آراء وأفكار الشهيد الصدر في علم الكلام

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: آرا و اندیشه‌‌های کلامی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمدرضا مصطفی پور

مقدمة

علم الكلام هو أحد أسمى العلوم الإسلامية التي وُلدت في السنوات الأولى لظهور الإسلام، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، وعلى الرغم من العديد من التقلبات، ظل حاضراً بقوة في المجامع والمجالات العلمية الإسلامية. لقد كرس علماء كبار جهودهم للنقاش والبحث في المسائل الكلامية، وكتبوا مؤلفات ورسائل قيمة في مجال الكلام.

ترتبط المسائل الكلامية ارتباطاً وثيقاً وعميقاً بالمعتقدات الدينية، ولهذا لم ينظر العلماء المسلمون إلى الكلام كفرع علمي محض، بل غالباً ما خاضوا هذا المجال بدافع الإيمان والاعتقاد والدين، واعتبروه واجباً دينياً وإلهياً، فدخلوا فيه للنقاش والبحث.

علم الكلام، الذي يُطلق عليه أيضاً علم أصول الدين، علم التوحيد والصفات، الفقه الأكبر، علم النظر والاستدلال، علم العقائد الإسلامية وعلم أصول العقائد([۱])، هو علم يمكن تقسيم موضوعاته إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أ) المباحث التفسيرية: تتولى هذه المباحث تفسير وتقديم صورة للمفاهيم الدينية الأساسية مثل الله، النبي، الإمام، المعاد… وغيرها، فهي تستخلص العقائد الدينية من النصوص الدينية وتستنبطها، ثم تنظمها وتشرحها.

ب) المباحث الإثباتية: هدف هذه المباحث هو إثبات القضايا والتصديقات الأصلية والأساسية للدين؛ مثل إثبات قضايا “وجود الله”، “وحدانية الله”، و”المعاد جسدي وليس روحاني” وصفات الله وما شابه ذلك.

ج) المباحث السلبية: المباحث الكلامية الأساسية التي تُضفي الحيوية والنضارة عليها هي المباحث السلبية، والمقصود منها دفع الشبهات التي تُثار على بنية الدين، ولهذا قيل في تعريف علم الكلام: «هو علم يقدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبهة»([۲])؛ علم الكلام هو العلم الذي يمكن الإنسان من خلاله أن يثبت العقائد الدينية أمام الآخرين بإيراد الأدلة ويدفع الشبهات».

مراحل علم الكلام

مر علم الكلام عبر التاريخ بمراحل متعددة. وقد اعتبر أهل السنة هذه المراحل سبع مراحل على الترتيب التالي:

  1. عصر رسول الله(ص): في عصر رسول الله لم يُذكر هذا العلم بشكل صريح، لكن في القرآن أقيمت براهين عقلية لإثبات التوحيد والمعاد والمسائل العقائدية المختلفة، ولهذا السبب أُمر النبي (ص) بدعوة الناس إلى الدين وطريق الله بثلاث طرق: الحكمة، والموعظة الحسنة (الخطابة)، والجدال الأحسن([۳]).

وكان من مهام النبي توضيح الآيات الإلهية والاستدلال والاحتجاج أمام المخالفين أو الرد على الأسئلة التي كانت تُطرح عليه([۴])، واستمر هذا المنهج على يد علي بن أبي طالب (ع) وأتباعه من الشيعة.

  1. عصر المواجهة مع علم اللاهوت: مع انتقال مركز الخلافة الإسلامية من المدينة والكوفة إلى دمشق، واحتكاك الإسلام بالثقافة المسيحية البيزنطية، حدث تحول كبير في فكر المسلمين، وتأثر علم اللاهوت المسيحي بالكلام الإسلامي، ودخلت في النقاشات الكلامية قضايا قديم وحدوث الكلام الإلهي، والقدر والاختيار، وفي هذه الفترة نشبت مناقشات حول الإيمان والكفر ومعاييرهما بين الخوارج والشيعة والمرجئة([۵]).
  2. عصر صراع المعتزلة مع مترجمي الكتب اليونانية: مع ترجمة الكتب اليونانية والسريانية والعبرية، اطلع المسلمون على عقائد وأفكار اليونانيين والفلاسفة غير العرب وأتباع الديانات الأخرى، ومع دخول هذه الأفكار المنحرفة بين المسلمين، أُتيح احتمال التأثير السلبي بينهم. في هذا الوقت، أمر الخليفة العباسي المهدي بكتابة كتاب لرد شبهات معارضي الإسلام([۶])، وكان هناك أشخاص مثل أبو الهذيل العلاف وإبراهيم بن سيار نظام وآخرون يعقدون مجالس المناظرة والنقاش والحوار حول العقائد الإسلامية ورفض الفلاسفة والملحدين وأتباع المذاهب والديانات الأخرى، ويثبتون العقائد الإسلامية. وفي هذه الفترة، عارض أهل الحديث علم الكلام والمعتزلة واعتبروا طرح المباحث الكلامية كفراً.
  3. عصر انتصار الأشاعرة: في هذه المرحلة أسس أبو الحسن الأشعري علم كلام جديد بين أهل السنة والجماعة، وجمع بين منهجي المعتزلة وأهل الحديث.
  4. عصر نفي الفلسفة والكلام: بدأ هذا العصر بظهور الغزالي، الذي كان من كبار علماء علم الكلام ومروجي المذهب الأشعري في القرن الخامس الهجري. فقد كتب في معارضة الفلسفة كتاب تهافت الفلاسفة ودافع عن منهج الكلام الأشعري، لكنه في أواخر حياته اعتقد أن منهج الأشاعرة صالح فقط للعوام ولا يشفي غليل الإنسان. وكانت نتيجة معارضة الغزالي للفلسفة والكلام أن تغير علم الكلام ودخلت الفلسفة إلى حرم الكلام([۷]).
  5. عصر التقليد والجمود: الذين ورثوا تراث الغزالي تخلوا عن روحه النقدية واكتفوا بما وجدوه من تعاليمه، وكان ذلك بداية انحطاط علم الكلام. في هذه الفترة، كان علم الكلام يتوسع كميًا، وكان المتفكرون في هذا العصر يكتفون بشرح كتب السابقين، وكما قال محمد عبده «طردوا العقل من مكانه واستخدموا منطق التكفير والتفسيق، وغلوا فيه إلى حد أنهم أصبحوا مثل بعض الأمم السابقة يدعون العداء بين العلم والدين»، وكان هذا الانحطاط ناتجًا عن ابتعاد العلماء المسلمين عن منابع الدين.
  6. العصر الحديث أو العودة إلى منهج السلف: هذه المرحلة كانت في الواقع عصر الإصلاح الذي بدأ بابن تيمية وانتهى بمحمد عبده([۸]).

شهد القرن الثالث عشر الهجري يقظة المسلمين وإعادة تفكيرهم في معارفهم، ومنها علم الكلام، وكان سيد جمال الدين الأسد آبادي وتلميذه الشيخ محمد عبده من رواد هذه النهضة([۹]).

لقد مرّ الكلام في الشيعة أيضاً بفترة زمنية قد نظمها بعض العلماء على النحو التالي:

  1. دورة الأئمة(ع) التي كان فيها علم الكلام مبنياً على الأحاديث والأنباء، ويتبلور في أقوال الإمام علي والأئمة المعصومين الآخرين، ويبلغ ذروته في آثار الشيخ الصدوق مثل كتاب التوحيد والعقائد.
  2. دورة الكلام العقلي الاعتزالي التي كان من أبرز ممثليها الشيخ المفيد، السيد المرتضى والشيخ الطوسي.
  3. دورة خواجه نصير الطوسي والعلامة الحلي حتى عصر الصفويين، حيث تأخذ المناقشات الكلامية طابعاً فلسفياً إلى حد ما، وهذا التحول يظهر بشكل خاص في آثار خواجه نصير.
  4. الدورة الرابعة، عصر الصفويين، والتي بلغت ذروتها في ظهور متكلم وباحث ديني كبير مثل العلامة المجلسي. من خصائص هذه المرحلة هي سيطرة الأخبارية. كما أن ملا عبدالرزاق اللاهجي من كبار هذه المرحلة، وقد ترك عدة مؤلفات كلامية مثل شوارق، جوهر المراد وسرماية الإيمان.
  5. الدورة الخامسة التي تشمل عصر القاجاريين حتى عصر الدستور، والتي لم يشهد فيها علم الكلام الشيعي تحولاً جديداً.

أهم تحول في علم الكلام في هذه المرحلة هو ظهور مدرستين جديدتين هما الشيخية والبابية، مما أدى إلى ظهور العديد من المؤلفات الكلامية في رد أفكارهم والدفاع عن الدين.

  1. الدورة الحالية التي شهدت تحولاً أساسياً عظيماً في علم العقيدة والكلام والبحث الديني؛ وهي فترة شهدت ثورتين اجتماعيتين وسياسيتين (الدستور والثورة الإسلامية)، وعصر الإصلاح الاجتماعي والديني؛ حيث أدى تقدم العلم وظهور الماركسية إلى إثارة قضايا وانشغالات جديدة للمؤمنين والمتكلمين المسلمين، من بينها مسألة التطور التي لا يزال قبولها حتى بعد مرور قرن على طرحها أمراً صعباً على المتكلمين المسلمين والشيعة دون تبعات.

من خصائص الكلام الشيعي في العصر الحديث هو الجدل والمواجهة مع مختلف الفلسفات والأفكار والمدارس المادية، من بينها الماركسية والشيوعية، وفي العقد الأخير الوضعية، حيث تصدى كبار مثل العلامة الطباطبائي، الشهيد المطهري والشهيد الصدر فكرياً لتلك المدارس. آخر تحول في الكلام الشيعي في العصر الحديث هو طرح علم كلام جديد يتوافق مع فلسفة العلم وفلسفة الدين الحديثة ويتحدث عن قابلية المعرفة للتطور. هذا الفكر ترك أثراً خاصاً في المجتمع وأدى إلى ظهور كتب مثل الشريعة في مرآة المعرفة والمعرفة الدينية([۱۰]).

دور الشهيد الصدر في تطور علم الكلام

الشهيد الجليل آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر من العلماء والقضاة القلائل الذين، بوعيهم للزمان ومتطلباته وشعورهم بالمسؤولية العلمية والدينية، قاموا، كفقيه وعالم ديني، بتفسير وتنظيم الدين بما يتناسب مع حاجة العصر والدفاع عن الدين في مواجهة الهجوم الفكري من الغرباء خصوصاً الماركسية والوضعية.

كان تأليفه لكتاب اقتصادنا وفلسفتنا وغيرها من الكتب من هذا المنطلق، حيث شرح فيها وجهة نظر الدين في الاقتصاد أو نظرة الدين إلى المجتمع وحل مشكلة الإنسان المعاصر من الناحية الاجتماعية، وكذلك في مجال نظرية المعرفة والإدراك أو النظرة الكونية وقضايا أخرى، مجيباً على حاجة العصر ومدافعاً عن الدين في مواجهة الهجوم الفكري الغريب. بالنظر إلى آثار الشهيد الجليل، يمكن القول إن معظم مؤلفاته تحمل طابعاً كلامياً أو متأثرة برؤيته الكلامية. حتى كتاب الفتاوى الواضحة، وهو كتاب فتاوى، باستثناء مقدمته التي بعنوان «موجز في أصول الدين» وخاتمته «نظرة عامة في العبادات» التي تحمل طابعاً كلامياً، فإن أصل الكتاب متأثر برؤيته في الكلام وتوقعه من الدين وتنظيم رسالة مناسبة لحاجة العصر. ومن تقسيم أبواب الفقه في هذا الكتاب يتضح أن توقعه من الفقه ليس مجرد بيان العبادات والبرامج الفردية، بل الفقه يسعى لتفسير سلوك الحكام والولاة أيضاً، لذا يقسم أبواب الفقه خلافاً لمنهج السابقين إلى أربعة أقسام: العبادات، الأموال، السلوك والآداب الشخصية، والسلوك والآداب الحكومية والعامة([۱۱]).

في مقدمة كتاب فلسفتنا يتناول مسألة القدرة على حل المشكلة البشرية في ضوء الانتباه إلى رسالة المذهب في تفسير الحياة الحقيقية والاهتمام بالتربية الأخلاقية الناشئة من عمق وجود الإنسان، والاهتمام بواقع الإنسان خصوصاً من حيث امتلاكه «حب الذات» وكيفية الجمع بين الحياة الفردية والاجتماعية([۱۲]).

كما أن بيان المزايا الأساسية للمدرسة الإلهية والمدرسة المادية مرتبط برؤيته الكلامية، حيث يقول: إن ميزة المدرسة الإلهية تكمن في إيجابية واثباتية الوجود وعدم احتكارية الوجود، ووجوب اتباع المدرسة الإلهية على أتباعها الاستدلال، ووجود الاستدلال العقلي لإثبات مزاعم المدرسة الإلهية.

وفي نفس الكتاب يثبت وجود الله، وفي النهاية يبرهن أن مبدأ العالم ليس المادة والمادي، لأن المادة لا يمكن أن تكون المبدأ الفاعل للعالم، لأنها متحركة والمتحرك يحتاج إلى محرك، وسبب حركة المادة ومكمل كمالها يجب أن يُبحث عنه خارج المادة، وهذا السبب الخارجي هو الله الذي يمتلك جميع الكمالات الذاتية([۱۳]).

في كتابه الأصولي في مبحث الحسن والقبح العقلي، وهو مبحث كلامي، يشكك الشهيد صدر في بعض المبادئ الكلامية المقبولة عند المتكلمين. يقول المتكلمون: العقل العملي بعد وجوب الطاعة وحرمة المعصية يصدر حكماً، وهذا الحكم ليس مستنبطاً من الدين، بل هو مقدم عليه، بينما يقول الشهيد صدر: وجوب الطاعة وحرمة المعصية ليس له وجوب عقلي، بل احتمال العقاب هو الذي يحفز الإنسان لتحصيل المعرفة بالدين وضرورة الطاعة وترك المعصية. بعبارة أخرى، العقل قبل أن يلتزم بدين خاص، يحصل على معرفة بالله ويدرك أن جميع النعم من الله وأنه المولى الحقيقي. لذلك، فإن طاعته واجبة عقلاً ومعصيته محرمة، لكنه يقول: إن احتمال العقاب فقط هو الذي يدفع الإنسان للبحث عن المؤمن، وهذا المؤمن هو الدين. وبعبارة ثالثة، يقول: من باب دفع الضرر المحتمل يجب التعرف على الدين والعمل به.

أما المتكلمون لإثبات النبوة للمدعي النبوة عن طريق المعجزة فيقولون: تنفيذ الإعجاز على يد المدعي النبوة هو مثال على الضلال، والضلال صادر من الله قبيح، والقبح على الله محال، لذا لا يمكن للمدعي النبوة أن ينفذ الإعجاز. لكن الشهيد صدر يقول: النبوة ليست كافية من طريق الإعجاز، بل يجب إثبات نبوة النبي عن طريق حساب الاحتمالات، ومن خلال حساب الاحتمالات يصحح دلالة الإعجاز على صدق مدعي النبوة([۱۴]).

مع أن الفكر الكلامي للشهيد صدر يظهر في مباحث مختلفة، إلا أنه لم يكتب كتاباً مستقلاً في أصول الدين وعلم الكلام، وباستثناء رسالة مختصرة في كتاب الفتاوى الواضحة بعنوان «الموجز في أصول الدين» ـ التي طُبعت لاحقاً بشكل مستقل ـ وبعض النقاشات المتفرقة في هذا المجال منها بحث الخاتمية والوحي الذي ألقاه في محاضرة، لا تتوفر مباحث أخرى له في هذا المجال. ومع ذلك، فإن هذا الكتاب وهذه المباحث تحتوي على نقاط جديدة ومثيرة تستحق تقديم هذا العمل القيم.

ولا يخفى القول: في كتاب الأسس المنطقية للاستقراء يتناول كيفية الاستدلال العلمي من منطق الاستقراء بناءً على حساب الاحتمالات المبني على الحس والتجربة، ويثبت وجود الصانع([۱۵])، وفي نهاية الكتاب يشير إلى تأثير وآثار الاستدلال من منطق الاستقراء بناءً على حساب الاحتمالات ويكتب: لهذا البحث آثار عدة:

  1. تقديم تفسير وتبرير جديد في نظرية المعرفة بناءً على مبادئ الاستقراء العلمي.
  2. إثبات أن الله هو الحقيقة والواقع؛ أي أنه من خلال المبادئ المنطقية للاستقراء يمكن إثبات الصانع المدبر لهذا العالم عبر مظاهر الحكمة والتدبير في كل أنحاء الكون.
  3. الإيمان والعلم مرتبطان ولا يمكن فصلهما.
  4. القرآن من بين طرق الاستدلال يعتمد على الاستدلال بمظاهر الحكمة لإثبات الصانع، وهذا يدل على أن دليل التجربة والاستقراء هو دليل قطعي وصحيح.

في تحليل هذا الموضوع لماذا يستخدم القرآن هذه الطريقة يكتب: لأن القرآن نزل من عتبة التجربة والإحساس والاختبار، وتعامل مع بشر يتقدمون يوماً بعد يوم بسرعة نحو العلم، ومن الطبيعي أن يفضل القرآن، لأجل الحكمة، الغائية في الخلق على غيرها من طرق الاستدلال لإثبات وجود الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الدليل مفهوم للجميع وأكثر قدرة على إيقاظ العقل والضمير البشري([۱۶]).

مباحث كتاب الموجز في أصول الدين

المباحث التي وردت في كتاب الموجز في أصول الدين تشمل مقدمة قصيرة حول ضرورة البحث في أصول الدين في زماننا وطريقة البحث في أصول الدين وأنه في طريقة البحث يجب مراعاة المستوى الفكري للأفراد. ثم يتناول البحث في الله باعتباره المرسل وصفات الله، ثم مسألة النبوة، وينهي ذلك بالبحث في الرسالة الإلهية وخصائصها.

يعرّف الشهيد صدر دافعه لتأليف هذه الرسالة برضاء الله والاستجابة لطلب عدد من العلماء والطلاب والمؤلفين.

يستخدم المؤلف في كتابة هذا الكتاب طريقة الاستدلال لا التقليد، ويجوز التقليد فقط في دائرة الفروع الدينية؛ لأنه يعتقد أن الهدف في أصول الدين هو تقوية العقائد الإيمانية، لذا يقول: هناك فرق جوهري بين المقدمة الاعتقادية والأحكام، لأن الفتاوى هي فقط عرض للأحكام وحاصل الاجتهاد بدون استدلال أو نقد، أما في الأصول فيجب الاستدلال؛ لأن المقصود هو ترسيخ العقائد وهذا لا يتم إلا بالاستدلال([۱۷])، ونظراً لأن الاستدلال ضروري لترسيخ العقائد، يكتب: في أصول الدين التقليد حرام؛ لأن المطلوب في الدين والشرع في أصول الدين هو الوصول إلى العلم واليقين، لذا أجبرت الشريعة كل إنسان على تحمل مسؤولية عقائده الدينية بنفسه وعدم تحميل هذه المسؤولية على غيره، ويؤنب القرآن الذين بطرق مختلفة يقبلون أو يرفضون العقائد الدينية بدافع الحفاظ على طريقة السابقين والتعصب لها أو بسبب الكسل والفتور عن تحمل المسؤولية.

يجب التعرف على أصول ومعتقدات الدين الأساسية بطريقة استدلالية لأن أولاً: عددها محدود؛ ثانياً: متوافقة مع الفطرة العامة للإنسان؛ ثالثاً: إدراكها متاح للجميع مباشرة؛ ورابعاً: لها تأثير بالغ الأهمية في حياة الإنسان([۱۸]).

وبالإضافة إلى ذلك، يدعو الإسلام الناس إلى التعرف الاستدلالي على أصول الدين، مع مراعاة اختلاف المستويات الفكرية والثقافية للأفراد، ويدعو كل فرد أو مجموعة إلى المقدار الذي يتناسب مع مستواهم الفكري ويقنعهم ويؤدي إلى الاطمئنان([۱۹]).

على هذا الأساس يكتب: بما أن المبادئ العقائدية يجب أن تستند إلى الاستدلال والمنطق، فقد أعددت هذه الرسالة. كنت أشك سابقًا فيما إذا كنت سأخصص نقاشي لأولئك الذين يعيشون بضمير حر ويقظ وذو فطرة سليمة، ولا يعرفون الأفكار المتضادة والعلوم المختلفة، أم أكتبها بطريقة تفيد أولئك الذين يعرفون العلوم الحديثة ويواجهون التناقضات والمشكلات الدينية؟ ورأيت أنه من الأفضل اختيار الطريق الثاني وكتابة هذه الرسالة بطريقة تقنع القارئ تمامًا، سواء كان ذلك القارئ من البيئة الجامعية والحوزوية والمتعلم، أو كان فردًا عاديًا لم يصل إلى ذلك المستوى الفكري والعلمي والثقافي([۲۰]). الشهيد صدر نظم هذا الكتاب في ثلاثة أقسام:

ـ مرسل الأنبياء (المرسل)

ـ النبي (الرسول)

ـ الرسالة (الرسالة)

١) مرسل الأنبياء

بعد المقدمة، يتناول المؤلف أول أصل من أصول الدين وهو مسألة المرسل والله وإثبات وجود الله، وقبل شرح طرق إثبات وجود الله، يطرح مسألة الدوافع ومنابع ميل الإنسان إلى الله، ويعتبر أصل الإيمان والميول إلى الله فطرة إنسانية.

أ ـ دوافع ميل الإنسان إلى الدين

فيما يتعلق بمصدر الدين ولماذا يميل الإنسان إلى الله والدين، قُدمت نظريات مختلفة (حوالي عشر نظريات) ([۲۱]) بعضها اجتماعية، وبعضها نفسية، وبعضها تاريخية. الشهيد صدر يتناول ثلاث نظريات، إحداها اجتماعية واثنتان نفسيّتان.

النظرية الأولى، وهي اجتماعية، تقول: إن أصل الإيمان بالله هو الصراع الطبقي؛ بمعنى أن الطبقة المستغلة خلقت الدين لاستغلال الطبقة المستغلة، وأن الطبقة المظلومة والمستغلة ميّلت إلى الدين لتبرير استغلالها.

النظرية الثانية ترى أن أصل الإيمان بالله هو الخوف من الكوارث الطبيعية، وهي نظرية نفسية.

النظرية الثالثة، وهي نفسية أيضًا، تعتبر أن أصل الإيمان والميول إلى الله هو الجهل.

لكن المرحوم الشهيد صدر يرى أنه لا يمكن البحث عن أسباب وعوامل خارجية لمسائل تنبع من الميول الفطرية والطبيعية للإنسان، بل إن هذه المسائل تنبع من جوهر وجود الإنسان، لذا فإن الإيمان بالله ينبع من الفطرة الإنسانية الأصيلة، وفي الحقيقة هذه الفطرة والضمير الراسخ هما اللذان يربطان الإنسان بالرب وبالعالم الوجودي.

ومن خلال هذا الميل الفطري يتجه الإنسان إلى الفلسفة ويستخرج المفاهيم العامة الفلسفية مثل الوجود والعدم، والوجوب والإمكان، والسبب والنتيجة، ويستخدم هذه المفاهيم للاستدلال لتعزيز أسس الإيمان الأصيل والأساسي بالله([۲۲]). بعبارة أخرى، يؤمن الإنسان في البداية بفطرته بالله، ثم يعقل ذلك ويجعله معقولًا بالعقل والمنطق.

ب ـ براهين إثبات وجود الله

بعد تناول الدافع الأساسي للإيمان بالله وهو الفطرة، يستخدم الشهيد صدر برهانين: أحدهما علمي استقرائي قائم على حساب الاحتمالات، والآخر فلسفي، لإثبات وجود الله.

ومن الجدير بالذكر أنه في عرض البرهان الأول شرح نظريته الابتكارية بشكل كامل، واستخدمها لإثبات المبادئ الأساسية للعقائد مثل إثبات وجود الله والصانع الحكيم، وصفات الله، وضرورة وجود الأنبياء، والعلاقة بين المعجزة وإثبات النبوة، وصدق مدعي النبوة والإمامة.

وعلى الرغم من وجود براهين كثيرة لإثبات وجود الله قدمها الفلاسفة والمتكلمون، وحتى أن بعضهم قال: «طرق الوصول إلى الله بعدد نفوس الخلائق (الطرق إلي الله بعدد أنفس الخلائق)»، ويقول فخر الرازي: هناك ألف برهان للتوحيد، فقد استخدم الشهيد صدر برهانين، وقبل الاستدلال لإثبات وجود الصانع الحكيم أشار إلى نقطتين:

أ) في مواجهة الفكر الوضعي الذي يعتبر القضايا الدينية والأخلاقية بلا معنى لأنها لا تُعرف ولا تُثبت بالحس والتجربة، يقول الشهيد صدر: إن القضية «الله موجود» أو «العالم خلقه صانع حكيم» هي من القضايا المعنوية، وبالتالي قابلة للإثبات، وطريق إثباتها هو الاستدلال العقلي.

ب) في شرح ضرورة استخدام العقل يقول: لا فرق بين الإلهي والمادي من حيث أنهما يجب أن يستخدما العقل، فكما أن الإلهي لا بد له من الاستفادة من العقل إلى جانب الحس والتجربة للاستنتاج، فإن الشخص المادي أيضًا لا غنى له عن العقل؛ فهو مضطر لاستخدام الاستدلال العقلي لتحقيق هدفه، وللتعميم والتعرف على العلاقات بين الموجودات يستخدم العقل؛ لأن المعرفة تمر بمرحلتين:

  1. مرحلة جمع النتائج الحسية والتجريبية
  2. مرحلة التفسير العقلي والاستدلال عليها

الاختلاف بين المادي والإلهي في نوع التفسير العقلي، فالمادي ينكر وجود الصانع باستخدام العقل، بينما الإلهي يستخلص إثبات وجود الله ويقول: هذا العالم له صانع حكيم خلقه([۲۳]).

بعد عرض هذه النقطة يتناول طريقتين للاستدلال، يسمي الأولى البرهان العلمي الاستقرائي، والثانية البرهان الفلسفي.

في الطريقة الأولى، أي الدليل العملي ـ الاستقرائي المبني على حساب الاحتمالات، يمر بخمس مراحل للوصول إلى النتيجة ويقول: كما يمكن إثبات المطلوب في جميع المسائل العادية وغير العادية من خلال اجتياز هذه المراحل الخمس، يجب أيضًا اجتياز هذه المراحل لإثبات وجود الله، وهي كما يلي:

  1. نواجه في ميدان الحس والتجربة ظواهر كثيرة.
  2. نصل إلى فرضية صحيحة لتفسير وتبرير معقول لتلك الظواهر.
  3. إذا لم تكن هذه الفرضية صحيحة، يجب أن يكون احتمال وجود هذه الفرضية وعدمها ضعيفًا، مثل واحد من ألف.
  4. من اجتماع هذه الظواهر يُستنتج صحة الفرضية، والدليل هو تلك الظواهر التي شعرنا بها في المرحلة الأولى.
  5. درجة إثبات تلك الظواهر للفرضية المطروحة في المرحلة الثانية تتناسب عكسيًا مع نسبة احتمال وجود تلك الظواهر إلى احتمال عدمها في حال كذب تلك الفرضية. فكلما كانت هذه النسبة أقل، كانت درجة الإثبات أعلى حتى تصل إلى درجة اليقين؛ أي أن هذه الظواهر إما جمعت بحساب ونظام وعلم أو كانت مصادفة. وعندما نحسب طرفي القضية بناءً على حساب الاحتمالات، يكون الطرف الذي لديه احتمالات أكثر أقل مصداقية([۲۴]).

ثم ينتقل الشهيد صدر إلى تقييم هذه المراحل الخمس ويستخدمها للاستدلال على إثبات الصانع([۲۵]) ويقول:

  1. هناك تناغمات بين الظواهر المنتظمة الموجودة في الطبيعة واحتياج الإنسان ككائن حي، تتيح للإنسان إمكانية الحياة، بحيث إذا تغير أو تحوّل أحد الأنظمة، ينطفئ نور حياة الإنسان؛ مثلاً، لو كانت حرارة الشمس التي تصل إلى الأرض أكثر أو أقل مما هي عليه الآن، لما كانت الحياة ممكنة للإنسان.

كما توجد نعم كثيرة في الأرض ونظام الوجود، ولو لم تكن موجودة لما كانت الحياة ممكنة للإنسان أو لأي كائن حي آخر.

  1. هذا التناغم الدائم بين الظواهر الطبيعية يقودنا إلى فرضية أن صانعًا حكيمًا خلق كل هذه الظواهر بهدف([۲۶])، وإذا لم يكن هذا الصانع حكيمًا ليخلق العالم بتناغم وهدف، فإننا نواجه ثلاث احتمالات أخرى هي:

أ ـ فرضية تفسيرها على أساس الصدفة المطلقة.

ب ـ فرضية أن الخالق لم يكن حكيمًا وأن تصرفاته في خلق هذه الظواهر كانت بلا وعي ولا هدف، كما لو أن مجنونًا قد خلقها.

ج ـ فرضية أن المادة اللاواعية والغير هادفة هي التي خلقتها([۲۷]).

  1. نسبة احتمال تلك الثلاث فرضيات ضعيفة جدًا، بل تكاد تكون صفرًا؛ لأن الإنسان كيف يمكنه أن يقبل أن الأرض التي يعيش عليها بكل أنظمتها وقوانينها قد تكون من صنع الصدفة أو المادة اللاواعية أو مجنون!
  2. بلا شك نفضل الفرضية التي طرحت في المرحلة الثانية، وهي أن هذا العالم صنعه صانع حكيم.
  3. وبما أن نسبة احتمال النقيض ضعيفة، يُستنتج أن الفرضية المطروحة في المرحلة الثانية صحيحة، ويتيقن الإنسان أن كل الكون آيات توحيد ودليل على وجود ناظم ومدبر حكيم، كما يقول القرآن: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»([۲۸]).

ج ـ الدليل الفلسفي على وجود الله

قبل عرض الدليل الفلسفي، يوضح مقصده من الدليل الفلسفي ويقول: الدليل الفلسفي يقف مقابل الدليل الرياضي والدليل العلمي، والمقصود هو أننا لا نعتمد في الاستدلال على المعارف الحسية أو مجرد العقل، بل نعتمد على المعارف العقلية البديهية والواضحة ونستدل بناءً عليها.

الدليل الفلسفي يقوم على ثلاث مسائل:

  1. من البديهي أن كل ظاهرة تحتاج إلى سبب تستمد وجودها منه. الإنسان يدرك هذه المسألة بفطرته الواعية، والاستقراء العلمي المستمر يؤكدها.
  2. كل موجود له درجات من الكمال والنقص، ولا يمكن أن يكون الدرجة الناقصة سببًا للدرجة الكاملة، أو الدرجة الأدنى سببًا للدرجة الأعلى؛ لأن الدرجة العليا لها امتيازات غير موجودة في الدرجة الناقصة، والعدم لا يمكن أن يعطي وجودًا.
  3. المادة في تحولها الدائم تأخذ صورًا مختلفة، وهذه الصور المختلفة تمثل درجات من الوجود ومراحل من النظام، واختلاف درجات الوجود وأشكاله المختلفة نوعي؛ أي بناءً على قانون التطور وليس كميًا وعدديًا.

بعد عرض هذه المقدمات الثلاثة، يُطرح السؤال: ما هو منشأ هذا التطور والزيادة مع الأخذ في الاعتبار المقدمة الأولى التي تقول إنه لا توجد ظاهرة بدون سبب؟

يمكن تقديم جوابين:

  1. أن المادة التي تفتقر إلى الحياة والفكر والشعور هي التي خلقتها. هذا الجواب غير معقول بالنظر إلى المقدم الثانية؛ لأن الشيء الذي لا يمتلك وجودًا لا يمكن أن يكون سببًا في وجود شيء.
  2. أن هذا الزيادة والتكامل والتطور قد نشأ من مبدأ يمتلك الحياة والفكر، وهذا المبدأ هو رب العالمين، وهذا النمو والتكامل هو بحكمة وتدبير وتربية الذات المقدسة الإلهية([۲۹])، فالقرآن الكريم يستدل على وجود الله تعالى من هذا المنطلق([۳۰]). وبعد هذا الدليل، أجاب الشهيد صدر على اعتراضين، وفي الختام يقول:

لا يمكن للمادة أن تتحرك وتنمو حقيقيًا دون أن تستمد من الخارج، وأن تنتقل المادة من صورة إلى صورة أعلى، بل الكائن الحي الذي يمتلك الحياة والتفكير والشعور مستند إلى ربٍ يمتلك هذه الصفات ويمنحها للمادة، والبرنامج الداخلي للمادة يلعب دور «السبب العددي» في النمو والتكامل([۳۱]).

د ـ صفات الله

بعد إثبات وجود الله الحكيم والخالق العليم، يتناول الشهيد صدر إثبات صفات الكمال لله، ومن خلال دراسة الوجود يثبت صفات الكمال وكذلك وحدانيته وتفرده.

يثبت صفات العلم، الحكمة، الحياة، القدرة، السمع والبصر لله من خلال دراسة ظواهر الوجود، ويثبت صفة الوحدة من خلال وحدة وتناسق العالم([۳۲]).

هـ ـ العدل الإلهي

يقول المتكلمون بناءً على حسن وقبح عقلي: إن العقل يحكم بأن الله تعالى، باعتباره مبدأ كل الكمالات، يجب أن يكون عادلًا. ويقول الشهيد صدر باستخدام منهج المتكلمين في إثبات عدل الله: إن الفطرة الإنسانية، كما تدعو الإنسان إلى الصدق والأمانة والعدل، تحكم بأن الله عادل ولا يظلم أحدًا؛ مع أنه يمكن، بالاستناد إلى دليل الاستقراء، أن يُعتبر نظام الخلق شهادة على عدل الله، ويقال: من خلال دراسة نظام الوجود وآثار ومخلوقات الله، يُستفاد أن الله عادل([۳۳]).

و ـ المعاد

قُدمت أدلة وبراهين متعددة لإثبات المعاد وضرورة القيامة من قبل المتكلمين والفلاسفة، مثل براهين الحركة، الحكمة، الرحمة، تجرد الروح… ولكن الشهيد صدر يثبت المعاد فقط من خلال برهان العدل وأن العدل من صفات الله، ويقول: وجود القيامة ضروري ليُظهر قيمة الأعمال ويتبين نتيجة الأعمال الحسنة والسيئة([۳۴]).

٢) النبي

يناقش الشهيد صدر في مسألة النبوة في مقامين: النبوة العامة والنبوة الخاصة. في النبوة العامة، يعرض المقدمات التالية لبيان ضرورة النبوة وهدف البعث:

  1. بحكم الاستقراء، يتبع الكون بأسره قانونًا وبرنامجًا صارمًا، ويشمل النظام والبرمجة كل الكون. وهذه الحركة على أساس القانون والبرنامج تدل على هدف يسير العالم نحوه.
  2. الإنسان كائن مختار يسعى ويجتهد بحرية واختيار لتحقيق الهدف.
  3. العلاقة بين العمل والهدف قانون ينظم البعد الاختياري للإنسان.
  4. يختار الإنسان الهدف لتلبية مصالحه واحتياجاته ورغباته. وبعبارة أخرى، الدافع نحو الهدف هو إدراك المصالح.
  5. مصالح الإنسان نوعان: مصالح فردية ومصالح اجتماعية.
  6. في تعارض المصالح، غالبًا ما يفضل الإنسان المصالح الفردية على المصالح الاجتماعية، مع أن الإنسان يعيش في راحة ورفاهية عندما يفضل المصالح الاجتماعية على الفردية.
  7. ما هو الطريق الذي يجعل الإنسان يفضل المصالح الاجتماعية على الفردية؟
  8. في تحديد هذا الطريق تظهر مكانة النبوة. فالنبوة بمعناها العام هي ظاهرة إلهية في حياة الإنسان تحول المصالح الفردية إلى مصالح اجتماعية، وتنقل الإنسان من متعة قصيرة للمصالح الفردية إلى متعة طويلة للمصالح الاجتماعية؛ لأن أولاً: حياة الإنسان لا تقتصر على هذه الحياة المادية الدنيوية، بل تستمر بعد الموت، وثانيًا: يجب على الإنسان أن ينظم برنامجه الحياتي الدنيوي بحيث يكون مفيدًا في حياته الأبدية، وهذا هو الطريق الذي يقدمه الأنبياء للبشر ليؤمنوا أبديتهم. إذن، الحل للتناقض هو الإيمان بالنبوة والمعاد([۳۵]).

النبوة الخاصة

يثبت الشهيد صدر نبوة النبي الكريم محمد(ص) بدليل الاستقراء ومرورًا بالمراحل الأربع التالية:

  1. النبي من منطقة محرومة في جزيرة العرب، التي كانت في ذلك الوقت أفقر المناطق من الناحية الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
  2. تجسدت رسالة النبي في القرآن والشريعة الإسلامية؛ وهي شريعة تتميز بالخصائص التالية:

أ ـ تناولت الثقافة في بعد العقائد وتاريخ الأنبياء وقضايا أخرى، لتصحح الثقافة المنحطة وتوجه البشرية نحو الفطرة والعقل السليم.

ب ـ قدمت القيم والمفاهيم لتنظيم حياة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية وطبقتها، حتى الذين لا يؤمنون بالجانب الإلهي لهذه القوانين يعتبرونها أسمى الأحكام التي عرفها تاريخ البشرية.

ج ـ فسرت تاريخ الأنبياء وأممهم في نصوص القرآن كما هو الحق، لتقدم النموذج الحقيقي للإنسان بصورة صحيحة.

د ـ امتيازات القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة لها أسلوب خاص اعترف به حتى الكفار. وقد طرح النبي هذا القرآن كوثيقة لنبوته ودعا الآخرين إلى التحدي والمواجهة.

  1. استنادًا إلى الاستقراء العلمي، كانت رسالة النبي الأكرم(ص) في تاريخ المجتمعات البشرية ذات خصائص وميزات فريدة، وهذه الميزات هي:

أ ـ الثورة التي حدثت في جميع أبعاد الحياة الإنسانية في ذلك الزمان من حيث العقيدة والسياسة والثقافة والأخلاق والاقتصاد.

ب ـ هذه الثورة والتحول لم ينبثقا أو يتأثرا ببيئة الجزيرة العربية.

ج ـ قيادة هذه الثورة كانت بيد النبي شخصيًا.

  1. كلما رأينا أمرًا خارقًا لا يتناسب مع الوسائل والعوامل الحسية والعقلية، يجب أن نعلم أن هناك عاملًا آخر خفيًا لدينا كان مؤثرًا، وهذا العامل هو الوحي الإلهي. وبالطبع كان لعوامل أخرى تأثير غير مباشر، لكن تأثيرها كان كميًا، والسبب الحقيقي هو ذلك المحتوى الإلهي الذي هو أسمى من الوسائل والظروف المادية.

٣) الرسالة

يتناول القسم الثالث من الكتاب بيان الرسالة ويعرفها بالدين الإسلامي، ويذكر هدفها في ربط الإنسان بالمبدأ والمعاد. ثم يذكر أبرز ميزات الإسلام التي هي:

  1. تم بيان رسالة الإسلام في القرآن، والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد غير المحرف.
  2. خلود القرآن دليل واضح على إثبات نبوة النبي وخاتميته.
  3. مرور الزمن لا يقلل من قيمة القرآن، بل يكشف عن أبعاده المتعددة.
  4. رسالة النبي الإسلامي تشمل جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان، ومن خلالها يمكن تحقيق توازن بين رغباته المختلفة.
  5. رسالة الإسلام عملية وقابلة للتحقق في حياة الناس، ولم تكتفِ بالشعارات.
  6. رسالة الإسلام تاريخية التكوين.
  7. الإسلام لم يكتفِ ببناء أمة إسلامية فقط، بل يسعى لبناء قوة نشطة من المسلمين تبني العالم.
  8. النبي الأكرم(ص) حامل هذه الرسالة، خاتم الأنبياء، ورسالتُه خاتمة الرسالات.
  9. بعد ختم النبوة، استقرت الحكمة الإلهية على أن تكون الإمامة والخلافة في اثني عشر شخصًا، أولهم علي(ع) وآخرهم الحجة بن الحسن المهدي(عج).
  10. الإسلام أحال الناس في عصر غيبة الإمام الثاني عشر إلى الفقهاء وفتح باب الاجتهاد.

في جملة واحدة، تناول الشهيد صدر في الموجز في أصول الدين الأصول الخمسة: التوحيد، النبوة، المعاد، العدل، والإمامة، ومن خلال ذلك أرسى أساسًا لتقوية وترسيخ عقائد المسلم الذي يريد أن يعيش بالإسلام.

 

([۱]) موسوعة كشف مصطلحات الفنون، ج ١، ص ٢٩؛ شرح عقائد النسفي، ص ١٢؛ شرح المقاصد، ج ١، ص ١٦٤؛ تلخيص المحصل، ص ١ و شرح الباب الحادي عشر، ص ٢.

([۲]) شرح المواقف، ج ١، ص ٣٤.

 ([۳]) النمل: ١٢٥.

([۴]) الطبري، الاحتجاج، ص ٢٣ وما بعدها.

([۵]) للمزيد من المعلومات انظر: الفرق الإسلامية في بلاد الشام.

([۶]) مروج الذهب، ج ٤، ص ٢٢٤.

([۷]) الشبلي، تاريخ علم الكلام، ص ٥٢.

([۸]) انظر: محمد جواد مشكور، سير الكلام في فرق الإسلام، ص ٥ ـ ١٠٥.

([۹]) مجلة نقد ونظر العدد ٣ و ٤، ص ٣١٢.

([۱۰]) دائرة المعارف الشيعية، ج ٣، ص ٢٨٩ ـ ٢٩١.

([۱۱]) الفتاوى الواضحة: ص ١٣٢ ـ ١٣٤.

([۱۲]) فلسفتنا، ص ٤٠ ـ ٤٣.

([۱۳]) المرجع نفسه، ص ٢٨٥ وما بعدها.

([۱۴]) السيد كاظم الحائري، مباحث في علم الأصول (تقارير درس الشهيد آية الله صدر) ج ١، ص ٥٠٥ وما بعدها و السيد محمود هاشمي، بحوث في علم الأصول (تقارير درس الشهيد آية الله صدر)، ج ٤، ص ١٣٤ ـ ١٣٦.

([۱۵]) الشهيد آية الله السيد محمد باقر صدر، الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٤٠٣ ـ ٤١٥.

([۱۶]) المرجع نفسه، ص ٤٦٩ ـ ٤٧٠.

([۱۷]) الموجز في أصول الدين، ص ٩٣.

([۱۸]) الفتاوى الواضحة، ص ٩١.

([۱۹]) المرجع نفسه، ص ٩١ و ٩٣.

([۲۰]) الموجز في أصول الدين، ص ٩٤.

([۲۱]) ناصر مكارم شيرازي، دافع نشوء المذهب.

([۲۲]) الموجز في أصول الدين، ص ١٠١ ـ ١٠٢.

([۲۳]) المرجع نفسه، ص ١٢٢.

([۲۴]) المرجع نفسه، ص ١٣٠.

([۲۵]) المرجع نفسه، ص ١٤٠.

([۲۶]) المرجع نفسه، ص ١٤٤.

([۲۷]) الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٤٠٣.

([۲۸]) الموجز في أصول الدين، ص ١٤٨؛ فصلت: ٥٣.

([۲۹]) المرجع نفسه، ص ١٥٩ ـ ١٦٠.

([۳۰]) المرجع نفسه.

([۳۱]) المرجع نفسه، ص ١٦٦.

([۳۲]) المرجع نفسه، ص ١٦٩.

([۳۳]) المرجع نفسه، ص ١٧٠.

([۳۴]) المرجع نفسه، ص ١٧١ ـ ١٧٢.

([۳۵]) المرجع نفسه، ص ١٧٥ ـ ١٧٨.