تحليل ودراسة نظرية حجية الخبر الواحد في حال موافقته لروح القرآن والسنة القطعية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: تحلیل و بررسی نظریه حجیت خبر واحد در صورت موافقت با روح قرآن و سنت قطعی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: تحليل ودراسة نظرية «حجية الخبر الواحد في حال موافقته لروح القرآن والسنة القطعية»، يوضح معايير الأخذ بالأحاديث الفردية وعلاقتها بحجية الخبر الواحد. لقد تم تناول أسس حجية الخبر الواحد من قبل الأصوليين المعاصرين بالتفصيل خلال مناقشة «اليقين والظن» في الكتب الأصولية، وقد قُدِّمت معايير مختلفة للأخذ بالأحاديث الفردية مثل وجود القرائن القطعية، وثقة الرواة في سلسلة السند، والاطمئنان إلى صدور الخبر. ومن بين هذه الآراء، تُعد نظرية «الموافقة لروح القرآن والسنة» من النظريات الحديثة التي تسعى إلى بيان معيار لحجية الخبر الواحد ونسبة صدوره وعدم صدوره إلى المعصومين(ع). الشهيد الصدر وآية الله السيستاني من أصحاب هذه النظرية؛ مع أن الشهيد الصدر يقبل حجية الخبر الثقة ويطرح بجانبها احتمال تمامية هذه النظرية، بينما آية الله السيستاني لا يقبل حجية الخبر الثقة ويعتبر المعيار الوحيد لحجية الخبر الواحد هو توافقه الروحي مع القرآن والسنة. الدليل الرئيسي لديهم في إثبات هذه النظرية هو الأحاديث المتواترة التي مفادها الأخذ بالخبر في حال موافقته للقرآن والسنة، وطرح الخبر في حال مخالفته لهما. ونظراً لعدم وجود بيان وتحليل صحيح وشامل لهذه النظرية وأسسها في الكتب والمقالات حتى من قبل أصحاب النظرية أنفسهم، فإن البحث الحالي يهدف إلى توضيح مضمون النظرية وتحليل حدود وأدلتها، محاولاً في ظل وصف وتحليل الجمل الأصولية والروايات، وجمع البيانات المكتبية، وتصنيف الأحاديث المعنية من قبل أنصار النظرية، ودراسة كيفية دلالتها وشرح جوانبها المختلفة، تقديم تفسير وتحليل صحيح للنظرية والرد على ما قد يثار من اعتراضات.

المؤلف: مهدی درگاهی، رضا میرزایی کلان

المصادر: مقالات فقهية وأصولية، صيف 1402، العدد 31، ص 35 إلى 60.

المقدمة

حجية الخبر الواحد من المسائل المهمة في أصول الفقه التي كانت موضوع نقاش عبر تاريخ الفقه والأصول، وحتى وفقاً لبعض التقارير كانت محل سؤال الصحابة في عصر المعصومين(ع) (کشی، 1490، 135 و 483). بناءً على ذلك، تبنّى الأصوليون مناهج مختلفة في قبول أحاديث المعصومين(ع). فالأخباريون لديهم نظرية واسعة في قبول الأحاديث، ويعتقدون أن جميع أحاديث الكتب الأربعة صحيحة ولا حاجة إلى دراسة السند (بحرانی‌، 1405، 1/14)، وبعض القدماء يرون أن الخبر الواحد إذا كان موجباً للعلم فهو حجّة (سید‌ مرتضی‌، 1376، 2/41؛ ابن‌زهره، 1417، 76 و 307). مقابل هاتين النظريتين اللتين لا يحظى أي منهما بقبول كبير في العصر الحاضر، هناك وجهتا نظر رئيسيتان أخريان: أ: يرى بعضهم أن الخبر المعتبر هو الذي يكون جميع رواة سنده موثوقين خاصاً أو عاماً، ولا يقبلون حتى إكراه السند بالشهرة (خویی، 1422، 1/235)، وبعضهم من هذه المجموعة اعتبر عمل الصحابة جابر ضعفاً في السند (محقق‌حلی، 1407، 1/61؛ محقق‌حلی، 1407، 2/233 و 363)؛ ب: يرى آخرون اعتبار الخبر الموثق به؛ وبناءً عليه، يعتبرون الاطمئنان إلى صدور الخبر في حال ضعف السند دليلاً على اعتباره حتى وإن لم يتبع العمل المشهور ذلك الخبر (انصاری‌، 1416‌، 1/174).

وفي هذا السياق، طرح رأي آخر من الشهيد الصدر وآية الله السيستاني وهو اعتبار أخبار الآحاد التي تتوافق مع روح القرآن والسنة القطعية، حتى وإن لم يكن للرواة توثيق خاص أو عام. فإذا كانت سلسلة السند من الثقات وخالية من التوافق الروحي المذكور، فهي غير معتبرة. وقد استندوا لإثبات نظريتهم إلى أحاديث استظهارية تقبل الخبر الموافق لروح القرآن والسنة القطعية، وترفض الخبر الذي لم يُحْرَز توافقه.

بعد تقريب مضمون النظرية وفق كلمات أصحابها، تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل مناسب للأدلة الإثباتية لهم والرد على الغموض والاعتراضات عليها؛ وبعبارة أخرى، يجب إثبات أن مفاد الأحاديث التي تطرح «الأخذ بالخبر في حال موافقته للقرآن والسنة، وطرح الخبر في حال مخالفتهما» هو إثبات الموافقة لروح القرآن والسنة حتى تكون النظرية قابلة للدفاع. ويجب توضيح أولاً، ماذا تعني الموافقة لروح القرآن والسنة؟ ثانياً، ما المقصود بالسنة القطعية؟ ثالثاً، هل مضمون النظرية هو عدم حجية الخبر الذي لم يُحْرَز فيه توافق مع روح القرآن، أم عدم صدوره؟ وأخيراً يجب إثبات أن صدور مستندات النظرية من الروايات عن المعصومين(ع) قطعي؛ إذ إن إثبات النظرية بدون ذلك، خاصة بالنسبة لبعض أنصار النظرية الذين لا يقبلون أسس أخرى للأخذ بالخبر الواحد (= الخبر الواحد الثقة)، يعد نوعاً من التراجع عن النظرية. كل هذه الأسئلة تمت الإجابة عليها في هذه المقالة لتقديم تفسير صحيح للنظرية إلى المجامع العلمية.

1. مضمون النظرية في كلمات الشهيدالصدر وآيةالله السيستاني

الشهيد الصدر في مسألة حجية الخبر الواحد في «مباحث الأصول» (صدر، 1408، 2/352) ومسألة التوازن والترجيح في «بحوث في علم الأصول» (صدر، 1417، 7/333) وفي كتاب «قاعدة لا ضرر ولا ضرار» (صدر‌، 1420‌، 63) بيّن المعيار الثاني، إلى جانب حجية الخبر الثقة، لاعتبار أخبار الآحاد وهو موافقة الخبر لروح عام ومقاصد الشريعة (روح القرآن والسنة القطعية). فقد اعتبر الشريعة ذات روح عام ومقاصد أساسية يجب أن تتماشى معها جميع الأحكام الشرعية، والخبر المخالف لذلك مردود.

يقول آية الله السيستاني إن اليقين المستمد من المبادئ العقلية هو الحجة. فإذا تحقق اليقين من صدور خبر ما، فإن ذلك الخبر يكون حجة (سیستانی، 1437، 5). وبما أنه لا يرى دلالة الآيات والأحاديث والإجماع والسيرة على اعتبار الخبر الثقة، فقد جعل الاتفاق الروحي مع القرآن والسنة القطعية معيارًا له لاعتبار الخبر الواحد؛ بمعنى أن ذلك الخبر يكون خبرًا موثوقًا به إذا كان من الناحية العقلية متفقًا روحيًا مع القرآن والسنة القطعية. وبعبارة أخرى، إذا كان الخبر متفقًا روحيًا مع القرآن والسنة، فهو مطمئن ولهذا السبب يكون حجة. وهو لا يعتبر هذا الرأي فقط رأيه المقبول، بل ينسبه إلى الشيخ المفيد والفقهاء قبله (سیستانی، 1437‌، 23 و 32). ويجب الانتباه إلى أن معيار حجية الخبر من وجهة نظر آية الله السيستاني هو «تحقق اليقين من صدور الخبر» والمعيار الأساسي لتحقيق اليقين هو الاتفاق الروحي للخبر مع القرآن والسنة. فإذا تحقق اليقين من صدور الخبر بوسيلة أخرى، فإن الخبر يكون حجة أيضًا؛ مثلاً إذا كان مضمون الخبر إجماعيًا أو له دليل عقلي، فالخبر يكون حجة (سیستانی، 1437، 11).

وفي مقام بيان الشاهد على نظريته، يكتب: «كل مشرع ومؤلف له آثار مختلفة، له مبادئ مشتركة تسري في جميع تلك الآثار، ولهذا إذا نُسب إلى شخص كتابان، أحدهما منسوب إليه قطعًا والآخر مشكوك في نسبته إليه، فيمكن نسب الكتاب المشكوك إلى الشخص إذا كان الكتاب المشكوك متفقًا روحيًا مع الكتاب القطعي. ولهذا العمل، يجب أن تُقاس روح وخصائص الكتاب القطعي، وبعد الحصول عليها، يُعرض الكتاب المشكوك على الكتاب القطعي، وكلما كان مطابقًا للكتاب القطعي، يُنسب إلى الشخص، وكلما لم يكن مطابقًا لا يمكن نسبته إليه» (سیستانی، 1414، 224). في الواقع، كلام الأئمة (ع) كلام متماسك يتفق مع القرآن والسنة القطعية، ولهذا إذا كان صدور خبر من الأئمة (ع) مشكوكًا فيه، يُقارن بالقرآن والسنة، وإذا توافقت معهما يجب قبوله، وإذا لم يُثبت توافقه، يُطرح.

النطاق المذكور في بيان النظرية من قبل أصحابها يدل أولاً على أن هذه النظرية لا تقتصر على الأحكام الشرعية بل هي معيار يشمل جميع شؤون الشريعة (الأحكام الشرعية والعقائد)؛ ثانيًا، لا تقتصر على الخبر الواحد بل تشمل جميع الظنون؛ أي أن اعتبار الشهرة الفقهية، مثلاً، متوقف على موافقتها لروح القرآن والسنة القطعية؛ ثالثًا، يصل الفقيه إلى درجة الفقه إذا كان أولاً مفسرًا، وبعد ذلك يجب أن يكون على معرفة كاملة بالسنة القطعية ليتمكن من استنباط روح الشريعة من هذين المصدرين القطعيين ومقارنة الأخبار بهما.

2. دراسة أدلة النظرية

اعتُبرت الروايات التي مفادها تواتر معنوي على عرض الخبر على القرآن والسنة دليلًا على النظرية. هذا الإيجاز في لسان أصحاب النظرية يحتاج إلى تفصيل. وتنقسم الروايات المذكورة إلى فئتين؛ الفئة الأولى: موضوعها تعارض روايتين، وقد عرّف الأئمة (ع) أحد المرجحات بأنه موافقة القرآن (حر عاملی، 1409، 27/118 و 123)؛ والفئة الثانية: مفادها مطلق ولا يختص بتعارض الأخبار. من بين هذه، الروايات الأخيرة هي محل النقاش (سیستانی‌، 1437، 42).

في معنى عرض الخبر على القرآن والسنة واكتشاف الموافقة والمعارضة، هناك معنيان متصوران؛ إما الموافقة والمعارضة مع مضمون القرآن والسنة، أو الموافقة والمعارضة مع روح القرآن والأهداف العامة للشريعة. النظرية تكون قابلة للدفاع إذا ثبت المعنى الثاني، بينما المعنى الأول هو المعروف بين الفقهاء (سیستانی، 1414، 225).

على أي حال، لإثبات المعنى الثاني، يجب الإشارة إلى روايات يظهر فيها هذا المعنى ولا يُحتمل المعنى الأول، وبما أن الاستشهاد بالخبر الثقة لإثبات النظرية المذكورة هو نوع من التراجع عن النظرية، فإن طرح هذه الروايات لإثبات المعنى المقصود يجب أن يكون بطريقة تواتر، وإن كان معنويًا، حتى تستند النظرية إلى دليل قطعي.

فيما يلي، حسب الاختلاف الدلالي، تُقسم الروايات المعنية إلى ست فئات، وبحسب إدارة حجم المقال، يُكتفى بذكر نص رواية أو اثنتين في كل فئة، وفي دراسة مفادها يُشار إلى الشواهد والمؤيدات التي تبين أن المعنى محصور في الموافقة والمعارضة مع روح القرآن والسنة القطعية.

الفئة الأولى:

في هذه الفئة من الروايات، ورد التعبير «ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه» أو «ما جاءك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به» (عیاشی، 1380، 1/8) أو ما يشابهه (کلینی، 1407، 1/58). من بينها، يُحلل تقرير الكليني عن علي بن إبراهيم عن إبراهيم بن هاشم عن نوفلي عن السكوني عن الإمام الصادق (ع) الذي قال: «قال رسول الله ص: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه» (کلینی‌، 1407‌، 1/69‌).

الرواية المذكورة تدل على مفاد النظرية المذكورة بثلاثة تعابير، والتعبير الثاني والثالث مشترك بين هذه الرواية وروايات أخرى من هذه الفئة.

التعبير الأول: «الحق» بمعنى الخبر المطابق للواقع، و«الحقيقة» وجود ماهية الخبر في الواقع. و«على» في الرواية استُعملت بدلًا من «لام»، وفي استعمال «على» احتمالان؛

1- إما من باب التنبيه للتعبير عن الإحاطة والاستعلاء؛ أي أن حقيقة كل خبر تُعتبر بحقيقة ذلك الخبر في ذاته، وإذا لم تكن حقيقة الخبر في ذاته، فالخبر ليس حقًا.

2- أو باعتبار المجاورة مع «على كل صواب نورا»؛ أي أن كل اعتقاد أو خبر مطابق للواقع له برهان. وبالطبع في الرواية استُخدم بدلًا من كلمة «برهان» لفظ «نور»؛ لأن البرهان وسيلة النفس لإظهار المعقولات، كما أن النور وسيلة لإظهار المحسوسات.

وبالتوضيحات التي قُدمت يمكن استنتاج بناءً على التفريع التالي للرواية على صدرها أن حقيقة كل حق موجود في نفس الأمر وبرهان كل أمر صحيح موجود في القرآن أيضًا. فإذا لم توجد حقيقة وبرهان خبر في القرآن، فلن توجد في نفس الأمر أيضًا؛ لأن كل ما هو موجود في نفس الأمر موجود في القرآن. وعلى هذا الأساس، القرآن ميزان لتمييز الحق من الباطل والصحيح من الخطأ، ولكي يُعرف الاعتقاد والأحاديث الصحيحة من الباطلة والصحيحة من الخاطئة يجب عرض ذلك الخبر على القرآن؛ أي إذا كان الخبر موافقًا للقرآن يجب أخذه، وإذا خالف يجب طرحه (ملاصدرا، 1383، 2/373؛ مازندرانی‌، ‌‌1382‌، 2/418).

وفقًا للحجة التي ذُكرت، القرآن هو المقياس العام لتمييز الاعتقاد والخبر الصحيح من الباطل. والآن إذا كان المراد من الموافقة والمخالفة هو موافقة ومخالفة الخبر لمؤدى القرآن، فيجب طرح معظم الروايات الصادرة عن الأئمة(ع)؛ لأن معظم روايات الأئمة(ع) ليست موافقة ولا مخالفة لمؤدى القرآن، وهذا في حين أن لا مسلم ولا فقيه ملتزم بذلك. ومن هنا، بما أن حمل الموافقة والمخالفة على موافقة ومخالفة الخبر لمؤدى القرآن غير قابل للالتزام، يتضح أن المقصود من الروايات هو الموافقة والمخالفة لروح القرآن.

البيان الثاني: قال النبي(ص) في صدر الرواية بوجه عام، إن لكل حق، سواء في الأمور الدينية أو غيرها، حقيقة، ولكل أمر صحيح نور، ثم جعل ذيل الرواية متفرعًا على صدرها، ويبدو أن ذيل الرواية عام. في ذيل الرواية وردت عبارتان «موافق الكتاب» و«مخالف الكتاب» ولم يُذكر شكل ثالث. فإذا كان المراد من الموافقة والمخالفة هو الموافقة والمخالفة لمؤدى القرآن، فهناك شكل ثالث لم تتعرض له الرواية، وهو الحالة التي يكون فيها الخبر غير موافق ولا مخالف لمضمون القرآن، في حين أن ظاهر الرواية يدل على قاعدة عامة. إذًا، المقصود من الأخذ بالخبر في حالة الموافقة وطرح الخبر في حالة المخالفة هو الموافقة والمخالفة لروح القرآن العامة. وبالطبع إذا قيل إن المراد من الموافقة هو «عدم المخالفة» أو المراد من المخالفة هو «عدم الموافقة»، ففي هذه الحالة تكون الرواية متوافقة مع المعنى الأول، لكن هذا المعنى مخالف للظاهر (صدر، 1408‌، 2/356‌).

البيان الثالث: عبارة «فخذوه» أمر بأخذ الخبر الموافق للقرآن؛ والأمر بالأخذ هو أمر مولى في مقام جعل الحجية. وعلى هذا الأساس، إذا كان المراد من الموافقة هو الموافقة لمؤدى القرآن، فإن جعل الحجية للخبر يكون ذا أثر فقط في فرض نادر؛ لأن وجود الآية، فالآية نفسها كافية للاستدلال على المسألة ولا حاجة للخبر ليُجعل له حجية. أما إذا كان المراد من الموافقة هو الموافقة لروح القرآن، فإن جعل الحجية للخبر يكون ذا أثر؛ فمثلًا وردت روايات تدل على وجوب دفع الزكاة في «مال التجارة» (طوسی‌، 1390، 2/9) وهذه الروايات موافقة لروح القرآن لكنها لا تدل عليها نصًا، وإثبات الزكاة في مال التجارة يحتاج إلى دليل، وهذا الدليل يكون قابلًا للتطبيق فقط إذا وُجد دليل على حجية ذلك (صدر، 1408، 2/356).

الطائفة الثانية:

في هذه الطائفة ورد التعبير «فَوَجَدْتُمْ عَلَيهِ شَاهِداً أَوْ شَاهِدَينِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَخُذُوا بِهِ وَ إِلَّا‌ فقِفُوا‌ عِنْدَهُ ثُمَّ رُدُّوهُ إِلَينَا حَتَّى يسْتَبِينَ لَكُمْ» (کلینی، 1407، 2/222) وما يشابه معناه (کلینی‌، 1407‌، 1/69).

وفقًا لهذا التعبير، إذا لم يكن الخبر موافقًا لمؤدى القرآن لكنه موافق لروح القرآن والشريعة، فمن الصحيح القول إن ذلك الخبر له شاهد من القرآن والسنة (صدر، 1417، 7/334). كما أن ظاهر «شاهدين» يؤكد على معيار الأخذ بالرواية بوجود شاهدين. والشرح أن «فخذوه» يدل على حجية الرواية بوجود شاهد واحد من القرآن، وظاهر «شاهدين» يؤكد حجية الرواية بوجود شاهدين؛ لأن كلما زاد عدد الشهود القرآنيين، تقوى الروح والهدف المكتشف من القرآن، وبالتالي يكون معيار الأخذ بالحديث الموافق لروح القرآن أقوى.

في رواية أخرى من هذه الطائفة ورد التعبير «مَا جَاءَكَ عَنَّا‌ فَقِسْهُ‌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ و أَحَادِيثِنَا فَإِنْ كَانَ يشبِهُهُمَا فهُوَ مِنَّا وَإِنْ‌ لَمْ‌ يشْبِهْهُمَا فَلَيسَ مِنَّا» (طبرسی، 1403‌، 2/357‌). ولفظة «يشبه» تدل على موافقة الخبر لروح القرآن والسنة؛ لأنه إذا كان الخبر موافقًا لمضمون ومؤدى القرآن، لما قيل إن الخبر يشبه القرآن، بل يُقال إنه مطابق للقرآن. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعبير «فقسه» يدل أيضًا على التوافق الروحي؛ لأنه إذا كان مؤدى الخبر مطابقًا للقرآن، فلا حاجة للمقارنة، بل المقارنة تكون صحيحة فقط إذا لم يكن الخبر متحدًا مع القرآن في المضمون.

الطائفة الثالثة:

في هذه الطائفة، يُراد بها الروايات التي تدل على عدم صدور خبر غير موافق للقرآن، والتي وردت إما بتعبير «كُلُّ شَيْءٍ مَرْدُودٌ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ[1]» (کلینی‌، 1407، 1/69) أو «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَمَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ» (کلینی، 1407، 1/69) وما يشابه ذلك (برقی، 1371، 1/221؛ صدوق، 1403، 390‌).

مضمون الرواية الأولى في مقام بيان القاعدة العامة في نسبة الأحاديث، وهذه القاعدة تتوافق أو لا تتوافق مع روح القرآن؛ لأنه إذا كان المراد بالموافقة هو الموافقة مع مضمون نص خاص من القرآن، فإن ذلك يستلزم بطلان جميع الروايات التي لا توافق مضمون القرآن، بينما يتفق جميع المؤمنين على أن نص القرآن وظاهره لا يشمل جميع الأحكام الشرعية، بل إن معظم الأحكام قد وردت عن طريق النبي (ص) والأئمة (ع) وهم الذين يبينون الأحكام الشرعية، وإذا ذكروا حكماً لا يتوافق مع مضمون القرآن فقد تصرفوا بناءً على شأنهم. فإذا كان المراد من «لا توافق كتاب الله» هو عدم الموافقة مع النص والظاهر القرآني، فهذا يعني أن الأئمة (ع) تصرفوا خلاف شأنهم وذكروا كلاماً باطلاً، وهذا ما لا يقره أحد. على العكس من ذلك، إذا قيل إن المراد من الموافقة وعدم الموافقة هو الموافقة وعدم الموافقة مع روح القرآن، فإنه وفق هذا المعنى، إذا ذكر الأئمة (ع) خبراً يخالف روح القرآن، فقد تصرفوا خلاف شأنهم. وبالتالي، إذا كان الخبر موافقاً لروح القرآن فيجب العمل به، وإذا لم يكن موافقاً لروح القرآن فهو كلام باطل ولم يصدر عن الأئمة (ع) (صدر، 1408، 2/357).

مقتضى الرواية الثانية وما يشابهها كذلك، هو هذا المعنى، وإن عمومية القاعدة المقدمة تتوافق مع الموافقة والمعارضة لروح القرآن؛ لأنه إذا كان المراد من الموافقة والمعارضة هو الموافقة والمعارضة مع النص والظاهر القرآني، فهناك صورة ثالثة يمكن تصورها، وهي أن معظم روايات الأئمة (ع) تقع ضمن هذه الصورة الثالثة، وهي الصورة التي لا تكون فيها الرواية موافقة للنص القرآني ولا مخالفة له، بل الرواية لم تتعرض له.

الفئة الرابعة:

في هذه الفئة من الروايات جاء التعبير «فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُ لِلْقرْآنِ مُوَافِقاً فَخُذُوا بِهِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ مُوَافِقاً فَرُدُّوهُ، وَإِنِ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ عَلَيْكُمْ فِيهِ فَقِفُوا عِنْدَهُ وَرُدُّوهُ إِلَيْنَا حَتَّى نَشْرَحَ لَكُم مِمَّا شَرَحَ لَنَا …» (طوسی، 1414، 231) وما يشابهه في المعنى (طوسی‌، 1407، 7/275).

هذه الروايات تدل بدلالتين على أن المعيار في قياس الأخبار هو التوافق الروحي بين الخبر والقرآن.

الدلالة الأولى: التفصيل بين فرض عدم إدراك الموافقة بين الخبر والقرآن وبين فرض اشتباه الأمر، حيث في الفرض الأول يأمر الإمام (ع) بطرح الرواية، وفي الفرض الثاني يأمر بالتوقف، وهذا دليل على أن المراد من الموافقة وعدم الموافقة هو الموافقة وعدم الموافقة مع الروح العامة للقرآن؛ لأنه إذا كان المراد من الموافقة هو الموافقة مع نص القرآن، فإن التفصيل المذكور لا وجه له، لأن عدم الموافقة تعني عدم إدراك مضمون الخبر في القرآن، وهذا لا يدل على كذب الخبر، وقد صدرت العديد من الروايات عن الأئمة (ع) التي لا توافق مضمون القرآن (صدر، 1408، 2/357).

الدلالة الثانية: الإمام (ع) في هذه الروايات يوصي أصحابه الذين لن يكون لهم وصول إليه، ويبين أن معيار قياس الأخبار هو موافقة الخبر للقرآن، فإذا كان المراد من الموافقة هو الموافقة مع مضمون القرآن، فإن توصية الإمام (ع) لا وجه لها؛ لأن في حالة موافقة الخبر مع مضمون القرآن يكون القرآن هو الدليل ولا حاجة للخبر، بينما الإمام (ع) في مقام بيان معيار لقياس صحة الخبر الواحد الذي ينقله الرواة.

الفئة الخامسة:

في هذه الفئة، على عكس الفئات السابقة التي أمرت بشكل مطلق بقياس الأخبار بالقرآن والسنة، ذُكر أحد حكم قياس الخبر بالقرآن والسنة، وهو التمييز بين الأكاذيب المنسوبة إلى المعصومين (ع)، وذلك بتعبير «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي مِنْ حَدِيثٍ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ حَدِيثِي، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ حَدِيثِي» (حمیری، 1413، 92) أو «فَإِنَّا إِنْ تَحَدَّثْنَا حَدَّثْنَا بِمُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ … فَإِذَا أَتَاكُمْ مَنْ يُحَدِّثُكُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَرُدُّوهُ عَلَيْهِ وَقُولُوا أَنْتَ أَعْلَمُ وَمَا جِئْتَ بِهِ! …» (کشی، 1409، 224).

يَتَحَقَّقُ كَشْفُ الأَخْبَارِ وَالنِّسَبِ الكَذِبِيَّةِ إِلَى المَعْصُومِينَ (ع) عِنْدَمَا يَكُونُ المَوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ مَعَ رُوحِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ، وَلَيْسَ مَعَ مَضْمُونِ وَمُؤَدَّى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ المُزَوِّرِينَ وَالكَذَبَةَ فِي الحَدِيثِ لَمْ يَطْرَحُوا نِسْبَةَ كَذِبِ وَتَزْوِيرِ حَدِيثِهِمْ كَانْتِهَاكًا لِلقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي المَصَادِرِ الرِّوَائِيَّةِ، بَلْ اسْتَخْدَمُوا الكَذِبَ وَالتَّزْوِيرَ الَّذِي لَهُ أَقَلُّ مُخَالَفَةٍ ظَاهِرِيَّةٍ مَعَ القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ بَعْضَ الأَحَادِيثِ الصَّادِرَةِ عَنْ المَعْصُومِينَ (ع) تُخَالِفُ ظَاهِرَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ، فَإِنَّ رِوَايَاتٍ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ الأَئِمَّةِ (ع) وَجَدَتْ تُخَالِفُ ظَاهِرَ القُرْآنِ وَصَدَرَتْ عَنْ بَعْضِ الكَذَبَةِ (انصاری‌، 1416‌، 1/112‌). فَمَا يُرَادُ بِالعَرْضِ عَلَى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ مَعَ مُؤَدَّى القُرْآنِ، لِأَنَّ الأَخْبَارَ المُخَالِفَةَ لِمُؤَدَّى القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ صَدَرَتْ مِنَ الأَئِمَّةِ (ع) وَكُذَّابُونَ نَسَبُوهَا إِلَى الأَئِمَّةِ (ع). وَبِالتَّالِي، فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، يُطْرَحُ مِعْيَارُ المَوَافَقَةِ وَالمُخَالَفَةِ مَعَ رُوحِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، لِأَنَّ المَعْصُومِينَ (ع) لَا يُبَيِّنُونَ خَبَرًا يُخَالِفُ رُوحَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا هُوَ المِعْيَارُ لِكَشْفِ أَخْبَارِ المَعْصُومِينَ (ع) مِنْ أَخْبَارِ الكَذَبَةِ.

الفئة السادسة:

نَظَرِيَّةُ التَّوَافُقِ الرُّوحِيِّ لِلْخَبَرِ مَعَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تُعْرَضُ بِشَكْلٍ تَطْبِيقِيٍّ مَعَ بَعْضِ الآيَاتِ الَّتِي ظَاهِرُهَا لَا يَرْتَبِطُ بِالخَبَرِ المَذْكُورِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عُدَّتِ الآيَةُ مِنْ قِبَلِ المَعْصُومِينَ (ع) دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الخَبَرِ. عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، نُقِلَ عَنْ الإِمَامِ البَاقِرِ (ع) قَوْلُهُ: «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَاسْأَلُونِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) نَهَى عَنِ القِيلِ وَالقَالِ وَفَسَادِ المَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، فَقِيلَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَيْنَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: -لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ- وَقَالَ: -وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا- وَقَالَ: -لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ-» (کلینی، 1407، 1/60). فِي هَذِهِ الحَالَةِ، عَرَضَ الإِمَامُ (ع) الخَبَرَ المَنْقُولَ عَنِ النَّبِيِّ (ص) عَلَى القُرْآنِ، وَلَكِنَّ ظُهُورَ الآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الخَبَرِ، بَلْ هُوَ بَيَانُ التَّوَافُقِ الرُّوحِيِّ لِلْخَبَرِ مَعَ مَفَادِ الآيَةِ؛ لِأَنَّ «القِيلَ وَالقَالَ» فِي الخَبَرِ النَّسْبِي إِلَى النَّبِيِّ (ص) مَعْنَاهُ الحَدِيثُ الزَّائِدُ فِي المَجَالِسِ (ابن اثیر‌، د.ت.‌، 4/122‌)، وَ«نَجْوَاهُمْ» فِي الآيَةِ الشَّرِيفَةِ مَعْنَاهُ الهَمْسُ وَالكَلاَمُ فِي السِّرِّ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، يُعْتَبَرُ سَبَبُ حُكْمِ غَسْلِ الثَّوْبِ الَّذِي لَامَسَ رُطُوبَةَ الكَلْبِ مَسْنُودًا إِلَى أَمْرِ النَّبِيِّ (ص) بِقَتْلِ الكَلْبِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ عِلَاقَةٍ بَيْنَ هَذَيْنِ المَفْهُومَيْنِ. وَالنَّصُّ هُوَ: «قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِذَا أَصَابَ ثَوْبَكَ مِنَ الكَلْبِ رُطُوبَةٌ فَاغْسِلْهُ، وَإِنْ مَسَّهُ جَافًّا فَاصْبُبْ عَلَيْهِ المَاءَ. قُلْتُ: لِمَ صَارَ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ أَمَرَ بِقَتْلِهَا» (طوسی، 1407، 1/261). فِي هَذِهِ الحَالَةِ، سُؤَالُ الرَّاوِي هُوَ عَنْ سَبَبِ ثُبُوتِ الحُكْمِ أَوْ دَلِيلِ إِثْبَاتِ الحُكْمِ، فَكَانَ جَوَابُ الإِمَامِ (ع) جَوَابًا اسْتِنْدَادِيًّا، وَالأَمْرُ بِقَتْلِ الكَلْبِ يُعْتَبَرُ شَرْعًا دَلِيلًا عَلَى مَبْغُوضِيَّةِ الكَلْبِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ بِغَسْلِهِ يُتَّفِقُ مَعَ هَذِهِ المَبْغُوضِيَّةِ رُوحِيًّا (سیستانی، 1414، 216)، فَإِنَّ عَرْضَ الخَبَرِ عَلَى السُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ المَنْقُولَةِ عَنِ النَّبِيِّ يَكُونُ مَعْنًى.

وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى فِي هَذِهِ الفِئَةِ تُشِيرُ بِالتَّقْرِيبِ المَذْكُورِ إِلَى التَّوَافُقِ الرُّوحِيِّ مَعَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ (کلینی، 1407،7/41‌ و 157‌).

خِتَامًا، إِطْرَاحُ الرِّوَايَاتِ المَذْكُورَةِ وَتَبْيِينُ دَلَالَتِهَا يُظْهِرُ أَنَّ المَوَافَقَةَ وَالمُخَالَفَةَ مَعَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ فِي هَذِهِ الفِئَةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَا تَكُونُ تَوَافُقًا وَتَخَالُفًا مَعَ مَضْمُونِ وَمَفْهُومِ الظَّاهِرِ، بَلْ هِيَ تَوَافُقٌ وَتَخَالُفٌ رُوحِيٌّ. وَمِنْ كَلِمَاتِ الشَّهِيدِ صَدْرٍ وَآيَةِ اللَّهِ السِّيسْتَانِي، يُمْكِنُ اسْتِخْدَامُ شَهَادَتَيْنِ عَامَّتَيْنِ فِي هَذَا الصَّدَدِ:

الشَّهَادَةُ الأُولَى: مِنْ وَظَائِفِ الأَئِمَّةِ (ع) القَطْعِيَّةِ بَيَانُ الأَحْكَامِ، وَالرَّوَاةُ الَّذِينَ نَقَلُوا أَحَادِيثَ الطَّوَائِفِ السِّتِّةِ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ. وَكَذَلِكَ أَمَرَ الأَئِمَّةُ (ع) بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالإِطِّلَاعِ عَلَى التَّفَاصِيلِ وَالجُزْئِيَّاتِ، وَفِي حِينِ أَنَّ فَهْمَ التَّفَاصِيلِ وَالجُزْئِيَّاتِ لَيْسَ مُمْكِنًا مِنَ القُرْآنِ. وَالْخُلاَصَةُ أَنَّهُ عِنْدَمَا يَجْعَلُ الأَئِمَّةُ (ع) مِعْيَارَ فَحْصِ الأَخْبَارِ هُوَ المَوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ مَعَ القُرْآنِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُمْ لَيْسَ المَوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ مَعَ مُؤَدَّى القُرْآنِ، بَلْ مَقْصُودُهُمْ هُوَ المَوَافَقَةُ وَالمُخَالَفَةُ مَعَ رُوحِ القُرْآنِ، لِأَنَّ التَّفَاصِيلَ وَالجُزْئِيَّاتِ لِلأَحْكَامِ لَا تَكُونُ فِي القُرْآنِ لِتَكُونَ مِعْيَارًا لِفَحْصِ الأَخْبَارِ. وَوَضَعَ الشَّهِيدُ صَدْرٌ هَذَا البَيَانَ كَدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لِفَهْمِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ السِّتِّةِ (صدر، 1420، 66).

الشَّهَادَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ المَقْصُودُ مِنَ المَوَافَقَةِ وَالمُخَالَفَةِ فِي الرِّوَايَاتِ المَذْكُورَةِ هُوَ المَوَافَقَةُ مَعَ مُؤَدَّى القُرْآنِ، فَلا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَاتُ فِي الإِطْلَاقِ وَالعُمُومِ أَيْضًا مُوَافِقَةً لِلقُرْآنِ، وَمِنْ ضَرُورَاتِ هَذَا التَّوَافُقِ صِحَّةُ تَخْصِيصِ وَتَقْيِيدِ القُرْآنِ، وَهَذَا مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ (سیستانی، 1414، 215).

وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ المَذْكُورَةَ تُشِيرُ إِلَى تَوَافُقِ الرُّوحِ لِلْخَبَرِ مَعَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِثْبَاتِ النَّظَرِيَّةِ، وَكَثْرَتُهَا تُشِيرُ إِلَى قُطْعِيَّةِ صُدُورِهَا عَنْ المَعْصُومِينَ (ع). فَلَا يُفْتَرَضُ أَنَّهُ لِإِثْبَاتِ النَّظَرِيَّةِ اسْتِنَادٌ إِلَى أَخْبَارِ الآحَادِ الثِّقَاةِ، بَلْ كَثْرَتُهَا تُشِيرُ إِلَى تَوَاتُرِهَا المَعْنَوِيِّ فِي إِثْبَاتِ مَفَادِ الكُلِّيِّ لِلنَّظَرِيَّةِ.

3. شرح وتحليل أبعاد النظرية

للنظرية المذكورة أبعادٌ مختلفةٌ تَسْتَحِقُّ التَّحْلِيلَ وَالتَّبْيِينَ.

1.3. المراد من المطابقة والمخالفة مع روح القرآن والسنة القطعية

السؤالُ الَّذي يُطْرَحُ هُنَا هُوَ: مَا مَعْنَى المَوَافَقَةِ وَالمُخَالَفَةِ مَعَ رُوحِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ؟

تَتَوَقَّعُ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ:

1- المطابقة والمخالفة مع المِعْيَارِ المُكْتَشَفِ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ القَطْعِيَّةِ؛

2- الموافقة والمعارضة للأهداف الأساسية للشريعة؛

3- المطابقة والمعارضة للنظائر والمماثلات القطعية في القرآن والسنة؛

4- المطابقة والمعارضة للقاعدة المكتشفة من القرآن والسنة القطعية.

من بين المعاني الأربعة المذكورة، المعنى الأول بالتأكيد ليس المقصود من الشهيد الصدر وآية الله السيستاني؛ لأن استخراج المعيار من القرآن والسنة أمر معقد، وحتى لو تم الاستخراج، فسيكون ظنيًا لا دليل على اعتباره. بالإضافة إلى ذلك، لم يصرح أي منهما بهذا المعنى ولا يشير كلامهما إليه. لذلك، المقصود من المطابقة والمعارضة لروح القرآن والسنة القطعية ليس إلغاء الخصوصية ولا تنقيح الموطأ.[2]

أما بالنسبة للمعاني الثلاثة الأخرى، فهناك أدلة تدل على أنه لا يستبعد أن يكون الشهيد الصدر وآية الله السيستاني قد قصدوا جميع هذه المعاني؛ أي أن المقصود من الموافقة والمعارضة للخبر مع القرآن والسنة هو الموافقة والمعارضة للنظائر والمشبهات، والقواعد المكتشفة من القرآن والسنة، والأهداف العامة للشريعة. فقد استخدم آية الله السيستاني في عدة مواضع تعابير مثل «الشواهد، المناسبات، التناسب والاستئناس بالخبر مع الروح القرآني» (سیستانی، 1414، 212)، وهذه التعابير تتوافق مع جميع المعاني الثلاثة المذكورة. ومع ذلك، فقد أوضح في كتاب «حجية الخبر الواحد» أن المقصود من الموافقة هو الموافقة مع الهدف الأساسي للقرآن والسنة؛ بمعنى أن الشارع وضع القرآن لهداية البشر من جميع الجوانب الفردية والاجتماعية والدنيوية والأخروية، ويجب أن يكون الخبر في امتداد هذا الوضع القرآني (سیستانی، 1437، 23). لكن هذا المعنى من الموافقة لا يتعارض مع المعنى الثالث والرابع؛ لأن الموافقة مع الشواهد والقواعد هي من مصاديق الموافقة مع امتداد الخبر مع القرآن. وكذلك في كلام الشهيد الصدر وردت تعابير «النظائر والمشابهة» و«طبيعة التشريعات القرآنية والمزاج العام للقرآن» (صدر‌، 1420‌، 65‌)، وكل هذه المعاني متماشية معه؛ لأنه لا يستبعد أن يشمل تعبير «طبيعة التشريعات القرآنية والمزاج العام القرآني» القواعد العامة المستفادة من القرآن والسنة والأهداف العامة للشريعة. بالإضافة إلى ذلك، في شرح نظريته في بداية المقال، كان للشهيد الصدر بيان صريح في المعنى الثاني؛ أي أن الأحكام الشرعية يجب أن تكون متماسكة مع الأهداف العامة للشريعة، وإذا لم تكن متماسكة يجب إعادة طرحها.

ومن الجدير بالذكر، إذا قيل إن المقصود من «الموافقة مع الأهداف العامة للشريعة» هو القواعد المكتشفة من القرآن والسنة، فإن المعنى الثاني ليس مستقلاً بل هو ضمن المعنى الرابع.

على أي حال، وبالنظر إلى الروايات المذكورة في قسم الشواهد والمؤيدات، يمكن تحليل وتبيين أدلة الإثبات لكل من المعاني المذكورة على النحو التالي:

الطائفة الثانية من أدلة نظرية محل النقاش دليل مهم للمعنى الثالث؛ لأن في هذه الطائفة تعابير مثل «فَوَجَدْتُمْ عَلَيْهِ شَاهِدًا أَوْ شَاهِدَيْنِ»، «فَوَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِدًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص»، و«فَإِنْ كَانَ يَشْبِهُهُمَا فَهُوَ مِنَّا» التي تدل على أن وجود شاهد من القرآن والسنة يكفي لقبول الخبر. بالإضافة إلى ذلك، في بعض روايات الطائفة السادسة، كان الإمام(ع) عند تطبيق كلام النبي(ص) على القرآن يستند إلى نظائر قرآنية.

وقد يُقال إن المعنى الثاني يشبه القياس؛ أي إذا كانت مشابهة الخبر لآية من القرآن والسنة سببًا لحجيته، فهذا يشبه القياس، والقياس في الشريعة باطل. وهذا غير صحيح؛ لأن المشابهة تختلف عن القياس، ففي القياس يُنقل الحكم من الأصل إلى الفرع، أما في المشابهة فلا يحدث ذلك، بل يُنظر إلى الحكم في المسألة على أنه مشابه لحكم آخر. ولهذا السبب، في بعض روايات الأئمة(ع) تم التفريق بين المشابهة والقياس (کلینی، 1407، 4/234).

وأما في تقديم دليل إثبات معنى التناسب بين الخبر والقواعد المكتشفة من القرآن والسنة، فيمكن الاستشهاد في كتاب الطلاق بعدة روايات استند فيها الأئمة(ع) إلى آيات القرآن ليبينوا قاعدة عامة لصحة الطلاق، وبناءً عليها لم يعتبروا أي طلاق مخالف لهذه القاعدة صحيحًا. فالاستفادة من القرآن هي أن صحة الطلاق تستلزم «طهر المرأة من الحيض»، و«وجود شاهدين عادلين»، و«عدم الجماع في فترة الطهر». إذًا، الطلاق في فترة الحيض، والطلاق ثلاث مرات، وكل طلاق يخالف هذه القاعدة فهو باطل (حمیری، 1413، 61؛ کلینی، 1407، 6/67). قد يُقال إن المقصود من المخالفة في هذه الروايات هو المخالفة على نحو التباين، ولا شك أن في فرض المخالفة على نحو التباين يجب طرح الخبر المخالف للقرآن، فهذه الرواية ليست دليلًا واضحًا على رد النظرية المذكورة. والجواب أن هذه الرواية ليست دليلًا على النظرية بل هي مجرد بيان أن الموافقة والمخالفة للخبر مع روح القرآن والسنة لها معنى أعم يشمل المخالفة للقواعد القرآنية أيضًا. وهناك أدلة أخرى لإثبات هذا المعنى من الموافقة والمخالفة الروحية للقرآن والسنة. مثلاً من رواية معاوية بن عمار يُستفاد أن من قواعد القرآن المستفادة من الآية (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) أن عقوبة المعتدي تكون بمقدار تعديه. لذلك استند الإمام(ع) في فرض سؤال الراوي عن عقوبة القاتل والسارق اللذين ارتكبا جريمة القتل والسرقة في الحرم الآمن الإلهي إلى هذه الآية وقال: «قَالَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَرَمِ صَاغِرًا إِنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْحَرَمِ حُرْمَةً وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ…» (کلینی، 1407، 4/227). وبالأساس، بناءً على هذا الفهم من الآية استدل الفقهاء في مسألة المقاصة على جواز القصاص من هذه الآية (بحرانی‌، 1405، 18/409؛ نراقی، 1415، 17/447؛ یزدی، 1414، 2/208). إذًا يمكن القول إن روايات باب القصاص، لأنها تتناسب مع القاعدة القرآنية المذكورة، صدرت عن الأئمة(ع).

2.3. شمولية النظرية في مطابقة ومخالفة الخبر للسنة القطعية

رغم أن معظم الروايات المذكورة في الطوائف الستة تتناول فقط موافقة ومخالفة الخبر للقرآن الكريم، إلا أن تعبيرات مثل «لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثًا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ»، و«فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَخُذُوا بِهِ»، و«وَجَدْتُمْ لَهُ شَاهِدًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص» في بعض الروايات تثبت شمولية النظرية للسنة القطعية أيضًا، وهذه الروايات ليست أخبارًا آحادًا حتى يُستدل بها على النظرية المذكورة من خلال خبر واحد. على أي حال، فإن حرف العطف «واو» في ربط القرآن بالسنة لا يدل على الجمع، أي ليس الأمر أن قبول الخبر مشروط بموافقته للقرآن والسنة معًا، بل الموافقة مع أي منهما تكفي لقبول الخبر. بالإضافة إلى ذلك، في بعض الروايات عُطفَت السنة بـ«أو» على القرآن.

ومن الجدير بالذكر أنه في بعض الروايات المذكورة، رغم ورود تعبير «السنة» و«أو من قول رسول الله ص» ويبدو منها أن المقصود هو الموافقة والمخالفة للخبر مع سنة رسول الله، إلا أنه في بعض الروايات الأخرى ورد تعبير «فَقِسْهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ وَأَحَادِيثِنَا» و«ما وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ أَوْ تَجِدُونَ مَعَهُ شَاهِدًا مِنْ أَحَادِيثِنَا الْمُتَقَدِّمَةِ» وهذه التعبيرات تدل أيضًا على كفاية الموافقة والمخالفة مع السنة القطعية المكتشفة من كلام الأئمة(ع). بالإضافة إلى ذلك، ظاهر بعض الروايات أن بعض الأحكام ليست موجودة في القرآن والسنة النبوية، بل يجب أخذها من أهل البيت(ع) (صفار، 1404، 1/11).

3.3. المعيار في طرح الخبر الواحد: المخالفة للقرآن والسنة القطعية أو مجرد عدم إثبات الموافقة

في بعض الروايات ورد تعبير «خالف كتاب الله» ونظائره، وفي بعض الأدلة ورد تعبير «لا يوافق كتاب الله» و«لم يوافق الحديث القرآن» ونظائرها. والسؤال هنا: هل لطرح الخبر يجب أن يكون مخالفًا للقرآن والسنة القطعية، أم يكفي مجرد عدم إثبات الموافقة مع القرآن والسنة القطعية؟

ظاهر كلام آية الله السيستاني هو أنه إذا لم يكن الخبر موافقًا للقرآن فهو مخالف له. بمعنى آخر، من وجهة نظره، المقصود من «عدم الموافقة» هو المخالفة؛ لأن الخبر إما أن يكون له توافق روحي مع القرآن والسنة القطعية أو لا. وبمجرد عدم التوافق الروحي للخبر مع القرآن والسنة يتضح أن الخبر مخالف لهما (سیستانی، 1437، 212). ويبدو أنه لا حاجة لتحويل «عدم الموافقة» إلى «مخالفة» بل يكفي مجرد عدم الموافقة لطرح الخبر؛ لأن تعبيرات «لا يوافق» و«لم يوافق» وغيرها وردت في روايات نصت على عدم صدور الخبر في فرض عدم إثبات الموافقة. وبالتالي، يكفي مجرد عدم إثبات موافقة الخبر مع القرآن والسنة القطعية لطرح الخبر.

4.3. عدم الحجية أو عدم صدور الخبر في فرض عدم إثبات الموافقة أو المخالفة

ظاهر عبارات مثل «لَا تَقْبَلُوا عَلَيْنَا حَدِيثًا إِلَّا مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ» و«مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ» أن الخبر المخالف للقرآن والسنة لا حجية له؛ مع أن معظم الروايات المذكورة تدل على عدم صدور مثل هذا الخبر. ويبدو أن هناك وجوهًا في جمع هاتين المجموعتين من الروايات لتوضيح هذه النظرية من حيث (إثبات عدم الحجية أو إثبات عدم الصدور) بشكل أوضح.

الوجه الأول: التفصيل بين الأحكام والعقائد؛ أي إذا كان مضمون الخبر يدل على حكم شرعي، ففي حالة مخالفته للقرآن لا يكون حجة؛ أما إذا كان المضمون أمرًا اعتقاديًا، ففي حالة مخالفته للقرآن، فإن ذلك المضمون لم يصدر.

هذا الوجه مجرد احتمال ولا دليل واضح عليه.

الوجه الثاني: الروايات التي تدل على عدم صدور التلميح تعني عدم الحجية وليس أنها لم تصدر فعلاً؛ لأن وجود الروايات التقية أمر مسلم به، وإن لم تكن حجة.

هذا الاحتمال أيضًا لا يبدو صحيحًا؛ لأن تعابير مثل «فلم أقلّه»، «فليس منا»، «ليس بحديثي» وغيرها من التعابير نصوص في عدم الصدور، وحملها على التلميح يخالف الظاهر.

الوجه الثالث: الروايات التي تدل على عدم صدور الخبر المخالف للقرآن صريحة في عدم الصدور، بينما الروايات التي تدل على عدم حجية الخبر المخالف للقرآن ظاهرة في عدم الحجية، والجمع بين هذين النوعين يستلزم حمل الظاهر على النص.

الوجه الرابع: كما ذُكر، وجود الروايات التقية أمر مسلم به؛ وعلى هذا الأساس، إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن والسنة ولكن ثبت أنها تقية، فإن هذه الروايات رغم صدورها عن الأئمة(ع) لا تكون حجة، وإذا لم يثبت تقيتها يُحكم بعدم صدورها.

ففي تقريب النظرية، يجب الانتباه إلى الوجهين الثالث والرابع، حيث إن مخالفة روح القرآن والسنة القطعية تتوافق مع عدم حجية الخبر وأيضًا مع عدم صدوره.

4. دراسة بعض الاعتراضات على النظرية

هناك اعتراضات متعددة لرد النظرية، وأهمها ثلاثة اعتراضات سيتم بحثها:

1.4. عدم وجود دليل قرآني للنظرية

أهم اعتراض قد يُطرح لرد النظرية محل البحث هو عدم وجود دليل من القرآن للنظرية نفسها. بمعنى آخر، وفقًا لكمال النظرية، قبول جميع الروايات مشروط بوجود دليل أو قاعدة من القرآن؛ والسبب الرئيسي للنظرية هو الروايات، ولا يوجد دليل من القرآن والسنة لهذه الروايات؛ إذًا قبول النظرية يستلزم عدم صحتها.

في الرد على هذا الاعتراض، يجب القول: إن الروايات التي تثبت النظرية ليست فقط لها دليل قرآني، بل لها دليل قطعي في السنة أيضًا. فالآيات «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» (نحل/89) و«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» (انعام/38) تدلان على أن القرآن يبين كل شيء، وأهم مسائل القرآن تتعلق بالأحكام الشرعية والاعتقادات (سیستانی، 1437، 32). كما يُستفاد من بعض التعابير الروائية أن كل شيء، حتى الروايات التي يطرحها الأئمة(ع)، موجود في القرآن والسنة (کلینی، 1407، 1/62). ووجود الشيء في القرآن والسنة لا يعني بالقطع وجود مضمون كل روايات الأئمة(ع) في القرآن والسنة، بل المراد هو الأدلة والنظائر والقواعد العامة التي تم الاتفاق عليها روحيًا مع القرآن والسنة كما ذُكر.

2.4. رد النظرية بناءً على قاعدة «لو كان لبان»

الفقة الشيعة المشهورون عبر التاريخ عملوا بحجية الخبر الواحد، واختلفوا فقط في المعيار الذي يمكن به تمييز الخبر الصادر عن الأئمة(ع)، ولم يذكر أحد منهم «موافقة أو مخالفة الخبر لروح القرآن والسنة القطعية» كمقياس مستقل. بمعنى آخر، الفقهاء عبر التاريخ كانوا يواجهون الروايات التي استُخدمت كأدلة للنظرية، ووفقًا لاعتراف آية الله السيستاني، فهمهم للموافقة والمخالفة هو الموافقة والمخالفة لمؤدى القرآن والسنة (سیستانی، 1414، 215)؛ فإذا كان للموافقة والمخالفة في هذه الروايات معنى آخر، لكان قد أُشير إليه، ولكن لم يُذكر شيء من هذا القبيل.

في الرد على هذا الاعتراض، يجب القول إن هذه النظرية لا تدل على عدم اعتبار حجية الخبر الواحد، بل هي معيار جديد لتمييز الخبر الواحد الصادر عن الأئمة(ع). ومن جهة أخرى، بما أن الفقهاء قبلوا الخبر الثقة، فقد حملوا هذه الروايات على فرض الموافقة والمخالفة لمؤدى القرآن والسنة، بينما بناءً على الأدلة المتعددة التي ذُكرت، هذا الحمل غير مبرر، بل هو بالتأكيد غير صحيح بالنسبة لبعض الروايات. فمع أن هذه النظرية لم تُطرح بين الفقهاء، إلا أن عدم طرحها كان بسبب حمل غير صحيح قاموا به، ولم يولوا اهتمامًا للأدلة والمؤيدات المذكورة.

3.4. عدم وجود اختلاف بين النظرية المطروحة والقراءة المشهورة للروايات

إذا قيل إن المقصود من الموافقة والمخالفة في الروايات هو الموافقة والمخالفة لظاهر مجموع القرآن، ففي هذه الحالة لا يوجد اختلاف بين النظرية المطروحة والقراءة المشهورة للروايات؛ بمعنى أن المشهور يقول إنه إذا كان الخبر مخالفًا للنص والظاهر لمؤدى القرآن والسنة بطريقة تعارض، فلا يمكن العمل به، وبناءً على النظرية المذكورة، إذا كان الخبر مخالفًا لمجموع القرآن بطريقة تعارض، فلا يمكن العمل به. إذًا في كلتا القراءتين، اختلاف الخبر مع القرآن هو اختلاف مع الظاهر، والفرق الوحيد هو أن المشهور يمنع العمل بالخبر المخالف لظاهر مؤدى القرآن، بينما النظرية تمنع العمل بالخبر المخالف لظاهر مجموع القرآن. وبعبارة أخرى، إذا كان الخبر مخالفًا لظاهر مجموع القرآن، وبما أن ظاهر مجموع القرآن لا يمكن تخصيصه، فإن هذا الخلاف من وجهة النظر العرفية يكون خلافًا بطريقة تعارض، ويجب وفق الأدلة طرح الخبر.

أما إذا قيل إن المقصود من المخالفة في الروايات ليس مخالفة ظاهر مجموع القرآن، بل المخالفة لروح القرآن وأهداف الشريعة، فإن فهم روح القرآن وأهداف الشريعة هو فهم ظني لا دليل على اعتباره، ولا يمكن بمجرد ذلك طرح الخبر المخالف لروح القرآن (شهیدی، د.ت.، 8/235).

في الرد على هذا الاعتراض يجب القول إن المقصود بالموافقة والمعارضة هو الموافقة والمعارضة لروح القرآن والسنة؛ ولكن المقصود بروح القرآن والسنة هو «النظائر والمماثلات» و«القواعد المكتشفة من القرآن والسنة». كما ذُكر في أدلة النظرية، هناك روايات متعددة تدل على هذا الاتجاه؛ لذا القول بعدم وجود دليل على صحة هذا الفهم وعدم إمكانية طرح خبر مخالف لروح القرآن، ليس تعبيرًا صحيحًا.

النتيجة

نظرية «حجية الخبر الواحد في حال الموافقة مع روح عام القرآن والسنة» تُعد معيارًا جديدًا لتحديد حجية صدور الخبر الواحد عن الأئمة(ع). بناءً على هذه النظرية، يكون الخبر الواحد حجّة وصادرًا إذا وُجد شاهد أو نظير قطعي من القرآن والسنة له، أو إذا كان مطابقًا للقواعد والأهداف العامة المكتشفة من القرآن والسنة، وإلا فلا يكون الخبر الواحد حجّة ولا صادرًا؛ والدليل الإثباتي لهذه النظرية هو الروايات المتعددة التي لها تواتر معنوي، ومضمونها العام قبول الخبر الواحد في حال الموافقة مع القرآن والسنة، وطرح الخبر في حال عدم تحقق الموافقة مع القرآن والسنة. وقد حمل جمهور الفقهاء الروايات على الموافقة والمعارضة لمؤدى القرآن والسنة، لكن هناك أدلة متعددة تدل على أن المقصود بالموافقة والمعارضة في هذه الروايات هو الموافقة وعدم تحقق الموافقة مع روح القرآن والسنة. وأهم هذه الأدلة هي:

1- ظاهر عدد كبير من الروايات يدل على قاعدة عامة في نسب الأحاديث، والمقياس في هذه النسبة هو الموافقة مع القرآن والسنة، فإذا كان المقصود بالموافقة والمعارضة هو الموافقة والمعارضة لمؤدى القرآن والسنة، فإن عددًا كبيرًا من الروايات تخرج من تحت القاعدة؛ لأن هناك كثيرًا من الروايات الواردة عن الأئمة(ع) ليست موافقة ولا معارضة لمؤدى القرآن والسنة.

2- بعض الروايات تجعل قبول الخبر الواحد معلقًا على وجود شاهد أو شواهد من القرآن؛ وهذا التعليق يتوافق مع الموافقة والمعارضة للخبر مع روح القرآن.

3- بعض الروايات تبيّن حكمة قياس الروايات على القرآن والسنة، وهي وجود الروايات المزيفة في كتب أصحاب الأئمة(ع)، وبما أن المزورين كانوا يزورون روايات لا تتعارض بشكل واضح مع ظاهر القرآن والسنة، يمكن استنتاج أن قياس الروايات على القرآن والسنة يكون صحيحًا إذا كان المقصود بالموافقة والمعارضة هو الموافقة والمعارضة لروح القرآن.

4- في العديد من الروايات قبل الأئمة(ع) حكمًا بناءً على الموافقة مع نظائر وقواعد القرآن والسنة، وفي حال مخالفة الخبر لها تم طرحه. ومن مجموع هذه الأدلة يتضح أن المقصود بالموافقة والمعارضة التي أصبحت معيارًا لقياس الأخبار هو الموافقة والمعارضة لروح القرآن والسنة.

المصادر

القرآن الكريم.

1. ابن الأثير. (د.ت). النهاية في غريب الحديث والأثر. قم: مؤسسة مطبوعات الإسماعيليين.

2. الأنصاري، مرتضى. (1416هـ). فريدة الأصول. الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

3. بحراني، يوسف. (1405هـ). حدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة. قم: مكتب النشر الإسلامي.

4. برقعي، أحمد. (1371‌ق). المحاسن. الطبعة الثانية، قم: دار الكتب الإسلامية.

5. حر العاملي، محمد. (1409هـ). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت ع.

6. الحميري، عبد الله. (1413‌ق). قرب الإسناد. قم: مؤسسة آل البيت ع.

7. الخوئي، سيد أبو القاسم. (1422هـ). مصباح الأصول. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

8. سيد مرتضى. (1376ش). الذريعة إلى أصول الشريعة. طهران: جامعة طهران.

9. السيستاني، سيد علي الحسيني. (1414هـ). قاعدة لا ضرر ولا ضرار. قم: مكتب آية الله السيستاني.

10. السيستاني، سيد علي الحسيني. (1437هـ). حجية الخبر الواحد. مقرر: سيد محمد علي رباني، د.م: د.ن.

11. الشهيدي، محمد تقي. (د.ت). أبحاث أصولية – تعارض الأدلة. د.م: د.ت.

12. صدر، سيد محمد باقر. (1408‌ق). مباحث الأصول. قم: مطبعة مركز النشر.

13. صدر، سيد محمد باقر. (1417هـ). بحوث في علم الأصول. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.

14. صدر، سيد محمد باقر. (1420‌ق). قاعدة لا ضرر ولا ضرار. قم: دار الصادقين ع.

15. الصدوق، محمد. (1403هـ). معاني الأخبار. قم: مكتب النشر الإسلامي.

16. صفار، محمد. (1404هـ). بصائر الدرجات في فضائل آل محمد. الطبعة الثانية، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.

17. الطبرسي، أحمد. (1403هـ). الاحتجاج على أهل الإلجاج. مشهد: نشر مرتضى.

18. الطريحي، فخر الدين. (1416هـ). مجمع البحرين. الطبعة الثالثة، طهران: مكتبة مرتضوي.

19. الطوسي، محمد. (1390‌ق). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. طهران: دار الكتب الإسلامية.

20. الطوسي، محمد. (1414‌ق). الأمالي. قسم البحوث الإسلامية مؤسسة بعثت، قم: دار الثقافة.

21. الطوسي، محمد. (1407هـ). تهذيب الأحكام. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

22. العياشي، محمد. (1380). تفسير العياشي. طهران: المطبعة العلمية.

23. الفراهيدي، خليل. (1410هـ). كتاب العين. الطبعة الثانية، قم: نشر هجرت.

24. الكشي، أبو عمرو. (1409هـ). رجال الكشي. مشهد: مؤسسة نشر جامعة مشهد.

25. الكليني، محمد. (1407هـ). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.

26. مازندراني، محمد صالح. (1382‌ق). شرح الكافي – الأصول والروضه. طهران: المكتبة الإسلامية.

27. المجلسي، محمد باقر. (1403‌ق). بحار الأنوار. الطبعة الثانية، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

28. المحقق الحلي، جعفر. (1407‌ق). المعتمد في شرح المختصر. قم: مؤسسة سيد الشهداء ع.

29. ملا صدرا، محمد. (1383ش). شرح أصول الكافي. طهران: مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية.

30. النراقي، أحمد. (1415هـ). مستند الشيعة في أحكام الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت ع.

31. اليزدي، سيد محمد كاظم. (1414هـ). تكملة العروة الوثقى. قم: مكتبة داوري.

[1] زخرف: كلام باطل. انظر: فراهيدي، 1410، 4/338؛ طريحي، 1416، 5/65.

[2] توضيح ذلك: إلغاء الخصوصية متعلق بعالم الإثبات؛ أي إن العرف عندما يرى دليلاً ويستظهر أن موضوعاً (أو عنواناً في موضوع) لا يحمل خصوصية، يمكنه تعميم الحكم من ذلك الموضوع إلى موضوع آخر. على سبيل المثال: في الدليل جاء: «رجل شَكّ بين الثلاث والأربع…» ولكن العرف من الرجولة في هذا الحديث يُلغي الخصوصية ويقول إن الموضوع مكلف والرجولة ليست خصوصية، وإذا شكّت امرأة بين الثلاث والأربع، سيكون الحكم نفسه. أما تنقيح مناط فهو متعلق بعالم الثبوت؛ أي كشف ملاكات ومناطات الأحكام؛ بمعنى أنه بكشف الملاك التام للحكم، نتجاوز من موضوع الدليل إلى موضوع آخر. على سبيل المثال: في الدليل: «الخمر حرام؛ لأنه يزول عقل الإنسان» نكشف أن ملاك الحرمة هو زوال عقل الإنسان، فإذا توصلنا إلى أن الفقاع أيضاً يزول عقل الإنسان مثله مثل الخمر، نقول إنه بالنظر إلى أن الملاك الأساسي لحرمة الخمر موجود بنفس الشكل في الفقاع، نكشف أن الفقاع أيضاً حرام. في البحث الحاضر، بما أن كشف الملاك من القرآن والسنة أمر مشكل، ولو فرضنا الكشف، فسيكون كشفاً ظنياً، فإن هذا الاحتمال من المعنى، لأنه يفتقر إلى دليل قطعي حتى يكون تنقيح مناط، خارج عن محل البحث.