آية الله الشهيد صدر ومتطلبات العصر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: آیت‌الله شهید صدر و مقتضیات زمان ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: سيد محمد ثقفي

لا شك أن آية الله الشهيد سيد محمد باقر صدر كان من النوادر بين المراجع في القرن الحاضر. فقد كان يتمتع بموهبة فكرية فائقة الذكاء، وكان واعياً لزمانه ومتطلباته إلى حد أنه كان يفكر أحياناً بما يتجاوز زمانه. كان الشهيد صدر يتمتع بالابتكار والتجديد اللذين لا مثيل لهما في مجال الثقافة والحضارة الإسلامية.

الوعي بالزمان ومراعاة مقتضياته شرط لبقاء المذهب وسر دوام وجوده. والدليل على خلوّد القرآن المعجزي هو أنه يجيب على مسائل زمانه ومستقبل البشرية، وبعبارة العلامة الطباطبائي، له خاصية «الجري»؛[۱] أي أنه قابل للتطبيق في كل الأزمان والأمكنة وشامل.

إذا كان مذهب التشيع يُسمى المذهب الجعفري، فذلك لأن ذلك الإمام قد بيّن المعارف العامة للبُعد المعرفي للمذهب ووطد «القواعد العامة» التي تلبي احتياجات المسلمين في آفاق العالم الإسلامي.

نعم، سر بقاء المذهب هو الإجابة على حاجات الإنسان مع مرور الزمن، وهذه الخاصية ليست فقط من خصائص المذهب، بل من صفات كل إنسان واعٍ ومسؤول. كما قال الإمام علي(عليه السلام): «العالم بزمانه لا يهجم عليه الهواجس».[۲]

كان الشهيد صدر من هؤلاء العباقرة الذين بزغوا في عصرنا. كان يحمل أفكاراً إصلاحية ومخططاً ونظرياً للمجتمع الإسلامي، يثبت شمولية المذهب الإسلامي في إدارة المجتمع، وتشكيل الحكومة، والقضايا الاقتصادية والاجتماعية للإنسان المعاصر، في مواجهة المذاهب المعاصرة.

تشكل مجالات إصلاحه وابتكاره في نطاق برامج الحوزة، والكتب الدراسية الكلاسيكية، وإضافة المواد العلمية في البرامج الحوزوية، وإصلاح المرجعية ودور الرسائل العملية في مراقبة المعارف الدينية، وإعادة النظر الشاملة في كتابة الرسائل في عموم العالم الشيعي، وأخيراً طرح المجتمع الإسلامي والإجابة على المذاهب المعاصرة عملياً وتطبيقها في عموم العالم الإسلامي، خطوات ابتكارية له.

إذا كان الشهيد المطهري في مؤلفاته قد اتخذ موقع الدفاع، وكان يجيب على كل الشبهات والاعتراضات المعادية للإسلام بدقة علمية، فإن الشهيد صدر كان يتجاوز ذلك، حيث قدم خططاً جديدة في ميادين الاقتصاد والسياسة والمعرفة والفكر، وجعل النقد والرأي والطرح عملاً متكاملاً. وكانت الحوزة الدراسية للشهيد صدر، مثل الشهيد المطهري، تتمتع بميزة خاصة، وتخريج عدد كبير من الطلاب الواعين بالزمان، العارفين والعارفين بظروف العصر مع معارفه، من ميزات هذين العالمين الجليلين. يبدو أن كلاهما كانا يرغبان في تخطيط مجتمع حديث، لذا كانا يهيئان الأدوات اللازمة لذلك.

إذا كان المجتمع الإسلامي وحكم القيم الإسلامية يشكلان مسؤولية الإنسان المسلم المعاصر، فإن تربية المديرين الأكفاء، الواعين بالزمان، العارفين بالمعارف الحديثة، هي الشرط الأول لمثل هذا المجتمع. ولكن بالتأكيد، يجب أن ترافق هذه الفكرة إجراءات إصلاحية ضرورية، وإلا فإن الثورة الإسلامية لن تؤدي إلا إلى التعبير عن مشاعر راديكالية ثم نسيانها مع مرور الزمن.

الحديث عن الجامعة الإسلامية يتطلب تمهيداً علمياً وتربية الأساتذة والمديرين المسلمين. والإيمان بدور الحوزات العلمية في المجتمع الإسلامي الحديث يتطلب خطة إصلاحية عميقة في نسيجها، بحيث يتمكن كلاهما من تحديد واجباتهما وتحصيل العلوم التطبيقية من المعارف الإسلامية في ميدان المجتمع المسلم، ليؤديا رسالتهما التاريخية، وإلا فإن تحولات العصر وعدم توافق ذهنية المجتمع مع ذلك، ستدمر كل شيء، ونتيجة لذلك، تُنسى الفكرة الإسلامية تلقائياً وتصبح قطعة أثرية تاريخية لا تصلح إلا للتاريخ ولا شيء غيره.

الغفلة عن هذه النقطة الأساسية وعدم التخطيط الصحيح وتربية الرجال الصالحين لذلك، خطأ وقع في مسيرة نهضة الوعي في العالم الإسلامي، على الأقل في ميدان إيران الإسلامية. لكن الشهيد صدر كان وحده في هذا الميدان أمة. لم يكن فقط زعيماً سياسياً لـ«الدعوة الإسلامية» بل كان أيضاً قائد التربية والتحول المعرفي في الحوزة العلمية في النجف، وترك في هذا المجال آثاراً لا غنى عنها في الثقافة الإسلامية.

سلسلة المناقشات الإسلامية اقتصادنا، فلسفتنا، البنك اللاربوي، حلقات أصول الفقه من هذه المناقشات العلمية ـ الدينية القيمة. كان العدو يدرك جيداً أنه إذا بقي هذا النجم الساطع، فسوف ينير ظلمات كثيرة، لذا خُدع وأُخذ من المسلمين بخيانة كاملة. اليوم، يحتاج المجتمع الإسلامي في ميدان الفكر الاجتماعي إلى منظّر ماهر، يعي معارف الزمان ويطبقها مع تعاليم الإسلام، ليجيب على حاجات العصر الحالي، وهذه هي الرسالة الأساسية للعلماء الدين الذين يصاحبونها بالوعي. وكان الشهيد صدر بلا شك من أبرز نماذج هؤلاء العلماء.

كما أُشير، كانت مجالات إصلاح الشهيد صدر تتركز في فرضية «الطرح والعمل». كان يطرح في مجال معارف الزمان، ويعمل في المجال الاجتماعي. طرح مناقشات اقتصادنا، فلسفتنا، البنك اللاربوي … في المجال الأول، وتأسيس «حزب الدعوة الإسلامية» و«جماعة العلماء» في المجال الثاني. يمكن الإشارة إلى خطوات إصلاح الشهيد صدر في مراعاة مقتضيات الزمان تحت العناوين التالية:

١- طرح المناقشات اللازمة في معارف العصر؛

٢- إصلاح الكتب الدراسية وتأليف كتب دراسية في الحوزة الخاصة؛

٣- إصلاح كتابة الرسائل في عموم المعارف الفقهية؛

٤ـ القيام بتشكيلات إسلامية وتربية رجال صالحين ومديرين أكفاء.

الإنسان المعاصر والمشكلات الاجتماعية

يعتبر الإنسان المعاصر نفسه مسؤولاً أمام مشكلات المجتمع، ويعتقد أن المشكلات الاجتماعية في العصر الحاضر من صنع الإنسان ومن نتاج عمله وفكره، وأن النظام الاجتماعي لم يُفرض عليه من فوق إرادة البشر. يمكنه تغييره وإعادة بنائه، على عكس الإنسان في العصور الماضية البعيدة الذي كان يرى العلاقات الاجتماعية كقوانين طبيعية ثابتة، محددة، حتمية ولا يمكن تغييرها، ولم يكن يسمح لنفسه أبداً بأن يخل بهذه العلاقات الاجتماعية القائمة أو يطرح مشروعاً جديداً، وكان يقف أمامها مكبلاً كما لو أنه بلا إرادة. أما الآن، حيث العلاقات الاجتماعية هي مظهر وتجلي لسلوك الإنسان الذي يختاره بنفسه، فإن الإنسان المعاصر يفكر في كيفية اختيار المجتمع الذي يعيش فيه وأي نظام ينشئه وفقاً لأمانيه.

ومن هنا، فإن السؤال الأساسي للإنسان المعاصر هو: بأي نظام يمكنه أن يصل إلى سعادته الاجتماعية؟ هل النظام الشيوعي أم الرأسمالي؟ وما الضامن لتنفيذ هذه الأنظمة؟

يركز الشهيد الصدر في كتاباته الاجتماعية، ومنها اقتصادنا والإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، على تحليل وتقييم إجابات كل مدرسة فكرية على هذه الأسئلة.

وجهة نظر الماركسيين ونقدها

يرى الماركسية أن الإنسان، من الناحية الفكرية والروحية، تابع تماماً لأسلوب الإنتاج ونوع القوى الإنتاجية. لا يمكنه أن يكون مستقلاً عن الظروف الاقتصادية في تفكيره الاجتماعي، ولا أن يعرف أي نظام اجتماعي هو الأنسب. هذه القوى الإنتاجية هي التي تغرس هذا الإدراك في الإنسان وتجيب عنه؛ مثلاً في عصر الطاحونة الهوائية، كان النظام الإقطاعي هو النظام المناسب، وعندما حلّت الطاحونة البخارية مكانها، كان النظام الرأسمالي هو النظام المناسب، وبالطبع اليوم، وسائل الإنتاج الكهربائية والذرية تعطي المجتمع فكرًا جديدًا، ويزداد الاعتقاد بأن النظام المناسب هو النظام الاشتراكي. إذن، فهم ملاءمة النظام هو قالب لترجمة وتفسير المفاهيم الاجتماعية من القوى الإنتاجية والظروف الاقتصادية، ويعكس تماماً صدى صوتها.

ضمان تنفيذ هذا النظام هو الحركة الدائمة للتاريخ والتقدم الاجتماعي. وفقاً للماركسية، التاريخ دائماً في تطور مستمر، وفي كل فترة يفرض نظامها الخاص، إذن الإدراك الاجتماعي الجديد هو النظام الأنسب والأصح. أما الإدراك والفهم التقليدي للإنسان فهو بالتأكيد خاطئ، لأنه لا يواكب تطور الزمن ولا يستطيع إدراك تطور التاريخ ومفاهيمه الجديدة.

هذا المفهوم هو ما كانت تؤكده المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي، الذي كان يعتبر نظامه الاشتراكي أفضل نظام في العالم ولا يزال كذلك. كان الاتحاد السوفيتي يرى نظامه الاشتراكي قائماً على الصراع الطبقي والنضال الدائم للطبقة البروليتارية ضد الطبقة البرجوازية، ويُفسره على أساس فلسفة المادية التاريخية.

نعم، في عصرنا ظهرت أفكار في مجال الفكر الاجتماعي مثل ظهور الفاشية والنازية بعد الحرب العالمية الثانية، والتي بدا أنها أفكار جديدة، لكن سرعان ما تبين أنها ليست إلا أفكار رجعية وعودة إلى عصر الوحشية والعنصرية الرجعية؛ أفكار انتهى عصرها فعلياً. فهل يمكن اعتبار كل فكرة جديدة ظهرت إصلاحية وقبولها دون دراسة مصالحها ومفاسدها؟

ينتقد الشهيد الصدر فلسفة «المادية التاريخية» نقداً علمياً ويقول: إذا كانت الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية نتيجة الإنتاج، فكيف ظهر الإنتاج في حياة الإنسان؟ إذا كان الإنتاج والقوى الإنتاجية هما العاملان في نشوء المجتمع وعلاقاته، فهل للإنتاج نفسه شروط تفسر وجوده وظهوره؟ قد يُقال في الجواب: الإنتاج هو صراع الإنسان مع الطبيعة وترويض الطبيعة لصالحه. ظاهرة كهذه التي تتطلب تغيير الطبيعة، لا يمكن أن تظهر تاريخياً بلا شرط وفي فراغ، وبالتأكيد أحد العوامل التي تدفع الإنسان إلى تغيير الطبيعة وترويضها هو الفكر والإرادة الإنسانية؛ مثلاً عندما يريد الإنسان تحويل القمح إلى دقيق والدقيق إلى خبز، إذا لم يكن لديه فكر التغلب على الطبيعة، فلن يستطيع إحداث هذا التغيير. بعبارة أخرى، شرط الإبداع الإنساني هو وجود الفكر والتفكير، ولأن الحيوان يفتقر إلى ذلك، فلا يمكنه الإبداع أو ترويض الطبيعة.

العامل الثاني هو اللغة التي تُعد رمزاً مادياً للفكر، وتمكن الإنسان من التفاهم في «الإنتاج» والعمل الجماعي في الإنتاج. إذا كان كل منتج يفتقر إلى أداة التعبير عن الفكر والتفاهم مع شركائه في العمل الإنتاجي الجماعي، فلن يستطيع الإنتاج بالتأكيد.

لذا، من الواضح تماماً أن العامل الفكري يسبق الإنتاج، وكذلك العامل اللغوي ليس تابعاً للعمل الإنتاجي، بل اللغة نشأت من جذور تبادل الفكر والتفاهم بين البشر.

لذلك، لم تتغير اللغة الروسية بعد الثورة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي أو اللغة الإنجليزية بعد الثورة الصناعية في إنجلترا إلى لغة أخرى. التاريخ يشهد أن لا الفكر ولا اللغة نتاج عامل الإنتاج، بل اللغة نشأت من الفكر واحتياجات الإنسان التي هي أعمق من الإنتاج وترويض الطبيعة، وهذه أمور تعجز المادية التاريخية عن تفسيرها.[۳]

إضافة إلى هذا الاستدلال العميق، يذكر الشهيد الصدر أنه حسب شهادة التاريخ، فإن الأفكار الاجتماعية لتحديد النظام المناسب لم تكن نتيجة لعوامل الإنتاج، بل الإنسان من موقع أصالته وخلقه، مستقلاً عن أدوات الإنتاج، بادر إلى ابتكار الفكر الاجتماعي والنظام المناسب.

إذا كانت ثلاث خصائص للاشتراكية هي تأميم الثروة، الاشتراك وملكية الدولة، والتي نشأت نتيجة استبدال النظام الاشتراكي بالنظام الرأسمالي بسبب عوامل الإنتاج والتناقض الطبقي، فكيف تفسر أيديولوجية الماركسية ظهور هذه الأفكار التي كانت حاضرة في مرحلة من مراحل تاريخ البشرية، دون وجود ظروف اقتصادية محددة وأدوات إنتاج معينة في المجتمع؟

ألم يكن أفلاطون، الحكيم اليوناني، يؤمن بالاشتراك في النساء والثروة، ولم يؤسس نظام «المدينة الفاضلة» على أساس شيوعي؟ وبالنظر إلى أن اليونان في ذلك التاريخ كانت محرومة من مثل هذه أدوات الإنتاج، فكيف يمكن اعتبار إدراك وأفكار أفلاطون نتيجة لتطور أدوات إنتاج جديدة؟

أبعد من ذلك، كانت فكرة الاشتراكية موجودة قبل 2000 عام من الثورة الاشتراكية في ذهن بعض المفكرين السياسيين؛ فمثلاً «وو ـ دي» من أعظم الأباطرة الحاكمين في الصين، كان يؤمن بالاشتراكية من موقع ذكاء حاد ويعتبرها نظامًا جديرًا بالاعتبار. فقد طبق الاشتراكية في الصين بين عامي 140-87 قبل الميلاد، وأعلن مصادر الثروة الطبيعية ملكية وطنية، وأمّم صناعات استخراج الملح والحديد، وقطع يد الوسطاء والتجار في التجارة، وأوجد نظامًا خاصًا لنقل وتبادل السلع كانت الدولة تشرف عليه. حاول السيطرة على التجارة ومنع التغيرات المفاجئة في الأسعار. وكان الموظفون الحكوميون فقط هم من يديرون نقل السلع ويوفرونها للناس في جميع أنحاء البلاد. أنشأت الدولة مصانع كبيرة ووفرت وظائف لآلاف البشر.[۴]

وكذلك في بداية التاريخ المسيحي، اعتلى «وانغ مانغ» العرش في الصين، وباعتقاد راسخ ألغى نظام العبودية والإقطاع، وأمّم الأراضي الزراعية وقسمها بالتساوي بين الفلاحين، وحظر بيع وشراء الأراضي حتى لا يتمكن المالكون من استعادتها مرة أخرى. كما أمّم بعض الصناعات الكبرى والمناجم.[۵]

هل من الممكن أن يكون هذان المصلحان الاجتماعيان قد استندا في فهمهما الاجتماعي وطريقتهما السياسية إلى قوة البخار أو الكهرباء أو الطاقة النووية التي تقدمها الماركسية كمصدر لإنتاج الأفكار الاجتماعية؟

لذا، فإن اختيار هذا النظام أو ذاك كنظام اجتماعي جدير بالاعتبار ليس أبدًا نتيجة لأدوات الإنتاج؛ كما أن الحركة التطورية للتاريخ، كما تريد الماركسية أن تظهر حداثة الفكر كدليل على صحته، هي أسطورة أخرى من أساطير التاريخ.

تجارب الإنسان الاجتماعية

يعتقد بعض المفكرين السياسيين والفلاسفة الاجتماعيين غير المنتمين للعالم الشيوعي أن إيجاد «النظام الاجتماعي الجدير» لإدارة المجتمع الإنساني يعتمد على تطور وتكامل التجربة وتقييم «الأنظمة الاجتماعية» السابقة. هذه الطريقة (تجربة الظواهر) صحيحة في جميع مجالات الحياة الطبيعية والاجتماعية للإنسان. وبما أن الإنسان يتعلم من تجاربه ويطورها ويرتقي بحياته، فإنه يستخدم هذه الطريقة أيضًا في اختيار النظام الاجتماعي الجدير.

السؤال الأساسي عن «النظام الاجتماعي الجدير» يشبه السؤال عن أفضل طريقة لتدفئة المسكن في الشتاء. هذا السؤال يُطرح على إنسان واجه في الطبيعة بردًا قارسًا وعانى من أضراره وخسائره.

عندما كان الإنسان يعيش في الكهوف، كانت الحاجة إلى حماية النفس تدفعه للبحث عن أفضل طريقة لتدفئة منزله. وبعد جهد كبير في الصراع مع الطبيعة وإظهار إبداعه وتجارب لا حصر لها، تمكن من اكتشاف النار وتوظيفها. واصل التجربة وصبر حتى تمكن من تلبية هذه الحاجة الحيوية بالحصول على الكهرباء والغاز، واستخدمهما بأفضل شكل في الصناعات والحياة، واليوم يتحدث عن اكتشاف الذرة ومحطات الطاقة النووية والاستفادة من طاقة الشمس، ليرى أي طريق سيسلكه في المستقبل.

كذلك الإنسان في مراحل حياته الأخرى، في مجال مكافحة المرض وحل مشكلته وإيجاد دواء لعلاج أمراض السل، والكوليرا، والسرطان، وآلاف الآفات الصحية، وكذلك في إيجاد أفضل الطرق لاكتشاف النفط، وأسرع وسائل النقل، وأسهل الأدوات للحياكة… استطاع الإنسان بخبراته القيمة أن يتجاوز هذه العقبات والمشكلات ويمهد طريق الحياة. وبنفس الطريقة يمكن للإنسان أن يجيب على سؤال «ما هو النظام الاجتماعي الأنسب؟» وأن يقيم من خلال التجارة الاجتماعية مزايا وأضرار وأنظمة الماضي، ويختار النظام الأنسب لحياته الاجتماعية، ويعبّر عن ردود أفعاله على المستوى السوسيولوجي. هل النظام الاستبدادي أفضل أم النظام الدستوري؟ هل النظام الدستوري نظام مثالي كامل أم ظاهرة يمكن بها دفع الفساد بالفساد (بتعبير ميرزاي نائيني)؟ هل النظام الجمهوري هو الأفضل ويتوافق مع الإسلام أم يجب ترديد شعار الجمهورية فقط؟ هل المجتمع المدني في مقابل المجتمع الإسلامي؟ هل مجتمعنا الإسلامي هو نفسه المجتمع المدني أم يمكن أن يكون كذلك؟ هل للحكم الإسلامي شكل خاص أم أن المهم هو المحتوى والنظام العادل، وإلا فإن الزمن هو الذي يحدد أشكال الأنظمة؟ هل توجد في الإسلام أحزاب وتشكيلات سياسية أم أن الحزب والتكتل الحزبي كلام فارغ؟ وآلاف الأسئلة الاجتماعية التي اليوم تلاحق حياتنا الاجتماعية.

الفرق بين التجربة الطبيعية والاجتماعية

صحيح أننا يمكن أن نجيب على سؤال «ما هي الأنظمة الأنسب» من خلال تجاربنا الاجتماعية، كما جربنا هذه الطريقة في مجالات أخرى من حياة الإنسان، ولكن إذا أردنا أن نتأمل في المسألة بعمق أكثر ونبحث في أساسها وجذورها، يجب أن نفرق بين تجارب الإنسان الطبيعية في مجالات الحياة الإنسانية والاختبارات التي يجريها حول الأنظمة الاجتماعية والسياسية؛ لأن الاختبارات الاجتماعية للإنسان حول الأنظمة الاجتماعية المختلفة لا تصل في نتائجها الفكرية إلى مستوى تجاربه واختباراته الطبيعية، وهذان النوعان يختلفان اختلافًا جوهريًا.

هذا الاختلاف يؤثر بعمق على سيطرة الإنسان وإمكانية وصوله إلى استخدام الاختبارات الطبيعية والاجتماعية. فقد كشف الإنسان أسرار الظواهر الطبيعية ورفع إدراكه وفهمه لأسرار الطبيعة عبر الزمن، أما النجاح في مجال الإدراك والفهم الاجتماعي فلم يكن ممكنًا؛ لأن تطور فهم الإنسان في مسائل وأنظمة اجتماعية بطيء جدًا، وهذا التأخير والبطء يؤثر بشكل حاسم على نضج الإدراك الاجتماعي.

الاختلافات والتمييزات

منذ القدم، لاحظ علماء العلوم الإنسانية، وخاصة العلوم الاجتماعية، أن طريقة الدراسة في العلوم الاجتماعية تختلف اختلافًا كبيرًا عن العلوم الطبيعية والبيولوجية، ولا يمكن دراستهما بمنهج واحد. وفقًا لهؤلاء العلماء، في العلوم الاجتماعية «العاقل والمعقول»[۶] ينتميان إلى فئة واحدة ويتأثران ببعضهما البعض. فالإنسان ليس فقط من أكثر الكائنات الطبيعية تعقيدًا وتغيرًا، بل يجب أن تدرس من قبل بشر آخرين، وليس من قبل باحثين مستقلين من نوع مختلف.

طريقة تفكير المؤرخ أو عالم الاجتماع تدخل بلا شك في المنظور الذي يتبناه في عمله، على عكس العلوم الطبيعية والبيولوجية التي يمكن للباحث دراستها بشكل مستقل وموضوعي وخالٍ من كل الأفكار السابقة، والحكم عليها.[۷]

بشكل عام، العلوم الاجتماعية، لأنها تتعلق بالعاقل والمعقول، الباحث والمبحوث، لا تتوافق مع أي نظرية معرفية تفصل تمامًا بين العاقل والمعقول.[۸] وهذه الخاصية هي أعم وأشمل صفة تميز العلوم الاجتماعية عن العلوم الطبيعية.

لكن الشهيد صدر من موقع فطنته وذكائه يذكر نقاطًا جديرة بالملاحظة:

١- يمكن أن يتم الاختبار في العلوم الطبيعية بواسطة فرد عالم يختبر الطبيعة بدقة ويدرسها ويرى صحة أو خطأ النتائج ويقيّمها، ويصل إلى نتيجة محددة مستمدة من تجربته. وقد شهد التاريخ العلمي العديد من هذه التجارب. تجربة «لافوازييه» في الوزن النوعي وتجربة أرسطو في كروية الأرض من خلال حركة السفن واختفائها في البحر، هي أمثلة على هذه التجارب. ورغم أن هذه الاختبارات قابلة للتكرار ولهذا تسمى «تجربة»، إلا أنها تحققت بواسطة عالم واحد وقُدرت على التعميم.

أما الاختبار في المسائل الاجتماعية فهو مختلف؛ لأنه يجب اختبار المسائل الاجتماعية ليس في مختبر مغلق بل في ميدان المجتمع. مثلاً، اختبار النظام الإقطاعي أو الرأسمالي يتم بأن تختبره المجتمعات والعديد من الناس في جزء من التاريخ في ميدان المجتمع، ويكتشفون إيجابياته وسلبياته. ومن الطبيعي أن هذا الأمر خارج قدرة فرد واحد، بل يجب أن يخضع له المجتمع ويخصص فترة زمنية في الحياة الجماعية له.

عندما يريد الإنسان الاستفادة من «تجربة اجتماعية» لا يمكنه أن يكون معاصرًا لكل أحداثها ويراقبها كما في التجربة الطبيعية، بل يرى فقط جزءًا من الأحداث الاجتماعية ويضطر إلى الاعتماد في حكمه على «المجالات الاجتماعية الأخرى» على التخمين والاستنتاج والتاريخ.

٢- الفكر والتفكير الذي يظهره الاختبار الطبيعي واضح ونقي جدًا مقارنة بالتجربة الاجتماعية، وفي دراسته لا يمكن طرح أي فرضيات مسبقة؛ على عكس «التجربة الاجتماعية».

هذه النقطة بأن تجربة المسائل الطبيعية تختلف عن اختبار المسائل الاجتماعية، نقطة دقيقة جداً ورفيعة؛ فمثلاً في الاختبار الطبيعي، لا تدخل أي مصلحة أو تزييف أو تحريف للطبيعة. على سبيل المثال، عندما يريد طبيب أن يحدد مقدار تأثر ميكروب السل بمادة كيميائية معينة، فإن هذا الطبيب لا يهتم إلا بمعرفة مقدار التأثر ـ سواء كان كثيراً أو قليلاً ـ ولا يسمح لنفسه أبداً أن يخفي الحقيقة أو يحرفها في علاج مرض السل ومكافحة ميكروبها، ولا يبالغ أو يقلل في مقدار التأثر. بناءً على ذلك، يتوجه تفكير وتجربة المختبر (الطبيب) إلى موضوع شفاف وواضح ونقي.

على العكس من الاختبار الاجتماعي، حيث مصلحة المختبر دائماً تعيق توضيح الحقيقة واكتشاف النظام الاجتماعي المناسب لجميع البشر؛ بل قد يحدث أحياناً أن مصلحته تكمن في عدم قول كل الحقيقة وإخفاء الأسرار الكامنة.

الشخص الذي تكمن مصلحته في حكم النظام الرأسمالي واحتكار الثروة أو يريد استمرار نظام الربا المصرفي، لا يقول الحقيقة أبداً ولا يتحدث عن نقاطه السلبية، بل يسعى أكثر إلى تزيينه. لذا فإن الحقيقة في هذا المجال تكون دائماً مصحوبة بقوة وهمية بحتة تبرر رأياً معيناً، ولهذا السبب يجب أن يُطرح اختبار المسألتين الاجتماعية والطبيعية بنفس القدر من الشفافية وأن يكون له ضمان تنفيذ.

٣ـ على فرض أن الإنسان استطاع أن لا يدخل رأيه الخاص وأن يحدد أن هذا النظام أو ذاك هو النظام الأنسب، فمن يضمن أنه أخذ مصلحة جميع البشر في الاعتبار وبعكس مصالحه الشخصية تماماً طبق النظام المناسب الذي يعتقد به ونفذه؟ هل يكفي فقط أن يقرر مثلاً الرأسماليون أن النظام الاشتراكي عادل ثم ينفذونه؟ أو مثلاً إذا قرر الإنسان المعاصر بعد تجاربه الطويلة أن العلاقات بين الرجل والمرأة في العصر الحاضر قد انحدرت إلى التحررية والفوضى وتهدد مستقبل المجتمع، هل هو بدافع هذا الاهتمام يرغب في تغيير النظام القائم وعدم السماح للإنسان أن يقع في مستنقع الفساد والسقوط الشهوى؟ أم أنه لا يزال يفكر في الملذات الجنسية والشهوات الحيوانية؟

لذا، ليس كافياً فقط أن نحدد أي نظام هو الأنسب، بل يجب أن يكون لدينا الدافع للعمل من أجل الأهداف العليا للإنسانية وتحقيقها، حتى لو كان ذلك ضد مصالحنا الشخصية.[۹]

القيمة العلمية للأنظمة القائمة

مع ملاحظة الفروقات الموجودة بين تجربة الأمور الطبيعية والمسائل الاجتماعية وصعوبة الاختبار في المسائل الاجتماعية، يطرح هذا السؤال: كيف يكون حكم الإنسان على الأنظمة الاجتماعية المناسبة؟ هل هذه الأنظمة الاجتماعية القائمة أنظمة علمية؟ هل خضعت فعلاً لاختبار طويل الأمد من قبل البشر ثم تم اعتبارها مناسبة للعيش الاجتماعي والنظام الجماعي من خلال قرار حكيم وعقلانية (المنهج العلمي) وبالتالي تم اختيارها كأنسب نظام؟

ما مقدار القيمة العلمية (التجريبية) لهذه الأنظمة بالضبط؟ ما مقدار ما خضعت له من اختبار اجتماعي من قبل البشر والباحثين؟ بمعنى آخر، في مجال تجربة الأنظمة الاجتماعية التي تتطلب دراسة كل تاريخ الحياة الاجتماعية للإنسان للوصول إلى نتيجة معقولة (مختارة) من خلال تجارب طويلة وليس اختبار فترة معينة من الحياة الاجتماعية، هل هذا الاختبار ممكن للبشر؟ أم أننا في المسائل الاجتماعية بدلاً من الاختبار المباشر ـ لعدم إمكانيته ـ نكتفي بالتخمين والتوقع ونتجاهل دراسة تاريخ الإنسان بشكل كامل؟ بالطبع هذه مسألة جديرة بالملاحظة والتأمل.

بعض المعاصرين، من موقع السلبية وبالنظر إلى المجتمعات الغربية، يجيبون بنعم على هذا السؤال ويقولون: الاحتياجات الإنسانية حقائق ملموسة، وكل حقيقة تستحق أن تخضع للاختبار العلمي والتجريبي ـ مثل غيرها من الظواهر الكونية ـ والإجابة على هذه الحقائق من خلال أعمال محددة ومقيدة ممكنة وقابلة للتجربة، ويمكن للإنسان من خلال الاستجابة لهذه الحاجة واستنتاج آثارها أن يصل إلى الإجابة المرغوبة ويؤسس نظامه الاجتماعي على أساس «التجربة العلمية»؛ فلماذا لا نستطيع من خلال تجربة شخص أو أشخاص، اختبار مجموع العوامل الطبيعية والفسيولوجية والنفسية التي تلعب دوراً رئيسياً في النمو الفكري للإنسان، ومن خلال تعميم ذلك على جميع البشر، بناء نظام اجتماعي مناسب لنا؟

بعضهم يدعي حتى أكثر من ذلك أن هذا الاختبار ليس فقط غير ممكن، بل إن التخلي عن الدين والأخلاق وآثارهما في الغرب هو من التجارب التاريخية التي حققها الغربيون بأنفسهم. الحضارة الغربية لأنها أسست حياتها الاجتماعية على «العقلانية» والمنهج العلمي، فقد خلقت تاريخاً جديداً، وسلكت طرق السماء وسيطرت على أعماق ومناجم الأرض.

مبادئ الحضارة الغربية فلسفية وليست علمية

في الواقع، ما يشكل اليوم عناصر الحضارة الغربية ويعتمد عليه النظام الاجتماعي في أوروبا هو سلسلة من المبادئ الفلسفية؛ وليست اختبارات علمية وتجريبية وصل إليها الإنسان الغربي وطبقها في حياته الاجتماعية. هذه المبادئ الاجتماعية هي نتيجة فهم عقلي محدود؛ وليست فهماً استنتاجياً وتجريبياً لكل الاحتياجات الإنسانية والخصائص النفسية والفسيولوجية والطبيعية لها.

إذا درس أحد تاريخ أوروبا الحديثة بعمق، سيدرك أن المواقف الاجتماعية للإنسان الغربي تختلف تمامًا عن مواقفه في المجال المادي والصناعي. نعم، الحضارة الغربية في المجال المادي والصناعي قائمة بالكامل على العلم و«التجربة والاختبار»، ولهذا السبب حققت تقدمات ملحوظة في المجالات العلمية. على العكس من ذلك، فإن المجالات الاجتماعية والحياة البيولوجية تعتمد أكثر على المدارس النظرية (الفلسفية) أو التجارب العلمية والاختبارات العملية؛ فمثلاً «فكرة الحق» وأن الإنسان يمتلك «حقًا» ليست شيئًا ماديًا يمكن تجربته واختباره. أساسًا، فكرة «الحق والحقوق» خارج إطار النقاش العلمي والتجريبي، وهي أكثر نظرية فلسفية منها علمية. كما أن مبدأ حق مساواة جميع الأفراد (من الناحية النظرية) الذي يُعد أحد المبادئ الأساسية للنظام الاجتماعي الغربي، لم يُختبر أبدًا بشكل علمي وتجريبي ودقيق؛ لأن البشر ليسوا متساوين من حيث الذكاء والموهبة والخصائص الطبيعية والنفسية والفكرية والعقلانية. فقط من الناحية المنطقية، حيث إن جميع الأفراد هم من «نوع الإنسان»، فإن فكرة مساواة البشر هي قيمة أخلاقية ومنتج استنتاج عقلي، وليست مدلول تجربة واختبار علمي.

بالطبع، لا نريد أن نحكم من الناحية المعرفية على الأنظمة الاجتماعية الغربية. نذكر فقط نقطة واحدة وهي أن الأنظمة القائمة ومبادئها وأسسها ليست أنظمة علمية. نعم، صحيح أنه قد تُختبر حاجات الإنسان ضمن حدود معينة وتُعثر على إجابات مناسبة، لكن القضية الأساسية هي أنه في مجال القضايا الاجتماعية، لا يكفي إشباع حاجة هذا الفرد أو ذاك؛ بل من الضروري إيجاد توازن متوازن بين جميع حاجات البشر بشكل عام وتحديد إطار معين للاستجابة لهذه الحاجات.

من الطبيعي أن الاختبار العلمي لهذا الفرد أو ذاك لا يمكنه أبدًا أن يؤدي إلى مثل هذا الإطار العام؛ بل إن مثل هذا الاختبار يُستخلص من اختبار المجتمع بأكمله، ومن خلال التجربة الاجتماعية تُتضح نقاط الضعف والقوة في النظام.

علاوة على ذلك، هناك بعض الحاجات والعلاقات التي لا يمكن استنتاج نتائجها من خلال تجربة علمية؛ فمثلاً، قد يعتبر الفرد الذي يرتكب الزنا نفسه إنسانًا سعيدًا ولا يدرك أبدًا نقاط ضعف شخصيته، لكن إذا اتخذ مجتمع ما مثل هذا السلوك واعتمد الإباحة كنظام له، فإنه بعد فترة من حياته يصل إلى شلل اجتماعي؛ يفقد كيانه الروحي؛ يصبح فاقدًا للشجاعة الأدبية وتختفي الإرادة الحرة والجاذبية الفكرية. هذا ليس شيئًا يمكن الحصول عليه من تجربة فرد واحد.[۱۰]

الأنظمة السياسية القائمة

اليوم هناك أربعة أنظمة في الساحة السياسية العالمية تدير المجتمعات البشرية، ولها فكر ونظام اجتماعي خاص أو ظلال مثالية في ذهن الإنسان المعاصر:

١ـ الديمقراطية الرأسمالية

٢ـ الاشتراكية

٣ـ الشيوعية

٤ـ الحكم الإسلامي

ثلاثة من هذه الأنظمة هي نتاج الفكر البشري ومولود الفلسفة الاجتماعية الغربية التي تبحث عن نظام مناسب لإدارة المجتمع الحالي للإنسان المعاصر.

أما النظام الإسلامي فهو ليس نتاج الفكر البشري، بل ينبع من الذهنية الدينية للمفكرين المسلمين الذين استلهموا من المبادئ والتعاليم المنبثقة من الوحي والحياة المنعشة للإسلام نظامًا لإدارة البلدان الإسلامية.

اليوم يحكم نظامان من الأنظمة المذكورة أجزاء كبيرة من العالم. المجتمع الغربي بشكل عام اختار النظام الرأسمالي، وبخصائص مجتمعه التي تنبع من نظام الرأسمالية يدعي قيادة العالم الحر، وبادعاء دعم حقوق الإنسان، لا يزال يهيمن على الاستغلال والاستعمار العالمي.

النظام الاشتراكي، رغم أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الاشتراكي فشل اقتصاديًا وتعرض لضربة كبيرة، إلا أنه لا يزال قويًا فكريًا، ومن الناحية السياسية يحكم في جزء آخر من الكرة الأرضية مثل «الصين الشيوعية» ولا يزال يواصل تحديه في الصراع مع العالم الرأسمالي.

النظام الشيوعي ليس إلا مجتمعًا خياليًا ومثاليًا ولم يصل بعد إلى مرحلة التجربة والاختبار الإنساني. الشيء الوحيد الموجود هو أن المجتمع الاشتراكي كان يدعي أنه يستعد للدخول في المجتمع الشيوعي، وأن المجتمع الاشتراكي هو المرحلة الأخيرة من التطور التاريخي (بحسب الماركسيين) التي ستدخل الإنسان إلى المرحلة النهائية (الشيوعية). لكن عمليًا يواجه هذا الفكر مشاكل وأسئلة كثيرة.

أما النظام الإسلامي فقد تمكن بعد الثورة الإسلامية في إيران من الانتقال من المرحلة المجردة والذهنية إلى مرحلة التطبيق وتشكيل حكومة. هذا النظام باستخدام مصادر الوحي والاستفادة من الإنجازات الغنية للعصر الحاضر، يبشر بإدارة اجتماعية للإنسان المعاصر في البلدان الإسلامية مع الحفاظ على الروحانية. لكن هذا النظام أيضًا يواجه في مسيرته قراءات وتحديات وتقلبات وقوى وضعف. وبعد مرور عقدين على انتصاره، وُضع في اختبار ويعتمد على أي قراءة دينية يُطبق؟ وبأي قيم وبيد أي مجموعة من المسلمين (المحافظة أو الواقعية أو التقدمية) يُدار؟

نعم، الإسلام في مجال الدفاع والحفاظ على الاستقلال وتكوين مجتمع مستقل هو أفضل رأس مال وأقوى حصن يستفيد منه المسلمون؛ لكن في مجال التخطيط والإدارة والاستجابة لمقتضيات الزمن وإدارة المجتمع المسلم في العصر الحاضر وتقديم طرق وأهداف واضحة، هو في مرحلة الاختبار والامتحان. إذا تمكن هذا الحكم من تجاوز هذه المرحلة الخاصة بنجاح وصبر مستفيدًا من القوى المتخصصة والمسؤولة، يمكن أن يكون نموذجًا حكوميًا جديرًا بحكم العالم.

فيما يلي بيان خصائص هذه الأنظمة والصفات الوجودية لكل منها:

المجتمع الرأسمالي

النظام الرأسمالي والمجتمع الناتج عنه، يظهران اليوم الوجه المشرق للحضارة الغربية. هذا النظام، الذي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، يدعي قيادة “القرية العالمية الموحدة” ويريد من خلال طرح “النظام العالمي الجديد” توسيع سيطرته على جميع أقطار العالم ودول العالم الثالث وآسيا الوسطى، يتواجد في الساحة العالمية بثلاث خصائص خاصة:

١- الاستغلال في الحياة الاقتصادية؛

٢- الديكتاتورية والاستبداد والهيمنة في الحياة السياسية؛

٣- الجمود الفكري والديني في الفكر والتفكير.

هذه الخصائص الثلاثة مهدت لحكم “أقلية رأسمالية” على غالبية الناس العاديين، وفرضت على العالم قادة البيت الأبيض الذين يمثلون الرأسماليين ويحافظون على مصالحهم.

مبادئ الديمقراطية الرأسمالية تدور حول مصالح “الفرد”، حيث تعتبر مصالح ومصالح الفرد هي محور النظر، وتعتقد أن الحفاظ على مصالح الفرد يكفي بطبيعته لمصلحة المجتمع في جميع المجالات. كما تؤمن بأن الليبرالية الرأسمالية هي النظام الوحيد المرغوب فيه في المجتمع الديمقراطي الذي يحفظ مصالح الأفراد ومصالحهم، وإذا وُجدت دولة، فيجب أن تكون حافظًا لمصالح الأفراد وألا تتعدى على حرية الفرد ومصالحه الشخصية بأي شكل من الأشكال.

الحريات الأربع

النظام الديمقراطي الغربي يدعي تأييد الإنسان وحقوق حريته. الحرية في نظر الرأسمالية تختصر بشكل رئيسي في أربعة أنواع: السياسية، الاقتصادية، الفكرية، والشخصية.

أ) الحرية السياسية

تعطي الحرية السياسية لكل فرد حق التعبير عن رأيه، والتصويت في اختيار الحياة الاجتماعية للمجتمع، والتخطيط، ورسم القوانين الحاكمة للبلد، وتحديد الهيئة الحاكمة؛ لأن استمرار المجتمع مرتبط ارتباطًا مباشرًا بحياة وحرية كل فرد، وهو مؤثر في سعادته أو انحطاطه وشقائه. لذلك يجب أن يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق السياسية؛ لأنهم متساوون في تحمل المسؤولية الاجتماعية ونتائجها أمام القانون. كما يتمتع الجميع بحق الاختيار الحر في تحديد مصير البلاد والتشريع؛ لأن النظام القانوني والهيئة الحاكمة تستمدان سلطتهما من هذا المصدر، وبناءً على حكم الأغلبية، تستلم السلطة.

ب) الحرية الاقتصادية

تقوم الحرية الاقتصادية على سياسة “الأبواب المفتوحة” وحرية جميع مجالات الاستغلال. الإنسان في المجتمع الرأسمالي يتمتع بالملكية المطلقة وله الحق في أي نوع من الإنتاج والاستهلاك، ويمكنه الاستفادة من الملكية بلا حدود وبدون قيد أو شرط. كل فرد حر في اكتساب الثروة بأي طريقة، ويستفيد منها إلى حد كبير حسب مصالحه ومنافعه الشخصية والفردية.

يشرح الشهيد صدر في كتابه العلمي اقتصادنا أن النظام الرأسمالي، وفقًا لبعض مدافعيه، يقوم على أن القوانين الاقتصادية السياسية تضمن الحفاظ على التوازن الاقتصادي ومراعاة المصلحة العامة؛ فمثلاً، المنافسة الحرة هي الضامن الرئيسي لحدود الأسعار وأجور العمال بشكل عادل. في هذه الحالة لا يُظلم البائع ولا يُسلب المشتري. أو مثلاً عندما ترتفع الأسعار، تنخفض القدرة الشرائية (وهو قانون اقتصادي)، وعندما تنخفض القدرة الشرائية تعود الأسعار للانخفاض (قانون اقتصادي آخر) حتى تصل إلى حدها الطبيعي.[۱۱]

يعتقد النظام الاقتصادي الرأسمالي أن مصالح الفرد تقتضي أن يسعى الشخص دائمًا إلى زيادة الإنتاج بأقل تكلفة وتقديم أفضل عمل. هذا القانون الاقتصادي يصب في مصلحة المجتمع وكذلك مصلحة الفرد والشخص.

ج) الحرية الفكرية

تعني الحرية الفكرية أن الناس أحرار في التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وأن يفكروا كما يشاءون ويستخدموا عقولهم بأي طريقة، ويمكنهم إعلان ذلك وكتابته، ولا يمكن لأي قوة أو مانع أن يوقف أفكارهم، حتى وإن كانت هذه الحرية مخالفة للمبادئ الإنسانية والأفكار الدينية.

د) الحرية الشخصية

في النظام الرأسمالي، يكون الفرد في سلوكه حرًا من كل أنواع الضغط والتهديد والتقييد، ولا يمكن لأي شخص أو مانع أن يوقف تصرفه. العائق الوحيد الموجود هو منع وإزعاج حرية الآخرين. الحرية الدينية أيضًا جزء من الحرية الفكرية وجزء من الحقوق الشخصية ومن لوازم الحياة الخاصة الإنسانية.

الاتجاه المادي في النظام الرأسمالي

من الواضح جدًا أن النظام الرأسمالي نظام مادي. الإنسان في هذا النظام قد انقطع عن إلهه ولا يؤمن بالآخرة والبعث. لقد حصر نفسه في إطار الحياة المادية لهذا العالم. الشيء الوحيد الذي يحكم هذا النظام هو حب الربح والمصلحة. كل شيء وأعلى القيم في خدمة رأس المال والمال.

آفات النظام الرأسمالي

هذا النظام، مثل النظام الشيوعي، له آفات يعاني منها المجتمع البشري. هنا نشير إلى بعض الآفات المهمة له:

أ) حكم استبداد الأغلبية على الأقلية

تقتضي الحرية السياسية أن يُنشأ النظام وقوانينه وفقًا لرغبة الأغلبية ويُنفذ ذلك. إذا استولت الأغلبية على السلطة، فمن الطبيعي أن تُسن القوانين وفق مصالحهم، وهم بالتأكيد سيقدمون مصالحهم على غيرها. كما يُرى هذا الأمر في حكم الأغلبية البيضاء على الأقليات العرقية في أمريكا.

فأي مصدر قانوني يضمن حقوق هذه الأقليات؟ في مثل هذا المجتمع الذي يكون فيه المعيار والمقدار هو منفعة الفرد والشخص، ولا يولي أعضاؤه أي قيمة لأي من القيم المعنوية والروحية، بأي ضمان يمكن تأمين حقوق جميع الناس ومعظم المحرومين؟! في هذه المجتمعات، سيكون الاستغلال والنهب هو المسار السائد عبر الزمن فقط.

ب) في البحث عن مواد جديدة وسوق جديدة

الآفة الثانية المهمة التي توجد في النظام الرأسمالي والتي حولته بطبيعته إلى حيوان شرير مستغل هي:

١- وفرة الإنتاج تعتمد على توفر المواد الأولية بكثرة ورخص في متناول أصحاب رأس المال، وكل من يستفيد منها أكثر يُعتبر أقوى وأشد نفوذاً. هذه المواد موزعة في دول العالم، والنظام الرأسمالي مضطر لامتلاكها بأسعار رخيصة، وهذا لا يتم إلا من خلال الاستعمار ونهب ثروات شعوب أخرى.

٢- من مقتضيات وفرة الإنتاج وحركته المتزايدة بيع السلع في أسواق جديدة، وبالطبع سيدفعهم هذا إلى تهديد أمن الدول المستقلة، وتدنيس كرامة الإنسان، والسيطرة على مصير وأقدار الشعوب المحرومة.

وبما أن الاستغلال في عرف الرأسمالية أمر معقول ومشروع، فلا بد أن تندلع حرب في نقطة ما من العالم لكي يبيع النظام الرأسمالي سلعته، وذلك على حساب دول في حالة حرب. والنموذج البارز لذلك هو إثارة الحروب في العراق والكويت، والحصول على قواعد عسكرية وتوقيع عقود طويلة الأمد مع الحكومات.

بعد الإشارة إلى مفاسد وآفات الأنظمة الحاكمة في العالم، يستنتج الشهيد صدر أنه إذا أراد العالم أو حتى المسلمون فقط أن ينجوا من أضرار ومخاطر هذه الأنظمة المادية ويحافظوا على كرامتهم الاجتماعية، فلا بد من إقامة حكومة إسلامية تجمع كل القوى والإمكانات والقدرات في العالم الإسلامي في إطار «دولة كريمة» ليتمكنوا في ظلها من الحفاظ على أنفسهم وكيانهم.

لتحقيق هذا الهدف العظيم، شرع الشهيد صدر في تحركات اجتماعية وتأسيس جمعيات دينية، فكان تأسيس جمعية «جماعة العلماء» والنواة الأولية لـ«حزب الدعوة الإسلامية» مبنيًا على هذا الأساس بالضبط.

في الفترة التي انتصر فيها الثورة الإسلامية في إيران، تناول في درسه الخارج في الفقه تفسيرًا موضوعيًا لـ«خلافة الإنسان والسُنن الاجتماعية للتاريخ»، وعندما واجه اعتراضًا قال: الآن هو الوقت المناسب للتركيز على هذا الموضوع المهم وتربية جيل للمستقبل في العصر الإسلامي.

كان الشهيد صدر بحق عالمًا إسلاميًا واعيًا بالزمان ومتطلبات عصره، ومن جهة أخرى رجل إصلاح وثورة، إذ لم يكن يعتقد أن الطرق القائمة في الحوزات العلمية كافية لتربية الطلاب. لذلك شرع في إصلاحات دراسية عميقة وطرح مسائل منهجية جديدة في مبادئ الاستقراء، وابتكر دروسًا تطبيقية في الاقتصاد والفلسفة في كتابيه العميقين: اقتصادنا وفلسفتنا. وكان ينوي بدء المجلد الثالث بعنوان مجتمعنا ليشرح مبادئ وأصول علم الاجتماع الإسلامي والمجتمع الإسلامي، لكن يد الجلاد الدموي ضغطت على حلقه وأنهت حياته – رحمه الله رحمة واسعة.

نأمل أن تواصل الحوزات العلمية وتلاميذ هذا الشهيد العظيم طريقه العلمي في تنوع العلوم الإنسانية، والدراسة العميقة للمدارس المعاصرة، ومطابقتها مع المعارف الإسلامية، وأن يستمروا في المسار الذي بدأه هؤلاء العظماء، فهذا لا يزال من نتائج السحر.

 

 

 

 

 

[۱]. سيد محمد حسين طباطبائي، الميزان، ج ٢، ص ١٥٦.

[۲]. آمدي، غرر الحكم و درر الحكم.

[۳]. سيد محمد باقر صدر، اقتصادنا (ط.٣، بیروت، دار الفکر، ١٩۶٩م)، ص ص ٨٠ ـ ٨٣.

[۴]. سيد محمد باقر صدر، الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية (ط.٣: نجف، دار الکتب العلمیه، ١٣٨٨هـ)، ص ١٤.

[۵]. سيد محمد باقر صدر، الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، ص ١٥.

[۶]. . subject and object.

[۷]. إ. إتش. كار، ما هي التاريخ، ترجمة حسن كامشاد (ط.٢: تهران، انتشارات خوارزمى، ١٣۵١)، ص ١٠٤.

[۸]. المرجع نفسه، ص ١٠٨.

[۹]. سيد محمد باقر صدر، الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، ص ص ١٩ ـ ٢٤.

[۱۰]. سيد محمد باقر صدر، اقتصادنا، ص ص ٢٣٨ ـ ٢٤١.

[۱۱]. سيد محمد باقر صدر، الإنسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية، ص ٤٩ ـ ٥٠.