكور في التعليقات هو فقط للتعبير عن احتمالات ثبوتية ولا يتعارض مع الاستظهار بالاستلزام الاستقلالي الذي يُستفاد من كلام أهل المنطق. والشاهد على هذا الاستظهار، عبارة أخرى من محقق أصفهاني تقرّب إلى هذا التصريح:

وليس مفاد القضية الشرطية إلا إثبات هذه الملازمة كشفًا وحكاية، إما استقلالًا كما عند علماء الميزان، أو تبعًا للحكم بثبوت المحمول الموضوع التأخير على فرض المقدم كما عند غيرهم. [19]

لذلك، ليس من المستبعد القول إنه في المجمل، محقق أصفهاني قدس سره يستخلص من كلام المنطقيين الاستلزام والتعليق الاستقلالي ويراه خطأً، مع أنه ذكر الاحتمال الآخر وبيّن عدم مناسبة ذلك مع النتيجة التي يدعيها أهل المنطق.

دراسة إشكال محقق أصفهاني قدس سره

في كلمات محقق أصفهاني هناك أمران قابلان للتحقيق: أولًا، هل هذا الاستظهار من كلام المنطقيين صحيح؟ ثانيًا، بافتراض أن الاستلزام الحرفي هو المقصود من أهل المنطق -أي في فرض قبول الاحتمال الثاني المذكور في كلام محقق أصفهاني- هل هذا الاستلزام الحرفي لا يمكن أن يكون موضوع حكم ويكون السكوت عنه صحيحًا كما ادّعوا، أم أن الاستلزام الحرفي يمكن أن يكون متعلقًا بحكم واقع؟

ومن الواضح أن التحقيق الثاني أصعب ويعتمد على دراسة طبيعة النسب المختلفة وكيفية دلالتها، وكذلك دور الحكم في القضية ودلالة الجملة الشرطية. مع أن مكان التحقيق في هذه المسائل ليس هنا، إلا أننا نشير إليها بإيجاز:

دراسة استظهار الاستلزام الاستقلالي من كلام المنطقيين

الإنصاف أن وجود الاستلزام والإناطة والملازمة الاستقلالية وعلى وجه المعنى الاسمي في مفاد الجمل الشرطية ونسبتها إلى المنطقيين أمر بعيد جدًا؛ لأنه مع عدم وجود أي دال على الاستلزام الاستقلالي في كلامهم، كيف يمكن أن يكونوا جميعًا ملتزمين بهذا الأمر؟

إضافة إلى أنه لا يُستفاد من كلام المنطقيين أنهم قصدوا مثل هذا الأمر. على سبيل المثال، ابن سينا في قسم المنطق من كتاب الشفاء عن القضية الشرطية قال:

«ثم الشرطية تخالف الحملية في أنها مركبة من أجزاء بالضرورة فيها تأليف خبري. ومع ذلك فإن النسبة بينهما ليست نسبة أن يقال في إيجابها إن أولها ثانيها كما يقال إن الإنسان كاتب فيجعل أول الأمرين هو ثانيهما. فتشارك الحملية في أن هناك حكمًا بنسبة جزء إلى جزء ويخالفها في هيئة ذلك الحكم لكن الشرطيات تختلف أيضًا في هذه النسبة فيكون النسبة الإيجابية في بعضها على سبيل المتابعة وفي بعضها على سبيل المعاندة.» (ابن سینا، الشفاء، ج 2، ص 232)

وفي منطق الإشارات أيضًا له عبارة قريبة من هذا المعنى، حيث يقول:

«الثاني والثالث يسمونه الشرطي وهو ما يكون التأليف فيه بين خبرين قد أخرج كل واحد منهما عن خبريته إلى غير ذلك، ثم قرن بينهما ليس على سبيل أن يقال إن أحدهما هو الآخر كما كان في الحمل بل على سبيل أن أحدهما يلزم الآخر ويتبعه.» [20]

وفي كتاب منطقي آخر منسوب إلى ابن سينا جاء:

الشرطية هي التي توقع هذه النسبة بين شيئين، في كل واحد منهما هذه النسبة من حيث في مفصلة. كقولنا: إن كانت الشمس طالعة؛ فالنهار موجود، فإن انفصلت هذه النسبة انحل إلى قولك: الشمس طالعة، وإلى قولك النهار موجود؛ وكل واحد منهما قضية. [21]

وفي عبارات منطقيين آخرين يمكن أيضًا إيجاد تصريحات بنفس المعنى:

أن الشرطية تشارك الحملية في أن كل واحدة منهما قول جازم أي قضية يحكم فيها بنسبة شيء إلى شيء. لكن النسبة في الحملية أن الثاني فيها هو الأول، وفي الشرطية ليس كذلك بل النسبة في المتصلة تسمى نسبة المتابعة وفي المنفصلة نسبة المعاندة… [22]

تقرير تفتازاني من وجهة نظر أهل المنطق يؤيد هذا الفهم نفسه، إذ لا يمكن تبرير الاستلزام الاستقلالي. مع أنه لم ينقل عبارات أهل المنطق حرفياً.

وأما عند المنطقيين، فالمحكوم عليه هو الشرط، والمحكوم به هو الجزاء، ومفهوم القضية هو الحكم بلزوم الجزاء للشرط وصدقها باعتبار مطابقة الحكم باللزوم، وكذبها بعدمها، فكل من الطرفين قد انتزع عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب. [23]

دراسة امتناع تعلق الحكم بالاستلزام الحرفي

من مجموع عبارات المحقق الأصفهاني يتضح أنه يعتقد أن الجملة الشرطية تتضمن استلزاماً حرفياً؛ ولكن بما أن الاستلزام الحرفي لا يُعتبر بشكل استقلالي، فلا يمكن أن يكون موضوع حكم، أي «ممّا يصح السكوت عليه». ولم يورد دليلاً على هذا الادعاء، ويبدو أنه اعتبره مسلماً. ومن عباراته التي توضح هذا المعنى أكثر ما يلي:

فما في كلمات جملة من علماء الميزان أن مفاد هذه القضية أن طلوع الشمس مستلزم لوجود النهار صحيح من وجه دون آخر، فإنها تدل على الاستلزام الحرفي لا على حمل الاستلزام ليكون مورداً للحكم ومصححاً للسكوت. [24]

ولكن يبدو خلاف ما ادعاه، أن الاستلزام الحرفي يمكن أن يكون موضوع حكم و«ممّا يصح السكوت عليه». مع ضرورة الانتباه إلى أن صحة السكوت ليست لمجرد الاستلزام الحرفي، بل لحكم ثبوت الاستلزام الحرفي، كما هو الحال في الجمل الإخبارية الحملية.

على سبيل المثال، في قضية «زيد قائم» اتحاد الموضوع والمحمول أو ما يُسمى نسبة حكمية موجودة في هذه القضية والتي تُعتبر حرفياً وتُعرف بـ«الاتحاد الجزئي الآلي»، تُخضع للحكم. لم يقل أحد إنه في القضايا الحملية، كون الاتحاد نسبياً وآلياً يمنع تعلق الحكم بهذا الاتحاد، بل على العكس، لا يُتصور خلاف ذلك؛ أي أنه غير معقول أن يحكم المتكلم في قضية «زيد قائم» باتحاد استقلالي وبمعنى اسمي، لأن الحكم بالاتحاد الاستقلالي وبالمعنى الاسمي يكون فقط إذا كان المحمول في القضية مشتملًا على مفهوم اسمي للاتحاد، ومثال ذلك قولنا: «زيد متحد مع القيام». ومن الواضح أنه بتغيير المحمول في قضية «زيد قائم» تنشأ قضية أخرى.

يمكن قول الشيء نفسه في الاستلزام الحرفي؛ أي أنه كما يمكن اعتبار نسبة هذه الهوية والاتحاد حرفياً آلياً وحكمها، يمكن كذلك اعتبار نسبة الاستلزام حرفياً آلياً وتخضع للحكم.

فضلاً عن أن الحكم بشكل عام خارج مدلول الجمل سواء كانت حملية أو شرطية، ويُستفاد من القرائن الحالّية أو المقالية. مدلول الجملة هو النسبة، والنسبة الحكمية الاتحادية في الجمل الحملية، والنسبة الحكمية الاستلزامية في الجمل الشرطية، والحكم بثبوتها وتصديقها كما يُتصور تعلقها بالنسبة الحكمية، كلها خارج مدلول الجملة.

ويمكن القول إن المحقق الأصفهاني نفسه أقر ضمنياً بهذه الحقيقة أن الاستلزام الحرفي يمكن أن يكون موضوع حكم. يقول:

وليس مفاد القضية الشرطية إلا إثبات هذه الملازمة كشفاً وحكاية، أما استقلالاً كما عند علماء الميزان أو تبعاً للحكم بثبوت المحمول لموضوع التالي على فرض المقدم كما عند غيرهم. [25]

هذه العبارة تدل ظاهرياً على أن الاستلزام أو الملازمة الحرفية كشف وحكاية إثبات؛ وإن كان هذا الإثبات تبعيًا. ومن الواضح أن الإثبات لا يمكن أن يكون خالياً من حكم.

لذا، فإن الحكم بثبوت المحمول لموضوع التالي في فرض ثبوت المقدم هو حكم تبعي لثبوت الملازمة. إذن، المحقق الأصفهاني قدس سره قبل أن الاستلزام الحرفي موضوع حكم. وصحة السكوت عليه بعد قبول الحكم واضحة. على كل حال، لا يُقبل قوله إن الاستلزام الحرفي لا يمكن أن يكون موضوع حكم و«ممّا يصح السكوت عليه» لأنه لا يُعتبر استقلالياً.

وبالطبع، ما ورد في نص نهاية الدراية كدليل على كلام أهل الميزان قابل للتأمل وليس له استدلال واضح، إذ لم يُقدم دليل كلي على أن طرف النسبة الحكمية لا يمكن أن يكون مشتملًا على حكم.

يقول المحقق الأصفهاني في هذا الاستدلال: «إذ الطرف بما هو متعلق للنسبة الحكمية، لا يعقل أن يُعتبر فيه حكم». والمشكلة هنا: لماذا لا يعقل أن يكون طرف النسبة الحكمية نفسه مشتملًا على حكم؟ ربما لهذا السبب قال المحقق الأصفهاني في مقام الاعتراض على استدلال أهل المنطق: «إلا أنه كالمصادرة على المطلوب».

والنتيجة أنه رغم أن كلام أهل الميزان لا يصح معه استدلال واضح، فإن كلام المحقق الأصفهاني في رد نظرية هؤلاء ليس مبنياً على دليل مقبول.

الاستدلال الثاني على نظرية المنطقيين

يدافع المحقق الأصفهاني عن أهل المنطق ويعترض على نظرية أهل الأدب قائلاً: إذا قالوا «إن كان زيد حماراً فهو ناهق» فهذه الجملة على أساس أهل المنطق صادقة؛ لأن صدقها مرتبط بصدق الملازمة لا بصدق الطرفين، ولا يوجد إشكال في وجود الملازمة بين «كون زيد ناهقاً» و«كونه حماراً».

أما مفاد هذه الجملة الشرطية على أساس أهل الأدب فهو حكم جزمي بنسبة اتحاد بين «ناهق» و«زيد»؛ ولكن ليس اتحاداً مطلقاً، بل مقيداً بشرط وتقدير «كون زيد حماراً». وبعبارة المحقق الأصفهاني، في هذه الحالة، مفاد الجملة الشرطية أعلاه يشبه مفاد الجملة: «زيد قائم في ليلة لا نهار لها».

ومن الواضح أنه عندما يكون تحقق قيد نسبة المحكوم عليه محالاً، فإن تحقق النسبة نفسها سيكون محالاً، وهذه النسبة دائماً مخالفة للواقع وكاذبة. بينما بحسب الاعتبار، جملة الشرط «إن كان زيد حماراً فهو ناهق» صادقة، رغم استحالة تحقق المقدم والتالي في الخارج.

وهذه هي عبارة المحقق الأصفهاني:

ولذا صحّ أن يُقال «إن كان زيد حمارًا كان ناهقًا» مع أنه لا يصحّ الحكم بناءً على نهيقه، ولو مقيدة بحماريته، إذ النسبة إذا كانت مستحيلة الوقوع، ولو باستحالة قيدها كانت كاذبة لا محالة حيث لا مطابق لها أصلًا، نظير ما إذا قيل: «زيد قائم في نهار لا ليل له» مثلاً. [26]

مير سيد شريف جرجاني أيضًا – الذي لا يرى صحة انتساب ما يراه محقق أصفهاني نظرية أهل الأدب إلى علماء الأدب العربي – طرح هذا الاستدلال نفسه في نفي هذه النظرية. يقول:

إذا قلت: «إن ضربن زيد ضربته» فلو كان معناه «اضربه في وقت ضربه إيّاي» لم يكن صادقًا إلا إذا تحقق الضرب منك مع ذلك القيد، فإذا فرض انتفاء القيد أي: وقت ضربه إيّاك لم يكن الضرب المقيد به واقعًا، فيكون الخبر الدال على وقوعه كاذبًا سواء وجد منك الضرب في غير ذلك الوقت أو لم يوجد، وذلك باطل قطعا لأنه إذا لم تضربك ولم تضربه وكنت بحيث إن ضربك ضربته عدّ كلامك هذا صادقًا عرفًا ولغة، فظهر أن الحكم الإخباري متعلق بارتباط أحد الطرفين بالآخر لا بالنسبة بين أجزاء الجزاء، وإن ما ذهب إليه الميزانيون لا يخالف كلام أهل العربية كيف وهم بصدد بيان مفهومات القضايا المستعملة في العلوم والعرف، وقد صرّح النحويون بأن كلمة المجازاة تدل على سببية الأول ومسببية الثاني، وفيه إشارة إلى أن المقصود هو الارتباط بين الشرط والجزاء» [27]

دراسة الاستدلال الثاني

هذا الاستدلال ناقص؛ لأن مقتضى رأي الأدباء أيضًا ليس أن تكون الجملة الشرطية «إن كان زيد حمارًا فهو ناهق» كاذبة. يبدو أن ما جعل مير سيد شريف يعتقد بوجود هذا التتالي الفاسد لرأي أهل الأدب هو فهم خاطئ لديه لهذا الرأي.

مير سيد شريف، وفقًا لما يعتقده عن رأي أهل الأدب، يفهم فرض تحقق الشرط – وهو قيد نسبة الحكم التالي – على أنه معنًى زمني. وهذا يتضح بجلاء من عباراته. مثلاً في العبارة المنقولة عن مير سيد شريف، يصرح ضمن كلامه أن وفقًا لرأي أهل الأدب، مفاد الجملة «إن ضربني زيد ضربته» مطابق لمفاد الجملة «أضربه في وقت ضربه إيّاي».

ومن الواضح أنه إذا فُسر فضاء تحقق الشرط بهذه الصورة، فإن تحقق النسبة المقيدة بهذا القيد يتطلب تحقق مفاد الجملة في الخارج. لكن هذا الفهم لرأي الأدباء خاطئ.

كما مرّ في تفسير محقق أصفهاني، فإن أداة الشرط تدل على أن المتكلم قد افترض مفاد الجملة الشرطية. لذلك، فإن مفاد جملة «إن ضربني زيد ضربته» ليس «في وقت ضرب زيد، أضربه» بحيث مع عدم تحقق قيد نسبة الحكم (وقت ضرب زيد) تصبح الجملة الشرطية كاذبة، بل مفادها هو: «في فرض أن زيد يضربني فأنا أضربه». ومن الواضح أن هذا المعنى من الجملة الشرطية لا يحتاج إلى تحقق الشرط (ضرب زيد) في العالم الخارجي ليطابق الواقع.

المرحوم آية الله الحكيم أيضًا، مع أنه لم يذكر في عباراته اسم المنطقيين أو أهل الأدب، ذكر في تحليل مفاد الجمل الشرطية خمسة احتمالات، أحدها (الاحتمال الرابع) هو فهم مير سيد شريف. كما طرح إلى جانب هذا الاحتمال رأي المنطقيين وتفسير الشيخ الأنصاري وتفسير محقق أصفهاني من وجهة نظر أهل الأدب.

المرحوم الحكيم بعد أن عدّ فهم مير سيد شريف أحد احتمالات مفاد الجملة الشرطية، نقل هذا الاستدلال وطرح نفس الإشكال عليه. وبعد طرح الاستدلال أعلاه، في مقام الإشكال عليه، يقول إن في هذا الاستدلال وقع الخطأ بين الاحتمال الرابع (فهم مير سيد شريف) والاحتمال الثالث (تفسير محقق أصفهاني من وجهة نظر أهل الأدب).

وفي نهاية عبارته يصرح أنه إذا اعتبرنا مفاد الجملة الشرطية مطابقًا لفهم مير سيد شريف أو تفسير الشيخ الأنصاري من وجهة نظر علماء الأدب، فإن مقتضى ذلك أن الجملة الشرطية تصبح كاذبة مع عدم تحقق الشرط.

عبارة آية الله الحكيم قدّس سره كما يلي:

اعلم أن مفهوم قولنا: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» يحتمل بدوا أمور، الأول: محض الملازمة بين الشرط والجزاء نظير قولنا: «طلوع الشمس ملزم وجود النهار» الثاني: تعليق الإخبار بالجزاء على وجود الشرط نظير قولنا: «إذا طلعت الشمس أخبرتك بوجود النهار» الثالث: تعليق الخبر عليه أعني إناطة النسبة الخبرية بالشرط نظير قولنا «يوجد النهار على تقدير طلوع الشمس» الرابع: تقييد النسبة الخبرية بالشرط فيكون المخبر به نسبة خاصة نظير قولنا: «يوجد النهار بعد طلوع الشمس» الخامس: تقييد موضوع الجزاء به نظير قولنا: «النهار الكائن عند طلوع الشمس موجود» وهكذا الحال لو كان الجزاء إنشاء مثل: «إن جاءك زيد فأكرمه» فيجوز أن يكون لإنشاء الملازمة، وتعليق الإنشاء وتعليق المنشأ، وتقييده وتقيّد موضوعه.

والمنقول للمنطقيين هو الأول، والمختار لبعض الأعيان هو الثاني، وظاهر بعض المنطقيين والمنسوب لأهل العربية هو الثالث – وهو ظاهر المصنف – والمختار لشيخنا الأعظم هو الخامس، ولم أعرف من بنى على الرابع.

والتحقيق مختار المصنف[-وجهة نظر أهل الأدب] لأنه الظاهر والإيراد عليه بأنه يستلزم الكذب في مثل قوله تعالى «لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا» لأن صدق الخبر يتوقف على ثبوت النسبة الواقعية وهو باطل، مع أنه خلاف المقصود، ولأجل ذلك اختيار بعض الأعيان الثاني وغيره الأول مدفوع بالخلط بينه وبين الرابع فإن الكذب في مثل ذلك إنما يلزم عليه وعلى الخامس لا على الثالث إذ عليه تكون القضية حاكية عن الوجود التقديري ويكفي في صدقها أن تكون جهة مصححة للتقدير وإن لم يصح فعلياً إلى الأبد. [28]

الاستدلال الثالث على نظرية المنطقيين

شهيد صدر الذي اختار نظرية المنطقيين، استند إلى إحدى خصائص أداة الشرط، وطرح هذا الاستدلال. يقول: من المسلم به أنه إذا قيل جملة الشرط أو المقدّم بدون أداة شرط، فهي جملة كاملة، وفي الاصطلاح يكون سكوت المتكلم عليها صحيحاً؛ لكن مع إضافة أداة الشرط إليها تصبح الجملة ناقصة، ولا يكون سكوت المتكلم عليها صحيحاً. على سبيل المثال، جملة «جاء زيد» بهذا المعنى جملة ناقصة.

شهيد صدر يطرح أولاً احتمالين ثبوتيين لتبرير عدم صحة السكوت هذا. الاحتمال الأول هو أنه بدخول أداة الشرط على جملة الشرط، تتحول النسبة التامة الموجودة في جملة الشرط إلى نسبة ناقصة. الاحتمال الثاني هو أن معنى أداة الشرط بحيث يحتاج لإكمال معناها وجود جملة الجزاء. في هذا الاحتمال، النسبة الموجودة في جملة الشرط مع دخول أداة الشرط لا تزال نسبة تامة.

ويعتقد أنه إذا كان الاحتمال الأول صحيحاً، فإنه بناءً على كل من وجهتي نظر أهل المنطق وأهل الأدب يمكن تبرير عدم صحة السكوت في جملة «إن جاء زيد»؛ أما إذا كان الاحتمال الثاني صحيحاً، فلا يمكن إلا لوجهة نظر علماء المنطق تفسير خروج هذه الجملة من عدم صحة السكوت إلى صحته، وبناءً على وجهة نظر أهل الأدب التي هي المختارة عند المحقق الأصفهاني، لا يمكن تفسير هذه الحقيقة. يقول:

إن هناك في بداية الأمر احتمالين في تفسير هذا الخروج من صحة السكوت إلى عدم الصحة. الاحتمال الأول أن يقال: إن أداة الشرط تغير النسبة التامة الثابتة بين الفعل والفاعل إلى النسبة الناقصة، فتكون النسبة بعد دخول أداة الشرط مخالفة للنسبة قبل دخولها مثل التغاير بين النسبة في «جاء زيد» والنسبة في «مجيء زيد»، فبهذا الاعتبار لا يصح السكوت على الجملة بعد دخول الأداة عليها لعدم إمكان السكوت على النسبة الناقصة.

الاحتمال الثاني أن يقال: إن النسبة التامة التي كانت ثابتة بين الفعل والفاعل تبقى على حالها ولا تتغير، ولكن مع هذا لا يصح السكوت باعتبار أن أداة الشرط لها نوع معنى ينتظر معه مجيء شيء زائد على الشرط، فجملة الشرط بدون الجزاء كاملة إلا أن معنى الأداة لا يكتمل إلا بمجيء الجزاء، ومن هنا لا يصح الاكتفاء بجملة الشرط لو دخل عليها أداة الشرط. [29]

من الواضح جداً أنه بناءً على الاحتمال الثاني، يمكن بسهولة تبرير عدم صحة السكوت على جملة الشرط بدخول أداة الشرط عليها؛ لأنه إذا قال المتكلم جملة تحتوي على نسبة أحد طرفيها غير مذكور، فهذه الجملة ناقصة وفي الاصطلاح، سكوت المتكلم عليها غير صحيح. وبتعبير شهيد صدر، نوع معنى الشرط بحيث بدون ضم جملة الجزاء لا يكتمل هذا المعنى.

والاحتمال الأول يناسب كلا المبنيين في المقام، بمعنى أنه يمكن لكل من المشهور والمحقق قدس سره أن يدعي أن النسبة تتغير وتتبدل إلى النسبة الناقصة بمجرد دخول أداة الشرط عليها، أما الاحتمال الثاني فهو يناسب مع مبنى المشهور فإنهم يقولون بأن أداة الشرط وضعت للربط بين الشرط والجزاء ومن الواضح أن معنى الارتباط لا يكتمل إلا بثبوت كلا الطرفين بينما لا يناسب هذا الاحتمال مع مبنى المحقق الأصفهاني.

كما هو مشهود، وقد اعترف به شهيد صدر نفسه، أن كل هذا الاستدلال متوقف على نفى الاحتمال الأول. شهيد صدر من أجل نفى الاحتمال الأول، يثبت أولاً أنه بناءً على وجهة نظر أهل الأدب أيضاً جملة الشرط حتى في مرحلة بعد دخول أداة الشرط، لها مدلول تصديقي، ومن وجود مدلول تصديقي لها يستنتج أن هذه الجملة يجب أن تحتوي على نسبة تامة. وبهذا ينفي الاحتمال الأول الذي هو تحويل النسبة التامة الموجودة في جملة الشرط إلى نسبة ناقصة.

استدلال شهيد صدر قدس سره على هذا الادعاء – بأن بناءً على وجهة نظر أهل الأدب، جملة الشرط لها مدلول تصديقي – مبني على المعنى الذي بيّنه الأدباء لأداة الشرط. في شرح وجهة نظر أهل الأدب، مرّ أن أداة الشرط تدل على أن مفاد جملة الشرط موضوع على فرض وتقدير.

شهيد صدر قدس سره باستخدام هذه النقطة يقول من الواضح أن أداة الشرط لا تدل على مفهوم الفرض والتقدير على نحو تصوري، بل تدل على واقع الفرض والتقدير الذي يقوم به المتكلم. وبالطبع، لكي يثبت شهيد صدر بهذا البيان أن مفاد جملة الشرط يحتوي على نسبة تامة، يجب أن يضيف هذه المقدمة أيضاً أن واقع الفرض والتقدير، بدون أن يحتوي مفاد جملة الشرط على نسبة تامة، غير ممكن.

عباراته كما يلي:

وتوضيح عدم صحة الاحتمال الأول يكون ببيان أمرين: الأول – إن جملة الشرط لها مدلول تصديقي وهذا شيء اعترف به نفس المحقق الأصفهاني أيضاً، فإنه يقول بأن الأداة تفيد أن مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير، ومقصوده أنها تكشف عن ثبوت الفرض والتقدير في ذهن المتكلم وليس مقصوده أنها تدل على مفهوم الفرض بنحو الدلالة التصويرية. الثاني – إن المدلول التصدقي لا يكاد يثبت إلا مع النسبة التامة دون الناقصة، وهذا شيء فرغنا عنه في بحث الفرق بين النسبة التامة والنسبة الناقصة. إذن النسبة في جملة الشرط حتى بعد دخول الأداة تكون تامة وهذا يعني صحة الاحتمال الثاني دون الأول، فيتعيّن مبنى المشهور لا محالة القائل بأن الأداة موضوعة للربط بين الجملتين لا لإفادة أن مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير. هذا مضافاً إلى أن الوجدان قاض بذلك في اللغة العربية وأظن أنه في بقية اللغات أيضاً كذلك. [30]

دراسة الاستدلال الثالث

توجد اشكالات متعددة على هذا الاستدلال للشهيد صدر. يظهر في هذا الاستدلال ادعاءان أساسيان.

أولاً أنه ادعى أن الاحتمال الثاني لا يتأتى إلا على أساس المشهور (أهل الميزان) ولا يتوافق مع مسلك المحقق الأصفهاني، واستند في هذا الادعاء إلى كلامهم الذين قالوا: «أداة الشرط وُضعت للربط بين الشرط والجزاء ومن الواضح أن معنى الارتباط الكامل لا يتحقق إلا بثبوت كل طرف منهما».

أولاً، هذا القول مخالف لكلام بعض من أهل الميزان الذين صرحوا بأن دخول أدوات الشرط على الجملة الشرطية يجعلها خالية من الأخبار. يقول ابن سينا في الإشارات:

الثاني والثالث يسمونهما الشرطي وهو ما يكون التأليف فيه بين خبرين قد أخرج كل واحد منهما عن خبريته إلى غير ذلك، ثم قرن بينهما ليس على سبيل أن يقال: إن أحدهما هو الآخر، كما كان في المحلي بل على سبيل أن أحدهما يلزم الآخر ويتبعه. [31]

كما أشار المحقق الأصفهاني إلى هذه الحقيقة:

توضيح المقام أننا لو قلنا بما ذهب إليه علماء الميزان من أن أداة الشرط لمجرد إفادة التعليق والملازمة، وأن المقدم والتالي منسلخان عن الحكم، وإنما يخرجان بذلك عن مقتضيات القضية من صحة السكوت عليها، واحتمالها للصدق والكذب فلا ريب حينئذ فيما أفاده المصنف. [32]

مع أن خروج جملة الشرط والجزاء من الإخبار في حد ذاته لا يستلزم عدم تمام النسبة – كما هو الحال في الجمل المشتركة مثل «بعتك هذا بذاك» في استعمالها الإنشائي، حيث لا يوجد إخبار وفي نفس الوقت النسبة الموجودة في الجملة التي على أساسها تم الإنشاء تامة – إلا أنه بعيد أن يكون المقصود من الذين يرون الجملة خالية من الأخبار هو هذا النقص في النسبة التامة. خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار تفسير المحقق الأصفهاني من وجهة نظر المنطقيين – الذي يقول «بناءً على هذا الرأي، المقدم والتالي منسلخان عن الحكم، ولهذا السبب يخرجان عن مقتضيات القضية مثل صحة السكوت عليها، واحتمال صدقها وكذبها» – فإن هذا الاحتمال يتقوى بأن المقصود من «خلو جملة المقدم والتالي من الأخبار» هو عدم وجود نسبة تامة في مدلول ومفاد الجملة.

على كل حال، المسألة معقدة. فمن جهة يبدو أن مدلول «جاء زيد» من حيث النسبة الموجودة فيه لا يختلف عن مدلول «إن جاء زيد» وأن مجرد عدم إمكانية الإخبار في الجملة الثانية لا يجعل النسبة الموجودة بين الفعل والفاعل في الجملتين المذكورتين تختلف وتتحول من نسبة تامة إلى نسبة ناقصة. كما هو الحال في جملة «بعتك هذا بذاك» في حالتيها الإخبارية والإنشائية، مع أن الفعل الكلامي الناتج يختلف تماماً بينهما، إلا أن النسبة الموجودة في الجملة لا تختلف.

ولكن من جهة أخرى يبدو أنه إذا كانت النسبة تامة، فيجب على الأقل أن يكون الإخبار بها ممكناً في الجمل الإخبارية وكذلك الإنشاء بها في الجمل الإنشائية. في حين أنه مع دخول أداة الشرط على جملة المقدم مثل «إن جاء زيد»، لا توجد على الإطلاق إمكانية الإخبار عن طريق التعبير «جاء زيد» الموجود ضمن جملة الشرط. لذلك، بالإضافة إلى أن جملة الشرط لا تقوم بالإخبار فعلياً، فإن هذه الجملة أيضاً لا تملك القدرة على الإخبار.

مشكلة كلام الشهيد صدر هي أنه إذا كانت النسبة تامة مع دخول أداة الشرط، فلماذا تفقد هذه القدرة ولا يمكن الإخبار بها؟ على عكس ادعاء الشهيد صدر، يجب القول: إن كون أداة الشرط بسبب معناها الارتباطي تحتاج إلى طرف آخر، لا يبرر أن النسبة الموجودة في جملة الشرط «رغم تماميتها» لا تملك القدرة على الإخبار.

ومن الجدير بالذكر أن الشهيد صدر قدس سره لديه مبانٍ شاذة في تحليل حقيقة النسب التامة والناقصة والفرق الجوهري بينهما، وقد تم الرد عليها في موضعها ولا مجال لطرحها هنا.

على كل حال، مع الأخذ في الاعتبار مجموعة القرائن والارتكازات الموجودة من مدلول الجمل الشرطية، يبدو أن ناقصية النسب الموجودة في جملة الشرط أكثر توافقاً مع هذه الارتكازات.

ثانياً، معنى ربط الشرط بالجزاء ليس أن الشرط والجزاء يبقيان على حالهما الأول ويكونان طرفي الارتباط، بل يجب بعد دخول حرف الشرط أن يُجرى أي تغيير ضروري في تركيب الشرط أو الجزاء؛ كما صرح أهل الميزان بذلك. خصوصاً أن بعضهم ادعى أن هذا أمر عقلي؛ أي أنه غير معقول أن يكون الشرط والجزاء لهما حكم ويكونان طرف نسبة لزومية وتكون هذه النسبة نفسها موضوع حكم. خلاصة القول إنه لا يمكن رفض أمر عقلي بسبب معنى لفظ «ربط» في كلامهم.

أما الادعاء الثاني الذي يلعب دورًا مؤثرًا في هذا الاستدلال عند شهيد صدر فهو أن الاحتمال الثاني (بقاء النسبة التامة في الطرفين) لا يتوافق مع مبدأ المحقق الأصفهاني؛ لأن افتراض وجعل الشرط بصيغة مقدرة الوجود يحمل مدلولًا تصديقيًا؛ لذا لا حاجة لربطها بالطرف الأخير ولا علاقة بانتظار الطرف الأخير. لذلك، إذا كانت النسبة في الشرط تامة وأداة الشرط لا تدل على معنى يستلزم وجود جملة الجزاء، فلا يوجد سبب يمنع جملة الشرط من أن تكون صحيحة بمفردها عند دخول أداة الشرط.

الرد على هذا الادعاء من شهيد صدر هو أن افتراض وتقدير الشرط بصيغة مقدرة الوجود، دون الحكم على جملة الجزاء، يشبه فرض الموضوع منفردًا وهو أمر لغو. وهذه اللغوية تجعل صدور ذلك من العاقل مخالفًا للظاهر؛ تمامًا كما يكتفي المتكلم بذكر الموضوع فقط، مثل “زيد” في جملة «زيد قائم». من الواضح في هذا المثال أن المتكلم يريد أن يجعل “زيد” موضوع حكم.

لذلك، السبب في حالة الانتظار عند دخول أداة الشرط، بناءً على مبدأ المحقق الأصفهاني، هو أن العاقل لا يفعل أمرًا لغوًا. ونفس الأمر ينطبق على “جعل الشرط موضع الفرض والتقدير”.

وقد وقع في خطأ عجيب في استكمال استدلاله. فقد استشهد بقول المحقق الأصفهاني لإثبات أن جملة الشرط تحمل مدلولًا تصديقيًا، وهو أن مدخول أدوات الشرط يقع في موضع الفرض والتقدير. ثم ادعى أن المقصود من دلالة الفرض والتقدير عند المحقق الأصفهاني ليس دلالة تصورية على مفهوم الفرض، بل هو كشف عن ثبوت الفرض والتقدير في ذهن المتكلم.

ثم أضاف أن المدلول التصديقي لا يثبت إلا بالنسبة التامة، وذكر أنه قد أثبت سابقًا توقف الدلالة التصديقية على وجود نسبة تامة. ومن مجموع هذه الأمور استنتج أن المبدأ المشهور، أي وضع الأدوات للربط بين الجمل، صحيح، وليس رأي المحقق الأصفهاني.

الطريق الذي سلكه شهيد صدر لإثبات المدلول التصديقي لجملة الشرط يواجه أيضًا اعتراضات جدية.

الاعتراض الأول

مجرد قبول المحقق الأصفهاني وآخرين بأن جملة الشرط تتضمن دلالة تصديقية لا يثبت هذا الأمر. كان على شهيد صدر أن يبرهن ذلك بنفسه، لكنه لم يقدم دليلًا على وجود مدلول تصديقي لجملة الشرط.

الاعتراض الثاني

المحقق الأصفهاني لم يقر بوجود دلالة تصديقية في جملة الشرط في أي من عباراته. أدوات الشرط تدل على أن جملة الشرط في موضع الفرض والتقدير، وهذا ليس دلالة تصورية على مفهوم الفرض والتقدير، ولا هو تصديق أو إخبار بالفرض والتقدير، خصوصًا ليس إخبارًا عن الفرض والتقدير في الذهن. نسب هذا القول إلى المحقق الأصفهاني هو تقليل من مقامه العلمي. هل يعقل أن يكون معنى «إن جاءك زيد» إخبارًا عن فرض وتقدير “مجيء زيد” في الذهن؟

مسألة الفرض والتقدير في موضوع القضايا الحقيقية التي يشبهها المحقق الأصفهاني بالشرط لا تعود إلى التصديق أو الإخبار عن الفرض والتقدير، خصوصًا في الذهن. بل إن الأدوات وسيلة لـ «جعل الموضوع موقع الفرض والتقدير بالحمل الشائع». وهذا عمل خارجي يقوم به المتكلم بواسطة الأدوات، وليس تصديقًا بوجود الفرض والتقدير ليُستنتج وجود نسبة تامة في هذا الفرض والتقدير.

الاعتراض الثالث

شهيد صدر أخطأ أساسًا في تفسير المدلول التصديقي. يبدو أنه ظن أن المدلول التصديقي هو حيث يكون للمتكلم تصديق؛ بينما الأمر ليس كذلك. المراد بالمدلول التصديقي هو أن يدل على وقوع إرادة المعنى، أو يحكي عن المعنى أو يطابق المعنى والمراد الجدي، ففي هذه الحالة، مثل دلالة اللفظ على أن المعنى هو المراد، أو دلالة المعنى على أن المراد مطابق له، هي دلالة تصديقية.

لكن هذه الدلالة هي نوع من الكشف، وإن لم تكن كشفًا تصديقيًا. التصديق في الواقع صفة للمدلول، وليس أن يكون في ذات الدلالة تصديق. مثلاً عندما يقولون: «الدلالة الوضعية تصديقية» يعني أن الألفاظ من جهة العقد الوضعية تدل على كون المعنى هو المراد، وبعبارة أخرى، تدل على معنى المراد.

معنى أن «الدلالة الوضعية تصديقية» ليس أن المتكلم أو المستعمل يصادق على الأمر، بل المقصود أن الألفاظ في هذا الاستعمال كاشفة عن معنى المراد، خلافًا للدلالة التصورية التي حقيقتها كشف اللفظ عن ذات المعنى وليس عن معنى المراد.

في الدلالة التصديقية، المرحلة الثانية (الدلالة التصديقية للمعنى على المراد الجدي) هي أيضًا ظهور حال المتكلم بأنه من المعنى المستعمل فيه المراد الجدي. “ظهور الحال” هو نوع من الكشف والدلالة يشبه الدلالة التصورية. لذلك، كون هذه الدلالة تصديقية لا يعني أن الكشف نفسه تصديقي، بل يعني أن المكشوف تصديقي؛ أي أنه يكشف عن حقيقة قابلة للتصديق بأن المتكلم له مراد جدي.

الاعتراض الرابع

على عكس النسبة التي نسبها شهيد صدر إلى المحقق الأصفهاني، فإن الأخير ينفي صراحة أن يكون موضوع القضية في القضايا الحقيقية والشرط في الجمل الشرطية أمرًا ذهنيًا. بعد أن شرح تفصيليًا عمل الفرض والتقدير في موضوع القضايا الحقيقية وكذلك في جملة الشرط، يقول:

وما ذكرناه يظهر للمتأمل: أن المحكوم عليه ليس هو الأمر الذهني، بل الأمر الخارجي المفروض، وكذلك الحال في القضايا الشرطية. [33]

لذا يبدو أن الشهيد صدر قد استند إلى مجموعة من الفرضيات الخاطئة كأساس للاستدلال، وهي غير مقبولة على الإطلاق. لذلك لا ينبغي له أن يتعجب من أن هذا الاستدلال لم يُقدّم من قِبل أهل الميزان؛ لأن أهل الميزان لا يمكنهم الإقرار بأي من مقدمات هذا الاستدلال.

منشأ صحة السكوت في الجمل

بمناسبة مناقشة صحة السكوت في الكلام، تظهر نقطة صعبة في منشأ صحة السكوت. هل منشأ صحة السكوت هو تمامية النسبة؟ تمامية النسبة إلى ماذا؟ هل صحة السكوت بسبب نوع النسبة، أم بسبب التصديق الوارد على النسبة، أم الإنشاء بداعي خاص وارد على النسبة؟ بعبارة أخرى، يجب أن نرى ما الذي يُكمل الكلام ويجعل السكوت عليه معقولاً: هل هو وقوع فعل كلامي خاص، أم مجرد أن تكون النسبة الواقعة في الحكم من نوع خاص.

يبدو أن مجرد وجود نسبة في الكلام التي تملك إمكانية التصديق لا يجعل السكوت معقولاً. لتوضيح هذا النقاش، يجب أن ننتبه إلى أن التصور والتصديق خارجان عن النسبة الحكمية وخارجان عن مدلول القضية. وبعبارة بعض أساتذة الفلسفة، التصور والتصديق خارجان عن حدود القضية والنسبة ويدخلان عليها. على سبيل المثال، في قضية «زيد قائم» النسبة الحكمية، أي العلقة الجوهرية التي تربط بين «زيد» و«قائم»، تشكل جزءاً من مدلول قضية «زيد قائم». هذه النسبة الهوية تُتصور أحياناً وتُصدق أحياناً.

النسبة التي تُتصور وتُصدق هي نفس النسبة قبل التصور والتصديق، ولا يحدث فيها تغيير بسبب التعلق أو التصديق. عندما نتصور جملة «زيد قائم» فقط، فهي ليست «ممّا يصح السكوت عليه»؛ على عكس حين نصدقها، ففي هذه الحالة يكون السكوت عليها صحيحاً.

لذا، رغم أن وجود إمكانية للنسبة من حيث إمكانية تعلق التصديق بها ضروري لصحة السكوت، وأن الجملة التي تحتوي على نسبة ناقصة ولا تملك إمكانية التصديق ليست «ممّا يصح السكوت عليه» بأي حال، إلا أن مجرد كون النسبة من نوع يمكن تصديقه، وبالمصطلح، نسبة تامة، لا يكفي لصحة السكوت، بل إن التصديق الوارد عليها هو الذي يوجب صحة السكوت.

إذا أردنا أن نكون أدق في الكلام، يجب أن نقول: بما أن النقاش في صحة السكوت يدور حول الكلام، فإن مجرد وجود التصديق في ذهن المتكلم لا يكفي لصحة السكوت؛ لأنه بدون فرض الكلام، يكون هذا التصديق خارج النقاش. لذلك، من وجهة نظر دقيقة، الفعل الكلامي الناجح (التام) هو معيار صحة السكوت على الكلام.

صحة السكوت في الجمل الإنشائية أيضاً على هذا النحو. إنشاء إنشاءً كاملاً بداعي الجعل، يؤدي إلى صحة السكوت. لذلك، ليس من المستبعد القول إن صحة السكوت وعدمها ناشئان عن أمر خارج عن نفس النسبة؛ مع أن تمامية النسبة أو إمكانية تصديقها – بالطبع في الجمل الخبرية – شرط لصحة السكوت. هذه المسألة تؤثر كثيراً على طريقة صياغة المواضيع، وتُظهر أن العديد من التعبيرات المستخدمة في استدلال الشهيد صدر والاستدلال التالي له تحتاج إلى تصحيح.

الاستدلال الرابع على وجهة نظر المنطقيين

المقرر الشهيد صدر في شرح جزء من الاستدلال الثالث، أورد عبارة يبدو أنه لو كان مدلولها قابلاً للتصديق، لكانت بحد ذاتها استدلالاً مستقلاً على وجهة نظر المنطقيين. في شرحه لذلك الجزء من الاستدلال السابق الذي كان يسعى لإثبات أن النسبة التامة الموجودة في جملة الشرط لا تتحول إلى نسبة ناقصة بسبب دخول أداة الشرط، يقول:

المقصود أنّ جملة الشرط ليس مفادها حتّ‌ بعد‌ دخول أداة الشرط مدلولاافراديّا، بل مدلول اخباريّ تامّ في نفسه، و لهذا يكون لها مدلول تصديقيّ، بمعني أنّه يصدق و يتحقّق في الخارج، و يكون ذلك سببا لتحقّق الجزاء، بلا كلام عندأحد و عندئذ‌ يقال‌: إذا كان مفادها باقيا علي النسبة التامّة كما أن الجزاء فيه نسبةتامّة كذلك فلابدّ من الارتباط بين مدلوليهما التامّين، و ليس ذلك إلاّ اللزوم أوالنسبة التصادقيّة أو التعليق و التوقف و نحو‌ ذلك‌ من النسب و الارتباطات المعقولةبين نسبتين تامّتين في نفسيهما و هذا هو مقالة المشهور. [34]

في هذه العبارة يدعي أن مدلول جملة الشرط حتى بعد دخول الأداة، له مدلول تصديقي؛ بمعنى أن هذا المدلول قابل للمطابقة مع الواقع والتحقق في الخارج، وهذا التحقيق الخارجي هو سبب تحقق الجزاء في الخارج. وبعبارة أخرى، جملة الشرط حتى بعد دخول أداة الشرط لها «مدلول تام في ذاته».

يستنتج من هذا أن جملة الشرط بعد دخول أداة الشرط لا تزال تحتوي على نسبة تامة. من جهة أخرى، نسبة جملة الجزاء، التي حسب نظرية أهل الأدب تتعلق بحكم الواقع، هي أيضاً نسبة تامة. فلا بد من وجود ارتباط بين هذين المدلولين التامين، وإلا لزم أن يكون لكل جملة شرطية مدلولان تامان مستقلان عن بعضهما.

لذلك يجب أن تدل الجملة الشرطية على ارتباط ونسبة مثل نسبة لزومية أو توقفية أو تصادقية، لكي يتمكن هذا الرابط من إقامة العلاقة بين هذين المدلولين التامين. ومن الواضح أن الإقرار بدلالة الجملة الشرطية على مثل هذه النسبة يعني قبول وجهة نظر المنطقيين في تحليل الجمل الشرطية.

رد المقرر الشهيد صدر على الاستدلال الرابع

في رده على هذا الاستدلال، يركز فقط على هذه النقطة أن هناك، بحسب وجهة نظر أهل الأدب التي اعتمد عليها محقق أصفهاني، نوعاً من النسبة بين الشرط والجزاء يسميها «النسبة الفرضية والتقديرية». ويقول في رده على هذا الاستدلال:

وهذا المطلب غير تام كما أشير إليه في هامش الكتاب هنا، فإن الأصفهاني يقبل تمامية نسبة جملة الجزاء، وأن الشرط ليس قيدًا في طرف جملة الجزاء، بل هناك ربط بين النسبة التامة في نفسها لجملة الجزاء مع النسبة التامة في نفسه الجملة الشرط، إلا أن هذه النسبة ليست نسبة اللزوم والتوقف أو التصادق بل نسبة الفرض والتقدير، فإنها أيضًا نسبة ذهنية، بل سيأتي أن المتعين هذا التحليل والتفسير للارتباط النسبي والمعنى الحرفي القائم بين الجملتين. [35]

دراسة الاستدلال الرابع

ما يُستفاد من عبارات مقرر الشهيد صدر في تقريب هذا الاستدلال والرد عليه، من جهات مختلفة فيه إشكال. نبدأ بإشكالات نفس الاستدلال ثم ننتقل إلى إشكالات الرد عليه. أما إشكالات نفس الاستدلال:

الإشكال الأول

تفسير مدلول التصديقي بـ «أنه يصدق ويتحقق في الخارج» تفسير غير معقول؛ لأن كما مر في الرد على الاستدلال الثالث، مدلول التصديقي ليس بمعنى تصديق شيء خاص. بالإضافة إلى ذلك، ليس من الضروري أن يكون مدلول التصديقي من جنس الواقع الخارجي، بل المراد الاستعمالي أيضًا في بعض الحالات يمكن أن يكون مدلولًا تصديقيًا، ومن الواضح أن المراد الاستعمالي من جنس المعنى ولا علاقة له بالخارج.

مقرر الشهيد صدر له قول آخر في جملة الشرط، فإذا أردنا حمله على الصحة، يجب أن نعتبره متضمنًا نوعًا من التسامح والتجوز. يقول: جملة الشرط بعد دخول الأداة، لها مدلول إخباري تام في نفسها. إذا كان المراد من هذا القول أن جملة الشرط حتى بعد دخول أداة الشرط متضمنة للإخبار، فهذا قول خاطئ بوضوح؛ لأن بعد دخول أداة الشرط، لا يحدث في ناحية الشرط إخباري.

الإشكال الثاني

مفاد الجملة الشرطية ليس أن الشرط في الخارج واقع ويسبب تحقق الجزاء. فقط في بعض القضايا الشرطية، يكون الشرط سببًا في تحقق الجزاء؛ مثلاً في الشرطية الاتفاقية، لا توجد سببية على الإطلاق.

في الشرطية اللزومية أيضًا، التي قد يكون بين الشرط وجزائه علاقة سبب، أحيانًا يكون اللزوم عكسيًا؛ بمعنى أن الجزاء سبب الشرط، وفقط في اعتبار العقل يُنظر إلى نوع من التأخر للجزاء؛ مثل «إذا كانت النهار موجودة فالشمس طالعة». المحقق الأصفهاني في بحث مفهوم الشرط صرح بوضوح بهذه النقطة:

ويمكن ألا يكون النظر إلى الترتيب الخارجي بأي من أنحائه، بل الترتيب كان بمجرد اعتبار العقل كما في قولنا «إن كان النهار موجودًا فالشمس طالعة» و«إن كان هذا ضاحكًا فهو إنسان» ونحوهما، فإنه لا ترتيب خارجي بل في الحقيقة المقدّم في هذه القضايا إما مترتب على التالي كما لا ترتيب أيضًا بالإضافة إلى وجودهما الفرضي؛ إذ ليس فرض الإنسانية مقتضيًا لفرض الضاحكية لإمكان فرض الكاتبية وغيرها بل للعقل أن يضع الضاحك أولًا، ثم يضع الإنسانية ثانيًا. [36]

الإشكال الثالث

مقرر الشهيد صدر في بيان نتيجة الاستدلال الرابع يقول:

فلا بد من الارتباط بين مدلوليهما التامين، وليس ذلك إلا اللزوم أو النسبة التصادقية أو التعليق والتوقف ونحو ذلك من النسب والارتباطات المعقولة بين نسبتين تامتين في نفسيهما. [37]

في هذا البيان، يعتبر نسبة التصادقية من بين النسب التي من المعقول أن تقيم ارتباطًا بين النسب التامة للشرط والجزاء. بينما نسبة التصادقية التي (1). أصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 413.

وهي ذات «هو هوية» لا يمكن أن تقع بين الشرط والجزاء؛ لأن الشرط والجزاء بوضوح ليسا متحدين، بل اللزوم، التوقف، الإناطة، التعليق وما شابهها هي التي تكون في العمل.

أستاذه، الشهيد صدر، الذي يبدو أنه مبتدع مصطلح نسبة التصادقية، له معنى لهذا المصطلح لا يكون معقولًا بين الشرط والجزاء. عبارته كما يلي:

«فالتصادق دائمًا يكون بالنسبة لأخذ العنوانين بما هما مشيران إلى الخارج مع افتراض نوع وحدة في المشار نحوه بهما معًا، فإن كانت هذه الوحدة ذاتية كان من باب الحمل، كما هو الحال في الجمل الخبرية الاسمية، وإن كانت وحدة في الواقعة كان من باب الإسناد كما هو الحال في الجمل الخبرية الفعلية»

الإشكال الرابع

الاستناد إلى هذا المطلب على المنطقيين – بالطبع الشهيد صدر ومقرره يطلقون على المنطقيين «المشهور» ويعتبرون رأيهم رأيًا مشهورًا – بأن «جملة الشرط حتى في مرحلة بعد دخول أداة الشرط لها مدلول تصديقي ومشتملة على نسبة تامة» قول خاطئ. سبق وشرحنا أن القول المشهور (أهل الميزان) ليس أن النسبة التامة في الشرط والجزاء تبقى على حالها.

دراسة رد مقرر الشهيد صدر على الاستدلال الرابع

هذا الرد متضمن لنسب غير صحيحة للمحقق الأصفهاني، بالإضافة إلى أنه يواجه إشكالًا جديًا.

الإشكال الأول

في عبارات مقرر الشهيد صدر، نُسب إلى المحقق الأصفهاني أن بعد دخول الأداة على جملة الشرط، تكون النسبة تامة. هذه النسبة غير صحيحة. على الأقل في كلامه لا يوجد دليل على هذا المطلب.

الإشكال الثاني

في الرد على المحقق الأصفهاني، قيل إنه لا يعتبر النسبة بين الشرط والجزاء لزومًا وتوقفًا، بل يعتبرها فرضًا وتقديرًا، وهي نسبة تربط الشرط والجزاء. بلا شك، هذا المطلب غير صحيح.

المحقق الأصفهاني يعتبر النسبة بين الشرط والجزاء صراحة من جنس النسب اللزومية، التوقيفية، التعليقية، والإناطية. جزء من عباراته كما يلي:

بل الأداة تتكفل وقوع مدخولها موقع الفرض والتقدير وما بعدها يتكفل نسبة الطلوع إلى الشمس مثلاً والترتيب أو الفاء يدل على الاستلزام الحرفي[38]

والحاصل أن الفاء للترتيب إلا أن الترتيب، تارةً بلحاظ ما في الخارج، وأخرى بوضع العقل واعتباره، فلا دلالة لمطلق الترتيب على اللزوم فضلاً عن الترتيب بنحو العلّة فضلاً عن العلية المنحصرة كما أن إسناد هذه المعاني إلى أداة الشرط غفلة عن أن شأنها جعل متلوّها واقعاً موقع الفرض والتقدير فقط وقد ظهر حال الجملة بتمامها فإن غاية مفادها ترتيب أو على أمر مفروض الثبوت بلا دلالة على لزوم بينهما، أو على ترتّب بنحو العلية فضلاً عن المنحصرة. [39]

الإشكال الثالث

أن الفرض والتقدير نوع من النسبة -بعيداً عن ارتباطه بالمحقق الأصفهاني- كلام خاطئ تماماً. الفرض والتقدير نوع من الإيجاد في الذهن، مثل الإيجاد الخارجي. وفي الوقت ذاته، يُعد حكمه موجوداً مقدراً وليس على ذات هذا التقدير والوجود الذهني. على أي حال، هذا الفرض والتقدير ليس ربطاً أو نسبة بين الجزاء والشرط.

دليل على وجهة نظر أهل الأدب

مع أن وجهة نظر الشهيد الصدر المختارة هي ذاتها وجهة نظر المنطقيين، فقد طرح استدلالاً لصالح وجهة نظر أهل الأدب ورد عليها. كما أن مقرر الشهيد الصدر في تعليقاته على كتاب بحوث في علم الأصول وكذلك في كتاب أضواء وآراء له مناقشات على هذا الاستدلال مع أستاذه، والتي سنعرضها ونبحثها بعد طرح الاستدلال.

يستعين الشهيد الصدر لإثبات وجهة نظر أهل الأدب بجمل شرطية تبدأ أجزاؤها بأدوات استفهام. وبحكم الارتكاز في هذه الأنواع من الجمل، يكون الاستفهام فعلياً، أي معلقاً وغير مرتبط بتحقق الشرط. في جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» المتكلم بالفعل يسأل عن أمر «هل إذا جاء زيد أكرمه؟» هذا الاستفهام فعلي من لحظة استعمال هذه الجملة، ومن نفس اللحظة يكون المتلقي في انتظار الجواب بالفعل، وليس أن يفهم المتكلم الأمر عند قدوم زيد ويسأل عن إكرامه.

يدعي الشهيد الصدر لإثبات وجهة نظر أهل الأدب أولاً أن فعليّة الاستفهام بحسب وجهة نظر أهل الأدب التي هي مختارة المحقق الأصفهاني، قابلة للتفسير، لكنها بحسب وجهة نظر المنطقيين غير قابلة للتفسير.

يقول: بما أن نظرية المنطقيين تفيد أن أداة الشرط تدل على نسبة تعليقية بين الجزاء والشرط، فمن الطبيعي أنه إذا كان الجزاء يحتوي على استفهام، فإن هذا الاستفهام قبل تحقق الشرط لا يكون فعلياً؛ لأن بحسب هذه الرؤية، تحقق الجزاء معلق على تحقق الشرط.

إننا بإمكاننا أن نبين صورة برهان على مدعاه الحاصلة: إننا نلاحظ كثيراً ما تدخل أداة الاستفهام على الجزاء فيقال مثلاً «إن جاءك زيد فهل تكرمه أولاً؟» ومع ذلك يكون الاستفهام فعلياً ويرقب السائل أن يجيبه المخاطب بالفعل. وفعليّة الاستفهام لا يمكن أن تفسر على أساس مبنى المشهور (مبنى أهل المنطق) من أن أداة الشرط موضوعة للربط بين الجزاء والشرط، إذ بناءً على هذا يكون الاستفهام معلقاً على مجيء زيد لأن الجملة الاستفهامية هي بنفسها جعلت جزاء في الجملة الشرطية. إذن لابد وأن لا يكون الاستفهام فعلياً ما دام أن مجيء زيد ليس بفعلي مع أن فعليّة الاستفهام من البديهيات جداً. [40]

يوضح الشهيد الصدر لتبرير فعليّة الاستفهام على أساس أهل الأدب والمحقق الأصفهاني أن رغم أن في هذه النظرية أيضاً الجزاء معلق على الشرط، إلا أن الشرط في جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» ليس واقع مجيء زيد، بل الفرض والتقدير له، وهذا الفرض والتقدير عند صدور هذه الجملة من قبل المتكلم قد تم، ومع فعليّة المعلق عليه (فرض مجيء زيد) فمن الطبيعي أن يكون المعلق (الاستفهام عن إكرامه) أيضاً فعلياً. وبهذا يثبت الشهيد الصدر فعليّة الاستفهام بحسب وجهة نظر أهل الأدب، ويقدم دليلاً على صحة هذه الرؤية.

وأما لو أخذنا بما يقوله المحقق الأصفهاني، فيمكن تفسير فعليّة الاستفهام بأن الاستفهام وإن كان معلقاً على الشرط أيضاً، إلا أن الشرط ليس واقع مجيء زيد حتى لا يكون فعلياً، وإنما الشرط فرض مجيئه، والفرض ثابت وفعلي ببركة أداة الشرط، فالمعلق على الشرط الذي هو الاستفهام أيضاً يكون فعلياً. وحيث إنه لا إشكال في فعليّة الاستفهام، فيتعيّن لا محالة مبنى المحقق الأصفهاني في مقابل مبنى المشهور. [41]

إشكال الشهيد الصدر على الاستدلال

الشهيد الصدر قدّس سرّه، الذي طرح هذا الاستدلال لإثبات وجهة نظر أهل الأدب، يراه غير قادر على إثبات هذه الرؤية. ويقول في بيان إشكال هذا الاستدلال: مع أن بحسب وجهة نظر أهل الأدب، ما هو شرط هو فرض وتقدير مجيء زيد، إلا أن هذا الفرض «بما هو فرض» لم يُعتبر شرطاً، بل «بما هو مرآة للمفروض وفانفيه» هو الذي اعتُبر شرطاً.

ولإثبات أن الشرط الحقيقي هو «فرض مجيء زيد بما هو مرآة للمجيء الواقعي»، يوضح أنه لو لم يكن كذلك، ولو كان «فرض مجيء زيد بما هو فرض» هو الشرط، لكان علينا أن نلتزم أنه في الجمل الشرطية التي تدل على الوجوب، مثل «إن جاء زيد فأكرمه» قبل تحقق المجيء وبمجرد أن يفترض المولى مجيء زيد، يصبح وجوب الإكرام فعلياً، وهذا أمر غير قابل للالتزام به ولم يلتزم به أي من الأصوليين.

لذا فإن فرض مجيء زيد «بما هو فان في المجيء الواقعي» هو شرط الاستفهام عن إكرامه. فإذا لم يتحقق مجيء زيد الواقعي بالفعل، لا يصبح الجزاء فعلياً. وبهذا التوضيح، تبقى مشكلة فعليّة الاستفهام بحسب وجهة نظر أهل الأدب قائمة بقوتها.

فالصحيح عدم إمكان المساعدة على ما ذكر من البرهان لمدّعي المحقق لأنّ إشكال فعليّة الاستفهام يرد حتى على هذا المبنى إذ لا بدّ وأن يعترف بأنّ فرض المجيء وتقديره إنما وقع شرطاً للجزاء بما هو مرآة، وإلاّ للزم أن يقول: إنّ الجزاء لو كان متضمّناً لتكليف إلزاميّ – مثل: «إن جاء زيد فأكرمه» – فالتكليف يصبح فعلياً على المكلف الآن ويجب عليه امتثاله حتى لو لم يتحقق واقع الشرط في الخارج، لأنّ شرط الحكم لا يكون إلاّ الفرض والتقدير، والفرض فعليّ على كل حال فلا بدّ وأن يكون الحكم فعليّاً مع أنّ هذا شيء لا يلتزم به أحد، فلو اعترف بأنّ الشرط فرض المجيء بما هو مرآة فان في المجيء عاد الإشكال عليه، إذ يقال: كيف أصبح الاستفهام فعليّاً مع عدم فعليّة المجيء في الخارج؟ [42]

توجيه شهيد صدر لفعليّة الاستفهام

كما في تقريب الاستدلال، شهيد صدر نفسه معترف بأنّ رؤية المنطقيين تواجه مشكلة فعليّة الاستفهام. فهو يقبل أنّ في مرحلة مدلول تصوري، فعليّة الاستفهام غير مبررة؛ لأنّ جملة «إن جاء فهل أكرمه؟» في مرحلة دلالة تصورية، يظهر فيها أنّ الاستفهام من أجزاء الجزاء في هذه الجملة، ونتيجة لذلك، وفق هذا الظهور، الاستفهام معلق على الشرط.

ولحل هذه المشكلة، يعتمد على قرينة حالية، فيبرر فعليّة الاستفهام في مرحلة مدلول تصديقي. فهو يرى أنّ توجيه الخطاب إلى السامع هو قرينة على أنّ الاستفهام فعلي، وبناءً على هذه القرينة يجب التخلي عن الظهور التصوري الذي يدل على تعليق الاستفهام.

فلا بدّ من حلّ آخر لإشكال فعليّة الاستفهام على كلا المبنيين، ويمكن أن نفترض أن الحل الآخر هو أنّ الاستفهام في المدلول التصوري للجملة يكون جزءاً من الجزاء ويكون معلقاً على الشرط، إلاّ أنّه بقرينة توجيه الخطاب يُعرف أنّ المقصود من المتكلم هو الاستفهام الفعلي عن التعليق أو المعلّق، فالمقصود الجدّي من جملة «إن جاء زيد فكيف حالك» هو: كيف حالك عند مجيء زيد. [43]

إشكال مقرر شهيد صدر على هذا التوجيه

مقرر شهيد صدر في كتاب أضواء وآراء يعتبر هذا التوجيه غير مكتمل. فهو في بيان إشكاله يقول إنّ هذا التوجيه مبني على أن جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» تصدر من متكلم عاقل وواعي يقصد من هذه الجملة استفهاماً جدياً. بينما معنى هذه الجملة حتى في فرض صدورها من جدار لا يختلف عن معناها في فرض صدورها من متكلم عاقل قاصد.

هذا الحلّ يخالف المدلول التصوري للجملة الشرطية، ويتوقف على وجود مدلول تصديقي للكلام وصدوره من متكلم عاقل واعٍ قاصد، مع أنّ المعنى المذكور مستفاد من الجملة حتى إذا سمع من جدار بلا تكلف واهتمام وحاجة إلى فرض وجود مدلول تصديقي.

وقد عمم هذه المشكلة على أنواع أخرى من الجمل الشرطية التي يكون جزاؤها إنشائيّاً، مثل الجمل الشرطية الدالة على وجوب مشروط، وقال:

كما أنّ هذا الإشكال لا يختص بجملة الاستفهام المعلق على الشرط بل يجري على سائر أنواع الإنشاء المعلق على الشرط، ومنها الأوامر والنواهي، أي الأحكام المعلقة على شرط. فهذا الحل لا يمكن المساعدة عليه. [44]

مراجعة إشكال مقرر شهيد صدر على توجيهه لفعليّة الاستفهام

هذا الإشكال لا يوجه إلى شهيد صدر؛ لأنّ أصل الاستدلال محل النقاش في كلامه مبني على فرض وجود مدلول تصديقي، بل وأكثر من ذلك، فعل كلامي تام، أي استفهام. لذلك الإشكال عليه والنقض، بالمعنى الذي يُفهم من الجملة الشرطية محل النقاش، حتى لو سُمعت من جدار بلا تكلف، هو خارج عن النقاش تماماً.

أما أنّ فرض النقاش في كلام شهيد صدر هو وجود مدلول تصديقي، بل وأكثر من ذلك، فعل كلامي، ومن هذا الباب فإنّ كل نقاشه في هذا الاستدلال حول فعليّة الاستفهام على حمل شائع، والاستفهام على حمل شائع هو فعل كلامي تام، أبعد بكثير من مدلول تصوري وتصديقي الجملة.

الإشكال نشأ من هنا، أنّ الاستفهام على حمل شائع إذا كان معلقاً على شرط، فلابدّ أن لا يتحقق الاستفهام حتى يتحقق الشرط، بينما من البديهي أنّه عندما تُقال جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» فإنّ الاستفهام يتم فعليّاً. الاستفهام هنا فعل كلامي تام يتحقق بالفعل بإظهار هذه الجملة من قبل متكلم عاقل وقاصد، وإلاّ فلا مشكلة في مدلول تصوري الجملة الشرطية، حتى لو جاء الاستفهام على الجزاء. ومن المسلم به أنّ مدلول تصوري هذه الجملة في حالة صدورها من جدار يساوي مدلولها التصوري في حالة صدورها من متكلم عاقل قاصد، وهذا التساوي لا يسبب مشكلة لتوجيه شهيد صدر – الذي يرى فعليّة الاستفهام في مرحلة مدلول تصديقي – ولا يخلّ به.

علاوة على ذلك، فإن التعميم الذي قدمه في هذا النقاش وقال: «هذا الإشكال ليس خاصًا بجملة استفهامية معلقة على شرط، بل هو قائم أيضًا في سائر أنواع الإنشاء المعلقة على شرط» يبدو ناتجًا عن غفلته عن أمر ارتكازي – وهو فعليّة أمر الإنشاء أو الاستفهام نفسه – الذي كان سببًا في طرح هذا الاستدلال. في مثل إنشاء طلب معلق، لا توجد هذه المشكلة، لأن الإنشاء هو شيء بالفعل، والطلب بحمل شائع أو وجوب بحمل شائع مرتبط بوصول الشرط. هذا المعنى لا يتعارض مع أي أمر ارتكازي ليُحدث مشكلة أو يحتاج إلى حل.

الاعتراض الذي أبداه الشهيد الصدر على إشكالهم في الاستدلال

الشهيد الصدر، سواء في تعليقات كتاب بحوث في علم الأصول أو في كتاب أضواء وآراء، يناقش أصل الاستدلال الذي أقامه أستاذه لصالح رأي المحقق الأصفهاني وأهل الأدب، ويعتبره ناقصًا. رغم أن التعبيرات التي طرحها في هذين الكتابين بشأن اعتراضه لا تختلف جوهريًا، إلا أن كتاب أضواء وآراء الذي تناول هذا الإشكال بشكل أوسع، يحتوي على نسب إلى المحقق الأصفهاني تستحق الكثير من التأمل.

كما جاء في إشكال الشهيد الصدر على الاستدلال السابق، فهو يرى أن رأي أهل الأدب يجب أن يقدم، مثل رأي المنطقيين، تبريرًا لفعليّة الاستفهام؛ أما رأيهم في الإشكال، فيدعي أن مشكلة فعليّة الاستفهام تخص رأي المنطقيين فقط، وأن رأي أهل الأدب والمحقق الأصفهاني في تفسير فعليّة الاستفهام لا يواجه أي مشكلة تستدعي التبرير. تعبيره هو: «والصحيح: أن هذه المشكلة محولة بناءً على مبنى الأصفهاني قدّس سرّه» [45]

الشهيد الصدر في تفسير كيفية فعليّة الاستفهام بحسب رأي المحقق الأصفهاني، في كلا تأليفيه، يؤكد على أن مدلول الجملة الشرطية الرئيسي – أو كما يسميه مدلول الرئيس – الذي يقابل مدلولًا تصديقيًا هو مفاد جملة الجزاء. مع العلم أنه يعتبر هذا المدلول التصديقي نفس إنشاء الاستفهام، وكما سيأتي، فهو يرى أن هذا الإنشاء يحتاج إلى جواب وليس منشأه. يقول في تعليق بحوث:

هذا الاعتراض غير وارد إذ على مبنى المحقق الأصفهاني يكون المدلول الرئيس الذي بإزاءه مدلول تصديقي في الجملة الشرطية هو الجزاء لا الشرطية ولا الشرط، وعليه يكون كل من إنشاء الاستفهام أو الإيجاب فعليًا ولكن المنشأ قد حُدّد وحُصِّص في جملة الجزاء أي حُصِّص وعاؤه بفرض وتقدير تحقق الشرط الذي هو مفاد جملة الشرط. [46]

ويقول في كتاب أضواء وآراء أيضًا:

إذا قلنا بأن المدلول التصديقي يكون بإزاء جملة الإنشائية والمتكلم ينشئ بالفعل الطلب أو الاستفهام أو الترجي أو غير ذلك، غاية الأمر ينشئ طلبًا مشروطًا أو استفهامًا مشروطًا لا مطلقًا مع فعليّة الإنشاء الذي هو المدلول التصديقي؛ إذ يكون المدلول التصديقي لكل من الجملة الطلبية والاستفهامية كاملاً ومنتهياً فيكون بحاجة إلى الجواب في الاستفهام لا محالة. [47]

في فهمه لرأي المحقق الأصفهاني، يكون مفاد الجملة الشرطية عبارة عن جزاء مقيد بفرض وتقدير تحقق الشرط، وليس جزاءً معلقًا على تحقق الشرط الخارجي. ويقول في تفسير مدلول التصوري للجملة الشرطية بناءً على مبنى المحقق الأصفهاني:

لا يكون هناك تعليق في المدلول التصديقي الذي هو الاستفهام الحقيقي وليس ذلك مخالفًا مع المدلول التصوري للشرطية بناءً على تفسير المحقق الأصفهاني، إذ ليست الشرطية دالة على التعليق أو التوقف، وإنما تدل على تقييد النسبة الإخبارية أو الإنشائية في جملة الجزاء بفرض وتقدير تحقق الشرط. [48]

كما جاء في إشكال الشهيد الصدر على هذا الاستدلال، فقد طرح الشهيد الصدر مثل هذا القول كبيان في إتمام الاستدلال ورد عليه. حيث قيل في الدفاع عن رأي المحقق الأصفهاني إن الجزاء معلق على فرض الشرط وهذا الفرض يحققه المتكلم عند إبداء الجملة الشرطية. لكن الشهيد الصدر رد بأن إذا اعتبرنا نفس فرض الشرط «بما هو فرض» قيدًا للجزاء، فإن ذلك يستلزم أنه في جمل الشرط التي تدل على الوجوب، مثل «إن جاء زيد فأكرمه»، قبل تحقق مجيء زيد وبمجرد أن يفترض المولى مجيء زيد، يصبح وجوب الإكرام فعليًا.

الشهيد الصدر ناقش في هذا القول أستاذه من خلال التمييز بين خطاب الوجوب «إن جاء زيد فأكرمه» والجملة الاستفهامية «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» وقال إن في باب الوجوب، ما يقع على عاتق المكلف ليس نفس الإنشاء أو الحكم الإنشائي، بل الحكم الفعلي أو المنشأ. وبما أن الحكم الفعلي معلق على تحقق الشرط، فلا يلزم الامتثال في خطاب «إن جاء زيد فأكرمه» إلا عند تحقق مجيء زيد خارجيًا.

أما في باب الاستفهام، فالمطلوب جواب نفس إنشاء الاستفهام، وليس منشأه. ومن الواضح أن في جملة «إن زيد فهل أكرمه؟» نفس إنشاء الاستفهام فعلي، ولهذا السبب يكون المستمع حتى قبل تحقق مجيء زيد منتظرًا للجواب.

وحيث إن الذي يدخل في العهدة في باب التكليف هو الحكم الفعلي لا الإنشائي أي المنشأ لا الإنشاء، فلا يجب الامتثال إلا حين تحقق الشرط، وحيث إن الذي يحتاج إلى جواب في الاستفهام هو نفس إنشاء الاستفهام الفعلي، كان لا بد من الإجابة. [49]

لذلك فهو لا يرى مشكلة في أن يكون الاستفهام من مكونات جملة الجزاء وفي الوقت نفسه فعلاً؛ لأنّه أساساً ينكر تعليق الجزاء على الشرط وفقاً لما يستخلصه من وجهة نظر المحقق الأصفهاني. ومن ثم يتضح أن تفسير وجهة نظر المحقق الأصفهاني لا يواجه مشكلة في فعليّة الاستفهام في الجملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟»، وبالتالي لا حاجة لتبرير شهيد صدر.

وبهذا الشكل، يدعي مقرر شهيد صدر في مقام الاعتراض على أستاذه أن فعليّة الاستفهام في جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» دليل على صحة وجهة نظر أهل الأدب والمحقق الأصفهاني.

وهذا الاعتراض الذي قدمه مقرر شهيد صدر، كما الاعتراض السابق الذي وجهه إلى حل شهيد صدر لتبرير فعليّة الاستفهام، لا يصح عليه. خاصة أن عبارات هذا النقاش في كتاب أضواء وآراء مشوشة جداً، وتعاني من عدة مشاكل:

الاعتراض الأول

الادعاء بأن ما يحتاج إلى جواب في الاستفهام هو نفس إنشائه الفعلي للاستفهام، كلام خاطئ. بل يجب القول: ما يطلب جواباً هو الاستفهام بحمل شائع، مثل الطلب بحمل شائع، وليس إنشاء الطلب. لذلك إذا كان إنشاء الاستفهام بداعي هزل، فلا يحتاج إلى جواب.

لذا، متى ما تحول إنشاء الاستفهام إلى استفهام فعلي، يحتاج إلى جواب من المخاطب، والاستفهام بحمل شائع بعد تحقق الشرط، من جهة أخرى، فعليّة الاستفهام بعد تحقق الشرط تخالف البديهة. إذن كما قال شهيد صدر، المشكلة أن ظاهر جملة «إن جاء زيد فهل أكرمه؟» استفهام بالفعل وبحمل شائع وليس مجرد إنشاء استفهام. ومن جهة أخرى، مقتضى تعليق «الاستفهام بحمل شائع» على الشرط هو عدم فعليّة الاستفهام حتى يتحقق الشرط.

الاعتراض الثاني

في هذا النقاش بأكمله، استخدم تعبير «مدلول تصديقي» بمعانٍ مختلفة وغالباً مخالفة لمصطلحات الأصوليين والمنطقيين، مما أدى إلى خلطات متعددة في كلامه؛ مثلاً في بداية الكلام يعتبر الإنشاء مدلولاً تصديقياً، [50] ثم يقول في ما بعد إن في المدلول التصديقي لا تعليق، والمدلول التصديقي هو الاستفهام الحقيقي. [51]

المدلول التصديقي ليس الإنشاء ولا الاستفهام الحقيقي. والاستفهام الحقيقي أيضاً ليس بالضبط الإنشاء، كما أن المدلول التصديقي في الطلب ليس هو الإنشاء ذاته، والإنشاء الطلبي ليس هو الطلب الحقيقي ذاته.

الاعتراض الثالث

نسباته إلى المحقق الأصفهاني غير صحيحة. فهو يقول إن الجملة الشرطية عند المحقق الأصفهاني لا تدل على التعليق والتوقف، بل تدل فقط على التقيد بالنسبة الإخبارية أو الإنشائية في الجزاء على فرض وتحقيق الشرط. هذه النسب كلها روايات. المحقق الأصفهاني لا ينكر التوقف، التعليق، الإناطة وما شابه ذلك.

فقط يقول إن هذه الأمور ليست محكومة بالاسم. وربما يمكن القول إنه يعتقد أن مضمون الجملة الشرطية حكم تبعي لهذه الأمور بصورة حرفية. على كل حال، هو لا ينكر أصل التوقف، التعليق والإناطة. انظر إلى عبارته:

«… فما في كلمات جملة من علماء الميزان من أن مفاد هذه القضية أن طلوع الشمس مستلزم لوجود النهار، صحيح من موجه دون آخر، فإنها تدل على الاستلزام الحرفي لا على حمل الاستلزام ليكون مورداً للحكم ومصححاً للسكون.» [52]

وأوضح من ذلك قول المحقق الأصفهاني:

«… إلا أن التعليق والإناطة والملازمة وأشباهها في القضايا الشرطية ملحوظة على الوجه الحرفي، فلا تكون طرفاً للحكم فالحق ما ذهب إليه علماء العربية.» [53]

كما هو واضح، فهو لا ينكر أصل دلالة الجملة الشرطية على التعليق والإناطة وأشباهها، بل يقول إنها تؤخذ بصورة حرفية وتبعية.

وفي عبارة أخرى يتحدث بوضوح أكبر:

«… وليس مفاد القضية الشرطية إلا إثبات هذه الملازمة كشفاً وحكاية، إما استقلالاً كما عند علماء الميزان، أو تبعاً للحكم بثبوت المحمول الموضوع التالي على فرض المقدم كما عند غيرهم.» [54]

لذا، النسبة التي يوجهها مقرر شهيد صدر إلى المحقق الأصفهاني غير صحيحة.

الاعتراض الرابع

أساساً، تقيد الجزاء بالفرض والتقدير لا معنى له. لأن ما يُقيد في الجزاء هو الإنشاء أو الفعل الكلامي أو نتيجتهما، وتقيد هذه الأمور بالفرض والتقدير لا معنى له؛ لأن معناه هو تزامن الفعل الكلامي وتحقيقه بالفرض والتقدير. فما معنى هذا الكلام؟

الاعتراض الخامس

على فرض التنازل عن كل الاعتراضات السابقة، بعد تقيد نسبة الإخبارية أو الإنشائية في جملة الجزاء بالفرض والتقدير تحقق الشرط، كيف استُنتج أن الاستفهام فعلي والمسؤول عنه هو تحقق الجزاء على فرض تحقق الشرط؟ هذا أقرب إلى المعجزة!

في جملة «إذا جاءك زيد فهل تكرمه»، الجزاء هو كل جملة «هل تكرمه» وليس فقط الإكرام، والمشكلة أصلاً نشأت من هنا. في هذه الحالة، هل يعقل أن يكون المسؤول عنه تحقق الجزاء على فرض الشرط؛ أي أن المسؤول عنه هو السؤال عن «الإكرام على فرض الشرط» وفي الوقت نفسه يكون الاستفهام فعلياً؟ هذه الأمور مشوشة وغريبة.

الحكم بين وجهة نظر المنطقيين وأهل الأدب

يبدو أن البديهة توافق وجهة نظر أهل الأدب؛ لكن يجب أن نرى هل هناك دليل أيضاً على اختيارهم أم لا. في المناقشات السابقة قُدمت أربعة أدلة لصالح وجهة نظر أهل المنطق ودليل واحد لصالح وجهة نظر أهل الأدب. كما تقدم، اعتراض شهيد صدر على الدليل المقدم لصالح وجهة نظر أهل الأدب وارد، وعيب مقررهم على هذا الاعتراض غير مكتمل. كما تبين أن أياً من الأدلة المقدمة لصالح وجهة نظر أهل المنطق لم تكن قادرة على إثبات هذه الوجهة ونفي وجهة نظر علماء الأدب.

السبب الوحيد الذي كان يمكن أن ينفي وجهة نظرهم ويثبت وجهة نظر أهل الأدب بناءً على تفسير واحد فقط من وجهة نظر المنطقيين، هو حجة المحقق الأصفهاني التي تقول إنه لا وجود لدليل على الاستلزام الاستقلالي في الجملة الشرطية. لكن هذه الحجة مبنية على تفسيرين خاطئين من وجهة نظر المنطقيين؛ لأن الإشكال القائل بأن مفهوم الاستلزام اسمي بدون دالّ، يواجه وجهة نظر أهل المنطق بمشكلة فقط إذا ادعوا أن الجملة الشرطية تدل على الاستلزام الاستقلالي بمعناه الاسمي.

أما في المناقشات السابقة فقد تبيّن بالتفصيل أن هذا الاحتمال بعيد جداً، بل إن عباراتهم تؤيد هذه الحقيقة بأن مرادهم هو الاستلزام بمعناه الحرفي، والدليل على هذا الاستلزام الحرفي هو هيئة الجملة الشرطية نفسها.

والنتيجة أن كلا النظريتين ممكنتان إثباتاً؛ مع أن الظاهر أن الجملة الشرطية تتوافق أكثر مع كلام أهل الأدب.

المصادر والمراجع

1. ابن سینا، حسین‌(1404‌)، الشفاء‌، قم‌، مکتبة‌ آیت اللّه مرعشی‌ نجفی‌.

2. ابن سینا، حسین(1364)، النجاة من الغرق فی بحر الضلالات، تهران، انشاراتدانشگاه تهران

3. الاصفهانی، محمد حسین‌(1416‌)، بحوث‌ فی الاصول، قم مؤسسة النشر الاسلامی.

4. الاصفهانی‌، محمد‌ حسین‌(1998‌)، نهایة‌ الدرایة‌، بیروت، آل البیت.

5. التفتازانی، سعد الدین(1992)، مختصر المعانی، مجموعه شروح التلخیص، بیروت، دار الهادی.

6. الفتازانی، سعد الدین؛ الجرجانی، میر سید شریف(1387 ق)، المطلول با حاشیهجرجانی، دار‌ الکوخ.

7. الحکیم، سید محسن(1408)حقائق الاصول، قم، بصیرتی.

8. الحکیم، السید عبد الصاحب(1416)، المنتقی الاصول، قم، نشر الهادی.

9. الدسوقی، مصطفی محمئ(1992)، حاشیة الدسوقی علی مختصر المعانی، مجموعة شروح‌ التلخیص‌، بیروت، دار الهادی.

10. الرازی، قطب الدین(1384)، تحریر القواعد المنطقیة با حاشیه شریف جرجانی، قم، بیدار.

11. السبکی، بهاء الدین(1992)، عروس الافراح، مجموعه شروح التلخیص، بیروت، دار‌ الهادی‌.

12. ساوی، عمرو بن سهلان(1316 ق)، البصائر النصیریة فی المنطق، مصر، المطبعة الکبریالامیریة.

13. الشاهرودی، السید محمود(1417)، بحوث فی علم الأصول، مؤسسة‌ دائرةالمعارف‌ الفقه الاسلامی.

14. الشاهرودی، السید‌ محمود‌(1431)، اضواء و آراء، مؤسسة دائرة معارف الفقهالاسلامی.

15. الطوسی، خواجه نصیر الدین(1375)، شرح الاشارات و التنبیهات مع المحاکمات، قم، نشر البلاغة.

16. البروجردی، محمد‌ تقی‌(1405)، نهایة الأفکار، قم‌، مؤسسة‌ النشر الاسلامی.

17. الکلانتری الطهرانی، المیرزا ابو القاسم(1425)، مطارح الانظار(تقریرات الشیخالانصاری)، قم، مجمع الفکر الاسلامی.

18. مغربی، ابن یعقوب(1992)، مواهب الفتاح، مجموعه شروح التلخیص، بیروت، دار الهادی‌.

[1] المقالة الحالية هي صورة موسعة لدروس خارج أصولي التي ألقيتها في يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من ربيع الثاني 1428 (الموافق للثاني والعشرين والثالث والعشرين من شهر ارديبهشت 1386) أمام جمع من فضلاء حوزة قم العلمية. لقد كان حجة الإسلام علي رضا محمدي من بين الفضلاء الحاضرين في جلسة النقاش، حيث كان له دور فعال جدًا بفضل جهوده الدؤوبة في تحسين وإكمال المقالة – وكذلك الدروس الأخرى. ومع شكري له، أسأل الله تعالى له المزيد من التوفيق.

[2] كما سيأتي، فإن آية الله حكيم قد تناول هذا النقاش أيضًا من خلال طرح احتمالات إثبات متعددة في تحليل مضامين الجمل الشرطية. وبالنظر إلى الرد الذي قدمه على الإشكال الموجه إلى رأي أهل الأدب، فليس من المستبعد أن يُنسب إليه قبول هذا الرأي أيضًا.

[3] حكيم، منتقي الأصول، ج 2، ص 137.

[4] تفتازاني، المطول، ص 304-305.

[5] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ص 14؛ الشفاء، ج 2، ص 232؛ تحرير القواعد المنطقية مع حاشية الشريف الجرجاني، ص 222 و226؛ شرح الإشارات والتنبيهات، ج 1، ص 139.

[6] في «مواهب الفتاح» المغربي و«عروس الأفراح» بهاء الدين السبكي و«حاشية دسوقي على مختصر المعاني» ورد هذا الرأي أيضًا. راجع: مجموعة شروح التلخيص، ج 2، ص 35-37.

[7] تفتازاني، المطول، ص 304-305.

[8] تفتازاني، المطول، ص 304.

[9] تفتازاني، المطول، ص 304-303.

[10] جرجاني، حاشية على المطول، ص 306-205.

[11] كلانتر، مطارح الأنظار، ج 1، ص 239.

[12] راجع: «مواهب الفتاح» المغربي؛ السبكي، بهاء الدين، «عروس الأفراح» و«حاشية دسوقي على مختصر المعاني» (مجموعة التلخیص، ج 2، ص 35-37)؛ التفتازاني، المطول في شرح تلخيص المفتاح ص 303؛ والمختصر في شرح تلخيص المفتاح ص 88.

[13] كلانتر، مطارح الأنظار، ج 1، ص 266.

[14] كلانتر، مطارح الأنظار، ج 1، ص 247.

[15] الاستدلال الثاني للشهيد الصدر لصالح المنطقيين مذكور في الهامش بكتاب بحوث في علم الأصول. لكن مقررَه في كتاب أضواء وآراء ينسب هذا الاستدلال إلى الشهيد الصدر. راجع: هاشمي الشاهرودي، أضواء وآراء، ج 1، ص 471.

[16] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 53.

[17] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 52.

[18] المرجع نفسه، ص 53.

[19] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 55.

[20] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ص 14.

[21] ابن سينا، النجاة من الغرق في بحر الضلالات، ص 21-20.

[22] ساوي، ابن سهلان، البصائر النصيرية في المنطق، ص 273.

[23] التفتازاني، المطول، ص 305.

[24] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 52.

[25] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 55.

[26] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 53.

[27] جرجاني، حاشية على المطول، ص 305-306.

[28] حكيم، حقائق الأصول، ج 1، ص 232-233.

[29] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 152-153.

[30] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 154.

[31] ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ص 14.

[32] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 52.

[33] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 54.

[34] هاشمي الشاهرودي، أضواء وآراء، ج 1، ص 468.

[35] هاشمي الشاهرودي، أضواء وآراء، ج 1، ص 468-469.

[36] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 413.

[37] هاشمي الشاهرودي، أضواء وآراء، ج 1، ص 468.

[38] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 52.

[39] المرجع نفسه، ص 413.

[40] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 149.

[41] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 150.

[42] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 150-151.

[43] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 152.

[44] المرجع نفسه، أضواء وآراء، ج 1، ص 465.

[45] هاشمي الشاهرودي، أضواء وآراء، ج 1، ص 466.

[46] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 151.

[47] المرجع نفسه، أضواء وآراء، ج 1، ص 466-467.

[48] المرجع نفسه، أضواء وآراء، ج 1، ص 467.

[49] هاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج 3، ص 151.

[50] غاية الأمر ينشئ طلبًا مشروطًا واستفهامًا مشروطًا لا مطلقًا مع فاعلية الإنشاء الذي هو الدلالة التصديقية(هاشمی شاهرودی، اضواء و آراء، ج 1، ص 467).

[51] لا يكون هناك تعليق في الدلالة التصديقية التي هي الاستفهام الحقيقي(المرجع نفسه، ص 467).

[52] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 54.

[53] المرجع نفسه، ص 53.

[54] الأصفهاني، نهاية الدراية، ج 2، ص 55.