مستقبل مسار الاجتهاد من وجهة نظر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: آیندۀ روند اجتهاد از دیدگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: سيد نورالدين شريعتمدار جزائري

مقدمة

الإسلام دين شامل وكامل، له برنامج وتعليمات لكل احتياجات الإنسان وتفاعلاته الاجتماعية، ويقدم أوسع الإرشادات لأفضل أسلوب ممكن للحياة والرفعة في الدنيا والسعادة في الآخرة. من جهة أخرى، أحكامه وقوانينه تجري في سياق الزمن ولا تقتصر على زمن معين، وكما تدور الشمس والقمر اللذان يصنعان الزمن ويستمران فيه، فإن أحكام الإسلام تتحمل مسؤولية تلبية احتياجات الفرد والمجتمع عبر التاريخ، وهي تدور مع دوران الزمن ولا تتوقف أو تتعطل، ولا تبقى في زمن معين.

الإسلام دين عالمي منذ نشأته؛ لا يختص بمكان أو زمان معين، ولم يأت لجيل أو جماعة خاصة من بني آدم، ولم يحدد حدودًا جغرافية في قوانينه، ولا حدودًا جنسية في البشر.

الإسلام هو أكمل وأشمل الأديان السماوية كلها، ولهذا لم يخصص قوانينه للأعمال الفردية فقط، ولم يأت فقط للفرد، بل قوانينه هي مجموعة من الهدايات الفردية والبرامج الاجتماعية الفعالة التي تلبي جميع أبعاد وزوايا الحياة الفردية والاجتماعية للبشر.

الإسلام دين كامل يأخذ في الاعتبار جميع الاحتياجات الحقيقية للإنسان المتعلقة بالجسد والروح والعقل والمشاعر والفكر والعاطفة، فرديًا واجتماعيًا، في كل زمان ومكان، وينظمها، ويشرع الأحكام وفق العقل والفطرة الإنسانية في كل تحركات وسكونات الزمن، ويجعل المسلمين في كل شؤون الحياة الفردية والاجتماعية غير محتاجين إلى قوانين أخرى، ويمكنه أن يرفعهم إلى أعلى درجات الكمال والأخلاق الحسنة والقرب من الله. لكن لا ينبغي أن ننسى دور الاجتهاد في هذه الخاصية من خصائص الإسلام؛ لأن السر الأساسي لاستمرار الدين عبر الزمن مرتبط بالاجتهاد، ويجب أن نعلم أن كمال أحكام الدين وعالميته وشموليته في جميع أبعاد حياة الإنسان لا يتحقق إلا في ظل الاجتهاد.

الاجتهاد يجعل المسلمين على دراية بأحكام الدين، ويساعدهم في عملية تعليم برامج حياة الإسلام، ويربط الجيل الحاضر بالجيل الماضي، ويظهر قيمة الدين وسيادة المسلمين، ويحل المشكلات في المجتمع الإسلامي. بناءً على ذلك، كلما زادت مشاكل المجتمع وتفاعلاته الاجتماعية، زادت الحاجة إلى الاجتهاد، ويظهر تأثيره العميق وحركته الإحيائية في سبيل تحقيق القيم المستحقة.

آية الله العظمى الشهيد سيد محمد باقر الصدر قدس سره، بنبوغه العلمي وفطنته وعمقه ورؤيته الواقعية في جميع المسائل الإسلامية، استطاع في عمره القصير والمبارك أن يدرس العديد من القضايا ويتنبأ بها مستقبلاً في مسار حركة الزمن ودورانه.

ومن بين القضايا التي درسها هذا الباحث الجليل من زوايا متعددة وبعمق، الاجتهاد. فقد نظر إلى الاجتهاد أحيانًا من منظور مساره المستقبلي، وأحيانًا من منظور الفقه والأصول، وأحيانًا من منظور فهم وتفسير النصوص الدينية اجتماعيًا، وأحيانًا عبر اقتراح منطقة فراغ التشريع، وأحيانًا من خلال طرح عنوان ولاية الفقيه وغيرها من المواضيع المرتبطة بالاجتهاد، وبعناية في النظر واتساع في الرؤية وتوسع في الفكر، ناقش في كل منظور إلى جانب دراسة مساره الحالي، حركته في سياق الزمن.

في هذا المقال، وبالاستفادة من المقالات التي تركها، نستعرض وجهات نظر هذه الشخصية الإسلامية القيمة حول موضوع مسار الاجتهاد المستقبلي، ونقدمها في عدة أقسام، وفي كل قسم نورد مقطعًا من مقال له ونعرض تفسيرنا له.

أ) توافق حركة الاجتهاد مع الهدف وطرق الاستدلال

الاجتهاد له هدف واسع جدًا، وبالحركة نحوه يشمل الدين جميع أبعاد الحياة، وفي ظل هذه الحركة يتحقق كماله وشموليته.

إذا توقف الاجتهاد عن الحركة نحو هدفه أو انحرف، فإن إحياء الدين في شؤون الحياة يركد ويخمد. المقصود بالهدف من الاجتهاد هو النتيجة المتوقعة منه، والتي يسعى المجتهد إلى تحقيقها وتطبيقها في مختلف ميادين الحياة.

حركة الاجتهاد ومسارها يجب أن يكونا نحو هذا الهدف الواسع لكي يتحقق شمول الإسلام في كل الميادين. إذا لم يكن دوران الاجتهاد نحو الهدف، أو إذا زال الهدف الرئيسي وحل محله هدف زائف، أو تم تجاهل جزء من الهدف، فإن الاجتهاد يتوقف عن الحركة أو يتغير ويتحول. علاقة الاجتهاد بهدفه هي علاقة تتسع مع اتساع الهدف، وتضيق مع تجاهل جزء منه.

الاجتهاد للوصول إلى هدفه يحتاج إلى مقدمات وعوامل وطرق استدلال تُستخدم لتحقيق هذا الهدف. في الحقيقة، الدور الذي يلعبه الهدف في حركة الاجتهاد يلعبه أيضًا المقدمات والعوامل وطرق الاستدلال؛ أي تغيير في طرق الاستدلال يغير حركة الاجتهاد، وكل فكرة جديدة يمكن أن تغير هذه الحركة. لذلك، طبيعة الفكر وعمقه وتعقيده يمكن أن تجعل الاجتهاد عميقًا ومعقدًا، والتفكير السطحي وقلة الدقة فيه تجعله بلا قيمة. إذا أخذ المجتهد في طريقة الاستدلال سببًا واحدًا أو فكرة واحدة وتجاهل الأسباب والأفكار الأخرى ولم يدرسها، فإنه يبقى ناقصًا في الوصول إلى الهدف الكامل، ويحدث تغيير في كيفية الاجتهاد.

نظرًا لأن دراسة الفكر الفقهي تظهر من خلال الفهم العرفي للأدلة، يجب على المجتهد أن يدرس جميع الأفكار المتنوعة المتعلقة بفهم الدليل عرفيًا والقرائن الحالّية والمقالية والمقامية وغيرها من الشواهد التي تحدد مفهوم الدليل، وأن يستعين بها، وكلما أخذ هذه الأفكار بعين الاعتبار ووسع أسلوب الاستدلال، كان حركته الاجتهادية أوسع. المجتهد الذي يكون على دراية بمجموعة القرائن والشواهد والأفكار المتنوعة المتعلقة بالموضوع قيد الدراسة لا يحتاج في أسلوب استدلاله إلى تأسيس الأصل، وباستخدام توسيع الفهم والإدراك وكذلك الاستعانة بالشواهد والقرائن، يمكنه بسهولة ويسر أن يتحرر من التردد والتوقف في الرأي، ويستنبط الحكم الشرعي بكفاءة كاملة.

واحدة من خصائص الاجتهاد في المذهب الشيعي هي دوره المهم والحساس جدًا في أحداث حياة المسلمين، وقد تغير مع تغير أحداث التاريخ خلال غيبة الإمام المهدي -عجل الله فرجه-.

لقد واجه الاجتهاد في حركته وظهوره في الأحداث المختلفة أساليب استدلال جديدة وأفكار علمية متنوعة، وسار في مساره متوافقًا معها. ورغم الضيقات والمحن التي تحملها الاجتهاد الديناميكي الشيعي من جانب الظالمين على طول مساره، فقد استمر في طريقه دون توقف، وإذا ما تعرض لصعود وهبوط، فذلك بسبب تغير أساليب الاستدلال أو التغير في اتساع أو تضييق الهدف. يقول الإمام الخميني في هذا المجال: «الفقه الشيعي هو أغنى فقه في العالم، وهو الذي يتولى تشريع الإسلام، وقد تم شرحه وتوسيعه بجهود علماء الشيعة على مر التاريخ».[۱]

لقد درس الفقهاء الكبار آلاف المسائل التي كانت محل ابتلاء الناس والحكومات، وأبدوا أفكارًا متنوعة بشأنها، رغم أن بعض المسائل لم تكن مطروحة أو موضوعًا في الأزمنة الماضية. واليوم، من الضروري على الفقهاء أن يدرسوا الاجتهاد في جميع ميادين الحياة بحرية كاملة للأفكار المتنوعة، حتى وإن كانت تلك الأفكار متعارضة أو متضادة في دراسة تلك المسائل.[۲]

وقد عبّر الشهيد الصدر عن التناغم بين حركة الاجتهاد والهدف وأساليب الاستدلال في عدة مقالات. ففي مقاله «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد» يقول: إن مستقبل مسار الاجتهاد يتحدد بعاملين، ويجد الحلول وفق هذين العاملين، وهما «الهدف» و«الفن».

وإذا حدث تغير أو تحول في هذين العاملين، فإن حركة الاجتهاد ستتغير أيضًا. والمراد بالهدف هو النتيجة التي يسعى الاجتهاد لتحقيقها، والتي يجتهد المجتهد من أجل تحققها وظهورها.

أما الفن فيقصد به الاجتهاد والعمق في أساليب الاستدلال التي تظهر في مراحل الاجتهاد مع تطور الأفكار العلمية.

ولكي ندرس مسار حركة الاجتهاد في المستقبل ونتنبأ بمساره، لا بد أولاً من دراسة المقدمات والظروف والبذور التي تشكل حركة الاجتهاد في واقع العالم المعاصر، وربطها بهذين العاملين، لنتمكن من التنبؤ بمسار تلك البذور في المستقبل، ونقول كيف تنمو تلك البذور وتغير حركة الاجتهاد. ويتوقع مستقبل الاجتهاد في قسمين: ١- مستقبل الاجتهاد بناءً على عامل الفن في الحركة، ٢- مستقبل الاجتهاد بناءً على الهدف الموسع للاجتهاد.[۳]

وبالتالي، فقد وضع الشهيد الصدر في هذا المقطع من كتابته محور حركة الاجتهاد على عاملين هما الفن والهدف، واعتبر تقلبات هذه الحركة عبر الزمن في ضوء الرؤى والأساليب في توظيف هذين العاملين.

ب) اتساع الهدف في الاجتهاد

يجب دراسة أحداث الحياة في الحالات الفردية والتفاعلات الاجتماعية التي يمر بها كل مسلم من خلال الاجتهاد، وتحديد الحكم الشرعي المتعلق بها. في زمن غيبة الإمام (ع)، يُعد الاجتهاد الوسيلة التي أمام الفقيه ليتمكن من خلالها من التوافق والتنسيق بين الظواهر المختلفة للحياة والفقه الإسلامي. لذلك، لا يمكن حصر الهدف من تطبيق الاجتهاد أو توقيفه على نوع معين.

المهمة التي وُضعت على عاتق الفقيه في زمن الغيبة هي التوافق مع جميع الأحداث الجديدة والحديثة في الحياة، مع مراعاة تقدم الحضارة البشرية عبر التاريخ وتطور المجتمعات الإنسانية في علاقاتها مع بعضها البعض وظهور الاحتياجات الجديدة. في الحقيقة، الهدف من تطبيق الاجتهاد هو أداء هذه المهمة الواسعة في جميع الأحداث والظواهر. وقد وُكل هذا الهدف إلى المجتهد في التوقيع الشريف من الإمام المهدي (ع) في زمن الغيبة: «وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَهُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَي رُوَاهِ حَدِيثِنَا».[۴]

في هذه الرسالة القيمة، اعتبر الإمام (ع) المجتهد مسؤولًا عن جميع الوقائع والأحداث، وطلب من الناس أن يرجعوا إلى المجتهد في الحصول على أحكام الشرع في جميع تفاصيل الحياة، والحالات الفردية، والتفاعلات الاجتماعية، والظواهر التي تحدث في الحياة. وبناءً على هذا التوجيه، تُوضع حركة الاجتهاد في مسار التوافق بين الفقه والأحداث المتنوعة في الحياة. كما أن الأحداث تستمر عبر الزمن، وتظهر ظواهر مختلفة في دورة الليل والنهار، يجب أن يستمر الاجتهاد أيضًا بناءً على مصادره وأسس خاصة به، ليتمكن من مواكبة مجرى الزمن وفي اتساع واسع من الأحداث والوقائع، ويكون قادرًا على الاستجابة الكاملة.

الاجتهاد لا يقتصر على الحالات الفردية والعبادات الشخصية مثل الطهارة والصلاة، بل يجب أن يُوظَّف في النظام الاجتماعي للمسلمين، والعلاقات الداخلية والخارجية، والسياسية، والاقتصادية، والنفسية، والقانونية، والفلسفية، والأخلاقية، والتعليمية، والحرب، والسلام، وغيرها من الظواهر والاحتياجات. لقد أدرك الشهيد الصدر قدس سره هذه الحقيقة، وأشار في مناسبات مختلفة إلى الهدف الواسع للاجتهاد، وحذَّر من الغفلة عنه. يقول في مقاله «الفقه والأصول»: إن نطاق علم الفقه لعمليات الاستنباط واسع إلى حد يشمل كل الأحداث والوقائع التي تطرأ في حياة الإنسان؛ لأن في كل واقعة يجب أن يُبذل جهد حتى يُستخرج الحكم المتعلق بها.[۵]

ويقول في مقاله «الاتجاهات المستقبلية»: أعتقد أننا جميعًا متفقون على اتساع الهدف الذي يسعى إليه الاجتهاد ويتأثر به، وهو تمكين المسلم من أن يواكب حياته بالفكر الإسلامي، وهذه المواكبة لا تتحقق إلا بحركة الاجتهاد التي من خلالها تتضح معارف هذا الفكر وتفصيلاته.

لكي نفهم بوضوح اتساع هدف الاجتهاد، من الضروري أن نفرق بين مشهدين من الحياة يجب أن تتوافق مع أحكام الإسلام، ونعرفهما:

١- مواكبة الفكر الإسلامي للحالة الفردية للإنسان وما يتعلق بالسلوك الفردي وأعماله الشخصية.

٢- مواكبة الفكر الإسلامي للمشهد الاجتماعي للحياة، وإقامة حياة المجتمع البشري على أساس الاحتياجات التي تظهر في المجتمع في التعاملات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.[۶]

لقد أخرج الشهيد الصدر في هذين المقطعين هدف الاجتهاد من ضيق النظر والتحديد، ووضعه في كل مشاهد حياة الإنسان.

وقد اعتبر هدف الاجتهاد يشمل الاحتياجات الفردية، والحالات الشخصية، والتفاعلات الاجتماعية، وعلاقات الناس داخل مجتمعهم، وعلاقاتهم مع المجتمعات الأخرى، وهذا الهدف هو ذات الشمولية والعمومية التي يتميز بها الإسلام في كل مشاهد الحياة، والتي هي من خصائص هذه الشريعة، والاجتهاد هو القوة الدافعة لهذه الخاصية. لذلك يجب أن يُمارس الاجتهاد في جميع ميادين حياة الإنسان ليجد إحياء الدين طريقه في كل المشاهد الفردية والاجتماعية، ويظهر الهدف الذي يسعى الدين لتحقيقه، حتى يصبح المسلم في ظل ذلك الهدف غير محتاج إلى الثقافات والحضارات والقوانين الأخرى.

ج) فترة ضيق النظر في هدف الاجتهاد

الاجتهاد بمعنى استخراج الحكم الشرعي من المصادر الأصلية الإسلامية (الكتاب، السنة، العقل، والإجماع) التي يلتزم بها الشيعة، كان موجودًا منذ بداية ظهور الإسلام، لكن مقدمات تطبيقه لم تكن واسعة كما هي اليوم، وكان فهم وتفسير معاني آيات القرآن والسنة النبوية يتم بمقدمات بسيطة جدًا.

في ذلك الوقت، رغم بساطة وسهولة تطبيق الاجتهاد، كان يسير بسرعة نحو هدف واسع. في زمن الأئمة المعصومين؟عهم؟، حينما توسعت المجتمعات الإسلامية واستقر الشيعة في بلاد إسلامية مختلفة، ولم يكن الوصول إلى الإمام المعصوم متاحًا للجميع ليعرفوا الحكم الإلهي مباشرة، ازدادت الحاجة إلى الاجتهاد، وانتشر الاجتهاد الصحيح بمعناه الكامل؛ رغم أن مصطلح الاجتهاد في زمن الأئمة المعصومين؟عهم؟ لم يكن شائعًا بسبب سوء فهم الآخرين له واستخدامه في إبداء الرأي الشخصي والتأويل والقياس، بل كان منهيًا عنه ومستنكرًا.

الاجتهاد بالمعنى الصحيح، الذي يُعبَّر عنه بالتفقه، والمعرفة، والتفريع، والاستنباط، كان موضع تأكيد الأئمة، وكانوا يأمرون به ويعلمونه. يقول الإمام الرضا (ع): «عَلَينَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ‌ وَ عَلَيكمُ‌ التَّفْرِيعُ؛[۷] علينا بيان المصادر وأصول الأحكام، وعليكم استخراج الأحكام منها».

ويقول الإمام الصادق (ع): «إِنَّمَا عَلَينَا أَنْ نُلْقِيَ إِلَيكم‌ الْأُصُولَ وَ عَلَيكمْ أَنْ تُفَرِّعُوا؛[۸] علينا بيان الأصول والركائز، وعليكم استنباط الأحكام منها».

في كل مدينة لم يكن فيها الشيعة على اتصال مباشر بالأئمة؟عهم؟، كان هناك نواب من أفضل تلاميذهم يجتهدون بأمرهم ويجيبون عن أسئلة الناس الدينية. قال الإمام الباقر (ع) لعبان بن تغلب: «اجلس في المسجد واصدر الفتاوى للناس وأجب عن أسئلتهم».[۹]

منذ بداية غيبة الإمام (ع) وحرمان الناس من لقاء ذلك الإمام، ازداد انتشار الاجتهاد بين الشيعة، وخدم مجتهدون مثل ابن جنيد، ابن أبي عقيل، شيخ المفيد، السيد مرتضى وشيخ الطوسي، وهم من رواد هذا الفن، المجتمعات الإسلامية، ووسعوا حركة الاجتهاد بأفكار متنوعة من العلوم الإسلامية وباستخدام العديد من العلوم كمقدمات للاجتهاد؛ رغم أنه على مر التاريخ، ظل الشيعة بعيدين عن ساحة السياسة والحكم بسبب ظلم الظالمين والدنياويين، وبسبب غياب البيئة التنفيذية للأحكام، كانوا يتقيّون في حياتهم. ولهذا السبب، نُسيت العديد من أهداف الاجتهاد الواسعة مع مرور الزمن، واضطر مجتهدو الشيعة إلى الاقتصار على تطبيق الاجتهاد في الأحكام الفردية والعبادية فقط، متخلين عن التوجه نحو جميع أهداف الاجتهاد التي يشكل جزءًا كبيرًا منها الأحكام الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والجزائية والسياسية والحكومية. استغل العدو، الذي كان ينتظر الفرصة لضرب الإسلام، هذا الوضع. فكانت مؤامرة فصل الدين عن السياسة، وعجز الإسلام عن إدارة المجتمع، واستبدال قوانين الأجانب، وسوء الظن بأحكام الإسلام، ونتيجة لذلك إقصاء الدين من ساحة حياة الناس، واستغلال العدو للمسلمين والسيطرة عليهم، هي نتائج هذا الوضع. العلماء الذين انتبهوا إلى هذا الخطر منذ زمن بعيد حذروا المسلمين وعلماء الإسلام، ونبهوهم من القصر في الأمور الدينية. وكان الشهيد الصدر من بين الفقهاء الذين حذروا من هذا الخطر، ونبهوا المسلمين والفقهاء الشيعة بصوت عالٍ وقلم بليغ.

يقول في مقاله «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد»: حركة الاجتهاد من حيث المصدر ومن حيث الفكر تغطي كلا الساحتين؛ لأن كلا الساحتين متساويتان في عقيدة الشيعة.

لكن في تاريخ الشيعة، كانت حركة الاجتهاد أكثر توجهاً نحو الحالة الفردية، والمجتهد عند استنباط الحكم الشرعي يتخيل في ذهنه حالة المكلف الفرد الذي يريد أن يواكب حياته الفردية مع الفكر الإسلامي.

المجتهد لا يتخيل مجتمعاً يريد أن يؤسس حياته الاجتماعية على الإسلام.

هذا القصر وقصر النظر في الهدف هو نتيجة الظروف الخاصة والوقائع التاريخية التي حدثت للشيعة؛ لأن الحكم في تاريخ الإسلام وقع في يد أهل السنة، وابتعد الشيعة عنه، وهذا الابتعاد عن السياسة أدى إلى قصر نظر الشيعة في هدف الاجتهاد وتقييده، وغرس في الأذهان فكرة أن الاستخدام الوحيد للاجتهاد هو الحالة الفردية للإنسان، وهكذا ارتبط الاجتهاد في ذهن الفقيه بصورة الفرد المسلم لا بصورة مجتمع المسلمين.[۱۰]

د) نتائج قصر النظر في هدف الاجتهاد

كان لقصر النظر في هدف الاجتهاد في فترة الظلم والضيق عواقب مؤلمة للإسلام والمسلمين، نذكر منها ما يلي:

١- النقص في الرسائل العملية

الرسائل العملية التي كتبت في هذه الفترة اقتصرت فقط على المسائل العبادية الفردية، وتجاهلت بيان المسائل الحكومية، والنظامية، والسياسية، والقانونية، والجزائية، والعديد من المسائل الاجتماعية المهمة الأخرى. نُسيت العديد من الموضوعات التي كانت محل ابتلاء، مثل مقدار الكر الدقيق، والحدود الدقيقة للمسافة الشرعية التي تبطل الصلاة – بطريقة يفهمها الناس اليوم – ومن جهة أخرى اكتفوا بالمقادير والمعايير القديمة التي أصبحت منتهية الصلاحية، والتي لا يمكن حتى للمجتهد نفسه التعرف عليها بشكل كامل، أو بمقادير قابلة للشك والنقص والزيادة، حتى أنهم في بعض الحالات أحالوا مقلديهم إلى العرف، وهو في الواقع إحالة إلى أمر مجهول وضياع.

٢- إخراج المسائل الاجتماعية من دائرة الإسلام

في هذه الفترة، اتجه الاجتهاد نحو الواجبات الفردية، وأخرج الواجبات العامة والاجتماعية من دائرة الاجتهاد، وحصر دراسة المصادر الإسلامية في إطار الفردية، واستخدمها فقط في المسائل الفردية. على سبيل المثال، عند الخلاف في ثبوت الهلال في أيام الحج بين الحاكم من أهل السنة وعدم ثبوته للشيعة، لم يتم دراسة المسألة من الناحية الاجتماعية، ولم تُعتبر موضوعاً يخص المجتمع الشيعي (الذي يجب أن يؤدي حجّه وفق الواجب الشرعي)، بل كانت تُدرس من منظور الفرد فقط. وكان يُأمر الفرد بأن يقوم بالوقوف في عرفات ومشعر بمفرده في الوقت المحدد. حسناً، كان الوقوف في تلك الأوقات لا يشكل مشكلة للفرد؛ إذ يمكن للفرد أن يمر في عصر التاسع باعتباره وقوفاً من عرفات، وفي الليل التالي باعتباره عبوراً من مشعر. لكن إذا أراد جميع الشيعة أن يؤدوا الوقوف في عرفات ومشعر في يوم مختلف عن الآخرين، فلن يستطيعوا وسيواجهون مشكلة. لنفترض أن فرداً يستطيع الوقوف في يوم مختلف عن الآخرين، لكن أداء الوقوف من قبل فرد واحد لا يمكن أن يحل المشكلة العامة.

وكذلك الفردية في مسائل أخرى مثل التقية من هلال شوال، وعيد الفطر، والوضوء، والصلاة، وغيرها من العبادات التي تتعرض للتقية، أو العناوين الثانوية مثل الضرر، والحرج، والعسر، والاضطرار، والإكراه التي ترفع الحكم الأصلي، وكذلك التعارض والتزاحم في الحقوق وتصادمها مع بعضها البعض، كلها مسائل إذا نُظرت إليها من منظور اجتماعي يمكن أن تكون مفتاحاً لحل الكثير من المشاكل، وإذا نُظرت إليها من منظور فردي تبقى مشاكل المجتمع على حالها، وتصبح أحكام الشريعة عاجزة عن إدارة المجتمع.

٣- فصل الدين عن السياسة

إذا اقتصر الاجتهاد على الواجبات الفردية فقط وتجاهل الواجبات الاجتماعية، فإن ذلك يهيئ الأرضية لمؤامرات أعداء الإسلام والدعاية السيئة ضد الإسلام، ثم يُرفع نغمة عجز الإسلام عن إدارة الشؤون الاجتماعية، وبالتالي فصل الدين عن السياسة.

عندما لا يتناول الاجتهاد مسائل البنوك والاقتصاد من منظور اجتماعي، ولا يُصلح اقتصاد المجتمع بناءً على المصادر الإسلامية، فإن المجتمع الإسلامي يتجه نحو الأسس الاقتصادية الغربية وأعداء الدين. وعلى الرغم من رفع شعار كمال الدين وعالميته في القول، إلا أنه في الواقع يجب اللجوء إلى العدو لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية. وفي مسائل الحقوق الاجتماعية والعلاقات الخارجية، كلما لم يُراعَ المعيار الديني، تتوفر الأرضية لاختراق القوانين الحقوقية والعلاقات الاجتماعية الأجنبية. حينئذٍ يجب اللجوء إلى المتخصصين الأجانب، ونتيجة لذلك يُعترف بعجز الإسلام عن إدارة المجتمع، ويتناغم المرء مع أعداء الدين الذين يقولون إن الدين منفصل عن السياسة ولا علاقة بينهما، ويجب على المتدينين الانسحاب من ساحة السياسة، وفي النهاية يصبح الدين أسطورة لا أكثر، تسلل إلى الأذهان بفعل عوامل معينة!! ـ أعوذ بالله.

٤ ـ ترك جزء كبير من المعارف الإسلامية

تشكل الواجبات الاجتماعية من منظور الإسلام جزءًا كبيرًا من الفقه. العديد من أبواب الفقه المستقلة ترتبط بالواجبات الاجتماعية؛ مثل باب الجهاد، القضاء، القصاص، الديات، الأمور الاقتصادية، الحكم الإسلامي، وغيرها من أبواب الفقه التي ترتبط بالمجتمع بشكل مستقل، وحتى بعض أبواب الفقه التي عنوانها العام لا يتعلق بالمجتمع، لكنها ترتبط به بطريقة ما، مثل صلاة الجمعة في كتاب الصلاة، بعض مسائل الخمس، الزكاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الإيجار، البيع والشراء وغيرها من المعاملات.

في النهاية، يؤدي القصر في الاجتهاد إلى ترك كل هذه الأحكام التي تشكل جزءًا كبيرًا من الفقه دون دراسة أو تدريس في الحوزات العلمية، بل حتى لا يكون لدى الطلاب الدينيين رغبة في تعلمها، ومع مرور الوقت تُنسى هذه المسائل المهمة جدًا. وكان هذا الواقع المرير موجودًا في الحوزات العلمية حيث خرجت العديد من الكتب الفقهية من المناهج التعليمية (مثل كتب القضاء، القصاص، الديات، الحدود، الجهاد) ولم تُدرس، وكان تعلمها يُعتبر مضيعة للوقت.

بعد انتصار الثورة في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية، توفرت الظروف لتدريس وتعليم هذه المعارف الإسلامية، وعاد الفقه والاجتهاد إلى مهد أصالتهم، وظهر كفاءتهم في جميع المجالات الفردية والاجتماعية.

قال الإمام الراحل: معظم الحوزات العلمية كانت أحادية الجانب، والطلاب رغم جهدهم الكبير، كان الفقه مركزًا على بعض الأبواب المتعارف عليها.[۱۱]

يجب أن يُعلم أن نتائج القصر في الاجتهاد لا تلقي باللوم أو التقصير على فقهاء الماضي، ولا تتهمهم بالخطأ؛ لأن هذا القصر كان من ظلم الظالمين ودنياوية الدنياويين؛ فقد فرضت ظروف الزمان والمكان هذه القيود عليهم، كما أن مراجعة الفقه المعاصر هي من متطلبات الزمان التي ظهرت لنا، وربما تظهر مراجعات أخرى في المستقبل لفقهاء قادمون، مما قد يجعل رؤيتنا محدودة مقارنة برؤيتهم الجديدة، وقد تبقى دراساتنا وأبحاثنا الجديدة التي تسعى للخروج من ضيق الماضي محصورة أيضًا، لتتسع أكثر بأفكار الأجيال القادمة.

كل عصر وفترة من تاريخ تطور الفقه والاجتهاد هي تجديد أساسي بالنسبة للماضي، والفترات السابقة كانت كدرجات للصعود والارتقاء بالفقه وستظل كذلك، وهذه الحركة الدائرية للاجتهاد مستمرة، ومع ذلك تبقى بعض أحكام الإسلام مثل القصاص، الحدود، الإرث، الزواج، الطلاق وغيرها ثابتة في مكانها. كان اجتهاد السابقين مفتاحًا للآتين، وحتى الأمثلة والنماذج الفقهية التي وردت في فقه السابقين ولم تُلغَ ليست بلا فائدة لنا، بل يمكن الاستفادة منها في مسائل جديدة تظهر في عصرنا، ومن خلالها نستخلص الفقه المعاصر. الأسئلة والأجوبة الفقهية الماضية يمكن أن تكون مفتاحًا لحل احتياجات اليوم الجديدة.

على أي حال، أدت نتائج القصر في الاجتهاد الفقهي الشيعي إلى إبعاده لفترة طويلة عن حياة الناس، وهذه النتائج دفعت فقهاء مثل الشهيد الصدر إلى تحذير المسلمين من خطرها. ففي مقاله «الاتجاهات المستقبلية» يشير إلى بعض هذه النتائج وينبه الفقهاء وخبراء الدين إليها، ويقول:

أدى القصر في الاجتهاد وتركيزه على الحالة الفردية فقط إلى نسيان العديد من المسائل الفقهية. هذا المنظور جعل المجتهد عند الاجتهاد واستنباط الأحكام يراعي فقط الفرد المسلم ويبحث في حاجاته الفردية، متجاهلًا حاجات المسلمين الاجتماعية، واستبدل الواجبات الاجتماعية بالواجبات الفردية. لم يُنتج القصر في الاجتهاد فقط ضيق نظر الفقيه، ولم يقتصر موضوع الفقه على جزء منه فقط، بل أدى تدريجيًا إلى ترسيخ الفردية في ذهن الفقيه، وجعله ينظر إلى الشريعة من منظور فردي فقط؛ لأن رسوخ الجانب الفردي في ذهن الفقيه والتفكير في الفرد ومشاكله الفردية أدى إلى رد فعل فردي تجاه الإسلام، وأصبح التفكير في الدين محصورًا في المجال الفردي فقط. كأن تطبيق واقع الشريعة يكون فقط في الحالة الفردية، ويجب على الفقيه أن يفكر في علاج الحاجات الفردية فقط، وأن يوافق الإسلام على الجانب الفردي من الحياة فقط.

والآن نذكر مثالين من مسائل علم الفقه والأصول، ومن خلال بيانهما يتضح كيف أدى الفردية في هدف الاجتهاد إلى فردية الشريعة نفسها، وجعل الدين محصورًا في الجانب الفردي فقط.

في أصول الفقه، في مباحث دليل الانسداد، يُقال: طالما نعلم أن هناك في الشريعة تكاليف وأوامر ولا يمكننا الوصول إليها بالقطع، فلا بد من الاستعانة بالظن للتعرف عليها. هذا الفكر لا يقبله الأصوليون ويعتبرونه مردودًا، ويقولون: لماذا نلجأ إلى الظن بعد انسداد باب العلم؟! يمكننا أن نجعل المكلف يلجأ إلى الاحتياط بحيث يحتاط في كل واقعة بدلاً من استخدام الظن في التعرف على الواجب، وبالاحتياط يبرأ ذمته من التكليف الشرعي. ومن جهة أخرى، إذا أدى التوسع في الاحتياط إلى الحرج والمشقة، يمكن لكل مكلف أن يقلل الاحتياط إلى الحد الذي لا يسبب حرجًا.

بالتأمل في هذا الافتراض ندرك كيف سيطر الفردية في هذا الفكر على أصحاب الرأي؛ لأن أمر الشريعة بتقليل الاحتياط لكل فرد مكلف يكون حينما يكون التشريع موجهًا للفرد فقط، أما إذا كانت الشريعة لإدارة المجتمع وتحديد الواجبات الاجتماعية فلا يمكنها أن تعطي أمرًا فرديًا وتكتفي بالاستجابة لحاجات الفرد فقط؛ لأن فردًا واحدًا قد يستطيع أن يبني حياته على الاحتياط، لكن جميع أفراد المجتمع لا يمكنهم أن يجعلوا علاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والتجارية والسياسية قائمة على الاحتياط.

نأخذ مثالًا فقهيًا من الاعتراض الشهير الذي طرحه الفقهاء حول قاعدة «لا ضرر ولا ضرار». فقد قالوا: قاعدة لا ضرر ترفع كل حكم ضار في الإسلام، مع أن هناك أحكامًا ضارة كثيرة في الإسلام، مثل تشريع الديات والقصاص والضمان والزكاة؛ لأن دفع الدية أو تحمل القصاص يسبب ضررًا للقاتل، وكذلك دفع تعويض المال لمن أفسد مال غيره، وأيضًا دفع الزكاة يسبب ضررًا ماليًا.

لكن هذا الاعتراض يأتي من منظور فردي للفقه؛ لأن هذه الفردية جعلتهم يظنون أن هذه الأمور ضرر، ولكن إذا نظرنا إلى هذه الأحكام من منظور اجتماعي وأخذنا مصالح المجتمع في الاعتبار، فإن هذه الأحكام ليست ضررًا بل خلو الشريعة من تشريع الضمان والحقوق المالية هو الضرر.

النظرة الفردية في ذهن الفقيه تجعله دائمًا يفكر في حل مشكلة الفرد المسلم وليس المجتمع المسلم. على سبيل المثال، يحاول حل مشكلة تعامل الفرد مع البنك الربوي بإيجاد دليل واقتراح طريق شرعي لقضاء معاش الفرد المسلم. بينما نظام البنوك الربوية هو مشكلة اجتماعية، وإذا اقترحنا طريقًا شرعيًا وقانونيًا يتوافق مع الواقع المعيشي للفرد، فإن المشكلة الاجتماعية تبقى دون حل.

القصر في النظر في الفقه وترسخ الفردية في ذهن الفقيه أثر أيضًا على فهم النص الشرعي ومفهوم الدليل الشرعي. لذلك ينسى شخصية النبي أو الإمام الحاكمة ولا يأخذها في الحسبان، وعندما يصدر النبي نهيًا عن شيء، مثل نهي أهل المدينة عن الإسراف في استهلاك الماء، يفسر الفقيه الفردي هذا النهي إما كتحريمي أو كراهية، مع أن هذا النهي ليس تحريميًا ولا كراهية، بل هو نهي حكومي، حيث ينهي النبي بصفته الحاكم ورئيس الدولة في زمن معين عن شيء، ولا يمكن اعتباره حكمًا عامًا في كل زمان ومكان. ومن جهة أخرى، لا يستطيع الفقيه الفردي أن يواكب نصوص الأدلة الشرعية بروح الواقع ويستخلص منها قاعدة عامة، لذا يقوم بتجزئة الموضوع الواحد ويلتزم بأحكام مختلفة له.

في كتاب الإيجار، تُطرح مسألة هل يجوز للمستأجر أن يؤجر ما استأجره لغيره ويأخذ إيجارًا أعلى؟ في بعض الروايات نُهي عن هذا الفعل. بعض هذه الروايات تنهى عن تأجير البيت المستأجر، وبعضها عن تأجير الطاحونة والسفينة المستأجرة، وبعضها عن تأجير العمل الذي استأجر فيه المراعى. في الواقع، هذه النصوص مثل غيرها جاءت في أغلب الأحيان لتبيان حكم بعض المواضيع وتحديد واجب المكلف في تلك المواقف الخاصة. إذا نظرنا إلى هذه الروايات بروح التوافق مع الواقع وعلمنا أن الهدف منها هو تنظيم العلاقات الاجتماعية، فلن نلزم بتجزئة الموضوع، بل نستخلص حكمًا عامًا بأن المستأجر لا يحق له تأجير ما استأجره. أما إذا نظرنا إليها من منظور الفردية، فسنقبل التجزئة بسهولة ونقول إن المسألة تخص الحالات المذكورة في الروايات.[۱۲]

من وجهة نظر الشهيد الصدر، العواقب الخاطئة للقصر في الاجتهاد والفردية فيه هي كما يلي:

١- القصر في الفقه، تحديد موضوع الاجتهاد، تضييق هدفه، وتخلي النظام الاجتماعي.

٢- تبرير الواقع الخارجي في المواضيع المطروحة وإجبارها على قالب يتوافق مع الشريعة، وعدم قبول الواقع الموضوعي الموجود في الخارج. ترك شخصية النبي الحاكمة والإمام وعدم الانتباه إلى نوع الأحكام الحكومية والأوامر التي يصدرها النبي أحيانًا بصفته حاكمًا وقائدًا للمجتمع.

٣- الخطأ في فهم النصوص الشرعية بعدم جمعها بطريقة مناسبة توافق العرف والمحادثة.

٤ـ العجز عن استخراج القواعد الفقهية والقوانين العامة من النصوص والروايات، بل تحليل موضوع واحد وإثبات عدة أحكام مختلفة له.

هـ) التحول في مسار الاجتهاد المستقبلي

بعد الانتباه إلى العواقب الخاطئة لقصر النظر في الاجتهاد، يجب أن يتغير مسار الاجتهاد عبر التاريخ، ويستعيد هدفه الأصيل والواسع ويتجه نحوه. كما يجب أن يدرس احتياجات المجتمع اليوم بنظرة جديدة، ويتحرر من الضيق المفروض عليه، ويستعد للإجابة على جميع الاحتياجات الفردية والاجتماعية للبشر، وينطلق بناءً على رؤية عالمية واهتمام بجميع أبعاد النظام الإسلامي لتلبية كافة الاحتياجات الإنسانية، حتى يتمكن من مواكبة قافلة الحضارة البشرية المتسارعة.

اليوم، لا ينبغي استخدام الاجتهاد فقط في الاحتياجات الفردية والعبادية متجاهلين كل الأهداف الاجتماعية المهمة؛ بل يجب على الفقيه اليوم أن يطبق الاجتهاد أيضًا في الاحتياجات الاجتماعية؛ عند استنباط الحكم الشرعي، لا ينبغي تصور وجه المسلم الفردي فقط، بل يجب تصور وجه المجتمع الإنساني واستخراج الحكم منه من المصادر الإسلامية الأصيلة. إذا لم نبعد اليوم الفردية عن الاجتهاد ولم نخرجه من نطاق المسائل الفردية ولم ننسقه مع الوضع العالمي الراهن، فسنتخلف عن الحضارة البشرية.

اليوم، بعد رفع الخناق عن المجتمعات الإسلامية وإقبال القلوب نحو الإسلام، وخاصة مع تحقيق الثورة الإسلامية في إيران وظهور حكومة الجمهورية الإسلامية، توفرت جميع الظروف لتوظيف الاجتهاد، والمجتمعات الإنسانية تترقب أداء الاجتهاد الشيعي، لذا يجب توظيف الاجتهاد بكل قوته وفي جميع المجالات التي يمكن أن يكون فعالًا فيها، ومسح غبار الظلم والفردية والضيق والانطواء عن وجهه، وتوجيهه في مساره الأصلي نحو هدفه الواسع. اليوم، مع ظهور حكومة الجمهورية الإسلامية، يجب التوجه إلى توظيف الاجتهاد في الاحتياجات الاجتماعية والسياسية والحكومية، حتى يمكن مواكبة الفقه في مختلف ميادين الحياة. اليوم أصبح واضحًا للعالم أن الإسلام لا يملك برنامجًا للاحتياجات الفردية فقط، بل يمتلك القدرة على إدارة المجتمع وتلبية احتياجاته. يجب أن تكون هناك مراكز استنباط واسعة في الحوزات العلمية لتلبية احتياجات المجتمع. يجب على المجتهد أن يخرج من البيئات الضيقة، وبالنظر إلى اتساع الهدف، ووعي الاحتياجات، والظروف الراهنة، والمصالح، والأفكار الجديدة، والظواهر الحديثة، والموضوع أو الملاك الجديد للاجتهاد، أن يوظف الاجتهاد ويستنبط الحكم الشرعي، ليتمكن من مواءمة مختلف ميادين المجتمع الإنساني المعاصر مع الدين، وتطبيق أحكام الله في المجتمع الحالي، وحل المشكلات.

تأتي ضرورة هذا التحول من أن الاجتهاد مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالظواهر الإنسانية. لقد شهدت الظواهر في حياة البشر في الفترات الأخيرة نموًا متسارعًا لدرجة أثارت دهشة الإنسان عمومًا والمفكرين خصوصًا. لذلك لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، ولا يمكن أن تكون نظرة الفقيه المعاصر في الاجتهاد مثل نظرة الفقهاء السابقين في الأزمنة الماضية. يوضح الشهيد الصدر في مقاله «الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد» ضرورة تحول الاجتهاد وتغير مساره المستقبلي على النحو التالي:

بعد سقوط الحكم الإسلامي في البلدان الإسلامية بسبب حروب المستعمرين الكفار، لم يكن الشيعة وحدهم من طُردوا من ساحة السياسة، بل أدت هذه الحروب إلى إخراج جميع المذاهب الإسلامية من الساحة السياسية، وابتعاد الفقه الإسلامي تمامًا، واستبدال قوانين وأُسس فكرية أخرى لإدارة المجتمع بدلًا من الإسلام، وأصبحت القوانين والحقوق الإسلامية تستمد من تلك القوانين والحقوق التي تنبع من تلك الأُسس الفكرية الجديدة. كان لهذا التحول الجذري في وضع الأمة الإسلامية أثر كبير على حركة الاجتهاد بين الشيعة، وشعر الشيعة بأن الإسلام والمسلمين مهددون من قبل المستعمرين الكفار ونفوذهم السياسي والعسكري وأُسسهم الفكرية، وأحدث هذا الشعور حركة في فكرهم ليصبحوا يقظين، ويتمكنوا من تصور الحقيقة الاجتماعية للمسلمين، وبما لديهم من إمكانيات في ظل الإيمان، يواجهوا هذا الخطر. شعرت حركة الاجتهاد في خضم مقاومتها بأن الجانب الفردي للاجتهاد الإسلامي مرتبط ارتباطًا كاملاً بالجانب الاجتماعي، وأنه مع زوال الجانب الاجتماعي، يزول الجانب الفردي أيضًا. من جهة أخرى، بعد اكتشاف الأُسس الفكرية الجديدة وظهور التجارب الاجتماعية الفارغة التي جلبها الاستعمار، نادت الأمة الإسلامية بوجودها وفكرت في رسالتها الحقيقية التي تجسدت في الإسلام، ومن الطبيعي أن تؤثر هذه النداء على حركة الاجتهاد، وفي خضم التجربة المريرة التي عاشتها بعد الاستعمار، أدركت ذاتيتها وأكدت أن الإسلام مجموعة متكاملة لا يمكن فصل أجزائها عن بعضها.

لا يمكن أن ينفصل تزامن الإنسان مع الإسلام في الساحة الفردية عن تزامنه معه في الساحة الاجتماعية، وإذا تعطلت الساحة الاجتماعية للإسلام، فإن الساحة الفردية ستخبو وتضمحل. كل هذه العوامل تعاونت وساعدت على تحول حركة الاجتهاد الشيعي، واتخاذها طريق المقاومة، والقتال مع الأعداء، والدفاع عن الإسلام، وترسيخ أُسسه، وتحويله إلى قوة قادرة على مواءمة جميع ميادين الحياة مع الإسلام، ومع هذا التحول، اتسع نطاق هدفه وبدأ عمله مع الأخذ في الاعتبار كلا المجالين الفردي والاجتماعي معًا.

ها هو بداية هذا التحول الظاهر وقد أصبح واضحًا لنا. إن دراسة بعض القضايا مثل قضية النظام الحاكم، طريقة الاقتصاد وغيرها من القضايا الاجتماعية من وجهة نظر الإسلام، كلها علامات على تحول حركة الاجتهاد وشهادة على هذا التغيير الكبير في حركة الاجتهاد، وطالما أن أمة الإسلام في حالة ازدهار وتقدم وتتجه نحو الإسلام لتدركه في حياتها كرسالة حقيقية، ومع حركة الاجتهاد بين الشيعة ضمن هذا الموضوع الرسالي الشامل، فإنها ستتمتع بالإسلام. ومن الطبيعي أن نؤكد أن حركة الاجتهاد التي تهدف إلى تحقيق هذا الهدف ستستمر بتوسيع هدف الاجتهاد في جميع ميادين الحياة وتوحيدها مع الفكر الإسلامي، وستبلغ ذروتها باتباع وتنمية رسالة الإسلام في المجتمع المسلم وارتباط الحركة بمسارها النضالي في الدفاع عن الإسلام. ولكي نتمكن من توقع مسار الاجتهاد المستقبلي الذي تحقق نتيجة التغيير في الهدف، يجب أن نعود إلى زمن ما قبل تحول حركة الاجتهاد ونبحث عما كان عليه قبل الوضع الحالي، ونستخرج الآثار المنسية في الاجتهاد، ونبحث الآثار التي ظهرت بسبب نسيان نصف هدف الاجتهاد والنتائج التي حملها هذا النسيان علينا، لكي نستطيع فهم مسار الاجتهاد المستقبلي حتى يتحقق وقت بلوغ التحول والكمال في توسيع الهدف في الاجتهاد في جميع أبعاد الحياة التي ننتظرها.[۱۳]

و) النظرة الاجتماعية في الاجتهاد

الإسلام دين إدارة المجتمع على أسس العدل والإنصاف، والاجتهاد وسيلة لتطبيق أحكام الدين والتعرف عليها. يجب على المجتهد أن يستخرج قانون إدارة المجتمع في ميدان الحياة من المصادر الإسلامية بالاجتهاد، وأن يدرس الأدلة بنظرة اجتماعية وحكومية، وأن يتخيل الإنسان الاجتماعي في ذهنه أثناء الاستنباط؛ خاصة في هذا الزمن الذي تحقق فيه ظاهرة غير مسبوقة في مجتمعنا. هذه الظاهرة هي انتصار الثورة في الأرض المجيدة الإسلامية، إيران، التي جعلت الإسلام يظهر كمذهب حي وديناميكي في ميادين الحياة المختلفة.

كان الانتصار العظيم للثورة الإسلامية في إيران بقيادة حضرة الإمام الخميني ـ رضوان الله عليه ـ وبطاعة هذا الشعب الكريم والمضحي سببًا في دهشة العالم وأوقعهم في حيرة، لأنه حقق ما كان يُعتبر مستحيلاً.

وعلى هذا الأساس، زادت توقعات وطموحات المجتمعات الإسلامية، بل المجتمعات الإنسانية، من الإسلام ومن الاجتهاد، ويجب أن يكون الاجتهاد بنظرة اجتماعية إلى المصادر الإسلامية قادرًا على تلبية توقعاتهم والرد على حاجاتهم.

توقعات المجتمعات من الإسلام هي كما هي في حقيقتها وواقعها، أي نظام حكم قوي يندمج في حياة الناس ويتقدم معهم خطوة بخطوة. في الحقيقة، كان انتصار الإسلام في إيران نتيجة نظرة اجتماعية للاجتهاد التي استطاعت أن تخلق كل هذه الإنجازات وتحدث حركة جديدة في العالم الإسلامي. لقد جعلت الثورة الإسلامية العالم يدرك أن الإسلام قادر على إدارة وتوجيه المجتمع في جميع أبعاد الحياة المعقدة. هذه النظرة الاجتماعية في الاجتهاد هي التي دفعت الحوزات العلمية إلى السعي نحو التغيير والتحول، ووضع برامج بحيث يتم في التعليم والتدريس التعرف على القضايا الاجتماعية الجديدة ودراستها وتوافقها مع الإسلام.

لم يعد الاجتهاد قادرًا على تجاهل القضايا الاجتماعية أو أن يكون غافلًا عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. يجب أن تصبح هذه القضايا جزءًا من الدروس الأساسية في الحوزات، ويجب أن تُدرس النصوص الإسلامية بنظرة اجتماعية حتى يُزال الفردية من ذهن المجتهدين في المستقبل، ويأخذوا في الاعتبار النظرة الفردية والاجتماعية معًا. لقد أكد الشهيد الصدر في كتاباته المتعددة على النظرة الاجتماعية في النصوص، وبشر بنصر الفقه والاجتهاد. وقد حذر من الفردية في الاجتهاد وتصوير الفرد عند الاجتهاد.

في مقاله «الفهم الاجتماعي للنص في فقه الإمام الصادق(ع)» يقول: السؤال الذي يجب طرحه في هذا المجال هو: إذا كان المجتهد الذي يريد دراسة نص ديني وفهم معناه والسير حتى الوصول إلى معناه النهائي وأخذ جميع حدوده في الاعتبار، إذا ما أخذ دلالات اللفظ (الدلالة الوضعية والسياقية) بعين الاعتبار وحصل على الدلالة اللغوية للنص، هل يكون قد بلغ مقصوده وفهم المعنى النهائي؟

والجواب هو نعم ولا! نعم إذا كان المجتهد ملتزمًا بالمعنى اللغوي ويعتمد على اللغة في فهم النص الشرعي؛ أي أنه إنسان يعرف فقط الدلالة اللفظية ولا يعلم شيئًا آخر، وعندما يريد فهم النص، فإن عمله يقتصر على دراسة الدلالة اللفظية ويأخذ بظاهر اللفظ على هذا الأساس ويدرك معنى النص.

أما الجواب فهو بالنفي إذا أراد المجتهد أن يدرك مفهوم النص مع مراعاة الوقائع الاجتماعية وكونه واحدًا من العقلاء من نوعه الذين عاشوا في جميع الميادين المتنوعة للحياة الاجتماعية؛ لأن الأشخاص الذين يعيشون حياة اجتماعية يكونون على دراية بالتفاعلات الاجتماعية مع أفراد المجتمع الآخرين، وينشأ بينهم وعي مشترك وأفق ذهني عام. ويسمّي المجتهدون في الفقه هذا الوعي المشترك بـ«مناسبات الحكم والموضوع». على سبيل المثال، يقولون: إذا دل النص على أن من أخذ ماءً من نهر أو خشبًا من غابة يصبح مالكه، مع أن هذا النص خاص (بالماء والخشب)، إلا أننا نستخلص منه قانونًا عامًا مفاده أن من أخذ شيئًا من الثروات الطبيعية الخام وتصرّف فيه يصبح مالكه، ولا فرق بين الماء والخشب وغيرها من الموارد الطبيعية الخام؛ لأن مناسبات الحكم والموضوع في هذا النص تعلمنا قانونًا عامًا وتخرج الحكم الشرعي من نطاق الماء والخشب.

ومثال آخر في هذا المجال هو أنه إذا قال النص الشرعي إن الثوب الذي ينجس بالماء النجس يجب غسله، نستنتج من هذا النص أن الماء النجس إذا وصل إلى أي شيء يجعله نجسًا سواء كان ثوبًا أو غيره؛ لأن مناسبات الحكم والموضوع التي تركزت وترسخت في ذهن العرف العام لا تقبل أن ينجس الماء النجس الثوب فقط ولا ينجس غيره. إذًا، جاء الثوب في هذا النص كمثال ونموذج وليس لتقييد الحكم في هذا الموضوع. في الحقيقة، مناسبات الحكم والموضوع هي نتيجة النظرة الاجتماعية والأفق الذهني العام والأساس الفكري المشترك الذي يؤدي إلى تعميم الحكم والقانون وجعله عامًا، وعلى هذا الأساس يستطيع الفقيه أن يستخلص قانون التملك العام من خلال التصرف وقانون النجاسة العامة من خلال الملاقاة مع الماء النجس، ويجعل نطاق هذين الحكمين أوسع مما ورد في النص. وهذه النقطة هي مقصدنا من الفهم الاجتماعي للنص، وبناءً عليه فإن الفهم الاجتماعي للنص يختلف عن الفهم اللغوي واللفظي للنص.[۱۴]

ثم ميز الشهيد صدر بين العبادات والمعاملات، ورأى أن النص في العبادات يجب أن يُحمل على معناه اللغوي ولا يجوز تعدي حالة النص وتعميم الحكم إلى حالات أخرى، أما إذا كان النص في المعاملات فيمكن حمله على قانون عام ودراسته بنظرة اجتماعية وعامة.

وفي شرح هذا المعنى يقول: إذا ورد في الرواية أن من شك في عدد ركعات صلاة المغرب فصلاةُه باطلة، فلا يمكن تعميم هذا الحكم على صلاة الظهر أيضًا؛ لأن نظام العبادات نظام غيبي يخرج عن الوعي العام والأفكار الاجتماعية لدينا. أما إذا كان النص متعلقًا بمشهد من الحياة الاجتماعية مثل المعاملات، فإن الفهم الاجتماعي يؤثر في استنباطه؛ لأن الناس في هذه المجالات لديهم وعي وفهم مشترك، وهذا الوعي يمكن أن يحدد حدود الحكم الوارد في النص أو يوسع أو يضيق دائرة موضوعه. وطبعًا دليلنا على الاعتماد على الفهم الاجتماعي هو نفس أصل حجية الظهور؛ لأن هذا الفهم الجماعي للنص يخلق نوعًا من الظهور، وهذا الظهور كظهور اللفظ حجّة.[۱۵]

الفرق بين القياس والفهم الاجتماعي

شرح الشهيد صدر باختصار الفرق بين الفهم الاجتماعي والقياس حتى لا يظن أحد أن الفهم الاجتماعي هو نفسه القياس أو من مصاديقه.

ومن الواضح أن القياس في المذهب الشيعي باطل، وقد ورد في العديد من الروايات عن الأئمة المعصومين؟عهم؟ إعلان بطلانه وذمه.

دخل أبو حنيفة على الإمام الصادق(ع). فقال له الإمام(ع): «قيل لي إنك تقيس في الدين!؟ قال: نعم. قال: فلا تقس، فإن أول من قاس إبليس».[۱۶]

وفي رواية أخرى يقول الإمام(ع): «اعلموا أن الله لم يرد ولم يأمر أن يعمل أحد في دين الله بهوى نفسه ورأيه والقياس. إن الله أنزل القرآن وبيّن فيه كل شيء».[۱۷]

كما ورد عنه(ع) قوله: «أهل القياس تعلموا العلم بالقياس، وأبعدهم القياس عن الحق، إن دين الله لا يُنال بالقياس».[۱۸]

ويذم النبي الكريم(ص) أيضًا استخدام القياس ويقول: «من قاس في ديني فليس مني».[۱۹]

فصل الشهيد صدر فهمه الاجتماعي عن القياس، ففرّقهما واعتبرهما حقيقتين مختلفتين، وجعل القياس باطلاً والفهم الاجتماعي حقاً. يقول: مما تقدم يمكننا التمييز بين الفهم الاجتماعي للنص والقياس الذي ثبت بطلانه في الفقه الجعفري؛ لأن الفهم الاجتماعي للنص هو العمل بظاهر الدليل الذي هو حجّة عند العقلاء، أما القياس فهو نقل الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. عندما نستخلص الحكم بالفهم الاجتماعي ونعمم الحكم على موضوع ليس فيه النص، لا نريد أن ننقل حكم موضوع النص إلى موضوع آخر ليكون قياساً، بل الفهم الاجتماعي وقراءتنا للنص هو قرينة على عمومية الحكم؛ أي أن هذه القراءة والقرينة تخلق دليلاً ظاهرياً جديداً يجعل الحكم عاماً وشاملاً. إذن، الحكم العام قد استُخلص بفضل ظهور اللفظ وبالاعتماد على القراءة من المناسبات. بناءً على ذلك، الحكم لم يتجاوز موضوعه، بل تم التوسع والتعميم في موضوع الحكم.[۲۰]

الفهم الاجتماعي مفتاح حل عقدة الفقه

لا شك أن المصادر الأصيلة لاستخلاص الأحكام الفقهية غير كافية لجميع موضوعات الحوادث المعقدة التي تواجه جميع البشر، خاصة في هذا العصر الذي تتجه فيه المجتمعات البشرية بسرعة نحو التقدم في العلوم المختلفة؛ فالآيات القرآنية التي يمكن من خلالها استنباط الحكم الشرعي بوضوح محدودة، والروايات التي وردت عن أئمة الدين في بعض الموضوعات وبمناسبات معينة. فإذا نظرنا إليها بنظرة ضيقة وجمودية، فإن الأحكام الشرعية ستقتصر على دائرة ضيقة من الموضوعات ولن تكون قادرة على إدارة المجتمع البشري.

من ناحية أخرى، من الواضح أن الإسلام دين كامل وعالمي، جاء لجميع البشر وفي كل زمان ومكان. لذلك، يصبح الفهم العام في الفقه ضرورياً لنا، وللتخلص من المشاكل يجب أن نلجأ إليه، وأن نحاول قدر الإمكان أن ندرس النصوص الدينية بنظرة اجتماعية، وأن نأخذ في الاعتبار مناسبات الحكم والموضوع والقراءة العامة عند الاجتهاد، حتى نتمكن من استنباط قانون عام وحكم اجتماعي من النص، ونعالج مشاكل الفقه، ونجيب على تساؤلات الأجيال المعاصرة، ونجد حلولاً للاحتياجات العامة.

يقول الشهيد صدر في هذا الصدد: مع أننا الآن نتحدث عن العلاقة مع الفهم الاجتماعي بحذر، لكنني أعتقد أن هذا الموضوع يفتح عقدة كبيرة في الفقه، وهذه العقدة هي أن كثيراً من الأحكام تُستخلص من خلال الإجابة على أسئلة الرواة أو تُذكر في بداية الكلام (ليس كبيان لقانون عام أو حكم شامل). بالطبع، إذا اكتفينا عند الاجتهاد واستنباط الحكم الشرعي بالفهم اللغوي والتفسير الحرفي، ستكون النتيجة أن كثيراً من الأحكام ستقتصر على الموضوع الذي ورد في الرواية أو الحالة التي سُئل عنها، مع أننا نعلم أن بيان الأحكام الشرعية ليس فقط لتوضيح حكم ذلك الموضوع أو الحالة الخاصة، بل لبيان الحكم العام الإلهي والقانون الشرعي الشامل، رغم أن السؤال كان في نطاق موضوع أو حالة خاصة. لذلك، إذا نظرنا إلى الرواية بالفهم الاجتماعي ومناسبة الحكم والموضوع، ودرسناها، سنقترب من تحديد حدود وواقع تلك الأحكام المحتملة.[۲۱]

ز) المستقبلية في الاجتهاد

آية الله العظمى الشهيد صدر، بعد دراسة ماضي الاجتهاد ونواقصه في التطبيق والنتائج المترتبة على ضيق النظر فيه، وبالنظر إلى تحولات الحضارة البشرية وتقدم العلوم المختلفة والظواهر الجديدة في جميع ميادين الحياة، وهزيمة حضارة الغرب أمام الإسلام، وفراغ ثقافة الشرق والغرب، وإفلاس الاستعمار القديم وعجزه، توصل إلى حقيقة أن جيل اليوم من البشر يريد حضارة أخرى تستطيع أن تجيب على تساؤلاته وتلبي احتياجاته. وهذه الحضارة والثقافة تتحقق في ظل تعاليم الإسلام. بناءً على ذلك، تميل القلوب إلى الإسلام وتحلق الأرواح نحوه، وكثر الباحثون عن طريقه وأنصاره.

الإسلام في حقيقته وواقعه قادر على الإجابة عن الأسئلة وتلبية الاحتياجات، وهذا الثورة العالمية في الاجتهاد تؤثر وتسحب الحوزات العلمية معها، وسرعان ما تبدأ عملها في الاجتهاد، ولا بد أن يظهر الفقهاء رد فعلهم تجاه هذا التيار، وأن يتحركوا وفق حاجات المجتمع، ويجيبوا على الأسئلة، وأن يظهر في الاجتهاد نظرة جديدة ما دامت المصادر الأصيلة للإسلام تسمح بذلك، وأن يتجنبوا ضيق النظر، وينظروا إليه بنظرة اجتماعية، ويدرسوا النصوص فيه، وفي المستقبل القريب تُرفع الفردية وضيق الأفق عن الاجتهاد وتُنسى، ويحل محلها التفكير الواسع، والتوسع في الهدف، والفهم الاجتماعي، والقانونية، والأحكام العامة التي تستطيع أن تجيب على الظواهر الجديدة وأسرار الحضارة المعقدة اليوم.

يعتقد الشهيد صدر ويقول: من الطبيعي أنه عندما تستعيد القوة المحركة للاجتهاد (وهي الهدف) أبعادها الحقيقية، وتتحقق على الصعيدين الفردي والاجتماعي، وتضمّهما معاً، تزول نتائج النظر الأحادي في الاجتهاد، ويُزال وجه العمل من رؤية جانب واحد فقط، ويصبح مضمون حركة الاجتهاد متوافقاً مع الهدف الواسع.[۲۲]

 

الملخص

ملخص آراء الشهيد صدر في مسار مستقبل الاجتهاد في هذا المقال هو كما يلي:

١- يُتوقع أن يكون مسار مستقبل الاجتهاد في قسمين: العامل الفني في الحركة والهدف الواسع للاجتهاد، حيث أن حركة الاجتهاد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالهدف والعامل الفني.

٢- الهدف الواسع للاجتهاد هو مواءمة الفكر الإسلامي مع الحالة الفردية والمشاهد الاجتماعية.

٣- القصر في الهدف عند الشيعة بسبب الظروف الخاصة والوقائع التاريخية أدى إلى اعتبار الاجتهاد مرتبطًا فقط بالحالة الفردية للإنسان وليس بالحقائق الاجتماعية.

٤- القصر في الاجتهاد له نتائج خاطئة على الفقه والنظرة إلى أحكام الدين، مما يؤدي في النهاية إلى عجز الفقه عن إدارة المجتمع.

٥- توصلت أمة الإسلام بعد اكتشاف التجارب الاجتماعية عديمة القيمة التي جلبها الاستعمار لها، والشعور بالصلة بين الحالة الفردية والمشاهد الاجتماعية، إلى أن التغيير في مسار الاجتهاد أمر ضروري.

٦- اعتبار مناسبة الحكم والموضوع يؤدي إلى تعميم الحكم والقانون المستفاد من الروايات.

٧- الفهم الاجتماعي للنصوص الشرعية سيكون مفتاحًا كبيرًا في الفقه؛ لأنه إذا اكتفينا بالفهم الحرفي عند الاجتهاد، فإن العديد من الأحكام ستظل محصورة في نفس النطاق الموضوعي الذي ورد في الرواية.

٨- عندما تستعيد القوة المحركة للاجتهاد (وهي الهدف الواسع نفسه) أبعادها الحقيقية وتنزل إلى الساحتين الفردية والاجتماعية، تزول نتائج القصور الأحادي في الفقه، ويستكمل مسار الاجتهاد النضالي طريقه.

٩- في المستقبل، سيخترق الاجتهاد جميع ميادين حياة المسلمين، ونتيجة لهذا الانقلاب، ستتغير العديد من الأساليب والتصورات والموضوعات.

[۱]. الإمام الخميني ريادة الفقه الإسلامي، ص ٥٠.

[۲]. المرجع نفسه، ص ٨٦.

[۳]. فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، ص ١٣.

[۴]. حرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٨٧.

[۵]. مجموعة مقالات آية الله السيد محمد باقر صدر، العدد ١، ص ٢٣.

[۶]. فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، ص ١٥.

[۷]. حر العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٤١، حديث ٥١.

[۸]. المرجع نفسه، حديث ٥٢.

[۹]. الشيخ حر العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٩، ص ٣١٧.

[۱۰]. انظر: فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، ص ١٥.

[۱۱]. صحيفة النور، ج ١٧، ص ٥٣.

[۱۲]. فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، الصفحات ٢٠ – ١٨.

[۱۳]. انظر: فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، ص ١٦.

[۱۴]. السيد محمد باقر صدر، الاجتهاد والحياة، ص ١٦٢.

[۱۵]. السيد محمد باقر صدر، الاجتهاد والحياة، ص ١٦٤.

[۱۶]. حر العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٢٢، حديث ٤.

[۱۷]. المرجع نفسه، حديث ٢.

[۱۸]. المرجع نفسه، حديث ١٨.

[۱۹]. المرجع نفسه، ص ٢٨.

[۲۰]. السيد محمد باقر صدر، الاجتهاد والحياة، ص ١٦٥.

[۲۱]. السيد محمد باقر صدر، الاجتهاد والحياة، ص ١٦٦.

[۲۲]. فقه أهل البيت، العدد ١، السنة ١٤١٦ هـ، ص ٢١.