الشهيد الصدر أول من يحرم الانتماء لحزب البعث، ولو صورياً

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

القيادة الرسالية في الإسلام والقائد الرسالي الإسلامي إفراز طبيعي لممارسة واقعية في العلم وفي العمل. وهو بالتالي منبع فكري لا ينضب وحركة جهادية لاحبة لا تتقهقر وقيمة حضارية لا تنتكس، وأمام هذه القيادة تجد الأمة نفسها منقادة بكل مشاعرها ووجودها خلف هذه القيادة مجاهدة بكل اطمئنان تحت لواءه.. وهذا ما نجده في النماذج الفريدة على طول التاريخ الرسالي للأنبياء والأولياء (ع) وفي مقدمتهم الرسول القائد محمد (ص) والأئمة الأطهار (ع) من بعده.

ولم يتركنا الإسلام في تردد وغموض بشأن تشخيص القيادة الرشيدة والقائد الحقيقي وتمييزه عن الأدعياء والمتسلقين كذباً وعدواناً، فقد طفحت السيرة النبوية الشريفة وسيرة الأئمة الأطهار بالوصف التفصيلي لخصائص ومواصفات القائد الإسلامي كما امتلئت صفحات عديدة من أبحاث كبار الفقهاء والأعلام في شروط الولي العام للمسلمين والقيم الحق على الرسالة…

ومن خلال ذلك نتعرف على شهيدنا العظيم ومفجر ثورتنا الخالد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر بالإشارة لميزة نادرة تفرد بها بين العلماء الأعلام كما تفرد الحسين (ع) من بين الأئمة الأطهار تلك هي بذل دمه الغالي رخيصاً وبكل شجاعة وإباء في سبيل الله ومن أجل الإسلام وأمته الثائرة، وبتلك الصورة المأساوية التي كشفت عن حقد ووحشية قلّ نظيرها في التاريخ.

ولا نريد في هذا الحديث أن نستعرض كل المواقف التاريخية لشهيدنا العظيم، بل نكتفي بموقف واحد هو – بحق – من أروع وأشجع المواقف إذا قسناه بالظروف العصبية التي كانت سائدة حينئذ. هذا الموقف هو فتوى السيد الشهيد بتحريم الانتماء لحزب البعث العميل لنرى من خلال هذه النقطة موقف السيد الشهيد المضحي من أجل الإسلام العظيم والأمة الإسلامية.

كان السيد الشهيد (رض) يتابع الوضع السياسي والثقافي في العراق متابعة دقيقة، ويراقب كل تحرك صغير أو كبير وكل خطوة تخطوها الزمرة التكريتية الحاكمة. ولم يكن يخفى على أحد أن المحصلة الأخيرة والهدف النهائي لهذه الزمرة من كل الجهود والأعمال التي تمارسها هو القضاء على الإسلام وفصل الشعب المسلم في العراق عن دينه وقيمه ومبادئه.

أما الشواهد والأدلة فكثيرة، في مقدمتها الحرب المبدأية والميدانية الشرسة للمرجعية الإسلامية في النجف الأشرف والضربات القوية التي وجهت للحوزة العلمية وللحركة الإسلامية في العراق وما مورس معهم السجن والتعذيب والإعدام والتسفير وغيرها؛ وكذلك محاربة الشعائر الدينية وخاصة فيما يتعلق بسيد الشهداء الإمام الحسين (ع).

من جانب آخر نشطت السلطة في نشر ثقافة الحادية ومادية بين العراقيين عموماً وبين طلاب المدارس والجامعات خصوصاً، وركزت على الجيل الجديد وخاصة المدارس الابتدائية فكانت التعليمات تقضي بتلقينهم مفاهيم وأفكار حزب البعث الإلحادية في مقابل الفكر الإسلامي والشعائر الإسلامية حتى أصبح من الظواهر المعروفة أن يطلب المعلم من تلاميذه أن يشاركوا في شعائر الإمام الحسين في محرم وصفر لأنها شعائر بالية وسخيفة! بل ووصل الأمر ببعض المعلمين البعثيين المرتزقة أن يتهجموا على الحسين (ع) في أرض علي والحسين عليهما السلام.

وظل المسلسل الإجرامي البعثي يمتد ويتصاعد، ودخلت السلطة في مرحلة جديدة إذ شنت حملة واسعة وشاملة لإجبار العراقيين على الانتماء لحزب البعث العميل فكانت محنة كبيرة وعظيمة بالنسبة للمؤمنين وبدأت الاستفتاءات تتوالى منهم يطلبون رأي السيد الشهيد (قده) في الموضوع، هل يجوز الانتماء الصوري لحزب البعث أو لا يجوز؟ علماً بأن الذي لا ينتمي يحرم من لقمة العيش، بمعنى إنه يفصل من وظيفته أو يطرد من عمله.

هذه الأمور وأمثالها كانت تقلق السيد الشهيد (قده) لأنه يعرف خطورتها ويعرف الآثار المستقبلية الخطيرة التي تترتب عليها، وكان (رض) يقول لو سكتنا وقبلنا بالأمر الواقع ورضخنا للجور والطغيان فماذا سيكون مصير الإسلام في العراق؟

وماذا سيكون حال الأجيال القادمة؟ إنها ولا شك ستنشأ وهي لا تعرف من الإسلام حتى اسمه، وسوف تنشأ لترى إن البعث وأفكاره هو الحالة الطبيعية وما عداه الشذوذ وهو الاستثناء. فما هو موقف المرجع القائد من هذا الوضع الذي يهدد وجود الإسلام وهوية المسلمين؟

كان السيد الشهيد يفكر وقد أخذ القلق على الإسلام مأخذه منه، وتصور المستقبل ـ عراق بلا اسم ـ يقض مضجعه، ولكنه (رض) لم يتردد في اتخاذ الموقف الشرعي، موقف الإسلام الأصيل رغم علمه ومعرفته بما سيتحمله شخصياً من إضطهاد وتضحيات.

إن السيد الشهيد يعرف ـ وهو الذي اعتقل مرات عديدة وعذب بأيدي الجلاوزة المجرمين ـ إن السلطة سوف تتعامل معه بأشد أساليب وألوان التعذيب، وقد يصل الأمر بهم إلى فاضل البراك قال له على لسان (القيادة السياسية) إن تحريمكم الانتماء لحزب البعث يكفي لأدانتكم وانزال عقوبة الإعدام بحقكم فضلاً عن الأعمال والمواقف العدائية الأخرى، لكن القيادة تغاضت لأسباب (قومية) أي باعتبار إن السيد الشهيد مرجع من أصل غربي وعراقي.

نعم إن السيد الشهيد كان يعرف الثمن الذي سيدفعه لو أنه قرر الإفتاء بحرمة الانتماء لحزب البعث، ورغم ذلك كله قالها واضحة صريحة في مجلسه الاعتيادي اليومي (يحرم الانتماء لحزب البعث) وكررها مراراً ولم يتردد ـ بعد قراره هذا ـ من الإفتاء لكل سائل ومستفتي، وأصبح من الواضح لدى الجميع، وخاصة عند المؤمنين موقف السيد الشهيد في هذه المسألة.

أما السلطة فلم تتعقل الأمر، وحسبت إن الإرهاب والقمع والاعتقالات الكثيرة التي تعرض لها شهيدنا العظيم لن تشجعه على اتخاذ هذا الموقف، ولأجل الاطمئنان أرسلت بعض المرتزقة الجواسيس من المعميين وغيرهم لتسجيل الفتوى بصوت السيد الشهيد. وفي النتيجة اطمأنت وأدركت إن أساليب الإرهاب لم تجعل الشهيد العظيم يتخلى عن رسالته وعن وظيفته الدينية فهو يفتي وبصراحة بتحريم الانتماء لحزبهم العميل دون خوف أو حذر.

أما صدى الفتوى وآثارها…

فقد شجعت الفتوى الجريئة – التي هي من أهم مواقف السيد الشهيد الدينية والتاريخية – المؤمنين على التصلب ومقاومة تيار السلطة الذي كان يحاول إجبارهم على الانتماء لحزب البعث العميل، فقد اسعد آلاف من خيرة أبناء العراق من الموظفين والعاملين المؤمنين لترك وظائفهم ثمناً لعدم الانتماء. وقد خابت جهود المرتزقة العملاء في مخططها الرامي إلى (تبعيث) الشعب العراقي المسلم، وكانت النتيجة  تخلي السلطة ـ نسبياً ـ عن قرارها الجائر في إجبار بعض القطاعات الوظيفة على الانتماء لحزب البعث وكفت ـ نسبياً ـ عن مضايقة المؤمنين في هذا الأمر. كما إن السلطة تجرء على اتخاذ موقف فوري ضد السيد الشهيد.

هذا الموقف للسيد الشهيد يستحق دراسة عميقة، فهو يعبر عن جانب من أهم الجوانب للسيد الشهيد ويكشف عن خصائص فريدة فيه وذلك إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأمور التالية:

1– لم تكن مرجعية السيد الشهيد (رض) في تلك الفترة مرجعية عامة بحيث تتيح له حصانة من اعتداءات السلطة الجائرة، بل كانت مرجعية محدودة نسبياً والسيد الشهيد معرض للسجن أو القتل في أي لحظة.

2– طبيعة السلطة وشراستها وقسوتها في التعامل مع معرضيها، فليست هناك حدود تقف عندها في هذا المجال.

3– حساسية السلطة من السيد الشهيد خاصة وإن أصابعهم الدنيئة تشير إليه بالاتهام في كل قضية، ويأتي هذا الموقف ليكون (دليل إدانة) صريح لا يقبل النقاش، وسوف تشن السلطة حملة واسعة لتطويق مرجعيته تمهيد للقضاء عليها.

وكنت قد شاهدت العديد من المؤمنين الذين يعرفون الطبيعة الإجرامية للسلطة يلحون على السيد الشهيد في أن ينهج أساليب هادئة ولا يجاهر بفتواه ولكنه (رض) رفض أشد الرفض وقال إن المسؤولية الشرعية والوظيفة الدينية تحتم عليّ ذلك حفظاً لمصلحة الإسلام والمسلمين.

أقول على ضوء ذلك يمكن أن نقدر ونقيم هذا الموقف الرائع لشهيدنا العظيم، فهو يكشف عن أهم صفة يجب أن تتوفر في القائد الرسالي الذي يحق له أن يقود الأمة، ألا وهي التضحية بالنفس، لقد كان بوسع السيد الشهيد أن يجنب نفسه الكثير من الآلام والمحن والمشاكل التي عاناها، وكان بالإمكان أن يجنب نفسه القتل المفجع الذي انتهى إليه على أيدي المجرمين السفاكين، وكانت السلطة مستعدة أن تقدم له كل ما يريد في مقابل سكوته، ولم تكن (المبررات) مستحيلة أو متعذرة عليه لو أراد التذرع بها، ولكنه أبى إلا أن يقول كلمة الحق في ظرف هو من أحرج الظروف وأخطرها، كلمة حق عند سلطان جائر لا يؤمن بقيم ولا مبادئ ولا يرى للإنسان حرمة ولا كرامة. هذا هو الصدر في موقف واحد من مواقفه الشجاعة.

الأسبوع الأول:

في الأسبوع الأول من شهر نيسان عام 1980م… كانت الجماهير الإسلامية في معظم البلدان… وخاصة العربية منها تترقب تطور الأحداث في العراق… وكانت هواجسهم تشير إلى حدث دموي إجرامي بل أحداث إجرامية على يد بعث العراق الفاشي لما عرفوه عنه من غدر وإرهاب جاوز خيال القصص الرومانية الوحشية في القرون الوسطى… وكان كما توقعوه… فقد بدأت روائح جريمة نكراء تخرق كل المقدسات والقيم الإنسانية تلوح في الأفق… تلك هي جريمة قتل المفكر الإنساني العظيم والقائد الإسلامي الكبير الإمام آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر (قده)… وكانت الأخبار غامضةً في حينها… حيث تناقلت الصحف العربية أخباراً مفادها أن السيد (محمد باقر الصدر) قد أعتقل…

الأيام 8 – 10 / 4 / 1980م:

ففي 8 / 4 / 1980م نشرت جريدة السفير اللبنانية خبراً من بغداد تحت عنوان (أنباء عن اعتقال محمد باقر الصدر) ثم نشرت جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 10 / 4 / 1980م خبراً من دمشق عن مظاهرة أمام السفارة العراقية هناك احتجاجاً على اعتقال الإمام محمد باقر الصدر وجاء في هذا الخبر (قال قادمون من دمشق أن العراقيين المقيمين في سوريا تظاهروا أمس لمدة نصف ساعة أمام السفارة العراقية في العاصمة السورية احتجاجاً على اعتقال السلطات العراقية الإمام محمد باقر الصدر…

ورفع المتظاهرون لافتات تدين اعتقال الصدر وتطالب بالموت للعميل (صدام حسين)… وكان الإمام الصدر الذي وضع في الإقامة الجبرية في منزله في النجف منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أعتقل السبت الماضي على حد قول وكالة (بارس) الإيرانية… ووزع المتظاهرون داخل السفارة مناشير تحث على إطلاق الإمام فوراً… وتستنكر إضطهاد العلماء وتصفيتهم في العراق… ولم تتدخل قوات الأمن السورية لمنع ذلك).

يوم 11 / 4 / 1980م:

وبتاريخ 11 / 4 / 1980م نشرت جريدة السفير اللبنانية تصريحاً لحركة (أمل) الفدائية في لبنان تستنكر فيه اعتقال السيد محمد باقر الصدر… وكان هذا التصريح عقب جلسة عقدتها قيادة حركة (أمل) بعد ظهر يوم 10 / 4 / 1980م وأصدر فيها مجلس قيادة الحركة بياناً على لسان الناطق الرسمي لها جاء فيه (يستنكر المجلس أشد الاستنكار اعتقال آية الله السيد محمد باقر الصدر والتعرض للعلماء والمؤمنين ويرى في ذلك سابقةً وتمادياً خطرين لا يمكن السكوت عنهما وسيتابع مجلس قيادة حركة (أمل) تطورات الموقف)…

وجاء في نفس جريدة السفير وبنفس التاريخ 11 / 4 / إن الضاحية الجنوبية من العاصمة اللبنانية بيروت قد أضربت لمدة ساعتين صباح 10 / 4 (من الثامنة حتى العاشرة) استنكاراً لاعتقال آية الله السيد محمد باقر الصدر وعائلته في العراق…

وقد أقفلت المدارس والمتاجر والمحلات في برج البراجنة والغبيري وحي السلم والشياح والأوزاعي… وطافت الأحياء سيارات تحمل مكبرات للصوت كانت تدعو إلى الاضراب والإفراج عن باقر الصدر والتنديد باعتقاله… من جهة ثانية أبرق علماء الدين إلى عدد من الرؤساء والهيئات والمؤسسات الدولية مناشدين التدخل من أجل الإفراج عن الإمام محمد باقر الصدر وعائلته… ولكن حكومة بغداد الدموية وطاغوت العراق السفاح لم يلتفت إلى ذلك وراح ينفذ مخطط أسياده المستعمرين في تصفية السيد الصدر رائد الفكر الإسلامي وقائد الثورة الإسلامية المتفجرة في العراق…

يوم 14 / 4 / 1980م:

ففي يوم 14 / 4 / 1980م طالعتنا جريدة القبس الكويتية بالخبر التالي من العراق تحت عنوان (إعدام آية الله باقر الصدر) وجاء فيه ما يلي: (علمت القبس من مصادر مطلعة إن آية الله محمد باقر الصدر أُعدم قبل أيام في بغداد… وكان مجلس قيادة الثورة العراقي قد أصدر قراراً يقضي بإنزال عقوبة الإعدام على كل من انتمى لحزب الدعوة أو روج لأفكاره أو سهل مهمته… ولم تذكر المصادر ما إذا كانت شقيقة آية الله الصدر وقد أعدمت أيضاً وكانت القبس قد استفسرت أمس عن أنباء متضاربة مصدرها طهران حول مصير آية الله الصدر فقد ذكرت صحيفة (انقلاب إسلامي) الإيرانية والناطقة باسم أبو الحسن بني صدر، إن آية الله اغتيل مع شقيقته في بغداد يوم الأربعاء الماضي).

وبنفس التاريخ 14 / 4 / 1980م نشرت جريدة السياسية الكويتية خبر اغتيال السيد الصدر تحت عنوان (أنباء متضاربة عن اغتيال الزعيم الديني في العراق) وجاء في النبأ (أن الدوائر وثيقة الصلة بالإمام آية الله الخميني ذكرت أن آية الله السيد محمد باقر الصدر الزعيم الديني في العراق قد يكون على قيد الحياة ومحتجز في أحد سجون بغداد منذ يوم الأحد الماضي… وكان الزعماء الدينيون الإيرانيون قد أعربوا منذ عدة أيام عن قلقهم تجاه مصير آية الله باقر الصدر… وكانت صحيفة (انقلاب إسلامي) الموالية للرئيس (أبو الحسن بني صدر) قد أعلنت في الصباح (بيقين شبه مؤكد) نبأ اغتيال الزعيم العراقي في بغداد 9 أبريل الحالي… وكانت الصحيفة الإيرانية قد ذكرت إن آية الله السيد محمد باقر الصدر قد لقي مصرعه هو وشقيقته يوم الأربعاء الماضي في العاصمة العراقية ثم نقل جثمانه بعد ذلك إلى مدينة (النجف) المقدسة حيث دفن فيها… وذكرت الصحيفة إن أحد الأعيان العراقية أعلن في لندن هذا النبأ ونقله إلى طهران وأوضحت الصحيفة (إن وفاة آية الله قد تأكدت عن طريق مكالمة تليفونية أجريت من العراق مع آية الله منتظري).

يوم 15 / 4 / 1980م:

وفي اليوم التالي لنشر هذه الأنباء المؤلمة والمثيرة طفحت على صفحات الصحف عناوين الاستنكار وأخبار ردود الفعل العنيفة بين أوساط الجماهير الإسلامية في البلدان العربية…

فقد جاء في جريدة صوت الشغيلة اللبنانية بتاريخ 15 / 4 / 1980م تحت عنوان (النظام العراقي يرتكب جريمة نكراء باغتياله الإمام آية الله محمد باقر الصدر وأسرته) وجاء تحت هذا العنوان ما يلي: (بعد تضارب وبلبلة شديدة استمرت طيلة نهار أمس أجمعت مصادر عراقية وإيرانية ولبنانية مطلعة إن نظام صدام حسين العميل الفاشي قد اقترف جريمة نكراء، إذ قام باغتيال الإمام محمد باقر الصدر وأسرته وقد أثارت الجريمة النكراء ردود فعل سياسية وشعبية ودينية عنيفة في لبنان… حيث دعت لجان مناصرة الثورة الإيرانية وحركة أمل، والمجلس الشيعي الأعلى، ورابطة الشغيلة للاضراب العام في لبنان استنكاراً للجريمة الشنيعة… كما قررت اللجنة العمالية في معمل (جير) الإضراب اليوم عن العمل استنكاراً للجريمة النكراء)… وجاء في نفس الصحيفة نقلاً عن صحيفة القبس الكويتية الصادرة يوم 14 / 4 / 1980م (( إن آية الله السيد محمد باقر الصدر قد أعدمته السلطات العراقية منذ بضعة أيام لأنه تزعم حزب الدعوة حسب إدعاءات النظام العراقي وأضافت الصحيفة تقول إن ما يسمى (مجلس قيادة الثورة العراقية) أصدر حكماً بإعدام كل من يستمر في انتمائه إلى حزب الدعوة بتهمة التواطؤ والخيانة… وذكرت الصحيفة إن بياناً رسمياً بشأن إعدام الإمام باقر الصدر سيصدر في بغداد في الأيام القادمة… وكانت صوت الثورة العربية أول من أذاع نبأ اغتيال الشهيد الإمام محمد باقر الصدر عبر التقرير التالي: (في خبر خاص بإذاعة صوت الثورة العربية أفادت مصادر عراقية مطلعة أن النظام العراقي قام باغتيال آية الله محمد باقر الصدر وجميع أفراد عائلته) وتأتي هذه الجريمة الشنيعة بعد اعتقال الشهيد باقر الصدر وأفراد عائلته الذين كانوا قبل الاعتقال موضوعين تحت الإقامة الجبرية… وعلم إن الجريمة نفذت يوم الأربعاء الماضي وسلمت جثث الشهداء يوم السبت الماضي… والشهيد آية الله محمد باقر الصدر من كبار قادة الحركة الشعبية في العراق وهو من المعروفين بالتقائهم التام مع آية الله الخميني قائد الثورة الإيرانية… وقد تزعم الصدر المعارضة الدينية للنظام العراقي منذ عشر سنوات تعرض خلالها لعدة عمليات اعتقال وتعذيب وقضى شهيد الكفاح ضد الفاشية في العراق عن عمر يناهز الخامسة والأربعين. وجاء في نفس الصحيفة أن من المتوقع أن تجري تحركات واسعة النطاق في لبنان استنكاراً للجريمة البشعة تشارك فيها جميع القوى الوطنية الشريفة ولجان أنصار الثورة الإيرانية والحركة الإسلامية في العراق وحركة أمل… هذا وقد نقلت إذاعة صوت الثورة العربية ظهر هذا اليوم (أي أمس) من مصادر عراقية خاصة أن مدينتي كربلاء والنجف مطوقتان بالدبابات في محاولة من السلطة الفاشية لقمع ردود الفعل على الجريمة البشعة التي ارتكبها النظام العراقي ضد المجاهد الإمام آية الله محمد باقر الصدر وأسرته).

ونشرت جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 15 / 4 / 1980م خبراً تحت عنوان ((الخميني يأمر بتحقيق حول مصير السيد باقر الصدر)) وجاء في الخبر: (أن مكتب الزعيم الإسلامي الإيراني آية الله الخميني طلب من ((المجلس الثوري)) الحاكم أن يقوم بتحقيق حول مصير آية الله السيد محمد باقر الصدر أحد كبار مراجع الدين في العراق… وإبلاغه نتيجة التحقيق في أسرع وقت ممكن.. وكان مكتب الخميني قد نفى أول أمس أنباء نشرتها صحيفة (انقلاب إسلامي) جاء فيها إن الاستخبارات العراقية اغتالت باقر الصدر إلا أن أوساطاً قريبة من (مرشد الثورة) نسبت إلى أحد أئمة الجماعة في النجف في اتصال هاتفي أن الزعيم الديني العراقي حيّ في بغداد ويذكر إن مصادر مطلعة أفادت أن باقر الصدر أعتقل وعائلته الأسبوع الماضي وفرضت عليه الإقامة الجبرية في العاصمة العراقية وفي غياب أي تعليق عراقي رسمي على قضية باقر الصدر، نسبت صحيفة (القبس) الكويتية إلى مصادر مطلعة أن الأخير أعدم قبل أيام… وأن مجلس قيادة الثورة العراقي اتخذ قراراً يقضي بإعدام كل من تثبت علاقته بحزب الدعوة وقالت الصحيفة إن بياناً رسمياً سيصدر في بغداد في الأيام المقبلة حول إعدام الزعيم الإسلامي العراقي).

ونشرت صحيفة النهار اللبنانية بتاريخ 15 / 4 / 1980م خبراً تحت عنوان (أنباء متضاربة عن مصير باقر الصدر، نقلت وكالة (فرانس برس) أن أحد كبار زعماء الدين في العراق آية الله محمد باقر الصدر قد اعتقل في مسكنة بالنجف وإن المدارس الدينية قررت الإضراب احتجاجاً).

ولكن مسار الأخبار في الصحف العربية لم يتحدد باتجاه واحد وهو اتجاه الشك في صحة الأخبار، بل برزت عناوين أخرى تؤكد صحة ما ورد عن الاعتداء على آية الله السيد الصدر وراحت هذه الصحف تنقل أخبار ردود الفعل العنيفة من هذه الجريمة البشعة…

وكان أبرز العناوين التي طالعتنا بهما صفحات الجرائد ليوم 15 / 4 / 1980م هو ما جاء في جريدة السفير اللبنانية بالخط العريض (إضراب ومسيرة شعبية اليوم استنكاراً اللاعتداء على باقر الصدر)، أما جريدة صوت الشغيلة اللبنانية فقد ظهر على صفحاتها بنفس اليوم العنوان التالي: (اليوم إضراب عام وتظاهرات في لبنان استنكاراً للجريمة)… وفي مقالة بارزة نشرتها صوت الشغيلة في ذلك اليوم في زاوية (موقف من الأحداث) وتحت عنوان (باغتيال الإمام باقر الصدر.. دقت ساعة الفرز) قالت الصحيفة في هذه المقالة ((.. أية جريمة بربرية ونذلة يرتكبها نظام الإجرام في العراق؟ عائلة بكاملها تعتقل وينفذ فيها حكم الإعدام سراً؛ شيخ، ومفكر، وعلامة جليل… أية هستيريا يعيشها هذا النظام، وهو يتلذذ بالدم والقتل؟ أي حقد دفين أسود يحمله هذا النظام على الإنسان والحياة؟ فبعد أن حوّل هذا الحكم العراق إلى مسلخة همجية للبشر… للشعب العراقي وبعد إن مد إجرامه إلى عواصم العالم ضد كل الوطنيين والشرفاء العراقيين وغير العراقيين…

يؤكد هذا النظام بجريمته الجديدة، ومع سبق الإصرار والتصميم يؤكد أنه يتفوق على أسلافه المجرمين الفاشيين أمثال هولاكو وهتلر وموسوليني والصهاينة… لقد هزت الجريمة الجديدة… جريمة الجرائم… ضمائر الشعب العراقي والعربي وكافة الشعوب الإيرانية وشعوب المنطقة… واليوم يخرج شعبنا اللبناني… يخرج كل الوطنيين والشرفاء لاستنكار الجريمة وإعلان غضبتهم العارمة على حكام بغداد المجرمين… اليوم يعبر اللبنانيون والعرب الشرفاء عن تضامنهم مع شعبنا العراقي الثائر وهو يواجه المحنة بصمود وتحد باسلين واليوم سيكون الخيار والحد الفاصل بين الأسود والأبيض من مع نظام القتل والدم والإجرام الحاكم في العراق مع النفط والدنانير والبترو دولار ومن مع الشعب العراقي وقواه الوطنية المناضلة، اليوم يتحطم الصمت والتحالف المشبوه مع حكم بيغن العراق… لقد سقطت أوراق التوت وانفضحت عورات حكام العراق دون أقنعة أو مساحيق… أعداء الحرية والإنسان أعداء الثورتين الإيرانية والفلسطينية والخدام الصغار للإمبريالية الأمريكية والرجعية… إما الذين يلتزمون الصمت والحياد في هذه المعركة فهم متواطئون إن لم يكونوا شركاء النظام في جرائمه، لقد دقت ساعة الفرز، ودقت ساعة النضال لإسقاط حكم الدم والعمالة… والويل كل الويل لطغمة القتل الفاشية الويل لرأسها صدام حسين… ولن يكون مصيرهم بأحسن من مصير أسلافهم الخونة نوري السعيد وعبد الإله… وإن غداً لناظره لقريب).

يوم 16 / 4 / 1980م:

ثم تحولت الصحافة العربية من حالة التردد والتشكيك في صحة الأخبار عن اغتيال آية الله السيد محمد باقر الصدر إلى حالة التأكيد واليقين، خاصة بعد بيان الإمام الخميني المؤكد حدوث الجريمة النكراء على يد البعث الفاشي في العراق… فقد نشرت جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 16 / 4 / 1980م تحت عنوان (داعياً الجيش العراقي إلى الثورة… الخميني يؤكد مقتل باقر الصدر ويعلن الحداد الوطني 3 أيام) وجاء في هذه الصحيفة أن المرشد الديني الإيراني الإمام آية الله الخميني أكد مقتل الزعيم الديني العراقي آية الله محمد باقر الصدر وفقاً لمعلومات حصل عليها وزير الخارجية صادق قطب زاده من بعض الدول الإسلامية، وأعلن الخميني في بيان أذاعه من مكتبة اليوم الحداد الوطني في إيران لمدة ثلاثة أيام ابتداءاً من يوم غد الأربعاء… واتهم الزعيم الإيراني النظام العراقي بقتل باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى قبل ثلاثة أيام ودعا القوات المسلحة العراقية إلى الثورة ضد نظام حكم صدام حسين والتخلص منه كما حصل في إيران وقال موجهاً الحديث إلى القوات العراقية (اتركوا الثكنات ولا تعانوا بعد الآن من هذا الموقف المخزي) وأضافت الصحيفة قائلة: إن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سيعقد اجتماعاً طارئاً في بيروت ظهر اليوم في مقر المجلس المؤقت في مدينة الزهراء للتباحث في الإجراءات التي ستتخذ بعد تأكيد أنباء مقتل باقر الصدر.. وذكرت الصحيفة أيضاً خبراً من باريس مفاده ان منظمة الدفاع عن حقوق الإنسان طلبت وضع حد لأحكام الإعدام في العراق وقالت إنه نفذ حكم الإعدام في أكثر من مائة شخص منذ مطلع آذار الماضي وقالت المنظمة ـ فرع فرنسا ـ في برقية وجهت إلى الرئيس العراقي صدام حسين إنها تأثرت لما عرفته عن إعدام إتباع حزب الدعوة أو المتعاطفين معه).

وفي صفحة أخرى تناولت جريدة السفير اللبنانية في نفس اليوم 16 / 4 / 1980م ردود الفعل الجماهيرية حول قضية الاعتداء على السيد محمد باقر فقالت تحت عنوان (قضية باقر الصدر تتفاعل لبنانياً وإيرانياً… إضراب وتظاهرات في بيروت والضواحي) مسيرة الشياح تتحشد ولافتات وسلاح وأعلام سوداء… شهدت بيروت الغربية والضاحية الجنوبية وبعض مدن البقاع والجنوب اقفالاً عاماً تلبية لدعوة الاضراب التي وجهها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة أمل استنكاراً للاعتداء على الزعيم الديني العراقي آية الله محمد باقر الصدر وقد سارت تظاهرات شعبية كبيرة في الشياح والغبيري وبرج البراجنة والنبطية… وعلى هامش التظاهرات وقع اشتباك مسلح قرب جريدة (بيروت) في بئر العبد التي تحولت إلى مكاتب لحزب البعث العربي الاشتراكي وأدى الاشتباك إلى مقتل عنصر من حركة أمل وجرح خمسة أشخاص).

أما جريدة النهار اللبنانية فقد نشرت أنباء الاستنكارات بتاريخ 16 / 4 / 1980م بالعناوين العريضة (النواب الشيعة برئاسة الأسعد يستنكرون اغتيال باقر الصدر ويحذرون العراق من المؤامرة الكبرى) وجاء تحت هذا العنوان ما يلي: (… عقد التجمع الوطني لنواب الشيعة اجتماعاً قبل ظهر أمس في قصر منصور برئاسة الرئيس كامل الأسعد، وحضور الوزيرين علي الخليل وأنور الصباح والنواب السادة الرئيس عادل عسيران وحسن منصور ومحمد عمار وعبد اللطيف بيضون وصبحي باغي وعلي العبد الله ومحمد يوسف بيضون ويوسف حمد.. خصص للبحث في قضية اغتيال السيد محمد باقر الصدر.. في نهاية الاجتماع وجه التجمع إلى مجلس قيادة الثورة العراقية البرقية التالية: ((في الوقت الذي يتعرض جنوب لبنان لأشرس مؤامرة تستهدفه أرضاً وشعباً، يتعرض مركزاً الإشعاع الإمامي في النجف الأشرف لأشرس حملة تتناول رموزه الإعلام وقد بلغت هذه الحملة ذروتها في استشهاد مرجع كبير من مراجع التقليد يحمل رسالة الإسلام ويؤدي الأمانة… إن الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان تستنكر الإقدام على قتل سماحة آية الله الإمام السيد محمد باقر الصدر أحد كبار مراجع المسلمين في العالم وذلك في وقت كان المسلمون والعرب أحوج ما يكونون إلى ما يمثله من قيم فكرية وروحية وإنسانية، وفي الوقت الذي ننتظر من العراق الشقيق المشاركة الفعلية في تحمل المسؤوليات القومية بتوظيف القدرات وتوفير الطاقات والجهود للتصدي للمؤامرة التي تستهدف الجنوب ومسيرة القضية العربية بكل أبعادها… إننا إذا نعلن بأسم الطائفة الإسلامية الشيعية استنكارنا لهذا الأسلوب القمعي ومضاعفاته نطلب من المسؤولين في العراق الشقيق وضع حدٍ لمثل هذه الممارسات ونحذرهم من الوقوع في المؤامرة الكبرى التي لا تقتصر على لبنان عبر جنوبه وعلى الطائفة الإسلامية الشيعية بل تتعداها إلى سائر الأقطار العربية كياناً ومصيراً)).

يومي 17 ـ 18 / 4 / 1980م:

لقد بات من المؤكد في أيام 17 و18 / 4 من سنة 1980م وقوع جريمة الاغتيال هذه، وكان آخر ما ورد من بيانات في ذلك ما نشر في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 18 / 4 / 1980م عن حركة التحرر الإسلامي في العراق في بيان لها صدر من مقرها في لندن حيث ذكرت فيه عن معلومات نقلتها دون أن تحدد مصدرها أن آية الله باقر الصدر وشقيقته نفذ فيهما الإعدام في التاسع من نيسان الحالي… ومضى بيان الحركة قائلاً إن ثمة نسبة تأكيد لهذه التقارير خاصة وإن الحكومة العراقية رفضت حتى الآن تقديم أي دليل على أن آية الله الصدر على قيد الحياة، وقال البيان من جهة أخرى إن هذا الاغتيال لن يكون عدواناً على المسلمين جميعاً فحسب بل عدواناً صارخاً على الإسلام.

وعندها اندلعت موجة الغضب والعنف، ففي العراق نقلت جريدة الوطن الكويتية في عددها الصادر بتاريخ 17 / 4 / 1980م نبأ مفاده (إن صحيفة بغداد أوبزيرفر) العراقية ذكرت أن عريفاً في البوليس العراقي توفي متأثراً بجراح أصيب بها خلال أعمال إجرامية ارتكبها عملاء النظام الفارسي ـ على حد تعبير صحيفة بغداد أبزيرفر البعثية ـ كما جاء في جريدة صوت الشغيلة اللبنانية بعددها الصادر بتاريخ 17 / 4 / 1980م أيضاً أنباء تحت العناوين العريضة التالية: (السلطات العراقية تعترف بوقوع 4 اشتباكات في مدينة بغداد موت عريف وإصابة عدد آخر بجراح) وجاء في تفصيل هذه الأنباء عن طريق وكالة رويتر… إن صحيفة عراقية وصلت إلى هنا أمس ذكرت أن عريفاً في البوليس العراقي قتل في أعمال عنف في العاصمة بغداد وذكر عدد يوم الثلاثاء من صحيفة بغداد أوبزيرفر التي تصدر باللغة الإنجليزية إن العريف زهير إبراهيم جاسم مات نتيجة جروح أصيب بها خلال أعمال قام بها الثوار في مدينة بغداد، وكالعادة اتهم النظام العراقي إيران ولم تعط الصحيفة أية تفاصيل أخرى، وفي وقت سابق من هذا الشهر قتل أربعة أشخاص في هجومين منفصلين بالقنابل اليدوية في بغداد، ولكن لم يذكر أن أياً من القتلى هو عضو في قوات الأمن وأنحت الحكومة العراقية اللائمة في الهجومين على إيران المجاورة وتهد الرئيس صدام حسين بالانتقام).

وفي لبنان بدأت الأصداء تتحول تدريجياً من حالة الألم والحزن إلى حالة الغضب والعنف، فقد نشرت جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 18 / 4 / 1980م الأخبار التالية:

الخبر الأول: تحت عنوان (بيان رباب الصدر) جاء فيه ((أنّ السيدة رباب الصدر صرحت بأسم عائلة الصدر في لبنان بالآتي: في المسار الحسيني الصامد، وفي الموكب المهيب لشهداء الثورة الإسلامية في العراق تقدم آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى فنالا شرف الشهادة، وفي عرس الشهادة هذا نقسم يوم المبايعة للدم الثائر على الظلم ليتقدم فيه كل من استعد ليبدل لله مهجته، وذلك يومي الخميس والجمعة 24 و25 الجاري في مدينة الزهراء ـ خلدة ويوم السبت 26 منه في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية).

والخبر الثاني لجريدة النهار كان تحت عنوان (إضراب طلابي بالبقاع) جاء فيه: (إن بعض مدارس البقاع أضربت أمس وخصوصاٌ في منطقة بعلبك ـ الهرمل احتجاجاً على اغتيال الإمام محمد باقر الصدر تجاوباً مع دعوة حركة أمل، وأذيعت تلاوة آيات من الذكر الحكيم عبر مكبرات الصوت في بلدتي بدنايل والنبي شيت وأقفلت بعض المحلات التجارية وشمل الإضراب تكميلية وثانوية بدنايل وثانوية بعلبك والمدارس الرسمية في النبي شيت، وثانوية رياق الرسمية وثانوية الكرك الخاصة).

والخبر الثالث الذي نشرته جريدة النهار بتاريخ 18 / 4 / 1980م كان عنوانه (تعطيل قذيفة أمام المركز التجاري العراقي) وجاء فيه: (إن الخبير العسكري عطل في الساعة الرابعة من بعد ظهر أمس قذيفة مضادة للدروع، كانت معدة لتفجير المركز التجاري العراقي في شارع السادات وتبليغ زنة القذيفة عشرة كيلو غرامات يتصل صاعقها بساعة موقوتة للتفجير  وضعت في بؤرة في الأرض على مقربة من المركز المذكور وقد أجرى مخفر الجيش التحقيق في الحادث.

كما نشرت جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 19 / 4 / 1980م تحقيقاً مصوراً تحت عنوان تظاهرة حاشدة في الضاحية الجنوبية ومهرجان في حسينية الغبيرة يهاجم النظام العراقي وقد أظهر التقرير المصور الآلاف من النساء المسلمات وهن يرتدين لباس الحزن والحجاب الإسلامي الشرعي، كما أظهرت الصور الأخرى جانباً من علماء الدين في لبنان وكان من جملة من في المقدمة المفتى عبد الأمير قبلان.

الأسبوع الثاني:

كانت جريمة الاغتيال المروعة قد دخلت أسبوعها الثاني  وفيه اتسعت نشرات الأخبار على أبواب الصحافة العربية من داخل العراق ومن خارجه على الصعيد الشعبي وعلى صعيد المؤسسات والجماعات… وعلى الصفحات الأولى لجريدة النهار اللبنانية ظهر العنوان التالي بتاريخ 24 / 4 / 1980م (المجلس الشيعي الأعلى وحركة أمل ينعيان محمد باقر الصدر ويعلنان الحداد 3 أيام) أما جريدة السفير اللبنانية فنشرت في نفس اليوم العناوين التالية (المجلس الشيعي ينعى باقر الصدر وشقيقته ويدعو للحداد في المساجد والأبنية الحسينية).. (حركة  أمل تقول: جريمة شنيعة لا يجوز أن تمر دون حساب) وجاء تحت هذه العناوين ما يلي:

(… نعى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمس الإمام آية الله السيد محمد باقر الصدر وشقيقته الكاتبة بنت الهدى ودعا إلى إقامة الحداد العام في المساجد والأبنية الحسينية، وسيستقبل أركان المجلس الهيئات الرسمية والفعاليات، اعتباراً من صباح اليوم في مقر المجلس بخلدة… وقال بيان حركة أمل إن التعرض الدائم للمراجع الدينية في العراق والأحكام الدموية السريعة التي تنفذ يومياً بالسياسيين والعسكريين لا يمكن أن تمر دون حساب وكان المجلس الشيعي بهيئته الشرعية والتنفيذية عقد جلسة طارئة قبل ظهر أمس برئاسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس وعرض الملابسات المحيطة بقضية باقر الصدر وفي صدد قضية باقر الصدر هذه أصدر المجلس البيان الآتي نصه: ينعى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان والهيئة الشرعية وجميع علماء المسلمين في لبنان إلى العالم الإسلامي وإلى الأحرار والشرفاء في كل مكان سماحة المفكر والفقيه الإسلامي العظيم آية الله العظمى الإمام المجاهد الشهيد السيد محمد باقر الصدر أحد أكبر مراجع المسلمين في العالم، الذي تعتبر آثاره من أعظم وأعمق ما أنتجه الفكر الإسلامي في العصر الحديث وشقيقته المجاهدة الكاتبة الإسلامية الكبيرة بنت الهدى.. إن الشهيد العظيم توج بالشهادة جهاده الطويل في سبيل الإبقاء على الوجه الإسلامي الناصع الأصيل للعراق ويدعو المجلس إلى إقامة الحداد العام في المساجد والنوادي الحسينية ويخصص خطب الجمعة لهذه المناسبة ويستقبل المجلس في مقره المؤقت في مدينة الزهراء الهيئات الرسمية والفعاليات ابتداءاً من الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس 24 / 4 / 1980م إبتداءاً من الساعة التاسعة، كما أصدرت حركة أمل في مساء نفس اليوم بياناً جاء فيه (إن اغتيال آية الله السيد محمد باقر الصدر وشقيقته المجاهدة بنت الهدى بصورة غامضة وسريعة على أيدي حكام العراق جريمة شنعاء تذكرنا بقتل الأنبياء والصالحين وهي واحدة من سلسلة من الجرائم والاغتيالات والمحاكمات الصورية التي غالباً ما تأتي بعد تنفيذ الأحكام… إن التعرض الدائم للمراجع الدينية في العراق ومنذ زمن طويل والأحكام الدموية السريعة التي تنفذ يومياً بالسياسيين والعسكريين وكل حر صاحب رأي أو موقف لا يمكن ولا يجوز أن تمر دون حساب فيا أيها المسلمون… ويا أيها الشرفاء… لتكن وقفتكم الصامدة رادعاً لتلك التصرفات غير المسؤولة لأنها تصرفات تصب في مصلحة أعداء العرب والمسلمين، ذلك أن الإجهاز على العقيدة والقادة إجهاز على المصير ولأن الواعي الحر يحتاج إلى مساندة الأحرار في العالم حتى يبقى قادراً على التحرك والاستقطاب من أجل كرامة الإنسان وتأكيد حقه، إن ما يجري في العراق حيث يضطهد الإنسان وتمتهن حقوقه وعطل حريته كلها أمور تعني الإنسان، أي إنسان كان وفي أي مكان أو زمان ولا يؤخذن بالقول إنه شأن عراقي لا علاقة لنا به لا سيما وإن آية الله السيد محمد باقر الصدر هو أحد كبار مراجع ومفكري المسلمين في العالم إننا نهيب بالشرفاء والأحرار أن يقولوا كلمتهم مدوية في هذه الجريمة النكراء، لأن السكوت على يزيد الضالين ضلال فتتكاثر الضلالات ولا من رادع لهوس النفوس، والحركة إذ تؤكد أنها لن تتوانى عن مساندة الحق في مواجهة الباطل في كل مكان.. تطالب جماهيرنا بالالتزام بإعلان الحداد خلال الأيام الثلاثة والالتزام بمضمون بيان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى والتخلي عن كل تصرف يضر بالوطن والأمة والمبادئ.

وفي صفحة أخرى من صفحات جريدة السفير اللبنانية ليوم 24 / 4 / 1980م نشرت العناوين التالية: (إيران تنعى باقر الصدر وتدعوا العراقيين إلى الثأر) (المجلس الشيعي وأمل يعلنان الحداد 3 أيام) وجاء تحت هذين العنوانين ما يلي: (نعى المجلس الثوري الإيراني والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان أمس آية الله محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى وقد دعا المجلس الثوري إلى الثأر فيما دعا المجلس الإسلامي الشيعي إلى الحداد ثلاثة في المساجد والنوادي الحسينية)…

كما أكد المجلس الإسلامي على وجوب أن تخصص خطب الجمعة لهذه المناسبة وعلى أن باقر الصدر توج بالشهادة جهاده الطويل في سبيل الإبقاء على الوجه الإسلامي الناصع في العراق، وفي هذا الوقت أصدرت حركته أمل بياناً وصفت فيه اغتيال باقر الصدر، بأنه جريمة بشعة لا يجوز أن تمر دون حساب وأكدت الحركة الإلتزام ببيان المجلس الإسلامي وبالحداد ثلاثة أيام داعية إلى تخلي الجماهير عن أي تصرف يضر بالوطن والأمة والمبادئ… وفي طهران أعلن المجلس الثوري نبأ مقتل الإمام باقر الصدر وشقيقته على يد النظام العراقي ودعا العراقيين في بيان بثته إذاعة طهران إلى الثأر وطلب البيان من الإيرانيين التظاهر في طهران يوم الجمعة المقبل للتعبير عن اشمئزازهم من جرائم البعث الحاكم في العراق، وأضاف إن هذه الجريمة الفظيعة أظهرت الواقع الشيطاني والشرير لحكم المرتزقة في العراق وفضحت طبيعته المعادية للإسلام ومضى البيان قائلاً إن الشعب الإيراني المسلم يعتبر هذه الجريمة الكبيرة المترافقة مع انتهاكات أخرى قامت بها الحكومة العراقية على الحدود مع إيران وابعادها لآلاف العراقيين المسلمين أعمالاً إجرامية وعدائية ضد الثورة الإسلامية الإيرانية.

أما صحيفة (أمل) النشرة الداخلية الأسبوعية لحركة (أمل) فقد نشرت بتاريخ 25 / 4 / 1980م تحت عنوان (زنيم بغداد) صدام التكريتي يغتال الإمام السيد محمد باقر الصدر وشقيقته المجاهدة بنت الهدى:

((إلى القائد العام الإمام السيد موسى الصدر من مجاهد في مسيرة (أمل).

سيدي

لقد فعلها حفيد أبي جهل (زنيم بغداد) وتجرأ على قتل أخيك وابن عمتك أبي جعفر السيد باقر.

قتله صدام لأنه أنكر ربوبيته وعلم الناس أن يقولوا ربنا الله. أعدمه لأن فكره بدأ يهز أركان الكفر ويبدد أحلام صهيون. ولانه بارك الثورة الإسلامية المنطلقة من إيران وأيد قائدها الإمام الخميني في نهجه وحربه مع الاستعمار وإسرائيل.

لقد نفذ أوامر سادته في واشنطن وتل أبيب ضمن خطتهم لضرب الثورة الإسلامية فكرياً وعقائدياً مع ضربها سياسياً واقتصادياً.

سيدي

وهذا أمر له في التاريخ مثيل فكثيراً ما اعتدي على الأنبياء ولطالما قتل الأئمة والصالحون.

لكن زنيم بغداد قتل أيضاً بنت الهدى، فأتى بما لم يأت به يزيد وسجل الرقم القياسي الأعلى في الجهالة والقذارة والسفالة.

سيدي

والعالم الإسلامي يتفرج كما العادة، والعالم العربي يتفرج، والعالم الثالث يتفرج.

لم نسمع حتى الآن صوتاً لا للثوار ولا للأحرار ولا للمفكرين.

لقد ملئت ظلماً، يا سيدي، لقد ملئت جوراً، فهل اقترب العالم من نهاية هذه المرحلة الحالكة السواد في تاريخه.

سيدي

أخفوك ليشلوا حركة الإنسانية ويسكتوا صوت الحقيقة والمبادئ، وقتلوا أبا جعفر وبنت الهدى ثاراً لصهيون من العروبة والإسلام، وهم يحاربون الثورة الإسلامية وقائدها انتصاراً للاستعمار والشاه.

سيدي

يظنون أنهم بذلك يستطيعون إخفاءنا أو تخويفنا أو قتلنا؟

نحن واثقون من إننا لن نبقى وحدنا في معركة الحق، فسوف يساعدنا الشرفاء ولن يطيلوا التفرج.

نؤكد لك صلابة الشيوخ والنساء والأطفال في هذه المعركة وإصرارهم على النصر أو الشهادة.

ويقيننا بالله العظيم مطلق، لقد وعدنا بأن يورثنا الأرض وهو لا يخلف الميعاد.

ولن تكون نهاية صدام وحلفائه… غير نهاية نوري وبهلوي وفاروق، فسوف تنزل بهم لعنات الله والمؤمنين والتاريخ، نحن نواجههم وعقولنا وقلوبنا يملأها قول الله:

قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم إن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون.

سيدي

عهداً قاطعاً على الوفاء والانتصار للحق وأهله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته))

أما صحيفة النهار اللبنانية فقد ذكرت بعددها الصادر بتاريخ 25 / 4 / 1980م (إن اتحاد الطلبة المسلمين يؤبن باقر الصدر) وجاء فيه (إن الإتحاد اللبناني للطلبة المسلمين أقام في مقر الإتحاد في الغبيري مجلس فاتحة تأبيناً لآية الله السيد محمد باقر الصدر حضره عدد من مشايخ المنطقة وأبنائها افتتح المجلس بأي من الذكر الحكيم ثم تليت مقتطفات من محاضرة للفقيد عن (حب الدنيا وحب الله) وألقى أحد أعضاء الاتحاد كلمة تحدث فيها عن دور الفقيد، وتلاوة الشيخ عبد الوهاب الكاشي بمقتطفات من السيرة الحسينية).

وعن ردود الفعل في منطقة الخليج من جريمة اغتيال آية الله السيد الصدر نشرت جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 25 / 4 / 1980م أنباءاً من البحرين بعنوان عريض (قمع مسيرة حداد على باقر الصدر في البحرين) وجاء في تفصيلات النبأ هذا ما يلي: (في البحرين أطلقت ما يسمى بشرطة قمع الشغب اليوم الغاز المسيل للدموع لتفريق حوالي 700 شخص ـ على حد تعبير الصحيفة ـ اشتركوا في مسيرة حداد واحتجاج على مقتل الزعيم الديني العراقي آية الله السيد محمد باقر الصدر أحد كبار المراجع في العراق وكان المتظاهرون قد أطلقوا شعارات تندد بالرئيس العراقي صدام حسين وحملوا لافتات كتب عليها أن باقر الصدر شهيد قتلته حكومة العراق البعثية وقد قامت الشرطة بأعمال الدورية في بعض القرى الشيعية البحرينية وعززت الحراسة على مباني الحكومة أغلقت مئات الحوانيت أبوابها بعد استخدام الشرطة للغاز المسيل للدموع).

وقد أكدت هذه الأنباء صحيفة الوطن الكويتية فقد نشرت بعددها الصادر في نفس اليوم 25 / 4 / 1980م عناوين بارزة جاء فيها (احتجاجاً على إعدام باقر الصدر إضراب في لبنان و 700 شخص يتظاهرون في البحرين)… وذكرت في تفصيلات هذه الأخبار نقلاً عن وكالة الأنباء في بيروت ما يلي: (قتل رجل واحد في اشتباك وقع أمس بالقرب من السفارة العراقية هنا بينما أضربت عدة مدن لبنانية، وقالت مصادر مطلعة إن الاشتباك وقع بين مسلحين بينما كان اللبنانيون يستنكرون ما ذكر عن إعدام الزعيم الديني آية الله السيد محمد باقر الصدر وبين المدن التي أضربت بالإضافة إلى بيروت الغريبة ذات الأغلبية الإسلامية مدينة بعلبك القريبة من الحدود السورية ومدن صيدا وصور والنبطية في جنوب لبنان، واجتمع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في أعقاب ما ذكر من إعدام باقر الصدر وأعلن الحداد ثلاثة أيام وشوهد مسلحون في بعض أحياء المنطقة الغربية من بيروت إلا أن المسلحين تجنبوا المرور في مناطق تسيطر عليها مليشيات تابعة لحزب البعث المدعوم من العراق في محاولة ظاهرة لمنع تجدد اشتباكات دامية وقعت بين الجانبين في الأسبوع الماضي وراقبت وحدات من قوات الردع العربية والفدائيين الفلسطينيين المتظاهرين مشكلة منطقة عازلة بينهم وبين ميليشيات حزب البعث التي وضعت في حالة استعداد وأصدرت حركة أمل بياناً قالت فيه إن إعدام الصدر لن يمر دون عقاب، وكانت السلطات اللبنانية قد أكتشفت صاروخاً معداً للانطلاق تجاه المركز التجاري العراقي الليلة قبل الماضية وقالت مصادر البوليس اللبناني أن الصاروخ الذي يبلغ وزنه عشرة كيلو غرامات قد اكتشف قبل نصف ساعة فقط من موعد انطلاقه وكان المركز نفسه وصيدلية مجاورة له قد تعرضا لأضرار بسيطة في وقت سابق هذا الشهر عندما انفجرت قنبلة موقوتة قربهما، وأدت اشتباكات بين مسلحين مؤيدين للعراق ومسلحين مسلمين إلى قتل عشرة أشخاص على الأقل في ضواحي بيروت الجنوبية في الأسبوع الماضي، وفي البحرين أطلق ما يسمى (بوليس قمع الشغب) أمس الغاز المسيل للدموع لتفريق حوالي 700 شخص اشتركوا في مسيرة تكريم لباقر الصدر وقام البوليس بمراقبة القرى الشيعية المترامية في البحرين وعزز الحراسة على مبان الحكومة … وأغلقت مئات الحوانيت أبوابها بعد استخدام البوليس الغاز المسيل للدموع).

الأسبوع الثالث:

في بداية الأسبوع الثالث للعمل الإجرامي البشع الذي أقدمت عليه سلطات صدام الدموية باغتيالها آية الله العظمى السيد الصدر… طلعت صحف بلدان الخليج والشرق الأوسط بعناوين بارزة تتحدث عن المظاهرات الصاخبة والعمليات المسلخة للمسلمين الثائرين في مختلف مناطق البلدان العربية.

ففي بيروت نشرت صحيفة الشرق اللبنانية بتاريخ 27 / 4 / 1980م بعنوان عريض هذا الخبر (نسف مكاتب وكالة الأنباء العراقية وإصابة 3 موظفين وشرطي بجروح) ورافقتها الصحف الخليجية في نشر نفس الخبر فقد أبرزت صحيفة الوطن الكويتية في نفس اليوم 27 / 4 / 1980م تقريراً مصوراً تحت عنوان (جرح 3 بانفجار في مكاتب وكالة الأنباء العراقية ببيروت) وأظهرت الصور الدخان المتصاعد من مكتب الوكالة العراقية وآثار الدمار داخل المكتب، كما نشرت صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 27 / 4 / 1980م بعض الأنباء على الصعيد اللبناني الرسمي كان أهمها (أبو فاضل وقائد الجيش وشخصيات يعزون شمس الدين بباقر الصدر في مقر المجلس الإسلامي بالحازمية)، أما صحيفة السفير اللبنانية فقد نقلت أخباراً مثيرة من البحرين وذلك بعددها الصادر بتاريخ 27 / 4 / 1980م أبرزتها بالعنوان التالي: (البحرين قصف قريتين بقنابل الغاز لتفريق تظاهرات ضد الغزو الأمريكي واستخدم مطار البحرين في العملية) أما تفصيل الخبر فقد كان كما يلي: (نقلت وكالة رويتر في المنامة أن الشرطة البحرينية قمعت اليوم وللمرة الثانية في غضون أقل من أسبوع واحد تظاهرة شعبية سارت في شوارع المنامة إستنكاراً لاستخدام الولايات المتحدة التسهيلات الممنوحة لها في البحرين في عمليتها الفاشلة لغزو إيران ليل الخميس الماضي واحتجاجاً على إعدام آية الله محمد باقر الصدر أحد مراجع المسلمين في العراق وقال شهود عيان أن الشرطة قصفت بشكل متكرر قريتين شيعيتين بقنابل الغاز لتفريق المتظاهرين وأبلغ أحد القرويين وكالة رويتر قوله أن الحشود كانت تحاول التظاهر ضد استخدام مطار البحرين من قبل الطائرات العسكرية الأمريكية في عمليتها لغزو إيران… وقالت وكالة فرانس برس أن المتظاهرون قلبوا احدى سيارات الشرطة والقوا الحجارة على مركز تجاري عراقي وعلى واجهة الخطوط الجوية العراقية).

أما في عراق الثورة الإسلامية… في عراق الدماء الزكية التي تلطخت بها الأيادي القذرة لصدام وزمرته القتلة فقد كانت الأحداث كبيرة وردود الفعل عنيفة، رغم القمع الفاشي ورغم التعتيم الإعلامي المطبق على الساحة العراقية بالتعاون مع كافة وكالات الأنباء الدولية والمحلية المرتبطة بالدوائر الاستعمارية الخبيثة، رغم كل هذا التعتيم فقد تسربت الأخبار إلى بعض صحف المنطقة منها ما ذكرته صحيفة صوت الشغيلة اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 29 / 4 / 1980م تحت عنوان (معركة بيت قوات النظام العراقي ومتظاهرين في مدينة الكاظمية) جاء فيه (ذكر شهود عيان قادمين من بغداد أول أمس ـ السبت ـ أن معركة كبيرة قد حدثت في مدينة الكاظمية عصر يوم الخميس الماضي بين متظاهرين ضد السلطات القمعية في العرق اغتيال الإمام محمد باقر الصدر حيث كانت الجماهير مسلحة بالعصي والسكاكين، وتمكن المتظاهرون بعد مداهمتهم من قبل رجال السلطة والأمن والمخابرات من احتلال مركز الشرطة القريب من صحن موسى الكاظم… وقد استمرت المعركة بين الجماهير وعملاء المخابرات حيث قتل ثمانية من عملاء النظام فيما أصيب عدد من المتظاهرين بجروح نتيجة إطلاق النار العشوائي والكثيف من قبل السلطات وكانت القوة المهاجمة للمظاهرة تقدر بثمانين سيارة من سيارات شرطة النجدة المحملة بالعملاء.

وبتاريخ 30 / 4 / 1980م نشرت صحيفة صوت الشغيلة اللبنانية أخباراً أخرى من العراق تحت عنوان (هل تمردت إحدى الثكنات في البصرة؟) جاء فيه (منذ استشهاد الإمام محمد باقر الصدر وحركة الجماهير لا تهدأ في التعبير عن سخطها على نظام صدام حسين ولا تتوقف عن تنفيذ عملياتها الهجومية التي تستهدف أوكار النظام الخائن وقيادته… الجماهير العراقية اليوم تقف على أبواب التحرك الشعبي الواسع في مواجهة نظام صدام حسين وأهم التطورات التي يشهدها العراق اليوم هي بداية وصول رياح الثورة إلى صفوف الجيش وظهور بوادر التحرك وتمردات عسكرية لعديد من القطعات العسكرية، آخر هذه التطورات كان ما شهدته حامية البصرة خلال اليومين الماضيين حيث تمردات إحدى ثكناتها ورفضت الإنصياع للأوامر الصادرة من القيادة العسكرية العليا وأعلنت تأييدها لرغبة الجماهير بالخلاص من الفساد الذي يشكله نظام الحكم وبالرغم من استنفار آلاف العسكريين ومحاصرة الثكنة بالدبابات فأن السلطة لا تزال عاجزة عن استعادة زمان الأمور في الثكنة وتوضح بعض المصادر الوثيقة الصلة بالعسكريين أنهم مزودين بكميات كبيرة من الذخائر والتموين تكفيهم أياماً وأسابيع).

وبتاريخ 8 / 5 / 1980م إثر قصف أبطال الإسلام في لبنان لمبنى سفارة العملاء العراقية في بيروت… نشرت صحيفة النهار اللبنانية في ذلك اليوم خبرا كشفت فيه وقوع الحادث وقالت في عنوانه أن وزير الخارجية اللبنانية يبدي أسف الحكومة لقصف السفارة العراقية وقالت في تفصيله: (أن وزير الخارجية فؤاد بطرس كلف السفير في الإدارة المركزية في الوزارة هنري أبو فاضل إبلاغ السفارة العراقية في بيروت أسف الحكومة اللبنانية لتعرض مبنى السفارة للقصف أمس نتيجة الاشتباكات التي وقعت بين المسلحين في منطقة الجناح).

وبتاريخ 20 / 5 / 1980م نشرت جريدة الوطن الكويتية خبراً آخر عنوانه (انفجار في شركة عراقية في بيروت) جاء في تفصيله: (نقلت وكالة الأنباء في بيروت أن العراق ـ وكالعادة ـ اتهم إيران بأنها وراء انفجار وقع في مكتب شركة النقل البري العراقية في بيروت الليلة قبل الماضية وأدى وقوع الانفجار إلى حدوث أضرار مادية… ووصفت وكالة الأنباء العراقية الرسمية هذه العملية بأنها ضمن اعتداءات الحكومة الإيرانية وعملائها ـ كما تدعي ـ على المكاتب والمؤسسات العراقية في الخارج، ومن ناحية ثانية أعلنت منظمة إسلامية ثورية عراقية مسؤوليتها عن الانفجار).

ونشرت صحيفة الوطن الكويتية أيضاً بتاريخ 21 / 5 / 1980م خبراً آخر قالت فيه أن مائة عراقي اعتصم في مكتب الأمم المتحدة بطهران احتجاجاً على ما يجري في العراق…

خاتمة تحليلية للحدث:

وعلى صعيد تحليل الحدث الإجرامي هذا نشرت مجلة الجهاد في عددها الصادر بتاريخ 17 / 5 / 1980م مقالاً رائعاً وضع الحقائق كاملة أمام أبناء الشعب العراقي خاصة وأبناء الأمة الإسلامية عامة نذكره لكم لأهميته ((بسم الله الرحمن الرحيم منذ أن بدأت المشاريع الاستعمارية تأخذ طريقها للتنفيذ في العالم الإسلامي أدرك الاستعمار أن الإسلام يمثل قلعة التحدي والصمود في وجه مشاريعه في المنطقة ومهما حاول الاستعمار أن يغير من أساليبه كي يحقق نجاحاً على القوة الروحية التي زرعها الإسلام في أرضية هذه الأمة فأن محاولاته باءت بالفشل، فقد مارس الاستعمار أساليب التبشير المحض والتبشير المقنع بالعلوم والفنون واستخدم حركة الاستشراق لتشويه الإسلام وصنع خليطاً من المفاهيم الإسلامية ومفاهيم الجاهلية وكتب للمسلمين تاريخاً جديداً وتحت ظل الاستعمار العسكري لبلاد المسلمين… و؆ع العدو مناهج مسمومة لتربية النشيء على ضوء الفكر الأوروبي ومفاهيم الحضارة الغربية محاولاً سلخ الأجيال عن رسالة الإسلام وتأريخه ومجده… وفي المرحلة التي تلت الاستعمار المباشر فرض العدو أنظمة سياسية تنفذ إرادته وتدبر شؤون المسلمين بالتشريعات الأوروبية، وفي هذه الأثناء سمح الاستعمار بإقامة التيارات السياسية والفكرية المختلة لتمزيق الأمة وصرفها عن إسلامها وأصالتها بشعارات طارئة جوفاء… وقد ترافقت هذه المخططات مع اتباع أقسى ألوان العنف لتصفية القوى الإسلامية الواعية عبر العديد من الأساليب والوسائل، ومع أن الاستعمار وعملاءه قد أفادوا كثيراً من جهل الأمة وعدم وعي الكثير لأساليب الأعداء وأهدافهم فإن مرحلة جديدة مفعمة بالأمل والخير والعطاء قد بدأت، حين أنتجت الأمة الإسلامية رجالاً يحملون هم الأمة والرسالة ويملكون القدرة على التفكير والإنتاج والعطاء… وكان أكثر أولئك الرجال تأثيراً في مسيرة الأمة صنفين:

الصنف الأول: رجال حملوا هم الرسالة والأمة، فاختاروا طريق العمل الاجتماعي السياسي فقاوموا النفذ والأجنبي وحملوا هم العودة بالإنسان المسلم إلى رحاب المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية كقادة الحركات الإسلامية السياسية قاطبة.

الصنف الثاني: رجال حباهم الله تعالى القدرة على بلورة المفاهيم الإسلامية وطرحها بأسلوب عصري يتلائم ومتطلبات العصر وحاجات المسلم المستجدة… والمرجع الشهيد المفكر العظيم محمد باقر الصدر طليعة أولئك الأفذاذ الذين شهروا القلم والكلمة في وجه الغزو الاستعماري الفكري فحققوا للأمة خطوات واسعة على طريق الانعتاق… وأزاء هذا التحول لصالح الإسلام العظيم وبقيام حركات إسلامية واعية في مختلف أقاليم الوطن الإسلامي الكبير وبظهور مفكرين إسلاميين مزقوا جدار الصمت في حياة الأمة وأعادوا للإسلام إشراقه وجاذبيته ومكانته في نفوس الفئات المثقفة… أقول أزاء هذا التحول الكبير لصالح الإسلام شعر الاستعمار بخطورة الموقف، فعمل جاهداً على إعادة الحياة إلى مجراها لتأمين مصالحه في المنطقة وبدأت حملات التصفية للحركات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين تأخذ طريقهما للتنفيذ في جميع الأقاليم الإسلامية ولعل أكثر الأمور استئثاراً بجهود الاستعمار وأذنابه في المنطقة أن يعمل على تصفية قادة الحركات الإسلامية ورجال الفكر في الأمة… وها هي الخطة تأخذ سبيلها إلى التطبيق منذ سنوات بعد أن ظن الاستعمار وعملاؤه بجدواها فأصبحت مرتكزاً أساسياً لكل المخططات الاستعمارية في المنطقة، وتجسيداً للخطة المذكورة فقد عمل الاستعمار على تصفية قادة المسلمين المفكرين والسياسيين في كل إقليم إسلامي فليست عملية إعدام الشهيد الغالي المفكر الإسلامي الكبير السيد الصدر من قبل السلطة العشائرية في بغداد هي أول عملية إجرامية يرتكبها طغاة الأرض إنما هي مصداق واحد من مصاديق الخطة الاستعمارية الرهيبة… كان فقدان المرجع الصدر قد كلف الأمة الإسلامية خسارة تاريخية فادحة، وما الإعدامات التي تم تنفيذها في مصر ضد الحركة الإسلامية وعمليات الإعدام التي نفذت ضد القادة المفكرين الإسلاميين في إيران أيام الشاه وراح ضحيتها خيرة رجال هذا البلد الطيب من أمثال المرحوم الشهيد نواب صفوي وأمثاله، إلا تجسيداً لهذه الخطة المنكرة… وإذا كان الحكم العراقي المنحط يظن أن بوسعه أن يقتل الإسلام في العراق حين أقدم على إعدام المفكر الصدر فقد خاب ظنه وتبت يده فآية الله الصدر سيتحول إلى رمز للثورة الإسلامية العارمة في العراق وروح تسري في دنيا الخمول والاستكانة… تلهب حماس المستضعفين ليهبوا من أجل انقاذ الكرامة والعزة الإسلامية التي غدت نهباً للعصابة المتوحشة الحاكمة في بغداد).

هذا ما توفر لدينا من أخبار الصحافة العربية عن أصداء استشهاد الإمام آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قائد الثورة الإسلامية في العراق، ورغم كل أساليب ووسائل التعتيم الإعلامي الكامل الذي خططت له دوائر المخابرات الاستكبارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.. ونفذته بكل أمانة وسائل الإعلام العملية في المنطقة… فأن دم هذا الإمام الشهيد سيبقى مناراً يدل السائرين على الطريق.. طريق ذات الشوكة والحمد لله رب العالمين.

الشيخ محمد رضا النعماني