آفاق الشمولية العالمية في فكر الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: افق‌هاى جهان‌شمولى در نگاه شهيد صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: عبدالكريم آل‌نجف‌

ترجمة: سيد محمدحسن آيت‌اللهى، عبداللّه أمينى

المقدمة

الشمولية العالمية، هي مؤشر حقيقي وأصيل من علامات الرسالة الإسلامية التي، مثل الأيديولوجيات الأخرى، تتمتع بكليّة غير قابلة للتجزئة؛ حيث تُقبل جميع مؤشرات وخصائصها أو تُرفض كليًا. كما أن الوصول إلى نتائجها وإنجازاتها يعتمد على توفر جميع الأسباب والعوامل وعدم وجود معوقات فعالة.

في العالم الواقعي الإنساني أيضًا، ما لم تتجلى الرسالة الإسلامية بالكامل فيه ولم يتحقق انتشار الرسالة بشكل كامل، فلا يمكن وصف ذلك العالم بأنه إسلامي أساسًا.

الحديث عن شمولية الإسلام موضوع واسع وله جوانب يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة:

١. أحيانًا يمكن استكشاف هذا النقاش من زاوية أهمية انتشار الرسالة الإسلامية وشموليتها العالمية ودرجة حاجة الإنسان إليها في معالجة الأزمات في المجالات الاجتماعية والسياسية وعلى الصعيد الدولي.

للفهم أهمية هذا الموضوع، يكفي الإشارة إلى حقيقة مهمة وإيمان مشترك في الفكر الديني والعرفي (البشري)، وهي الأصل القائل بأن المجتمع البشري في بداية التاريخ كان جماعة مشتركة ومتعايشة. كانت القوانين الفطرية وبساطة الحياة البشرية تربط هذه المجتمعات وتوحدها، حتى دخلت فكرة العيش المشترك والشمولية في البنية السياسية والاجتماعية والأساس والنسق الاعتقادي لهذه المجتمعات.

ومن الجدير بالذكر أن الدين الإسلامي أكد على هذا الأصل ويؤمن بأن الإنسان في بداية الحياة والظهور كان أمة واحدة (مجتمع متكامل) يُدار على أساس الفطرة والغريزة البشرية. كما أشار الله تعالى في القرآن إلى هذه الحقيقة:

«كان الناس أمة واحدة؛ ثم اختلفوا فصاروا فرقًا» (معنى الآية: كان الناس في البداية جماعة واحدة بلا تضاد، ثم نشأت المجتمعات والطبقات وظهرت الخلافات والتناقضات بينهم؛ في هذا الوقت أرسل الله الأنبياء ليبشروا وينذروا وأنزل معهم الكتاب السماوي الذي يدعو إلى الحق؛ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه…).[1] الآية السابقة توضح صراحة أن البشر في البداية كانوا أمة واحدة، يعيشون كمجتمعات متكاملة ومترابطة، ثم ظهرت الخلافات والتعددية بين الأمة، وفي هذا الوقت تظهر المعونات السماوية لتؤدي دورها المباشر والغير وسيط في إعادة البشرية إلى حالتها السابقة التي كانت فيها التعايش في ظل الوحدة والتماسك:

«… ثم أرسل الله الأنبياء … وأنزل معهم الكتاب الذي يدعو إلى الحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه …».

واستمر هذا الدور في مسيرة تبليغ 124 ألف نبي، كان من بينها خمس رسالات أساسية ومهمة، وهي رسالات الأنبياء أولي العزم. وآخر هذه الرسالات هو رسالة وشريعة النبي محمد (ص) التي تُختتم بها الرسالات، وقد أنهى الله بها مصير البشرية، بحيث في نهاية تاريخ البشرية، لا بد من يومٍ لهذه الشريعة والدين، يتفوق فيه على باقي الأديان ويتحقق فيه الانتصار الحاسم والسيادة الشاملة من خلال دولة عالمية وحكومة شاملة تكون دولة وحكومة الإمام المهدي (ع). هذه الدولة تحقق الهدف الأساسي والأساسي من بعثة الأنبياء، كما ورد في القرآن في الآية السابقة: «ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه …».

دور وتأثير الأنبياء والكتب السماوية في إزالة الخلافات من المجتمعات البشرية وتهدئة النزاعات بينها بشكل شامل ومتطور، سيتضح في نهاية التاريخ، لأن في ذلك الوقت ستصل وحدة وتوافق المجتمعات الإنسانية [في مسار تطورها] إلى كمالها.

ومن الجدير بالاهتمام أن المفكرين والمفكرين الغربيين قد وافقوا على الجزء الأول من هذا الرأي، لأنهم يؤمنون بأن المجتمع البشري الأولي كان بدائيًا ومشتركًا. وبناءً على هذا الرأي، كان كارل ماركس يعتقد:

الحياة المشتركة والبدائية هي المرحلة والكمون الأول في وجهة نظر المادية التاريخية، والمرحلة الأخيرة [/ الكمون الرابع] التي تعود فيها المجتمعات إلى الحياة المشتركة هي من ضروريات المسار التاريخي.[2] معنى هذا الكلام أن الماركسية قد قبلت الجزء الثاني، وهو الجزء المستقبلي في رؤية القرآن للعالم، وتوافقت معه، كما كان هذا الأمر مقبولًا في المسيحية التي تؤمن بأن التاريخ ينتهي بظهور ملكوت الله على الأرض على يد السيد المسيح (ع) الذي هو مخلص البشرية.

من ناحية أخرى، كثير من النخب في مجال الفكر والسياسة [أي الجماعات المرجعية الفكرية والسياسية] في العصر المعاصر قد نادت وتدعو إلى مكافحة العنصرية والعودة إلى التعايش البشري وإلى تقدير القيم والمعايير العالمية بدلاً من القيم القومية.

وبالنظر إلى التوافق والاتفاق بين المعتقدات الدينية والآراء والنظريات البشرية في موضوع تقارب الإنسان في المجتمعات الأولية والنهائية للتاريخ، لدينا دليل قاطع ولا يمكن دحضه على أصالة الشمولية العالمية والانتشار الإسلامي، الذي يبيّن عمق تأثيره في حياة الإنسان ودرجة أهميته وخطورة الانحراف عنه.

٢. أحيانًا يمكن متابعة النقاش من زاوية الواجبات والالتزامات التي يفرضها تعميم الإسلام على عاتق المسلمين، وهي: أول واجب على المسلمين هو نشر الإسلام في جميع أنحاء العالم والدعوة إليه في طبقات المجتمعات غير المسلمة، حتى تتجلى صفة الشاهد والشهادة التي يفرضها الإسلام على المسلمين،[3].

٣. وأخيرًا يمكن النظر إلى هذا الموضوع من زاوية الكفاءة والاستحقاق. الإسلام يمتلك الكفاءة لأن يصبح عالميًا ويرتقي بمكانة الإنسان باستمرار ودون انقطاع. وكذلك المسلمون يمتلكون هذه الكفاءة ليكونوا قادة المجتمعات الإنسانية.

لا شك أن الرسالة والواجب الجسيم من هذا النوع يتطلبان جهداً مضاعفاً، متنوعاً وبمستوى عالٍ من الوعي والإدراك للواجبات والمسؤوليات. ولهذا الغرض، هناك أنواع من الجهود والأنشطة التي يمكن أن تشمل جميع الاحتياجات وتلبي كل واحدة منها في وقت واحد، مثل إبراز الوجوه البارزة والشخصيات الرمزية للمسلمين، وكذلك القادة المتميزين والنخب من الدرجة الأولى فكرياً وسياسياً، كقادة وحكماء لهم مكانة عالمية شاملة.

إذا تمكن الكتاب والفنانون المسلمون في أعمالهم الفكرية والفنية من تحقيق هذا النجاح في عرض شخصية النبي الكريم (ص) كشخصية إنسانية متميزة وشخصية بارزة وفريدة عالمياً بطريقة متفكرة، مستندة إلى الدليل وموثوقة، وبأسلوب عادل ومقارن مع شخصيات أخرى يدعي بعضهم التنافس مع النبي في هذه المجالات، وقدموا ذلك للعالم، كما رافقوا كل هذه الأنشطة بتغطية إعلامية وإعلانية مناسبة، فإن ذلك بلا شك سيظهر للعالم وللبشرية أن النبي الكريم هو أسمى شخصية بارزة ورمزية إنسانية في مجال الإصلاح والتغيير الاجتماعي.

وكذلك في شأن أمير المؤمنين علي (ع) الذي هو أيضاً شخصية رمزية في عالم الإنسانية في ميدان العدالة الاجتماعية، وكذلك الإمام الحسين (ع) الذي هو أسمى شخصية ثورية في تاريخ البشرية… وأخيراً نصل إلى حضرة الإمام المهدي (ع) الذي تؤكد النصوص الإسلامية أنه خلاصة القيم الإنسانية، وأبرز شخصية في السعي للعدالة، والتغيير والإصلاح.

يمكن أن يستمر هذا المنهج ويختار بعض الوجوه البارزة للمسلمين كمجموعات مرجعية، بحيث يؤكد على كفاءة المسلمين في استمرار دورهم كشاهد ودليل ومرشد للبشر،[4] وخاصة يمكن الإشارة إلى سلسلة من النخب والحكماء المعاصرين.

وبلا شك يُعتبر الشهيد صدر في هذه السلسلة رائداً ورمزاً بارزاً. إنه رمز لامع، لو أُتيح لأشعته أن تستمر في الإشعاع وأُتيحت له الفرصة، لكان بلا شك قادراً على التغلغل في قلوب أحرار العالم والمفكرين والمستضعفين أينما كانوا، والاستقرار فيها. لكن قلة الاهتمام والتقصير منعت هذا الشعاع النوراني من بلوغ هدفه النهائي [وأسهمت في تقليل بل وإلغاء تأثيره الأكبر].

ما هو تصورنا للأفق العالمي؟

العالمية مصطلح يُستخدم لثلاثة مفاهيم:

1- الشمولية وانتشار الشهرة والسمعة؛

2- الاهتمام بقضايا البشرية وما يتعلق بالقضايا العامة والمصيرية؛

3- احترام دور العناصر الأصيلة والأساسية الإنسانية في أنشطة الفرد والمجتمع والتاريخ، وعدم تفضيل العناصر المحلية مثل اللون والعرق والقومية.

إن النظرة الاعتقادية المبنية على هذا المحور والرؤية الأيديولوجية المستمدة منه تسمى النظرة العالمية[5]. ومن ناحية أخرى، النظرة التي تقوم على تفضيل دور العناصر القومية والوطنية والعرقية تُسمى النظرة المتعصبة.

ومن الواضح أن مقصدنا وهدفنا في هذا البحث هو التطبيق والخيار الثالث. وفي هذا السياق نسعى لدراسة وتحليل الحلول والآراء والرؤى والبحوث التي قدمها الشهيد صدر حول المعنى الثالث، رغم أن شخصيته ومدرسته ووجهات نظره تتوافق مع المعاني الثلاثة، لأنه شخصية مفكرة وعالمية؛ فهو من جهة يستحق مكانة عالية ومرموقة [المعنى الأول]، ومن جهة أخرى بسبب اهتمامه بقضايا البشرية وحل الأزمات والمشكلات الاجتماعية والفكرية يُعتبر مفكراً عالمياً [المعنى الثاني]، وأيضاً لأن الحلول والمشاريع التي قدمها في مجال حركة الفرد والمجتمع والتاريخ مبنية على العناصر الأصيلة والأساسية الإنسانية وبعيدة عن العناصر المحلية [المعنى الثالث].

ونظراً لأن المعنى الثالث من جهة يتضمن قضايا مثيرة للجدل وذات أهمية كبيرة ويواجه مشكلات، ومن جهة أخرى لا يستبعد احتمال الانزلاق والسحب إلى طرق منحرفة وخطيرة، فمن الطبيعي جداً أن الذين يعطون أهمية لهذه القضايا ويخشون هذه المخاطر يتوجهون إلى الشهيد صدر بصفته مفكراً نبيهاً ومفكراً أصيلاً في الإسلام المعاصر، ويسعون لإيجاد حلول للمشكلات وعلاج للأزمات في مدرسته الرائدة والمعاصرة، ويستلهمون من آرائه ونظرياته.

أبعاد الشمولية والعالمية في مدرسة الشهيد صدر

عندما يبحث الباحث في نظرية وفكر العالمية والحلول التي قدمها الشهيد صدر في هذا المجال ضمن مدرسته النظرية وفي مؤلفاته التي تركها، يواجه وفرة من الآراء والأفكار والأدلة والمؤشرات التي وردت أحياناً بشكل مفصل وأحياناً بشكل مختصر، ويمكن تقسيمها إلى الأبعاد الأربعة التالية:

  1. الأبعاد العالمية في المجال الاعتقادي،
  2. الأبعاد العالمية في المجال التاريخي،
  3. الجوانب العالمية في المجال السياسي،
  4. الأبعاد العالمية في الحياة (المنش) الشخصية للشهيد صدر.

أولاً: الأبعاد العالمية في المجال الاعتقادي

مفهوم العالمية في الإسلام ليس شعاراً عاطفياً وعابراً، بل هو حقيقة أخلاقية وحياتية جذورها وأساسها من عمق العقائد التوحيدية المبنية على الإيمان بالله سبحانه وتعالى العظيم؛ الله الذي هو الكمال المطلق وأسمى وجود في الوجود وحياة الإنسان، والذي يقتضي أن تخضع جميع المخلوقات تحت راية ربوبيته [وأن تكون كل المخلوقات خاضعة لقوته وقيادته وترتبط به].

به مثل اين ايمان، چارچوب اعتقادي و عاطفي شكل مي‌گيرد كه آحاد بشر را به صورت برادران ايماني به هم پيوند مي‌دهد. اين خود به از بين بردن تمامي اختلافات و امتيازات بومي و طبيعي و جايگزيني آنها با امتيازات مؤثر مي‌انجامد. البته به شرط آنكه ايمان به خدا و باور به او محور اساسي جوامع بشري به جاي عوامل مادي و عناصر محيطي-جغرافيايي قرار گيرد.

از اين رو معتقديم اسلام تنها اصول اعتقادي است كه مي‌تواند به گونه‌اي واقعي جهان‌شمول باشد. همچنين بر اين باوريم كه هر جهان‌شمولي ديگر، غيرواقعي خواهد بود كه ابتدا با شعارهاي احساسي و پوشالي آغاز شده و در نهايت پوششي براي خصومت‌ها و دشمني‌ها و توجيهي براي چيرگي و سلطه يافتن بر ديگران مي‌شود، زيرا غلبه بر عناصر محيطي-جغرافيايي كه جوامع بشري را به قبايل، اقوام و ملل تقسيم مي‌كند، ميسر نيست مگر از طريق ارزش‌ها و آرمان‌هاي پويا و نشاط‌آور الهي كه در مقايسه با وابستگي‌ها و تمايلات پوشالي، والاترين و ارزشمندترين پيوندها را براي انسان به ارمغان مي‌آورد، چرا كه وابستگي‌ها و پيوندهاي قبيله‌اي، همچنين تمايلات ملي‌گرايانه و وطن‌پرستي [ناسيوناليستي] برخاسته از غرايز خودپرستي [كيش شخصيت] و ديگر عناصر پيرامون اين غرايز، با همه ارزش‌هاي مادي و زميني كه در بر دارد، چنانچه در عرصه اجتماعي و در لايه‌هاي آن حاكم مطلق شود، به سرعت از مرزهاي طبيعي خود تجاوز كرده و از تمايلات ساده به دوست داشتن افراطي تبديل مي‌شود؛ يعني از پيوندي اجتماعي به آرمان و ارزش والا آن گونه دگرگوني مي‌پذيرد كه عاملي مي‌شود براي بسيج انسان‌ها در جنگ با ديگران از يك سو و از سوي ديگر باعث مي‌شود انسان تمام خصائص و ويژگي‌هاي خدايي [هويتي الهي] را براي خود بسازد و جعل كند. اين است رنج‌هاي انسان گرفتار آمده در تارهاي تنيده از مطلق‌گرايي‌هاي غيرواقعي، پوشالي و ساختگي كه شهيد صدر در پاره‌اي از آثارش به آن اشاره مي‌كند:

«… در گذر تاريخ گام‌ها و پيشرفت‌هاي موفق تاريخي به چشم مي‌خورد كه نبايد از مرزهاي خود تجاوز كرده و به امور مطلق [عام و همگاني] و از آن به ارزش‌هاي والا و آرمان‌ها تبديل شوند، بلكه مي‌بايست در ضمن آرمان و ارزش‌هاي والا به آنها پرداخت و آنها را به كار گرفت، نه اينكه آن را به ارزش‌هاي والا متحول نمود. به عنوان نمونه هنگامي كه در روند تاريخ از اجتماع خانواده‌ها قبيله شكل مي‌گيرد و از اجتماع قبيله‌ها، عشيره و از عشاير، ملتي تشكيل مي‌شود، اين خود گام صحيحي در پيشرفت بشريت و همگرايي اوست اما همه گام‌هايي كه بشر در راه پيشرفت برداشته، نمي‌بايست به ارزش و آرمان والايي تبديل شوند و مطلق گردند. به عنوان مثال نمي‌بايست عنصر عشيره (عشيره‌گرايي) آن‌چنان مطلق گردد كه در دفاع از آن، انسان‌هايي به جنگ بپردازند.

در حقيقت ارزش مطلقي كه انسان در دفاع از آن به جنگ برمي‌خيزد و تنها آن است كه ماندگار مي‌باشد و ارزش مطلق و كمال حقيقي و واقعي و جاودان است. خداوند منزه و بلندمرتبه است. گام‌هاي بشري به عنوان سنت، روش و سبك باقي مي‌مانند اما ارزش مطلق جاودان و ماندگار، خداوند سبحان است. از سوي ديگر جاودان كردن و عموميت زماني دادن به آرمان‌ها و ارزش‌هاي بشري، نوعي تعميم اشتباه‌آور است. مثل اينكه آرمان و ارزشي را كه از يك گام محدود بشري گرفته شده، در گذر تاريخ به آرماني والا و ارزشي برتر تبديلش مي‌كنند!».[6] سپس شهيد صدر در جاي ديگر بين آرمان و ارزش والا و حقيقي و آرمان و ارزش پوشالي و غيرحقيقي مقايسه كرده و مي‌گويد:

«آرمان و ارزش والا و برتر، جامعه بشري را به وحدت رسانده و همگرايي ايجاد مي‌كند و همه امتيازات و مرزها را با توجه به همگاني بودن و عموميت داشتنش، از ميان مي‌برد. به همين دليل همه مرزها را فرا گرفته و اختلافات را در خود هضم مي‌كند و بشريت را در وحدت و همگرايي متوازن، همسان و برابر قرار مي‌دهد كه هيچ تبعيضي در آن، نه از ناحيه نژاد و خون و نه جنسيت و نه قوميت و نه از ناحيه مرزهاي جغرافيايي با لايه‌ها و طبقه‌هاي مختلف جامعه، ديده نمي‌شود. آرمان و ارزش‌هاي والاي انساني به دليل عموميتش، به بشريت انسجام و وحدت مي‌بخشد، اما آرمان و ارزش‌هاي پست زميني و مادي، بشريت را تجزيه و متفرق مي‌كند [و واگرا مي‌سازد]. نگاه كنيد به آرمان و ارزش والا كه چگونه است و سخن آن چيست:

«اين (پيامبران بزرگ و پيروانشان) همه امت واحدي بودند (و پيرو يك هدف)؛ و من پروردگار شما هستم؛ پس مرا پرستش كنيد!»[7] و «و اين امت شما امت واحدي است؛ و من پروردگار شما هستم؛ پس، از مخالفت فرمان من بپرهيزيد!».[8] اين آيات، بيان عموميت و دليل فراگير بودن آرمان‌هاي والا و ارزش‌هاي حقيقي است كه هيچ حد و مرز و مانعي را براي خانواده بشر نمي‌شناسد. اكنون مشاهده كنيد و گوش فرا دهيد به آرمان‌هاي پست و زميني و به جوامع ظالمانه و به خدايان آنان كه چگونه غزل‌سرايي مي‌كنند و قرآن‌كريم درباره آنان چگونه داوري كرده است:

«فرعون در زمين برتري‌جويي كرد، و اهل آن را به گروه‌هاي مختلفي تقسيم نمود؛ …[9]».[10] شهيد صدر در جاي ديگر مي‌افزايد:

«… هنگامي كه ارزش‌ها و امور نسبي به مطلق دگرگون شده و سپس به خدايي از اين دست تغيير ماهيت مي‌دهند، پيامد اين روند آن است كه حركت‌ها و فعاليت‌هاي انسان در چنبره‌اي از اين خداهاي خودساخته گرفتار آمده، در نتيجه توانايي‌هاي انسان در مسير پيشرفت، تكامل، رشد و نوآوري را تضعيف مي‌كند و آدمي را دچار ركود مي‌سازد و سرانجام انسان را از پرداختن به نقش طبيعي خود در روندي كه براي او گشوده شده است باز مي‌دارد. چنان كه در قرآن مي‌خوانيم:

«لا تجعل إلى الله آلهة أخرى فتُذمّ وتصبح بلا معين ولا ناصر، وتُقعد عاجزًا على الأرض…»[11] إذًا، من المجتمع القبلي إلى عالم العلم والتجربة، نرى سلسلة من الآلهة التي فرضت على الإنسان طوق العبودية والتفاعل معها كقيم مطلقة، مما منعه من التقدم الصحيح نحو النمو والكمال… فكل قيمة محدودة ونسبية يحولها الإنسان في أي مرحلة إلى قيم مطلقة ويرتبط بها على هذا الأساس، تصبح هذه القيم المطلقة في مراحل نموه الذهني الجديدة قيدًا وعائقًا على ذهنه وأفكاره المطلقة التي صنعها هو نفسه، لأن ذهنه محدود ونسبى.»[12]

كرر الشهيد صدر هذا الرأي في المجال الاجتماعي والسياسي مع مزيد من التوضيح قائلاً:

«لهذا السبب، يدين الإسلام كل توجه نحو تحويل الأهداف النسبية والمؤقتة إلى أهداف مطلقة ويرفضه، لأن هذه العملية تمنع استمرار حركة الإنسان [نحو الكمال والنمو] وفي المراحل اللاحقة تعيق تجاوز الأهداف النسبية. كما أنه حين يقاوم مسلم في قريته أو مدينته أو قبيلته الظلم، فإنه لا يجعل من إزالة ذلك الظلم بالذات هدفه النهائي والمطلق، لأن هذا يعني اعترافًا ضمنيًا بالأعمال الظالمة التي تُرتكب في أرجاء العالم. في الواقع، يقاوم الظلم المحلي لأنه جزء من الظلم الذي يمارسه الإنسان تجاه إخوانه البشر. ومن هذا المنظور فقط يمكن إعادة تصوير دور «عبادة بن صامت» الذي انطلق مع إخوته من جزيرة العرب لتحرير الفلاحين من ظلم وظلم إيران.»[13] ولهذا السبب كانت النبوات والرسالات في الحقيقة ثورات سماوية قادها الأنبياء ضد القيم والأهداف الزائفة والمصطنعة؛ تلك القيم والأهداف الفارغة التي تغوي الإنسان وتمنعه من الوصول إلى المطلق الحقيقي والتمتع بظله الوارف والمبهج.

وكما أن مفهوم التوحيد وأصل الميل إلى المطلق الحقيقي، بسبب جوهره وطبيعته، هو مفهوم عالمي وأصل شامل – كما ظهر في التحليل السابق – فمن الطبيعي أن تكون النبوات والرسالات أيضًا عالمية وشاملة بسبب جوهرها وطبيعتها؛ بمعنى أن النبوات تنظر إلى البشر بوحدة نوعية (كيفية) متساوية ومتوازنة، بحيث لا يوجد أي نوع من التمييز أو الانحياز ضد فرد أو قبيلة أو عائلة أو عرق أو منطقة جغرافية على حساب فرد أو قبيلة أو عائلة أو عرق أو منطقة جغرافية أخرى. ولهذا السبب، فإن العالمية والشمولية هي خاصية ومؤشر موجود حصريًا في الدين السماوي الحقيقي. ونتيجة لذلك، لا يوجد أثر للعالمية والشمولية الحقيقية والواقعية لا في المبادئ والاعتقادات المادية ولا في الأديان السماوية المختلطة بالشوائب والنجاسات المادية.

قال الشهيد صدر في هذا الصدد:

«شهد العالم ادعاءات لا حصر لها في مجال الشمولية والعالمية؛ فقد رأى المسيحية الرسمية التي تدعي أنها دين عالمي وشامل، مع أن كتابها المقدس يصف غير بني إسرائيل بأنهم مجرد كلاب، ومع ذلك لم تكن شموليتها إنسانية أبدًا [لا تحمل صبغة إنسانية وبشرية]. كما شهد العالم في العصر الحديث الماركسية التي يدعي أتباعها أن أيديولوجيتها عالمية وشاملة، لكنها لن تكون إنسانية أبدًا، لأن مبادئها مادية وبالضبط منذ اللحظة التي جردت الإنسان من مصدر عظمته وأبرز خصائصه، وهي البعد الروحي والديني كمحور إنسانيته، فقد أنكرت الإنسان وارتدت عليه بالكفر.

عندما لا تكون هناك إنسانية، لا يكون للشمولية والعالمية معنى، لأن مفهوم الشمولية والعالمية يفقد شرطه الأساسي والأصلي وهو الإيمان والاعتقاد بالإنسان بسبب ما سبق. يبقى الإسلام وحده كدين يدعو ويرسل دعوته إنسانية وشاملة، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، وسيظل كذلك حتى يحين الوقت الذي تعود فيه الأرض وكل من عليها إلى الله.»[14] بناءً على هذا الفكر، يحاول الشهيد صدر في مواضع أخرى أن يبحث هذا الموضوع بعمق أكبر، ويثبت حقيقة الادعاءين التاليين:

  1. صحة الإسلام كرسالة سماوية،
  2. أن الأديان السماوية كانت في البداية توحيدية وشاملة.

الحقيقة الأولى (الإسلام، رسالة سماوية)

تناول في كتابه «المرسل، الرسول، الرسالة» الحقيقة الأولى، وحاول [بنقاشه وتحليله] إثبات واقعية وحقيقة هذين المبدأين في مواجهة الشبهات والاعتراضات التي أطلقها الأعداء للتشكيك في سماوية رسالة الإسلام.

لقد شوهوا الإسلام بأنه شريعة أرضية من صنع النبي.

وقد طرح هذا الادعاء في القديم اليهود والمسيحيون أولًا، ثم في العصور الحديثة بعض المستشرقين صراحة، وأخيرًا بعض القوميين والعرب الوطنيين ضمنيًا (غير صريح) اتجهوا إلى هذا الرأي، لأنهم يعتقدون أن الإسلام قصة قومية ووصفًا قوميًا للهوية العربية في مظاهرها وخصائصها وطبيعتها وفطرتها. وقد كتب الشهيد صدر ردًا عليهم قائلاً:

«لا شك أن رسالة الإسلام ورسالتها – كمفهوم ومحتوى – حقيقة إلهية وفوق الشروط والظروف المادية [لا تندرج تحت أي زمان أو مكان أو ظروف مادية]، ولكن بعد أن تحولت إلى حركة ونشاط متحول وأصبحت منهجًا مستمرًا في مسار التغيير والإصلاح، أصبح من الممكن أن ترتبط وتتشابك مع الظروف البيئية (الزمان والمكان)، وتدخل في حالات مختلفة، ومشاعر وأحاسيس تحيط بها. ونتيجة لذلك، إذا قيل:

إن إحساس العرب وإدراكهم للانفصال والتفكك والانهيار الذاتي، بينما كانوا على وعي بأن آلهتهم وأسمى القيم والمثل العليا لديهم يرونها في حجر ويجسدونها، والذي في لحظة الغضب والحنق يكسرونه أو يشكلونه على هيئة تمرة يبتلعونها عند الجوع، فإن هذا الإحساس يجعلهم يشتاقون إلى الرسالة الجديدة والبعثة الجديدة التي قُدمت، ليتعلقوا بها [ويبحثوا عن آمالهم فيها]، أو مثلاً… إذا قيل:

إن الإدراكات المستمدة من القبلية والفهم والتصورات الناتجة عن الحياة القبلية والعشائرية لعبت دورًا مهمًا في حياة الرسالة والإسلام [وكان لها تأثير بالغ]… على أي حال، كل نظرية ورأي من هذا النوع وكل تحليل من هذا القبيل عقلاني ومنطقي وأحيانًا مقبول؛ إلا أنه تحليل وتفسير للأحداث والوقائع، وليس تحليلًا وتفسيرًا للرسالة والإسلام».[15] ثم يؤكد الشهيد صدر هذه النتيجة قائلاً:

«لا شك أن النبي محمد (ص) لم يكن جزءًا من الاتجاه أو التيار أو الحركة الجديدة، بل إن التيار والحركة الجديدة كانا جزءًا مما رافقه وجاء معه.»[16] «لو كان الإسلام منبثقًا من البيئة والجغرافيا العربية، لكان بلا شك انعكست عليه خصائصهم وسماتهم وتقاليدهم، بينما نرى أن الرسالة الإسلامية جلبت قيمًا ومفاهيم في مجالات الحياة والإنسان والفعل والعلاقات والروابط الاجتماعية…

نرى مجتمعًا قبليًا متربيًا يظهر فجأة على مسرح العالم والتاريخ، وينادي بوحدة البشرية ككل لا يتجزأ؛ مجتمع متربي ومنشأ في بيئة تحترم وتقدس أنواعًا مختلفة من التمييز والتفوق العرقي والنسب الاجتماعي، يظهر ليضع خطًا أحمر على كل أشكال التمييز ويعلن أن الناس متساوون كأسنان المشط ولا فضل لأحد على الآخر، وأن «أكرمهم عند الله أتقاهم»[17]؛ إنه يظهر ليحول هذا الإعلان الرسمي إلى حقيقة وواقع بحيث يصبح الناس هم من يجسدونه ويحييه… البدو الرحل الذين لا تفكير لديهم سوى الهموم البسيطة، وتأمين قوت يكفي لسد جوعهم، والتفاخر فيما بينهم ضمن تصنيفات عشائرية، يظهرون ليقودوا البدو لتحمل أكبر الهموم وقيادة المعارك التحررية والإنسانية، ويوحدوهم ويجمعوهم…».[18] هكذا «نواجه في تلك المرحلة قفزة هائلة، ونهوضًا عظيمًا، وتحولًا شاملًا وواسعًا في جميع ميادين الحياة، وتحولًا في المفاهيم والقيم المرتبطة بمختلف مجالات الحياة؛ ثورة وتحول في القيم والمفاهيم نحو الأفضل والأسمى، بحيث لا يكون مجرد خطوة إلى الأمام. المجتمع القبلي بقيادة النبي يتغير بعمق بحيث يؤمن ويدرك فكرة المجتمع العالمي الواحد [ويُوجه نحو منهج عالمي وبقيادة حكيمة من النبي] ويتحول بعمق من مجتمع عبادة الأصنام إلى مجتمع توحيدي خالص يعترف بجميع الأديان التوحيدية الأخرى».[19] كل هذه الأمور تختصر في جملة واحدة: إن عالمية وشمولية الإسلام تثبت ألوهيته وسماويته.

الحقيقة الثانية (الأديان التوحيدية)

ننتقل الآن إلى الحقيقة الثانية التي ناقشها الشهيد صدر في مجال الجدل والنقاش الفكري مع النقاد والمخالفين؛ وهم الذين يعتقدون أن الأديان الإلهية كانت في البداية دينًا ضمن نطاق القبيلة، ثم [تدريجيًا ومع مرور الزمن] تحولت إلى دين قومي ووطني، وأخيرًا إلى دين في نطاق عالمي. هذا الرأي يستند إلى أن كل أمة في مسار التغيرات والنمو في أوضاعها الاقتصادية وتوفر الظروف لتكوين مجتمع مستقل في نطاق القومية والعرق، تتغير معتقداتها وإيمانها بإلهها وآلهتها.

بعبارة أخرى، الإلهة التي كان ذلك القوم يعبدونها تتحول إلى إلهة قومية ووطنية متغيرة، لا يتجاوز نطاق حكمها وسيطرتها حدود المنطقة التي تدعو إلى الانتماء إليها واعتناقها، ولكن بعد أن اندثرت قبائل هذه الأمم بسبب اندماجها في الإمبراطورية العالمية، أي الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ظهرت الحاجة إلى دين عالمي، ولم يكن هذا الدين العالمي والشامل سوى المسيحية التي أصبحت دينًا رسميًا ودولياً.[20] يرد الشهيد صدر على هذا الرأي والوجهة النظر بهذه الطريقة: بلا شك، لو كانت المسيحية «تعبر وتحكي عن الاحتياجات الموضوعية، الواقعية والمادية التي يشير إليها الماركسية، لكان ولادة المسيحية ونموها في قلب الإمبراطورية الرومانية التي كانت تهيمن على العالم أمرًا بديهيًا وطبيعيًا ولا جدال فيه، لكن الواقع التاريخي على العكس تمامًا، إذ إن المسيحية لم تظهر في مراكز السلطة السياسية آنذاك، ولم تولد في أحضان الرومان الذين أقاموا دولة عالمية وكانوا يذكرون مثل هذه الدولة في تحركاتهم وأنشطتهم؛ بل ظهرت المسيحية في بيئة خارج هذا الإطار وبعيدة جدًا عنه، أي في أرض من المناطق الشرقية التي كانت تحت استعمار الرومان، وفي النهاية استقرت وقُبلت بين اليهود المظلومين والمستضعفين؛ اليهود المعذبين الذين لم يكن لديهم منذ أن خضعوا للاستعمار الروماني على يد القائد الروماني المسمى “بومبيوس” قبل ستة عقود من الميلاد[21] أي حلم أو رغبة سوى الاستقلال الوطني وكسر قيود تبعيتهم للاستعمار. كان لديهم مطالب ورغبات تحملوا من أجلها ثمنًا باهظًا مثل الثورة والتمرد وآلاف الضحايا خلال تلك العقود الستة.

فهل كانت الظروف المادية والسياسية والاقتصادية لذلك الشعب جديرة وقادرة على أن ينبثق منها دين عالمي يلبي جميع احتياجات إمبراطورية استعمارية؟»[22] يُنتقد هذا الرأي مقارنة بالإسلام ومن زاويته على النحو التالي:

«عندما نأخذ نظرية الماركسية في تطور الأديان التاريخي ونقارنها بالإسلام كدين عالمي، نرى فرقًا شاسعًا ودرجة قصوى من التناقض بين هذه النظرية والواقع؛ لأنه إذا كانت هناك دولة شاملة وعالمية في أوروبا وكان هذا يستلزم اختيار دين عالمي وشامل، فلم تكن هناك دولة في جزيرة العرب، بل لم تكن هناك حتى دولة على المستوى القومي والوطني تجمع الأمة العربية. في الأصل، كان هيكل المجتمع العربي آنذاك يتكون من مجموعات وفِرَق متعددة ومبعثرة، وكان لكل قبيلة إله أو إلهة تؤمن به وتسجد له.

كانوا يصنعونه من الحجر ثم يخضعون له بالعبادة والتقديس.

[وبالنظر إلى المقارنة السابقة] يُطرح الآن هذا السؤال: هل يمكن أن تكون الظروف المادية والبنية السياسية [التي كانت تحكم جزيرة العرب آنذاك] سببًا ومنبعًا لظهور دين عالمي ووحيد من قلب تلك الجزيرة، رغم وجود مجتمع مشتت ومجزأ، لا يعي البنى القومية والوطنية [التي يمكن من خلالها توحيد الجماعات المتفرقة وإدراك الذات]؟! بل وأكثر من ذلك، هل يمكن أن يكون لديه بطريقة متقدمة جدًا وراقية، إدراك واعٍ ورؤية عميقة لمفاهيم مثل الوحدة، والتكامل، والتماسك؟! وهي مفاهيم تتشكل في قالب ديني يوحد العالم كله ويجعله متماسكًا.

إذا كانت النتيجة هي احتياجات مادية وتغيرات سياسية كما تحللها الماركسية [حيث تتحول الإلهة والتمثال الديني إلى إلهة وتمثال وطني، ثم إلى إله عالمي]، فكيف تحولت الأمة العربية من عبادة تمثال قبلي صنعته بنفسها فجأة وبشكل مفاجئ إلى عبادة إله عالمي، [حتى أنهم] آمنوا بالله في أسمى درجات التحرر والسمو؟!»[23] بعد أن يثبت الشهيد صدر بطلان وعدم صحة نظرية تطور الأديان [في نقده]، يطرح نظرية جديدة. هذه النظرية يمكنها تحليل مسألة تغير النبوات وتجديدها وظهور الأديان الواحدة تلو الأخرى، والرد على التحدي المذكور. ولكن بما أن كتابتنا لا تسمح بنظرة تفصيلية وواسعة على هذه النظرية، نكتفي بجزء منها يتعلق بموضوع تحقيقنا. لأسباب عدة، تتغير النبوات وتتجدد، ومن بين هذه الأسباب، مدى استعداد الإنسان وقدرته على الوعي والإدراك للحقيقة التوحيدية والتوحيد بالله الواحد.

صحيح أن التوحيد وعبادة الواحد حقيقة مشتركة في جميع الأديان الإلهية والرسالات السماوية، لكن القدرات والاستعدادات الإنسانية والوضع الروحي والفكري للإنسان في مراحل زمنية مختلفة [ومن مرحلة إلى أخرى] تختلف. في مثل هذا الوضع، يجب أن يُقدَّم الفكر التوحيدي تدريجياً؛ أي «يُغرس وفق مراحل مختلفة ودرجات متفاوتة بحيث تُهيئ كل درجة ذهن الإنسان لقبول هذا الفكر». ومن الجدير بالاهتمام أنه بنظرة عميقة إلى الفكر التوحيدي المقدم في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم [وعملية طرح هذا الفكر في الكتب الثلاثة المقدسة] يتاح لنا فهم هذه النظرية بشكل أفضل وتقييم عملية طرح هذا الفكر كنموذج لذلك. التوراة والإنجيل والقرآن جميعها مصممة ومقدمة للفكر التوحيدي. المقصود بالتوراة والإنجيل في هذا السياق هو التوراة والإنجيل المتوفران اليوم والمتداولان بيننا؛ لأن هدف هذين الكتابين في كل حال هو تصوير الفكر الديني لشعب وقوم موسى وعيسى. بلا شك، كل منهما احتفظ بجزء من النصوص الدينية – سواء كان قليلاً أو كثيراً – وخصصه لنفسه، وخاصة التوراة؛ ولهذا السبب يمكننا الاستفادة من هذين الكتابين في التقييم والحساب والتحليل وتحديد حدود الروح الدينية العامة في مرحلتي النبوة والرسالة التي عاشها الإنسان طبيعياً. إذ نرى أن الفكر التوحيدي في الكتاب يستند أولاً إلى تقديم «المعبود»، لكن هذا الكتاب لا يستطيع أن يخلع الوصمة والعلامة القومية المحدودة عن ذلك «المعبود»؛ ونتيجة لذلك كانت التوراة استمراراً في تقديم «المعبود» في إطار قومي. وكأن المعبود الذي قدمته [أي إله قوم موسى] كان في مواجهة الأصنام والتماثيل التي عبدتها قبائل وشعوب أخرى وكانت آلهتهم.

لم تعلن التوراة بوضوح وعمق لقوم موسى: الإله الذي أطرحه هو إله الجميع ويجب على الجميع عبادته… بل وُضع لهم بدلاً من الأصنام والتماثيل الخاصة التي كانوا يعبدونها «إله» ليعبدوه… ولهذا السبب، مع مرور الزمن، نشأ لديهم وهم واعتقاد بأنهم يحتكرون «الإله»، في حين أن الشعوب والأمم الأخرى كان لديها آلهة وأصنام مختلفة…

في الكتاب الثاني (الإنجيل) نرى أن فكرة عبادة الله قد ارتقت كثيراً، إذ أُزيلت الصبغة القومية عن هذا الفكر، ونتيجة لذلك أصبح الإله الذي قدمه تلاميذ السيد المسيح (ع) إلهًا عالميًا وشاملاً لا فرق في عبادته بين القبائل. في الحقيقة، كان هذا هو إله العالم كله بشكل مطلق. ومع ذلك، لم يتجاوز هذا الإله الإدراك الحسي للإنسان ولم يكن مجرداً من العالم الحسي والمادي. ونتيجة لذلك كان له ارتباط وثيق وحسي عميق مع الإنسان، كأنه أبوه. ولهذا السبب يصف الإنجيل الإنسان في معظم الأحيان بـ «ابن الله»…

في الأصل، الفكر الذي يقدمه الإنجيل عن الله هو فكرة «الأب الوحيد لجميع البشر».

فكرة خالق حاكم، مطلق وقوي.

وأخيراً نرى أن الكتاب الثالث (القرآن) يقدم الفكر التوحيدي بطريقة أكثر وضوحاً واتساعاً، إلى حد يمكن معه تنقية التوحيد من الشوائب والنجاسات بحيث يحتفظ بقوة تمكنه من تحريك الإنسان، لأن هذا الفكر يتخلص تماماً وبشكل مطلق وشامل من كل وصمة أبوة وارتباطات مادية مع الإنسان….»[24] في الواقع، الفكر السابق (تصور الشهيد صدر) يؤكد على الصلة بين مفهوم التوحيد ومفهوم الشمولية والعالمية التي نوقشت سابقاً، بمعنى أنه كلما كان الفكر التوحيدي واضحاً وشفافاً، كانت الشمولية والعالمية الناتجة عنه أوسع وأقوى، حتى جاء الإسلام ليظهر الفكر التوحيدي في أعلى مستوياته، ويصل بمفهوم الشمولية والعالمية إلى ذروته.

وبهذا المسار، لا بد من دراسة وفحص ظاهرة واضحة وملحوظة في مسار النبوات والرسالات، وهي ظاهرة تسليم الخلافة في الرسالة لأشخاص مرتبطين نسبياً بالنبي (قائد الناس) وكانوا من أقاربه؛ أي من أبنائه أو من ذريته.

لذا، فإن هذه الظاهرة لم تحدث فقط في خلفاء النبي محمد (ص) الموصى بهم، بل تُرى في خلفاء العديد من الأنبياء. يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن:

«وَأَرْسَلْنَا رُسُلَنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَوَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ»[25] أو يقول:

«وَآتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَآيَةً ۖ وَكَانُوا مِنَ الْعَابِدِينَ»[26] «لذا، كان الخلفاء عادةً يُختارون من بين أولئك الذين ينتمون إلى طيف النبي ولم يحصلوا على نور الهداية إلا في ظل وحنان ورعاية النبي وفي إطار تربيته».[27] معنى هذه النظرية هو أن مسار وشهادة السماء «لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً»[28] في مرحلتي النبوة والإمامة وُضع لسلالة خاصة وعائلة معينة [وأُغلقت الأبواب في وجه الآخرين]، وهذا الأمر يتعارض تماماً مع القيم والقيم العالمية.

الشهيد صدر يرد على هذا التحدي كما يلي:

«تعيين الخليفة [اختيار القائد الديني والسياسي التالي من قبل القائد السابق] لا يقوم على صفة القرابة التي هي علاقة مادية تشكل أساس الوراثة، بل هو اختيار وانتقاء القريب الذي عادةً ما تجلب القرابة والروابط العائلية إطاراً تربوياً صحيحاً وسليماً للخليفة، وتُهيئه لأداء دوره الإلهي. ومن الواضح أنه إذا لم تتحقق القرابة هذا الإطار التربوي، فلن يكون لها أثر في الحسابات السماوية، كما يقول الله تعالى: «إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين»[29]. ويمكن تقديم جواب هذا التحدي بصيغة أخرى: بلا شك، مسار الشهادة والدليل في مرحلتي النبوة والإمامة يتطلب خصائص استثنائية في النبي والإمام لا يبلغها الأشخاص العاديون. في مقدمة هذه الخصائص «العصمة». ومن الطبيعي أن العالم ما وراء عالمنا يسخر كل طاقاته وأعلى إمكاناته لإنجاح ثورة الأنبياء، ومن بين هذه الإمكانات والطاقات عناصر الوراثة والتربية والقرابة، لأن عنصر الوراثة ينقل المواهب والقيم الفردية السامية؛ والتربية تنمي هذه القيم والمواهب وتوجهها، والقرابة تلعب دوراً تحفيزياً وتشجيعياً مهماً لنمو وتطور الفرد الذي يرى في نفسه أكبر استعداد وحكمة (اتخاذ القرار وصنع القرار) للأعمال العظيمة. وهذه الوظيفة لها علاقة مباشرة بالأصالة العائلية؛ أي كلما كانت العائلة أكثر أصالة، زاد تأثير هذا الدور.

ويمكن أيضاً تقديم جواب التحدي المذكور بطريقة أخرى: أساساً كان توجه البشر في عصر الأنبياء والأئمة أن ينظروا إلى العائلة والروابط القرابية كقيمة اجتماعية وسياسية، بحيث كان يُعتبر الأصل العائلي من المؤشرات المهمة والضرورية لمن يرغب في تولي قيادة المجتمع، وكان من اللازم أن يكونوا من عائلة كريمة ورفيعة المستوى. ولهذا السبب، حتى قبل ثورة فرنسا، كانت الأنظمة الإمبراطورية والملكية والحكم الملكي تحكم المجتمعات بلا منازع؛ وما زالت بقايا هذه الأنظمة موجودة في العالم، وهذا بحد ذاته دليل على أن البشرية لا تزال تعطي قيمة سياسية للروابط العائلية، وإن كانت على أساس أقل مما كان في السابق.

لذلك، من الطبيعي أن يأخذ مسار النبوات [وعملية التبليغ والهداية الإلهية بإرسال الأنبياء] الأصل والنسب بعين الاعتبار لتحقيق النجاح المطلوب وتحقيق الأهداف السامية في عملية التغيير الاجتماعي والإصلاح، وأن يلتزم به كمعيار أساسي في تعيين الخليفة، بشرط أن تكون القرابة والروابط العائلية من مجال اجتماعي قوي مستمر، وأن تكون العائلة رفيعة ومنسوبة إلى نسب نبوي، تمثل النبوة وتحظى باحترام واعتراف الناس بعظمة وجلالة هذه العائلة.

كما يمكن القول: ربما يكون الهدف من تنظيم سلسلة الأنبياء والأئمة في سلالة وعائلة واحدة هو تعزيز الوحدة وتثبيت وحدة البشرية وتعميق روح القرابة بين أفرادها.

والأهم أن مسار النبوات الذي يأخذ هذه الضرورات وجوانب المسألة في الاعتبار، لا يتنازل بأي حال عن العالمية والشمولية والانتشار، ولا ينتقص من قيمها الذاتية والرفيعة. لذلك، المعيار والمقدار في النبوة والإمامة هو دائماً المعايير الأخلاقية والكمالات الإنسانية وكذلك القدرات والمواهب البشرية التي يجب أن يتحلى بها النبي والإمام بأعلى هذه الخصائص ويصلوا إلى ذروة هذه الكمالات. إذن، النسب والروابط العائلية بحد ذاتها ليست معياراً أو مؤشراً أو جزءاً منه في اختيار النبي والإمام.

من اللافت للنظر أنه حينما بدأت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي حركة التوجه نحو الأنظمة الجمهورية التي ترفض النسب والروابط العائلية كقيمة ومؤشر سياسي في المجتمع، كان الإسلام قد سبق هذه الثورة بثمانمائة عام بإعلان المرحلة الثالثة من مسار الشاهد والوكيل [تكونوا على الناس شهداء] التي تمثل مرحلة المرجعية [بعد النبوة والإمامة]، فسبق هذه الثورة [وكان مؤسساً لمرحلة جديدة في النظام السياسي والاجتماعي للبشرية تقوم على الجمهورية]. تبدأ هذه المرحلة مع غيبة الإمام (ع) في منتصف القرن الثالث الهجري، والتي كانت نهاية الدور السياسي للنسب والروابط العائلية بشكل كامل، وحينها في سلاسل القيادة، لم يعد مسار الشاهد والوكيل، الذي كان فيه العصمة تُقاس بالنسب والروابط العائلية التي كانت تلعب دوراً مساعداً إلى جانب عنصرَي الوراثة والتربية النبوية، شرطاً أساسياً. لذلك فقدت القيمة السياسية للنسب والروابط العائلية في هذه المرحلة تماماً واختفت بين ظروف أخرى.

ثانياً: الجوانب العالمية في السياق التاريخي

ليس التاريخ مجرد كتاب يقرأه الأجيال المختلفة لسماع قصص الماضي للمتعة والعبرة والتأمل، بل تجاوز ذلك ليصبح مجالاً ديناميكياً وحلبة حيوية في النزاعات والصراعات الفكرية والمواجهات السياسية بين الأيديولوجيات المختلفة والآراء والنظريات المتعارضة، بحيث يسعى كل منها إلى الاستناد إلى التاريخ لإثبات صحة موقفه وإثبات هزيمة الطرف الآخر. وعلى هذا الأساس نشأت فلسفة التاريخ منذ القرن السابع عشر الميلادي كاتجاه فكري ورؤية نظرية؛ وهو اتجاه يحاول الفلاسفة والمفكرون من خلاله وبواسطة هذه الأداة السيطرة على التجارب التاريخية في بحوثهم وتحليلاتهم العميقة، للوصول إلى أعلى درجات المعرفة الممكنة حول حقيقة الفرد والمجتمع.

ومن الطبيعي أن هذا الاتجاه الذي كان يُعرف في البداية بـ«العلم الجديد» ثم تغير اسمه إلى «فلسفة التاريخ»، قد انهزم أمام الاتجاهات المادية التي سيطرت على أوروبا، فكانت فلسفة التاريخ تقدم تفسيراً ماديًا للتاريخ، أو بعبارة أخرى تفسر التاريخ أحياناً بناءً على العوامل الاقتصادية، وأحياناً بناءً على العوامل الجغرافية، أو العوامل القومية، أو العوامل الجنسية والعرقية.

هذا الوضع استلزم أن يطرح الإسلام رأيه ووجهة نظره في هذا الميدان من الصراع والمواجهة، ويبيّن العناصر والعوامل التي يقبلها مؤثرة في تشكيل التاريخ.

لذلك، درس العديد من الشخصيات والمفكرين الإسلاميين هذا الموضوع في بعض مؤلفاتهم وكتبهم، وكان أشهرها «المجتمع والتاريخ» للآية الله الشهيد مرتضى مطهري.

كان من المتوقع من السيد الشهيد صدر أن يطرح النظرية الإسلامية في هذا المجال ويحدد الفصل الفصل، كما فعل في مبادئ وأصول الفكر الإسلامي المهمة. ولكن [للأسف] القدر المأساوي سلب هذا الأمل الكبير. ويُعتقد بقوة أنه كان ينوي تناول هذه القضية في كتاب «مجتمعنا»؛ وهناك دليلان على هذا الاعتقاد:

أ) في نهاية كتاب «فلسفتنا» في بحث «إدراك وقدرة الإنسان على التكيف مع البيئة» يقول:

«في «مجتمعنا» سنبحث طبيعة هذا التكيف وحدوده في ضوء المفاهيم الإسلامية حول المجتمع والدولة، لأنه من القضايا الأساسية في البحوث والتحليلات المجتمعية. في بحثنا القادم سنناقش بالتفصيل جميع الجوانب التي مررنا عليها بإيجاز في هذا البحث (الإدراك)».[30]

ب) وفي مقدمة الطبعة الأولى من «اقتصادنا» يكتب:

«يمكن اعتبار عمل «مجتمعنا» البحث الثاني ضمن مجموعة بحوثنا التي ندرس فيها أفكار الإسلام حول الإنسان وحياته الاجتماعية وطريقته في التحليل والتفسير الاجتماعي».[31]

ومن يعرف أسلوب الشهيد صدر في معالجة المواضيع وعمق تفكيره، كان يفضل أن يتناول الشهيد دور البيئة والعوامل المادية المؤثرة في شخصية الإنسان كفرد ومجتمع وتاريخ، ويبيّن ما إذا كان موقع الإنسان أمام هذه العوامل سلبيًا وخارج إرادته، حيث يكون مغلوبًا، أم أنه موقع فاعل يمكنه اختيار ما يريد؟ وكذلك مناقشات أخرى عميقة تتعلق بموضوعات الإدراك والمجتمع.

الإرث الفكري المتبقي عن الشهيد صدر في هذا المجال يتضمن جانبين من فلسفة التاريخ:

أ) بحث المادية التاريخية من منظور ماركس، وهو نقاش واسع وعميق؛ أحياناً في ضوء المبادئ الفلسفية والمنطقية التي تقوم عليها النظرة الكلية للوجود عند الماركسيين، وأحياناً كنظرية شاملة تحاول احتواء التاريخ الإنساني، وأحياناً بناءً على ما يحدده الماركسيون من مراحل التاريخ البشري والانتفاضات والحركات الاجتماعية في بداية كل مرحلة.

هذه المواضيع وردت في كتاب «اقتصادنا»، وهي أقوى المناقشات والجدالات التي تواجه الماركسية، لأنها دليل قاطع وبرهاني – من كل جهة – على بطلان ماركس.

لكن لا يُعتبر أي من هذه المناقشات، إلا قليلاً منها، نظرية إسلامية في التاريخ وفلسفة التاريخ، لأن معظم الردود والاعتراضات التي قدمها الشهيد صدر كانت أدلة تاريخية وفلسفية تثبت فساد نظرية الماركسية. ومن الواضح أن إثبات خطأ وهزيمة الماركسية يختلف عن طرح نظرية إسلامية.

ب) لدى الشهيد صدر نظرية معروفة حول السنن التاريخية من منظور القرآن الكريم، عرضها في خمس محاضرات قرآنية وتفسير موضوعي، نُشرت تحت عنوان «المدرسة القرآنية». من يقرأ هذه المواد ويقارنها بما نقله من كتاب «مجتمعنا» يستطيع أن يفهم أن الشهيد في محاضراته قد أظهر جانبًا من جوهر ابتكاراته وتجديداته في كتاب «مجتمعنا» فيما يتعلق بالمجتمع والتاريخ.

السنن التاريخية التي شرحها في هذه المحاضرات تعكس القوانين القرآنية التي يمكن الاستشهاد المرجعي بها كنظريات متطورة لفلسفة التاريخ من وجهة نظر الشهيد صدر.

كان القدر مقدرًا أن يعرض الشهيد الجليل محاضراته حول المجتمع والتاريخ كأساس ورؤوس نظرية إسلامية في شأن المجتمع والتاريخ. كان الشهيد يسعى إلى أداء هذه المسؤولية وتحويل هذه المبادئ إلى نظريات متطورة، وتدوين محاضراته التفسيرية والقرآنية في عمل بعنوان «مجتمعنا». ومن بين الأفكار الأساسية والجوهرية التي طرحها في محاضرته، هذا القول:

«الإنسان أو لنقل المحتوى الذاتي والداخلي للإنسان هو أساس حركة التاريخ. قلنا إن حركة التاريخ تختلف عن جميع الحركات الأخرى، لأنها حركة غائية ونهائية وليست فقط سببية. لا علاقة لها بسبب الحركة وماضيها، بل تتعلق بالغائية والغاية، لأنها حركة هادفة وسبب وعلّة غائية ونهائية، تتجه نحو المستقبل. إذًا المستقبل هو المحرك لكل نشاط وحركة تاريخية، ولكن الآن المستقبل معدوم ولا وجود له، وهو يتحرك عبر “الوجود الذهني” الذي يظهر فيه المستقبل.

لذلك، “الوجود الذهني” الحاضر الآن هو المحرك ومحور حركة التاريخ. هذا الوجود الذهني يعبر عن الجانب الفكري؛ أي الجانب الذي يفهم ويدرك تصورات الهدف، كما أنه من جهة أخرى قوة وإرادة تدفع الإنسان نحو هذا الهدف وتحفزه على الحركة والنشاط في اتجاهه.

لذا، “الوجود الذهني” هو تعبير عن المستقبل المحرك، الذي من جهة يعبر عن الفكر والتأمل، ومن جهة أخرى يدل على الإرادة.

باندماج الفكر والإرادة، يتحقق تأثير المستقبل، وفي المجال الاجتماعي يؤدي إلى النشاط والحركة التاريخية. في الحقيقة، هذان الأمران (الفكر والإرادة) هما المحتوى الداخلي الواعي للإنسان، وهذان الركنان الأساسان، أي الفكر والإرادة، يعبران عن المحتوى الداخلي الواعي للإنسان. إذًا المحتوى الداخلي للإنسان هو الذي يخلق هذه الأهداف، ومن خلال اندماج الفكر والإرادة يظهر هذه الأهداف والمقاصد. ومن ثم، من الصحيح أن نقول: المحتوى الداخلي للإنسان هو أساس حركة التاريخ والأساس الاجتماعي الرفيع، مع ما يلزم المجتمع من علاقات وتنظيمات وأفكار وتفصيلات أخرى. في الحقيقة، هذا الأساس العالي مرتبط بهذه القاعدة بالمحتوى الداخلي للإنسان».[32] هذا الفهم والمفهوم هو أساس وقاعدة ما يقوله السيد الشهيد في نهاية «فلسفتنا»:

«الفكر والتأمل هو فعل وحركة إيجابية وفعالة من وجود وروح الإنسان، وليس مرهونًا بردود الفعل الفسيولوجية، كما أنه ليس الواقع المباشر والغير وسيط للغة – كما يظن ماركس – بل اللغة أداة لتبادل الأفكار، وليست مكونة أو مخلقة للأفكار والتأملات».[33] ثم يلخص الشهيد صدر قوله هكذا:

«لذا، الحياة الاجتماعية والظروف المادية لا تحدد الأفكار والمشاعر لدى الناس تلقائيًا ومن خلال الوعي الخارجي، رغم أن الإنسان أحيانًا يلون أفكاره باختياره بلون البيئة والمجتمع، كما يعتقد مذهب وظائف الأعضاء[34] في علم النفس، لأنه متأثر بنظرية التطور “لامارك” في البيولوجيا؛ أي كما أن الكائن الحي كعضو من البيئة والمجتمع يتأثر بهما، كذلك هو الحال في الحياة الفكرية، ولكن يجب أن نعلم:

أولًا: هذا التوافق والانسجام يوجد في الأفكار العملية التي تهدف إلى تنظيم الحياة الخارجية، ولا يمكن إيجاده في الأفكار التأملية التي تهدف إلى الكشف والبحث عن الحقيقة.

ثانيًا: التوافق بين الأفكار العملية ومتطلبات وظروف البيئة ليس تلقائيًا (أوتوماتيكيًا)، بل هو توافق اختياري مصدره الدوافع الإرادية للإنسان الذي يريد أن ينظم الوضع بشكل متناسق ومنسجم مع البيئة.

بهذا التفسير، يُزال التعارض بين مذهب وظائف الأعضاء ومذهب الغائية في علم النفس تمامًا. في «مجتمعنا» سنبحث طبيعة وحدود هذا التوافق والانسجام باستخدام المفاهيم الإسلامية حول المجتمع والدولة…».[35] يبدو أن النتيجة التي نستخلصها من خلال هذه الأفكار تتعارض مع ما قاله الشهيد في كتاب «اقتصادنا». النتيجة هي: الفرد ومن خلاله المجتمع وفي دائرة أوسع التاريخ، يتحرك بناءً على عامل واحد للحركة، وهو عامل الفكر والإرادة الذي يُعبَّر عنه بالمحتوى الداخلي للإنسان؛ وهذا الاعتقاد يعني أن الإسلام يقبل: أن الأصل الفكري هو العامل التاريخي الواحد؛ وهذا الأمر يتناقض مع ما ذكره في «اقتصادنا». في هذا العمل، وبعد شرح موجز لنظريات «العامل التاريخي الواحد» يقول:

«كل هذه الجهود لا تتوافق مع الواقع ولا يقبلها الإسلام، لأن كل منها حاول تفسير وتبرير الحياة الإنسانية بأكملها بعامل واحد حصريًا، واعتبر أن الفترات التاريخية والمجتمعات المختلفة تستند إلى هذا العامل، ولكن من خلال دراسة شاملة ودقيقة يتضح أن هذا العامل لا يمتلك هذه الكفاءة».[36] من الواضح أن المقصود من نظرية وفكرة «العامل التاريخي الواحد» ليس إلغاء وتجاهل العوامل الأخرى، بل التفريق بين العامل الأساسي والعوامل الثانوية. النقاش يدور حول «العامل الذي يشكل الروح الأصلية والهوية الحقيقية للتاريخ، والذي يمكن أن يكون مبررًا ومفسرًا للعوامل الأخرى»، كما يقول الشهيد مطهري.[37] ولهذا فإن فكرة الجمع بين عوامل متعددة التي طرحها بعض المفكرين – ومنهم الدكتور محمد فتحي عثمان[38] – هي فكرة وهمية ولا تعدو كونها ظنًا، لأن الإنسان الذي يتحرك بسبب عوامل متعددة ومتوازية يشبه آلة (سيارة) لكل دورة فيها محرك وقيادة وسائق.

لا يمكن الشك في أن المقصود من قول الشهيد صدر السابق ليس الإيمان بالجمع بين عوامل مستقلة ومتعددة في آن واحد، بل يجب تفسير قوله بمعنى آخر يتوافق مع ما استخلصناه من «المدرسة القرآنية» و«فلسفتنا».

ما يهمنا في هذا البحث هو أن الشهيد يقول بوضوح: العامل المحرك للتاريخ هو الفكر والإرادة. هذه المسألة بحد ذاتها تمثل موقفًا مقابل النظريات التي تفسر التاريخ بعوامل أخرى، منها النظرية الجغرافية التي تعتبر البيئة الجغرافية أساس الحركات والثورات والتغيرات القيمة في التاريخ، أو النظرية العرقية التي تعطي نفس التأثير والدور للعرق والجنس والدم. هاتان النظريتان مصدر فكري مهم ومن بين المصادر التي تشكل فكر القومية والوطنية.

إذا كان الإسلام يقبل الفكر والإرادة والمحتوى الواعي والروح الإنسانية كعامل في حركة الفرد والمجتمع والتاريخ، فإنه ينظر إلى العامل الجوهري والأساسي الذي يشمل أصل الخلق الإنساني، وجميع البشر متساوون في انتسابهم إليه، وهذا يتوافق مع الإطار العالمي للرسالة الإسلامية.

أما إذا كان الليبرالي الغربي يعتمد على العامل الجغرافي والعرقي، فإنه يقبل عاملاً ظاهريًا يختلف فيه البشر، وهذا يتوافق مع الإطار المادي للحضارة الغربية.

الاختلاف بين الإسلام والليبرالية من هذه الناحية هو اختلاف بين عائلة يؤمن أفرادها بدور وتأثير الأب والمرشد والروحاني، فتكون عائلة متماسكة ومتآخية تراعي الجوهر الوجودي الواحد للإنسان والأخلاق في جميع الأفراد وتتجاهل الفروق الشكلية والظاهرية، وعائلة تنكر دور الأب والمرشد، ومن ثم تفقد الإطار الشامل للأفراد، فتنسى الجوهر الواحد الإنساني والأخلاقي للأفراد، ويعتبر كل منهم خصائصه الظاهرية في اللون والقامة والجمال أساسًا للتفوق والتميّز على إخوته الآخرين.

العائلة الأولى هي العائلة البشرية تحت ظل الهداية السماوية. الإسلام يصف هذه العائلة بالعالمية، أما العائلة الثانية فهي العائلة البشرية تحت ظل المادية الغربية التي تخدع الإنسان أحيانًا بالعامل الجغرافي وأحيانًا بالعامل العرقي أو الطبقي، لكي تلبي مشاعر وميول كل فرد، وتعطيه الأفضلية على الآخر، وتجعل الجميع في صراع ونزاع عميق هو الركيزة الخفية والغامضة لليبرالية الغربية؛ لأنها بسبب ماديتها تعمق الصراع، وتظهره كفكر فلسفي وعلمي واجتماعي، لكن المجتمع البشري تحت ظل مرشد سماوي، الذي يتجلى في العالمية الإسلامية وفي فكر الأخوة الإنسانية – عمومًا – والأخوة الإيمانية – خصوصًا – هو مجتمع مبارك وسعيد.

الحضارة الغربية تحاول عبر إنكار الهداية السماوية والتركيز على الجانب المادي خلق جو يبرز صراع أفراد العائلة بعد سرقة هدايتهم، ولا تكتفي بذلك بل تكبر وتوسع فكر الصراع وتعتبره قانونًا فلسفيًا وعلميًا وتاريخيًا واجتماعيًا طبيعيًا في المجال الإنساني! ونتيجة لذلك، في المجال الفلسفي سيكون هناك فكر صراع الأضداد، وفي المجال الاجتماعي صراع طبقي؛ كما في المجال البيولوجي العلمي (علم الأحياء) فكر صراع البقاء؛ وفي المجال العرقي فكر صراع العرق الأعلى والأدنى؛ وكذلك في المجال التاريخي فكر التطور الجدلي التاريخي، وكلها تجعل الصراع الفكري في المجتمع حتميًا ولا مفر منه، لكن على العكس من ذلك، يشعر الفرد المسلم بـ:

«صلة وروابط عميقة مع المجتمع الذي ينتمي إليه، وهناك انسجام وتوافق بينه وبين ذلك المجتمع، لا صراع ونزاع كما هو سائد في الفكر الأوروبي الحديث. فكر الجماعة الذي يمتلكه الإنسان المسلم يجعل الإطار العالمي لرسالة الإسلام محترمًا وقابلًا للقبول لديه، ويتحمل مسؤولية نشر هذه الرسالة عالميًا واستمرار وجودها في كل زمان ومكان. تعاون الإنسان عبر التاريخ مع العالم الإسلامي والرسالة العالمية التي فتحت على المجتمع البشري يغرس في نفسه مشاعر ووعي عالمي وروابط مع الجماعة والمجتمع».[39] ولأن الإسلام يعترف بالعامل الإنساني في التاريخ، فإن المكونات والعوامل الأخرى أيضًا تقع ضمن هذا الإطار.

نحن لا ننكر دور الغريزة والدوافع الداخلية والعرقية، وكذلك العامل الاقتصادي والعوامل الأخرى في الحركات الاجتماعية، لكننا نرى أن العوامل والغرائز – ومنها الغريزة القومية والوطنية – تنقل مطالبها وأوامرها إلى الجهاز العقلي [والذهني] مثل الفكر والتأمل، ولا تتحول إلى سلوك وتصرف اجتماعي إلا بعد قبول تلك المطالب؛ وبالطبع [الجهاز العقلي] أحيانًا يقبل تلك المطالب والأوامر، وأحيانًا يرفضها، وأحيانًا يصقلها [ويطهّرها من الشوائب والاختلالات].

اختيار واختيار أيٍّ من هذه الخيارات الثلاثة والبدائل، يعتمد على الحالة النفسية والذهنية للشخص. فإذا كان الذهن يحتوي على فكر صحيح وقادر، فإنه يستطيع اختيار الموقف الإيجابي والقيام بحلّ فعّال، أما إذا لم يكن الفكر [والعقل] يمتلك هذه القدرة، فإن العوامل والغرائز هي التي تفرض موقفها ورغبتها وتوجه الطريق.

لذلك، فإن الإسلام يعطي أهمية للنفس والروح [/ والضمير والداخل الإنساني]، ويعتبرها ميدان حسابات دقيقة ومستمرة بين عالم العقل الموجّه (الإيجابي) وعالم الغريزة الذي يمارس ضغطًا [سلبيًا]، بحيث يُعزى السلوك الصحيح أو الخاطئ إلى الغريزة الضاغطة التي لم يستطع العقل والحكمة توجيهها، لأن العقل من جهة كان ضعيفًا وعاجزًا، ومن جهة أخرى كان ناشئًا وفي بداية الطريق.

نرى تطبيقًا ومقارنة واضحة وجلية لهذه النظرية والفكرة في كتاب «أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف». حيث ركز الشهيد صدر في هذا الكتاب على الدور المهم والخطير الذي تلعبه التعصبات القبلية في تحريف مسار الأمة الإسلامية عن الخط والمسار العالمي الذي رسمه النبي (ص) للأمة، ولكن بسبب التعصب تحولت إلى خط جاهلي قبلي، وجذره وسببه هو الأنانية وحب الذات الذي يفرض نفسه كالمحور الوحيد للسلوك والمنهج على الإنسان.

كانت هناك فكرة إسلامية-عالمية، لكنها كانت لا تزال ناشئة وجديدة وشابة، والمجتمع الإسلامي كان في بداية تجربته معها. وكان أمام ذهن المجتمع المسلم خطوات تنفيذية وتربوية كبيرة، كما كانت هناك فكرة قبلية لها عوامل وإرشادات اجتماعية كثيرة، والمجتمع الإسلامي، سواء بوعي أو بدون وعي، كان لا يزال أسيرًا لها.

في مثل هذه الظروف توفي النبي (ص)، وكانت الأمة الإسلامية «تواجه تحولًا وتغيرًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا وواسع النطاق، إذ كان يجب أن تتحقق فكرة المجتمع العالمي وتُنفذ، لأن النبي كان يدعو إليها، رغم أنه لم يستطع تحقيقها؛ فقد توفي النبي حين لم يتجاوز نفوذه حدود المجتمع العربي، رغم أنه دعا ملوك العالم [إلى الإسلام]. فقد دعا كسرى وقيسَر وسلطان الحبشة وغيرهم إلى الإسلام، ليطلعوا على هذا الدين ويثبت أن الإسلام دين المجتمع العالمي ويدعو الجميع إليه دون تمييز بين الأقوام والقبائل، لكن ذلك المجتمع العالمي لم يتحقق.

في زمن النبي، تحقق المجتمع العربي الذي كان يحمل فكرة عالمية في ذهنه، وكانت مبنية على الرسالة، لا على أساس قومية أو تأسيس قومية.

بعد النبي (ص) كان يجب أن يتحقق ويُبنى مجتمع عالمي، ويقوم مجتمع إسلامي عالمي … وهذه المرحلة وهذه المهمة العظيمة والمهمة تحتاج إلى حكمة وفكر رسالي يكون خاليًا تمامًا من كل شوائب، ولا يحمل أي تدهور أو تدنٍ فكري أو عاطفي كان يعاني منه أفراد القبائل والقوميات …

حتى الآن، لم يكن المجتمع العالمي سوى فكرة فقط، لم يرَ نور عالم الوجود [ولم يتحقق]. بناءً على هذه الفكرة، كل الناس عائلة واحدة ومتساوون مثل أسنان المشط، ولا فرق بين الأعجمي والعربي.

كانوا يسمعون هذا الأمر من النبي (ص) كـ [مبدأ و] عقيدة … لكن هؤلاء الأشخاص لم يستطيعوا تحقيق هذه النظرية والفكرة، ولم يتمكنوا في تلك المرحلة الحساسة من التجربة الإسلامية من تطبيقها عمليًا.

من الطبيعي أن ينتج عن التدهور الفكري والعاطفي ما هو أدنى وأقل من مستوى تنفيذ وتحقيق المجتمع العالمي …».[40] يقول الشهيد صدر في موضع آخر من كتابه:

«ظهر النبي (ص) في مجتمع متخلف كان غارقًا بشدة في الفكر القبلي بألوان وأشكال مختلفة، ونتائج ومخرجات تلك الأفكار، وأيضًا أكثر المفاهيم والأفكار قسوة. في هذا المجتمع، أسس النبي فكرة المجتمع العالمي الذي لا فرق فيه بين القبائل والجماعات والأمم … كان هذا اندفاعًا عظيمًا وكبيرًا نحو التغيير الفكري والثورة الاجتماعية. لم يكن هذا الحراك والاندفاع في حياة الإنسان أمرًا عاديًا ومألوفًا.

لذلك، كيف يمكن تصور مجتمع قام بهذا الاندفاع … أن يتخلى عن كل تلك الأفكار والمشاعر والتغيرات، وبدون أن يحمل إرث الماضي، يفتح صفحة جديدة تمامًا؟! مثل هذا التغيير [والتحول] لا يمكن أن يحدث إلا في زمن طويل جدًا. يجب أن نعلم أن رسول الله (ص) استطاع فقط أن يكون مربّيًا لتربية وتنشئة المجتمع والدولة في المدينة لمدة عشر سنوات فقط، في حين أن غالبية وأغلب الناس، أي أعضاء المجتمع الإسلامي، دخلوا في الأحداث والتطورات بعد وفاة رسول الله (ص) …»[41].

لقد أثبتت التجربة النبوية وحتى فترة ما بعد وفاة النبي (ص) أن كبار الصحابة كانوا متأثرين بشدة بالمشاعر التعصبية القبلية. ما نهدف إليه في هذا الجزء من النقاش هو جانب التغيير والتحول الاجتماعي، وليس أننا نريد إصدار حكم أو إنكار الجوانب الإيجابية للصحابة، أو تجاهل الخدمات التي قدموها للإسلام. هذه الخدمات هي نسبة معينة من التغييرات التي أحدثوها في أنفسهم، والتي أحيانًا تُعتبر مقبولة ومحمودة ضمن التغيرات الاجتماعية بالنظر إلى الظروف التاريخية لتلك الفترة، وكان رسول الله (ص) راضيًا عنهم بسبب هذه النسبة التي أتاح لهم إمكانية إحداثها في أنفسهم، ولكن هل من المعقول والمقبول أن يسلم رسول الله (ص) قيادة الرسالة التي هي مصير البشرية إلى أشخاص لم يؤثر الإسلام في شخصياتهم إلا بمقدار ضئيل، ولا يزال جزء كبير من هويتهم وشخصياتهم في طور التغيير والتحول؟!

هل [تصرف رسول الله في عدم تسليم القيادة الشاملة للأمة إلى الصحابة] لا يدل على أن تجربة تسليم قيادة الرسالة إلى الصحابة محدودة بقدر معين ومحدد؛ أي بقدر التغيير [والتزكية] الإسلامية التي حققوها؟ لو كانت [القيادة، شاملة] وعلى نطاق واسع، لما تضررت هذه التجربة بسبب الأفكار والمفاهيم والإرث الجاهلي الذي لا يزال موجودًا في داخل ووعي الصحابة، سواء كان ذلك بوعي أو بدون وعي؟ هل من المعقول أن تُسلم قيادة عظيمة عالمية عبر التاريخ لأشخاص ضعيف الإيمان بالفكر العالمي الشمولي، والذين لا يزال فهمهم ومعتقدهم القبلي يطغى عليهم؟! هنا يميز الشهيد صدر بين الوعي وما يسميه «القدرة والحماس والاندفاع»، ويعتقد: «للأمة قدرة وحماس كبيران لكنها تفتقر إلى وعي واضح ينقيها من جذور الجاهلية».[42]

يستشهد الشهيد صدر في هذا الصدد بغزوة حنين التي أعطى فيها رسول الله (ص) الغنائم فقط للمسلمين من مكة ولم يعط شيئًا للأنصار لأجل المصلحة. بعد ذلك، أثارت المشاعر القبلية للأنصار، ففسروا الحدث على أنه لأن النبي قد كرّم وأحترم أهل مكة لأنهم قومه وعشيرته! نفس هذا التفكير الخاطئ يُذكر في حادثة مماثلة في مكان آخر كشهادة تاريخية: فقد كان معارضو الإمام علي (ع) بعد وفاة النبي في حالة من الحماس غير الواعي، وكانوا يظنون أن محمد (ص) يريد:

«رفع مجد وعظمة بني هاشم، وتعزيز مكانة هذه العائلة، واستمرار ذكرها ووجودها بعد موته. ولهذا اختار عليًا ابن عمه… وكان هذا التفكير الخاطئ متوافقًا مع الحالة النفسية التي كان معظم المسلمين يعانون منها بسبب رواسب وبقايا الجاهلية…»[43]

ويؤيد هذا القول أن المهاجرين في حادثة سقيفة قالوا:

«من حكم قريش يجب أن يحكم، وقريش تحكم من اختاره محمد.

نحن أحق بالعرب الآخرين، والعرب أحق من المسلمين الآخرين». وهنا [وبهذا الاعتقاد والمعتقد] تظهر المشاعر القبلية والقومية عند رد الفعل…».[44]

إذاً، القضية هي سيطرة وهيمنة قريش من أجل مجدهم وعظمتهم. وعندما أراد عمر بن الخطاب أن يعرف مستقبل الأمور بعده، سأل الناس من سيختارون بعده. فقال:

«سألت كل عربي، قال: علي بن أبي طالب، وسألت كل قريشي، قال: عثمان بن عفان. أي أن مجموعات المسلمين كانت تريد «علي بن أبي طالب»، لكن عشيرة معينة فقط كانت تريد أن تستولي على السلطة والقيادة من الأمة وتقول: عثمان…».

وكان عمر بن الخطاب نفسه متأثرًا جدًا بالمشاعر القبلية، واعترف:

«سعى رسول الله لأن يجعل عليًا قائدًا ويرشحه للقيادة، لكنني منعتُه احتياطًا ومن أجل مصلحة الإسلام».[45] «لكن في الحقيقة، كان الاحتياط من أجل مصلحة قريش. وعندما أصبح عمر خليفة، أظهر تعلقه وتعصبه لتلك القبيلة، لأنه فرق بين الطبقات المختلفة وفضل قبيلة معينة على القبائل الأخرى. هل تعرف أي قبيلة اختار؟ قبيلة النبي (ص)…».[46]

ويذكر التاريخ عن عمر:

«أعفى النصارى والمسيحيين العرب العراقيين من الجزية… وبدل الجزية فرض الزكاة. وهذه البذرة [والبدعة] الدقيقة جدًا لم تُطبق إلا على عشيرة واحدة، وليس على باقي العشائر المسيحية العراقية.

ومع مرور الوقت، أثمرت هذه البذرة ثمارًا شريرة ومستمرة. وربما كانت هذه البذرة أساس وسبب كل الشرور والآثام التي لاحقت المسلمين بعد ذلك، أو بسبب سيطرة الحكومات القبلية التي كانت ثمرة تلك البذرة الشريرة، وقع المسلمون في مستنقع زلزلت فيه أسس الإسلام. وبسبب هيمنة القبلية العربية، والفارسية، والتركية، والهندية، وغيرها من الحكومات القبلية الشركية التي نشأت في العالم الإسلامي، ضاعت رسالة الإسلام.

أريد أن أقول إن الأمر المهم والخطير في إنشاء مجتمع عالمي يحتاج إلى قيادة تختلف عن إمام الجماعة والذوق والميول التي كانت موجودة في الخلفاء».[47]

بهذا الوضع، كان من الطبيعي أن يترك كل من ليس عربيًا الإسلام، وأنه طالما كانت الفكرة السائدة هي التعصبات العربية، وليس الفكر الإسلامي العالمي، فإنهم يتركون الإسلام؛ وهو الفكر الذي دُعي إليه وأُدخلوا الإسلام على أساسه:

«ما جعل الأمة لا تترك الإسلام هو أن الإسلام كان يحمل قيمًا ومعتقدات أخرى. قيم أصلية أضاءت العالم وقدمت. قيم ونماذج لها أهداف ومقاصد أصيلة. هذه الأُطر قدمها المسلمون الواعيون بقيادة أئمة أهل البيت».[48]

لأن هؤلاء كانوا يمثلون الخط الكامل والكامل للإسلام وقيمه العالمية.

الجوانب العالمية في المجال السياسي

قدّم فكر الشهيد صدر العديد من الحلول العالمية في المجال السياسي، والتي يمكن العثور عليها في كل جزء من إرثه الفكري.

في نظرة سريعة على الدستور الإسلامي من الناحية الفقهية، نرى أنه يؤمن بأن هدف الدولة الإسلامية في علاقاتها الخارجية هو نشر نور الإسلام ونقل شعلة هذه الرسالة العظيمة إلى جميع أنحاء العالم؛ وكذلك الدفاع عن العدالة والحق في الشؤون العالمية، وعرض وتقديم النماذج والقيم السامية للإسلام من خلال ذلك؛ بالإضافة إلى مساعدة جميع المستضعفين والمتألمين في الكرة الأرضية، والثبات والمقاومة في وجه الاستعمار والطغيان، خاصة في العالم الإسلامي الذي تُعد إيران جزءًا لا يتجزأ منه.[49]

وقد قارن الشهيد صدر بين النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي، فقال:

«في نظام الديمقراطية، الأمة والقوم هي مصدر القيادة ومكانة الخلافة والمسؤولية، أما في النظام الإسلامي، فالله هو في صدر القيادة».[50] من الواضح أن هذا الاختلاف يعكس فرقاً جوهرياً وأساسياً، لأنه إذا كانت الأمة والقوم مصدر ومكانة الخلافة والقيادة، ففي هذه الحالة تكون الحلقة الوصل بين القادة والبشرية؛ أي أن الأمة هي الرابط والحلقة العالمية للأخلاق والاجتماع والسياسة؛ إذن طبيعة وجوهر الخلافة مفهوم عالمي، بينما في الفكر الحديث للبشر، الأمة هي [المشروعة و] مصدر الحكم والقيادة.

ومن الواضح أن المقصود بالأمة، مجموعة في إطار قومي ومنطقة معينة، تحكم نفسها ولا يسيطر عليها الآخرون. ولهذا فإن فكرة السيادة والقيادة، بطبيعتها وذاتها، ستكون قومية ومنطقة.

الشهيد صدر في نقاشه المثير حول خلافة الإنسان وشهادة (شهادة) الأنبياء، مع شرح وتأمل أعمق، يتناول فكرة الخلافة والقيادة. يقسم التاريخ البشري إلى مرحلتين:

الإشراف والرقابة السماوية عبر المعصوم، أي النبي أو الإمام، حيث في هذه المرحلة، يكون المعصوم هو المظهر والممثل لكلا الخطين. فهو لأنه نبي أو إمام، يمثل خط الشهادة [و يكون الرسول عليكم شهيداً]، ومن جهة كونه إنساناً، يمثل سير الخلافة. إذن المعصوم في وقت واحد، هو شاهد وشهيد وخليفة.

المرحلة الثانية، هي المرجعية الواعية، حيث لا يوجد عنصر العصمة في الوجود والظهور، ويمكن للأمة أن تتبع خط الخلافة وتمثلها، بشرط أن يتولى المرجع الواعي دور الشهادة والشاهد على الأمة.

يبدو أن الإسلام من خلال هذا التقسيم يحاول قدر الإمكان توفير جو العصمة الذي لا يوجد في المرحلة الثانية».[51] يكتب الشهيد صدر عن شمولية الدولة الإسلامية:

«استحقاق الدولة الإسلامية لامتلاك الأرض نوعان:

النوع الأول، الاستحقاق السياسي الذي بموجبه وباعتبار الإدارة العليا والواسعة السياسية للإسلام، تستحق الدولة الإسلامية الكرة الأرضية؛ أي باعتبار أن الدولة الإسلامية مسؤولة عن هذه الحدود والحدود، وشرعاً ملزمة بتنفيذ وتعزيز الاستحقاق وحماية هذه الحدود. نطاق هذا الاستحقاق غير محدود بأي منطقة، لأن الكيان السياسي للدولة الإسلامية يقوم على أساس مبدأ ومصدر فكري واسع لا تفرق فيه الأرض والمناطق. ولهذا يحق للدولة الإسلامية شرعاً أن تكون مالكة وحائزة على كل الأرض:

«وَ لقدْ كَتبنا فى الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادى الصالحون؛[52] حقاً في الزبور بعد الذكر كتبنا أن عبادي الصالحين يرثون الأرض».

لذا يحق للدولة الإسلامية أن تخضع جميع أراضي العالم لإدارتها السياسية؛ بالطبع، طريقة ممارسة هذا الحق وشكله تعتمد على اختلاف [المذهب والدين] لسكان كل أرض؛ أي أنه يختلف حسب كونهم مسلمين أو ذميين أو كفار غير ذميين».[53] في موضوع الفرق بين الفتح وفتح البلاد بدافع الفكر الإسلامي وبين إقامة مستعمرات التي نرفضها بشدة كظاهرة غربية، تم توجيه سؤال إلى سماحته فأجاب إجابة مثيرة للاهتمام. خلاصة ذلك أن التوسع وفتح البلاد ظاهرة مشتركة بين الإسلام والغرب. الغرب يقول: أنا توسعي وأفتح البلاد وأقنع أو أفرض بالقوة والسيطرة، والإسلام يقول الشيء نفسه لكن العمل والدافع ليسا متطابقين. المقياس والمعيار في الإسلام والغرب هو أن كل منهما يريد أن يقيم السيادة والقيادة في ظل الأساس الفكري الذي نشأ منه. ولهذا فإن التوسع المشروع هو الذي يتوافق مع الدافع والمصدر الخاص به.

المصدر الغربي قائم على الحرية، ومقتضاه أن يحترم حرية الأمم والمجموعات الأخرى، وألا يفرض نفسه كنموذج متفوق للحضارة والتقدم عليهم، حتى لو كان هذا الادعاء حقيقة واقعية؛ لأن هذا الفرض هو انتهاك لأساس ومبدأ الحرية الذي تعتمد عليه الحضارة الغربية.

في حالة الاعتداء، إما أن الغرب كذب في دفاعه عن الحرية، وهدفه الحقيقي هو الاستعمار واحتلال الأراضي تحت رايته، أو أن «الحرية» لا تستحق أن تكون أساساً فكرياً ونموذجاً سامياً للحضارة الإنسانية. إذا كان الادعاء بالدفاع عن الحرية غير صحيح، فإن التوسع عدائي وعدواني، وإذا لم تكن الحرية تستحق أن تكون نموذجاً متفوقاً وأساساً فكرياً للحضارة، فلا مبرر للتوسع الغربي، خاصة أن الحضارة الغربية ثمرة ذهنية وخلق غربي، وفرضها على الأمم الأخرى يُنظر إليه من قبل هذه الأمم كتوسع قومي. ولهذا فإن القضية أكثر من كونها حرية وديمقراطية، هي توسع قومي وجماعي، وهذا هو سبب رفض الاستعمار واعتباره عدواناً من قبل الجماعات والأمم.

أما الأساس الفكري للإسلام، فهو التوحيد والوحدة، وجوهر التوحيد هو السيادة والقيادة السماوية على الأرض. المظهر الطبيعي لهذه السيادة هو أن يتقبل أتباع التوحيد سيادة الله على الأرض كواجب سماوي عليهم، بحيث يتوافق التوسع الإسلامي مع مصدره (الوحدة) ولا يحمل لون وطابع العدوان والظلم، لأنه في هذه الحالة سيكون واجباً سماوياً، وليس عملاً شخصياً من مسلم تجاه غير مسلم، كما أن التوسع الغربي هو عمل شخصي من غربي تجاه غير غربي.

بدافع التوحيد والوحدة، لا يُعد توسع الإسلام قومياً، لأن التوحيد فكر سماوي، وليس منجزاً أو صنعاً بشرياً، حتى إذا فُرض على الآخرين اعتُبر توسعاً قومياً.[54] وقد قُدّم ملخّص وجوهر الإجابة المناسبة التي أجاب بها السيد الشهيد الصدر على هذا السؤال.

الجوانب العالمية في شخصية الشهيد الصدر

شخصية الشهيد الصدر شخصية رسالية مرتبطة بأصل سماوي، تسخر من الأسباب الأرضية التي تفرّق بين الناس بسبب المعايير الطولية والعرضية. كان الشهيد يريد أن يتحدث إلينا من ابتكاراته وتجديداته السامية التي تتفوق على المعايير الأرضية:

«كلما ألقى النظام الشيوعي والاشتراكي خطه الأحمر على العراق، أجرب نفسي ألف مرة وأسأل نفسي:

أشعر الآن بألم شديد لأن العراق في خطر الشيوعية، لكن هل سأشعر بنفس القدر من الألم إذا كان هذا الخطر موجهاً إلى إيران أو باكستان أو أي أرض من الأراضي الإسلامية؟ هل سأشعر بنفس الألم والضيق أم لن أشعر؟ أسأل نفسي هذا السؤال لأختبر نفسي وأرى هل الألم الذي أشعر به بسبب نفوذ الشيوعية في العراق هو من أجل رغيف خبز قد يُقطع عني أو موقعي الشخصي قد يُفقد، أو بسبب نظام أو حكم سيقوم؟ لأن مصالح شخصيتي مرتبطة إلى حد ما بالإسلام؛ فهل ضيقي بسبب أن هذه المصالح الشخصية ستتعرض للخطر؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن ضيقي من انتشار الشيوعية في العراق سيكون أكثر من ضيقي من انتشارها في إيران أو باكستان. أما إذا كان ضيقي من أجل الله تعالى، إذا كان من أجل أن يُعبد الله على الأرض ولا يخرج الناس جماعات من دين الله، ففي هذه الحالة أتجاوز حدود إيران والعراق وباكستان، وأفكر في مصالح الإسلام، وأتعامل مع الأخطار التي تهدد الإسلام على قدم المساواة، دون تمييز بين العراق وإيران وباكستان أو أي مكان في العالم الإسلامي…»[55].

وبالفعل، كان الشهيد الصدر يحنو على جميع الأراضي الإسلامية، ويشعر بالألم والتفكير لكل جزء من الأراضي الإسلامية، سواء لبنان أو البحرين أو آلام المسلمين في أي مكان آخر. وعندما صمد الشعب الأفغاني في وجه الاحتلال الظالم لأفغانستان من قبل الاتحاد السوفيتي، بعث برسالة يرسل فيها تحياته وسلامه لهم، معبراً عن تعاطفه وألمه الروحي تجاه هذه المحنة والمصيبة.

موقف الشهيد الصدر التضحيّي تجاه الثورة الإسلامية هو مثال ونموذج فريد للتضحية في كل المجالات من أجل الإسلام والمسلمين. إذا وجدنا أشخاصاً قاموا وناضلوا من أجل شعوب وأهداف خارج إطار منطقتهم وقوميتهم، فهذا ليس فخراً كبيراً، لكننا لم نجد قيادة عظيمة ومرجعاً دينياً سامياً ومفكراً عظيماً يكرّس وجوده كله، بل وجود جميع المسلمين الذين يقودهم، من أجل المسلمين الآخرين، ويذوب في قائد هؤلاء المسلمين إلى حد أن يتمنى مراراً أن يعيش تحت ظله في قرية من قرى إيران.[56] وكان يقول لطلابه:

«من واجبكم ألا تتعاملوا مع هذه المرجعية [الإمام الخميني] بعاطفة شخصية، وألا تجعلوا علاقاتكم معي عائقاً أمام حيادكم. من الواجب أن يكون معيار المصلحة الإسلامية، وكل مرجعية تستطيع خدمة الإسلام وتحقيق أهدافه، من الواجب أن تقفوا إلى جانبها وتدافعوا عنها وتذوبوا فيها. فإذا كانت مرجعية السيد الخميني تحقق هذه الأهداف، فلا يجوز أن تمنعكم علاقاتكم بي من الذوبان في مرجعيته».[57]

كتب الشهيد الصدر لطلابه في إيران:

«على كل فرد كان محظوظاً وتمكن من العيش في ظل هذه الشخصية الإسلامية العظيمة [الإمام الخميني]، أن يبذل كل جهده وإمكاناته وخدماته، ويجعلها جميعاً في خدمة تجربته… مرجعية السيد الخميني التي تجسدت اليوم آمال الإسلام في إيران، يجب أن توليها اهتماماً، وتخلص لها، وتدعم مصالحها، وتذوب في وجودها العظيم، بقدر ما ذاب هو وفنى في هدفه العظيم».[58]

كلمة «الذوبان» في كلام الشهيد الصدر تدل على معنى ثمين وهدف سامٍ. وفي رده على الذين كانوا يخافون على نفسه أو على أنفسهم [من أن يصيبهم أذى جسدي] قال:

«ما كان هدف المراجع عبر التاريخ؟ أليس إقامة حكم الله عز وجل على الأرض؟ الآن مرجعية الإمام الخميني حققت هذا الهدف. فهل من المنطقي أن أكون مجرد متفرج ولا أتخذ موقفاً صحيحاً ومناسباً حتى لو كلفني ذلك حياتي وكل ما أملك؟!».[59]

وللتأكيد على هذا الموقف والرؤية، كان الشهيد الصدر حريصاً على نقل تجربة [الثورة الإسلامية] إلى أماكن أخرى من خلال معطياته الفكرية النادرة. ولهذا كتب سلسلة من النقاشات بعنوان «الإسلام يقود الحياة» كدعم فكري ضروري لهذه التجربة. وعندما أشعل النظام البعثي فتنة القومية في خوزستان، رغب السيد الشهيد، بصفته ممثلاً للمراجع العليا للدين، في إعلان موقف النجف الشرعي من هذه الأحداث الشنيعة والمرفوضة. ولهذا أرسل رسالة إلى العرب في خوزستان ليشرح لهم الموقف والرؤية الشرعية ويدعوهم إلى:

«أرِ روحَ وأصلَ الأخوّة الإسلامية التي هي في التاريخ نموذجٌ وأسمى مثال وأفضلُ قدوة في التعاون والتآزر بين مجتمع المتقين والورعين. ففي مجتمع المتقين لا فضل لمسلم على مسلم إلا بالتقوى. هذا المجتمع هو مجتمع عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، صهيب الرومي وبلال الحبشي، الذين قلوبهم مزروعة ومثمرة بالإيمان والفكر، وقد تجاوزت حدود وأطراف الأراضي المفتوحة، وحصلت على اسمٍ وعلامةٍ سماويةٍ ورساليةٍ واسعة. لذا يجب أن تتحد القلوب وفي إطار القيادة الحكيمة للإمام الخميني، ومن أجل بناء مجتمع إسلامي عظيم يكون مشعل نور القرآن الكريم لكل العالم، تذوب كل الطاقات والقوى…».[60] أرسلت الحكومة الجاهلية البعثية عيسى الخاقاني[61] ليتحدث مع الشهيد الصدر باللغة العربية [وبتعصبها]. قال له: إن الحوزة العلمية العربية بحاجة إلى هيكل جديد، ولا يستطيع أحد غيرك أن يقوم بهذا العمل. أنا مستعد لتنفيذ كل تعليماتك في هذا الشأن.

أصر الشهيد الصدر على وجهة نظره الواعية، وأجاب: الحوزة العلمية في النجف الأشرف [مع غيرها من الحوزات] لها نظام واحد ولا يمكن فصلها. ليس لدينا حوزة عربية أو فارسية أو أفغانية. في الحوزة، العرب والفُرس والأفغان والباكستانيون وغيرهم متساوون.

رد الخاقاني: لكن سيدي! العجم قد سيطروا على الحوزة، ومعظم المراجع منهم! أجاب السيد الشهيد: في الحوزة جو من الحرية، ومن يثبت كفاءته واستحقاقه يتقدم، ولا يستطيع أحد منعه.

قال الخاقاني: سيدي! هل تعلم ماذا فعل العجم في خوزستان بالعرب؟ لقد قتلوا شبابهم، وأهانوا كرامتهم، ونهبوا أموالهم. الخميني اتخذ موقفًا ضد العرب، وأذلّهم ودمّر كرامتهم.

قال السيد الشهيد: لا أسمح لك أن تقول هذه الكلمات. السيد الخميني مرجع عادل ولا يفرق بين العرب والعجم. هنا في النجف كان يعطي رواتب شهرية للعرب والعجم دون تمييز بينهم.

قال الخاقاني: أعتذر… أردت أن أُعلمك أن أحداثًا مؤلمة وقعت للعرب في خوزستان.

قال السيد الشهيد: يعيش عرب خوزستان في ظل الدولة الإسلامية. كل شيء لهم هو للآخرين أيضًا، وكل صعوبة يعانونها يعانيها الآخرون. لا أحب أن تتكرر هذه الكلمات مرة أخرى.[62]

بسبب لطف الشهيد الصدر، حاول الخاقاني مرة أخرى، لكن موقف السيد الشهيد كان أشد من المرة السابقة.

من يدرس آراء السيد الشهيد يجد حرصه الشديد على ثبات واستقرار القيم العالمية للإسلام، ويفهم أن في كل خطوة كان يتخذها وكل كلمة كان يقولها، كان هذا الأفق والرؤية الشاملة حاضرين.

أرسل الإمام الخميني برقية إلى السيد الشهيد وطلب منه ألا يغادر العراق. فأجاب في رسالة:

«أود بهذه المناسبة أن أنقل تحيات ملايين المسلمين والمؤمنين في عراقنا العزيز إليكم. هؤلاء في نور الإسلام الذي أشرق من جديد بواسطتكم، وجدوا شعاع هداية لكل العالم؛ وكذلك قوة روحية لسحق المستعمر الكافر وخاصة الاستعمار الأمريكي، ولتحرير العالم من كل أشكال وأنواع الجريمة والظلم، التي في مقدمتها جريمة اغتصاب واحتلال أرضنا المقدسة فلسطين».[63]

ثمن كل هذه الآراء البطولية والرسالية كان أن السلطة الظالمة الحاكمة أعدمت الشهيد، لكن من الآن فصاعدًا طريقه الخالد والمجد والرفعة الثابتة والواضحة، وذكره الشريف سيبقى باقياً ليكون الآخرون على خطّه و[مواصلين طريقه]، لأنه طريق العظماء وطريق محمد وآل محمد (ص).

 

[1] (1). سورة البقرة، الآية 213. ترجمة الآيات: ناصر مكارم شيرازي ..

[2]  يعني في مسار وبناءً على الجبر التاريخي من وجهة نظر الماديين، تتجه المجتمعات البشرية حتمًا نحو الحياة الاشتراكية ..

[3] إشارة إلى الآية «لتكون على الناس شهداء» ..

[4] إشارة أخرى إلى الآية «لتكونوا على الناس شهداء» ..

[5]  العولمة (جلوباليزم) ..

[6]  المدرسة القرآنية، ص 169، طبعة دار التعارف ..

[7]  الأنبياء، الآية 92 ..

[8]  المؤمنون، الآية 52 ..

[9]  القصص، الآية 4 ..

[10]  المدرسة القرآنية، ص 229 ..

[11]  الإسراء، الآية 22 ..

[12]  نظرة عامة في العبادات ..

[13] الإسلام يقود الحياة، ص 180، طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ..

[14]  رسالتنا، ص 59 ..

[15]  المرسل، الرسول، الرسالة، تحقيق عبد الجبار الرفاعي، ص 194 ..

[16]  المرجع نفسه، ص 191 ..

[17]  الحجرات، الآية 13 ..

[18]  المرسل، الرسول، الرسالة، ص 186 ..

[19]  المرجع نفسه، ص 190 ..

[20]  اقتصادنا، ص 116 ..

[21]  قائد رفيع الرتبة روماني في الحرب مع الأشكان الذين دعموا العامة، طارد الأخاذان التابعين للسناتورات. راجع: دائرة المعارف الفارسية. مترجم ..

[22]  اقتصادنا، ص 116-117 ..

[23] المرجع نفسه، ص 117-/118 ..

[24]  أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف، ص 39-40 ..

[25]  الحديد، الآية 26 ..

[26]  الأنعام، الآية 84 ..

[27]  الإسلام يقود الحياة، ص 166 ..

[28]  البقرة، الآية 143 ..

[29]  الإسلام يقود الحياة، ص 166 ..

[30]  فلسفتنا، ص 200 ..

[31]  اقتصادنا، ص 27 ..

[32] المدرسة القرآنية، ص 139-141 ..

[33] فلسفتنا، ص 339، هذا البحث موجود أيضًا في فصل الفكر والديانة الماركسية في اقتصادنا. مترجم ..

[34]  للمزيد من المعرفة راجع: اقتصادنا، ترجمة محمد مهدي فولادوند، منشورات مؤسسة العلوم الإسلامية. مترجم ..

[35]  فلسفتنا، ص 400 ..

[36] اقتصادنا، ص 43 ..

[37]  المجتمع والتاريخ، ج 1، ص 18، مؤسسة البعثة ..

[38] المدخل إلى التاريخ الإسلامي، ص 493 ..

[39]  اقتصادنا، ص 21-22 ..

[40] أهل البيت تنوع الأدوار ووحدة الهدف، ص 137-138 ..

[41]  المرجع نفسه، ص 93 ..

[42]  المرجع نفسه، ص 89 ..

[43]  المرجع نفسه، ص 82 ..

[44]  المرجع نفسه، ص 91 ..

[45]  المرجع نفسه، ص 139-140 ..

[46]  المرجع نفسه، ص 63 ..

[47]  المرجع نفسه، ص 138-139 ..

[48]  المرجع نفسه، ص 79 ..

[49]  الإسلام يقود الحياة، ص 15 ..

[50]  المرجع نفسه، ص 18 ..

[51]  المرجع نفسه، ص 169-172 ..

[52]  الأنبياء، الآية 105 ..

[53]  الإمام الشهيد محمد باقر الصدر، محمد الحسيني، ص 340 ..

[54]  المجموعة الكاملة لمؤلفات السيد محمد باقر الصدر، ج 13، ص 99 ..

[55] المحنة، ص 49-51 ..

[56]  سنوات المحنة وأيام الحصار، نعماني، ص 164 ..

[57]  المرجع نفسه، ص 163 ..

[58] المرجع نفسه، ص 164 ..

[59]  المرجع نفسه، ص 248 ..

[60]  المرجع نفسه، ص 259 ..

[61]  الشيخ عيسى شبيري آل خاقاني، قائد المجموعة التابعة لخلق العرب ..

[62] سنوات المحنة …، ص 291-292 ..

[63]  المرجع نفسه، ص 266 ..