ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مقایسه اصولی قلمرو حجیت عقل در آثارمکتوب اصولی شهید صدر و شیخ انصاری ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: إن دراسة نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي من وجهة نظر الشهيد الصدر والشيخ الأنصاري، هي الموضوع المحوري لهذا المقال. في مجال حجية الأحكام والمُدرَكات العقلية كأحد مصادر الحكم الشرعي وأداة لفهم المصادر الأخرى، يوجد اختلاف في الرأي بين علماء أصول الفقه. في هذا المقال، تم مقارنة وجهة نظر هذين العالمين البارزين من خلال دراسة وصفية وجمع ملاحظات من جميع مؤلفاتهم الأصولية (سواء كانت تقارير أو تأليفات). كلا الفقيهين يؤمنان بقدرة العقل على الإدراك، ويعتبران العقل أداة للإدراك، بالإضافة إلى ذلك، يقبلان بالحسن والقبح وارتباطهما. رأي الشهيد الصدر في «الحلقات» قريب من رأي الشيخ الأنصاري؛ بحيث يقسم كلاهما الدليل إلى شرعي وعقلي، ويقسم الدليل العقلي إلى قسمين مستقل وغير مستقل. ومع ذلك، فإن تقسيم الشيخ الأنصاري في «مطارج الأنظار» يعتمد على التوقف أو عدم التوقف على الدليل الشرعي؛ في حين أن الشهيد الصدر فصل الدليل العقلي إلى عقل نظري وعقل عملي. كما أن المرحوم الشيخ في «فوائد الأصول» بالإضافة إلى اعتبار حكم العقل القطعي حجة، يؤمن بأن الدليل العقلي مقدم على الدليل النقلّي في حالة تعارض الدليل النقلّي مع العقل البديهي أو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، وهو أمر لم يشِر إليه الشهيد الصدر. في المقابل، طرح الشهيد الصدر في الدليل العقلي المستمد من العقل النظري بابين: «الإمكان والاستحالة» (غير مستقل في إثبات الحكم الشرعي) و«العلة والمعلول» (مستقل في إثبات الحكم الشرعي).
المؤلف: محمدرضا محمدی، محمود رفیعی
المصدر: تهذیب الاحکام عن موالی الامام رضا(ع)، ربيع 1402، العدد 3، ص 11 إلى 32.
المقدمة
لقد كان النزاع بين العقل والتعاليم الدينية عبر التاريخ وفي مختلف الأديان، لا سيما في الغرب والكنائس، موجودًا (شریفی و یوسفیان، 14-30، 1383). كما أن قضايا العقل كانت موضوع نقاش بين العلماء المسلمين منذ القدم، وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في موضوع العقل وفي المناقشات العقلية؛ مثل الآية «لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا» (انبیا: 22)، أي لو كان في السماء والأرض آلهة غير الله، لفسدت السماء والأرض (طباطبایی، 14، 266، 1391). أو حديث عن الإمام الصادق(ع) قال فيه: «حُجَّةُ الله على العباد النبي والحُجَّة فيما بين العباد وبين الله العقل» [1] (کلینی، 1، 25، 1407). في هذا الحديث الذي عُرف فيه العقل كحجة، مع افتراض حجية دليل العقل التي ناقشها العلماء وثبتت حجيتها (عبدالساتر، 8، 312_368، 1423)، نواجه مسألة أساسية وهي إلى أي مدى يمكن للعقل أن يكون نورًا ومرشدًا للبشر؟ في أي الأمور يمكن الاعتماد على العقل وإلى أي حد؟
وبما أن الإجابة التفصيلية على هذه المسألة ليست هدف هذا البحث، يمكن القول إجمالاً إن العقل فعال في جميع مسائل الحياة اليومية للإنسان، ولا يخفى على أحد كفاءته كمصدر لإصدار الأحكام وفهم المفاهيم العامة (مثل حسن العدل، وقبح الفوضى، ومدح المقاومة في وجه الظلم…)، وكأداة لتطبيق القوانين العامة على الأمثلة (مثل أن هذا العمل ليس ظالمًا، ذلك التصرف كان إساءة للمعلم ويجب تركه…)، بالإضافة إلى أن العقل يلعب دورًا خطيرًا بشكل خاص في المعارف الدينية، مثل إثبات المبادئ العقائدية (كوجود الله ووجوب قبول الولاية وطاعته)، وإثبات حقانية الدين، ومنع التحريف، وفهم العديد من النصوص الدينية… إلى درجة أنه أصبح مقبولًا لدى الجميع كأحد المصادر الأربعة لاستنباط الأحكام الشرعية. لذلك، فإن حكم العقل في بعض الأمور الدينية يكون في عرض الكتاب والسنة، وفي بعضها الآخر في طولهما (كأداة للفهم وغيرها). لكن ما يثير التساؤل والتحدي هو نطاق حجية حكم العقل في استنباط الحكم الشرعي.
في مشروعية استخدام دليل العقل في استنباط الأحكام الفقهية، يوجد نزاع بين الإمامية وغير الإمامية، حيث لا يعتبر الإمامية الاعتماد على الدليل العقلي الظني صحيحًا، ومع ذلك يوجد اختلاف بين الإمامية أنفسهم في مشروعية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة العقلية القطعية، فالمشهور -على عكس المحدثين- يؤمن بحجية الدليل العقلي القطعي في استنباط الحكم الشرعي (هاشمی شاهرودی، 4، 119، 1417). وبحسب قول الشهيد الصدر، فإن الإخباريين أيضًا لا ينكرون كاشفية الدليل العقلي مطلقًا، بل يقصدون إنكار قدرة العقل على استنباط الفروع الفقهية والإدراكات غير البديهية للعقل النظري (هاشمی شاهرودی، 4، 126، 1417). وبناءً على ما هو مشهور، توجد ثلاث نظريات حول حكم العقل في عرض الكتاب والسنة؛ فهناك فريق مثل الإخباريين من الشيعة وأصحاب الحديث من أهل السنة (الأشاعرة) ينكرون الإدراك العقلي مطلقًا، وفريق مثل أصحاب الرأي والقياس من فقهاء أهل السنة والمعتزلة يعتبرون الإدراك العقلي معتبرًا مطلقًا رغم أن حقيقته لا تعدو كونه وهمًا وظنًا، وفريق مثل المشهور من الشيعة اختار الطريق الوسط، أي لا يرفض الإدراك العقلي مطلقًا ولا يقبله مطلقًا، بل يعتبر الإدراكات اليقينية للعقل حجة (للمزيد من الدراسة: صدر، 1، 49-62، 1379؛ شريفي ويوسفيان، 1383). في هذا المقال، تم التطرق إلى كيفية هذا القول الوسيط بالاعتماد على آراء الشيخ الأنصاري والشهيد الصدر. ومن الجدير بالذكر أن المرحوم الشيخ ناقش الدليل العقلي بشكل مفصل فقط في كتاب «مطارج الأنظار» (تقرير المرحوم كلانتري). ومن جهة أخرى، أنكر بعضهم نسب هذا الكتاب إلى الشيخ، لكن هذا المقال يفترض قبول النسبة إلى الشيخ التي ثبتت في مكانها (لاریجانی، 15 و 16، 1379).
في الأعمال التي كُتبت في هذا المجال، لم يتناول أي منها نظرية هذين الشخصيتين بشكل مقارن، كما لم يُجرَ أي بحث متكامل حول نطاق حجية العقل. من بين الأعمال التي كُتبت في هذا المجال، مقال «الدليل العقلي في رؤية الشيخ الأنصاري» (مطلبی و جمشیدی، 1393)، والذي يتميز عن البحث الحالي، بالإضافة إلى النقاط المذكورة، بأنه تناول وجهات نظر مختلفة بشكل عام وجزءًا من نطاق حجية العقل، ولم يُذكر بشكل مصنف وبزوايا متعددة، بينما في هذا البحث تم التطرق بشكل خاص إلى نطاق الدليل العقلي مع عرض منطقي لموضوع الدليل العقلي المستقل (المطلق) وغير المستقل (غير المطلق). كما يمكن الإشارة إلى مقال «مكانة الدليل العقلي في استنباط الأحكام الشرعية من وجهة نظر الشهيد الصدر» (ستايش، د.ت.)، والذي يتميز عن البحث الحالي بامتلاكه تنظيمًا منطقيًا وإتقانًا علميًا، ويعكس الآراء النهائية للشهيد الصدر التي طرحها في دروسه خارج المقرر. بشكل عام، يتميز هذا البحث بأنه تناول جميع الأعمال الأصولية للشيخ الأنصاري والشهيد الصدر، حتى الأعمال التي لم تتناول هذا الموضوع مباشرة تم تتبعها وبيان عدم وجود النقاش المطلوب فيها. كما تم التوضيح بشكل مقارن لنظرية الشيخ الأنصاري والشهيد الصدر.
في هذا المقال، يُعرض أولاً وجهة نظر الشيخ الأنصاري حول نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي وأدلته، ثم وجهة نظر الشهيد الصدر في هذه المسألة، وأخيرًا تُبيَّن أوجه الاشتراك والاختلاف بين هذين الفقيهين الأصوليين في هذا الموضوع.
1- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي من وجهة نظر الشيخ الأنصاري
وجهة نظر المرحوم الشيخ الأنصاري حول نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي انعكست في اثنين من مؤلفاته الأصولية المعروفة باسم «فرائد الأصول» المشهور بـ«رسائل» الذي ألفه الشيخ بنفسه، و«مطارح الأنظار» الذي هو تقارير دروسه التي أعدها المرحوم النوري:
1-1- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي في كتاب مطارح الأنظار
المرحوم الشيخ الأنصاري في كتاب مطارح الأنظار، الذي هو تقرير دروسه خارج المقرر، ناقش الدليل العقلي في باب مستقل، حيث عرّف الدليل العقلي بدايةً على النحو التالي:
«الحكم العقلي الذي يُتوصل به إلى الحكم الشرعي»[2]. وفيما بعد، مع وجود اعتراض على هذا التعريف، قدم تعريفًا آخر، وردًا على الاعتراض أشار إلى أن هذه التعريفات ليست للكشف عن الحقيقة الكاملة للدليل الشرعي والدليل العقلي؛ لأن المقصود هو أن يتم تمييز الدليل العقلي عن الدليل الشرعي اللذين يشتركان في الجنس. وبعبارة أخرى، هذه التعريفات هي تعريفات شرح اسمية وليست تعريفات دقيقة منطقية (کلانتری طهرانی، 2، 319_320، 1425).
المرحوم الشيخ يقسم الدليل العقلي بناءً على توقفه على الخطاب الشرعي إلى قسمين: دليل لا يتوقف على الخطاب الشرعي مثل حسن وقبح، ودليل يتوقف على الخطاب الشرعي مثل الحكم بوجوب المقدمة الواجبة، وحرمة الضد، وغيرها؛ لذا ينقسم الدليل العقلي إلى قسمين: دليل بعض مقدماته عقلية (غير مستقلة عقليًا) ودليل جميع مقدماته عقلية (مستقلة عقليًا).
في هذا القسم، يُطرح نطاق حجية الدليل العقلي من منظور الشيخ الأنصاري في ثلاثة مباحث:
1-1-1- نطاق حجية حكم العقل بصورته المطلقة (المستقلات وغير المستقلات العقليّة):
في عبارات المرحوم الشيخ المتعلقة بنطاق حكم العقل بصورته المطلقة (كلا القسمين) يمكن ذكر النقاط التالية:
1-1-1-1: شمولية مجرى حكم العقل: يؤمن المرحوم الشيخ بشمولية الحكم العقلي، مثل الحكم الكلي بالحرمة الأشد عند تحريم الأخف، ووجوب المقدمة عند وجوب ذي المقدمة، وحرمة الضد عند وجوب الضد الآخر، وما شابه ذلك. أما في الأحكام الجزئية مثل منع الصلاة في وقتها الأول في حالة نجاسة المسجد، وحرمة الضرب بناءً على حرمة قول «أفّ» للوالدين، ووجوب الوضوء بعد ورود خطاب الشارع في أمر الصلاة والطواف، ففي هذه الحالات لا يستطيع العقل بدون ورود خطاب شرعي أن يحكم بالحرمة أو الوجوب (کلانتری طهرانی، 2، 324، 1425).
1-1-1-2: استخدام العقل في الاستنتاجات: العقل يلعب دورًا في الاستنتاج من كل كبرى وصغرى حتى في الحالات التي تكون فيها الصغرى والكبرى شرعية. أي أن العقل هو الذي يدرك العلاقة بين الصغرى والكبرى، ولا فرق في ذلك بين نوع المقدمات. في النهاية، الاستنتاج يحتاج إلى العقل (کلانتری طهرانی، 2، 324_325، 1425).
1-1-2- نطاق حجية حكم العقل في المستقلات العقليّة
الشيخ الأنصاري في موضوع الدليل العقلي المستقل، بالإضافة إلى النطاق السابق (المطلق)، يقول: حيث يدرك العقل حسن وقبح الشيء بشكل إلزامي، فهل هذا الإدراك العقلي معتبر للوصول إلى الحكم الشرعي؟ هل استكشاف الحكم الشرعي منه صحيح؟ بالطبع هذا التقييد ليس للحكم الشرعي بشكل عام بحيث يشمل أفعال الله تعالى أيضًا مثل وجوب العدل وقبح الكذب والظلم في حق الله تعالى، مع أن هذه الأحكام متفرعة على حسن وقبح عقلي، لكن أفعال الله تعالى (على عكس أفعال العباد) ليست من الأمور التي يُنسب إليها الحكم الشرعي (کلانتری طهرانی، 2، 327_328، 1425).
الإدراك العقلي بشكل مستقل، المعروف بالحسن والقبح العقلي، محل اختلاف في الرأي؛ فبعضهم يرى كفاية الحسن العقلي، وبعضهم يقول إنه إلى جانب الحسن العقلي يجب وجود ملازمة أيضاً، أي أن بعضهم يقصد من الحسن والقبح مجرد المدح والذم مثل فاضل توني (فاضل تونی، 1، 171، 1412) وزركشي (زرکشی، 1، 191، 1414)، وبعضهم يقصد من الحسن والقبح المدح والذم الملازم مع الثواب والعقاب (کلانتری طهرانی، 2، 328_333، 1425). المرحوم الشيخ لتنقيح البحث يتناول المسألة في مقامين، المقام الأول في إثبات إدراك العقل للحسن والقبح، وفي المقام الثاني يتناول الملازمة بين حكم العقل والشرع.
1-1-2-1- البحث في إثبات مدركية العقل
يرى الشيخ الأنصاري أن المراد من الحسن والقبح هو الثواب والعقاب لا مجرد المدح والذم (کلانتری طهرانی، 2، 336، 1425). المرحوم الشيخ، مثل الإمامية والمعتزلة، يعتقد أن العقل يدرك الحسن والقبح، ولا يعتبر هذا البحث من مسائل الأصول بل من مبادئ الحكم، وهو يؤمن ببداهة هذا الأمر (إدراك الحسن والقبح بواسطة العقل) التي تتحقق بسلامة الضمير ولا تحتاج إلى برهان، ويعتبر إطالة الكلام في هذا البحث أمراً غير مجدٍ (کلانتری طهرانی، 2، 333، 1425).
1-1-2-2 البحث في ملازمة حكم العقل والشرع
أولاً: في مسألة «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»[3] يقول المرحوم الشيخ بعد بحث مطول: إذا أدرك العقل أن فعلاً ما من الأمور التي يترتب عليها ثواب وجزاء خير أو عقاب وعقوبة أو عدم ذلك، فمن المستحيل أن يكون حكم الشارع، الذي هو خالق العلماء والحكماء، مخالفاً لهذا الإدراك العقلي (کلانتری طهرانی، 2، 364، 1425).
المرحوم الشيخ يؤمن بأنه إذا كانت هناك ملازمة، فهي بالتأكيد ملازمة حقيقية، والملازمة الظاهرية لا فائدة منها (کلانتری طهرانی، 2، 366، 1425)، ويعتبر الإجماع والكتاب والسنة أدلة هذه الملازمة الحقيقية بين حكم العقل والشرع (کلانتری طهرانی، 2، 370، 1425).
ثانياً: في مسألة «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل»[4] يرى المرحوم الشيخ احتمالين:
أ: أن كل ما حكم به الشرع، العقل أيضاً يؤكد حكم الشرع في ذلك الحدث، ويعتقد العقل أن هذا الحكم الشرعي قد وقع في محله وصدر من أهله، وهذا المعنى لا ينكره حتى الذين يؤمنون بانفكاك حكم العقل والشرع. وثبوت هذا المعنى متوقف على مقدمتين: أولاً: أفعال الله معللة بأغراض لا تعود إليه، وثانياً: التفضيل بلا مرجح مستحيل. وبناءً على هاتين المقدمتين، ليس من المعقول أن العقل لا يؤكد أحكام الشرع؛ لأن الله تعالى خبير في الحكم وحكيم في الصنع، فلا بد أن يؤيد العقل حكم الشرع.
ب: أن كل ما حكم به الشرع، العقل أيضاً يصدر حكمًا إنشائيًا مطابقًا له، كما هو الحال في العكس. أي أن هذا المعنى يُحمل مرة بشكل تفصيلي أو فعلي على «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل» ومرة بشكل إجمالي أو بعد الاطلاع على جهات الفعل على «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل». ويرى المرحوم الشيخ أنه بناءً على الاحتمال الأول لا شك في فساد هذا المعنى لأنه مخالف للضمير الصحيح، أما بناءً على الاحتمال الثاني فلا شك في صحته، لأن أولاً إذا لم يكن «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل» صحيحًا، فلن يكون «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» صحيحًا، وهذا تناقض باطل، إذ من المستحيل أن يكون حكم الشارع كخالق للعقول والحكماء مخالفًا لحكم العقل (کلانتری طهرانی، 2، 376، 1425)، وثانياً بسبب آيات القرآن مثل «قل أمر ربي بالقسط…» (اعراف: 29) و«قل إنما حرم ربي الفواحش…» (اعراف: 133) التي تدل على أن ما يستفاد من حصر المأمور به في القسط والمحرم في الفواحش هو حكم العقل، وثالثاً بسبب الأخبار مثل وصية أمير المؤمنين(ع) لابنه الإمام الحسن المجتبى(ع) «فإنه لم يأمرك إلا بحسن ولم ينهك إلا عن قبيح»[5] (نهجالبلاغه: نامه 31) أو قول الإمام الباقر(ع) «فإنه لا يكره إلا كل القبيح»[6] (عیاشی، 2، 292، 1380). يقول الشيخ إن الأمر هنا ظاهر، ولا يليق بعاقل أن يشك فيه (کلانتری طهرانی، 2، 377-378، 1417).
للنفي الملازمة استُدل بآية التعذيب وبعض الروايات، والمراد بآية التعذيب هي الآية «… وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً»[7] (اسراء: 15)، والمراد من الروايات مثل الرواية التي نقلها المرحوم الكليني بسند عن الإمام الصادق(ع): «إن الله يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهما…»[8] (کلینی، 1، 16، 1407). وقد ذكر المرحوم الشيخ هذه الأدلة وأجاب عنها (کلانتری طهرانی، 2، 378 و 387، 1425).
1-1-3- نطاق حجية العقل في غير المستقلات العقلية:
بشكل عام، يُستفاد من أقوال الشيخ الأنصاري أن الدليل العقلي غير المستقل يشمل جميع الأدلة العقلية المتوقفة على الخطاب الشرعي، مثل وجوب المقدمة عند وجوب ذي المقدمة، وحرمة الضد عند وجوب الضد الآخر، وحكم العقل على استحالة انفكاك أحد الملازمين عن الآخر (مع أن ثبوت الملزوم في الخارج متوقف على شيء آخر)، والحكم الكلي بحرمة الأشد عند تحريم الأخف، وغيرها، حيث في جميع هذه الأمور الدليل العقلي متوقف على الحكم الشرعي (کلانتری طهرانی، 2، 323 و 324، 1425).
1-2- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي في كتاب فرائد الأصول
في كتاب فرائد الأصول، في نهاية المقصد الأول المتعلق بالمباحث الخاصة بالقطع، يذكر المرحوم الشيخ تنبيهات، وفي التنبيه الثاني يتناول أساس الإخباريين في عدم حجية القطع الناتج عن مقدمات عقلية، ويطرح كلام المحدث الأسترآبادي والمحدث الجزائري والمحدث البحراني ويناقش كلامهم (شیخ انصاری، 1، 51-57، 1428). وبعد عرض الآراء والرد عليها، يعلن في النهاية رأيه في القطع الناتج عن الدليل العقلي:
إذا تحقّق القطع من خلال الدليل العقلي، فلا يجوز حينئذٍ أن يتعارض معه دليل نقلي؛ لذلك إذا وُجدت حالة من الأدلة النقلية التي ظاهريًا تتعارض مع هذا الدليل العقلي، ففي هذه الحالة إذا كان من الممكن طرحها نطرحها، وإذا لم يكن من الممكن طرحها فلا بد من تأويلها (شیخ انصاری، 1، 57، 1428).
وكذلك من جهة أخرى، إذا تحقّق القطع من خلال الدليل النقلي (مثل القطع الحاصل من الإجماع على حدوث العالم زمنياً في جميع الشرائع)، فلا يجوز حينئذٍ أن يتحقق القطع من خلال الدليل العقلي المخالف له (مثل استحالة مخالفة أثر المسبب؛ فإذا أُقيم برهان عقلي على ذلك، فإنه يتعارض مع دليل نقلي بديهي). ولكن هذا النوع من الأدلة النقلية لا يقف في مواجهة العقل البديهي مثل «الواحد نصف الاثنين» والعقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، وفي هذه الحالة لا بد من الالتزام بعدم تحقق القطع من الأدلة النقلية المخالفة لهذا الحكم العقلي، والسبب في ذلك أن الأدلة القطعية النظرية في النقليات مضبوطة، ولا توجد حالة من هذه النقليات تتعارض مع العقل البديهي والفطري (شیخ انصاری، 1، 57 و 58، 1428).
ويضيف الشيخ في الاستمرار أنه لا يجوز الاعتماد على العقل في الأمور المتعلقة بالمناطات الأحكام، وهناك روايات تبيّن ذلك (شیخ انصاری، 1، 62، 1428).
لذا يتضح أن المرحوم الشيخ بالإضافة إلى اعتبار حكم العقل القطعي حجة، في الحالات التي يكون فيها القطع من الدليل النقلي في مواجهة العقل البديهي أو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، يُقدم الدليل العقلي.
خلاصة:
انعكست آراء الشيخ الأنصاري حول نطاق حجية العقل في اثنين من مؤلفاته الأصولية: كتاب «مطالع الأنظار» وكتاب «فوائد الأصول»، حيث ناقش في كتاب «مطالع الأنظار» الموضوع بشكل مفصل خلافًا لكتاب «فوائد الأصول». وتختلف عبارته في الكتابين؛ ففي كتاب «مطالع الأنظار» طرح الشيخ رأيه في ثلاثة أقسام: أولاً بيّن نطاق حجية العقل بشكل مطلق، والذي يشمل حالتين عامتين هما شمول مجرى حكم العقل واستخدام العقل في الاستنتاجات. في القسم الثاني تناول نطاق حجية حكم العقل في المستقلات العقلية، وقال إن هذا النقاش يكون حين يدرك العقل حسن وقبح الشيء بشكل إلزامي، ولتنقيح النقاش يدرس الموضوع في مقامين، المقام الأول حول إثبات إدراك العقل للحسن والقبح، ويعتبر هذا النقاش بديهيًا وجدانيًا، وفي المقام الثاني يتناول ملازمة حكم العقل والشرع؛ في حالة «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» يعتبر هذه الملازمة واقعية وقطعية، وفي حالة «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل» إذا كان المقصود تصديق العقل فهذا أمر مسلم به، أما إذا كان المقصود حمل حكم العقل مثل حكم الشرع، في هذه الحالة يعتبر فقط الصورة الإجمالية معتبرة. وفي القسم الثالث يطرح نطاق حجية العقل في غير المستقلات العقلية، ويثبت أن هذه الحالة تشمل جميع حالات الحكم العقلي المتوقف على بيان من الشارع.
أما رأي الشيخ في كتاب «فوائد الأصول» فهو أنه إذا كان لدينا دليل عقلي قطعي فطري أو بديهي، فلا يتعارض معه أي دليل نقلي، لذلك يجب طرح الدليل النقلي، وإذا تعذّر طرح الرواية يجب تأويلها. ولكن إذا تحقق الدليل النقلي القطعي ولم يقم دليل عقلي بديهي أو فطري، في هذه الحالة يُقدم الدليل النقلي.

2- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي من وجهة نظر الشهيد صدر
تُطرح وجهة نظر المرحوم الشهيد صدر حول نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي في فئتين رئيسيتين: في المؤلفات الأصولية التي كتبها الشهيد صدر بنفسه، وفي المؤلفات الأصولية التي هي تقارير دروسه خارج الحرم. لذا يُعرض النقاش في قسمين رئيسيين.
مع ذلك، في وسط مؤلفات الشهيد صدر الأصولية، لم يُشر في اثنين من مؤلفاته إلى المقصود بهذا المقال؛ وهما كتاب المعالم الجديدة والحلقة الأولى من كتاب دروس في علم الأصول، وهذان المؤلفان كتبهما الشهيد صدر بنفسه، حيث يعرضان النقاش حول الدليل العقلي والبرهاني بشكل مختلف، ويطرحان علاقات مختلفة يدركها العقل، ويذكران إجمالاً خمسة أنواع من العلاقات: العلاقات القائمة بين نفس الأحكام، العلاقات القائمة بين الحكم والموضوع، العلاقات القائمة بين الحكم والمتعلق، العلاقات القائمة بين الحكم والمقدمات، والعلاقات القائمة داخل الحكم الواحد. وبالطبع، لكي لا يحدث لبس مع القياس المصطلح في الأصول، يسمي الشهيد صدر هذا النوع من العلاقات بالبرهان (صدر، 1، 179-197، 1379؛ 1، 160-137، 1425)، كما في الحلقة الأولى تم ذكر نوع سادس من العلاقات باسم علاقة التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي، وهذه التلازم هي القاعدة «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع»، لكن الشهيد صدر أجل بيان هذا النوع إلى الحلقات اللاحقة (صدر، 1، 140، 1425).
هذه العلاقات بسبب كونها تتعلق بالأحكام الطولية تقع خارج نطاق هذا البحث، ويشمل النقاش فقط القسم السادس في الحلقة الأولى الذي أجّل الشهيد صدر بيانه إلى الحلقات اللاحقة. خلاصة القول أنه في هذين العملين لم يُتناول الموضوع محل البحث في هذه الدراسة.
2-1- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي في تقارير درس الخارج للشهيد صدر
تعريف الدليل العقلي عند المرحوم الشهيد صدر هو كل قضية يدركها العقل وقد تُستخدم في طريق استنباط الحكم الشرعي (صدر، 3، 7، 1425). يقسم الشهيد صدر في بحثه عن حجية الدليل العقلي الأحكام العقلية إلى قسمين: الأحكام النظرية والأحكام العملية. ويقول في تعريف هذين القسمين: العقل النظري بذاته لا يتضمن موقفاً عملياً وسلوكاً معيناً؛ أي أنه يقتصر على إدراك حقائق لا تؤثر مباشرة في العمل. أما العقل العملي بذاته فيتضمن موقفاً عملياً وسلوكاً معيناً؛ أي أنه يدرك حقائق تؤثر مباشرة في العمل. ومن وجهة نظر الشهيد صدر، لا يملك العقل سوى إدراك ما هو واقع وثابت في لوح الواقع، والفرق الوحيد هو في كون الإدراك نظرياً أو عملياً (عبدالساتر، 8، 310، 1423؛ هاشمی شاهرودی، 4، 120، 1417). لذلك، في هذا الفصل يُبحث في مدركات العقل من منظور الشهيد صدر التي تؤثر في الحكم الشرعي.
2-1-1- تشكيل الدليل العقلي على الحكم الشرعي المستمد من العقل النظري
يقتصر الشهيد صدر هذا النوع من الدليل العقلي على بابين:
2-1-1-1- تشكيل الدليل العقلي على الحكم الشرعي في باب الإمكان والاستحالة:
باب الإمكان والاستحالة يعني العلاقات والاستلزامات الواقعية التي يدرك العقل ثبوتها كما في الأمور التكوينية، كذلك في الأمور التشريعية (الأحكام). مثلاً، يحكم العقل إما باستحالة اجتماع الأمر والنهي، أو بإمكان الخطاب الترتيبي، أو بالملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، أو بحرمة ضد الشيء.
في نظر الشهيد صدر، هذه الأحكام العقلية النظرية وإن كانت تكفي وحدها لنفي الحكم الشرعي في حالة معينة (مثل نفي اجتماع حكمين متضادين الذي يؤدي إلى انتفاء الحكم بسبب ثبوت استحالة اجتماع الحكم)؛ إلا أنه لإثبات واستنباط الحكم يجب أن يُضاف إلى هذه الأحكام العقلية ضميمة، لأن مجرد إمكان الشيء أو استحالة ضده أو ثبوت الملازمة بين شيء وآخر لا يثبت الحكم الشرعي. إذن، حكم العقل في باب الإمكان والاستحالة لا يؤدي إلى إثبات حكم، وإنما يكفي فقط لنفي الحكم الشرعي (عبدالساتر، 8، 310، 1423؛ هاشمی شاهرودی، 4، 120، 1417؛ صدر، 2، 179، 1406؛ حائری، 1، 396، 1433).
2-1-1-2- تشكيل الدليل العقلي على الحكم الشرعي في باب العلية والمعلولية:
في باب العلية والمعلولية بمعنى إدراك ما هو سبب الحكم، يدرك العقل النظري المعيار والمصلحة الملازمة التامة في فعل، ويُكشف عن ثبوت الحكم الشرعي بشكل لمّي. وكذلك الأمر في حالة إدراك العقل النظري أولوية أو معلولية شيئين لسبب واحد عندما يثبت أحد المعلولين؛ الحكم العقلي المرتبط بهذا الباب قد يثبت الحكم الشرعي مستقلاً.
أحكام العقل النظري أحياناً تكون مستقلة في إثبات الحكم الشرعي (في باب العلية والمعلولية) وأحياناً لا تكون مستقلة في إثبات الحكم الشرعي (في باب الإمكان والاستحالة) (عبدالساتر، 8، 310، 1423؛ هاشمی شاهرودی، 4، 121، 1417؛ حائری،397).
2-1-2- تشكيل الدليل العقلي على الحكم الشرعي المستمد من العقل العملي
الدليل العقلي المستمد من العقل العملي وحده، وطالما لم يُضمّم إليه حكم العقل النظري، لا يكفي لإثبات الحكم الشرعي. في هذه الحالة، لا فرق بين أن يكون حكم العقل العملي منطبقاً على فعل العبد مثل حكم العقل بقبح الكذب، وفي هذه الحالة يحتاج استنباط الحكم الشرعي إلى ضميمة حكم العقل النظري بالملازمة بين حكم العقل والحكم الشرعي، وبين أن يكون حكم العقل العملي متعلقاً بفعل المولى مثل حكم العقل العملي بقبح تكليف العاجز. وفي هذه الحالة أيضاً يحتاج استنباط الحكم الشرعي إلى ضميمة حكم العقل النظري باستحالة صدور القبيح من المولى.
لذلك، يرى الشهيد صدر أن الحسن والقبح مرتبطان بالعقل العملي، ولكنهما يحتاجان إلى ضميمة حكم العقل النظري (الملازمة بين حكم العقل والشرع). ومن وجهة نظره، بالإضافة إلى إدراك الحسن والقبح بواسطة العقل، هناك حاجة إلى قاعدة الملازمة التي يثبتها العقل النظري (عبدالساتر، 8، 311، 1423؛ هاشمی شاهرودی، 4، 121، 1417، حائری،398).
2-2- نطاق حجية العقل في استنباط الحكم الشرعي في تأليفات الشهيد صدر
في كتاب دروس في علم الأصول في الحلقة الثانية، يعتبر الشهيد صدر الأدلة المحرزة نوعين: أدلة شرعية وأدلة عقلية. ويقسم القضايا العقلية إلى قسمين: القسم الأول هو القضايا التي تشكل العناصر المشتركة والقواعد العامة في عمليات الاستنباط مثل قاعدة وجوب مقدمة شيء بسبب وجوب ذلك الشيء، والقسم الثاني يشمل القضايا المرتبطة بالأحكام الشرعية المعينة مثل حكم العقل بحرمة المخدر بسبب القياس على الخمر الذي له صفة مشتركة وهي فقدان الوعي (صدر، 3، 7، 1425).
الصغرى من هذا القسم الثاني بسبب بحثها في العنصر غير المشترك تقع خارج محل البحث وتخرج عن علم الأصول، أما الكبرى من هذا القسم، رغم كونها بحثاً أصولياً، إلا أنها أيضاً تقع خارج محل بحث هذه الدراسة بسبب طوليتها في استنباط الحكم الشرعي.
أما القسم الأول فهو من حيث الصغرى والكبرى متعلق بعلم الأصول؛ فالنقاش الصغرى متعلق بإثبات القضايا العقلية التي تشكل العناصر المشتركة في الاستنباط، والنقاش الكبرى متعلق بحجية الإدراك العقلي. لذلك يعرض النقاش في فصلين: الفصل الأول متعلق بالنقاش الصغرى ويتناول تقسيمات القضايا العقلية، حيث يطرح في هذا الفصل ثلاثة أنواع من التقسيمات: أ) تقسيم القضية العقلية إلى دليل عقلي مستقل وغير مستقل، ب) تقسيم القضية العقلية إلى قضية تحليلية وقضية تركيبية، ج) تقسيم الأدلة العقلية المستقلة التركيبية في دلالتها إلى سالبة وموجبة. أما الفصل الثاني فهو متعلق بحجية الدليل العقلي، حيث يقول إنه لا يوجد نقاش قطعي في حجية الدليل العقلي، ومن ثم يخصص هذا الفصل لحجية الدليل العقلي غير القطعي (صدر، 3، 8-11، 1425).
وبالنظر إلى هذه الأمور يمكن القول إن رأي الشهيد صدر في الحلقة الثانية حول نطاق حجية العقل هو كما يلي:
أولاً: القضايا العقلية القطعية بلا شك هي حجج.
ثانياً: من القضايا العقلية فقط القسم الأول وبعض منها مثل الدليل العقلي المستقل يدخل في النقاش والمقصود من الكتاب.
خلاصة:
في آثار الشهيد صدر إجمالاً تم بيان الأحكام العقلية بطريقتين. ففي درسه الخارج لديه منهج مختلف عن كتاب دروسه. حيث يقسم أولاً الأحكام العقلية إلى نظرية وعملية، ثم يبين تكوين الدليل العقلي في كل من هذين المجالين، ففي العقل النظري يتعلق الأمر بباب الإمكان والاستحالة وباب العلية والمعلول، وفي العقل العملي يقول إن الدليل العقلي المستمد من العقل العملي وحده، وحتى لا يضاف إليه حكم العقل النظري، غير كافٍ لإثبات الحكم الشرعي. أما في كتاب دروسه فقد قسم القضايا العقلية إلى قسمين: القسم الأول يشمل القضايا المرتبطة بالأحكام الشرعية المحددة، والقسم الثاني عبارة عن القضايا التي تشكل العناصر المشتركة والقواعد العامة في عمليات الاستنباط، حيث ناقش القضايا العقلية (النقاش الصغرى) وحجية الدليل العقلي (النقاش الكبرى)، وبما أنهم يعتبرون حجية الدليل العقلي مسلماً بها، فقد ذكر في النقاش الصغرى وفي موضوع القضايا العقلية تقسيمات أهمها الدليل العقلي المستقل وغير المستقل، وهو قريب من بيان المرحوم الشيخ في مطارح الأنظار.

3- أوجه الاشتراك والاختلاف في رؤية شيخ الأنصاري والشهيد صدر
في هذا القسم، يتم توضيح أوجه الاشتراك والاختلاف بين النظريتين. وبشكل عام يمكن القول إن منهج الشهيد صدر في درسه الخارج مختلف عن شيخ الأنصاري، لكنه في كتاب دروسه قريب من شيخ الأنصاري، ويتم تلخيص مطالب النظريتين.
3-1- نقاط الاشتراك في رؤية شيخ الأنصاري والشهيد صدر
3-1-1- كلاهما يؤمنان بشأنية الإدراك للعقل، ويعتبران العقل أداة للإدراك، بالإضافة إلى قبولهما للحسن والقبح واللزوم بينهما.
3-1-2- رأي الشهيد صدر في الحلقات قريب من رأي شيخ الأنصاري، حيث قسم كلاهما الدليل العقلي إلى شرعي وعقلي، وقسم الدليل العقلي إلى قسمين مستقل وغير مستقل.
3-2- نقاط الاختلاف في رؤية شيخ الأنصاري والشهيد صدر (بحسب آراء الشهيد في درسه الخارج)
3-2-1: تقسيم شيخ الأنصاري للدليل العقلي في مطارح الأنظار يعتمد على كونه متوقفاً على الدليل الشرعي أو غير متوقف عليه، أما الشهيد صدر فقد قسم الدليل العقلي في درسه الخارج إلى عقل نظري وعقل عملي.
3-2-2- يرى المرحوم الشيخ في فرائد الأصول، بالإضافة إلى حجية حكم العقل القطعي، أنه في الحالات التي يكون فيها الدليل النقلّي مقابل العقل البديهي أو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، يكون الدليل العقلي أقدم، بينما لم يشِر الشهيد صدر إلى هذه المسألة.
3-2-3: يطرح المرحوم الشهيد صدر في الدليل العقلي المستمد من العقل النظري باب الإمكان والاستحالة وباب العلية والمعلول، ويعتبر باب الإمكان والاستحالة غير مستقل في إثبات الحكم الشرعي، بينما يعتبر باب العلية والمعلول مستقلاً في إثبات الحكم الشرعي.
خلاصة:
بالإضافة إلى حجية حكم العقل القطعي، يرى شيخ الأنصاري في الحالات التي يكون فيها الدليل النقلّي مقابل العقل البديهي أو العقل الفطري الخالي من شوائب الأوهام، أن الدليل العقلي أقدم. كما يبين الدليل العقلي في مطارح الأنظار على شكل مستقلات وغير مستقلات.
أما الشهيد صدر في تقارير درسه الخارج فيقسم الأحكام العقلية إلى نظرية وعملية، ويعتبر نوعاً من القسم الأول مستقلاً.
كلاهما يؤمنان بقدرة العقل على الإدراك، ويعتبران العقل أداة للإدراك، بالإضافة إلى ذلك، يقبلان بالحسن والقبح واللزوم بينهما. تعبير الشهيد الصدر قريب من تعبير الشيخ في مطارح الأنظار.
النتيجة:
بحث تناول من منظور سابق نطاق حجية العقل من وجهة نظر الشيخ الأنصاري والشهيد الصدر. وفي هذا السياق، عرض الموضوعات في ثلاثة أقسام: القسم الأول تناول وجهة نظر الشيخ الأنصاري بشكل منفصل في كتب أصول مطارح الأنظار (تقرير درس الخارج بواسطة المرحوم نوري) وفرائد الأصول. في مطارح الأنظار، يؤمن بشكل مطلق (المستقلات وغير المستقلات العقلية) بشمولية مجرى حكم العقل واستخدامه في الاستنتاجات، وبالأخص في المستقلات العقلية، يؤمن بحجية الحسن والقبح. بحيث في «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع» اعتبر اللزوم حقيقياً، وفي «كل ما حكم به الشرع حكم به العقل» يؤمن بتصديق العقل بشكل إجمالي. أما رأي الشيخ في كتاب فرائد الأصول فهو أنه إذا كان لدينا دليل عقلي قطعي فطري أو بديهي، فلا يعارضه أي دليل نقلي؛ ولهذا يجب عرض الدليل النقلي، وإذا تعذر عرض الرواية يجب التأويل.
القسم الثاني تناول وجهة نظر الشهيد الصدر. في درسه الخارج لديه منهج مختلف عن كتاب الدروس. أولاً قسم الأحكام العقلية إلى نظرية وعملية، ثم بيّن تكوين الدليل العقلي في كل من هذين المجالين، حيث في العقل النظري يتعلق بأبواب الإمكان والاستحالة وأبواب العلية والمعلولية. وفي العقل العملي يقول إن الدليل العقلي المستمد من العقل العملي وحده، وحتى لا يُضاف إليه حكم العقل النظري، لا يكفي لإثبات الحكم الشرعي. أما في كتاب الدروس، فقد قسم القضايا العقلية إلى قسمين: القسم الأول يشمل القضايا المرتبطة بالأحكام الشرعية المحددة، والقسم الثاني يشمل القضايا التي تشكل العناصر المشتركة والقواعد العامة في عمليات الاستنباط. ثم ناقش القضايا العقلية (البحث الصغروي) وحجية الدليل العقلي (البحث الكبرى)، وحيثما يعتبر حجية الدليل العقلي مسلّمة، ذكر تقسيمات القضايا العقلية التي أهمها الدليل العقلي المستقل وغير المستقل، وهو قريب من تعبير المرحوم الشيخ في مطارح الأنظار.
قائمة المصادر
القرآن الكريم
نهج البلاغة
1. أنصاري مرتضى بن محمد أمين، 1428 هـ، «فرائد الأصول»، الطبعة التاسعة، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
2. جمشيدي حسن وموسوي مطلبي سيد محمد، «الدليل العقلي في وجهة نظر الشيخ الأنصاري»، فقه ومباني الحقوق الإسلامية، السنة السابعة والأربعون، العدد الثاني، خريف وشتاء 1393 هـ ش، الصفحات 327-345.
3. حسيني حائري سيد كاظم، 1433 هـ، «مباحث الأصول (القسم الثاني)»، الطبعة الثالثة، قم، دار البشير.
4. حسيني سيد إبراهيم، «دور العقل في استنباط القواعد والأنظمة القانونية من وجهة نظر الإسلام»، معرفت، العدد 61، سنة 1381 هـ ش، الصفحات 98-118.
5. زركشي بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر، 1414 هـ، «البحر المحيط في أصول الفقه»، الطبعة الأولى، القاهرة، دار كتبي.
6. ستايش رحمان، «مكانة الدليل العقلي في استنباط الأحكام الشرعية من وجهة نظر الشهيد الصدر»، مركز بحوث الشهيد الصدر، د.ت.
7. شريفي أحمد حسين ويوسفيان حسن، 1383 هـ ش، «العقل والوحي»، الطبعة الأولى، طهران، مركز بحوث الثقافة والفكر الإسلامي.
8. صدر سيد محمد باقر، 1379 هـ ش، «المعالم الجديدة للأصول (طبعة جديدة)»، الطبعة الثانية، قم، مؤتمر الشهيد الصدر.
9. صدر سيد محمد باقر، 1406 هـ، «دروس في علم الأصول»، الطبعة الثانية، بيروت، دار الكتاب اللبناني/مكتبة المدرسة.
10. صدر سيد محمد باقر، 1425 هـ، «دروس في علم الأصول»، الطبعة الأولى، بيروت، دار إحياء التراث العربي.
11. عبد الساتر حسن، 1423 هـ، «بحوث في علم الأصول»، الطبعة الأولى، بيروت، الدار الإسلامية.
12. عياشي محمد بن مسعود، 1380 هـ، «تفسير العياشي»، تحقيق رسولي محلاتي سيد هاشم، الطبعة الأولى، طهران، المطبعة العلمية.
13. فاضل توني (بشروي خراساني) عبد الله بن محمد، 1412 هـ، «الوافية في أصول الفقه»، تحقيق رضوي كشمييري سيد محمد حسين، الطبعة الأولى، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
14. كلانتري طهراني ميرزا أبو القاسم، 1425 هـ، «مطارح الأنظار»، الطبعة الأولى، قم، مجمع الفكر الإسلامي.
15. كليني محمد بن يعقوب، 1407 هـ، «الكافي»، تحقيق: غفاري علي أكبر؛ آخوندي محمد، الطبعة الرابعة، طهران، دار الكتب الإسلامية.
16. لاريجاني محمد صادق، 1379 هـ ش، «الواجب المشروط (بحث في آراء الشيخ الأنصاري والمحققين الآخرين)»، قم، الطبعة الأولى، مرصاد.
17. هاشمي شاهرودي سيد محمود، 1417 هـ، «بحوث في علم الأصول»، الطبعة الثانية، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
18. https://mbsadr.ir/10107
[1] النبي، حجة الله على عباده والعقل، حجة بين العباد والله.
[2] حكم عقلي يمكن من خلاله الوصول إلى حكم شرعي.
[3] الشرع يحكم على كل ما يحكم به العقل.
[4] العقل يحكم على كل ما حكم به الشرع.
[5] لأنه لم يأمرك إلا بالخير والحسن، ولم ينهك إلا عن القبيح والرديء.
[6] لأنه يكره كل قبيح ورديء فقط.
[7] ما عذبناهم إلا بعدما أرسلنا رسولاً.
[8] إن الله يحتج على عباده بما أعطاهم وأخبرهم به.

