ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: دفاع از نظریه حق الطاعه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: في هذه المقالة، من أجل الدفاع عن نظرية حق الطاعة الشهيد صدر في علم أصول الفقه، يتم دراسة وتوضيح هذا الرأي الجديد في مواجهة المذهب المشهور «البراءة العقلية» وقاعدة «قبح العقاب بلا بيان». تعتمد نظرية حق الطاعة على المدركات الأولية للعقل العملي، فتوسع دائرة حق المولية للشارع لتشمل ما هو أبعد من الواجبات التي لها وصول قطعي، فتشمل الواجبات الاحتمالية والمشكوك فيها أيضاً، مما يؤدي إلى وجوب الاحتياط العقلي. هذا البحث، مع استعراض الجذور التاريخية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان وإثبات عدم بداهتها، يبيّن تطبيق نظرية حق الطاعة في مسائل مثل حجية الظن، قبح التجري، والإباحة في حدود العلم الإجمالي. في الختام، يرد المؤلف على اعتراضات كبار الأصوليين — بما في ذلك نقد المحقق الأصفهاني حول ارتباط الحكم الحقيقي بوصول التكليف — ويثبت إمكانية تقديم دفاع عقلي متماسك ومنهجي عن مذهب حق الطاعة في مواجهة الرأي الأصولي المشهور.
المؤلف: رضا اسلامی
المصدر: پژوهشهای اصولی، صيف وخريف 1382، العدد 4 و5، ص 73 إلى 95.
تُعد نظرية حق الطاعة من النظريات الأصولية التي طرحها الشهيد، آية الله، السيد محمد باقر صدر بطريقة جديدة وغير مسبوقة وبأسلوب خاص، ثم استفاد منها في عدة مباحث أصولية مثل إمكانية حجية الظن، إمكانية الإباحة في حدود العلم الإجمالي، وقبح التجري.
لا ينبغي الاعتقاد أن هذا المفكر الكبير هو الفقيه الشيعي الوحيد الذي ينكر، خلافاً لغيره من الفقهاء، مبدأ البراءة العقلية؛ إذ كان قبله وبعده فقهاء كبار قد ناهضوا المذهب المشهور. وبحسب بحث المؤلف، يمكن تعداد حوالي عشرة من فقهاء الشيعة الذين، بإيجاز أو تفصيل أو بصياغة خاصة، انتقدوا الرأي المشهور.
أما فيما إذا كانت البراءة العقلية وقاعدة قبح العقاب بلا بيان معروفة قبل المرحوم وحيد بهبهاني أم لا، فهذا موضوع يحتاج إلى نقاش مستفيض. أصر الشهيد صدر في دراسة تاريخ البراءة العقلية على أن شهرة هذه القاعدة قد تبلورت فقط بين المتأخرين؛ إذ لا يوجد نص بين الفقهاء المتقدمين حتى قبل وحيد بهبهاني يدل على قبول هذه القاعدة. ولإثارة الشك في صحة الرأي المشهور بين المتأخرين، بدأ الشهيد صدر بدراسة تاريخ البراءة العقلية ونفى وجود أي أصل تاريخي للرأي المشهور، ثم برفضه للحجج المشهورة وبعدم قربها، أوضح جيداً أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليست من بدهيات العقل السليم كما يعتقد المشهورون. ثم حاول بنفسه، مدعياً أن حكم العقل بالاحتياط وجداني وليس برهاني، تحديد حدودها وشروطها، وبتوضيح أجواء النقاش، مهد الطريق للاعتراف بمذهب حق الطاعة. حقاً يجب الاعتراف بأن معارضة المذهب المشهور وانتقاد جموع الفقهاء المتأخرين في فهم حكم بدهي وجداني، عمل صعب وعجيب، ولا يمكن أن يقوم به إلا مفكر دقيق وعميق مثله.
يعتقد المؤلف أن الشهيد صدر هو المفكر الأصولي الوحيد الذي أغلق جميع أبواب الاعتراض على مذهب حق الطاعة بطريقة خاصة به.
في السنوات الأخيرة، تظهر بين الحين والآخر شبهات حول مذهب حق الطاعة، ثم تليها ردود. وقد انتهت سلسلة هذه النقاشات إلى مقال بعنوان «مذهب حق الطاعة بين الرفض والقبول» بقلم الأستاذ الجليل، آية الله الشيخ جعفر سبحاني في مجلة البحوث الأصولية. يمكن تقسيم محتوى المقال المذكور إلى ثلاثة أقسام مستقلة. القسم الأول يتعلق بتحديد موضع النزاع وطريقة الاستدلال على مبدأ البراءة العقلية. القسم الثاني يتناول نقد بعض الأدلة المشهورة. والقسم الثالث يشتمل على طرح اعتراضات على مذهب حق الطاعة. هذه الاعتراضات متفرقة في المقال، ونحن هنا نعرض محتوى الأقسام الثلاثة بتعبير أوضح وبعيد عن التساهل مع بعض الشرح، ثم نناقش كل قسم على حدة، بعونه وتوفيقه.
القسم الأول: تحديد موضع النزاع وطريقة الاستدلال على مبدأ البراءة العقلية
في هذا القسم، ذكر مؤلف المقال أن التمسك بالبراءة العقلية مشروط بثلاث شروط: أولاً، ألا يصدر بيان من المولى في محل النزاع، أي في حالات الشك في التكليف، سواء كان البيان أولياً وبما هو عليه، أو بياناً ثانوياً وبما هو مشكوك في الحكم؛ لأن وجود البيان بأي من المعنيين يزيل موضوع البراءة العقلية. ثانياً، ألا يكون وجود غرض مولوي مهم في محل النزاع محتملاً، مثل أن نرى غريقاً ونحتمل أنه ابن المولى. في هذه الحالة، العقل يميل إلى احتمال وجود تكليف فعلي وملزم. ثالثاً، أن يكون المولى قادراً على إصدار البيان بأحد المعنيين المذكورين، لكنه مع ذلك يمتنع عن البيان ولا يلزم العبد بالإيجاب أو الامتناع. في هذه الحالة، يكون العقل مستقلاً في الحكم بعدم مسؤولية العبد ويقول: «لو كان للمولى غرض لازم للإستيفاء، لكان قد بيّنه حتماً ولم يصمت».
إذا انتفى أحد الشروط الثلاثة المذكورة، أي صدر بيان من المولى، أو كان وجود غرض مولوي محتملاً، وهو الغرض الذي يريده المولى، أو لم يكن المولى متمكناً من البيان بحيث يعجز عن صياغة مقاصده ويمنع من الكلام، ففي هذه الحالات لا تتحقق البراءة العقلية. لكن المفروض هنا أن الشروط الثلاثة متوفرة. إذن، لا تكون الحجة على وجوب الاحتياط العقلي تامة، وإذا لم نقل إن الحجة على البراءة العقلية تامة.
علاوة على ذلك، يمكن الاستدلال على حكم العقل بالبراءة من خلال العرف العقلي والأدلة النقلية.
المؤيد الأول: النظام السائد بين العقلاء هو أنه في حالة عدم البيان، يسري الأصل في البراءة. وهذا الأمر لا يمكن أن يكون إلا فطرة وعقل سليم لا منشأ له غير ذلك؛ لأننا نرى أن العقلاء في كل الأماكن والأزمنة يحكمون هكذا. السعة والعموم في كل حكم عقلي علامة على فطرية ذلك الحكم؛ أي أن المصالح والأغراض العقلائية الخاصة ليست متدخلة في هذا الحكم.
المؤيد الثاني: الله سبحانه وتعالى في عدة آيات من القرآن يصرح بأن الهدف من إرسال الرسل هو قطع عذر العباد وإبطال حجتهم، وهذا يعني أنه لو لم يأتِ الأنبياء، كان للناس حجة أمام الله لتنفيذ الأصل في البراءة بالنسبة للتكليف المشكوك فيه. ومن تلك الآيات:
«رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا»[1]
هذه الآية تبين أن الله سبحانه وتعالى يحتج على الناس فقط بسبب البيان والأصل، وإذا لم يكن هناك بيان وأصل، يمكن للناس أن يحتجوا على الله لماذا لم ترسل رسولاً ولماذا تركت مقاصدك وأغراضك مهملة؟
آية أخرى تدل على أن الله تعالى يحتج على الناس بسبب البيان والأصل فقط، وهي:
«وَلَوْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى»[2]
هنا أيضاً يوضح القرآن صراحة أن احتجاج الله على الناس بسبب البيان والأصل في التكليف، واحتجاج الناس على الله بسبب عدم وجود البيان والأصل، وأن الله تعالى أرسل الرسل ليُسدَّ طريق احتجاج الناس عليه.
المؤيد الثالث: نوع آخر من آيات القرآن في بيان شأن ومكانة مولوي الله ينفي العقاب قبل البيان، منها:
«وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»[3]
«وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا»[4]
مفاد هذه الآيات التي ورد فيها حرف النفي “ما” مع الفعل الناقص “كان” هو نفي الشأن، أي أن العقاب قبل البيان، مراعاةً لصفة الحكمة والعدل في الشارع، قبيح ووقوعه ممتنع.
وبالنظر إلى هذه المؤيدات الثلاثة يتضح أن المعيار عند العقل لاحتجاج الله على العباد هو البيان والأصل، لا البيان المشكوك فيه.
مناقشة الجزء الأول
ظاهر الكلام المستدل يشير إلى أن اشتراط الأمور الثلاثة هو لتحرير وتحديد محل النزاع بين المشهور والقائلين بمذهب حق الطاعة.
التعبيرات المستدل بها في بيان الشرط الأول والشرط الثالث توحي بأن صدور البيان وعدم صدوره هو محل النزاع، بينما وصول البيان وعدم وصوله هو محل النزاع الحقيقي. ولحسن الحظ في نهاية هذا القسم من المقالة يُرى التعبير الصحيح.
أما في بيان الشرط الأول فقد ذُكر أنه في تنفيذ الأصل في البراءة عقلياً يجب ألا يدخل بيان على التكليف كأولي أو ثانوي، ويبدو أن المقصود هو ألا يكون هناك دليل محرز ظني أو قطعي على وجود التكليف، وأيضاً ألا يكون هناك أصل عملي منجز للتكليف. لأنهم يقولون: «الدليل المحرز يثبت التكليف للموضوع بوصف شك الحكم الحقيقي عليه». وهذا الكلام بالطبع مطابق للمصطلح المشهور الذي يجعل الدليل المحرز دالاً على الحكم الحقيقي، والأصل العملي دالاً على الحكم الظاهري. ولكن الشهيد صدر بالإضافة إلى اهتمامه بوضع وصول وعدم وصول البيان كمحل نزاع، تحدث بدقة عن مطلق أو مشروط الحكم العقلي. فهو يقول إن العقل يحكم بالاحتياط في كل تكليف مشكوك حتى يُقطع بعدم وجود ذلك التكليف أو حتى يظهر حكم ظاهري بعدم لزوم الاحتياط في مواجهة ذلك التكليف. بناءً عليه، إذا وُجدت أمارة أو أصل ترخيصي، فمع أن التكليف المشكوك لا يخرج من دائرة الشك، إلا أن دليل حجية تلك الأمارة أو الأصل يدل على رضا الشارع في ترك الاحتياط تجاه التكليف المشكوك. ويمكن قول شيء مشابه لصالح المشهور أيضاً، أي أن نقر بأن العقل يحكم بالبراءة في كل تكليف مشكوك حتى يُقطع بوجود ذلك التكليف أو بوجود حكم ظاهري يلزم الاحتياط تجاهه. فإذا وُجدت أمارة أو أصل إيجابي للتكليف، مع أن التكليف المشكوك لا يخرج من دائرة الشك، إلا أن دليل حجية الأمارة أو الأصل يدل على اهتمام الشارع بالتكليف المشكوك بوصفه مشكوك الحكم الحقيقي.
في هذا البيان الذي قدمه الشهيد صدر، نلاحظ أن الأمارة والأصل العملي كلاهما في مرتبة واحدة ويدلان على الحكم الظاهري، أي الحكم الذي يثبت للشيء بوصف شك حكمه الحقيقي. وفي محل النقاش يجب استخدام هذا المصطلح، لأن المشهور أثبت الحُجية للقطع بما هو قطع – أي بما هو كاشف تام – وليس للجمع بين الانكشاف التام والناقص. ونتيجة كلامهم أن حيثما لا يكون هناك قطع بوجود التكليف، لا يكون هناك عقاب أيضاً؛ أي أن الحُجية الذاتية للقطع وقاعدة قبح العقاب بلا بيان وجهان لذات الحقيقة. ثم يجب أن نرى كيف يجعل دليل حجية الأمارة العقاب صحيحاً في فرض مخالفة الأمارة الإيجابية للتكليف.
من هنا نشأت عدة مذاهب في تفسير جعل الحُجية للأمارات الظنية (مذهب الطريقي، مذهب جعل حكم مماثل، ومذهب التنزيل). والغاية من طرح النقاش بهذا الشكل الدقيق والمنطقي أن نتحدث وفق المصطلح الثاني.
أما بالنسبة للشرط الثاني، فيجب الإضافة أن الشرط الثاني بالتقريب الذي يُرى في كلام المستدل لا يصح؛ لأن أولاً ليس واضحًا كيف يُكتشف أهمية غرض المولى؟ وثانيًا ما هو الحد الفاصل بين الأغراض المهمة وغير المهمة؟ يمكن القول إن جميع التكليفات الشرعية مهمة، والغرض المهم للمولى ثابت وراء جميعها، بحيث في كل مكان يُفترض الشك في التكليف مساويًا لافتراض الشك في الغرض المهم للمولى. إذًا، بحكم العقل يجب الاحتياط في كل تكليف مشكوك فيه. وإذا كان المقصود بالمستدل أن أغراض المولى وراء التكليفات الشرعية مختلفة، بعضها مهم وبعضها غير مهم، عندها نسأل: كيف يُعرف هذا الاختلاف؟ هل العقل يحكم بشكل مستقل على أهمية غرض ما وعدم أهمية غرض آخر؟ أم أن الشارع يُظهر اهتمامه الخاص ببعض التكليفات بطريقة لا ترضى حتى في فرض الشك بترك تلك التكليفات؟ في الحالة الأولى يجب القول إن العقل لا يفرق بين تكليفات المولى وبين الأغراض التي وراء تلك التكليفات، ويعتبرها جميعًا مهمة من حيث انتسابها إلى المولى، مع أن العقل يعلم أن بعض المعايير قد تكون أقوى من أخرى؛ لكن العقل لا يملك ميزانًا داخليًا لوزن المعايير وتحديد الأهم والأقل أهمية، ولا يمكنه الوصول إلى مقام الثبوت إلا من خلال دراسة خطاب الشارع ووجود دليل إثباتي. وفي هذه الحالة، التي هي الحالة الثانية من النقاش، يجب القول إن وجود بيان شرعي وإظهار اهتمام خاص من المولى ببعض أغراضه، بحيث لا يرضى بتركها حتى في فرض الشك، يعني جعل حكم ظاهري ووجوب الاحتياط الشرعي، وليس له علاقة بالأصل الأولي العقلي، سواء كان ذلك الأصل الأولي هو البراءة أو الاحتياط. بناءً عليه، الشرط الثاني ليس شرطًا مستقلاً ويرجع إلى الشرط الأول.
بعيدًا عن ذلك، يمكن استخدام تعبير المستدل في بيان الشرط الثاني والقول: إنهم أعادوا نظرية حق الطاعة. لأنهم قالوا:
ان التمسك بالبراءة العقلية يتحدد بأمور… الثاني: عدم احتمال وجود غرض مهم للمولي في المورد بخصوصه علي نحو لا يرضي بتركه حتي في صورة الظن و الشك.
وإذا دققنا في العبارة، نجد أن مجرد «عدم احتمال وجود غرض مهم» هو الشرط الثاني، وليس «العلم بعدم وجود غرض مهم» أو «إحراز عدم وجود غرض مهم». وهذا التعبير المذكور كافٍ لنقول: إن المستدل في المعنى موافق لقائلين بمسلك حق الطاعة ويؤمن به بشكل ارتكازي. لأن قائلين بمسلك حق الطاعة لا يقولون أكثر من أنه حيثما يوجد احتمال لغرض مهم للمولى، يجب الاحتياط. والاختلاف الوحيد في هذا المجال هو أن الشهيد الصدر يقول: «بالنسبة لجميع التكليفات المشكوك فيها هذا الاحتمال موجود»، والمستدل يقول: «هذا الاحتمال غير موجود». ونحن نرضى بموافقة المستدل على ذلك الكلي العام ونتجنب النزاع في المسائل الفرعية.
أما بالنسبة للشرط الثالث الذي قالوا فيه: «بفرض التمكن من إيراد بيان، إذا لم يُورد المولى بيانًا على التكليف، فإن العقل يحكم بالبراءة»، فهناك سؤال: هل تعتبرون محل النقاش فرض عدم صدور البيان أم فرض عدم وصول البيان؟ في الحالة الأولى، من الطبيعي أن يكون شرط التمكن من صدور البيان شرطًا، لأن النزاع يدور حول نقاش قديم هو أصل الخطر أو الإباحة، وحينها يجب على القائلين بأصالة الإباحة أن يقولوا إنه إذا كان المولى متمكنًا من صدور البيان، ولم يكن ممنوعًا من التشريع والتكليف لأسباب مثل استحالة العلم بالحكم في الموضوع نفسه، ومع ذلك لم يصدر تشريع أو تكليف، فيمكن للمكلف أن يبني على مجرد الشك في التكليف الإباحة وعدم الالتزام بالفعل أو الترك. لذلك، بالنسبة للشرط الثالث نقبل الأصل المشترك، لكن هناك إشكالًا أساسيًا، لأننا قلنا إن محل النقاش ليس فرض عدم صدور البيان.
وفي الحالة الثانية، إذا اعتبرتم محل النقاش فرض عدم وصول البيان، فلا مكان لهذا الشرط؛ لأنه عندما ندخل في نقاش وصول أو عدم وصول البيان، نكون قد تجاوزنا أصل تمكن المولى وأصل صدور البيان، وبقي فقط الشك فيما إذا كان البيان الصادر ملزمًا أم مخليًا. وفي هذه الحالة يقول الشهيد الصدر: «يجب الاحتياط». خلاصة القول، بالنسبة للشرط الثالث، إما أن يكون هناك إشكال أساسي، أو إشكال بنائي.
وأخيرًا، بعد بيان اشتراط الأمور الثلاثة، لم يبقَ سوى الادعاء بعدم تمامية الحجة على الاحتياط، وكمال الحجة على البراءة، وهذا لا يتجاوز حد تكرار الادعاء المشهور.
أما في الرد على المؤيدات الثلاثة، فيجب القول إن المؤيد الأول ليس إلا استقرار السيرة العقلائية في العصور والأمكنة على مجرى البراءة العقلية في دائرة المولويات العرفية، ويمكن اعتباره سعة وعمومية عرفية؛ لكن ادعاء تعميم هذه السيرة إلى الشرعيات أو ادعاء انعقاد السيرة في دائرة أوسع من المولويات العرفية ليس له دليل، بل هو منكر بحكم الضمير.
أما المؤيد الثاني، فهو بعض آيات القرآن الكريم التي تشترط إتمام الحجة وصحة العقوبة بإرسال رسول، وقد اعتبر المستدل «الرسول» كناية عن البيان، واعتبر الأصل والآية منطبقين على محل النقاش. ويمكن القول إن «الرسول» كناية عن البيان الصادر، وعلى الأقل يجب على من يعتبر ترك إرسال الرسول دليلاً على إهمال أغراض ومقاصد الشارع أن يعتبر «الرسول» كناية عن البيان الصادر؛ لأن من الواضح أن عدم وصول البيان لا يضر بأصل وجود الشريعة وإظهار أهداف ومقاصد الشارع، أي إن عدم وصول البيان ليس دليلاً على إهمال أغراض ومقاصد الشارع.
لذا، يمكن أن يكون مضمون هذه الآيات مؤيدًا لرأي القائلين بأصالة الإباحة في النزاع القديم «أصالة الخطر والإباحة» الذي يفترض وجود الشرع، وهو ما هو خارج عن محل بحثنا. وإذا أصررت على أن “الرسول” كناية عن البيان والأصل، فيمكن حينئذ اعتبار الآية الكريمة ناظرة إلى البراءة الشرعية؛ لأن الناس في حال عدم وصول الدليل على التكليف يمكنهم التمسك بالأصل في البراءة الشرعية الذي اكتشفوه بطريقة ما، وبواسطته يحتجون على المولى.
الاحتمال الثالث في مضمون الآية الكريمة هو أنه بما أن الناس يرون اللطف واجبًا على الله تعالى، فإنهم في القيامة يحتجون ويقولون لماذا لم تؤكد حكم العقل على الاحتياط بإرسال الرسل، أي بإيصال البيان على التكليف؟ لذلك، رغم أن العقل في مواجهة التكليف المشكوك فيه يأمر بالاحتياط ويعتبر مخالفة هذا الحكم سببًا لاستحقاق العقاب، إلا أن العقل في الوقت نفسه ينفي فعليّة العقاب؛ لأن العقل يعلم أن فعليّة العقاب لا تكون إلا بوجود بيان شرعي صحيح.
عدم فعليّة العقاب يمكن أن يكون ناشئًا عن عدم الاستحقاق، ويمكن أن يكون ناشئًا عن العفو الإلهي، ولكن فعليّة العقاب حتمًا تكون بعد وصول الدليل الشرعي على التكليف عند المكلف، أي بعد إرسال الرسول.
هذا الاحتمال لا يختلف عن الاحتمال الثاني إلا في أن الاحتمال الثاني لا ينظر إطلاقًا إلى حكم العقل بالبراءة أو الاحتياط، أما في الاحتمال الثالث فنفترض صحة حكم العقل بالاحتياط، ومع ذلك يمكن للناس قبل إرسال الرسل، أي قبل وصول البيان، أن يحتجوا على الله بعدم وجوب الاحتياط وعدم وجوب مخالفة التكليف المشكوك فيه، وأن ينفوا فعليّة العقاب بحكم العقل، وليس استحقاقه.
الاحتمال الرابع هو أن نقول: قبل إرسال الرسل لا يكون لله حجّة على الناس، ولا يمكنه أن يعاقبهم على ترك الاحتياط أمام التكليف المشكوك فيه؛ لأن الناس هنا تصوروا بشكل جماعي، ومن بينهم الجاهل القاصر. فإذا أراد الله أن يتمم حجته على الجميع، حتى على من ظن خطأً اليقين بالبراءة، يجب أن يرسل رسولًا، أي أن يبلغ بيانًا بوجوب الاحتياط للمكلف.
أما المؤيد الثالث فهو بعض آيات القرآن الكريم التي تجعل العذاب الإلهي قبل وصول البيان بعيدًا عن شأن الله تعالى، ويقال من حيث الصفات الإلهية إن العذاب قبل وصول البيان، وإن كان ممكنًا ذاتيًا، فهو ممتنع وقوعًا. وهنا أيضًا استدل “مستدل” على أن “الرسول” كناية عن البيان والأصل.
في حال كان “الرسول” كناية عن صدور البيان وينظر إلى أصل التشريع، فإن مضمون الآيات المذكورة هو أنه قبل دخول الشرع، لا يكون للمكلف مسؤولية تجاه انتهاك بعض المقاصد الواقعية ومخالفة بعض التكليفات الواقعية التي لم تصل بعد إلى مرحلة الصدور. وهذا عدم المسؤولية من جهة العبد، وعدم العقاب من جهة المولى، ناشئ عن امتناع العقاب قبل صدور البيان، وبالطبع المراد عدم استحقاق العقاب، لا عدم الإمكان الذاتي والكوني؛ لأن الله يمكنه قبل صدور البيان أن يعاقب المكلف على ترك الاحتياط أمام التكليف المشكوك فيه، ولكن لأن العقل في هذه الحالات يعتبر العقاب قبيحًا، فإن وقوعه يُعد بعيدًا عن شأن الله. وإذا أصررت على أن “الرسول” كناية عن البيان والأصل، فإن الآيات المذكورة تدخل في عداد أدلة البراءة الشرعية.
ثم يجب القول إن الله تعالى بتعريف شأنه ومكانته التشريعية يقصد تأسيس أصل البراءة الشرعية بذاته لهذا التعبير، وليس نفي الشأنية الناشئة عن قبح عقلي للعقاب قبل البيان، بل الأمر عكس ذلك تمامًا، أي نفي الشأنية بناءً على إمكانية وصحة عقليّة للعقاب قبل البيان، والله تعالى بهذا التعبير يخبر عن حصول تخفيف مولوي وامتنان على العباد.
بعيدًا عن هذه الأمور، فإن مخاطب الآية الكريمة هم الكافرون المتذرعون الذين ذُكروا في الآية السابقة:
«و قالوا لو لا يأتينا بأية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولي»[5]
لذا يمكن القول: إن الهدف من إرسال الرسل لم يكن إتمام الحجة عليهم، بل كان إكمال الحجة عليهم؛ لكن الله أراد بالتأكيد والتكميل ببعث الرسل وجود الحجة.
على كل حال، يجب القول: إن التمسك بالآيات المذكورة لصحة أصل البراءة العقلية يواجه العديد من الإشكالات، وربما لهذا السبب أُدرجت في كلام المستدل كمؤيدات وليست كدلائل.
القسم الثاني: نقد بعض الأدلة القول المشهور
القول الأول:
قال المحقق النائيني في تبرير أصل البراءة العقلية إن التكليف الواقعي بوجوده الواقعي لا يحرك المكلف إلى الفعل، بل وجوده العلمي هو المحرك. لذلك، وجود البيان الواقعي لا يكفي لصحة المؤاخذة واستحقاق العقاب، ووجوده وعدم وجوده متساويان. فقط عند وصول التكليف يمكن اعتبار المؤاخذة والعقاب صحيحتين.
نقد الدليل المذكور: في نقد هذا القول قيل إن وجود التكليف الواقعي ووجوده العلمي لا يحرّك العبد نحو أداء التكليف، بل وصول التكليف هو الذي يصحح موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة. وما يحرك العبد نحو أداء التكليف هو الخوف من العقاب والطمع في الثواب. لذا يجب اعتبار وصول التكليف سببًا مجازيًا للتحريك باعتبار أن وصول التكليف هو الموضوع الوحيد لحكم العقل بوجوب الطاعة.
مراجعة النقد المذكور: نقول إن الحديث عن صحة المؤاخذة يقوم على مرحلتين متأخرتين من تمام موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة. إذ بعد ثبوت حق الطاعة بحكم العقل – سواء في دائرة التكليفات المعلومة التي يقول بها الجمهور، أو في دائرة مطلق التكليفات المنكشفة سواء الظنية أو الاحتمالية كما يقول الشهيد صدر – إما أن يُراعى هذا الحق أو يُهدر. وفي المرحلة الثالثة نقول: مراعاة الحق والإحسان يؤدي إلى استحقاق الثواب، وهدر الحق والظلم يؤدي إلى استحقاق العقاب، سواء كان ذلك من باب وعد المولى أو من باب آخر. لذلك، من يلاحظ الخوف من العقاب والطمع في الثواب كعامل يحفز العبد على أداء التكليف، يجب أن يكون قد قبل وجود حق الطاعة في المرحلة السابقة، لأن واضح أن هذا الخوف والطمع ليسا بلا سبب ولا مبرر. وإذا ثبت حق الطاعة، فإن العقل المستقل يوجب مراعاة الحق المولي وقبح مخالفة ذلك. وبالطبع فإن وعد ووعيد المولى لهما أثر مؤكد في تحفيز العبد، وهذا لا ننكره؛ لكن ليس صحيحًا أن يُظن أنه بدون وجود الوعد والوعيد لا وجود لأي تحفيز أو تحقق. لأن مجرد لوم العبد نفسه على ترك الاحتياط في مواجهة التكليف المشكوك فيه كافٍ في توفير قابلية التحفيز وكافٍ في تحقق التكليف العقلي عليه، سواء كان هناك ثواب وعقاب أم لا.
نعم، نقبل أن ترتب الثواب على فعل الاحتياط وترتب العقاب على ترك الاحتياط يزيدان من شدة تحقق التكليف العقلي. إذًا، لا اعتراض على ميرزا نايني من هذه الناحية التي استدل بها، بل في هذا النزاع المهم هو تحديد دائرة موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة، هل يثبت حق الطاعة في خصوص التكليفات المعلومة فقط، أم في دائرة أوسع؟ الاعتراض على ميرزا نايني هو أنه اعتبر الوصول القطعي فقط وصولًا، وهذا يعني أخذ المطلب في الدليل ومصادرة المطلوب. في حين يمكن اعتبار الوصول الاحتمالي للتكليف وصولًا أيضًا، ويقول الشهيد صدر: «نحن بحكم العقل العملي نقر بوجود حق الطاعة حتى في حالات الوصول الاحتمالي للتكليف».
الرأي الثاني:
قال المحقق الأصفهاني: الطاعة والعصيان يدوران حول الحكم الحقيقي، والحكم الحقيقي متقوم على وصول التكليف؛ لأن من غير المعقول أن مجرد الإنشاء الواقعي للحكم يخلق دافعًا لدى المكلف لأداء التكليف. فإذا لم يصل الحكم إلى المكلف، يمكننا القول إن ذلك الحكم لا وجود حقيقي له، وإذا لم يكن له وجود حقيقي، فلا يمكن أن يصدق مخالفة التكليف، ونتيجة لذلك لا يثبت العقاب. بناءً عليه، العقاب يكون فقط على مخالفة التكليف الحقيقي الذي يتقوم على الوصول.
نقد الدليل المذكور: في مقام النقد قيل: أولًا، لا ينبغي إخراج الحكم الإنشائي من كونه حكمًا، والدليل على ذلك تقسيم الحكم إلى إنشائي وفعلي، وهذا التقسيم مجازي وليس من قبيل تقسيم الشيء إلى نفسه وغير نفسه. ثانيًا، الحكم الحقيقي أعم من الحكم الواصل. والاختلاف يكون من جانب العموم حين يكون الحكم حقيقيًا لكنه بسبب عدم الوصول لا يكون منجزًا. إذا كان وجوب الطاعة يدور حول وجود الحكم الحقيقي، فيجب الاحتياط في التكليف المشكوك، بينما في نظرنا محل البراءة.
مراجعة النقد المذكور: نعلم أن جمهور الأصوليين ومنهم الناقد المذكور يرون أن الأصل الأولي في كل تكليف مشكوك هو البراءة. المحقق الأصفهاني في مقام تبرير القول الشائع يقول: «التكليف المشكوك هو تكليف غير حقيقي.» لكن الناقد يرى أن التكليف المشكوك هو تكليف حقيقي وغير منجز. المهم أن كلاهما متفقان على البراءة بالنسبة لشيء واحد. المحقق الأصفهاني يعتبر الحكم الحقيقي الذي وُجد له داعٍ لخلق التحفيز لدى المكلف، ويقابله الحكم الإنشائي، ويعتبره متقومًا على الوصول، ومراده من الوصول هو الوصول القطعي فقط. بمعنى أنه إذا لم يصل التكليف قطعيًا إلى المكلف، فلن يجد العبد دافعًا لأداء ذلك التكليف، ولأن الحكم الحقيقي وُجد له داعٍ لخلق التحفيز، فإذا لم يستطع خلق التحفيز، يجب القول: إنه لا وجود حقيقي له أساسًا. وبذلك تثبت براءة ذمة المكلف وعدم صحة العقاب.
لا ينبغي توقع أن المحقق الأصفهاني يقر بنوع من الحكم الحقيقي غير المنجز، بل هو يخرج الحكم غير المنجز من كونه حقيقيًا ويدخله في دائرة الحكم الإنشائي، ولا ينبغي تصور أن المحقق الأصفهاني بهذا التعبير يخرج الحكم الإنشائي من كونه حكمًا بالمعنى الذي نفهمه. لأنه يتحدث معنا بمصطلحه، وعندما يقابل الحكم الإنشائي بالحكم الحقيقي، يعني أن الحكم الإنشائي وصل فقط إلى مرحلة الإنشاء، ولا يوجد فيه داعٍ للبث والتحفيز، وهذا لا يتعارض مع أن يُقال إن الحكم في هذه المرحلة يُسمى حكمًا حقيقةً بحسب اصطلاح الناقد.
الرد الذي قدمه الشهيد صدر على قول المحقق الأصفهاني هو أولًا: أن هذا القول متوقف على ادعاء ضيق دائرة حق الطاعة، فبالتالي يكون مصادرة. لكن على أساس سعة دائرة حق الطاعة يمكن اعتبار إنشاء الحكم في حالة الوصول الاحتمالي محفزًا. وثانيًا: في حالة عدم الوصول القطعي، إذا لم يكن الحكم الحقيقي موجودًا، أي لم يكن داعي البعث والتحفيز موجودًا، وكان فقط الإنشاء الواقعي موجودًا، فهل مبادئ الحكم مثل المصلحة أو المفسدة، وبالتالي إرادة أو كراهة المولى موجودة أم لا؟ إذا كانت موجودة، فهذا كافٍ لصحة نظرية حق الطاعة، سواء سُمّي ذلك حكمًا حقيقيًا اصطلاحًا أم لا. لأن إذا حصل المكلف على علم أو ظن أو شك بوجود مبادئ الحكم، فإن هذا الانكشاف الناقص بالنسبة لمبادئ التكليف كافٍ لوجود الاحتياط العقلي، سواء اعتبرناه حكمًا حقيقيًا اصطلاحًا أم لا. [6]
الرأي الثالث:
ظن بعضهم أن قاعدة قبح العقاب بلا بيان أمر عقلائي أقره الشارع، وليس لها أصل عقلي أصلاً.
نقد الدليل المذكور: في مقام نقد هذا الدليل قيل إنه في هذه الحالة تصبح قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة شرعية وليست عقلية، بينما التأمل في هذا الدليل يثبت البراءة العقلية.
مراجعة النقد المذكور: أساسًا لا ينبغي أن يُعدّ من يؤمن بهذا الدليل من المؤمنين بالبراءة العقلية، بل هذا القول يتناسب مع مذهب منكري البراءة العقلية. ومن بين هؤلاء المنكرين آية الله مكارم الشيرازي، وملخص كلامهم في هذا الباب هو:
في حالة الشك وفي حالة عدم وجود بيان، وهو محل النزاع، يحكم العقل بوجوب الاحتياط ووجوب الطاعة وقبح المعصية. وهذا عكس الرأي الشائع في باب قبح العقاب بلا بيان. ومن هنا، قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليست قاعدة عقلية، لكنها قاعدة عقلائية أقرها الشارع. ولو لم يكن هذا البناء العقلائي وإقرار الشارع له، لما كان هناك قبح عقلي في العقاب. في الواقع، هناك خلط بين الأحكام العقلية المبنية على مسألة الحسن والقبح، والأحكام العقلائية الناشئة عن التشريعات والقوانين العقلائية. مع أن الفرق بين الأمرين واضح، كما أن آثارهما مختلفة. [7]
القسم الثالث: طرح الاعتراضات على مذهب حق الطاعة
الاعتراض الأول:
القاعدة العقلية «قبح العقاب بلا بيان» من المستقلات العقلية. لكن التقبيح العقلي في هذه القاعدة ليس بسبب تحقق الظلم. فالعقل قد يثني أو يذم أمورًا دون أن ينطبق عليها وصف الظلم أو العدل. مثلاً، الرد على الخير بالخير حسن عقليًا، والرد على الخير بالشر قبيح عقليًا، لكن الحسن والقبح لا يعودان بالضرورة إلى حسن العدل وقبح الظلم، وفي محل النقاش العقل مستقل في إدراك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، سواء عادت قبح العقاب إلى قبح الظلم أو لم تعد. [8]
مراجعة الاعتراض الأول: مع أن هذا الكلام ليس بصيغة اعتراض على مذهب حق الطاعة، بل في مقام تبرير الرأي الشائع، إلا أن المستدل يبدو أنه يريد من هذا الطريق هدم أسس مذهب حق الطاعة، لأن هذا المذهب يرى وجوب الاحتياط عقليًا في مواجهة التكليف المشكوك فيه بناءً على وجود حق مولوي وضرورة مراعاته، وفي المقابل يقول لإبطال المذهب الشائع: إن مؤاخذة العبد بسبب ترك الاحتياط في مواجهة التكليف المشكوك فيه لا قبح فيها بل هي عين العدل، لأن الحق المولوي ثابت والعبد لم يراعِه. فإذا افترضنا أن الحسن والقبح العقليين لا يعودان على الأقل في هذه الحالة إلى العدل والظلم، فلا يبقى سبيل لإبطال الرأي الشائع وإثبات رأي الشهيد صدر، وفي الوقت نفسه لا يبقى سبيل لإثبات الرأي الشائع وإبطال رأي الشهيد صدر، لأن الشهيد صدر يمكنه أن يدعي على نفس المنوال الذي سار عليه المستدل أن قبح مخالفة التكليف المشكوك فيه ثابت، رغم أن قبح المخالفة لا يعود إلى قبح الظلم.
الخلاصة أننا نقول: لو افترضنا قبول المذهب المذكور، فإنه لا يضر الشهيد صدر؛ لأنه يتحدث على أساس مذهبه ويرى الحسن والقبح أمرين ذَاتيين يتحققان في اللوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود. [9]
الاعتراض الثاني:
حكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة التمرد يكون حيث يصل بيان إلى التكليف، أما إذا كان وجود التكليف عند المكلف مشكوكًا أو محتملاً، فإن العقل يحكم فقط بحسن الاحتياط. لذا يجب اعتبار موضوع وجوب الطاعة هو التكليف، وموضوع حسن الاحتياط هو التكليف المشكوك فيه. [10]
مراجعة الاعتراض الثاني: قول مشابه صدر عن وحيد بهبهاني أيضًا. [11] من وجهة نظر الشهيد صدر، الوصول له مراتب، والوصول الاحتمالي نوع من الوصول. فإذا كان المراد من المستدل أن الوصول القطعي للتكليف هو موضوع وجوب الطاعة، والوصول الاحتمالي هو موضوع حسن الاحتياط بحيث لا يكون المكلف ملزمًا بالاحتياط، فهذا هو أصل النزاع.
يقول الشهيد صدر: «وجوب الطاعة في جميع الحالات التي ينكشف فيها التكليف ثابت، سواء كانت حالات الانكشاف قطعية أو ظنية أو احتمالية، إلا أن الطاعة في الحالة الأولى هي بإحضار التكليف القطعي، وفي الحالة الثانية هي بالاحتياط وإحضار التكليف المشكوك أو المحتمل، فالاحتياط نفسه نوع من الطاعة، ووجوب الاحتياط يعني وجوب الطاعة. فإذا قيل إن العقل يعتبر الاحتياط حسنًا بالنسبة للتكليف المشكوك، فإن هذا الحسن العقلي كافٍ في وجوب الاحتياط. لأن الحسن العقلي هو بملاحظة إدراك الحق المولوي، وطالما أن الشارع لم يخفف، فإن العقل يحكم بوجوب الاحتياط. وإذا أدرك العقل أن العبد لا يستحق العقاب بسبب ترك الاحتياط، فهذا يعني أنه لا يثبت حق الطاعة لله تعالى بالنسبة للتكليف المشكوك. ثم يُسأل: فلماذا يحكم العقل في هذه الحالة بحسن الاحتياط؟»
حل هذا الاعتراض هو أن الكلام عن الحسن العقلي للاحتياط في حد عدم الإلزام يُطرح بعد ثبوت البراءة الشرعية. أي يقول العقل: مع أن الشارع قد تنازل عن حقه، لكن إذا أرهق العبد نفسه بسبب وجود الحق المولوي وسعى لتحصيل الملاك الحقيقي، فهذا بالطبع موجب للتقرب والثواب. أما قبل استكشاف البراءة الشرعية أو بغض النظر عن البراءة الشرعية، فإن حكم العقل بحسن الاحتياط يكون في حد الإلزام، وهو عين حكم العقل بضرورة الاحتياط.
الاعتراض الثالث:
قال الشهيد صدر: «كما أن أصل حق الطاعة من البديهيات الأولى للعقل العملي وأمر غير برهاني، فإن سعة وضيق دائرة حق الطاعة أيضًا أولى بكونه بديهيًا وغير برهاني. وإذا كان المقصود هو البرهان الفلسفي الذي فيه فرض نقيض المطلوب يؤدي إلى اجتماع أو ارتفاع النقيضين، فإن هذا البرهان لا ينطبق على مذهب حق الطاعة، لأن هذا النوع من البرهان خاص بمسائل الحكمة النظرية وليس الحكمة العملية، والمسألة محل النزاع من مسائل الحكمة العملية. ولكن بالطبع عدم وجود برهان لا يعني أن حكم العقل العملي يبقى مشكوكًا فيه بين البراءة أو الاحتياط، بل في نظرنا العقل العملي مستقل في الحكم بالبراءة. وإذا كان المقصود من عدم برهانية مذهب حق الطاعة هو أن العقل لا يجد دليلاً على ثبوت أو عدم ثبوت الحق المولوي بالنسبة للتكليف المشكوك فيه وينتهي إلى حكم التوقف الذي نتيجته الاحتياط، فيجب القول إن توقف العقل هنا بلا معنى، لأن العقل في هذه المواضيع يقر بحق الحكم. [12]
مناقشة الإشكال الثالث: في نظر الشهيد صدر، حكم العقل بالاحتياط مبني على ثبوت حق الطاعة، وثبوت أو عدم ثبوت حق الطاعة هو نقطة النهاية للنقاش. لذلك، المراد من عدم برهانية واستدلالية مذهب حق الطاعة هو أن حكم العقل العملي هنا ليس مستنتجًا من مقدمات سابقة لننقل النقاش والجدل إلى تلك المقدمات. بمعنى أن مسائل الحكمة النظرية ومسائل الحكمة العملية كلاهما أحيانًا برهاني وأحيانًا غير برهاني. بالإضافة إلى ذلك، إذا لم يؤثر إثبات عدم برهانية المسألة بأي وجه على قطعيتها، فلا إشكال على الشهيد صدر أيضًا، لأنه هو أيضًا يعتبر المسألة غير برهانية وفي الوقت نفسه قطعية. ومن هنا يتضح أن عدم البرهانية بمعنى التردد في صحة القضية لدى العقل، بالطبع ليس ما قصده الشهيد صدر.
الإشكال الرابع:
إذا افترضنا أن اكتشاف حكم العقل بالاحتياط يتطلب دقة كبيرة، وبما أن هذا الحكم العقلي يظل مخفيًا عن معظم الناس وهم غافلون عن حكم العقل ويعيشون على أساس قبح العقاب بلا بيان، فلا يليق بالشارع المقدس أن يثق في هذا الحكم المخفي. [13]
مناقشة الإشكال الرابع: إذا كان المقصود هو عدم صلاحية الثقة في مقام الجزاء، فإن الإشكال يعود إلى أن معظم الناس يقصرون في فهم أصل الاحتياط العقلي والاعتراف بصحته، ومع ذلك يمكن للقائلين بمذهب حق الطاعة أن يقولوا: تقصير المكلف وعدم صحة مؤاخذة العبد في حالة التقصير لا علاقة لهما بأصل ثبوت القاعدة وصحتها. لذلك يمكن بإيراد المنبهات الوجدانية إظهار حكم العقل للناس، وهناك العديد من الأحكام البديهية العقلية التي غالبًا ما تكون مخفية أو حتى منكرة لدى الناس. وإذا لم نقل إن هذا الإنكار وعدم التصديق هو من باب الخطأ في التطبيق كما حصل في موضع النقاش حيث أخطأ كثيرون في التمييز بين البراءة العقلية والبراءة الشرعية المكتشفة بسبب العقل.
الإشكال الخامس:
المشهورون وضعوا المولوية والحق في الطاعة ضمن حدود التكليفات المقطوع بثبوتها؛ لكن الشهيد صدر وضعها ضمن حدود التكليفات التي ليست مقطوعًا بعدمها. والآن يجب القول إن المشهورين يؤمنون بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، ويعتبرون التكليف المعلوم فقط منجزًا للعاقل المكلف، وهذا ليس لأنهم يميزون بين ثبوت الحق في التكليفات المقطوعة والمشكوك فيها، لأن حق الطاعة أمر واقعي وله أصل في خلق ومنّة الله تعالى، وحتى بالنسبة للتكليفات المشكوك فيها فهو مقبول، بل لأن المشهورين يشترطون حصول العلم بالتكليف لاعتبار التنجيز العقلي للتكليف، بحيث إذا لم يكن هناك علم، يعتبر المكلف جاهلًا معذورًا في ترك الاحتياط. فمع أن مقتضي الأمر أي حق الطاعة موجود، إلا أن المانع وهو الجهل والتقصير غير مفقود. [14]
مناقشة الإشكال الخامس: هذا الإشكال يعود إلى أن الحق المولوي ثابت والمكلف يعلم بوجوده، لكنه لا يعلم بالتكليف، فبالتالي هو معذور في ترك الاحتياط؛ بينما القائلون بمذهب حق الطاعة يقولون: «تنجيز التكليف لا يقوم على ثبوت قطعي للتكليف، بل يقوم على ثبوت الحق المولوي». ويبدو أن المستدل اعتبر هذا الأصل في مذهب المشهور إشكالًا على مذهب حق الطاعة. وفي هذه الحالة يمكن للقائلين بمذهب حق الطاعة أن يردوا: «في نظر العقل، كل من التكليفات المقطوعة والتكليفات المشكوك فيها منجزة، والعبد غير معذور في ترك الاحتياط في مواجهة التكليف المشكوك فيه؛ لأن في نظر العقل كل انشقاق في التكليف هو سبب تام لثبوت حق الطاعة، إلا إذا أسقط الشارع الحق المولوي نفسه وأباح ترك الاحتياط». خلاصة القول، في نظرنا، المستدل قد اعترف بأمرين متضادين، أحدهما وجود حق الطاعة والآخر عدم تنجيز التكليف، وجمع هذين الأمرين مستحيل أساسًا.
الإشكال السادس:
إذا كان حق الطاعة غير قابل للتمييز، فيجب أن يكون ثابتًا أيضًا في حالات القطع بعدم التكليف. شرح ذلك أن المشهورين يقولون: فقط التكليف الذي يبلغ درجة اليقين قطعيًا هو منجز. والشهيد صدر يعترض على المشهورين بأن هذا التمييز في التنجيز يستلزم التمييز في المولوية، أي يستلزم القول بأن حق الطاعة والمولوية ثابتان فقط في حدود التكليفات المقطوع بثبوتها، وليس في غيرها. بينما الشهيد صدر نفسه وقع في هذا الإشكال، لأنه صرح بأن التكليف المقطوع بعدمه غير منجز. وهذا يعني أن المولوية والحق في الطاعة في التكليفات الواقعية التي نقطع بعدمها ليست ثابتة. [15]
مناقشة الإشكال السادس: يمكن أن يكون المكلف في مواجهة التكليف الواقعي في ثلاث حالات: القطع بوجود التكليف، القطع بعدم التكليف، والشك في التكليف.
في الحالة الأولى والثانية، يُقطع بعدم الانجاز وعدم المعذرة، وفي الحالة الثالثة يتحدث الشهيد الصدر عن انجاز الشك، والمشهور عن عدم انجاز الشك، وبعبارة أخرى يتحدثون عن معذرة الشك، ونقطة الخلاف هي هنا.
أما في الحالة الثانية، فيرى الجميع أن حق الطاعة غير ثابت، وإلا لكان معناه نفي المعذرة عن القطع الطريقي، وهذا محال. وفي نظر الشهيد الصدر، الملوية ليست شيئًا منفصلًا عن حق الطاعة؛ ولكن يبدو أن في نظر المستدل الملوية أوسع من حق الطاعة. أي إن الملوية ثابتة بالنسبة للواجبات الواقعية التي يقطع المكلف بعدم وجودها، ولكن حق الطاعة غير ثابت. فالمستدل يبدو أنه يريد التفريق بين الملوية وحق الطاعة كإشكال على الشهيد الصدر الذي لا يفرق بينهما. وسنبحث هذا الإشكال الأساسي بشكل مستقل أدناه.
الإشكال السابع:
ما علاقة الملوية الذاتية وغير المفروضة في الله تعالى بمسألة انجاز التكليف المشكوك؟ قد تكون ملوية الله واسعة، ولكن حق الطاعة لا يمتد إلى هذا الحد. لأن اتساع ملوية الله مرتبط بمعيار اتساع معيار الملوية وهو خلقه، والعباد في كل حال من الأحوال ينطبق عليهم أنهم مخلوقات الله. فبالتالي الملوية الإلهية صحيحة في كل حالة، حتى حالة الشك في التكليف. ولكن بالطبع حق الطاعة في حالة الشك غير صحيح.
مناقشة الإشكال السابع: لا شك أن محل النقاش هو الملوية التشريعية، لا الملوية التكوينية. الحديث هو عن مصدر هذه الملوية التشريعية. يقول الشهيد الصدر: «الملوية التشريعية ناشئة من الملوية التكوينية». أي إذا وجب طاعة الشارع المقدس، فذلك لأن الشارع هو خالق ومنعمنا؛ ولكن ليس بالضرورة أن تكون الملوية التشريعية واسعة بقدر اتساع الملوية التكوينية، وإلا يجب أن نعتبر دائرة التكوين والتشريع متساوية ومتطابقة، وهذا محال بالضرورة.
والآن وقد ثبت أن دائرة التشريع أضيق من دائرة التكوين، يجب أن نسأل: هل الملوية التشريعية ثابتة بالنسبة للواجبات المشكوك فيها أم لا؟ يقول الشهيد الصدر: «ثابتة بحكم الضمير». ويقول المشهور: «غير ثابتة». هنا لا يمكن أن نوجه إشكالاً على الشهيد الصدر بأن ثبوت الملوية ما علاقته بانجاز التكليف؟ لأنه لا يقول بثبوت الملوية التكوينية العامة، بل بثبوت الملوية التشريعية الخاصة التي هي عين حق الطاعة ومسبب لانجاز التكليف المشكوك. وإذا قيل: ما علاقة الملوية التشريعية الذاتية بحق الطاعة؟ ولماذا تقتضي الملوية التشريعية الذاتية اتساع حق الطاعة؟ الجواب هو أنه إذا كانت الملوية التشريعية لله تعالى ذاتية وغير مفروضة، وكان العقل يدرك ذلك، فلا بد من الرجوع إلى حكم العقل لتحديد حدود هذه الملوية الذاتية. أي أن العقل نفسه الذي أدرك أصل الملوية الذاتية يدرك حدودها أيضًا. فلا ينبغي تصور أن الشهيد الصدر يستدل على اتساعها من ذاتية الملوية التشريعية، بل يعتبر اتساع الملوية التشريعية لله تعالى تبعًا لأصلها من المدركات العقلية العملية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] سورة النساء (4): 165.
[2] سورة طه (20): 134.
[3] سورة الإسراء (17): 15.
[4] سورة القصص (28): 59.
[5] سورة طه (20): 133.
[6] بحوث في علم الأصول، ج 5: ص 28.
[7] أنوار الأصول/بقلم أحمد قدسي، ج 3: ص 58.
[8] فصلية بحوث أصولية/مقالة «منهج حق الطاعة بين الرفض والقبول» ربيع 82: ص 114، من السطر 15 فصاعدًا.
[9] انظر: بحوث في علم الأصول، ج 4: ص 40.
[10] فصلية بحوث أصولية، ربيع 82: ص 117، من السطر 14.
[11] انظر: الرسائل الأصولية/رسالة في أصالة البراءة، ص 350.
[12] انظر: مجلة بحوث أصولية، ربيع 82: ص 122.
[13] المرجع نفسه: ص 123، من السطر 10.
[14] المرجع نفسه: ص 125، من السطر 17.
[15] المرجع نفسه: ص 125، السطر الأخير.

