المنهج الذاتي للمعرفة في تفسير النظريات العلمية من منظور الشهيد صدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: رویکرد ذاتی معرفت در تبیین نظریات علمی از منظر شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: النظريات العلمية هي قضائية عامة وموسعة ناتجة عن تكرار مشاهدات خاصة، حيث تكتسب عموميتها من خلال الاستقراء. وفيما يتعلق بهذا الانتقال من الخاص إلى العام والتعميم في الاستقراء، طرحت مناهج مختلفة. فبعضهم بنهج عقلي فسّر هذا التعميم بواسطة القياس والقضايا السابقة، ومنطق أرسطو هو الممثل لهذا المنهج؛ بينما اتخذ آخرون منهجًا تجريبيًا وحسيًا، فكان لديهم آراء مختلفة. فئة منهم اعتبرت هذا التعميم نتيجة استقراء أوسع وأكثر يقينية، في حين اعتبره آخرون، بناءً على تفسير نفسي للاستقراء، مجرد «عادة ذهنية» ولا يعطونه قيمة منطقية. الشهيد صدر، من خلال دراسة هذه المناهج وتدقيق عيوبها، قدم منهجًا خاصًا به سماه «المنهج الذاتي للمعرفة». في هذا المنهج، يرى أن الاستنتاج يتم بطريقتين ممكنتين: «التولد الموضوعي» و«التولد الذاتي»؛ ويبيّن أن عيب منطق أرسطو في تفسير تعميم الاستقراء هو أنه يستنتج فقط بالتولد الموضوعي، بينما الجزء الأكبر من الاستنتاج يتم بالتولد الذاتي. هذا الاستنتاج خاص بمنهج المعرفة الذاتي عند صدر، وهو ما يجيب عن كثير من عيوب هذا المجال.

المؤلف: علی‌اصغر جعفری ولنی، حسین ملکشاهیان

المصدر: پژوهش‌های معرفت شناختی، ربيع وصيف 1404، العدد 29، ص 43 إلى 66.

١. المقدمة

النظريات العلمية أو ما يُعرف بالقضايا التجريبية هي من أهم المصادر العلمية التي تؤسس مواجهة الإنسان مع عالم الطبيعة، وبناءً على ذلك تتيح له إمكانية التغيير والتنبؤ بسلوك الظواهر الطبيعية.

في هذا السياق، قدم العديد من العلماء والمفكرين آراء مختلفة حول كيفية حصول العموم واليقين لهذه القضايا. فبعض المفكرين في مجال الفكر الغربي يرون هذه القضايا غير يقينية، بل هي تخمينات وافتراضات نظرية مؤقتة تُطرح، ثم تُختبر بدقة وبدون رحمة أو بمعنى آخر بدون أي اعتبار أو فرض مسبق، ومن ينجح في الاختبارات يحل محل التخمينات الأخرى. لذا، هذه القضايا لا تكون بالضرورة صادقة أبدًا، وإنما يمكن اعتبارها أفضل نظرية من بين النظريات الموجودة (چالمرز، ١٣٩٠، ص٥١).

أما آخرون ممن فكروا في مجال الفلسفة الإسلامية، فقد فسّروا هذه القضايا بناءً على مبدأ العلية، واعتبروها قطعية ومن مصادر العلم اليقيني.

ومن بين هؤلاء المفكرين، هناك من يرى من جهة أن العيوب الموجهة لهذه القضايا واردة، ومن جهة أخرى ينزع عنهم صفة التخمين وعدم اليقين، ويقدم تفسيرًا وتوضيحًا لهذه القضايا والاستقراء، معتبرًا شقًا ثالثًا لاعتبار وقبول النظريات العلمية. والممثل الكامل لهذه الفئة هو الشهيد محمد باقر صدر، الذي استطاع بتأملاته الدقيقة واهتمامه العميق بمسألة الاستقراء والقضايا التجريبية أن يرسخ أساس رؤيته.

في هذا المجال، لم يقتصر الشهيد صدر على تفسير وتوضيح هذه القضايا ومبدأ الاستقراء فحسب، بل أولى اهتمامًا خاصًا بجذور العيوب المطروحة (سواء في مبدأ العلية أو في الاستقراء)، حتى أنه خصص أحد مؤلفاته “الأسس المنطقية للاستقراء” لهذا الغرض. ورغم أن هذا العمل للشهيد صدر متأخر علميًا عن كتاب “فلسفتنا“، إلا أنه يحتوي على مضامين تحليلية عميقة في موضوع الاستقراء. وبناءً عليه، يقدم منهجًا جديدًا للمعرفة تحت عنوان “المذهب الذاتي للمعرفة”، ويعتبره ثمرة علمية لجهوده العمرية (صدر‌، ١٤٢٥‌، ص١١).

ومع ذلك، لم يورد الشهيد صدر إحالات محددة وواضحة للمصادر التي استقى منها المناهج المختلفة في عمله، واكتفى بذكر بعض الأسماء فقط؛ لذا فإن هذه المقالة تستند إلى رواية وقراءة صدر للمناهج والآراء، وتعتبر دراسة رواية صدر للآراء المختلفة خارج نطاق هذا البحث.

جانب الابتكار في البحث

يهدف هذا البحث، ضمن تفسير وتحليل العيوب الموجهة للنظريات العلمية والرد عليها من منظور الشهيد صدر، إلى توضيح الأساس الذي استند إليه الشهيد صدر في طرح المنهج الذاتي للمعرفة في النظريات العلمية. ويتضح في هذا البحث أن هذا المنهج متجذر في رؤية الحكمة المتعالية، لا سيما عند العلامة الطباطبائي. ومن جهة أخرى، لم يدفع الشهيد صدر العيوب الموجهة من قبل التجريبيين، لأنه اعتبرها واردة. لذا، فإن اعتبار العيوب واردة من جهة، وطرح المنهج الذاتي للمعرفة من جهة أخرى، لا يؤدي إلا إلى رفع هذه العيوب. والمراد برفع العيوب هو قبولها وتقديم حل لها. بناءً على ذلك، يتميز هذا البحث في جانبين: الأول تفسير أساس وجذور المنهج الخاص بالشهيد صدر حول النظريات العلمية، وهو من مسائل الحكمة المتعالية، والجانب الآخر رفع العيوب الموجهة من قبل التجريبيين. على عكس الأبحاث السابقة التي أولاً لم تتناول جذور وأساس المنهج الخاص بالشهيد صدر، وثانيًا كانت تسعى إلى تفسير دفع ورفض عيوب التجريبيين، بينما هذا البحث يفسر رفع العيوب المطروحة.

٢. تعميم القضايا التجريبية في منطق أرسطو

القضايا التجريبية هي قضايا ملاحظة يحكم العقل على عموميتها بناءً على تكرار المشاهدات. هذا العموم لا ينتج من المشاهدات كقضايا جزئية، بل (كما ورد في علم المنطق) هو نتيجة لعملية عقلية.

شكل هذا الاستنتاج هو: تكرار سلوك معين لظاهرة ما في ظروف متجانسة يعني أن هذا السلوك يكون دائماً ومستمراً مصاحباً لتلك الظاهرة.

والآن بالقياس الاستثنائي: إذا لم يكن تحقق هذا السلوك لتلك الظاهرة مبنياً على السبب الموجب لها، فإن ذلك السلوك لن يكون دائماً. وهذا السلوك لتلك الظاهرة هو دائم. (رفع التالي) إذن تحقق هذا السلوك لتلك الظاهرة مبني على السبب الموجب. (رفع المقدم)

ثم بالقياس الاقتراني: تحقق هذا السلوك مبني على السبب الموجب (الصغرى) لا يقبل أي معلول مخالفة سببه الموجب. (الكبرى) لا يخالف أي سلوك سببه الموجب. (النتيجة)

يُلاحظ أن المقدم الأول للقياس الاستثنائي والكبرى للقياس الاقتراني يقينيان ويقينيان تماماً، والمقدم الثاني للقياس الاستثنائي هو محل النقاش، وهو ما يُعتبر سبب عمومية هذه القضايا، والاستقراء أيضاً يُجرى لهذه المقدمة (مظفر، ١٣٨٨، ص٢٨٤).

لذا إذا تم التعبير عن الاستقراء بشكل واضح ودقيق، يمكن تحديد نطاقات هذه المقدمة وتوضيح عمومية ويقين هذه القضايا.

أولاً، من الضروري الإشارة بإيجاز إلى أنواع الاستدلال والفرق بين أقسامه:

١) الاستنباط أو القياس: هذا النوع من الاستدلال الفكري البشري يسير من العام إلى الخاص، والنتيجة دائماً أخص أو مساوية للمقدمات. هذا الاستنتاج دائماً مبني على مبدأ عدم التناقض، وإذا كانت النتيجة صادقة، فلا بد أن تكون المقدمات صادقة، والعكس صحيح. وإلا، وبما أن النتيجة مأخوذة من المقدمات، فإن كذب النتيجة يستلزم كذب المقدمات، وهذا يتعارض مع مبدأ عدم التناقض.

٢) الاستقراء: في هذا الاستدلال، يسير الفكر من الخاص إلى العام، والنتيجة دائماً أعم من المقدمات، لذا النتيجة لا تُستخلص مباشرة من المقدمات. لذلك، لا يعتمد على مبدأ عدم التناقض، ولا يستلزم صدق النتيجة صدق المقدمات، مع أنه لا يتعارض مع مبدأ عدم التناقض.

٣) التمثيل: في هذا الاستدلال، يسير الفكر من خاص إلى خاص، وبما أن العلاقة بين هذين الخاصين هي علاقة عموم وخصوص من وجه، فإن السير من خاص إلى آخر يكون فقط بسبب بعض الصفات الظاهرية المشتركة بينهما، ولا يستند إلى مبدأ عدم التناقض؛ أي أنه لا يقوم على أساس قطعي ولا يُعتبر من مصادر العلم اليقيني (همو، ١٣٨٨، ص٢٠٢).

ونظراً لأن الركيزة الأهم للنظريات العلمية أو القضايا التجريبية هو الاستقراء، فقد تناول الشهيد صدر سلسلة مناقشات مستفيضة حوله وطرح ثلاثة توجهات تجاه الاستقراء وبناءً عليه القضايا التجريبية:

أ) التوجه العقلي “المبني على المنطق الأرسطي.

ب) التوجه التجريبي “المبني على المنطق والمعرفة الحسية والتجريبية.

ج) التوجه الذاتي “الخاص برؤية الشهيد صدر نفسه، والذي يرد من خلاله على الإشكالات الموجهة للتوجهين السابقين (صدر، ١٤٢٥، ص٢٧-٢٦).

فيما يلي شرح موجز وبعض الإشكالات المطروحة على التوجهين الأول والثاني:

٣. التوجه العقلي للاستقراء

الاستقراء، الذي هو سير الفكر من ملاحظة خاصة إلى عموم الملاحظات، يقوم على ركيزتين: ١- الملاحظة ٢- التجربة والاختبار. الدليل الاستقرائي يبدأ دائماً بملاحظة عدد من المشاهدات لموضوع معين، ومن خلال التجارب يصل إلى نتيجة عامة لتلك المشاهدات.

لذا، أساس الاستقراء في المنطق الأرسطي هو فقط عدد المشاهدات، ولا يفرق بين الملاحظة والاختبار. ولهذا السبب يقسم الاستقراء إلى تام (يشمل كل المشاهدات) وناقص (يشمل عدداً من المشاهدات).

الاستقراء التام الذي يشمل كل الحالات والأفراد ليس سيراً من الخاص إلى العام، بل النتيجة دائماً مساوية للمقدمات؛ لذا فهو ليس استقراءً بل نوع من الاستنباط أو القياس. وبما أن أساس الاستقراء هو عدد حالات وأفراد الظاهرة، فإن الاستقراء التام (الذي يشمل كل الحالات والأفراد) يُدرج تحت مفهوم عام للاستقراء ويُعتبر قسماً من الاستقراء الناقص.

فيما يخص الاستقراء الناقص، أهم إشكال موجه للقضايا التجريبية هو العمومية التي تكتسبها هذه القضايا عبر الاستقراء الناقص؛ لأن الاستقراء ناقص ولا يشمل أبداً كل الأفراد. لذلك، الاستقراء الذي هو سير فكري من الخاص إلى العام، تكون نتيجته دائماً أعم من المقدمات. وذلك لأن الاستقراء لا يعتمد على مبدأ عدم التناقض، فبما أن النتيجة أعم من المقدمات، لا يستلزم صدق النتيجة صدق المقدمات، والعكس صحيح. لذا يمكن الحصول على نتيجة كاذبة من مقدمات صادقة. مع ذلك، لا ينكر مبدأ عدم التناقض ولا يترتب عليه تناقض منطقي.

في المنطق الأرسطي، يُعتبر الاستقراء الكامل قطعياً ويقينياً مثل القياس، بل إن أساس القياس مبني على الاستقراء الكامل، لأن معرفة المبادئ الأولية التي هي أساس القياس لا تتم إلا بالاستقراء الكامل. لذا، كما في القياس يتم إثبات المحمول للموضوع أو إثبات الحد الأكبر للحد الأصغر بواسطة الحد الأوسط، في حمل الأوسط على الأصغر أو الأكبر على الأوسط، يحتاج الأمر إلى قياس لإتمام هذا الحمل. وتتقدم هذه السلسلة من الحملات تصاعدياً حتى تصل إلى حمل لا يوجد فيه وسيط، ويثبت المحمول لذات الموضوع، وهذا لا يتم إلا بالاستقراء الكامل.

التوجه الأرسطي في الاستقراء الناقص والقفز من الحالات الخاصة إلى الكل يتم في ثلاث مراحل: الخطوة الأولى مبنية على مبدأ العلية العامة. الخطوة الثانية على قاعدة «الصدفة لا تكون أكثرية ولا دائمة». الخطوة الثالثة على مبدأ العلية الخاصة، أي عدم مخالفة المعلول لسببه في نتيجته. وأخيراً، تكون هذه الخاصية دائمة لكل الأفراد (صدر، ١٤٢٥، ص٣٠-٢٩).

التوضيح الإضافي لهذا البيان هو: إذا كان فرد أو أفراد يمتلكون صفة خاصة، وكانت هذه الحالات والصفات متشابهة في جميع الأفراد، وبما أن “لكل حادث سببًا” فإن هذه الحالات والصفات أيضًا معلولة بسبب ما (العلية العامة). ومن جهة أخرى، جميع الأفراد المرصودة بلا استثناء يمتلكون هذه الصفة، وطبقًا لقاعدة “الصدفة لا تكون أكثرية ولا دائمة”، فهذه الصفة لهؤلاء الأفراد ليست صدفة. بالإضافة إلى ذلك، وفقًا للتقسيم العقلي الحصري للأحداث والظواهر، فهي إما صدفة أو لا، والاحتمال الثاني قائم على سبب موجب. لذلك، الصفات لهؤلاء الأفراد قائمة على سبب موجب، وبما أن المعلول لا يخالف سببه الموجب، فإن هذه الصفات لم تخالف سببها وهو الموضوع والأفراد نفسها، وتُحمل عليهم باستمرار (العلية الخاصة).

لذا، أساس التعميم واستمرارية المشاهدات هو اقتران المشاهدات بتلك الصفات؛ بحيث إن أساس العلية لديهم هو هذا الاقتران، وفي غياب الاقتران تُلغى العلية وتصبح الصفة صدفة. ثم يُدرج هذا الاقتران تحت قياس خفي، وباستخدام مجموعة من المبادئ العقلية السابقة، وهي قاعدة «الصدفة لا تكون دائمة»، يُستنتج العلية الخاصة ويُستخلص منها الدوام.

وبذلك يتضح التمييز بين الاستقراء والقضايا التجريبية؛ لأن الاستقراء هو مجرد دراسة نتائج المشاهدات والتجارب التي لا تزال خاصة. أما في القضايا التجريبية، فتُدرج هذه المشاهدات والتجارب تحت قياس خفي وتصبح عامة، لذا فهي مفيدة للعلم وتُعد من المصادر اليقينية (ابن سینا، ١٣٩١، ص٤٦).

وقد ذكر خواجه طوسي في شرح الإشارات أن التجارب تحتاج إلى أمرين: ١) مشاهدات متكررة ٢) قياس خفي. والقياس الخفي يدل على أن هذا التكرار ليس قائمًا على الصدفة بل على العلية. لذا الفرق بين التجربة والاستقراء هو أن التجربة، خلافًا للاستقراء، مصحوبة بقياس خفي (طوسی، ١٣٩١‌، ص٢١٧).

مثل هذا الخطأ في فهم رأي أرسطو حول الاستقراء يجعل التعميم الذي يمنحه المنطق الأرسطي للاستقراء يبدو غير منطقي، لأن الاستقراء لا يشمل جميع الأفراد والحالات. فهو يضرب مثلًا للغربان السوداء، حيث لا يمكن منطقيًا القول بأن جميع الغربان سوداء بناءً على مشاهدة عدد كبير منها فقط.

بينما القضايا التجريبية في التفسير الأرسطي تشمل القياس والقضايا العقلية السابقة التي هي مستقلة عن الاستقراء والتجربة، وهي أساس العلم والمعرفة.

والآن وقد ذُكر قاعدة “الصدفة لا تكون دائمة ولا أكثرية” كواحدة من القضايا العقلية السابقة، من الضروري توضيح مفهوم الصدفة.

الصدفة تعني الحدوث المصادف مقابل اللزوم، ولذا لفهم الصدفة يجب توضيح مفهوم اللزوم. واللزوم نوعان: لزوم منطقي ولزوم واقعي.

اللزوم المنطقي هو نوع من الارتباط والاتصال بين شيئين أو قضيتين بحيث إن انفصالهما يؤدي إلى تناقض، مثل لزوم مجموع زوايا المثلث مع وجود زاويتين قائمتين. ارتباطهما بحيث إن نفي أحدهما يعني نفي مثلثية الشكل أو وجود الزاويتين القائمتين.

أما اللزوم الواقعي، خلافًا لللزوم المنطقي، فإن انفصالهما لا يؤدي إلى تناقض، مثل لزوم الحرارة مع النار، حيث إن نفي الحرارة من النار لا يعني أن النار لم تعد نارًا.

وبما أن الصدفة هي ضد اللزوم، فإن الصدفة تنقسم إلى قسمين: الصدفة المطلقة والصدفة النسبية.

الصدفة المطلقة تعني حدوث شيء بلا أي سبب.

الصدفة النسبية تعني حدوث شيء معين رغم توفر سببه، لكنه تزامن مع ظاهرة أخرى. مثلاً، عندما تصل درجة حرارة الماء إلى مئة درجة، فيحدث غليان في ماء، وفي ماء آخر يحدث تجمد.

ومع ذلك، فإن الصدفة المطلقة من وجهة نظر المنطق الأرسطي مستحيلة؛ لأن العلية العامة، التي هي أمر عقلي سابق، تنفيها. أما الصدفة النسبية فلا تُعد مستحيلة في المنطق الأرسطي؛ لأنها لا تتعارض مع العلية العامة، وإنما تنفي فقط ارتباط حدوث ظاهرة معينة بأخرى. مثلاً، تنفي ارتباط درجة حرارة مئة مع ماء لم يغلي، بينما تؤكد ارتباطها مع ماء آخر غلى.

لذلك، لدفع الصدفة النسبية يجب إزالة ارتباط درجة حرارة أقل من مئة مع غليان الماء، وإثبات اقتران درجة مئة مع الغليان، بحيث تُرفض الصدفة النسبية ويُثبت اللزوم الواقعي. ولهذا الغرض، بناءً على المشاهدات المتكررة والمستمرة، ظهر اقتران درجة مئة مع الغليان، ثم وفقًا للقضية العقلية السابقة يمكن اعتبار الصدفة والحدث الدائم والأكثرية، ومن ثم التوصل إلى العلية الخاصة (أي أن هذه الظاهرة الخاصة ناتجة عن سبب خاص).

هنا تظهر مشكلة: ما مقدار هذه المشاهدات التي يجب أن تكون حتى تُعتبر أكثرية ودائمة، مع أن المقدار غير قابل للتحديد.

يجيب الشهيد صدر على هذا الإشكال قائلاً: بما أن هذه القضية عقلية سابقة من وجهة نظر أرسطو، فهي لم تُستخلص من التجربة والاستقراء؛ لذا لا يمكن الحكم عليها باستخدام الاستقراء والملاحظة لتحديد حد وسط بين الحد الأصغر والحد الأكبر. أساسًا، وبسبب سابقة هذه القضايا، لا حاجة لإثباتها، بل من مجرد تكرار وتعدد اقتران هذه المشاهدات، يُحكم بوجود الأكثرية والدوام (صدر، ١٤٢٥، ص٦٤-٦٣).

ومن أهم الاعتراضات على هذا المنهج: في الاستقراء من هذا المنظور، كل فرد مرصود له صفة خاصة به تُستقرأ؛ بمعنى أنه قبل نتيجة الاستقراء (التي تحكم بوجود الصفة لذلك الفرد) تكون هذه الصفة مثبتة لذلك الفرد. لذا، الاستقراء ليس سببًا لإثبات هذا الحكم.

يقول الشهيد صدر ردًا على هذا الاعتراض: إن الحكم بثبوت صفة خاصة للأفراد ليس فقط بناءً على الملاحظة لنقول إن هؤلاء الأفراد يمتلكون تلك الصفة، بل هو بناءً على القياس الخفي والقضية السابقة العقلية؛ لأن خلاف القياس الذي يُحكم فيه بثبوت الحد الأقصى للحد الأصغر بواسطة الحد الأوسط، في الاستقراء يُحكم بثبوت الحد الأقصى للحد الأوسط بواسطة الحد الأصغر. لذلك، الحكم الذي يمتلكه كل فرد يتم بواسطة القياس لا الاستقراء، وفي النهاية، النتيجة التي يحصل عليها كل فرد معًا تشكل الاستقراء.

٤. المنهج التجريبي للاستقراء

المقصود بالمنهج التجريبي هو الرؤية التي تعتبر المصدر الوحيد لكل المعلومات والمعرفة هو الحاسة والتجربة، وتنفي أي معرفة مستقلة عن التجربة.

لذا، لدى المنهج التجريبي ثلاث وجهات نظر تجاه الاستقراء وهي: ١. فئة تؤمن بأن الاستقراء وما يُستنتج منه يقيني وموثوق به. ٢. فئة تعتقد أن الاستقراء ونتائجه ترجح جانبًا على الآخر؛ أي أن النتائج التي تُستخلص من الاستقراء تُفضل على النقيض منها. ٣. فئة تنظر إلى مكانة الاستقراء ونتائجه بشك، وتعتبر الاستقراء مجرد عادة ذهنية لا تمتلك مكانة علمية (صدر، ١٤٢٥، ص٩٤-٩٣).

توضيح وتفسير هذه الفئات الثلاث كما يلي:

الفئة الأولى تقبل الأصل العام للعلة وأن “الأفراد المتشابهين في ظروف موحدة يمتلكون خصائص متشابهة”، لكنها لا تعتمد على المنهج الأرسطي الذي يرى أن هذه المبادئ فطرية وعقلية؛ بل تعتبر هذه الفئة هذين العنصرين نتاج استقراء أوسع وأشمل؛ لأن من منظور هذه الفئة، المصدر الوحيد للمعرفة والإدراك البشري هو الحاسة والتجربة، وبواسطة استقراء أوسع تُثبت العلية أولًا، ثم تُثبت بواسطة العلية استقراءات محدودة وخاصة.

من ناحية أخرى، يختلف مفهوم العلية في المنهج التجريبي عن مفهوم العلية في المنهج العقلي والأرسطي. فالعلة في المفهوم العقلي تقوم على علاقة الخلق والضرورة؛ بحيث تكون السبب هو المعطي للحياة والمثبت للمسبب، أما العلية في المفهوم التجريبي فلا علاقة لها بالخلق أو الضرورة أو التأثير أو التأثر أو عدم القابلية للانتهاك؛ لأن هذه المفاهيم لا مكان لها في إطار المنهج التجريبي. في الواقع، العلية في هذا المفهوم تعني فقط التتابع والتعاقب الزمني بين ظاهرتين. فإذا كان هناك تزامن زمني بين ظاهرتين، من منظور هذا المنهج لا توجد علاقة علية بينهما، خلافًا للمنهج العقلي الذي قد تكون بين الظاهرتين علاقة علية.

أساسًا، التصورات والتصديقات في هذا المنهج تختلف عن المنهج العقلي. فالتصور في المنهج التجريبي هي فقط الصور التي تحصل عليها الحواس للفرد. لذلك، هذا المنهج لا يمتلك تصورًا للعلية، ويُدرك العلية فقط من خلال التصديق (وهو التتابع والتعاقب الزمني نفسه). أما بالنسبة للتصديقات، فيُدرج المحسوسات ومصادر التجربة تحت الحكم (همو، ١٣٥٩، ص٣٨-٣٧).

في المنهج العقلي، فقط جزء من التصورات محسوس، وجزء آخر مثل العلية والكلية (التي تُسمى المعقولات الثانوية) ليست محسوسة. أما التصديقات، فالقضايا التي تُشكل بواسطة المعقولات الثانوية كلها (مع اختلاف بسيط بين المعقولات الثانوية المنطقية والفلسفية) تُحمل في الذهن على موضوعها (حلی، ١٣٩٢، ص٢٣).

لذلك، من منظور الفئة الأولى في المنهج التجريبي، يقينية وموثوقية الاستقراء تعتمد على استقراء أشمل (الذي بُني على الحاسة والتجربة). أما الفئة الثانية، فلا تعتبر الاستقراء مثل المنهج العقلي المبني على القضايا السابقة العقلية، ولا مثل الفئة الأولى التي تثبت العلية أولًا بناءً على استقراء عام وأوسع ثم استقراء خاص؛ بل لأن الاستقراء مبني على التجربة والملاحظة، ونتائج التجارب تدفعنا لقبوله وتفضيله على الحالات غير المختبرة؛ لذلك، كلما اتسع نطاق التجارب، زادت المقبولات على الحالات غير المختبرة.

من وجهة نظر هذه الفئة، القضايا المستمدة من الاستقراء هي قضايا موجهة “حينية مطلقة” لا تدل على الدوام أو الضرورة أو وقت معين (مظفر، ١٣٨٨، ص٥١).

الفئة الثالثة، كأهم وجهة نظر في المنهج التجريبي، تعتقد أن الدليل الاستقرائي لا قيمة له منطقيًا، وهو مجرد عادة تجعل الإنسان يعتبر الاستقراء دليلاً لاكتشاف العلم. هذه الفئة تنظر إلى الاستقراء من منظور نفسي، وتعتبره بدلًا من دليل كوني، دليلاً نفسيًا. لذا، تخرج الاستقراء من مجال المنطق والفلسفة وتضعه في مجال العلوم التجريبية في فرع علم النفس. في الواقع، هذه الفئة تتبع المنهج التجريبي الخالص في تناول الاستقراء وتوجه له انتقادات منها:

١. بما أن الاستدلال الاستقرائي قائم على علاقة السبب والمسبب، فكيف نكتشف علاقة السبب والمسبب؟ أليس ذلك يتم عبر التجربة؟

٢. كيف يمكن تعميم علاقة العلية بين ظاهرتين على المستقبل؟ مع أن هذه العلاقة حدثت فقط في الماضي، فما الدليل على استمرارها في المستقبل؟

مصدر هذه الانتقادات في الواقع ينبع من نظرة هذه الفئة إلى الإدراكات. من وجهة نظرهم، تنقسم إدراكات الإنسان إلى قسمين: ١) الانطباعات ٢) الأفكار.

الانطباعات هي الصور التي تحصل عليها الحواس عند مواجهة الأشياء لدى الفرد. الأفكار هي صور غير واضحة وغير محددة، ليست من الحواس عند مواجهة الأشياء، بل هي صور مخزنة في ذاكرة الفرد.

الانطباعات نفسها تنقسم إلى قسمين: ١) انطباعات الإحساس ٢) انطباعات التفكير.

الانطباعات هي صور الشعور الناتجة عن الأحاسيس والعواطف. أما الانطباعات الفكرية: فهي تلك الصور التي تتشكل في ذاكرة الفرد بعد غياب الأشياء عند مواجهتها بالحس، وهي صور أخرى غير الصور الأولية المحسوسة، وهي لازمة لتلك الصور. وبعبارة أخرى، تُسمى الصور المستمدة من الأفكار بالانطباعات الفكرية. على سبيل المثال، عند مواجهة الأسد، تكون صورته لدى الفرد أثناء المواجهة انطباعًا شعوريًا، ونفس الصورة في حالة عدم المواجهة هي فكرة، واللازمة لتلك الصورة مثل صورة الهيبة والشجاعة تُسمى انطباع الفكر.

القوة التي تُنتج الانطباعات الشعورية للفرد هي قوة الذاكرة، والقوة التي تحصّل الانطباعات الفكرية هي قوة الخيال. قوة الخيال متأخرة عن قوة الذاكرة، ويمكنها أن تتدخل في الانطباعات الشعورية المخزونة في قوة الذاكرة، وأن تقوم بالتركيب والتفكيك والتصوير.

بين الانطباعات الفكرية، بعضها مرتبط ببعض بعلاقة مصلحة ولازمة، بحيث ينتقل الفرد من انطباع إلى انطباع آخر. هذا الانتقال من فكرة إلى أخرى يُسمى التداعي. وقد يكون هذا التداعي في الانطباع الفكري بسبب تشابه الأشياء أو التجاور المكاني أو التتابع الزمني (صدر، ١٤٢٥، ١٢١-١١٩).

علاقة السببية هي نتاج تداعي التتابع والتعاقب الزمني بين انطباعين فكريين؛ لذا فإن الملاحظة المتكررة لهذا التتابع والتعاقب الزمني تؤدي إلى ظهور التداعي، وهذا التداعي يؤدي إلى نشوء الاعتقاد بالسببية. وهذا الاعتقاد بالسببية هو العامل في الاعتقاد بمبدأ انتظام الطبيعة، دون أن يكون هناك انطباع مباشر له (طاهری، ١٣٧٦، ص٧٠).

وبالتالي، العلاقة الوحيدة التي يمكن أن تُنتج التداعي دون انطباع هي السببية، وهي الأساس لجميع الاستدلالات التي موضوعها واقع لا يمكن إدراكه بالحواس من نوع الانطباعات.

مع هذه التوضيحات، نعود إلى الإشكاليتين المطروحتين.

بما أن علاقة السببية مرتبطة بمفهوم الضرورة، فإذا أردنا نسبتها إلى علاقة ما، يجب أن يتداعى الذهن معها انطباع الضرورة أيضًا؛ لكن النتائج التي تُستخلص من الاستقراء بواسطة التكرار وتعدد المشاهدات لا تنقلنا إلى مفهوم الضرورة، والمفهوم الوحيد الذي يتداعى إليه الذهن هو مفهوم التتابع والتعاقب الزمني بين شيئين. هذا التعدد في المشاهدات هو مجرد تعدد انطباعات، لكل منها انطباع خاص بها. يصبح ذهن الإنسان مستعدًا لتكرار هذه الانطباعات عند ملاحظة هذا التعدد، وهذا هو العادة الذهنية التي تهيئ الاستعداد لتعددات أكثر من الانطباعات. الذهن، بفعل هذه العادة، ينتقل إلى فكرة الضرورة ثم يتداعى بها إلى علاقة السببية. تأكيدًا لهذا، أننا لا ندرك السببية بين ظاهرتين بمجرد ملاحظة اقتران وتتابع زمني مرة واحدة، بل بفضل تكرار وتعدد هذا التتابع الزمني بين الظاهرتين يصبح الذهن قادرًا على تداعي فكرة السببية. إذن، انطباع فكرة السببية والضرورة قائم على ذهن الإنسان لا على الأشياء الخارجية. بعبارة أخرى، هو نفسي لا خارجي.

لذلك، علاقة السببية وجميع الاستدلالات المبنية عليها، ومنها الاستدلال الاستقرائي، لا أساس عقليًا وعلميًا لها، وإنما تقوم فقط على عادة الذهن.

أما بالنسبة للإشكال الثاني، فوفقًا للتفسير الذي قُدم لكيفية حصول انطباع فكرة السببية، فإن توسع هذه العلاقة أيضًا مبني على عادة الذهن ولا أساس خارجي لها.

٥. المنهج الذاتي: الاستقراء كوجهة نظر مختارة

وفقًا لما تم بيانه حتى الآن من مناهج تجريبية وعقلية، فإن التجريبيين يرون أن المصدر الوحيد للمعرفة هو التجربة والعلم الحسي، وينفون أي معرفة سابقة. أما العقلانيون فيرون أن أساس العلم والمعرفة هو مجموعة من المعلومات المسبقة المستقلة عن التجربة، والتي تنتهي إلى قاعدة أساسية تُسمى مبدأ التناقض.

المنهج الذاتي للاستقراء والمعرفة عند الشهيد صدر، من حيث أن أساس المعرفة والعلم البشري هو مجموعة من المعلومات والقضايا المسبقة المبنية على القاعدة الأساسية لمبدأ التناقض، يتفق ويتشارك مع المنهج العقلي، لكنه يختلف معه في طريقة تطور ونمو العلم والمعرفة؛ لأن المنهج العقلي يرى أن الطريق الوحيد لتطور المعرفة هو الاستنتاج الموضوعي، بينما المنهج الذاتي يخصص إلى جانب الاستنتاج الموضوعي الجزء الأكبر من تطور العلم للاستنتاج الذاتي. يسمي الشهيد صدر الاستنتاج الموضوعي “التوالد الموضوعي” والاستنتاج الذاتي “التوالد الذاتي” (صدر، ١٤٢٥، ص١٦٠‌).

لتوضيح الفرق بين هذين المنهجين، من الضروري شرح هذين الاستنتاجين أو التوالدين.

لكل علم ومعرفة جانبان: جانب ذاتي وجانب موضوعي. على سبيل المثال، علمنا بأن “الجبس أبيض” أو “مجموع زوايا المثلث الداخلي قائمان” يقوم على جانبيْن: ١) الإدراك، وهو الجانب الذاتي للعلم والمعرفة. ٢) القضية التي تحتها يُعبّر هذا الإدراك بشكل مستقل ومتميز عن الواقع الثابت والمدرك، وهذا هو الجانب الموضوعي للعلم. التوالد الموضوعي يعني أنه إذا كان هناك ترابط بين قضيتين أو أكثر، فمن الممكن أن تُنتج قضية أو أكثر. مثلًا: زيد إنسان، كل إنسان فانٍ، إذن زيد فانٍ.

المنطق الأرسطي مبني على هذا التوالد الموضوعي، حيث النتيجة لازمة للمقدمات التي استُخلصت منها، أما في التوالد الذاتي، فالحصول على المعرفة من معرفة أخرى يتم بشكل مباشر وبدون وسيط الترابط بين القضايا (صدر، ١٤٢٥، ص١٦١).

من منظور المنهج العقلي أو المنطق الأرسطي، فإن السبيل المنطقي والصحيح الوحيد للاستدلال هو التولّد الموضوعي، ويعتبر الاستدلال الذاتي من الناحية المنطقية خطأً؛ لأنه يرى الاستدلال على قضية من قضايا أخرى لا يوجد بينها تلازم. هذا المنطق يحدد مصدر الخطأ البشري في أمرين: ١) استنتاج النتيجة من مقدمات صادقة لا يوجد بينها تلازم، وهذا هو التولّد الذاتي. ٢) استنتاج النتيجة من مقدمات كاذبة يوجد بينها تلازم، وهذا هو التولّد الموضوعي.

وعلى هذا الأساس، فقد فسّر المنطق الأرسطي الاستقراء، الذي يؤمن به إيمانًا ويقينًا، بناءً على التولّد الموضوعي. فالقياس يتألف من الصغرى: «التجارب والمشاهدات المتكررة تؤدي إلى تعميم المشاهدات»، والكبرى: «القضية العقلية السابقة ليست صدفة نسبية ولا تحدث باستمرار التكرار (ليست حادثة دائمة ولا أكثرية)» وقد تشكلت على أساس التولّد الموضوعي، ولو لم يكن هناك تلازم بين هاتين القضيتين لما أمكن تعميم تلك المشاهدات.

من منظور المنهج الذاتي، تُحصل المعارف الثانوية من خلال التولّد الذاتي. لذلك، يُقسّم العلم والمعرفة البشرية على النحو التالي:

أ) المعارف الأولية هي المعارف العقلية السابقة التي تشكل أساس كل المعارف البشرية، مثل قاعدة مبدأ التناقض التي تشكل أساس هذا النوع من المعارف.

ب) المعارف الثانوية التي تُحصل بناءً على المعارف الأولية، وهذه المعارف تنقسم إلى قسمين:

١. المعارف الثانوية التي تم الحصول عليها بناءً على التولّد الموضوعي، مثل نظريات الهندسة الإقليدية التي هي نتاج البديهيات في الهندسة، كأن تكون الزوايا المتقابلة من خطين متوازيين متساوية. وكان المنهج العقلي والمنطق الأرسطي يؤمنان بهذا النوع ويؤسسان الاستقراء عبر القياس والقضايا العقلية السابقة على هذا الأساس.

٢. المعارف الثانوية التي تم الحصول عليها بناءً على التولّد الذاتي، والاستدلال الاستقرائي هو المثال الكامل لهذا النوع من المعارف. ففي هذه الحالة، يُحصل العلم على التعميم بناءً على الاستدلال الذاتي من المشاهدات المتكررة (صدر، ١٤٢٥، ص٦٢).

ولتوضيح هذين النوعين من المعارف يمكن القول إنه في القضايا الثانوية التي يُستدل عليها بالتولّد الموضوعي، توجد فئتان من القضايا: فئة من القضايا مرتبطة بالنتيجة ذاتيًا، وفئة أخرى من القضايا تعبر عن التلازم بين قضايا الفئة الأولى والنتيجة. على سبيل المثال: ١) الحديد معدن ٢) كل معدن يتمدد بالحرارة ٣) الحديد يتمدد بالحرارة.

القضيتان الأولى والثانية من قضايا الفئة الأولى المرتبطة بالنتيجة.

أما القضية: “إذا كان كل شيء جزءًا أو فردًا من كل أو مجموعة تحمل وصفًا، فإن ذلك الجزء أو الفرد يحمل نفس الوصف”، فهي من نوع القضايا الثانية التي تعترف بالتلازم بين قضايا الفئة الأولى والنتيجة.

لذا، إذا وقع خطأ في الاستدلال أو التولّد الذاتي، فإن هذا الخطأ يكون إما متعلقًا بقضايا الفئة الأولى أو بقضايا الفئة الثانية والتلازم بينها. على سبيل المثال: ١) النفط سائل ٢) كل سائل يتبخر عند درجة مئة ٣) النفط يتبخر عند درجة مئة. هذا الاستدلال خطأ والخطأ متعلق بقضايا الفئة الأولى. وفي المثال: ١) زيد إنسان ٢) بعض البشر علماء ٣) زيد عالم. الخطأ في هذه النتيجة متعلق بقضايا الفئة الثانية.

أما بالنسبة للقضايا الثانوية التي يُستدل عليها بالتولّد الذاتي، فيجب القول إن الجزء الأكبر من العلم والمعرفة قد تحصّل بهذه الطريقة، وأهمها الاستدلال الاستقرائي، لكن المنطق الأرسطي، بناءً على ثقته ويقينه به، حاول تفسيره على أساس التولّد الموضوعي، إلا أنه لم يكن موفقًا، والتفسير الدقيق الوحيد هو تفسيره على أساس التولّد الذاتي (صدر، ١٤٢٥، ص١٦٣‌).

ما يُحصّل من هذا التولّد الذاتي هو اليقين الذاتي الذي يتحقق للقضايا التجريبية؛ لذلك، فإن القضايا التجريبية أو النظريات العلمية من منظور شهيد صدر بالمنهج الذاتي للاستقراء وباستخدام التولّد الذاتي تؤدي إلى نتيجة مصحوبة بيقين ذاتي.

وهنا من الضروري توضيح أنواع اليقين:

١) اليقين المنطقي: وهو اليقين الرياضي المبني على مبدأ التناقض، بمعنى أنه من صدق قضية ما يستلزم بالضرورة كذب القضية المخالفة لها، والعكس صحيح. مثل: الزوايا الداخلية للمثلث قائمة، فإذا كانت غير ذلك، فلن يكون مثلثًا.

٢) اليقين الموضوعي: وهو اليقين المبني على الأدلة والقرائن والشواهد التي تشير إليها القضية في الخارج؛ ويُحصل عليه بالحواس، وباستخدام الحواس وملاحظة الأشياء الخارجية، تُحدد خصائصها بيقين على الأفراد المحددين. مثل: الجير أبيض، والماء سائل.

٣) اليقين الذاتي: وهو اليقين المبني على الجزم والاعتقاد بقضية ما بحيث يكون الشك أو الاحتمال في نقيضها مردودًا. هذا اليقين لا يقوم على مبدأ عدم التناقض ولا على الأدلة والقرائن، بل على إقرار وقناعة قلبية لدى الفرد عند مواجهته لتلك القضية، فينشأ في النفس سكون واطمئنان يقبلها ولا يقبل نقيضها، رغم عدم القدرة على إقامة دليل يقيني عليها. مثل القضايا التجريبية التي لا يمكن إقامة دليل يقيني عليها بواسطة الاستدلال الاستقرائي، ولكن مع ذلك نقرّ بها ويقيننا بها قائم. وهذا اليقين هو الذي اهتم به المنهج الذاتي لشهيد صدر، وألحقه بالاستدلال الاستقرائي والتقريب إلى اليقين الذي ينتج عن قوانين الاحتمال، ليمنح في النهاية القضايا التجريبية أو النظريات العلمية صبغة اليقين ويجعلها من ضمن مصادر العلم اليقيني (صدر، ١٤٢٥، ص٤١٢-٤١١).

فيما يتعلق بالتولّد الذاتي واليقين الذاتي اللذين يشكلان المحور الرئيسي للمنهج الذاتي للمعرفة من منظور الشهيد الصدر، وُجهت نقدود، وأهم هذه الانتقادات قدمها الدكتور عبد الكريم سروش في كتاب تفرج صنع. بعض هذه الاعتراضات تتعلق بالتولّد الذاتي وبعضها الآخر باليقين الذاتي.

٦. تحديات مرحلة التولّد الذاتي

رؤية الشهيد الصدر في مرحلة التولّد الذاتي تتضمن تفسير الانتقال من زيادة الاحتمال إلى اليقين الموضوعي وليس اليقين المنطقي. لذلك، لا ينبغي توقع الحصول على اليقين المنطقي من كثرة التجارب وقواعد حساب الاحتمال؛ لأن انخفاض الاحتمال يؤدي إلى زوال اليقين، وهذا بالطبع لا ينطبق على التولّد الذاتي، لأنه لا يعتمد على مقدار التجارب أو مقدار الاحتمال. لكن هناك بعض الاعتراضات التي وُجهت إلى التولّد الذاتي، وهي كما يلي:

أ) إبدال اليقين النفسي باليقين المنطقي: يحاول الشهيد الصدر استبدال اليقين المبرر الموضوعي بواسطة لحظة نفسية باليقين المنطقي؛ بحيث أن التعميمات في الاستقراء هي محل اعتراف نفسي لجميع البشر، لأن كل شخص بحسب طبيعته الفطرية يدرك أنه إذا رُمي حجر في الهواء فسيسقط على الأرض، أو إذا طلعت الشمس فسيكون نهارًا. وبالمثل، يتيقن الإنسان من خلال مشاهدة عدد كبير جدًا من الأحداث لظاهرة ما أن تلك الأحداث دائمة لتلك الظاهرة. يقول الدكتور سروش في هذا الصدد: إذا كان مجرد اعتراف النفس البشرية بحدث ما يؤدي إلى اليقين بذلك الحدث، فإن الخرافات التي آمن بها الناس عبر العصور والأزمان تقوم أيضًا على اليقين ويجب اعتمادها، بينما الشهيد الصدر نفسه لن يقبل بذلك (سروش، ١٣٦٦، ص٤٦٠-٤٥٨).

الرد الذي قدمه بعض الباحثين على هذا الاعتراض هو كما يلي:

هذا الاعتراض لا ينطبق على منطق التولّد الذاتي؛ لأن الشهيد الصدر في مبادئ منطق الاستقراء لم يستخدم اليقين الذاتي أو النفسي كمرجعية تسمح بالاعتقاد بالخرافة. منطق الاستقراء عند الشهيد الصدر يبيّن التفسير المعرفي لأسباب اليقين الموضوعي، لذا فإن الناقد المحترم خلط بين الأسباب المعرفية لليقين الموضوعي والأسباب النفسية لليقين الذاتي ولم يتمكن من التمييز بين المسائل النفسية والمسائل المنطقية (خسروپناه، ١٣٨٣، ص٥٢).

علاوة على ذلك، تتحدث كل من علم النفس والمنطق عن التصور والاستدلال والمعرفة، مع الفرق أن علم النفس يصف فقط عملية التفكير ولا يهتم بمبررية الأفكار أو عدمها، ولا بمسببات المعرفة أو عدمها؛ أما المنطق كعلم إرشادي فهو يسعى إلى إيجاد المعرفة الصحيحة والأفكار المبررة (کبیر، ١٣٨٦، ص ٧٥-٧٤).

بينما تفسير الشهيد الصدر في موضوع التولّد الذاتي يقوم على أمر يتجاوز هذه الردود؛ لأن الشهيد الصدر يقسم التولّد إلى قسمين: تولّد ذاتي وتولّد موضوعي، لذلك لا يبقى مجال لطرح مثل هذا الاعتراض. في الواقع، التولّد إما أن يكون موضوعيًا، وهو مبني على معلومات ثانوية تؤدي إلى اليقين الموضوعي أو المنطقي، أو ذاتيًا، وهو لا يقوم على تلك المعلومات الثانوية بل على أساليب أخرى من اليقين. هذا الأمر يشبه القول بأن العلم إما حصولي أو حضوري، أو القول بأن التصديق من جهة الموضوع هو حمل المحمول على الموضوع، ولكن من جهة الذات فإن التصديق هو الفعل وخلق النفس. أي كما أن اليقين له ثلاثة أنواع: موضوعي ومنطقي وذاتي، فإن التولّد أيضًا يتم بثلاثة أشكال: موضوعي ومنطقي وذاتي؛ في حين أن الشهيد الصدر يعتبر اليقين الموضوعي والمنطقي ضمن التولّد الموضوعي، واليقين الذاتي خاص بالتولّد الذاتي.

ب) استقرائية نظرية التولّد الذاتي: اعتراض آخر على التولّد الذاتي هو استقرائيته؛ فبحسب رأي الشهيد الصدر “الجميع يعلم أنه إذا أكلوا الطعام يشبعون”، وهذا استقرائي؛ فكيف يعلم الشهيد الصدر أن الجميع لديهم علم بهذا الموضوع (الشبع من الطعام)؟ قد يكون هناك أشخاص يعانون من نفس غير صحي وغير متوازن فلا يملكون هذا اليقين؛ لذا إذا كان مجرد إدراكنا الفطري والحدسي بأن جميع الناس لديهم هذا اليقين وهذا اليقين الجماعي كافٍ للتعميمات الاستقرائية، ثم نقول بناءً على حدس وانفعال الجميع إن الاستقراء مفيد لليقين، فلماذا تُستخدم كل تلك البراهين والأدلة الرياضية والمعرفية الطويلة والمعقدة لإثبات ذلك؟ (سروش، ١٣٦٦، ص٤٦١).

في الرد يمكن القول إن مشكلة الاستقراء تكمن في تحقيق اليقين في العلم الحصولي، بينما المثال المذكور يتعلق باليقين في مجال العلم الحضوري والوجدانيات. في العلم الحضوري، يتمتع جميع الناس باليقين المنطقي؛ لأن وجود المعلوم عند العالم حاضر وإنكاره يستلزم اجتماع نقيضين؛ لذلك لا يمكن لأحد أن يدعي أننا لأننا نعلم حضوريًا وحدسيًا، فإن الاستقراء مفيد لليقين، لأن هذا الحكم من نوع العلم الحصولي وليس العلم الحضوري (خسروپناه، ١٣٨٣‌، ص ٥٣).

علاوة على ذلك، الاعتراض المذكور هو قياس مع الفارق؛ أي أن الجملة “الجميع يتيقن أنه إذا أكل الطعام يشبع” ليست مساوية للجملة “أنا أتيقن أن الاستقراء مفيد لليقين”. في الواقع، بناءً على العلم الحضوري والوجدانيات المشتركة بين الجميع، لا يمكن استنتاج كل حكم حضوري مبرر؛ لأن بعض الأشخاص الذين تأثرت وجدانياتهم بعوامل منحرفة ولديهم طبيعة غير صحية، فإن العقل يحكم بعدم قبول انحرافهم وإنكارهم (کبیر، ١٣٨٧، ص ١٦١).

هذا المنهج النقدي تجاه التولّد الذاتي ناتج أيضًا عن عدم الانتباه الكافي لنوع الاستنتاج من منظور الشهيد الصدر. من منظور الشهيد الصدر، أساس اليقين ينبثق من اليقين الذاتي نفسه؛ مع الفرق أنه في بعض المعلومات والقضايا، بفضل اليقين الموضوعي يتحقق اليقين الذاتي، وبعضها يؤدي مباشرة إلى اليقين الذاتي، واليقين المنطقي الذي هو من مراتب اليقين الموضوعي الشديد يؤدي أيضًا إلى اليقين الذاتي.

بالطبع هذا الأمر من مباحث علم المعرفة بالتصورات والتصديقات والآثار التي تزرعها في النفس الإنسانية. في الواقع، يرى الشهيد الصدر مسألة التوالد الموضوعي والذاتي وأنواع اليقين ناظرة إلى الفعل والانفعال في العلم التصديقي والعلم التصوري، الذي هو بدوره نابع من الحكمة المتعالية وفي سياق التأمل والتدقيق في الكيفية الوجودية التي تنشأ من التصور والتصديق في النفس.

رغم أن الشهيد الصدر مبتكر المنهج الذاتي في تفسير النظريات العلمية، إلا أن مفكرين آخرين مثل العلامة الطباطبائي تبنوا منهجًا في القضايا يؤيد المنهج الذاتي للمعرفة عند الشهيد الصدر. فهو يؤكد تحت تقسيم العلم إلى حضوري وحصولي، وتقسيم الحصولي إلى تصور وتصديق، أن التصديق حكم النفس، وفي هذا الحكم يطرأ على النفس نوع خاص من الوجود، وبذلك يتم الفعل ويحدث التصديق في النفس.

يقول العلامة الطباطبائي في تقسيم القضايا إلى ضرورية ونظرية إن القضايا الضرورية هي القضايا الستة (الأوليات، الفطريات، الحدسيات، المحسوسات، التجريبات والمتواترات)، ومن بينها فقط الأوليات هي ضرورية بالذات، وبقية القضايا ضرورية بالعرض؛ لأن القضايا الضرورية الأولية هي الوحيدة التي يمكن أن تُحمل على الموضوع بمجرد تصور طرفي القضية وبدون وساطة شيء آخر، بينما القضايا الضرورية الأخرى تحتاج إلى وساطة القياس إلى جانب تصور الطرفين والتصديق بين الموضوع والمحمول، لكي يُحمل المحمول على الموضوع بالضرورة.

وفيما يتعلق بالمحسوسات والمجربات أو ما يُسمى بالنظريات العلمية، يوضح أن المقدمات المحسوسة والمجربة ليست ضرورية بالذات؛ فإذا كانت هذه المقدمات ضرورية، لكان الشك فيها أو تصديق نقيضها مستحيلاً، بينما في كثير من الحالات تحدث أخطاء في الحس، مثل خطين متوازيين يظهران متقاطعين من بعيد، والعديد من الحالات الأخرى التي ذكرها إقليدس في كتاب المناظر، أو الأصوات التي نسمعها وننسبها خطأً إلى شيء آخر.

بالطبع، رغم أن هذه القضايا ليست ضرورية بالذات، إلا أننا نعلمها بالضرورة؛ بحيث لا يشوب هذا العلم أي شك، ونحن على يقين بأن ما نلاحظه في الحس هو بالقطع والضرورة كما هو في حسنا. بناءً على ذلك، ما يحدث لنا في المحسوسات بالضرورة هو تصور ضروري وليس تصديقًا ضروريًا؛ لأن التصديق في هذه الأمور ليس محسوسًا، إذ إن محتوى هذه التصديقات عام، بينما المحسوسات ليست عامة؛ فالحمل فيها أولي، وهو في الحقيقة يعود إلى التصور، لذا فإن هذه الأمور المحسوسة، خلافًا للتصديقات المحسوسة، هي أمور ضرورية.

بعبارة أخرى، بما أن الشيء الخارجي في عمل الإحساس ليس معلومًا بالذات، بل ما يُوجد في النفس العامل من معرفة هو المعلوم بالذات، والشيء الخارجي معلوم بالعرض بواسطته. لذلك، ما يُدرك في عمل الإحساس بالضرورة والقطع (كما هو) هو المعلوم بالذات، الذي قد لا يتطابق مع المعلوم بالعرض (كما هو). إذًا، علمنا بالمعلوم بالعرض ليس ضروريًا وقطعيًا، لكن العلم بالمعلوم بالذات ضروري وقطعي.

وبالتالي، ما يُحس واقعًا له جانبان: تصور بالذات ضروري، وتصديق بالذات غير ضروري؛ لذا في المحسوسات لا يوجد تصديق. وإذا وُجد تصديق في المحسوسات، فلا بد أن يشمل هذا التصديق التصور أيضًا؛ في هذه الحالة، يكون الأمر المحسوس غير ضروري بالذات، وتصوره أيضًا غير ضروري بالذات، بينما التصورات المحسوسة ضرورية بالذات. وإذا وُجد تصديق في المحسوس، فإلى جانب التصورات، سيكون هناك أيضًا نسبة حكمية، وهذه النسبة الحكمية ذات طبيعة عرضية تكون ناعية على الموضوع أو المحمول أو كليهما، بينما النسبة هي أمر انتزاعي ومنشأها الانتزاع، والأمور الانتزاعية تفتقر إلى ماهية. من هنا يُستنتج أنه لا يوجد تصديق في المحسوسات، والتصديقات غير الضرورية بالذات توجد فقط في المحسوس بالعرض في ظرف الذهن. وما يُحس بالذات واقع ضروري، وهو التصورات المحسوسة. ونتيجة لذلك، المحسوسات لا تكفي في تشكيل النظريات أو التصديقات النظرية؛ ومن ثم يتضح بطلان الرأي الذي يعتبر الحس وحده موثوقًا للنظريات (طباطبایی، ١٣٨٨، جلد٢، ص ١٨٣-١٨٠).

لذا، الحكم الذي تصدره النفس بعد النسبة والمقارنة ليس كتصورات الصورة المحسوسة التي تُشكل أو تُصوَّر من الخارج، بل هو فعل النفس الذي هو من جنس العلم، ويتحقق لدينا على هيئة العموم. عندما تدخل صورة من وعاء خارجي (وهو موطن الجزئية والتشخص) إلى الذهن تصبح كلية؛ لأنها تفتقر إلى وجود بترتيب الآثار، وهذا الوجود هو الذي يمنح المحسوس التشخص والجزئية؛ لذا في وعاء الذهن، مع فقدان هذا الوجود، تكون الصورة كلية.

وبالتالي، إذا تصورنا الحكم على صورة مفهومية وأضفناه إلى مجموع القضية، فإنه لا يمكن أن يحقق كمال القضية (لا يفيد صحة السكون)، وبمصطلحات المنطق يمكن اعتبار كل قضية حملية مقدمة لقضية شرطية. لكن هذا الفعل يزيل كمال القضية الحملية (رغم حفظ أصل القضية)؛ لذا يكون الحكم خطأً أو صوابًا جاريًا (طباطبایی، ١٣٩٠، ص ٢١١-٢١٢).

توضيح أعمق لوجهة نظر العلامة الطباطبائي بشأن القضايا التجريبية يتطلب بحثًا آخر لا يتسع له هذا المقال.

الخاتمة

يُبيّن الشهيد الصدر من خلال تحليله الدقيق للمنهج العقلي والمنطق الأرسطي التمييز الكامل بين الاستقراء والنظريات العلمية أو القضايا التجريبية. فهو من جهة يتناول دراسة متأنية للمنهج التجريبي والتجريبيين، ومن جهة أخرى يعترف ببعض المآخذ عليهم؛ بحيث يجعل هذه المآخذ أساسًا لمنهجه المعرفي. في الواقع، كانت المآخذ الموجهة للاستقراء وقطعيتها مطروحة، وتم تقسيمها إلى ثلاث فئات (اليقيني، التفضيلي، الشكي) بناءً على مقدار المعرفة التي يمنحها الاستقراء. وهذه الدرجة من المعرفة واليقينية أمر جوهري لا موضوعي، كما واجهها المنهج العقلي.

وقد أسس الشهيد الصدر ابتكار المنهج الجوهري للاستقراء على التمييز بين الاستقراء والنظريات العلمية؛ بمعنى أن الاستقراء هو مجموعة من المشاهدات المتكررة، وهذه المشاهدات المتكررة تخلق في الإنسان حالة تجعله يعترف بها جوهريًا ويصل إلى اليقين بها. وهذه الحالة تشبه وتصحح ما يذكره التجريبيون في جميع فئاتهم الثلاث؛ مع الفرق أن الفئة الثالثة منهم تعتبر نتائج الاستقراء عادة ذهنية. وهذه الحالة تجعل الإنسان غافلًا مصاحبًا لمقارنة، ويستنتج منها الشك، في مقابل المنهج العقلي الذي يستنتج القطعية من خلال القياس.

يرى الشهيد الصدر أن بعض المآخذ على التجريبيين واردة، لذا وبعلمه بهذه الأمور يطرح نقاش التولد الجوهري والتولد الموضوعي، ويجعل يقينية الاستقراء ليست بواسطة القياس، بل جوهريًا وبواسطة تلك الحالة التي تخلقها في الإنسان، أي اليقين الجوهري نفسه الذي هو نتاج التولد الجوهري مع المنهج الجوهري. لذلك تُرفع معظم المآخذ التي يوجهها التجريبيون (التي تؤدي إلى عدم حصول اليقين الموضوعي)؛ فالحالة التي يخلقها الاستقراء جوهريًا في الإنسان هي يقين جوهري يختلف عن اليقين الموضوعي والمنطقي. ومن ثم يرتبط منهج الشهيد الصدر الابتكاري مباشرة باليقين الجوهري ليتمكن من خلاله من الرد على المآخذ. إنه منهج معرفي جديد يُؤسس فيه الاستنتاج بطريقتين. وبالطبع هذا المنهج متجذر في الحكمة المتعالية؛ بحيث إن العلامة الطباطبائي ضمن هذا المنهج قسم القضايا وبيّن النتائج المترتبة على كل من القضايا الضرورية والنظرية، وذلك في إطار المنهج الجوهري للعلم والقضايا من منظور الشهيد الصدر.

المصادر والمراجع

ابن سینا، حسین بن عبدالله. (١٣٩١). برهان شفا، الطبعة چهاردهم، قم، منشورات بوستان کتاب.

چالمرز، الن فرانسیس. (١٣٩٠). چیستی علم، ترجمة سعید زیباکلام، الطبعة‌ دوازدهم‌، تهران، منشورات سمت.

حلی، حسن بن یوسف. (١٣٩٢). الجوهر النضید، ترجمة صانعی دره بیدی، الطبعة الثامنة، تهران، منشورات حکمت.

خسروپناه، عبدالحسین. (١٣٨٣). مقاله منطق استقرا از دیدگاه شهید صدر، نشریه‌ ذهن‌، تابستان ١٣٨٣، العدد ١٨.

سروش، عبدالکریم. (١٣٦٦). تفرج صنع، تهران، منشورات سروش.

صدر، محمدباقر. (١٤٢٥ه.ق). الاسس المنطقیه للاستقرا، الطبعة الأولى، قم، منشورات دارالصدر.

. (١٣٥٩). تئوری شناخت در فلسفه‌ ما‌، الطبعة الأولى، تهران، منشورات بدر.

طاهری، محمدرضا. (١٣٧٦). علیت از نظر اشاعره و هیوم، الطبعة الثالثة، تهران، منشورات پژوهش‌های اندیشه فلسفی.

طباطبایی، محمدحسین. (١٣٩٠). اصول فلسفه و روش رئالیسم، الطبعة پانزدهم‌، تهران‌، منشورات‌ صدرا.

. (١٣٨٨). مجموعه رسائل‌، المجلد الثاني‌، الطبعة الثانية، قم، منشورات بوستان کتاب.

طوسی، نصیرالدین محمد. (١٣٩١). شرح الاشارات و تنبیهات، قم، انتشاراتبوستان کتاب.

کبیر، یحیی. (١٣٨٦). مقاله شهید‌ صدر‌ و مسئله‌ استقرا، نشریه فلسفه، زمستان ١٣٨٦، العدد ٤.

. (١٣٨٧‌). مقاله‌ مقایسه آرای شهید صدر و دکترسروش در مسئله استقرا، نشریه مقالات و بررسی‌ها، بهار ١٣٨٧، العدد ٩٧.

مظفر، محمدرضا. (١٣٨٨‌). المنطق‌، الطبعة‌ یازدهم، قم، منشورات دارالعلم.