القسم الأول
عرض الفلسفة الماركسية بلغة الصدر
المدخل: المنهج أساس البحث الموضوعي:
يشكل المنهج جزءاً أساسياً في بنية المعرفة للمفكر، ويعتبر من المقاييس الناجحة لمعرفة المدى الموضوعي بالنسبة لأي باحث. فالمنهج بما ينطوي عليه من ترسيم هيكلي، وعرض للمادة، ورجوع إلى النصوص، وطريقة في الرد والمحاكمة والاحتجاج… المنهج بكل هذه الآفاق أصبح محل نظر ونقد وبيان، ويتعرض للوزن المعياري العلمي باعتباره لا ينفصل عن ذات المضمون ولو بدرجة ما. فالمادة الفكرية أو العلمية أو المادية مهما كانت رصينة في محتواها، دقيقة في إصابتها، إلا أن النقص في المنهج ينعكس بانعطافه سلبية في القيمة على المادة ذاتها.
ربما يتصور البعض أن ذلك يشكل ظلماً، فالأساس هو المحتوى، ولكن هذا
التصور هذا الصيغة الاعتراضية يتبخر، إذا علمنا أن المنهج الدقيق يساهم في أمانة الفكر، ويعدم المحتوى الجيد، وينقي العطاء المتين. فالنقل عن واسطة يحجم الثقة بالمنقول، وإدخال عنصر التهكم في منظومة دليل النقض يهبط بالدرجة العلمية، لأن الدليل يتحول إلى مركب من حقيقة وأمر ذاتي، وهو مما يقود إلى حالة من التشوش والضبابية وهكذا مع كل فقرات المنهج الضرورية.
لماذا (فلسفتنا)؟
والشهيد الصدر امتاز بمنهجية موضوعية فذة، جسد فيها أمانة العقل العلمي بكل أبعادها، حتى باتت المنهجية المتميزة إحدى صفات الشهيد في أكثر أو كل طروحاته وأبحاثه، وها نحن نستعرض هذه الحقيقة عبر واحدٍ من أسفاره العملاقة، ألا وهو كتاب (فلسفتنا).ولكن لماذا فلسفتنا بالذات؟
في الواقع: إن أسباب هذا الاختيار لا تعني أن (فلسفتنا) هو النموذج الأمثل في هذا المجال من بين ما كتب الصدر، بل لأكثر من داع، ولعل أهمها ما يلي:
أولاً: إن هذا الكتاب من أبرز النتاجات الفكرية التي عرفها الوسط العلمي والفكري عن الشهيد الصدر، وإن لم يكن أعمقها وأهمها وأوسعها.
ثانياً: إن هذا الكتاب (دراسة (…) في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية، وخاصة الفلسفة الإسلامية والمادية الديالكتيكية)[2].
ثالثا: إن هذا الكتاب يقارع فيه المفكر الصدر مدرسة فلسفية عنيدة في موقفها في موقفها المضاد من التصور الإسلامي للمعرفة والكون .
رابعاً: إن هذا الكتاب يتعرض لفلسفةٍ طالما نالتها الشبه من خارجها، وطالما نُسب إليها ما هو غريب عليها، وخاصةً من أعدائها .
خامساً: إن هذا الكتاب ألَّفه الصدر وعمره لا يتجاوز العقد الثالث.
لكل هذه الأسباب تم انتقاء كتاب فلسفتنا كنموذج لاكتشاف المنهجيَّة الموضوعيَّة للشهيد الصدر في طرحه الفكري، فمن خلاله يمكننا أن نعرف مدى وفاء الصدر لمبدأ الرجوع إلى النص الأصلي، وإلى ي درجة يتمتع بضرورة الحياد في قبول النقود الموجَّهة من الخصوم لفكرةٍ يشاركهم موقف الرفض لها، وهل الصدر يلتزم أخلاقية الباحث العلمي في تصوير وتشخيص الرأي الآخر؟ .. ومن ثم نستطيع من خلاله أن نضع أيدينا على روحيَّة الصدر العلميَّة منذ بدايتها .
مثل هذه الأسباب نجد في (فلسفتنا) ميداناً ملموساً ناجحاً لامتحان موضوعية الصدر المنهجيَّة .
الصدر اعتمد على أساطين المدرسة الماركسية:
انطلق الشهيد الصدر في مقارعته للمدرسة الماركسية (على صعيد المعرفة وتفسير الكون والإدراك …) من التعامل المباشر مع النص الماركسي المؤسس .
وابتعد كلياً عن مبدأ الاستعانة بأي واسطة، سواء في اقتناء النص أو عرض الفكرة، ولقد أورد في حواره ومناقشته أكثر من (70) نصاً ماركسياً يعبر عن البنائية الماركسية في جذورها الأولى، والتي يلجأ إليها الماركسيون المدرسيون في طرح مدرستهم في جوهرها ولبها وروحها .
وقد اعتمد الصدر في أخذ النصوص على أساطين هذه المدرسة، لأجل أن تتضح الصورة في الإطار ندرج أدناه المصادر التي رجع إليها الشهيد في هذا الصدد :
ما هي المادية ……………………. فلادمير لينين
المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية …….. جوزيف ستالين
حول التطبيق …………………….. ماوتسي تونغ
لودفيغ فيورباخ …………………………. أنجلز
ماركس، أنجلس _ الماركسية ……… فلادمير لينين
ضد دوهرنك في الفلسفة …………………. أنجلز
المادية والمثالية في الفلسفة……….. جورج بوليتزير
المنطق الشكلي والمنطق الديالكتيكي……… كيدروف
الروح الحزبية في الفلسفة والعلوم ……….. تشاغين
حول التناقض ………………. ماوتسي تونغ
هذه هي الديالكتيكية ………. جورج بولتيزير
ما هي الماركسية ؟ ……………. أميل برنز
قصَّة الإنسان ………………… جورج حنا
الدفاتر الفلسفية …………………….. لينين
كارل ماركس ………………. هنري لوفافر
ونظرة سريعة إلى (هذه الكتب) نكتشف من ثناياها أن المفكر الصدر كان حريصاً على التعامل مع المصدر الأم للفكر الماركسي، وهو خُلُق منهجي علمي تفتقر إليه الدراسة الموضوعية المنصفة، ولا نذيع سراً إذا قلنا أن هذه الكتب تشكل القاعدة الرئيسية في كل الهام ماركسي، وفي كل طروحات تتم على صعيد هذه المدرسة، وإن النص الماركسي الفلسفي يعتبر منظومة محكمة وأساس أولي تقوم عليه الصروح الفوقية الأخرى بالنسبة للماركسية ولذا فإن الأقلام اللاحقة كانت مهمتها تبسيط وبيان ودعم هذه النصوص .
النص المتكامل عند السيد الشهيد وميزة ثانية تطفح بها منهجيَّة المفكر الصدر في هذا السفر وهو ينازع الماركسية، تلك هي مسألة اختيار أو انتقاء النص، لقد كان حريصاً على النص المتكامل الذي يبلور الفكرة على شكل دائرة، حتى يُخيل للقارئ العادي أو القارئ الذي لم يحط علماً بأهداف الصدر، إن هذا الرجل يبغي تقديم الماركسيَّة بأنقى وأظهر وأقوى صورها ومتبنياتها، وطالما يسعى إلى تعزيز نصٍ بآخر كي تتجسّد النظرية أو الأطروحة بكل ثقلها وجوهرها . ولنظرب بعض الأمثلة في هذا المضمار .
فهو عندما يتناول موضوعه (تناقضات التطور) كقاعدة رئيسية أولى في منظومة الفلسفة الماركسية في تفسير العالم يستعرض وفي أول حديثه عن القضية بالنصوص الآتية:
قال ستالين[3]:
[إن نقطة الابتداء في الديالكتيك، خلافاً للميتافيزية، هي وجهة النظر القائمة، على أن كل أشياء الطبيعة وحوادثها، تحوي تناقضات داخلية، لأن جمعيها، جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً.
ماضياً وحاضراً، وفيها جميعاً عناصر تضمحل أو تتطور، فنضال هذه المضادات هو المحتوى الداخلي لتحول التغيرات الكمية إلى تغيرات كيفية].
فهذا النص كاف في إعطاء صورة كاملة ومفهومه عن موضوعه (تناقضات التطور) خاصة وأنه منقول من كتاب المادية، الديالكتيكية والمادية التاريخية لسالتين، وهو كتاب مدرسي كان الشيوعيون في العالم يعتمدونه دراسة وقراءة، ولذلك ترجمة خالد بكداش. ولكن الصدر يعزز النص الماركسي هذا بنصوص أخرى، ولذا شفعه بما يلي:
وقال ماوتسي تونغ[4]:
[إن قانون التناقض في الأشياء، أي قانون ومدة الامتداد، هو القانون الأساسي الأهم في الديالكتيك].
وهذا النص الذي ينقله المفكر الصدر عن ماوتسي تونغ بشكل جوهر أو روح النص السالف، فإذا كان ستالين قد سمى بعض التناقضات من ماض وحاضر، وسلبي وإيجابي، وسمى حركتها في معادلة التطور والاضمحلال، وسمى ظروفها بعناوينها العامة، فإن ما ولخص النص بجوهره وروحه. ورغم ذلك نجد الشهيد يعرض نصاً ثالثاً وهو للينين حيث كتب:
قال لينين[5]:
[الديالكتيك بمعناه العام: هو دراسة التناقض في صميم جوهر الأشياء].
وليس من ريب ن نص لينين هنا عبارة عن مقولة، قانون، قاعدة. وهو بلا شك تكثيف مذهل للمفكر الماركسي في النظر إلى الكون وتفسيره، ولعل هذه الحقيقة واضحة من تعبير ليني نفسه، إذ يقول: الديالكتيك بمعناه العام: أي كان في صدد التقنين النهائي.
ونحن إذا مررنا بنظرة على هذه النصوص، وأخذنا في موقع الاهتمام تدرجها كما أوردها المفكر الصدر، لتلمسنا حرص هذا المفكر على توفير النص الدقيق، ولأدركنا حرصه على تلخيص فكرة الخصم بأجلى صورتها، فهو يبدأ بالنص المدرسي ذي التوضيحات التطبيقية لينتهي بالنص ذي الصبغة القانونية، أو لنقل النص القانوني. وهي دليل على الأمانة العلمية المثالية لدى المفكر الصدر.
الشاهد التطبيقي: دحض قوانين (الأناجيل):
وملاحظة ثالثة في منهجية (فلسفتنا) وهي تحاجج المدرسة الماركسية في قواعدها الرئيسية في المعرفة وتفسير الكون، إن فلسفتنا لم تكتف باستعراض النصوص القانونية لتبرهن على بطلانها بالدليل، بل شفعت ذلك بالشواهد التطبيقية التي جهد الماركسيون على انتقائها من هنا وهناك، خاصة أن الشاهد التطبيقي يلعب أحياناً دوراً مزدوجاً، أي:
أ – توضيح القانون.
ب – البرهنة على صدوق القانون.
والمفكر الصدر تابع الشواهد التطبيقية التي تذرع بها الماركسيون وناقشها بالتفصيل، ومن نماذج هذه المنهجية في الموقف من الماركسية في فلسفتنا العينات التالية:
على صعيد اجتماع الحقيقة والخطأ[6]… حيث استشهد إنجلز عليه بقانون بويل الشهير القائل (إن حجوم الغازات تتناسب عكسياً مع الضغط الواقع عليها إذا بقيت درجة حرارتها ثابتة).
على صعيد تناقضات التطور، حيث تحشد الماركسية جملة شواهد تطبيقية على صدق قانونها هذا، وقد ذكر منها الصدر أهمها وأوضحها، بما فيها:
تناقضات الحركة[7].
تناقضات الحياة أو الجسم الحي[8].
التناقض في مقدرة الإنسان على المعرفة[9].
التناقض في الفيزياء، بين الكهربائية الموجبة والسالبة[10].
تناقض الفعل ورد الفعل في الميكانيك[11].
تناقضات الحرب[12].
تناقضات الحكم[13].
وكل هذه التطبيقات مستلة من أناجيل الماركسية المقدسة وهي الآن عينات الاستشهاد لكل لاحق ماركسي وقد شرح المفكر الصدر معظمها بنصوصها الحرفية، وناقشها بالتفصيل مبيناً نقاط الضعف والخلل في فهمها أساساً ثم في مدى صلاحية الاستشهاد بها على المطلوب الماركسي ثانياً.
الدليل الماركسي:
والعنصر الرابع في منهجية الصدر وهو يناطح المدرسة الماركسية، هذا العنصر يتمثل في حرص مفكرنا على إيراد الدليل الماركسي على المقصود، ومن ثم يعمل على تزييفه وتجريده من أي قيمة علمية… أي أن الصدر لم يكتف بنقض مقولات الفكر الماركسي، بل عمد إلى الأدلة التي يوردها الماركسيون على هذه المقولات، فجلاها كما يريدون، ثم أنقض عليها ليبين زيفها. رغم أن الموضوعية العلمية تكتفي بإيراد الدليل على بطلان المقولة، وإن تزييف البرهان المصاغ عليها مؤونة زائدة، لأن هذا البرهان يصبح لاغياً إذا كان موضوعه لا يتمتع بأي قيمة علمية.
المفكر الصدر كان يلاحق الماركسية إلى أبعد نقطة كما في الحالة التي ذكرنا، وهي زيادة في المنهجية الممدوحة.
هذه الملاحظة نجدها في فلسفتنا مثلاً عندما نتعرض إلى (قيمة المعرفية) في الفلسفة الماركسية[14]، ودور التجربة في تفنيد المفهوم المثالي للكون[15] وفي مدى قدرة العقل الإنساني على معرفة الواقع الخارجي[16]، وغيرها من المجالات الفلسفية الأخرى.
منهجية البحث الفلسفي والعلمي:
والمفكر الصدر في نقده للفلسفة الماركسية في مضمار المعرفة والوجود عمد إلى استعراض الماركسية بكل مفاصلها الأساسية، وفي تركيبها المنطقي المتسلسل خطوة بعد خطوة، محافظاً بدقة وعناية فائقتين على صفة التراتبية المنطقية للماركسية. وعلى هذا الأساس جاء نقده في سياق استعراضي متواصل ومتعاضد لهذه المدرسة الفلسفية، ولكي نلمس هذه الحقيقة بوضوح نوجزها في السطور التالية:
لقد تناول الصدر المدرسة الماركسية ناقداً بالهيكلية أدناه.
أولاً: على مستوى نظرية المعرفة.
(1) مصدر المعرفة:
أ– على صعيد التصور حيث ترى الماركسية أن مصدره الحس[17].
ب- على صعيد التصديق حيث ترى الماركسية أن مصدره التجربة[18].
جـ – بالنسبة للفلسفة: إن ترفض الماركسية كل فلسفة لا تتصل بالتجربة[19].
(2) قيمة المعرفة:
أ – قدرة الماركسية على تفنيد التالية المطلقة[20].
ب – قدرة الماركسية على تفنيد المثالية النسبية لدى (كانت) وغيره[21].
ج- الحركة الديالكتيكية في الفكر[22]… وتناول ما يترتب عليها وفق الهيكلية التالية:
تطور الحقيقة وحركتها[23].
اجتماع الحقيقة والخطأ[24].
د – الماركسية والحقائق العلمية المطلقة[25].
هـ – انتكاس الماركسية في الذاتية (المثالية الماركسية)[26].
ثانياً: على مستوى المفهوم الفلسفي للعالم.
تعريف بالاتجاه الديالكتيكي المادي[27].
معنى الديالكتيك باعتباره طريقة في تفسير الواقع[28].
قوانين الدياكتيك الأربع
أ – حركة التطور[29].
ب – تناقضات التطور[30]… وتناول على هامشه:
الفهم الماركسي للتناقض.. كيف[31]؟
الهدف السياسي من الحركة التناقضية[32].
ج- قفزات التطور[33].
د- الارتباط العام[34].
التأرجح بين التناقض والعلية (الخلط الماركسي بينهما)[35].
الديالكتيك الماركسي والحقائق العلمية[36].
ثالثاً: على مستوى الإدراك.
علاقة الفكر بالمادة (مادية الفكر)[37]… تعريف به.
اللغة سبب الفكر (إذ أخذت الماركسية بنظرية بافلوف وخرجت بهذه النتيجة)[38].
إن نظرة شاملة على هذه الفقرات تبين لنا بوضوح أن الصدر ل يستوعب الفلسفة الماركسية فحسب، بل أضاف إلى ذلك أمانته العلمية وحرصه على خوض المعركة الشاملة والجذرية مع هذه المدرسة.
القسم الثاني
الممارسة النقدية
الصدر.. وماركس:
اتبع المفكر الصدر أساليب نقدية مع المدرسة الماركسية توفر على القارئ مهمة الإبحار في التفاصيل، فتتناول جذور المدرسة بالنقد والتمحيص، (ومن خصائص الفلسفة الماركسية إنها بناء مترابط، ولكن الإطاحة بالقوائم تؤدي إلى انهيار البناء برمته).
ولا بد من الإشارة أولاً أن السيد الشهيد قد ابتعد تماماً عن أسلوب التشهير والتسقيط والتهويل، رغم أن الماركسية يمكن أن تكون هدفاً لمثل هذه الممارسات المضادة، إذ أن مؤسسها يهودي، والأنظمة السياسية التي تقوم على أساسها تحكم الناس بالحديد والنار، وهي تنطوي – اضطراراً – على دعوة إلى المشاعية في كل شيء… ولكن رغم ذلك تأبى الصدرعن مثل هذه الأساليب، بل نجده أحياناً يقدر ماركس كفيلسوف ومفكر، ويشير إلى الماركسية بما يمكن في نشأتها من بواعث إنسانية رغم حلولها الخاطئة.
فالصدر في كتاب اقتصادنا يصف ماركس بـ (المفكر الكبير)[39]، وأنه صاحب الموهبة الفذة على التعبير[40]، وأن (العلاج الشيوعي للمشكلة الاجتماعية ناقص(…) وإن كانت تتمثل فيه عواطف ومشاعر إنسانية…)[41].
كما أن الصدر كان حذراً مما يقال عن حجم الممارسات القمعية للحكومة الروسية على لسان المصادر الغربية[42]، ولذلك اعتمد على المصدر الرسمي فحسب[43]، وقد أربأ عن نفسه كمفكر عن (التشهير)[44].
وهو بهذا الأسلوب يعكس ثقته بنفسه وعقله وقلمه، وببساطة نستطيع أن نكتشف الفارق بين أخلاقية الصدر النقدية وأخلاقية الماركسيين في هذا المجال إذا رجعنا إلى كتب لينين وستالين وبليخانوف وغيرهم، ففي الوقت الذي التزم فيه مفكرنا الصدر بأرقى القيم النقدية الأخلاقية الموضوعية، نجد الرهط الماركسي الأول يستخدم كل عبائر التشهير والتسقيط، بما فيهم فلاديمير لينين، وعودة بسيطة وسريعة إلى كتابه ب الدفاتر الفلسفية نجده مشحوناً بالهجوم اللفظي على الفلاسفة الآخرين، ولم يسلم من شتائمه حتى المفكرين الماديين. ليس لشيء إلا لأنهم ماديون ميكانيكيون وليسوا ماديين ديالكتيكيين، حتى هؤلاء أصاب السهم الماركسي بعضهم لأنه دعا إلى الموضوعية في دراسة علاقة الفكر الفلسفي بالتطور الاقتصادي، ولأنه رفض ربط الفلسفة كأفكار ونظريات وتصورات بالوضع الاقتصادي[45].
التناقض في الاستدلال الماركسي:
من أبرز الممارسات النقدية التي اتبعها المفكر الصدر مع الماركسية أنه قام باختبارها مع الماركسية أنه قام باختبارها على ضوئها، وخرج بنتائج مذهلة بهذه الطريقة العلمية في النقد… وهذه أمثلة تطبيقية سريعة.
أولاً: ترى الماركسية أن الحقيقة [العلمية، الفلسفية..] تتطور بفعل وحدة الاضداد، فكل شيء يحوي نقيضه الذي سوف يحل بديلاً عنه في عالم الفكر والوجود… ومن الطبيعي في مثل هذه الحال أن ننسف كل حقيقة خالدة، وعليه لا يحق للماركسية أن تدعي لنفسها صلاحية القدرة على تفسير الوجود، لأنها هي الأخرى سيطويها النقيض الرابض في أعماقها[46].
ثانياً: ترى الماركسية أن العقل مادة، ولذا فهو يتمثل الطبيعة المادية ويعسكها، وعلى هذا الأساس يمكن معرفة الطبيعة بصورة كاملة ولكن على هذا الأساس تكون قوانين الطبيعة متمثلة (في تفكير المادي الجدلي وتجري عليه، وفي التفكير المثالي والميتافيزي على السواء، كما تتمثل في جميع العمليات والظواهر الطبيعية، فلماذا يكون الفكر الماركسي معرفة صحيحة للطبيعة دون غيره من هذه الأمور؟! مع أنها جميعاً نتاجات طبيعية تعكس قوانين الطبيعة)[47].
ذلك أن الماركسية تعتقد أن العقل قادر على معرفة الطبيعة لأنه جزء منها، أي مادي، فلماذا إذن يكون رأي الميتافيزي خرافياً وساقطاً من الاعتبار العلمي كما يؤكد الماركسيون؟
ثالثاً: تحارب الماركسية النزعة الذاتية في المعرفة المتمثلة بالنسبة الذاتية وتؤكد على الطابع الموضوعي، وإذا قالت بالنسبية فإنما بلحاظ متحد مع الواقع المتطور وليس انعكاساً للذاتية، إلا أن الماركسية تعتقد في جانب آخر أن الفلسفة تعبر دوماً عن مصالح طبقة معينة، وعليه تكون هي الأخرى إفزازاً لمصالح طبقه ما، أي تتسرب النسبية الذاتية إلى الماركسية نفسها[48].
رابعاً: ترى الماركسية اجتماع الحقيقة والخطأ!! وكل نتيجة علمية أو فلسفية تنطوي على ماضي وحاضر، على إيجابي وسلبي، وعليه تحكم الماركسية على نفسها بأنها مزيج من صواب وزيف، من إيجاب وسلب، ومما يترتب على مثل هذه النتائج هو نسبية الماركسية، وبالتالي عدم قدرتها على أن ترتفع إلى مستوى الفلسفة الكاملة.
الماركسية والفهم الخاطئ:
ومن أبرز الأساليب النقدية التي حاكم بها المفكر الصدر الفلسفة الماركسية هو فهمها الخاطئ لكثير من المفاهيم والمقولات والنظريات الفلسفية، وخاصة على صعيدها الميتافيزي… وهذه أمثلة نموذجية.
أولاً: التقسيم غير العلمي:
يدعي الماركسيون أن الفكر الفلسفي إذا آمن بوجود واقع خارجي فهو بالضرورة مادي، وإذا لم يؤمن بذلك فهو مثالي..
وعلى هذا الأساس فإن الفلسفة مدرستان:
الأولى: مادية وهي التي تقر بالواقع خارج الذهن.
الثانية: مثالية وهي التي ترى الوجود مجرد تمثلات ذهنية.
ويزيف المفكر الصدر هذا التقسيم، لأنه غير قائم على أي ركيزة موضوعية، لأن الإيمان بكيان العالم لا يقود بالنتيجة إلى مادية، إذ لا علاقة ضرورية بين الأمرين.. ومن هذا المنطلق، فإن الأولى تقسيم الفلسفة إلى مدرستين:
أ – واقعية، أي تقول بالوجود الخارجي على أي صفة كان.. مادة أو طاقة أو كهارب أو أثير. وتندرج في هذه الخانة الفلسفة الإسلامية والماركسية.
ب – مثالية أي التي تنكر وجود العالم الخارجي، وتصر على أنه وجود مدرك فحسب[49].
ثانياً: السكونية الميتافيزية:
وميدان آخر تكشف فيه الماركسية عن فهمها الخاطئ ذلك هو علاقة الفلسفة الميتافيزية بالحركة، فالماركسية تقول (أن الديالكتيك خلافاً للميتافيزية، لا يعتبر الطبيعة حالة سكون وجمود، حالة ركود واستقرار؛ بل يعتبرها حالة حركة وتغير دائمين). ومكمن الفهم الخاطئ هو أن الميتافيزية لا تنكر حركة الوجود، بدليل أنها تتضمن دليلاً على وجود المبدأ الأعلى وعنوانه الأساس (دليل الحركة).
إلا أن القضية هنا أن تفسير الميتافيزياء للحركة يختلف عن تفسير الديالكتيك لها، فالتغير والتبدل في دنيا الطبيعة يدركها حتى الأطفال[50]، ولا يوجد ميتافيزي ينكر أن الوجود سلسلة من التطورات لأنها تملأ الحواس بالمباشرة العينية، ولكن الميتفايزي يرفض إرجاع الحركة إلى صراع التناقضات كما هو الماركسي. ولعل الميتافيزياء تتعرض إلى الحركة بأعمق وأوسع مما تعرض له الفلسفة الماركسية، وهذا يبدو واضح من حديثها المستفيض عن هذا الموضوع، بدءاً من تعريف الحركة وميادينها حيث تكون الحركة الجوهرية أعلى مقصد فلسفي في هذا المجال.
ثالثاً: التناقض:
ومن أدق المجالات التي حاكم بها المفكر الصدر الماركسية هو فهمها الخاطئ للتناقض… فالفكر الماركسي تخبط في هذا المجال على أكثر من صعيد…
أ – إنه يخلط بين التناقض والتضاد، فيما الأول وجود وعدم والثاني أمران وجوديان يتعاقبان على الموضوع الواحد.
ب – يسمي التقابل بين الأشياء اجتماعا!! فالفعل يقابله رد فعل، والشحنة الموجبة تقابلها شحنة سالبة، والحرب يقابله سلم… هذه التقابلات تعني حقيقتين متواجهتين، فيما يعطيها الماركسيون اسم (اجتماع المتناقضات)[51].
رابعاً: مبدأ عدم التناقض:
واساءت الماركسية فهم (مبدأ عدم التناقض) الذي يقول به المنطق العقلي، فذهبت إلى أن هذا المنطق يقول: إن كل نفي يناقض كل إثبات، وكل إثبات يناقض كل نفي… وهو تصور غير صحيح على الإطلاق، وزبدة المبدأ أن الإثبات يتناقض كل نفي… وهو تصور غير صحيح على الإطلاق، وزبدة المبدأ أن الإثبات يتناقض مع نفيه بالذات لا مع نفي آخر[52]، واعتقد أن الفارق بين الحالتين واضح جداً. وهذا الفهم الساذج لمبدأ عدم التناقض هو الذي ساق الماركسية إلى اتهام الميتافيزياء بالسكونية، والحال أن جوهر المبدأ لا علاقة له بهذا أبداً، وهو لا يتعارض مع الإقرار بحركة الأضداد الخارجية.
المحاكمة الموضوعية:
ويتناول المفكر الصدر كبرى المقولات والادعاءات والمحاولات الماركسية بالمحاكمة الموضوعية الهادئة، أي بلغة العلم المجرد… ومن هذه المحاكمات:
أولاً: إثبات الواقع الموضوعي:
الماركسية تدعي أن إثبات الواقع الموضوعي إنما يتم بالتجربة، أي أن التجربة هي الطريق إلى إثبات الحقيقة الكونية الخارجية.. يزيف المفكر الصدر هذه الدعوى برد سريع حاسم.. إنه برهان باطل لأن التجربة ذاتها جزء من الواقع الخارجي[53]!!
ثانياً: تفسير الحركة:
وترى الماركسية أن الحركة تتم بموجب حركة التناقضات في داخل الشيء الواحد. ولكن إذا كانت هذه التناقضات كلها موجود وبالفعل. فهذا يعني الجمود المطلق، لأنه يعني أن الحركة في كل لحظة، وكل مرحلة تحتوي على فعليتين، وعليه لا حركة على الإطلاق. وإن كان المعني أن الشيء فعل في درجة وقوة في درجة، والحركة إنما هي انتقال من القوة إلى الفعل المستقبلي، فهذا يحتم وجود علةٍ خارجة تقود الاستعداد إلى مرحلته الفعلية المنتظرة، وهو ذات التفسير الميتافيزي للحركة[54].
ثالثاً: تعريف المادة:
ويتناول فيه المفكر الصدر تعريف لينين للمادة القاضي بأنها الواقع الخارجي على أي حقيقة كانت، وقد اضطر ليني لهذا اللون من التعريف بعد أن سلخ العلم الصفة المادية من العناصر وأرجعها إلى الطاقة. ونقطة الضعف في التعريف أنها عودة إلى المجهول، وهروب من نتائج العلم، ثم إعطاء المادة صفة غير صفتها المعهودة علمياً، فما يدرينا قد يقول العلم أن الحقيقة خارج الذهن مجرد فكرة، ومن ثم ما هو موقف لينين؟
هذه هي الخطوط العريضة لمنهج الصدر في نقد الفلسفة الماركسية، وهي تعتمد العلم والموضوعية بعيداً عن التشهير والتزييف، والمنهج عموماً يدلل على عبقرية هذا الفكر فضلاً عن موضوعيته الفائقة.
غالب حسن
[1] مجلة المنطلق العدد : 42- شعبان 1408 هـ .
[9] ن . م ص230.
[15] ن . م ص 145، 146، 149، 150، 151.
[18] ن . م ص79، 80، 81.
[19] ن. م ص 145، 146، 148، 149، 150، 151.
[20] ن. م ص 152، 153، 154، 155، 156، 157، 158 .
[21] ن . ص 159، 160، 161، 162، 163.
[22] ن . م ص 163، 164، 165، 166، 167، 168.
[24] ن.م ص ن.م ص 172، 173، 174، 175.
[27] ن. م ص 190، 191، 192، 193، 194، 195.
[28] ن.م ص 197، 198، 199، 200، 201، 202، 203، 204، 205، 206، 207، 208، 209، 210، 211، 212، 213، 214، 215، 216، 218.
[29] ن.م ص 219، 220، 221، 222، 223، 224.
[30] ن.م ص 225، 226، 227، 228، 229، 230، 231، 232، 233، 234، 235، 236،.
[31] ن.م ص 237، 238، 239، 240.
[32] ن.م ص 241، 242، 243، 244، 245، 246، 247، 248، 249، 250.
[33] ن.م ص 251، 252، 253، 254، 255.
[49] فلسفتنا ص 118، 119، 120، 121.