الحكومة الإسلامية من منظور الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: حکومت اسلامی از نگاه شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

مقالة “الحكومة الإسلامية من منظور الشهيد الصدر” من تأليف يعقوب علي برجي نُشرت في مجلة ثقافة الجهاد، ربيع ١٣٨٢، العدد ٣١.

العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر هو أحد الفقهاء المعاصرين لـالإمام الخميني قدس سره، الذي تناول بدقة وعمق الفكر السياسي الشيعي في أبعاده المختلفة، لا سيما في بعد القيادة. ومن آثار الشهيد الصدر المستفادة أنه توصل خلال حياته القصيرة والمباركة إلى ثلاث نظريات سياسية في موضوع القيادة.

أ) الحكم الانتخابي بناءً على الشورى. وقد أبدى هذه النظرية في سنة 1378 هـ ق في كتاب الأسس الإسلامية.

ب) ولاية عامة انتصابية للفقهاء. وقد عرض هذه النظرية في سنتي 1395 و1396 هـ ق في تعليقات على الرسائل العملية منهاج الصالحين والفتاوى الواضحة.

ج) خلافة الشعب تحت إشراف المرجعية. وقد كتب الشهيد الصدر هذه النظرية قبل استشهاده بسنة واحدة في سنة 1399 هـ ق ردًا على سؤال ستة من علماء لبنان في شرح مبادئ الجمهورية الإسلامية في مجموعة مختصر الإسلام يقود الحياة في الحلقة الرابعة بعنوان خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء.

تعتبر نظرية «الانتخاب» أول نظرية سياسية للشهيد الصدر، لكنه تراجع عنها في مراحل تطور فكره السياسي اللاحقة.

1ـ نظرية ولاية عامة انتصابية للفقهاء

أكد الشهيد الجليل الصدر في كتابه القيم الفتاوى الواضحة على «ولاية عامة الفقيه» وكتب:

«كما مرّ، حين تتوفر الشروط الشرعية التي تُعتبر في المرجع التقليد في المجتهد المطلق، يجوز للمكلف أن يقلده. هذا المجتهد يمتلك ولاية عامة شرعية على جميع شؤون المسلمين، بشرط أن يكون كفؤًا ومؤهلاً دينيًا وواقعيًا لتولي هذا المنصب. المجتهد المطلق يتولى أيضًا ولاية القضاء، ولهذا يُقال له الحاكم الشرعي. في القسم الرابع من هذا الكتاب سيناقش موضوع ولاية عامة الفقيه وولاية القضاء وأحكامها.»[1]

وفي هامش كتاب منهاج الصالحين في بحث «نقض حكم الحاكم» كتب:

«إذا كان حكم الحاكم مستندًا إلى الواقع كما في قضايا المرافعات، فلا يجوز نقضه، ومن يعلم مخالفة الحكم للواقع يجوز له تحميل آثار الواقع عليه. أما إذا صدر حكم الحاكم بناءً على ولاية عامة يمتلكها على جميع شؤون المسلمين، فلا يجوز نقضه بأي حال، حتى مع العلم بالمخالفة، ولا يجوز لمن يعلم مخالفة الحكم للواقع أن يعمل وفق علمه.»[2]

وفي مقام الرد على استفتاء حول أدلة ولاية الفقيه، كتب الشهيد الصدر:

«هنا توجد روايات متعددة أخرى (غير التوقيع)، لكننا نعتبر التوقيع منها حجة.»[3]

2ـ نظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء

أسس الشهيد الصدر نظرية خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء على ركيزتين: الأولى خلافة الإنسان، والثانية شهادة الأنبياء.

الركيزة الأولى: خلافة الإنسان

أشار الشهيد الصدر في شرح هذه الركيزة إلى خمسة أمور.

أ) قيمة وأهمية خلافة الإنسان

كتب في هذا الصدد:

«لقد شرف الله الإنسان بخلافته على الأرض، وميّزه على جميع عناصر الكون، وجعله خليفته على الأرض. وبفضل هذه الخلافة، استحق الإنسان أن تسجد له الملائكة وأن تطيع كل القوى الظاهرة والخفية في العالم.»[4]

ب) خلافة جميع البشر

أصر الشهيد الصدر على أن هذه الخلافة التي تحدث عنها الله في آيات القرآن ليست محصورة في آدم فقط، بل المقصود جنس الإنسان بشكل عام.[5]

ج) نطاق خلافة الإنسان

كتب الشهيد الصدر عن نطاق خلافة الإنسان:

«الله هو رب الأرض وجميع خيراتها، وهو أيضًا رب الإنسان والحيوان وكل ذي روح منتشر في الكون الواسع. وبذلك، فإن خليفة الله على الأرض، أي نائبه في كل هذه الأمور. ومن هنا، فإن مسألة خلافة الإنسان في القرآن هي في الحقيقة أساس حكم الإنسان على الوجود، وحكم الناس جميعًا ينبع من أصل هذه الخلافة… وهذا هو المفهوم الصحيح الذي يقدمه الإسلام لخلافة الإنسان على الأرض. أي أن الله جعل البشر نوابه في الحكم، وأسند إليهم قيادة وإعمار العالم من الناحيتين الاجتماعية والطبيعية. وبذلك، يصبح حكم الإنسان على نفسه قائمًا على هذا الأساس. كما أن حكم الناس على بعضهم البعض، أي حق السيادة الوطنية، يمكن أن يكون مشروعًا وقانونيًا باعتبارهم خلفاء الله.»[6]

د) نتائج الفهم الصحيح لمفهوم خلافة الإنسان في المجتمع

يرى الشهيد الصدر أن الفهم الصحيح لمفهوم خلافة الإنسان يترتب عليه النتائج التالية في المجتمع:

أولًا: إن المجتمع الإنساني قبل أي انتماء أو ارتباط هو تابع ومنسوب إلى مركز واحد، وهو الله تعالى الذي جعله خليفته على الأرض؛

ثانيًا: يجب أن تقوم العلاقات الاجتماعية على عبادة خالصة لله؛

ثالثًا: يجب أن تتجسد وتتحقق روح الأخوة العامة في جميع أبعادها الاجتماعية بعد زوال كل أشكال الاستغلال والهيمنة بألوانها المختلفة؛

رابعًا: معنى خلافة الإنسان هو الأمانة والموثوقية، ولهذا وصف القرآن الكريم خلافة الإنسان بـ«الأمانة».

يعتقد الشهيد الصدر أن الأمانة مسؤولية، وفي كلمة الأمانة يكمن شعور بالألم تجاه أداء الواجب، والمسؤولية علاقة ذات طرفين، من جهة تجلب الالتزام، الالتزام بالقانون والعدل، وهذا الالتزام هو ما ميز الخلافة الإلهية في مفهومها القرآني عن حكم الناس على الناس في الأنظمة الديمقراطية الغربية. ومن جهة أخرى، المقصود بالمسؤولية الإنسانية هو أن الإنسان كائن حر، وبدون الحرية لا معنى للمسؤولية. فقد وضع الله كائنًا حرًا مختارًا على الأرض ليتمكن بحرية من اختيار طريقه بنفسه.[7]

هـ) هدف الخلافة الإنسانية

يعتقد الشهيد الصدر أن الهدف من خلافة الإنسان هو أن يتمكن الإنسان من تحقيق القيم المشابهة لتلك التي تتجلى في وجود الله، في وجوده كخليفة لله. أي أن صفات الله من عدل وعلم وقدرة ورحمته على المستضعفين وانتقامه من الجبارين والمستكبرين، وعفوه اللامتناهي، كلها يجب أن تنعكس في سلوك المجتمع الذي أصبح «خليفة الله» وفي أهدافه. ورد في الحديث: «تشبّهوا بأخلاق الله»؛ أي قربوا أنفسكم من أخلاق الله.

ونظرًا لأن هذه المكارم الأخلاقية في مستواها الإلهي مطلقة ولا متناهية، يجب على المجتمع البشري توفير الشروط اللازمة للحركة المستمرة والدائمة نحو هذا الهدف المطلق، وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس هذه الخلافة الإلهية.[8]

الركيزة الثانية: شهادة الأنبياء

وضع الشهيد الصدر الركيزة الثانية الأساسية لنظريته حول إقامة الدولة الإسلامية على مفهوم «الشهادة». هذا المصطلح في فكره يأخذ معنى سياسيًا ويتجاوز الجانب القانوني البحت. في هذا الجزء نقدم تقريرًا مصنفًا عن هذه النظرية للشهيد الصدر تحت العناوين التالية.

1ـ ضرورة وجود الشاهد

وأشار إلى الخصائص الفطرية للبشر وإمكانية وقوع الخطأ والنسيان والمعصية والظلم، واعتبر ضرورة وجود خط الشهادة إلى جانب خط الخلافة ضرورية لاستكمال خط الخلافة وحمايته من الانحراف، وكتب:

«لقد رسم الله العظيم إلى جانب خط خلافة الإنسان على الأرض، خط شهادة الأنبياء، شهادة تدل على تدخل الله لحفظ خليفته من الانحراف وقيادته نحو الكمال؛ لأن الله يعلم ما يجري في قلب الإنسان. يعرف قدراته ومواهبه وإدراكاته جيدًا… كما يعرف نقاط ضعفه وبؤسه جيدًا. لذلك، إذا ترك الإنسان لحاله ليؤدي دوره بدون توجيه وهداية إلهية، تصبح خلقته بلا هدف ولا معنى، ولا يبقى من الإنسان «خليفة الله» سوى مركز للشهوات والاستبداد والاستغلال، وحتى لا يتدخل الله في هداية الإنسان، فإن كل الأهداف العظيمة للإنسانية التي رسمت له في بداية الطريق ستؤول إلى الضرر والخسارة. نحن نسمي هذا التدخل الإلهي في هداية الإنسان خط الشهادة أو شهادة الأنبياء.»[9]

2ـ أنواع الشهود

وأشار الشهيد الصدر إلى الآية 44 من سورة المائدة التي تقول:

«لقد أنزلنا التوراة التي فيها هدى ونور، ليحكم بها النبيون والربانيون والأحبار الذين كانوا يحرسون كتاب الله ويشهدون به.»[10]

وكتب:

«الفئات الثلاث التي تشير إليها هذه الآية هي الأنبياء، والربانيون، والأحبار (العلماء). الأحبار هم علماء الدين، والربانيون هم درجة بين الأنبياء والعلماء الدينيين، أي مقام القادة المعصومين. إذًا، يتحقق خط الشهادة في ثلاث مجموعات: 1ـ الأنبياء، 2ـ الأئمة ـ الذين هم في الحقيقة امتداد وتوسيع لخط الربانية النبوي ـ، 3ـ المرجعية التي هي امتداد متقدم لخط النبي والإمام في مسألة الشهادة والإفادة.»[11]

3ـ المسؤوليات المشتركة للشهود

ذكر ثلاث مسؤوليات مشتركة للشهود:

1ـ استيعاب الرسالة السماوية وحفظها ورعايتها؛

2ـ الإشراف والمراقبة على سلوك الناس في أداء دورهم في الخلافة العامة، ومسؤولية توجيههم وإرشادهم بما يتعلق بالرسالة السماوية وأحكامها ومفاهيمها؛

3ـ منع الانحراف واتخاذ كل التدابير الممكنة لصحة المسار.[12]

4ـ الفروق الأساسية بين شهادة المعصوم والمرجع

الفروق الأساسية بين شهادة المعصوم والمرجع هي:

1ـ مقام النبوة والإمامة المعصومة غير مكتسب، بل هو منحة من الله، أما الوصول إلى مقام المرجعية فهو مكتسب؛

2ـ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والإمام ـ عليه السلام ـ محددان من الله بالاسم والصفات، أما المرجع فاختياره وتطابق الشروط مع الشخص المؤهل موكول إلى الناس؛

3ـ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والإمام ـ عليه السلام ـ معصومان معصمة مطلقة، بينما المرجع يتمتع بصفة العدالة.

ويرى الشهيد الصدر أن العدالة قريبة من العصمة لكنها ليست عصمة؛ لأن المرجع نفسه له شاهد وشهيد يُدعى الإمام الذي هو قدوته ونموذجه.[13]

5ـ شروط الشهود

يعتقد الشهيد الصدر أنه يمكن استنباط أربعة شروط رئيسية للشهود من جمع وترتيب الآيات المتعلقة بالشهادة في القرآن:

1ـ العدالة؛

وقد عرف العدالة بأنها:

«السلوك المبني على الاعتدال والالتزام بالوسطية.»

2ـ العلم والشمولية بالنسبة للرسالة والمعرفة الكافية بكتاب الله؛

3ـ العلم والوعي بأوضاع الزمان؛

وقد برر الشهيد الصدر ضرورة هذا الشرط قائلاً:

«المراقبة بدون وعي ومعرفة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية لا معنى لها. ما يُطلب من الشاهد هو السيطرة على الأوضاع والظروف والمراقبة الكاملة لها.»[14]

4ـ الكفاءة والجدارة.

ويرى الشهيد الصدر أن تحقيق هذا الشرط يحتاج إلى الحكمة، والتعقل، والبصيرة، والصبر، والشجاعة.

التطور التاريخي لخلافة الإنسان والشهادة على الأرض

من وجهة نظر الشهيد الصدر، مر خطا خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء بمراحل تاريخية في تطور المجتمعات البشرية، وفي بعض المراحل كان هذان الخطان مجتمعين في شخص النبي، الذي كان شاهدًا على الأمة وقائدًا للمجتمع، وفي مراحل أخرى كانا منفصلين. استنبط الشهيد الصدر هذا التطور التاريخي من الآية 213 من سورة البقرة التي تقول:

«كان الناس أمة واحدة، وحين وقع الخلاف بينهم، أرسل الله الأنبياء بالرسائل المبشرة والناهية، وأنزل معهم الكتب بالحق ليحكموا بينهم في مسائل الخلاف.»[15]

وقد روى في تفسير الآية عن الإمام محمد الباقر ـ عليه السلام ـ قوله:

«كان الناس أمة واحدة على الفطرة الإلهية، ثم أرسل الله الأنبياء (لرفع الخلاف).»

ويعتقد الشهيد الصدر أنه في ضوء الآيات والروايات يمكن فهم أن خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء قد مرت بالمراحل التالية:

1ـ مرحلة الفطرة الأولى: في هذه المرحلة بدأ الإنسان خلافته في الأرض بتشكيل أمة واحدة، وكانت أسس هذا المجتمع الإلهي تتكون من الفطرة الإنسانية الطاهرة. وكان دور شهادة الأنبياء في هذه المرحلة توجيهياً وإرشادياً فقط؛ لأن بعثة الأنبياء لحكم الناس تتعلق بالمرحلة التي تلي مرحلة كونهم أمة واحدة، وهذا يدل على أن الخلافة والحكم على المجتمع البشري في هذه المرحلة قد تُركت للناس أنفسهم.[16]

2ـ مرحلة الخلاف: بعد فترة من تحقق خلافة الإنسان في الأرض وتكوين مجتمع قائم على الفطرة والوحدة، ظهرت التنازعات والخلافات واحدة تلو الأخرى مع انتشار ذرية آدم.

في هذا الوقت، لجأ المجتمع إلى أنواع مختلفة من الاستغلال والظلم، وبدأ الانحراف عن مسار الفطرة، فغالبية الناس، عدا فئة من المستضعفين، وقعوا في الظلم والاضطهاد.[17]

3ـ مرحلة خلافة وشهادة الأنبياء والأئمة: بعد مرحلة الخلاف وعجز البشر، كُلف الأنبياء بتحقيق الخلافة العامة للإنسان في الأرض، وشرعوا في ثورة ضد الظلم والاضطهاد، والتي انتهت إلى خلافة الإنسان وتأسيس الدولة على الأرض بيد الأنبياء. بالإضافة إلى الدور الإرشادي، قام الأنبياء بدورين جديدين هما: تربية الإنسان المجاهد وتحقيق الثورة والتغيير في المجتمع. في هذه المرحلة، اجتمعت خطا خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء في شخص النبي، وكانت الإمامة استمراراً للخط المشترك لشهادة وخلافة النبي.[18]

4ـ شهادة ومراقبة مراجع التقليد: في هذه المرحلة، انفصل خط الشهادة عن خط الخلافة بعد أن كانا متصلين في شخص النبي والإمام، فخُصّ خط الخلافة للشعب، وخُصّ خط الشهادة لمراجع التقليد. ويتحمل خط الشهادة ثلاث مهام جسيمة:

1ـ حفظ الشريعة ورسالة النبي من مكائد المعاندين، وشبهات الكافرين، وفتنة الفاسقين؛

2ـ توظيف الاجتهاد في فهم الأحكام الإسلامية؛

3ـ المراقبة الدقيقة في تنفيذ أحكام الإسلام بين الناس.

تحديد المرجع الشاهد على الأمة يكون بواسطة الصفات والخصائص العامة التي وضعها الله، لكن تطبيقها على المراجع يعود للأمة.

أما بالنسبة لخط الخلافة في عصر الغيبة، فهناك احتمالان. الاحتمال الأول أن تكون الأمة خاضعة لسلطة الطاغوت ولا تملك حرية، ولا تستطيع ممارسة حقها في الخلافة العامة. في هذه الحالة، يعود خط الخلافة مثل خط الشهادة إلى المرجع، ويجب عليه تحمل كلا الخطين.

الاحتمال الثاني أن تحرر الأمة نفسها من تحت سلطة الطواغيت بحركة تحريرية. في هذه الحالة، يعود خط الخلافة إلى الناس أنفسهم، وتُسند مسؤولية القيادة السياسية والاجتماعية إلى الشعب، وهذا يستفاد من الآيتين التاليتين:

«وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ»

«الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ»

الآية الأولى تقول إن الناس مؤهلون لتدبير شؤونهم بأنفسهم، وفي الأمور التي لا يوجد فيها أمر صريح، يحلونها بالمشورة.

الآية الثانية تعطي كل مسلم حق الولاية والسلطة على الآخر، وتشير إلى مسألة الأمر بالمعروف كمثال، وهذا حق يتساوى فيه الجميع. بناءً على هذين المبدأين، يجب عند وقوع الخلاف الاستعانة بالشورى والرأي. وهكذا، في عصر الغيبة، تُقسم مسؤوليات الخطين بين المرجع والشعب.[19]

التحليل

كما رأينا، يستفاد من أقوال الشهيد الصدر أن خط الشهادة (الشهادة) في عصر الغيبة قد انفصل أساساً عن خط الخلافة، فخط الخلافة أُسند إلى الناس، وخط الشهادة إلى مراجع التقليد.

ولكن إذا كانت الأمة خاضعة لسلطة الطاغوت، فإن المراجع تتحمل مسؤولية خط الخلافة كما تتحمل خط الشهادة، وعندما تنضج الأمة وتتحرر من سلطة الطواغيت، يعود خط الخلافة إلى الناس، وتُسند المسؤولية السياسية والاجتماعية إليهم.

طريقة ممارسة خلافة الناس تكون بأن يختار الناس من بينهم شخصاً، ويسلمون إليه زمام أمور المجتمع.

كما تقدم، استدل الشهيد الجليل على صحة هذا الرأي بآيتين: الأولى آية الشورى «أمرهم شورى بينهم»، والثانية آية «المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض». وهو يرى أن هاتين الآيتين تكملان بعضهما البعض وتثبتان الرأي المذكور؛ لأن الآية الأولى تثبت أن رأي الناس في اختيار ولي الأمر حجة، لكن يبقى سؤال: في حالة تعارض رأي الأكثرية من العامة مع رأي الأقلية من العلماء والمثقفين، أي الرأيين يُقدم؟ هل الكمية هي المعيار أم الجودة؟ هناك غموض في ذلك.

الآية الثانية تزيل هذا الغموض وتثبت أن حق الولاية والسلطة للشعب، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو حق يتساوى فيه الجميع. لذلك، في حالات تعارض الجودة مع الكمية، تُقدم الكمية ويُعمل برأي الأكثرية.

الرأي السابق قابل للنقاش من عدة جوانب:

1ـ لا تدل أي من الآيتين المذكورتين على الادعاء ولا تثبت الادعاء السابق؛ لأن الاستدلال بآية الشورى قائم على هذا المفهوم بأن يُستفاد من آية حجية رأي أكثر الناس في اختيار ولي الأمر، مع أن هذا المفهوم لا يُستفاد من الآية؛ لأن الآية وردت في سياق آيات تهدف إلى بيان الصفات والأعمال التي تؤدي إلى نجاة الإنسان وكنز يوم القيامة، وهذه الصفات كانت قابلة للتفعيل للمؤمنين في زمن صدور الآية؛ مثل: الابتعاد عن الكبائر، العفو والتسامح، إقامة الصلاة…[20]، وقد ذُكر المشورة ضمن هذه الصفات، وحال أن أخذ المشورة بمعنى حجية رأي أكثر الناس في اختيار ولي الأمر لم يكن قابلاً للتطبيق والتفعيل للمؤمنين في زمن النبي؛ لأن من ضروريات الإسلام أن ولي الأمر في المجتمع لا يُنتخب برأي أكثر الناس في وجود النبي.

لذا، المقصود من «أمرهم» في آية «الولاية» ليس الولاية، وهدف المشورة ليس حجية رأي أكثر الناس، بل المقصود من الآية هو الاستفادة من فكر الآخرين وتوضيح الأمر باستخدام وجهات نظرهم، ونتيجة لذلك، مضمون هذه الآية يتطابق مع الآية الكريمة «وشاورهم في الأمر».

دلالة الآية الثانية على الادعاء مشروطة بأن يكون المقصود من «الولاية» في الآية معنى أولوية التصرف لا النصرة والمساعدة. مع أن الآية تتوافق مع المعنيين.

تفريع «الأمر بالمعروف» أيضاً لا يؤيد المعنى الأول؛ لأن الأمر بالمعروف… يتوافق مع المعنيين، ولا يوجد دليل يدل على حمل «الولاية» في الآية السابقة بمعنى الأولوية.[21]

2ـ الشهيد صدر فرّق بين حالتين: الحالة التي يكون فيها الناس خاضعين لسلطة الطاغوت، والحالة التي لا يكونون فيها كذلك، وفي الحالة الأولى يرى أن خط الخلافة يعود إلى شخص المرجع، وفي الحالة الثانية يعود خط الخلافة إلى الناس أنفسهم، وخط الشهادة يقع على عاتق المراجع.

السؤال المطروح هنا هو: لماذا فرق بين هاتين الحالتين؟ إذا كان يعتبر أدلة ولاية الفقيه كاملة، ففي كلتا الحالتين تكون زمام الأمور بيد الفقيه، وإذا لم يعتبرها كاملة، فلا تكون الخلافة والولاية بيد المرجع في أي من الحالتين.

حاول بعض تلاميذ الشهيد صدر تقديم تفسير لهذا التمييز بين الحالتين. وفقاً لرأيهم، يرى الشهيد صدر أن زمام الأمور مُسَلَّم إلى الناس أنفسهم، لكن عندما يكون الناس تحت سلطة الظالم، في هذه الحالة يتولى الفقيه والمرجع مسؤولية الخلافة. لأن في هذه الحالة الفقيه هو القادر المتيقن، بالإضافة إلى أنه يمكن الاستفادة من التوقيع الشريف لإثبات ولاية وخلافة الفقيه في هذه المرحلة؛ لأن العقل والملاءمة بين الحكم والموضوع تدل على أن التوقيع الشريف مقيد بمقدار قصور المولى عليه.

لذا، في القضايا الفردية لا يمكن إثبات ولاية الفقيه على الإنسان البالغ العاقل غير الغائب وغير القاصر من خلال التوقيع الشريف. والأمر نفسه ينطبق على القضايا الاجتماعية. الناس الذين تحت السلطة هم قاصرون ويخضعون للولاية، أما الناس الأحرار فهم راشدون ولا يحتاجون إلى ولي وقيم.[22]

هذا العالم نفسه يدرك أن هذا التفسير غير قابل للدفاع؛ لأن مقارنة المجتمع والقضايا الاجتماعية بالقضايا الفردية هي مقارنة مع الفارق؛ لأننا نقبل أن الفرد البالغ العاقل… لا يحتاج إلى متولي وقيم، لكن المجتمع البشري لا يكون أبداً في حاجة إلى زمامدار ومتولي.

وفقاً لأي من النظريتين (الاختيار أو التعيين) يحتاج المجتمع إلى زمامدار ولا يكون في غنى عن متولي. لكن وفقاً لنظرية الاختيار يختار الناس أنفسهم الزمامدار، ووفقاً لنظرية «التعيين» يحدده الله والأئمة، ومن ثم فإن شرعيته من عند الله، والقبول والقبولية من جانب الناس فقط.

3ـ حدد الشهيد صدر للمرجع والفقيه في عصر الغيبة ثلاث مهام مهمة:

1ـ حفظ الشريعة، 2ـ الاجتهاد، 3ـ المراقبة الدقيقة لتنفيذ أحكام الإسلام بين الناس.

سؤالنا هو: إذا في عصر الغيبة انفصل خط الشهادة عن خط الخلافة، وعاد خط الخلافة إلى الناس أنفسهم، وتُسند مسؤولية القيادة السياسية والاجتماعية إلى الناس، فبأي قوة وإمكانيات يؤدي الفقيه مهمة حفظ الشريعة والمراقبة الدقيقة على تنفيذ الأحكام؟

[1] «المجتهد المطلق إذا توفرت فيه سائر الشروط الشرعية في مرجع التقليد … جاز للمكلف أن يقلده، كما تقدم، وكانت له الولاية الشرعية العامة في شؤون المسلمين شرط أن يكون كفؤاً لذلك من الناحية الدينية والواقعية. وللمجتهد المطلق أيضاً ولاية القضاء ويسمى على هذا الأساس بالحاكم الشرعي وسيأتي الحديث عن الولاية العامة والقضاء وأحكامه في القسم الرابع من الفتاوى الواضحة إن شاء الله.» الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1403 ق، ج 1، ص 115، م 23.

[2] «إذا كان الحكم كاشفاً عن الواقع كمورد المرافعات فلا يجوز نقضه حتى مع العلم بالمخالفة ويجوز للعالم بالمخالفة أن يرتب آثار الواقع المنكشف لديه. وأما إذا كان الحكم على أساس ممارسة المجتهد لولايته العامة في شؤون المسلمين فلا يجوز نقضه حتى مع العلم بالمخالفة ولا يجوز للعالم بالخطأ أن يجري على وفق علمه.» منهاج الصالحين بهامشه التعليق عليه، تأليف سيد محمدباقر الصدر، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1396 ق، ج 1، ص 11، م 25.

[3] «هناك روايات أخرى عديدة غير أن ما نعتمد عليه هو التوقيع خاصة في إثبات الولاية العامة.» من خط يد الشريف الشهيد صدر الذي صورته بحوزة الكاتب.

[4] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1399 ق، ص 13.

[5] المرجع نفسه.

[6] المرجع نفسه، ص 14.

[7] المرجع نفسه، ص 15 ـ 19.

[8] المرجع نفسه، ص 21.

[9] المرجع نفسه، ص 23.

[10] سورة المائدة (5) آية 44.

[11] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص 24.

[12] المرجع نفسه، ص 25.

[13] المرجع نفسه، ص 25.

[14] المرجع نفسه، ص 28.

[15] «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» سورة البقرة (2) آية 213.

[16] خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ص 33.

[17] المرجع نفسه، ص 34.

[18] المرجع نفسه، ص 39.

[19] المرجع نفسه، ص 47 ـ 52.

[20] سورة الشورى (42) آيات 36 ـ 39.

[21] ولاية الأمر في عصر الغيبة، سيد كاظم حسيني حائري، ص 166.

[22] ولاية الأمر في عصر الغيبة، سيد كاظم حسيني حائري، ص 137 وما بعدها.