ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مفهوم قانونگذاری در آرای فقهی و حقوقی سید محمدباقر صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: سيد محمدباقر صدر من بين الفقهاء المعاصرين الذين أولوا موضوع التشريع اهتمامًا في مؤلفاتهم، سواء من الناحية الفقهية أو من المنظور القانوني. السؤال الذي يطرحه هذا البحث هو: هل يوجد مفهوم التشريع في الحقوق والعلوم السياسية، بالمعنى الشكلي والحد الأدنى، في آراء الشهيد سيد محمدباقر صدر، وإذا كان موجودًا، فما هي حدوده ونطاقه؟ للإجابة على هذا السؤال، تم اتباع المنهج الوصفي-التحليلي، حيث تم أولاً عرض أسسه الفقهية في هذا المجال، لا سيما من خلال تقسيم الحكم إلى حكم شرعي وحكم حكومي. ثم تم دراسة مناقشاته القانونية في هذا الموضوع، والتي تشمل تأسيس نظري للمؤسسات السياسية الحاكمة، من خلال منهجين عضوي ووظيفي، وفي النهاية، وبعد توضيح مفهوم التشريع بالمعنى المقصود، تم اختبار إمكانية وجوده في الآراء الفقهية والقانونية لسيد محمدباقر صدر. ونتيجة لذلك، تم التعرف على هذا المفهوم الشكلي للتشريع ضمن مجموعة وظائف المؤسسات السياسية التي اقترحها، على مستويين: خفيف وقوي، وفي مجالين مختلفين من الأحكام الشرعية الفقهية وأحكام منطقة الفراغ.
المؤلف: حسین امینی پزوه، سید علیرضا حائری، حامد نیکونهاد
المصدر: دانش حقوق عمومی، صيف 1397، العدد 20، ص 32 إلى 48.
المقدمة
«التشريع» من المفاهيم المهمة في العلوم السياسية والحقوق العامة. هذه الكلمة ليست جديدة أو حديثة بالمعنى الدقيق في الثقافة الغربية، ويُدعى أنها كانت موجودة في جميع المجتمعات السياسية والدول عبر التاريخ بشكل ما، وكانت موضوع دراسة لفلاسفة مختلفين من اليونان القديمة وحتى الآن (Flores, 2005: 27)، ولكن من الطبيعي أن تكون قد اكتسبت معنى جديدًا لأسباب عدة، منها التغير في النظرة العالمية وتعقيد المجتمعات السياسية في العالم الحديث، إلى جانب مفاهيم أخرى مثل الديمقراطية، حكم القانون، وفصل السلطات. وقد ازدادت أهميتها في السنوات الأخيرة، حتى اعتُبرت مركزًا ومحورًا للاهتمامات النظرية القانونية المعاصرة (Wintgens, 2007: ix). أما في المصادر الإسلامية والعلوم الإسلامية، ومنها الفقه الإمامي، فهناك مصطلحات مثل «التشريع» التي تبدو في ظاهرها متناظرة مع هذا المفهوم؛ إذ يُستخدم هذا المصطلح في العربية كترجمة لكلمة «Legislation» في الإنجليزية والفرنسية أو «التشريع» في الفارسية (کورنو، 1418ق، ج1: 476؛ نخلی، البعلبکی و مطر، 2002م: 510؛ سیاح، 1380، ج1: 954). ومع ذلك، من الضروري عرض مفهوم التشريع في الحقوق ضمن نطاق علم الفقه الإمامي كمصدر محلي، وقياس إمكانية التعرف عليه ضمن مفاهيمه ومعانيه. التعرف الدقيق على هذا المفهوم في الفقه الإمامي مهم عمليًا أيضًا بسبب تأسيس النظام الديني للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ إذ يُستخدم هذا المصطلح اليوم كثيرًا في الوثائق القانونية، لكن مفهومه كوظيفة سياسية وقانونية في حكومة إسلامية غير واضح بدقة. لذلك، من الضروري دراسة هذا المفهوم من منظور الفقه الإمامي كمصدر فكري وعملي لهذا النظام السياسي.
رغم أنه يمكن العثور على بعض المواد المتفرقة في التراث الفقهي الإمامي حول ما نسميه إجمالًا التشريع، إلا أن المناقشات الأكثر تنظيمًا في هذا الموضوع موجودة في آثار الفقهاء المعاصرين، أي بعد المواجهة الثقافية-الحضارية مع الغرب. في هذا المجال، تحظى شخصية وأعمال الشهيد آية الله سيد محمدباقر صدر بأهمية متعددة الجوانب. يمكن ملاحظة الجانب العلمي لشخصيته من خلال المرجعية، الأصالة الفقهية، الشمولية العلمية، الاطلاع على العلوم الحديثة الغربية، لا سيما الحقوق الدستورية، [1] تطوير وإدخال المناقشات الفقهية، خصوصًا الفقه السياسي، إلى المناقشات القانونية وتأسيس المؤسسات السياسية، وتأثير أفكاره في صياغة الدستور للجمهورية الإسلامية الإيرانية (للتأكيد على هذا التأثير، انظر: فضلي، 1421ق: 338؛ ملاط، 1998م: 132). أما الجانب السياسي لشخصيته فيعود إلى دعمه للإمام الخميني (قده) في الثورة الإسلامية والنظام الجمهوري الإسلامي، والنشاط الحزبي والسياسي، ومقاومة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي وما شابه ذلك. كل هذه الخصائص تجعل الباحث أمام فقيه بصير يتناول موضوعات جديدة وواعٍ للأحكام، مما يجعل دراسة آرائه ذات قيمة عالية.
على الرغم من التنوع الكبير في الموضوعات التي طرحت حول التشريع في القانون، وبعضها قد ذُكر، فإن مسألة هذا البحث، كخطوة أولى، هي تقديم أدنى معنى لهذا المفهوم في القانون العام، أي معناه الشكلي، في فكر الفقيه سيد محمد باقر الصدر، وقياس إمكانية وجود مثل هذه الوظيفة في آرائه. تنبع مسألة هذا المقال من ازدواجية بين الفقه والقانون العام، وتهدف إلى منع الخلط بين مفاهيم ومعاني هذين المجالين وتحديد الحدود الدقيقة بينهما. إن حل هذه المسألة يمنع الاستيلاء على أحدهما لصالح الآخر. كما أنه يستدعي مراجعة عميقة للأعمال الفقهية لفقيه مثل الشهيد الصدر، مما يؤدي إلى التعرف بشكل أعمق وكشف الجوانب والنقاط غير المرئية فيها. بالإضافة إلى ذلك، فهو مفيد لفهم نقاط القوة ومعالجة العيوب والنواقص النظرية والعملية المحتملة. على الرغم من إجراء العديد من الدراسات حول التشريع في آراء الشهيد الصدر،[2] فإن ما يميز هذا البحث عن الدراسات المماثلة في هذا الموضوع هو المنهجية المزدوجة الفقهية والقانونية، وخاصة تحليل آرائه من منظور القانون الدستوري. لذلك، يسعى هذا المقال للإجابة على السؤال: هل يوجد مفهوم التشريع في القانون والعلوم السياسية، بالمعنى الشكلي والحد الأدنى، في آراء الفقيه الشهيد سيد محمد باقر الصدر؟ وإذا كان موجودًا، فما هي حدود ونطاق هذا المفهوم؟ بعبارة أخرى، هل يمكن التعرف على وظيفة التشريع التي تُناقش في العلوم السياسية والقانون العام في الفكر الفقهي والقانوني لسيد محمد باقر الصدر؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فما هي خصائصها؟ لدراسة هذه الإمكانية، وبالاعتماد على المنهج الوصفي-التحليلي مع الأخذ في الاعتبار الطبقتين الفقهية والقانونية لآرائه، يتم أولًا طرح المناقشات الفقهية كأساس للمناقشات القانونية مع التركيز على التمييز بين فئتين من الأحكام الفقهية. ثم تُعرض المناقشات القانونية بالتفصيل مع التركيز على بناء المؤسسات السياسية-القانونية في موضوع التشريع. في النهاية، وبعد دراسة هذه الآراء الفقهية والقانونية، يتم إجراء تحليل لها والإجابة على سؤال المقال.
1. الأسس الفقهية للتشريع
في هذا القسم، نسعى لطرح تلك المناقشات الفقهية للشهيد الصدر التي تبدو للوهلة الأولى إجمالًا متعلقة بموضوع التشريع. هذه المناقشات تشكل أساسًا لمناقشاته القانونية في هذا المجال. يبدو أن المواضيع التي قدمها حول أحد تقسيمات الأحكام لها أكبر ارتباط بهذا الموضوع. هذا التقسيم، خلافًا للعديد من التقسيمات الأخرى التي تُذكر بدقة في كتب الأصول، لم يُطرح لا في كتب أصول الصدر ولا في آثار أصولية لفقهاء وأصوليين آخرين، لكنه يمكن ملاحظته متفرقًا وعلى هامش بعض المسائل في مؤلفاته غير الأصولية. هذا التقسيم هو تقسيم الأحكام إلى أحكام شرعية وأحكام يسميها “أحكام صادرة في منطقة الفراغ”. كلما ذكر الأحكام من الفئة الثانية، وضعها مقابل الأحكام الشرعية، ومن خلال مقارنة الاثنين، بيّن خصائص لكل منهما. المسألة المهمة في هذا القسم هي تقديم شرح متماسك للثنائية الموجودة بين هاتين الفئتين من الأحكام في آراء الشهيد الصدر، وجمع مجموعة من أوجه الشبه والاختلاف بينهما لمساعدة على فهمهما بشكل أفضل. لذلك، نبدأ بتعريف الأحكام الشرعية ثم منطقة الفراغ، وفي النهاية نشرح العلاقة بينهما.
1-1. الأحكام الشرعية
قدم الشهيد الصدر في مؤلفاته تعريفات وتوضيحات متعددة للأحكام الشرعية وذكر لها خصائص. في كتبه الأصولية، اعتبر “الحكم الشرعي” مختلفًا عن الخطابات الشرعية، وقال: «الحكم الشرعي هو تشريع صادر من الله تعالى لتنظيم حياة الإنسان، والخطابات الشرعية في الكتاب والسنة هي كاشفة عنه وليست هي الحكم الشرعي ذاته (صدر، 1410هـ: 104 و 1421هـ[الف]: 63)». وفي موضع آخر، اعتبر “الشريعة” مع العقيدة جزءًا من الدين الإسلامي، وعرّفها بأنها «مجموعة القوانين والأنظمة التي جاء بها رسول الله (ص) لجميع أبعاد الحياة الإنسانية، سواء الفكرية أو الروحية أو الاجتماعية، في أشكال مختلفة اقتصادية وسياسية وغيرها (صدر، 1428هـ[الف]: 244)». كما اعتبر “أحكام الشريعة الإسلامية المقدسة” من زاوية أخرى «أحكامًا ثابتة» «مبينة في الشريعة بدليل من الأدلة الأربعة: الكتاب، السنة، الإجماع، والعقل. ولا يجوز فيها أي تبديل أو تغيير، لأنها ذات بنية محددة وشاملة لكل الظروف والأحوال، ولا بد من تنفيذها دون تحريف (صدر، 1428ق[الف]: 263)».
ما ذكره في العديد من مؤلفاته، وخاصة ما يُستفاد من التعريفات والتوضيحات المذكورة، هو شمولية هذه الأحكام لكل جوانب وظروف وأحوال الحياة. يمكن ملاحظة هذا المضمون في كتبه الأصولية مع قبول قاعدة “نفي الخلو” التي استقاها من الآيات والروايات، ويعتقد أنه لا يوجد حادثة تخلو من حكم شرعي (صدر، 1421هـ[ب]: 179).
هذه الأحكام نزلت من الله على النبي (ص) وهو، بحكم النبوة والتبليغ، قام ببيانها (صدر، 1424هـ: 444). وفي عصر الغيبة، فإن بيان الأحكام الشرعية هو حق وواجب لمن بلغوا درجة الاجتهاد من الناحية العلمية ودرجة العدالة من حيث السلوك والصفات. ويُسمى هذا الفعل للفقير العادل بالافتاء. ويمكن أن يتم ذلك من خلال مجتهد واحد أو عدة مجتهدين عادلين، وفي حالة التعدد، لا يحق للدولة إلزام المسلمين باتباع مجتهد واحد (صدر، 1428هـ[الف]: 267).
وقد اعتبر اثنين من المهام الأربع للدولة الإسلامية هي بيان الأحكام الشرعية وتنفيذها (صدر، 1428ق[الف]: 256-257). ومع ذلك، النقطة المهمة هي أن بيان الأحكام أو الفتوى ليست من اختصاصات الحاكمية على الأمة، وليست ضمن صلاحيات الدولة من حيث كونها دولة (صدر، 1428هـ[الف]: 266).
لقد قدم في كتبه الأصولية تقسيمات متعددة لأحكام الشريعة (ن.ک: صدر، 1421هـ[ج]: 22-27). والتقسيم الذي يُعد مثمراً في هذا البحث ويمكن أن يكون أساساً لمباحثه القانونية هو التقسيم الذي ورد في بعض مؤلفاته الفقهية والاجتماعية الأخرى، والذي يشمل الأحكام ذات الوضوح الفقهي التي لا يوجد فيها سوى فتوى واحدة من جانب المجتهدين، والأحكام التي توجد فيها فتاوى مختلفة في موضوع واحد (صدر، 1403هـ[الف]: 10). ورغم أن هذا التقسيم يستند إلى إجماع أو اختلاف آراء الفقهاء في حكم موضوع معين، ويبدو أنه غير مستخدم في الفقه التطبيقي، إلا أنه يؤثر في مباحثه القانونية في مجال التشريع.
1-2. أحكام منطقة الفراغ
منطقة الفراغ هو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى نطاق خاص من القواعد الدينية، وبناءً عليه تُسمى الأحكام في هذا المجال بأحكام منطقة الفراغ. وقد قدم تعاريف مختلفة لهذه الأحكام. ففي بعض مؤلفاته، أشار إليها بـ«التعاليم» أو «القوانين»، وعرّفها قائلاً: «القوانين هي متغيرات تتغير بتغير ظروف الدولة، ومنبع التغيير فيها هو أنها لم ترد مباشرة في نصوص محددة في الشريعة، وإنما تُستنبط من أحكام الشريعة في ضوء الظروف والأحوال التي يمكن تغييرها وتحويلها» (صدر، 1428هـ[الف]: 263).
أحكام منطقة الفراغ، نظراً لقابليتها للتغير وبالتالي مؤقتيتها، تهدف إلى تغطية الجوانب المتغيرة من الحياة (صدر، 1424هـ: 800). وهو لا يعتبر وضعها مجرد حاجة من حاجات الدولة الإسلامية، بل يعد إصدارها، خلافاً لبيان أحكام الشريعة، من الأمور السيادية (صدر، 1428هـ[الف]: 266). ويرى أن اتخاذ القرار في هذا المجال من صلاحيات ولي الأمر استناداً إلى الآية 59 من سورة النساء (صدر، 1428هـ[ب]: 148). ومن وجهة نظره، ولاية الأمر تعود إلى المجتهد المطلق الذي تتوفر فيه الشروط الشرعية الأخرى، والذي يمتلك ولاية عامة (صدر، 1403هـ[ه]: 115-114). وهو يستنبط من الآية المذكورة نطاق منطقة الفراغ أو حدود إصدار الأحكام في هذا المجال من قبل أولي الأمر. وهذا النطاق «يشمل كل فعل مباح من الناحية الشرعية. لذلك، أي نشاط أو عمل لم يرد فيه نص تشريعي بالتحريم أو الوجوب، يُسمح لولي الأمر أن يضيف إلى هذا العمل صفة ثانوية تشمل الأمر به أو النهي عنه» (صدر، 1424ق: 804). وبناءً عليه، فإن نطاق إصدار هذه الأحكام يشمل الحالات التي يكون حكمها الشرعي مباحاً (بالمعنى الخاص)، أو مكروهاً، أو مستحباً، حيث يمكن لولي الأمر أن يصدر حكماً الزامياً آخر فيها.
وبالنظر إلى هذه التعاريف والخصائص، ومقارنةً بالتعاريف التي قدمها فقهاء آخرون للحكم المطلق (مقابل الفتوى) والذي يُعرف اليوم أكثر بالحكم الحكومي،[3] يمكن اعتبار أحكام منطقة الفراغ منطبقة على هذه الفئة من الأحكام.
1-3. علاقة أحكام الشريعة بأحكام منطقة الفراغ
يمكن دراسة مقارنة بين أحكام الشريعة وأحكام منطقة الفراغ على مستويين؛ الأول شكلي والثاني مادي (محتوى). في المستوى الأول، ترتبط معظم الخصائص المذكورة لهذه الأحكام، وليس كلها، بالشكل والمظهر، ومن هذا المنظور فإن هذين الحكمين متقابلان من نواحٍ مختلفة. أما في المستوى الثاني، فهما متشابهان من الناحية المادية، ومن الضروري بيان هذه التشابهات إلى جانب الاختلافات لتفادي بعض الشبهات.
1-3-1. الفروقات الشكلية
ذكر الشهيد الصدر في مؤلفاته المتفرقة فروقات بين هذين الحكمين. وقد طرحت هذه الفروقات من جوانب ومعايير مختلفة. وبعضها كان مستخلصاً من التعاريف المذكورة سابقاً، ولتسهيل المقارنة يُعاد عرضها بشكل منقح. هذه الفروقات ذات طابع فقهي في الغالب، بينما للتفريق بينهما في القانون الدستوري تأثيرات ويؤدي إلى ازدواجيات يجب اعتبارها آثاراً ناتجة عن هذه الفروقات الفقهية التي يشرحها في مباحثه القانونية.
أ- أحكام الشريعة تظهر في قالب الفتوى، وأحكام منطقة الفراغ في قالب الحكم؛
ب- مرجع بيان أحكام الشريعة في عصر الغيبة هم عموم المجتهدين، بينما مرجع إصدار أحكام منطقة الفراغ هو ولي الأمر (الولي الفقيه)؛
ج- النبي (ص) والأئمة (ع) يبينون أحكام الشريعة من باب كونهم مبلغين، والفقهاء يفعلون ذلك من نفس المنطلق، أما وضع أحكام منطقة الفراغ فيعود إلى شأن ولاية الأمر وحكمتهم؛
د- الأحكام الشرعية التي يبينها المجتهدون ملزمة فقط لمقلديهم، ولا يجوز إجبار الناس على اتباع مجتهد معين،[4] أما أحكام منطقة الفراغ فهي ملزمة للجميع؛
ه- أحكام الشريعة «تُبين» من قبل مرجعها (المجتهدين)، بينما أحكام منطقة الفراغ «تُوضع» من قبل مرجعها؛
و- الطاعة لأحكام الشريعة هي طاعة مباشرة لله ومستندة إلى قوله تعالى «أطيعوا الله» في الآية 57 من سورة النساء، أما الطاعة لأحكام منطقة الفراغ فهي طاعة لولي الأمر وترجع إلى قوله «أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» في نفس الآية؛
ز- مع أن كلا النوعين من الأحكام من حاجات ومتطلبات الدولة الإسلامية، فإن بيان أحكام الشريعة أمر غير سيادي، بينما وضع أحكام منطقة الفراغ أمر سيادي؛
ح- أحكام الشريعة هي أحكام ثابتة، ولذلك في المدرسة الاقتصادية للشهيد الصدر والنظريات التابعة لها،[5] تُسمى «عناصر ثابتة» أو «عناصر ساكنة»، أما أحكام منطقة الفراغ فهي متغيرة، ولهذا السبب يُشار إليها بـ«العناصر المتحركة» التي لكل منها وظيفة مستقلة كأدوات للاقتصاد الإسلامي في هذه النظريات والمدرسة التي قدمها [6] (صدر، 1424هـ: 444)؛
ط- الأحكام الشرعية المرتبطة بالجوانب الأساسية والثابتة للاحتياجات الإنسانية تشمل تركيب الأعضاء والقوى العامة للإنسان، جهاز التغذية، التكاثر، الإمكانات المتعلقة بالإدراك والشعور وغيرها من المشترك الإنساني؛[7] أما أحكام منطقة الفراغ فتتعلق بالاحتياجات التي تدخل تدريجياً في حياة الإنسان وتنمو مع تجاربه الحياتية وتزايد تقدمه (صدر، 1428ق[ج]: 118-122).
ي- الأحكام الشرعية هي أحكام شاملة وتغطي جميع الوقائع، لكن نطاق أحكام منطقة الفراغ محدود بالمجال الذي لا يوجد فيه حكم شرعي ملزم (واجب أو حرام) ويكون مباحاً بالمعنى الأعم؛
ك- أحكام منطقة الفراغ تقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة التي تتغير مع مرور الزمن، وليس علاقته بالإنسان الآخر التي لا تتغير. في المقابل وبناءً على فكرة شمولية الأحكام الشرعية، فإن هذه الأحكام تشمل كلا النوعين من العلاقات (صدر، 1428ق[ب]: 147)؛
ل- الأحكام الشرعية مبنية على المصلحة المنصوص عليها ولا يجوز الاجتهاد فيها، أما أحكام منطقة الفراغ فمبنية على المصلحة الإسلامية غير المنصوص عليها وتحتاج إلى الاجتهاد، على أن لا تتعارض نتيجة الاجتهاد مع النصوص العامة للشريعة[8] (صدر، 1428ق[الف]:271).
1-3-2. أوجه التشابه المادية
الاختلافات الظاهرية المطروحة بين هذين الحكمين لا تعني وجود اختلاف مادي ومضموني بينهما. هذه الاختلافات لا تعني أن للولي الأمر الحق في ظل هذا الاختيار أن يصدر أي حكم يراه مناسباً في منطقة الفراغ. على العكس، من الضروري أن يكون محتواهما متشابهاً أو مشتركاً مع الأحكام الشرعية. لكن نوعية هذا التشابه المادي والاشتراك المضموني، مع وجود الاختلافات المذكورة بينهما، ليست بسيطة ويجب البحث عنها دون تعميم في آرائه.
لقد أشار في مواضع متعددة بشكل عام إلى هذه النسبة المادية. على سبيل المثال، قدمها مستنبطة من الأحكام الشرعية في ظل الظروف والأحوال المتغيرة، أو اعتبرها مقتضى الأحكام الشرعية في ظروف وأحوال خاصة (صدر، 1428هـ[الف]: 263-264).
المباحث الفريدة لديه في هذا المجال عُرضت تحت عنوان المؤشرات العامة لتغطية منطقة الفراغ. ورغم أنه قدم هذه المؤشرات في مقام بيان مذهب الاقتصاد الإسلامي، إلا أنها لا تحمل خصوصية خاصة، بل يمكن تعميمها ويمكن اعتبارها آلية لإصدار أحكام منطقة الفراغ. المهم أنه يعتبر هذه المؤشرات متجذرة في العنصر الثابت (الأحكام الشرعية) الذي على أساسه تتوفر مبادئ لتقييد العناصر المرنة والمتغيرة التي تحتاجها طبيعة كل عصر (أحكام منطقة الفراغ) (صدر، 1403ق[ب]: 39). هذه المؤشرات المستخرجة من الأحكام الشرعية هي أداة يحدد الولي الأمر على أساسها مضامين أحكام منطقة الفراغ. لذلك، تلعب هذه المؤشرات دوراً وسطياً بين هذين النوعين من الأحكام.
المؤشرات العامة المذكورة عنده خمسة. الأول هو التوجه التشريعي الذي هو الأهداف المستخلصة من مجموعة من الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة والتي يحرص الشارع على تحقيقها، ويجب على أحكام منطقة الفراغ حمايتها. المؤشر الثاني هو الهدف المنصوص عليه للحكم الثابت، وهو علامة إرشادية لإصدار أحكام منطقة الفراغ. المؤشر الثالث هو القيم الاجتماعية التي يؤكد عليها الإسلام، وكذلك بعض المفاهيم المتعلقة بالظواهر الاجتماعية التي فسّرها الإسلام. المؤشر الرابع هو توجه العناصر المتحركة في زمن النبي (ص) وولي أمره (ع). فقد أصدروا في حياتهم، من حيث كونهم حكاماً، مثل هذه الأحكام مستلهمين من المؤشرات العامة للإسلام وروح الشريعة المقدسة الاجتماعية والإنسانية، والتي لها دلالة ثابتة يمكن منها استخراج مؤشر إسلامي ما دام غير مرتبط بطبيعة ذلك العصر الخاص. المؤشر الأخير هو الأهداف التي حددت للولي الأمر في إطار النصوص العامة والأحكام الشرعية والتي ألزمته بتحقيقها أو السعي في سبيلها (صدر، 1403هـ[ب]: 41-50).
بهذه الصفات المذكورة، هذان الحكمان يشتركان في المضمون. هذا الاشتراك إلى حد أنه يرى جواز وصف أحكام منطقة الفراغ بالشرعية ويقول: «وصف القوانين والتعليمات [= أحكام منطقة الفراغ] بالأحكام الشرعية وصف صحيح، رغم أنها أحكام مرتبطة بالظروف؛ لأنها تأخذ الصفة الشرعية ووجوب التنفيذ شرعاً من الأحكام الشرعية التي تقتضيها (صدر، 1428هـ[الف]: 264)».
2. المناقشات القانونية للتشريع
مناقشاته القانونية في مجال التشريع، كما أشار هو نفسه، تتعلق بفروع القانون الدستوري من علم القانون (صدر، 1403هـ[الف]: 17) وتشمل موضوعات حول المؤسسات السياسية التي أُنشئت في النظام السياسي المرغوب لإيران بعد الثورة الإسلامية. وقد كان، وفق قوله، يسعى لتقديم نموذج قائم على الشريعة في الفقه الإسلامي، ويمكن استنتاج ذلك من العناوين التي اختارها لهذه النوعية من مناقشاته [9]. ورغم أن بناء المؤسسات النظرية في فكره يعود إلى ما قبل الثورة الإسلامية، فإن فكره الفقهي بعد انتصار الثورة دخل مرحلة جديدة من التطور وبدأ بجدية أكبر في بناء المؤسسات القانونية والسياسية على أساس آرائه الفقهية.
تناولاته في هذا المجال من جهة تشمل تحديد هيئات لتلك المؤسسات في إطار مقترح للنظام السياسي بعد الثورة، ومن جهة أخرى تحديد الصلاحيات والاختصاصات لكل من تلك الهيئات، مما يهيئ المجال لتحليل أدائها. نظرة سريعة على المسار التاريخي لأعماله تُظهر أولاً إيمانه الجاد بتأسيس عناصر الشريعة، لا سيما الصلاحيات التي حددها الشرع المقدس، وثانياً أنه أول من أسس مؤسسات في ما يتعلق بصلاحيات المرجعية الإسلامية التي يسميها بتعابير مثل المرجعية المتطورة أو المرجعية الصالحة. ويرجع ذلك إلى أهمية الموضوعات المرتبطة بالمرجعية في فكره، مما دفعه إلى دراستها من زوايا متعددة، كما يعود إلى اعتقاده بالولاية العامة للفقهاء التي تشمل جميع الصلاحيات الحكومية. إن طرح مثل هذه المؤسسات في فكره يستند إلى أسس كلامية خاصة طرحها في مؤلفاته. وباختصار، جمع بين بعض العناصر في الفكر الإسلامي مثل الله، الشريعة، لا سيما المرجعية والأمة بشكل مناسب. وبإيجاز، اعتبر الله مصدر كل القوى وذو ولاية، والشريعة مصدر التشريع، والأمة صاحبة حق الخلافة العامة، والمرجع هو استمرار خط الأنبياء والأولياء وشاهد وناصح للأمة (صدر، 1403هـ[الف]: 9-16 و 1403ق[د]: 172). هنا، يقتصر الحديث على توضيح المؤسسات السياسية، وبالأخص الحاكمة منها، ومن بين وظائفها المتعددة يُركز فقط على الجزء المرتبط بموضوع المقال الحالي، وهو التشريع.
المباحث القانونية للشهيد الصدر في موضوع التشريع، كما هو شائع في تحليل المؤسسات السياسية[10] في القانون الدستوري، يمكن دراستها بمنهجين: منهج الهيئات[11] ومنهج الوظائف[12]. من المنظور الأول تُعرّف الهيئات وتُحدد علاقاتها العضوية، ومن المنظور الثاني تُحدد صلاحياتها أو تُفسر بوظائف مستقلة لكل منها بنظرة استعادية. بناءً عليه، هنا يُعرض أولاً المؤسسات التي أسسها في موضوع التشريع من الناحية التركيبية والبنية الظاهرية. ثم تُدرس صلاحياتها فيما يمكن إجمالاً اعتباره تشريعاً، بشكل دقيق ومتعمق وبالنسبة لكل حكم شرعي ومنطقة الفراغ.
2-1. المؤسسات القانونية السياسية المرتبطة بالتشريع من حيث الهيئات
نظراً لأهمية موضوع المرجعية في آراء الشهيد الصدر، وكذلك الصلاحية التي يمنحها لتلك المؤسسة في الأمور المتعلقة بالتشريع، نبدأ بدراسة الهيئات المرتبطة بالتشريع. فقد اتخذ موقفاً إيجابياً تجاه مؤسسة المرجعية، ومن خلال التمهيد النظري لهيئات مختلفة لها، رسخ صلاحياتها أكثر فأكثر. وبوعي تام لمقتضيات العصر الحالي، ومن خلال بناء هيئات جديدة للمرجعية، بلغ تأسيسها ذروته في مسيرته التاريخية لتعزيز فعاليتها. ويمكن اعتبار هذا البناء الهيكلي تطويراً عمودياً وأفقياً لمؤسسة المرجعية وفق أدبياته. يتم التطوير العمودي عبر جهاز عملي وبرمجي وتنفيذي يستند إلى الكفاءة والتخصص وتقسيم العمل، ويغطي جميع نشاطات المرجعية، ويعمل في ظل الأهداف التي حددها للمرجعية. يحل هذا الجهاز المقترح محل الجهاز السابق الذي كان عفوياً ومؤلفاً من أشخاص اجتمعوا لتلبية حاجات آنية بشروط خاصة. كان هؤلاء الأشخاص في الجهاز السابق يعملون بعقلية جزئية وبدون أهداف محددة وواضحة. الجهاز الجديد يشمل لجاناً مختلفة في مجالات التعليم، البحث، الموارد البشرية، العلاقات العامة، الرقابة والمالية (صدر، 1428هـ[د]: 464-465).
أما التوسع الأفقي للمرجعية، فيجعلها محوراً قوياً تعود إليه صلاحيات جميع ممثليها ومنسوبِيها في العالم. ويرى أن هذا يحل محل الوضع الحالي الذي، رغم انتماء معظم علماء الشيعة إلى المرجعية، إلا أن هذا الانتماء في كثير من الحالات نظري وشكلي ولا يحقق المحورية المنشودة للمرجعية. يتحقق هذا التطوير من خلال وجود مجلس للمرجعية يمارس من خلاله صلاحياته. الأساس النظري لتأسيس هذه الهيئة، التي يمكن اعتبارها مؤسسة مستقلة، ربما يكمن في رأيه القائل إنه رغم أن المرجع ينوب عن الإمام، إلا أن قالب ممارسة هذه النيابة المرتبطة بالشخص غير محدد في المصادر الدينية، بل يُحدد في ضوء الأهداف والمصالح العامة (صدر، 1428هـ[د]: 466). ويمكن اعتبار هذا الأساس صالحاً أيضاً لتأسيس مؤسسات وهيئات أخرى في نظره؛ بمعنى أن الأصل في الصلاحيات منصوص عليه في الشرع، لكن هيكلية ممارستها تُحدد في كل عصر بحسب ظروفه الخاصة.
أساسه المهم الآخر في ترسيخ الصلاحيات عبر التشكيل المؤسسي، هو أن وجود مثل هذا المجلس يحصّن عمل المرجع من التأثر وردود الفعل العاطفية السريعة، وعلى العكس، يمنح عمله بُعدًا وامتدادًا حقيقيًا عميقًا. كما يُمكّن جميع نواب المرجع من أداء مسؤوليات المرجعية بشكل تضامني وبمشاركة جماعية عبر ذلك المجلس. وهو يرى مزايا هذا الأسلوب تفوق مزايا الأسلوب السابق مثل سرعة الحركة، وحماية المعلومات، ومنع تسلل العناصر غير الواعية إلى مستوى تخطيط المرجعية. ويسمي المرجعية الأولى بالمرجعية الفردية والشخصية، والثانية بالمرجعية الموضوعية، لأنه يعتقد أنه في إطار المرجعية الجديدة، المرجعية ليست مجرد شخص، بل شخص مع تمثّل خارجي، وهو ذلك المجلس وكذلك الجهاز الملحق به. الشخص المرجع يموت، لكن تمثله يبقى ثابتًا. هذا المجلس في منظومته المؤسسية يتصل تنظيميًا باللجان المذكورة (صدر، 1428هـ[د]: 466-468). وقد حدد أعضاء هذا المجلس الذين يُنتخبون من قبل المرجعية في مسودة كتبها قبيل صياغة الدستور الإيراني، وضمّها إلى مئة من العلماء الثقافيين، وعددًا من علماء الحوزة الفضلاء، وعددًا من العلماء الفضلاء الوكلاء، وعددًا من الخطباء الفضلاء والكتّاب والمفكرين الإسلاميين، بحيث لا يقل عدد المجتهدين عن عشرة (صدر، 1403هـ[الف]: 13). وهذا الأساس هو ذاته الذي يُناقش في العلوم السياسية والقانون العام كضرورة، وهو إخراج السلطة القهرية العامة والشاملة السياسية من حالتها الأولية القائمة على أمر شخص واحد، وبالتالي عدم تخصيص الحكم لشخص، والذي يتم على الأقل عبر السيادة الشكلية للقانون[13] وكذلك اشتقاق السلطة السياسية وتقسيمها أفقيًا إلى وظائف مختلفة منها التشريع (فصل السلطات)[14] وأيضًا توزيعها عموديًا عبر تفريق الصلاحيات ومنح كل جزء إلى هيئة خاصة (اللامركزية)[15].[16]
أما الهيئة التي تأتي ترتيبياً بعد المجلس المذكور، لكنها من حيث بدء عملية التشريع تسبق ذلك المجلس، فهي مجلس يُشار إليه بـ«مجلس حلّ العقد». هذا المجلس مقارنةً بالآخر، له ارتباط وظيفي أكبر بالتشريع. هذا الارتباط إلى حد أنَّه استخدم مصطلح السلطة التشريعية أساسًا لهذا المجلس فقط. أعضاء هذا المجلس، خلافًا للمجلس السابق، يُنتخبون مباشرة من الأمة (صدر، 1403هـ[الف]: 20).
لذا، الهيئات المرتبطة بالمؤسسات السياسية الحاكمة في آرائه ثلاث؛ الهيئة الأولى تشمل مجموعة من اللجان، ومن أقواله يتضح أن أعمالها ليست محصورة في الشؤون الحاكمة، ومن الناحية التنظيمية تتبع المرجعية. الهيئة الثانية، المجلس الأول الذي يُلحق باللجان المذكورة، لكن طريقة هذا الإلحاق ونوع العلاقة العضوية بينهما في آرائه غير واضحة تمامًا. هذه المؤسسة أيضًا من الناحية التنظيمية تتبع مؤسسة المرجعية، ومن حيث المكانة السياسية لها شأن فوق سلطوي. وأخيرًا، الهيئة الثالثة هي مجلس حل العقد، الذي رغم علاقته العضوية بمؤسسة المرجعية وهيئاتها، إلا أنه من الناحية الوظيفية، كما سيأتي، غير مرتبط بصلاحياتها. هذا المجلس هو السلطة التشريعية في فكره التي تعمل تحت إشراف المجلس الأول، لكن يمكن القول إن التشريع موزع بين الهيئتين الأخيرتين، وسيُفصل ذلك في الجزء التالي.
وجود هذين المجلسين وتدخل كل منهما في التشريع، يدفع العقل البشري إلى مقارنة هذا التكوين المؤسسي بالبرلمانات الثنائية في بعض الأنظمة السياسية. يجب التنبه إلى أنه بغض النظر عن الوظيفة، فإن هذا الهيكل الثنائي والنموذج المؤسسي، كما ذُكر، قائم على مبادئ كلامية خاصة ويختلف عن الأسباب التاريخية والفلسفية لوجود البرلمان الثنائي في أنظمة أخرى. مجلس الحل والعقد هو مجلس يظهر فيه عنصر الأمة في فكره من حيث الجوانب التركيبية والعضوية، مثل حضور الممثلين المنتخبين، بينما المجلس الآخر من حيث هذه الجوانب، مثل تعيين الأعضاء، شروطهم، أو مكانته من حيث التفوق على المجلس الآخر، يجسد عنصر المرجعية في آرائه. هذا الاختلاف يظهر أيضاً في الوظيفة السياسية لهذه المؤسسة، كما سيأتي لاحقاً.
2-2. المؤسسات القانونية والسياسية المرتبطة بالتشريع من حيث الوظيفة
إذا بدأنا المنهج الوظيفي أيضاً، لأسباب سبق ذكرها، من مؤسسة المرجعية، فلا بد من عرض مستوى آخر من آرائه حول المرجعية. في هذا المستوى، لديه نظرة تاريخية ووصفية لهذه المؤسسة الاجتماعية والسياسية، ويعرض تطوراتها ويدرس تعقيدها المؤسسي والوظيفي. يقسم مسار تطور المرجعية إلى أربع مراحل؛ المرحلة الأولى هي مرحلة الاتصال الفردي والمباشر بين الناس والمجتهدين في كل منطقة، حيث كان الناس يستفتونهم وكانوا يصدرون الفتاوى، واستمر ذلك حتى زمن العلامة الحلّي. تبدأ المرحلة الثانية مع مجاهدة الشهيد الأول، حيث كانت المرجعية تمتلك جهازاً يشمل وكلاء وعلماء في لبنان وسوريا، كانوا على اتصال مع الناس في مناطق مختلفة وكانوا يستلمون الزكاة والخمس. المرحلة الثالثة هي مرحلة التركيز وإعطاء المحورية للمرجعية، التي قام بها كاشف الغطاء وعلماؤه المعاصرون، والتي على عكس المرحلة السابقة، تشمل كل عالم الشيعة. المرحلة الرابعة هي مرحلة قيادة المرجعية في مواجهة الاستعمار الكافر في العصر الحديث (صدر، 1428هـ[ه]: 433-435). وهكذا، يمكن ملاحظة مسار التطور الوظيفي لمؤسسة المرجعية بوضوح. من تتابع هذه المراحل، يتضح تأسيس وتوسيع مؤسسة المرجعية بما يتناسب مع الظروف البيئية لتمكينها من أداء الأنشطة الحاكمة. يمكن القول إن تأصيل المرجعية عبر التاريخ، مع الأخذ بعين الاعتبار نقاط التحول التي يقدمها في تحليله التاريخي، هو بناء مؤسسي سياسي في سبيل ممارسة السلطة. لذلك، يمكن اعتبار آرائه حول مؤسسة المرجعية وتنظيماتها ووظائفها في العصر الحديث، التي ذُكرت في القسم السابق، استمراراً لهذا المسار، أي المرحلة الخامسة من مراحل المرجعية في نظره. ولكن ما هو مهم في هذا البحث بعد توضيح الوظيفة العامة لمؤسسة المرجعية، هو الوظيفة الخاصة لهذه المؤسسة والمؤسسات الأخرى المطروحة في آراء الشهيد الصدر، بدقة، في موضوع التشريع.
هنا، أولاً يتم دراسة المؤسسة القانونية للدستور التي أولى اهتمامه لها في آرائه والتي لها أهمية في موضوع التشريع، ثم تُشرح مهام الأجهزة المذكورة في القسم السابق، فقط في مجال التشريع. تظهر المبادئ الفقهية المذكورة سابقاً في تقسيم الأحكام إلى نوعين: الحكم الشرعي ومنطقة الفراغ، والتقسيم الداخلي للأحكام الشرعية إلى نوعين: الحكم الشرعي الإجماعي والاختلافي، بوضوح في آرائه القانونية.
رغم أن وجود جهاز لمؤسسة الدستور غير ممكن، إلا أنه باعتباره اعتباريًا بشريًا في النظام السياسي له مكانة خاصة ويتطلب مقتضيات سلوكية خاصة.
الظهور الخارجي لهذه المؤسسة في شكل مادي، خصوصاً مع إعادة تعريفه لها، مستبعد، وفي النهاية يمكن أن يتجلى جزء منها في وثيقة مدونة كما في بعض الحكومات. لذلك، هنا تُدرس وظيفتها فقط. إعادة تعريفه للدستور في حكومة إسلامية هي بطريقة تُعتبر تأسيساً جديداً مقارنة بالحالات المماثلة. هو يعتبر الأحكام الشرعية الثابتة في الحكومة الإسلامية هي ذاتها الدستور، ويصف أحكام منطقة الفراغ بالقوانين (صدر، 1428ق[الف]: 257) التي يمكن اعتبارها متناظرة مع القوانين العادية وحتى غيرها من القواعد القانونية الأدنى في الأدبيات القانونية السائدة. ومن خلال ذلك شرع في تأصيل هذين النوعين من الأحكام بحيث يمكن أن يؤدي كل منهما وظائف مشابهة لتلك التي تؤديها هذه المؤسسات في الأنظمة السياسية الأخرى مع بعض الاختلافات.
يعتبر الشريعة الإسلامية مصدر التشريع في الجمهورية الإسلامية؛ بمعنى أن الدستور في هذا النظام مستمد من الشريعة وتُسن القوانين الأخرى في ضوئها. أحياناً يعتبر كل الأحكام الشرعية الخالدة مطلقاً هي ذاتها الدستور الإسلامي (صدر، 1428هـ[الف]: 264)، وأحياناً يستخدم التمييز الذي سبق ذكره بين نوعي الأحكام الشرعية الإجماعية والاختلافية ويُفرق بينهما عملياً، وهو ما يحتاج إلى تحليل. الأحكام الشرعية الثابتة ذات الوضوح الفقهي المطلق، بالتأكيد، وبقدر ارتباطها بالحياة الاجتماعية، هي جزء من الدستور الذي يراه، سواء وردت صراحة في نص الوثيقة أو لم ترد (صدر، 1403هـ[الف]: 10)؛ أما بالنسبة للأحكام الشرعية الاختلافية، فلا يوجد وضوح مماثل في تعبيره، إلا إذا استندنا إلى عمومية كلامه الأول في هذا المجال، فيمكن اعتبارها أيضاً جزءاً من الدستور. لذلك، الأحكام الشرعية التي تحمل قيدي الإجماع والارتباط بالحياة الاجتماعية بلا شك هي جزء من دستور نظام الجمهورية الإسلامية، وبطبيعة الحال ستظهر الوظيفة نفسها من خلالها.
في تحديد وضع الأحكام الشرعية المختلفة الفقهية، أعاد طرح قيد الاجتماعية. لذلك، إذا كانت هذه الأحكام تتعلق بالمجالات السياسية أو الاقتصادية أو الجهاد وما شابه ذلك، فإن الحاكم ملزم بأن يختار من بين الاجتهادات والفتاوى الصادرة واحدة منها ويجعلها معيار العمل. هذا الفعل من الحاكم هو من مصاديق مراعاة شؤون الأمة وهو واجب عليه (صدر، 1428هـ[الف]: 267). في رسالة كتبها على أعتاب تدوين الدستور لعام 1358 في جمهورية إيران الإسلامية، بيّن هذا الرأي بأسلوب أكثر قانونية. يقول في هذا المجال: في الحالات التي توجد فيها أكثر من فتوى واحدة من الشريعة القائمة، وتوجد خيارات متعددة متساوية ناتجة عن اجتهاد مشروع، فإن جميعها معتبرة قانونياً، ولكن مجلس الحل والعقد الذي يعمل نيابة عن الأمة، له الوكالة في اختيار أحد الاجتهادات في ضوء المصلحة العامة (صدر، 1403ق[الف]: 10). مع هذه التوضيحات، إذا افترضنا أن الأحكام الشرعية الخلافية مبنية أيضاً على بعض آرائه ضمن الدستور، فيجب الانتباه إلى قابليتها للتغيير مقارنة بالأحكام الشرعية الإجماعية وآثار ذلك؛ لأن المصلحة العامة تختلف في أزمنة مختلفة، وأحياناً يستلزم اختيار بديل آخر من بين الفتاوى الصادرة في موضوع معين من قبل مجلس الحل والعقد. بقبول هذه الأحكام في نطاق الدستور، لتحديد الوظيفة الدقيقة لكل من الحكم الشرعي الإجماعي والخلافي، يمكن الاستعانة بالتمييز الذي يُجرى بين نوعي القوانين الدستورية في القانون الدستوري. القوانين الدستورية في تصنيف واحد، من حيث الإجراءات الحاكمة على إمكانية التجديد والمراجعة، تنقسم إلى فئتين: الصعبة (غير المرنة) واللينة (المرنة) (قاضی، 1383: 109). بناءً على ذلك، سيكتسب الدستور المقترح خاصية مزدوجة، حيث يكون جزء منه صعباً والجزء الآخر ليناً؛ بحيث تُعتبر الأحكام الشرعية الإجماعية بسبب عدم قابليتها للتغيير، بل لكونها أبدية، وغياب الإجراءات الخاصة بالتغيير، دستوراً صعباً؛ أما الأحكام الشرعية الخلافية، بسبب قابليتها للمراجعة، دون أي إجراءات خاصة، بل بنفس الإجراءات الخاصة بتغيير القوانين العادية التي ستأتي لاحقاً، فستُعتبر دستوراً ليناً. أهم أثر لترتيب وظيفة الدستور على الأحكام الشرعية الخلافية هو وجوب عدم تعارض القوانين العادية معها. في ما يلي، سيأتي تحليل وتوضيح أكثر في هذا المجال.
على مستوى أدنى، يأتي دور الأحكام المتعلقة بمنطقة الفراغ وتحديد تكليف المؤسسات السياسية التي طرحها الشهيد صدر بشأنها. قيل إنه سمى هذه الأحكام “قوانين” وميزها عن الدستور، مما يدل على تبعية وظيفة القانون العادي عليها. تحدد مهمة مجلس الحل والعقد في ما يخص أحكام منطقة الفراغ جزءاً آخر من صلاحياته في موضوع التشريع. يرى في هذا المجال أنه في الحالات التي لا يوجد فيها موقف قاطع من الشريعة سواء كان حراماً أو واجباً (أحكام منطقة الفراغ)، فإن هذا المجلس مخول بأن يسن نيابة عن الأمة ما يراه من القوانين الصالحة، بناءً على المصلحة العامة وبشرط عدم تعارضها مع الدستور (صدر، 1403هـ[الف]: 20). كما يتضح، فقد أكد في تفسير صلاحية هذا المجلس في مجال هذه الأحكام على ضرورة عدم تعارضها مع الدستور. يمكن تحليل هذا القيد في ظل مناقشاته الفقهية حول نطاق أحكام منطقة الفراغ؛ بمعنى أن هذه الأحكام يجب أن تحترم مجال الأحكام الشرعية الإلزامية (الواجب والحرام) وأن تبقى ضمن حدود الأحكام الشرعية غير الإلزامية (المستحب، المكروه، والمباح بالمعنى الخاص). الأحكام الشرعية غير الإلزامية، رغم كونها أحكاماً شرعية، لا يمكن اعتبارها جزءاً من الدستور وفق رأي الشهيد صدر؛ لأنها لا تشترط ارتباطاً بالأمور الاجتماعية (وبمعنى أدق الأمور السياسية). مجال القانون هو مجال الواجبات والنواهي الملزمة، أو بعبارة فقهية بعض الواجبات والمحرمات، وكما أن القواعد الأخلاقية البحتة خارج هذا المجال، فإن الأحكام الفقهية المستحبة والمكروهة والمباحة لا مكان لها فيه. القواعد القانونية الملزمة في المجال الاجتماعي إما تنهى عن فعل أو تأمر به. لذلك، رغم أن أحكام منطقة الفراغ قد تتعارض مع الأحكام الشرعية غير الإلزامية في هذا المجال، فإن ذلك لا يُعتبر تعارضاً مع الدستور. كما يجب القول إن في الأحكام الشرعية الإلزامية المرتبطة بالأمور الاجتماعية لا فرق بين الأحكام الشرعية الإجماعية والخلافية، ويجب على أحكام منطقة الفراغ أن تحافظ على حدود كلاهما، لأنهما يشتركان من حيث الشرعية. وهذا دليل آخر على شمول عنوان الدستور لكلا فئتي الأحكام الشرعية الإجماعية والخلافية.
آراؤه حول صلاحية المجلس الثاني في موضوع التشريع ليست واضحة تماماً، ويبدو أنها تتداخل مع مجلس الحل والعقد. اعتبر صلاحية هذا المجلس في هذا المجال في حالتين: تحديد الموقف القانوني للشريعة الإسلامية، واتخاذ القرار بشأن قانونية [مسودات] القوانين التي يحددها مجلس الحل والعقد لملء منطقة الفراغ (صدر، 1403هـ[الف]: 21). تبدو الصلاحية الأولى مرتبطة بالأحكام الشرعية الخلافية، والثانية بحسب تصريحه حول أحكام منطقة الفراغ. من هذا التصريح يُستنتج أن قرارات مجلس الحل والعقد في هذين المجالين لا تكتسب الصفة القانونية إلا بعد تأييد المجلس الثاني، بوصفه مؤسسة تابعة للمرجع.
طبيعيًّا سيتكامل و يتعمق فهم وظيفة هذين المجلسين بالنظر إلى المبادئ الكلامية المذكورة سابقًا. فعمل مجلس الحلّ والعقد، بوصفه سلطة التشريع، مستند إلى الأمة بصفتها صاحبة حق الخلافة، وهو حق نابع من مصدر القوى الحقيقية، أي الله. ومن جهة أخرى، يتولى المجلس الثاني، بوصفه ذراع تطبيق سلطة الفقيه، مهمة رقابية في التشريع.[17] وهكذا، يُعدّ هذان المجلسان مجرى لتجلّي هذه العناصر بشكل ملموس في واقع العلاقات السياسية والقانونية للمجتمع. وبعبارة أخرى، يجب تفسير الصلاحيات القانونية لهذين المجلسين في ضوء مبدأ خلافة الأمة وشهادة ورقابة المرجعية في عصر الغيبة.
3. في البحث عن مفهوم التشريع
في هذا القسم، نسعى إلى تحليل الآراء الفقهية والقانونية لديه في مجال التشريع، لاستخلاص من داخلها المفهوم السياسي-القانوني للتشريع، إذا وُجد، والتعرف عليه بوصفه وظيفة من وظائف المؤسسات التأسيسية التي وضعها، وتحديد نطاقه. ويتطلب ذلك أولًا تقديم تفسير دقيق لمفهوم التشريع في العلوم السياسية والقانون العام. وهذا التفسير لا يكون شاملاً وكاملاً، بل فقط من الزاوية التي تؤثر في هذا البحث وتمهّد للمقارنة وإظهار الفروق. هنا، يُعرض هذا المفهوم في أدنى وأبسط مستوياته الدلالية، التي تهتم بالشكل والمظهر لا بالجوهر، ثم تُعرض آراء الشهيد الصدر الفقهية والقانونية ويُقيّم وجود هذا المفهوم.
3-1. مفهوم التشريع في القانون الدستوري
في القانون وفلسفة القانون، يُناقش غالبًا مفهوم القانون، ويُعرف التشريع عادة تبعًا لتعريف القانون. هدفنا هنا ليس دراسة شاملة لمعنى القانون ثم التشريع، بل حسب حاجة هذا البحث، نُدخل مباشرة مفهوم التشريع ونفسره فقط من ناحية الفاعل والمرجع، أي المشرّع. وجود هذا الجانب شرط ضروري لإطلاق صفة التشريع على فعل معين، وبعبارة أخرى، هو المعنى القطعي لهذا المفهوم في الثقافة السياسية والقانون الدستوري. الاقتصار على هذا الجانب الأكثر شكلاً من التشريع يعود إلى موضوع المقالة التي تسعى، كخطوة أولى، إلى دراسة إمكانية الاعتراف بهذه الوظيفة، بأضيق معانيها، في آراء الشهيد الصدر.
في القانون الدستوري، عند الحديث عن وظيفة الحكومة، يُذكر التشريع بشكل عام وبوصفه وظيفة محددة. وظيفة الحكومة هي تجلّي السيادة التي تمارسها السلطة السياسية الموحدة على المجتمع السياسي ككل، وتتجلى في مظاهر متعددة. فقد عرّف أرسطو، لوك، ومونتسكيو، كلٌ منهم على أساس، ثلاث وظائف للحكومة، من بينها التشريع. التشريع، التنفيذ، والقضاء، هي ثلاث وظائف بلا شك من امتيازات السلطة السياسية، ولا يمكن إلا للحكومة أن تمارسها (Oliva, 2009: 32). وهذا الأمر في المجتمعات السياسية المعقدة اليوم يُمارس عبر مؤسسات سياسية خاصة تشكلت بعد تقنين السلطة وفي إطار توزيعها. لذلك، التشريع يُطلق فقط على الفعل الذي تقوم به السلطة السياسية لضمان تنفيذه. ومن ثم، المعنى القطعي لمفهوم التشريع، وإن كان شكليًا، هو إصدار قاعدة ملزمة من قبل الحكومة.
نقطة أخرى تتعلق بمفهوم التشريع، خصوصًا من حيث المرجع، هي أن السلطة السياسية، مهما كانت أشكالها، ليست سوى عامل بشري. فالمشرّع، سواء كان فردًا واحدًا، أو مجلسًا، أو الشعب بأكمله، أو ممثليه في البرلمان، أو غير ذلك، هو إنسان بطبيعته. المشرّع، بغض النظر عن النظرة إلى هدف القانون ومصدره وأساسه، يجب أن يكون عاملًا بشريًا. لذلك، سواء اعتبرنا مصدر القانون وحيًا، أو عقلًا، أو طبيعة، أو كان لدينا آراء مختلفة في أساس وهدف القانون، فلا يتعارض ذلك مع كون المرجع التشريعي إنسانًا (راسخ، 1384: 129-132). وكنتيجة، يمكن القول إن التشريع من الناحية القانونية هو فعل تقوم به السلطة السياسية، وهذه السلطة، رغم اختلاف أشكالها ومؤسساتها، هي في النهاية بيد كائن بشري.
3-2. إمكانية تقييم مفهوم ووظيفة التشريع القانوني في آراء الشهيد الصدر
استنادًا إلى المعنى الأدنى لمفهوم التشريع، ندرس إمكانية وجوده في آراء الشهيد الصدر، ونعرف هذه الوظيفة ضمن الوظائف التي خصّصها للمؤسسات التأسيسية التي وضعها.
أُبيّن في البداية صلاحية المجلسين تجاه الأحكام الشرعية الإجماعية. ومن وجهة نظره يُستخلص أن هذين المجلسين لا يلعبان أي دور سوى الالتزام والامتثال لهذه الأحكام. فهذه الأحكام من منظوره قواعد قانونية تحتل المرتبة الأعلى في تسلسل القواعد الأخرى في نظام الجمهورية الإسلامية، وهي غير قابلة للتغيير. ولهذا السبب، أُطلق عليها مجازًا اسم الدستور الصلب، لأن الدساتير الصلبة يمكن تعديلها، لكن مراجعتها تتطلب إجراءات خاصة، في حين أن إعادة النظر في هذه الأحكام لا معنى لها أساسًا. هذه الأحكام، سواء انعكست في وثيقة مدونة أم لا، لها وظيفة الدستور. وقد ذُكرت بعض الخصائص للأحكام الشرعية، سواء الإجماعية أو الخلافية، منها أن المرجع الحقيقي لها هو الله وهي منسوبة إليه مباشرة. لذلك، فيما يخص الأحكام الشرعية الإجماعية كجزء من هذه الأحكام، لا يتم أي أداء من قبل المؤسسات التي يراها في تنفيذها الإلزامي، فلا يمكننا تقييمها من حيث كونها تشريعًا أم لا. هذه الأحكام نزلت من الله على رسوله (ص) في فترة زمنية محددة وهي أبدية، لكن هذه العملية لا علاقة لها بالتشريع المعروف، بل هي ما يُسمى بـ«التشريع» بالمعنى الخاص. والعملية التي يقوم بها الفقهاء تجاه هذه الأحكام ليست تشريعًا؛ لأن العامل البشري فيها، رغم وجوده، له دور وسيط وإخباري فقط، ولا يمكن اعتباره مرجعًا مستقلاً، وثانيًا هذا العامل لا يمتلك بالضرورة سلطة سياسية، إذ يمكن لجميع الفقهاء إصدار الفتوى التي تعبر عن هذه الأحكام. ولهذا السبب، رغم أن الشهيد صدر اعتبر هذا العمل من متطلبات الحكم الإسلامي، إلا أنه أخرجها بحق من الأمور الحاكمة واستخدم في شأنها تعبير «البيان» لا «الوضع». لذلك، يجب القول إن جزءًا من الدستور الذي يراه ليس موضوعًا، بل هو قواعد ثابتة يمكن في النهاية جمعها وتدوينها عبر الهيئات المذكورة، وليس وضعها.
أما في شأن الأحكام الشرعية الخلافية، فدور المجلسين أكثر وضوحًا. فقد قيل إن مجلس حلّ و عقد في هذه الحالات مخول باختيار إحدى الفتاوى البديلة الصادرة عن الفقهاء بناءً على المصلحة العامة. ورغم أن هذه الأحكام أيضًا شرعية والمرجع الحقيقي لها هو الله، والفقهاء يخبِرون عنها فقط، إلا أن دور المجلسين فيها لا يمكن تجاهله. فهذان المجلسان مؤسستان سياسيتان تتمتعان بالسلطة السياسية وفي هذا المجال تمارسان السيادة، كما أن العامل البشري هو صاحب القرار في كلتيهما؛ لذلك يمكن اعتبار أدائهما تجاه هذه الأحكام تشريعًا سياسيًا وقانونيًا. فهما يختاران فتوى معينة من بين عدة فتاوى محدودة كقاعدة معتمدة بناءً على المصلحة العامة، وبقرارهما تصبح هذه الفتوى قانونية وملزمة للجميع. ومن الطبيعي أنه لا يمكن اعتبار مرحلة ما قبل إقرار المجلسين، أي استنباط هذه الأحكام من قبل الفقهاء، تشريعًا لأسباب ذُكرت. وكما تم التحليل، يمكن اعتبار هذه الأحكام أيضًا جزءًا آخر من الدستور بسبب وظيفتها في النظام السياسي من حيث تفوقها على القوانين العادية، رغم أن إجراءات مراجعتها لا تختلف عن القوانين العادية.
وفيما يخص أحكام منطقة الفراغ، أُشير إلى صلاحية المجلسين. فإذا كان هناك شك في الأحكام الشرعية الخلافية حول ما إذا كان المرجع الحقيقي هو الله أو أن الفقهاء الذين لا يملكون السلطة السياسية لهم دور في استنباطها وإبلاغها، فإن هذا الشك يُلغى تمامًا في هذه الأحكام؛ لأن هذه الأحكام، كما قال الشهيد صدر، منسوبة مباشرة إلى ولي الأمر الذي يمتلك السلطة السياسية وليس إلى الله. لذلك، في هذه الأحكام، السلطة السياسية والعامل البشري لهما دور حاسم، وهي تُسن وتُوضع بأمره؛ بحيث لم يكن هناك مثل هذا القاعدة من قبل، وكان الالتزام بها بلا معنى. وبعبارة أخرى، واجب المجلسين تجاه هذه الأحكام هو إصدار الحكم وليس إبلاغه، وقواعدها تأسيسية وليست تفسيرية أو كشفية. لذلك، يمكن بلا شك اعتبارها تشريعًا سياسيًا وقانونيًا.
وفي الختام، يجب القول إن التشريع ممكن فقط في الأحكام الشرعية الخلافية كجزء من الدستور، وكذلك في ما أُشير إليه صراحةً بالقوانين (أحكام منطقة الفراغ). أما الأجهزة الحكومية تجاه الأحكام الشرعية الإجماعية كجزء آخر من الدستور فهي مجرد «مطبقة للقانون» وليست «مشرعة»، ويجب أن تنفذها دون أي تعديل. أما المجلسان اللذان يراهما في شأن الأحكام الشرعية الخلافية وأحكام منطقة الفراغ فهما «مشرعان» بالمعنى الحقيقي. ومفهوم المشرع الدستوري في الأحكام الشرعية الإجماعية غير مفهوم ولا معنى له، أما في الفئة الثانية فهما المجلسان اللذان لا يختلفان عن المشرع العادي. ويمكن وصف دور المجلسين تجاه الأحكام الشرعية الخلافية بالتشريع الضعيف بسبب محدودية تحديد مضمون القواعد، أما ممارستهما السيادة تجاه أحكام منطقة الفراغ، رغم وجود محدودية في تحديد مضمونها، فتُسمى تشريعًا قويًا بسبب وجود حرية عمل أكبر.

النتيجة
نتائج هذه المقالة هي كما يلي:
1- تقسيم الأحكام الفقهية إلى الأحكام الشرعية ومنطقة الفراغ، هو التقسيم الأكثر ارتباطًا بالأحكام في موضوع التشريع، حيث اعتبر سيد محمد باقر صدر، بمعايير مختلفة، في مواضع متعددة من مؤلفاته، هذين القسمين متقابلين لبعضهما البعض. وتنقسم الأحكام الشرعية بدورها إلى فئتين: إجماعية واختلافية.
2- على الرغم من أن هاتين الفئتين من الأحكام تختلفان كثيرًا من الناحية الشكلية، إلا أنهما مرتبطتان من الناحية المادية والمحتوى بناءً على «المؤشرات العامة».
3- وفقًا لهذا التقسيم الفقهي، تشكلت المؤسسات القانونية المرتبطة بالتشريع من حيث الشكل والوظيفة في إطار مجلس المرجعية ومجلس الحل والعقد.
4- لقد اعتبر الأحكام الشرعية المرتبطة بالحياة الاجتماعية دستورًا مطلقًا. ويمكن اعتبار الأحكام الشرعية الإجماعية دستورًا صلبًا، والأحكام الشرعية الاختلافية التي تُنفذ باختيار مجلس الحل والعقد وموافقة مجلس المرجعية دستورًا مرنًا.
5- التشريع بالمعنى القانوني، الذي يتميز بمعيارين هما السلطة السياسية والعامل البشري عن غيرهما، لا معنى له في ما يتعلق بالأحكام الشرعية الإجماعية. أما عمل المجلسين في شأن الأحكام الشرعية الاختلافية، بسبب محدودية صلاحياتهما التخييرية، فهو تشريع ضعيف، وعملهما بشأن أحكام منطقة الفراغ، بسبب اتساع الصلاحيات، فهو تشريع قوي.
المصادر والمراجع
الف) فارسی و عربی
1. امینیپزوه، حسین و محسن اسماعیلی (1390)، «منطقةالفراغ بهمثابهی نظریهی قانونگذاری»، دانش حقوق عمومی، ش 5، ص ص. 1-20.
2. امینیپزوه، حسین (1393)، در جستجوی نظریهی قانونگذاری در آثار برخی از فقهای معاصر امامیه، گزارش پژوهشی پژوهشکدهی شورای نگهبان، شمارهی مسلسل 13930075.
3. راسخ، محمد (1384)، بنیاد نظری اصلاح نظام قانونگذاری، تهران: مركز پژوهشهای مجلس شورای اسلامی، چ اول.
4. سیدرضی، محمدبنحسین (1414ق)، نهج البلاغة، قم: هجرت، چ اول.
5. صدر، سید محمدباقر (1403ق[الف])، «لمحة فقهیة تمهیدیة فی مشروع دستور الجمهوریةالاسلامیة فی ایران»، الاسلام یقود الحیاة، تهران: وزارة الارشاد الإسلامی، چ دوم، ص ص. 1-20.
6. —————- (1403ق[ب])، «صورة عن اقتصاد المجتمع الاسلامی»، الاسلام یقود الحیاة، تهران: وزارة الارشاد الإسلامی، چ دوم، ص ص. 20-54.
7. ————— (1403ق[ج])، «خطوط تفصیلیة عن اقتصاد المجتمع الاسلامیة»، الاسلام یقود الحیاة، تهران: وزارة الارشاد الاسلامی، چ دوم، ص ص. 55-90.
8. ————— (1403ق[د])، «خلافة الانسان و شهادة الانبیاء»، الاسلام یقود الحیاة، تهران: وزارة الارشاد الإسلامی، چ دوم، ص ص. 129-172.
9. —————- (1403ق[ه])، الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهلالبیت علیهمالسلام، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات، چ هشتم.
10. —————– (1410ق)، دروس تمهیدیة فی علمالاصول، معالم الاصول الجدیدة، بیروت: دارالتعارف للمطبوعات.
11. —————– (1421ق[الف])، دروس فی علمالأصول(الحلقةالاولی)، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول.
12. ————– (1421ق[ب])، دروس فی علمالأصول (الحلقةالثانیة)، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول.
13. ————— (1421ق[ج])، دروس فی علمالأصول (الحلقةالثالثة)، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول.
14. —————- (1424ق)، اقتصادنا، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول.
15. —————- (1428ق[الف])، «الأسس الإسلامیة»، ومضات، مجموعة من مقالات و محاضرات و وثائق، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 243-278.
16. —————- (1428ق[ب])، «دور الدولة فی الإقتصاد الإسلامی»، ومضات، مجموعة من مقالات و محاضرات و وثائق، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 145-160.
17. —————- (1428ق[ج])، «خصائص النظام الاسلامی»، ومضات، مجموعة من مقالات و محاضرات و وثائق، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 105-122.
18. —————- (1428ق[د])، «أطروحة المرجعیة الصالحة»، ومضات، مجموعة من مقالات و محاضرات و وثائق، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 461-471.
19. —————- (1428ق[ه])، «محاضرات حول المحنة»، ومضات، مجموعة من مقالات و محاضرات و وثائق، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 417-460.
20. —————- (1429ق)، «ماذا تعرف عن الاقتصاد الاسلامی؟»، المدرسة الاسلامیة، قم: مرکز الأبحاث و الدراسات التخصصیة للشهید الصدر، چ اول، ص ص. 111-156.
21. فضلی، عبدالهادی (1421ق)، «الاسس الاسلامیة للدستور الاسلامی عرض و بیان لما وضعه الشهید الصدر من اصول للدستور الاسلامی»، منهاج، بیروت: مركز الغدیر للدراسات الاسلامیة، ش17، صص311-340.
22. قاضی شریعتپناهی، ابوالفضل (1383)، حقوق اساسی و نهادهای سیاسی، تهران: میزان، چ دوازدهم.
23. کورنو، جیرار (1418ق)، معجم المصطلحات القانونیة، ترجمة منصور القاضی، بیروت: مجد، چ اول، ج1.
24. كلینی، محمدبناسحاق (1407ق)، الكافی، تهران: دارالكتب الاسلامیة، چ چهارم، ج1.
25. معلوف، لویس (1380)، فرهنگ بزرگ جامع نوین(عربی به فارسی)، ترجمهی احمد سیاح، تهران: اسلام، چ سوم، ج1.
26. ملاط، شبلی (1998م)، تجدید الفقه الاسلامی، محمدباقرالصدر بین النجف و شیعة العالم، ترجمۀ غسان غصن، بیروت: دارالنهار، چ اول.
27. موریس، نخلة؛ البعلبکی، روحی و مطر، صلاح (2002م)، القاموس القانونی الثلاثی، قاموس قانونی موسوعة شامل و مفصل، بیروت: منشورات الحلبی الحقوقیة، چ اول.
ب) لاتین
1. Bellamy, Richard (2017), The Rule of Law and the Separation of Powers, ed. Richard Bellamy, Taylor &; Francis
2. Flores, Imer.B (2005), ‘The Quest for Legisprudence: Constitutionalism v. Legalism’ In The Theory and Practice of Legalization: Essays on Legisprudence, ed. L.J.Wintgens, Aldershot: Asghate Publishing.
3. Oliva, Éric (2009), Droit Constitutionnel, Paris: Dalloz, 6ème édition.
4. Wintgens, Luc J (2007), ‘Introduction’ in Legislation in Context: Essays in Legisprudence (Applied legal philosophy), England: Ashgate Publishing.
[1] لإثبات انتباهه الواعي لهذا المجال، انظر: صدر، 1403هـ[أ]: 17.
[2] لرؤية وصف غالبًا فقهي لآراء الشهيد صدر، انظر: أمينيبزوه، إسماعيلي، 1392.
[3] لرؤية مجموعة من هذه الخصائص في آثار بعض الفقهاء المعاصرين، انظر: أمينيبزوه، 1393: 13-14.
[4] في المواضيع الأكثر دقة وقانونية التي كتبها في أواخر حياته، استثنى الأحكام الشرعية ذات الطبيعة الاجتماعية التي توجد فيها فتاوى فقهية متعددة من هذا الأصل.
[5] كان يرى أن «المدرسة» تشمل مجموعة من النظريات، وأن كل «نظرية» تشمل مجموعة من «الأحكام» (برای نمونه، ن.ک: صدر، 1429هـ: 148).
[6] في موضع آخر، قسم العناصر المتحركة إلى قسمين: قسم أحكام منطقة الفراغ وقسم عناصر متحركة زمنية. العناصر الأخيرة مثل العناصر السابقة تتعلق بعلاقة الإنسان بالطبيعة، والتي يُترك أساسها واتخاذ القرار بشأنها للنقاش العلمي والعلوم الموضوعية (صدر، 1403هـ[ج]: 70).
[7] حتى هذه الأحكام، رغم ثباتها، تحتوي في داخلها على آلية للمرونة في طريقة تلبية تلك الاحتياجات مع مراعاة الظروف والمتطلبات المختلفة، ومن هذه الناحية تنقسم إلى فئتين. فئة صيغت بشكل عام وتُرك اتخاذ القرار في كثير من المجالات للولي الأمر ليعمل وفق اجتهاده وبمراعاة الظروف والمتطلبات، وفئة أخرى صيغت بشكل تفصيلي مع تحديد طرق محددة لتلبية تلك الاحتياجات وتفتقر إلى المرونة اللازمة في الظروف الجديدة، وفي مثل هذه الحالات تُستبدل بفئة أخرى من الأحكام الشرعية الثابتة مثل قاعدة لا ضرر (صدر، 1428هـ[ج]: 120).
[8] هذا الرأي للشهيد صدر يختلف بالتأكيد عن رأي أهل السنة في هذا المجال الذين يؤمنون بمجال لا نص فيه ويعرفون الاجتهاد بتعريف خاص في ذلك المجال. وإلا فإنه يتناقض مع العديد من آرائه الأخرى، بما في ذلك نقاش شمولية الشريعة. ويبدو أن المقصود من عدم النص هو عدم وجود نص جزئي، وليس أن تلك المصالح غير موجودة حتى في النصوص العامة، وأن تشخيصها كله من اختصاص الولي الأمر.
[9] على سبيل المثال، انظر: مقاله الحقوقي بعنوان «لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية».
[10] Political Institution.
[11] Organic.
[12] Functional
[13] Formal Rule of Law.
[14] Separation of Powers.
[15] Decentralization.
[16] لرؤية مجموعة من أفضل المقالات في هذا المجال، انظر: Bellamy, 2017.
[17] يمكن أيضًا تحليل هذين المجلسين بناءً على مبادئ فقهية أخرى مثل قاعدة الشورى، ولاية الفقيه أو فكرة أهل الحل والعقد التي طبقت في الحياة الاجتماعية للمسلمين، ولكن بسبب التشتت والتغيرات التي طرأت على آرائه في موضوع المشورة وولاية الفقيه، وأيضًا لكونه خارج موضوع هذه المقالة، يُمتنع عن ذكر ذلك.

