ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: نگاهى به اختلاف فتاواى آیت الله خویى و شهید صدر در باب بیع ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: اختلاف الفتاوى بين آية الله الخوئي والشهيد الصدر في باب البيع، موضوع تم تناوله في هذا البحث بمنهج مقارن واستدلالي. يركز المؤلف على مباحث «كتاب البيع» لتوضيح نقاط التمايز في آراء هذين الفقيهين البارزين في مسائل مثل «طبيعة إحياء الأراضي الموات» (حق أم ملك)، «التعريف الدقيق للبيع» و«أحكام الخيارات». تكشف هذه الدراسة، إلى جانب مراجعة الأدلة الفقهية للطرفين، عن استقلالية فكر وابتكارات فقهية للشهيد الصدر في مواجهة أستاذه.
المؤلف: محمد رحمانی
المصدر: فقه اهل بیت، شتاء 1397، العدد 24، ص 105 إلى 152.
الحجاب المعاصر، الإخلاص، تجنب التظاهر، اتساع نطاق العمل والوجود، من بين العوامل التي تجعل الشخصيات العظيمة والفاعلة في تاريخ ومصير الأمم غير معروفة.
واحدة من أبرز نماذج هذه القاعدة هو المفكر الكبير، الفقيه الأصولي، العالم الشامل في الإسلام حضرة آية الله العظمى الشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه. فهو بالإضافة إلى امتلاكه للفقه والمعارف المتعلقة به، كان حكيمًا، مطلعًا على فلسفة الشرق والغرب، مفسرًا، مبتكرًا وذو رأي في العلوم الإسلامية.
لقد صقل شخصيته وعبقريته الفريدة وسط كل هذه المعارف، مع تواضع وإخلاص وتضحية نموذجية، وكان من الذين يمكن القول بفخر: إن المذهب الجامع الوحيد كالإسلام فقط يمكنه أن ينشئ مثله في حُضنه المبارك.
هذا المقال الذي كُتب بمناسبة المؤتمر التكريمي لذلك العالم الفذ، يلقي نظرة على اختلاف فتواه مع أستاذه الكبير حضرة آية الله الخوئي في نطاق كتاب البيع، وقبل ذلك يستعرض الأدلة الفقهية للفتاوى المتنازع عليها.
إعادة التعرف على أسس الفتوى المعاكسة
قبل البدء في عرض بعض الفتاوى المتنازع عليها، من المناسب لتعميق الفهم بأسس وما يسبب الاختلاف في الفتوى، مناقشة الأدلة والدلائل للفتاوى المعاكسة على الأقل في حالة واحدة:
يقول آية الله الخوئي في بحثه حول ما إذا كان إحياء الأرض الموات يترتب عليه حق أو ملك:
الأراضي الموات في زمن الفتح ملك الإمام (عليه السلام)، وإذا أحياها شخص أصبح مالكًا لها، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولا يلزم دفع عوض له.[1]
أما آية الله الشهيد الصدر في هذا المجال فيعتقد أن المُحيي هو صاحب حق الأولوية فقط وليس الملكية. وكتب في هامش رأي آية الله الحكيم الذي يشبه رأي آية الله الخوئي:
المحيي لأرض الموات يصبح فقط صاحب حق الأولوية، ولكن الأرض تبقى ملك الإمام (عليه السلام).[2]
يتضح أن النتيجة المترتبة على إحياء الأرض الموات تختلف بين هذين الفقيهين الكبيرين، وسيتم في هذا القسم التطرق إلى الأسس الفقهية لكل منهما.
وقبل الدخول في صلب الموضوع، من المفيد تذكير ببعض النقاط المفيدة:
أ) تم اختيار هاتين الفتويين لأن الشهيد الصدر ناقش بالتفصيل أسس هذه الفتوى في كتاب (اقتصادنا) من بين مباحث كتاب البيع الذي يشكل موضوع هذا المقال، كما أن أساس رأي آية الله الخوئي مذكور بتوسع في كتاب (مباني منهاج الصالحين)، أما المباحث الأخرى أو أسس المسائل إما لم يتم تناولها من قبل كلا الفقيهين أو لم تُناقش بهذا التفصيل.
ب) رغم أنه لا يمكن التوصل إلى منهج فقهي بمقارنة وتطابق الأسس الفقهية في حالة واحدة، إلا أنه بلا شك يُسهم في التعرف الموجز.
ج) آية الله الخوئي في كتاب مصباح الفقه ج 5، ص 128، على خلاف رأي جمهور الفقهاء، قبل نظرية إنشاء الحق، لكنه تراجع عن هذا الرأي في كتاب منهاج الصالحين الذي يحتوي على آرائه الفقهية، وقد أكد هذا الكلام آية الله القمي الذي كتب أسس فتاويه شفهيًا.
على أي حال، يتم إجراء هذه المقارنة على مرحلتين:
أ) أسس نظرية حصول الملكية
أهم الأدلة على حصول ملكية الأرض بواسطة الإحياء هي الروايات. هنا نورد ما ذكره صاحب مباني منهاج الصالحين[3] كمصدر لهذه الفتوى، ثم نورد آراء الشهيد الصدر المتعلقة بأن الإحياء لا يسبب حصول الملكية بل يسبب إنشاء حق الأولوية.
نستعرض استدلالات صاحب مباني منهاج الصالحين تحت قول آية الله الخوئي القائل بأن المحيي لأرض الموات يصبح مالكًا لها:
دليل هذه الفتوى جملة من الروايات، مثل رواية محمد بن مسلم:
سألته عن الشراء في أرض اليهود والنصارى. قال: ليس به بأس إلى أن قال: وأيما قوم أحيا شيئًا من الأرض أو عملوه، فهم أحق بها وهي لهم،[4]
سألت الإمام عن شراء الأرض من اليهود والنصارى. قال: لا بأس… أي جماعة أحيت أرضًا مواتًا، فهي ملكهم.
وكما في رواية أخرى لمحمد بن مسلم:
سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أيما قوم أحيا شيئًا من الأرض وعمرها، فهم أحق بها وهي لهم،[5]
سمعت الإمام الصادق يقول: أي جماعة أحيت أرضًا مواتًا وعمرتها، فهم أحق بها ومالكوها.
ورواية زرارة:
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحيا أرضًا مواتًا فهو له،[6] قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحيا أرضًا مواتًا فهي له.
ورواية مرسلة للصدوق:
يقال: قد ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على خيبر فخارجهم على أن يكون الأرض في أيديهم يعملون فيها ويعمرونها وما بأس لو اشتريت منها شيئًا وأيما قوم أحيا شيئًا من الأرض فعمروه، فهم أحق به وهو لهم،[7]
لما انتصر رسول الله على خيبر فرض عليهم الجزية حتى تكون الأرض في أيديهم يعملون فيها ويعمرونها، ولا بأس أن تشتري منها شيئًا، وأي جماعة أحيت أرضًا مواتًا ثم عمرتها فهي أحق بها وهي لهم.
ورواية عبد الله بن سنان:
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سئل وانا حاضر عن رجل أحيا أرضًا مواتًا فحفر فيها نهراً وبنى فيها بيوتًا وغرس نخلاً وشجرًا. فقال: هي له وله أجر بيوتها وعليه فيها العشر فيما سقت السماء…،[8]
سُئل عن الإمام الصادق(ع) عن رجل أحيا أرضًا مواتًا ثم أجّر نهر ماء وبنى فيه بيتًا وغرس شجرة. فقال الإمام: الأرض له وهو مالك أجرة بيوتها، ويجب عليه أن يؤدي العشر (الزكاة) مما يُروى بالمطر.
بعد أن عرض صاحب مباني هذه الروايات دون نقاش في سندها أو كيفية دلالتها، انتقل إلى الرد على الاعتراضات التي قد تُثار على المطلب. ومن ذلك ما كتب:
الاعتراض: دليل إحياء الأرض الموات لا يدل على أن المحيي يصبح مالكًا لأرض غيره. لذلك في موضوعنا الأرض الموات ملك الإمام، ولا يصبح المحيي مالكًا بالأحياء.
الجواب:
المستفاد من الروايات أن كل أرض خراب ملك الإمام، كما في رواية حفص بن بخترى:
… وكل أرض خراب وقيعان الأودية فهي لرسول الله(ص) وهي للإمام من بعده يضعها حيث يشاء،[9]
كل أرض خراب وقيعان الأودية ملك رسول الله وبعده ملك الإمام الذي يتصرف فيها كيفما شاء.
بل إن بعض الروايات تدل على أن جميع الأراضي ملك الإمام(ع)، مثل رواية كابلئ[10] و”الأرض كلها لنا” وكما في رواية أبو سيار[11].
لذا، إذا قيدنا دليل إحياء الأراضي الموات بهذه الروايات وقلنا: دليل ملكية الأرض بالإحياء لا يشمل الأراضي التي هي ملك الإمام(ع)، فلا يبقى موضوع أو مورد لأدلة الإحياء، لأن جميع الأراضي ملك الإمام(ع). لذلك يجب أن نقول: أدلة الإحياء تدل على أن المحيي مخول من قبل مالك الأراضي الموات (الإمام) بالتملك.[12]
وبالتالي، المستفاد من هذه الروايات وخاصة التي ورد فيها حرف (لام) هو حصول ملكية الأرض الموات بالإحياء، لأن (اللام) تدل على الملكية.
ب) مبادئ نظرية إنشاء الحق
الفقهاء الذين لم يقبلوا القول الشائع وقالوا: الإحياء يوجب حصول حق فقط، وبالتالي تبقى الأرض ملك الإمام(ع)، ومنهم الشهيد الصدر، لديهم أدلة. أهم أدلتهم الروايات، منها:
1. صحيحة أبو خالد الكابلي:
عن أبي جعفر(ع)، قال: وجدنا في كتاب علي(ع): إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. أنا وأهل بيتي الذين ورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا. فمن أحيا أرضًا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها، فإن تركها وأخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل منها حتى يظهر القائم(ع) من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها،[13]
قال الإمام باقر(ع): في كتاب علي(ع) جاء: الأرض ملك الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. أنا وأهل بيتي ورثنا الأرض ونحن المتقون، والأرض كلها لنا. فمن أحيا أرضًا من المسلمين يجب أن يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها. وإذا تُركت الأرض وأُخربت، فأحياها مسلم آخر فهو أحق بها من الذي تركها، ويجب أن يؤدي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، ويحل له ما أكل منها حتى يظهر القائم(عج) من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها.
من هذه الرواية يستفاد ما يلي:
1. الأرض بجميع أنواعها ملك الإمام(ع).
2. من شروط الإحياء أن يكون المحيي مسلمًا.
3. سبب وجوب دفع الخراج من المحيي إلى الإمام(ع) هو أن الإمام مالك الأرض، ودفع الخراج فرع على الملكية.
4. المحيي بصنعه للإحياء يصبح صاحب حق في الأرض، وهذا الحق يبقى ما بقي الإحياء. فإذا أحيا شخص آخر الأرض فهو أحق بها.
5. الإمام زمان الظهور يأخذ كل الأراضي التي بيد غير الشيعة ولا يأخذ الأراضي التي بيد الشيعة.
تقريب الدلالة: الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة تدل بوضوح على أن الإحياء لا يسبب حصول الملكية وإنما يسبب إنشاء حق فقط، لأن وجوب دفع الخراج (الإيجار) وجواز حق التصرف من قبل الآخرين بمجرد خراب الأرض وأخذها من الإمام زمان الظهور(عج) من غير الشيعة كل على حدة يدل على أن المحيي لا يصبح مالكًا للأرض، إذ إن كل من هذه الأمور تتنافى مع الملكية لكنها لا تتنافى مع إنشاء الحق.
النقد والمراجعة
قد يُثار اعتراض على هذا الاستدلال بالرواية:
أولًا، بعض الفقهاء يرون أن الأرض المحيية لا تخرج من ملكية المحيي الأول بتركها وخرابها. بناءً على هذا الأساس تبقى الأرض ملكًا للمالك الأول، وإذا أحياها محيي ثانٍ فلا يكون إلا صاحب حق على الجهود التي بذلها، وربما يشير قول الإمام: (إذا عرف صاحبها يجب أن يؤدى حقه) إلى هذا المعنى.
وبناءً على هذا الأساس، الرواية خارجة عن موضوع النقاش ولا تدل على أن الإحياء لا يسبب الملكية.
ثانيًا، ولو افترضنا أن الأرض تخرج من ملكية المالك الأول بخرابها، فإن دفع حق المالك الأول لا يتنافى مع حصول الملكية، لأنه يمكن القول: مع أن الإحياء يسبب الملكية، لكن المالك الأول بذل جهودًا على الأرض ويستفيد المحيي الثاني من جهوده، فيجب أن يدفع حقه.
في حال الاستدلال بهذه الصحيحة، يكون من الصعب إثبات المطلب غير الشائع وهو أن الإحياء يسبب حقًا لا ملكًا.
2. صحيحة سليمان بن خالد:
سألته عن رجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها، ماذا عليه؟ قال: الصدقة. قلت: فإن كان يعرف صاحبها؟ قال: فليؤدِ إليه حقه،[14]
سألت الإمام الصادق(ع) عن رجل أعد أرضًا خرابًا (مواتًا) ونظف أنهارها وأحياها وزرع فيها، ماذا يجب عليه؟ قال: صدقة (زكاة). فقلت: إذا كان يعرف صاحبها؟ قال: يجب أن يؤدي حقه إليه.
تقريب الدلالة: إذا كان الإحياء سبباً للملكية، فلا وجه لدفع الحق إلى المالك الأول. لذلك يجب أن نقول: إن الإحياء سبب لإنشاء الحق، ولا يتعارض مع دفع الحق إلى المالك الأول.
سند الرواية صحيح ولا يوجد به أي إشكال.
3. صحيحة عمر بن يزيد:
قال: سمعت رجلاً من أهل الجبل يسأل أبا عبد الله(ع) عن رجل أخذ أرضاً مما تركها أهلها فأحياها وحفر أنهارها وبنى فيها بيوتاً وغرس فيها نخلاً وشجراً. قال: فقال أبو عبد الله(ع): كان أمير المؤمنين(ع) يقول: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤدّيها إلى الإمام(ع) في حال الهدنة. فإذا ظهر القائم(ع) فليوطن نفسه على أن تؤخذ منه،[15]
سمعت أن رجلاً من أهل الجبل سأل الإمام الصادق(ع) عن أرض تركها أصحابها، فأحياها شخص آخر وحفر أنهارها وبنى فيها وأغرس أشجاراً. فأجاب الإمام: إن أمير المؤمنين(ع) قال: من أحيا أرضاً من المؤمنين فهي له، ويجب عليه دفع الخراج للإمام في حال الصلح، وإذا ظهر الإمام المهدي يجب أن يتهيأ لأن تأخذ الأرض منه.
تقريب الدلالة: هذه الرواية أيضاً صريحة في أن الإحياء سبب لإنشاء الحق وليس للملكية، لأن أولاً الإمام(ع) يقول إنه بعد الإحياء يجب دفع الخراج للإمام. ومن الواضح أن الملكية مع دفع الخراج متعارضة. ثانياً، في نهاية الحديث، يبيّن الإمام أن أصحاب الأرض في عصر الظهور يجب أن يتهيأوا لأن يأخذ الإمام الأرض منهم. بلا شك، هذه الجملة تدل أيضاً على أن الإحيائي لا يصبح مالكاً للأرض، لأنه إذا كان مالكاً فلا وجه لأخذ الأرض من الإمام المهدي.
سند الرواية: عمر بن يزيد في سند الرواية مشترك بين شخصين، أحدهما ثقة والآخر مجهول. إذا كان عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، فلا توثيق خاص له إلا من ابن داود، وإذا كان عمر بن يزيد بياع السابري، فله توثيق خاص.
هنا يطرح نقاشان:
أ) هل هذان اللقبان لشخصين مختلفين أم لشخص واحد؟ الظاهر تعدد الألقاب في كلام النجاشي والشيخ، والكنية الأولى (أبو الأسود) والثانية (أبو موسى) تدل على التعدد، مع أن بعضهم رجح الوحدة.
ب) على فرض التعدد، فإن عمر بن يزيد إذا كان أبو الأسود فهو غير ثقة إلا حسب قول ابن داود، وإذا كان أبو موسى فهو موثق خاص. ويعتقد السيد آية الله الخوئي أن الثاني هو المشهور والمعروف، ولهذا فإن عمر بن يزيد بدون قرينة يرجح إلى الثاني. ويكتب:
«فإن الاشتراك في ما قيل عن عمر بن يزيد يزول، لأنه مشهور ومعروف (بياع السابري). لذلك لفظ (عمر بن يزيد) إذا لم يكن هناك قرينة يرجح إلى الثاني.»[16]
الشهيد الصدر بعد بيان القول غير المشهور، في مقام الاستدلال يكتب:
«هذا الرأي الفقهي الذي يقرره الشيخ الطوسي والفقيه بحر العلوم يستند إلى عدة نصوص ثابتة بطرق صحيحة عن أئمة أهل البيت (ع)،»[17]
هذا الرأي الفقهي (إنشاء الحق بالإحياء) الذي قبله الشيخ الطوسي وبحر العلوم، يستند إلى عدد من الروايات الصحيحة عن طريق أئمة الاثني عشر.
ثم يذكر جزءاً من صحيحة كابلي وعمر بن يزيد، ثم يكتب:
«فالارض في ضوء هذه النصوص لا تصبح ملكاً خاصاً لمن أحياها، وإلا لما صح أن يُكلّف بدفع أجرة عن الأرض للدولة، وإنما تبقى رقبة الأرض ملكاً للإمام ويتمتع الفرد بحق في رقبة الأرض يمكنه من الانتفاع بها ومنع الآخرين عن انتزاعها منه، وللإمام في مقابل ذلك فرض الطسق عليه،»[18]
أي أن الأرض في ضوء هذه النصوص لا تصبح ملكاً خاصاً لمن أحياها، لأن ذلك لو كان صحيحاً لما كان من الصحيح أن يُكلّف بدفع أجرة الأرض للدولة، وإنما تبقى رقبة الأرض ملك الإمام، ويتمتع الفرد بحق في رقبة الأرض يمكنه من الانتفاع بها ومنع الآخرين من انتزاعها، وللإمام في مقابل ذلك فرض الطسق عليه.
إضافة إلى هذه الروايات، يمكن الاستدلال أو على الأقل الاستشهاد بروايات أخرى لهذا المبدأ، وإن لم تُستند إليها في كلام الفقهاء.
4. صحيحة معاوية بن وهب:
بناءً على بعض الروايات، إذا أفسدت الأرض المحيّة ملكيتها تزول، وإذا أحياها آخر يصبح صاحب حق، من بينها صحيحة معاوية بن وهب:
سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: أيما رجل أتى خراباً بائراً فاستخرجه وحفر أنهاره وأحياها، فعليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضاً لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأفسدها ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض لله ولمن أحياها،[19]
سمعت من الإمام الصادق(ع): أي رجل أحيا أرضاً خراباً بائراً وحفر أنهارها وأحياها، فعليه الزكاة، وإذا كانت الأرض ملك رجل آخر غاب عنها وتركها ففسدت، ثم جاء يطلبها، فالأرض لله ولمن أحياها.
هذه الرواية صريحة في أن الأرض الموات إذا أحياها أحد ثم تركها حتى أصبحت بائراً، فإن الملكية تزول ويحق للآخرين التصرف والإحياء، ولا يحق للأصيل شيئاً فيها.
الدلالة الالتزامية لهذه النوعية من الروايات هي أن الإحياء سبب لإنشاء الحق، والذي يزول بظهور الخراب، لأن الملكية لا تسقط بترك الأرض وبائراً.
5. صحيحة مسمع بن عبد الملك:
فئة أخرى من الروايات تدل على أن الأئمة حللوا حقهم في الأراضي الموات للشيعة في عصر الغيبة. وقد خصص صاحب وسائل الشيعة باباً لهذا العنوان: (باب إباحة حصة الإمام في الخمس للشيعة مع تعذر إيصالها إليه وعدم احتياج السادات وجواز تصرف الشيعة في الأنفال والفيء وسائر حقوق الإمام مع الحاجة وتعذر الإيصال). في هذا الباب، وردت 22 رواية، من بينها صحيحة طويلة لمسمع بن عبد الملك. جاء فيها:
يا أبا سيار! الأرض كلها لنا فما أخرج الله منها في شيء فهو لنا. قال: قلت له: أنا أحمل إليك المال كله. فقال لي: يا أبا سيار! قد طيبناه لك وحللناك منه فضم إليه مالك وكل ما كان في أيدي شيعتنا في الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيدي سواهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم منها صفرة،[20]
أيها أبو سيار! كل الأرض لنا وما ينتج منها هو ملك لنا.
يقول أبو سيار: عرضت عليه: أنا أسلم إليك كل الإنتاج. فقال له: يا أبا سيار! قد حللناها لك، فضمها إلى أموالك، وكذلك ما في يد شيعتنا من الأرض فهو لهم محلل حتى يظهر الإمام القائم ويأخذ منهم الإذن، وما في يد غير الشيعة من الأرض هو كسب حرام عليهم حتى يظهر الإمام القائم ويأخذ الأرض منهم.
هذه الأحاديث تدل على أن الإحياء ليس سبباً في الملك، لأنه يقول: الأرض وما تنتجه ملكنا، ولكن في عصر الغيبة حللناها للشيعة، ومن جهة أخرى يقول: في عصر الظهور يؤجر الإمام منهم ويأخذ الأرض من غير الشيعة.
يتضح أن الإحياء ليس سبباً في حصول الملك، وإلا لما كان لحل الأرض وما تنتجه من جهة، وأخذ الطسق في عصر الظهور من جهة أخرى، وأخذ أصل الأرض من غير الشيعة وجه، وكل هذه الأمور لا تتعارض مع القول غير المشهور.
الملخص
من هذه الثلاثة الأحاديث وأحاديث أخرى ذات مضمون مشابه، يستفاد ما يكفي لإثبات نظرية القول غير المشهور (إنشاء الحق بالإحياء)، ومنها:
1. في هذه الأحاديث ورد أن الإحيائي له حق في الأرض، ومن الواضح أن هذه العبارة تدل على أن الإحيائي صاحب حق وليس مالكاً، لأن ظهور كلمة (حق) يختلف عن الملك، إذ هما متقابلان.
2. في بعض هذه الأحاديث ورد أن الإحيائي يجب أن يدفع الخراج أو الطسق للإمام، ومن الواضح أن دفع أي منهما يتعارض مع ملكية الأرض.
3. في بعض الأحاديث ورد أن الإمام بعد الإحياء حلل حقه للشيعة، فإذا كان الإحيائي قد ملك بالأحياء وخرجت الأرض من ملك الإمام، لما كان لحلله وجه.
4. في بعض الأحاديث ورد أن الإمام الزمان (عج) في عصر الظهور سيأخذ هذه الأراضي من أصحابها.
5. في أخرى ورد أنه إذا خرّبت الأرض وبقيت مهملة، يحق للآخرين التصرف فيها، بينما لو كانت الأرض ملك الإحيائي لما خرجت من الملكية بالخراب أو الإهمال.
كل من هذه الأمور كافٍ لنفي القول بالملكية.
حل تعارض الأحاديث
مما سبق يتضح أن الأحاديث الواردة حول ما إذا كان الإحياء سبباً في إنشاء حق أو حصول ملك، تنقسم إلى قسمين عامين: القسم الأول الذي يحتوي على خمسة أحاديث، يدل على القول المشهور، وهو حصول الملك، ومنهم آية الله الخوئي، والقسم الثاني، رغم أن الشهيد الصدر تناول مثالين منه، إلا أن هناك العديد من الأحاديث، وقد عرضنا خمسة منها بمضامين مختلفة، تدل على أن الإحياء سبب في إنشاء حق وليس ملك.
في البداية يتبادر إلى ذهن القارئ تعارض بين هذين القسمين من الأحاديث، لذا يجب معالجة هذا التعارض.
لحل التعارض يجب البحث في مقامين:
أ) هل هذا التعارض مستقر أم بدوي؟
ب) في حال استقراره، ما هو الحل؟
المقام الأول: يبدو أن التعارض بدوي وليس مستقر.
لذا يُرفع التعارض بالجمع العرفي، ولا حاجة إلى المرجحات وقواعد باب التعارض.
طرق الجمع العرفي هي:
الحل الأول: أهم تقريب للأحاديث من القسم الأول للدلالة على إنشاء الملكية هو القول: (لام) اللام في الملكية ظاهرة، لأن اللام وضعت للتخصيص، والتخصيص المطلق إذا لم يكن مصحوباً بدليل فهو ملكية، لأن الملكية تخصيص شامل.
لكن في موضوع البحث، أحاديث القسم الثاني دليل على أن اللام في جملة (من أحيا أرضاً فهي له) لا تدل على الملكية، وإنما المقصود إنشاء حق، لأن أحاديث القسم الثاني، إن لم نقل إنها دليل قطعي على حصول الملكية، فهي على الأقل مؤهلة لأن تكون دليلاً، ومع وجود دليل أو ما يؤهل أن يكون دليلاً، يُمنع حجية الظهور. في هذه الحالة لا دليل على حصول الملكية إلا أحاديث القسم الثالث من القسم الأول التي ذكر فيها الإمام في مقام بيان واجب الإحيائي دفع الزكاة فقط ولم يذكر الخراج، وهذه الأحاديث أيضاً تدل على الإطلاق المقامي، أي أن الإحياء سبب في حصول الملك، وإلا لكان يجب ذكر وجوب دفع الخراج أيضاً. جواب هذه الأحاديث واضح، لأن أحاديث القسم الثاني، كما هي دليل، تمنع ظهور اللام في الملكية، والتخصيص المطلق يمنع تحقق الإطلاق المقامي، لأن تحقق الإطلاق المقامي متوقف على عدم وجود دليل مخالف، وهنا أحاديث القسم الثاني دليل على منع تحقق الإطلاق المقامي واللفظ يدل على أن الإحياء سبب في الملكية.
الحل الثاني: في موضوع هذين القسمين من الأحاديث، هناك أمران:
أ) الحفاظ على ظهور (لام) في الملكية والالتزام بتخصيص قاعدة السلطنة، لأن مدلول أحاديث القسم الثاني هو أن الإحيائي مع أنه مالك الأرض يجب أن يؤجر، وإلا كان كسبه حراماً، وكذلك في عصر الظهور مع أن الإحيائي مالك الأرض، يأخذ الإمام الزمان (عج) الأرض منهم.
ب) قاعدة السلطنة مطلقة، ويُرفع ظهور (لام) في الملكية.
لا شك أن الالتزام بالأمر الثاني أسهل، إن لم نقل بلا محذور أو على الأقل محذور أقل، لأن الالتزام بعدم حصول الملكية بالإحياء لا يحمل محذوراً، أما الالتزام بالملكية فيتطلب القول بأن مالك الأرض لا يملك سلطاناً على ملكه، ولتصرفاته أن تكون حلالاً يجب أن يؤجر، وفي عصر الظهور تؤخذ ملكيته منه.
الطريق الثالث: تدلّ الروايات من القسم الأول على الظهور في حصول الملكية بالاحياء، لأنّ الملكية كانت تُستفاد إمّا بالظهور (لام) في المطلق أو بالاطلاق المقامي، وهو جواب الإمام في الفئة الثالثة من روايات القسم الأول، ولا شيء من هذه الأمور صريح في الدلالة على الملكية.
أما روايات القسم الثاني فهي إمّا صريحة في حصول الحق أو على الأقل أوضح من روايات القسم الأول، لأنّ في بعضها جاء: (والأرض كلها لنا) وفي بعضها الآخر دلالة صريحة على وجوب دفع الإيجار، أو في بعضها جاء: في عصر الظهور تُؤخذ الأرض من المحيي، وهذه العبارات إما صريحة في الدعوى أو على الأقل أوضح من روايات القسم الأول في الدعوى.
وبحسب القاعدة الأصولية، دائماً في التعارض بين فئتين من الروايات، يُقدم الصريح أو الأظهر على الفئة التي ظاهر معناها. فبعد تقديم القسم الثاني، النتيجة هي: حصول الحق بالاحياء للمحيي.
الطريق الرابع: بما أن السيرة القطعية من عصر الأئمة (ع) إلى الآن استمرت في عدم دفع الخراج، والروايات من القسم الثاني التي تدل على وجوب دفع الخراج بلا فائدة، فيجب تركها. الشهيد صدر يكتب في هذا الشأن:
قد يُقال: إن روايات القسم الثاني بلا فائدة، لأن السيرة القطعية من عصر الأئمة إلى الآن استمرت في عدم دفع الخراج، فلا بد من تركها.
وهو لا يقبل هذا الجمع ويكتب في مقام الرد:
هذه السيرة لا قيمة لها ولا تدل على ملكية الأرض بسبب الاحياء، لأنّ إذا كان المقصود من عدم دفع الأجرة من قبل الشيعة والمسلمين المتدينين، فربما بسبب الروايات التي تدل على أن الأئمة (ع) أحلوا الأرض ومنتجاتها للشيعة،[21] فلا يدفعون الأجرة، وإذا كان المقصود من عدم دفع الأجرة من قبل غير الشيعة، فإن مثل هذه السيرة لا يمكن أن تدل على الملكية.[22]
الطريق الخامس: قد يُقال في مقام الجمع بين هاتين الفئتين من الروايات إن الفقهاء قد أعرضوا عن القسم الثاني، وبالتالي فقد سقطت حجيتها. الشهيد صدر يكتب في هذا الشأن:
قد يُقال: إن روايات القسم الثاني التي تدل على بقاء ملك الإمام بعد الاحياء على الأرض قد أُعرض عنها من قبل الفقهاء، ونتيجة لذلك سقطت حجيتها.[23]
وهو لا يقبل هذا الجمع أيضاً ويعطي ثلاث إجابات:
أولاً، في علم الأصول ثبت أن الإعراض لا يسبب سقوط الرواية من الحجيّة.
ثانياً، لم يثبت إعراض جميع الفقهاء، لأن اتفاق الفقهاء على عدم دفع الخراج بسبب الروايات هو تحليل، وليس له علاقة بالإعراض.
ثالثاً، على فرض التنزل وقبول الإعراض، ربما بعد أن اعتُبرت الروايات حججاً، طُبقت قواعد باب التعارض وأُعرض عنها، وليس لأن الروايات لم تكن حججاً فتم الإعراض عنها. لذلك الروايات حجج ويجب إعادة تقييمها.
الحل السادس: يعتقد بعض العلماء لحل التعارض أن ملكية الإمام المعصوم ليست اعتبارية بل حقيقية، من نوع الملكية التي لله تعالى على المخلوقات، أما الملكية التي يحصل عليها المحيي فهي اعتبارية. المحقق الأصفهاني يكتب في هذا الشأن:
الروايات التي تدل على أن كل الأرض بما فيها الموات للإمام المعصوم (ع) يجب أن تُحمل بالضرورة على الملكية الحقيقية لا الاعتبارية حتى تُحمّل آثار الملكية عليها، كما أن ملكية الله حقيقية.[24]
النقد والمراجعة:
هذا الجمع لا يمكن أن يحل المشكلة، لأن:
أولاً، الروايات التي تعرف الأرض الموات ملكاً للإمام (ع) ظاهرها في الملكية اعتبارية. الدليل عليها الروايات التي حمّلت آثار الملكية الاعتبارية مثل أخذ الخراج، وأخذ أصل الأرض، والروايات التحليلية.
ثانياً، نقاش حصول الملكية أو إنشاء الحق بالاحياء لا علاقة له بملكية الأئمة (ع) الاعتبارية أو الحقيقية، والنقاش قائم في كلا الأساسين. الشيء الوحيد هو أن بعض الاعتراضات على أساس ملكية الأئمة الحقيقية لن تُطرح في حالة حصول الملكية الاعتبارية للمحيي، مثل اعتراض خروج الأرض من تحت ملكية الإمام (ع)، لأنّ بين ملكيتهم والملكية الاعتبارية للمحيي لا تعارض.
المقام الثاني: أي بافتراض قبول استقرار التعارض بين هاتين الفئتين من الروايات والحاجة إلى تطبيق قواعد ومرجحات باب التعارض، ماذا يجب أن يُفعل؟ في هذا القسم أغلب الكلام مخصص لتقرير آراء الشهيد صدر الذي له أكثر الكلام في هذا الشأن. فقد تصور خمسة جمع في هذا الشأن وطرحها واحدة تلو الأخرى ونقدها بعلمية، وفي النهاية قبل الجمع الخامس:
الجمع الأول: يبيّن الشهيد صدر الجمع الأول هكذا:
روايات القسم الثاني التي تدل على وجوب دفع الخراج تُحمل على الاستحباب، لأن روايات القسم الأول صريحة في عدم وجوب الخراج، إذ أن روايات القسم الأول صريحة في مفادها (عدم وجوب الخراج) وروايات القسم الثاني ليست صريحة في مفادها (وجوب دفع الخراج).
وفي مقام الرد على هذا الجمع، يقسم الأحكام إلى تكليفي ووضعي، ثم يفحص هذا الجمع على ثلاثة أُسس معروفة في دلالة الأمر على الوجوب، ويخلص إلى أن هذا الجمع لا ينطبق على أي من هذه الأُسس في الأحكام الوضعية. ذكر كل كلامه في هذا الجمع مناسب:
النقطة التي تدعم حمل الأمر على الاستحباب في الأوامر التكليفية غير موجودة في الأحكام الوضعية، لأن في دلالة الأمر على الوجوب ثلاثة أُسس، وفي كل أساس حمل الأمر على الاستحباب في الأحكام الوضعية غير ممكن:
الأساس الأول: المحقق النائيني يرى أن الأمر يدل على المطلق الطلب، ولا يدل على الوجوب أو الاستحباب، والوجوب يُستنبط من حكم العقل القائم على لزوم إيجاد المأمول من المولى، وهذا الاستنباط يكون حين لا يكون من المولى ترخيص في الترك، وإذا جاء الترخيص في الترك من المولى، يُحمل الأمر على الاستحباب، لأن انضمام الترخيص في الترك إلى الأصل في كون الشيء مطلوباً وهو مدلول لفظ الأمر، نتيجته الاستحباب.
من البديهي أن حمل الأمر على الاستحباب بناءً على كونه ترخيصًا من الشارع، لا يكون إلا في الأوامر التكليفية فقط، لأن العقل في الأوامر التكليفية يستخلص الوجوب من أمر المولى، أما في الأحكام الوضعية مثل الأمر بدفع الخراج، فلا يكون ذلك بحكم العقل حتى يكون هذا المعيار موجودًا، بل يكون بحكم الشارع. فلا سبيل لحمل الأمر على الاستحباب بدخول الترخيص.
الأساس الثاني:[25] الوجوب ليس مدلول لفظ الأمر، كما أنه ليس بحكم العقل، بل يستفاد الوجوب من الإطلاق ومقدمات الحكمة، لأن من إطلاق الطلب بدون ترخيص يستفاد الطلب المطلق، والطلب المطلق هو الوجوب، لأن الوجوب هو مرحلة شديدة من الطلب، وإذا دخل الترخيص، يُحمل الأمر على الاستحباب، لأن مقدمات الحكمة والإطلاق تُقيد بالترخيص، ونتيجة لذلك يثبت الطلب المقيد وهو الاستحباب.
ومن البديهي أن هذه النقطة صحيحة إذا كان الوجوب مدلول الإطلاق في الأمر، أما إذا لم يكن الوجوب مدلول الإطلاق كما في الأحكام الوضعية، فلا سبيل لحمل الأمر على الاستحباب.
الأساس الثالث:[26] حيث إن الوجوب لا يُستفاد من حكم العقل ولا هو مدلول الإطلاق، بل يُستفاد الوجوب من دلالة وضعية لفظ صيغة الأمر، لأن صيغة الأمر في ذهن المخاطب تتضمن ظهورين متتالين: أحدهما الظهور في الوجوب، وإذا لم يكن هذا الظهور ممكنًا، يأتي الظهور الثاني وهو الاستحباب.
لذا إذا لم يدخل الترخيص من جهة الشارع، فإن صيغة الأمر دلالتها وضعًا على الوجوب، وإذا دخل الترخيص، فلا يمكن تحقق الظهور الأول، ومن ثم يُحمل الأمر على الاستحباب (وهذا النوع من الحمل على الاستحباب يكون في الأحكام التكليفية فقط، لأن الأحكام التكليفية تُقسم إلى واجب ومستحب، أما في الأحكام الوضعية التي لا تتضمن مراتب شديدة وضعيفة مثل حكم دفع الخراج، فلا يكون هذا الحمل صحيحًا.)[27]
وبالتالي، فإن حمل الروايات من النوع الثاني على الاستحباب لا يصح وفقًا لأي من الأسس الثلاثة المعروفة في باب الوجوب والاستحباب.
ثانيًا، إذا تم الاعتراض على هذا الرد من قبل الشهيد الصدر، يُقال إن الادعاء بصرامة القسم الأول في عدم وجوب دفع الخراج غير صحيح، لأن هذا القسم إما يدل دلالة التزام على نفى الخراج كما في الفئة الأولى، أو يدل دلالة مطلقة مقامية كما في الفئة الثالثة. وبالتالي هناك تعارض بين هذين القسمين.
الجمع الثاني: الجمع الثاني الذي طرحه الشهيد الصدر ثم أجاب عنه هو:
روايات القسم الأول مع روايات القسم الثاني تسقط بعد التعارض، ويأتي دور مجموعة أخرى من الروايات التي تدل على ارتفاع الملكية للإمام بعد إحياء الأرض.[28]
وفي مقام شرح هذا الجمع وسبب عدم سقوط الروايات المرجعية بعد التعارض، يكتب:
في علم الأصول ثبت أنه إذا كانت مجموعة من الروايات صريحة في نفى مطلب (مثل القسم الثاني) ومجموعة أخرى صريحة في إثبات مطلب (مثل القسم الأول فيما يتعلق بإثبات الملكية)، وبجانب هاتين المجموعتين توجد بعض الروايات التي تدل ظاهريًا على ذلك المطلب، فعند التعارض والسقوط، تسقط المجموعتان الصريحتان فقط، أما الروايات التي تدل بدلالة ظاهرة فلا تكون معارضة للروايات الصريحة في النفى حتى تسقط. ومن ثم، بعد سقوط هاتين المجموعتين، تكون هذه الروايات المرجع.[29]
وبعد شرح هذه القاعدة وتكميلها في نظر الفقهاء، وأن المعيار هو الجملة المعروفة عند الفقهاء بأنه بعد التعارض والسقوط يُرجع إلى العمومات الفوقانية، يكتب في مقام الجواب:
هذه القاعدة مبنية على أن هاتين المجموعتين الصريحتين في إثبات الملكية ونفيها تسقطان ولا يصل الأمر إلى مقام التفضيل، ولأن بعد ذلك سيأتي أن روايات المجموعة الثانية تُفضل على المجموعة الأولى، فلا يصل الأمر إلى السقوط حتى تكون المرجع العمومات الفوقانية.[30]
الجمع الثالث: الجمع الثالث في كلام الشهيد الصدر هو تطبيق قاعدة انقلاب النسبة. ويشرح:
القسم الأول من الروايات يدل على أن الإحيائي سواء كان شيعيًا أو سنيًا ليس ملزمًا بدفع الخراج.
القسم الثاني يدل على أن الإحيائي سواء كان شيعيًا أو سنيًا ملزم بدفع الخراج. هاتان المجموعتان متعارضتان تعارضًا تبادليًا، ولعلاج التعارض.
يبدو أن الروايات التحليلية التي تدل على إعفاء الشيعة من دفع الخراج تُقيد روايات القسم الثاني، ونتيجة لذلك يُخصص هذا القسم من القسم الأول، لأن مدلولها هو وجوب دفع الخراج من الإحيائي غير الشيعي، ومع القسم الثاني تُقيد روايات القسم الأول التي تدل على أن الإحيائي حتى وإن لم يكن شيعيًا ليس ملزمًا بدفع الخراج، ويُرفع التعارض، والنتيجة أن دفع الخراج لازم إلا على الإحيائي الشيعي (أي أن الإحيائي الشيعي يصبح مالكًا للأرض ولا يدفع الخراج، والإحيائي غير الشيعي لا يصبح مالكًا للأرض ويجب عليه دفع الخراج).
وبعد عرض هذا الجمع، لا يفضله الشهيد الصدر ويعترض عليه كما يلي:
أولًا، هذا الجمع مرتبط بقبول قاعدة انقلاب النسبة، والتي ثبت بطلانها في الأصول.
ثانيًا، انقلاب النسبة في فرض التنزل صحيح فقط إذا كانت الروايات التحليلية مخالفة فقط للقسم الثاني، ومتوافقة مع القسم الأول الذي ينفي الخراج، لا مخالفة معها.
ولكن في هذه الحالة، الروايات التحليلية مخالفة أيضًا لروايات القسم الأول كما هي مخالفتها لروايات القسم الثاني، لأن روايات القسم الأول تنفي وجوب دفع الخراج باعتباره حكم الله، والروايات التحليلية تنفي وجوب دفع الخراج من قبل الشيعة باعتباره حق الملكية (الأئمة عليهم السلام).
لذا فإن نقطة نفى الخراج في هاتين المجموعتين من روايات القسم الأول والروايات الخاصة ليست واحدة حتى تتفق، بل كما يوجد تعارض بين الروايات الخاصة (التحليلية) والقسم الثاني، يوجد تعارض بينها وبين القسم الأول أيضًا.
ثم يؤيد هذا الاعتراض بقوله:
بعض روايات القسم الأول التي تدل على أن الإحيائي ليس ملزمًا بدفع الخراج وردت في حق اليهود والنصارى، وبلا شك الروايات التحليلية لا تشملهم.[31]
الجمع الرابع: الجمع الآخر الذي طرحه الشهيد الصدر ورفضه هو:
الأحاديث من القسم الأول ترجح على الأحاديث من القسم الثاني إما بسبب شيوعها أو لأنها موافقة للسنة القطعية، لأن الأحاديث من القسم الأول تواتر إجمالي.
وفي مقام الاعتراض على هذا الجمع يكتب:
أولاً، شيوع الخبر وموافقته للسنة القطعية، حتى لا تصل إلى درجة القطع بالصدور، لا تكون مرجحة.
ثانياً، السنة (ملكية الأرض بالإحياء وعدم وجوب دفع الخراج) ليست بمستوى التواتر لتكون قطعية. إذن، الموافقة مع السنة القطعية هنا غير صحيحة.[32]
الجمع الخامس:
آخر جمع في كلام الشهيد الذي تم قبوله وبناءً عليه يُجاب عن التعارض المستقر هو:
تقدم أحاديث القسم الثاني على أحاديث القسم الأول بعد التعارض، وذلك لأن أحاديث القسم الثاني لها ثلاثة مرجحات:
أ) مخالفة العامة، حيث إن الأحاديث التي تدل على أن المحيي يصبح مالكاً للأرض ولا يلزمه دفع الخراج، موافقة للعامة، وأحاديث القسم الثاني مخالفة للعامة، وواحدة من مرجحات باب التعارض هي مخالفة العامة.
ب) أحاديث القسم الثاني التي تدل على أن المحيي لا يصبح مالكاً للأرض ويجب عليه دفع الخراج، موافقة لعموم الكتاب، مثل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم.[33]
وواحدة من مرجحات باب التعارض هي الموافقة مع عموم الكتاب.
ج) أصالة الغاية في أحاديث القسم الثاني كاملة، بينما في أحاديث القسم الأول غير كاملة.[34] (لأنه يحتمل أن تكون صدرت من باب التقية وبقاء موقف الشيعة مجهولاً).
ج) مقتضى الأصل العملي
في نهاية هذا البحث، من الضروري أيضاً دراسة مقتضى الأصل العملي، حتى إذا لم يصل شخص إلى نتيجة من خلال الأدلة اللفظية واعتبر الأحاديث متعارضة ووصل إلى مرحلة التساقط ولم يقبل العام الفوقاني، يعرف واجبه.
يبدو أن مقتضى الأصل العملي موافق لأحاديث القسم الثاني أي عدم حصول الملكية، لأنه بعد التعارض والتساقط نشك هل يحصل الملك بالإحياء أم لا؟ وفي هذه الحالة يسري الاستصحاب بعدم حصول الملكية.
اعتراض: كما يسري استصحاب عدم حصول الملكية، يسري أيضاً استصحاب عدم إنشاء الحق، وبالتالي يتعارض هذان الأصلان.
الجواب: أولاً، جميع الفقهاء حتى الذين يرون أن الإحياء يوجب حصول الملك، يؤمنون بأن علاقة ما تنشأ بين المحيي والأرض، لكن الخلاف في مقدار هذه العلاقة هل هي ملكية أم إنشاء حق؟ إذن المرحلة الضعيفة (إنشاء الحق) متفق عليها.
ثانياً، بناءً على المبدأ الصحيح، الأحاديث المتعارضة في مدلول مشترك (حصول الحق) لا تتعارض بحيث تسقط.
أدلة أخرى:
بخلاف الأحاديث، قد يُستند إلى أدلة أخرى بناءً على مذهب مشهور الفقهاء القائل بحصول الملكية بالإحياء، والتي لم ترد في كلام صاحب مباني منهاج الصالحين، ومنها الإجماع. يقول صاحب مفتاح الكرامة تحت كلام العلامة في القواعد: (والميت منها يملك بالإحياء):
بإجماع الأمة الإسلامية، إذا خلت من الموانع. كما ورد في مهذب البارع وبإجماع المسلمين كما في تنقيح، وجميع فقهاء البلاد على هذا المعتقد.[35]
الشيخ الأعظم الأنصاري أيضاً بعد حمل الأحاديث التي تدل على أن المحيي لأرض موات يجب أن يدفع أجرة للإمام، يكتب:
الأحاديث متفقة على أن الأرض تصبح ملكاً للمحيي، وسيأتي في ما بعد حديث إجماع المسلمين على أن الأرض بالحياء تصبح ملكاً.[36]
النقد والدراسة
هذا الإجماع فيه إشكال من حيث الصغرى والكبرى. من حيث الصغرى لأن كثيراً من فقهاء صدر الأول والمتأخر والمعاصر عارضوا هذا الرأي ويعتقدون أن الإحياء يوجب فقط إنشاء حق. الشهيد الصدر بعد تقرير نظرية عدم الملك يكتب:
هذا الرأي قبله الفقيه الكبير الشيخ الطوسي في كتاب الجهاد في المبسوط… ونرى أيضاً نفس الرأي في (بلاغة الفقيه) للمحقق الفقيه السيد محمد بحر العلوم.[37]
أما من حيث الكبرى، فلو افترضنا النزول، فلا قيمة لهذا الإجماع، لأنه إن لم نقل إنه قطعي، على الأقل احتمال كونه مدركاً كبير، لأن جميع أهل الإجماع استندوا إلى الأحاديث، ومنهم الشيخ الأنصاري. لذلك لا يمكن أن يكون كاشفاً عن قول المعصوم.
2. العسر والحرج
من الأدلة الأخرى على قول الأكثرية (ملكية الأرض الموات بالإحياء) يمكن أن يكون العسر والحرج.
تقريب الاستدلال:
كثير من الأراضي المتاحة للناس إما موات بالأصالة (أراضٍ غير مزروعة طبيعياً) أو في حكمها، ومن الواضح أن الناس يثبتون عليها أحكام الملكية مثل البيع والشراء، الإرث، الهبة وغيرها من الآثار. فإذا لم تكن هذه الأراضي ملكهم، ينشأ العسر والحرج.
النقد والدراسة
هذا الاستدلال فيه إشكالات من جهات عدة، لأنها:
أولاً: الذين لا يرون أن الإحياء يوجب حصول الملك، يؤمنون بأن الإحياء يوجب إنشاء حق، ومع وجود الحق كثير من هذه الآثار والتنقلات تجوز.
المشكوك فيه هو البيع والشراء، لأن مقتضى القاعدة (لا بيع إلا في الملك) يجعل بيع الأراضي الموات التي أحييت غير جائز.
لكن بناءً على بعض المذاهب في تعريف البيع، من ضمنهم من يعتقد أنه تحويل طرفين زائدين سواء كان طرف المبادلة ملكاً أو حقاً، تُحل المشكلة، لأن البيع بهذا الأساس لا يختص بالملكية، وأيضاً بناءً على من يعرّف البيع بأنه وضع شيء مقابل شيء آخر، يُزال الإشكال، لأن ما وُضع مقابل شيء يشمل المملوك للإنسان أو ما اكتسب به حقاً، ولا يختص بالملكية.
أما بناءً على المذهب المشهور الذي يشترط وجود الملكية لتحقيق مفهوم البيع، فيمكن إعطاء أجوبة أخرى:
أ) قبل البيع للحظة يصبح البائع مالكاً. هذا الرأي له سابقات وحل مشاكل في بعض المواضع، منها باب المعاطاة، بحيث نقول: البيع المعاطاتي لا يوجب ملكية بل يبيح التصرف، وفي التصرفات المتوقفة على الملك يُقال: الملك يتحقق للحظة قبل التصرف، أو في عتق العمودين (الأب والأم) يتحقق الملك للحظة قبل العتق حتى لا يتعارض مع القاعدة (لا عتق إلا في الملك).
فيما يخص النقاش، يمكن القول: إنّ لحظة البيع المسبق للأرض المُحيَاة، يصبح المُحيي مالكًا لها.
ب) المالك يبيع حق الأولوية في الأرض وليس الأرض نفسها. بمعنى آخر، الشخص المُحيي يصبح بعد الإحياء مالكًا للحق المتعلق بهذه الأرض، وعند البيع يُباع هذا الحق.
الشهيد الصدر لا يقبل هذا الجواب ويقول:
في البيع، يبيع البائع علقته بالمبيع مقابل تنازل المشتري عن علقته بالثمن، وبما أن الحق حكم شرعي، فإن العلقة ليست من ملك البائع ليتم بيعها. لذلك، الحق كونه حكمًا شرعيًا ليس مملوكًا ليُباع.[38]
ج) الجواب الصحيح والمقبول عند الشهيد الصدر هو أن المُحيي يبيع الأرض، لكن بهدف نقل تلك العلقة التي نشأت بين المُحيي والأرض بسبب الإحياء إلى المشتري، مقابل نقل العلقة التي بين المشتري والثمن. يكتب الشهيد الصدر في هذا الشأن:
الجواب على هذا الاعتراض هو أن المُحيي للأرض يمكنه بيع الأرض، لأنه يستفيد من العلقة الخاصة بين الأرض وبينه، والتي تُسمى اصطلاحًا (حق). لذلك، يمكن للمُحيي أن يبيع الأرض بمعنى أنه ينقل هذه العلقة الخاصة إلى المشتري، مقابل تنازل العلقة الخاصة بين المشتري والثمن، وبذلك يصبح المشتري صاحب الحق في الأرض بدلاً من البائع الذي كان صاحب الحق فيها، ومن جهة أخرى يصبح بائع الأرض مالكًا للثمن الذي كان المشتري مالكه قبل البيع.[39]
من الجدير بالذكر أن ما ذُكر عن الشهيد الصدر من عدم قبوله للجواب الثاني (أن يبيع المُحيي حق الأولوية من البداية) هو بناءً على كتاب (اقتصادنا) طبعة دار الفكر، لكنه في الطبعات الأخيرة يبرر بيع حق الأولوية ويقبله.[40] لذلك، كلا الجوابين صحيحان.
ثانيًا، قاعدة العسر والحرج مثل قاعدة لا ضرر، تنفي فقط الأحكام التي تسبب عسرًا وحرجًا، لكنها لا تثبت حكمًا. لذلك، لا يمكن لقاعدة العسر والحرج أن تثبت الملكية بالإحياء إلا بناءً على بعض الأسس التي نوقشت وانتُقدت في مواضعها.[41]
ثالثًا، على فرض التنزل، إذا قبلنا أن الإحياء بسبب العسر والحرج يسبب الملكية، فيجب الاقتصار على المقدار الذي يزول به العسر والحرج. لذلك، الدليل أخص من المطلب، لأن المطلب شامل والإحياء يسبب الملكية حتى في غير حالة العسر والحرج، أما الدليل فيدل على الملكية بالإحياء فقط في حالة العسر والحرج.
الثمرة الفقهية
لكل من هذين الرأيين الفقهيين آثار مختلفة. في هذا القسم، ومن أجل المزيد من الاهتمام بهذا الفرع الفقهي، من المناسب أن نذكر بعض هذه الآثار الفقهية:
1. إذا كان الإحياء سببًا في إنشاء حق، فإن ما يُشترى ويُباع في شراء وبيع الأرض ليس رقبة الأرض وعينها، بل العلقة والعلاقة بين المالك والأرض التي تُسمى (حق الانتفاع).
وقد تناول الشهيد الصدر هذا الموضوع بالتفصيل في مناقشة أدلة القول المشهور تحت دليل العسر والحرج.
2. إذا أصبح المُحيي صاحب حق بالإحياء، يمكنه التنازل عنه. أما إذا أصبح مالكًا، فلا يجوز التنازل عن الملكية الزائدة.
3. إذا لم يصبح المُحيي مالكًا للرقبة وعين الأرض، وإذا لم تُصرف الأرض المُحيَاة في المؤونة، فلا تكون خاضعة للخمس.
4. إذا بُني مسجد في الأرض المُحيَاة ثم تهدم، فوفقًا لقاعدة حصول الملكية بالإحياء، تظل أحكام المسجد قائمة، إلا وفقًا لفتوى من يعتبرون أن صفة المسجد تعتمد على العنوان (مسجد).
أما وفقًا لقاعدة إنشاء الحق، فلا تُطبق أحكام المسجد بعد التهدم وعدم صدق العنوان (مسجد).
5. إذا بُني ملك في الأرض المُحيَاة ووقف ثم تهدم، وفقًا لقاعدة إنشاء الحق، يزول عنوان الوقف، أما وفقًا لقاعدة حصول الملكية، تظل الأرض واقفة.
الخلاصة
1. هناك اختلافات بين الأموال الحكومية والعامة، وأرض الموات عند الفتح من الأموال الحكومية.
2. جمهور الفقهاء يرون أن إحياء الأراضي الموات سبب في حصول الملكية وأقاموا أدلة على ذلك.
3. من أدلة القول المشهور ادعاء الإجماع الذي نوقش من حيث الصغرى والكبرى.
4. الدليل الآخر للقول المشهور هو العسر والحرج، وقد قُدمت له ثلاثة أجوبة، منها أن وفق نظرية إنشاء الحق يمكن البيع والشراء والتنقلات الأخرى، لكن موضوع التنقلات هو العلاقة والعلقة بين المُحيي والأرض أي حق الانتفاع. ولتصحيح البيع والشراء على أساس غير القول المشهور، طرحت طرق أخرى.
5. أهم الأدلة هي الروايات التي قُسمت إلى ثلاث فئات عامة:
الفئة الأولى: روايات تدل بعبارة (فهى له) على حصول الملكية. ورد على هذه الفئة أن (لام) للتخصيص، ومع ظهورها تدل على الملكية، لكن هذا الظهور غير حجّة هنا لأن الروايات المعارضة تمنع انعقاد الظهور.
الفئة الثانية: روايات تحتوي على (فهى له) و(فهم أحق بها). هذه الفئة أيضًا لا يمكن أن تدل، لأن اعتراض الفئة الأولى على (لام) ينطبق هنا، وعبارة (أحق بها) لا تدل على الملكية، بل تدل على القول غير المشهور.
الفئة الثالثة: روايات مطلقة مقامية تدل على المطلب المشهور. ورد على هذه الفئة أيضًا أن الروايات المعارضة تمنع انعقاد الإطلاق المقامي.
6. الأدلة التي تثبت القول بإنشاء الحق هي خمس فئات من الروايات التي تدل على أن المُحيي للأرض يجب أن يدفع الخراج للإمام، وأن الإمام في عصر الظهور سيأخذ الأرض منهم، أو أن الإمام في عصر الغيبة حلل الخراج على الشيعة، وغيرها.
7. على فرض قبول التعارض بين هذين النوعين من الروايات، نوقش في مقامين لحل التعارض:
أ) المقام الأول: أن التعارض غير مستقر. في هذه الحالة، وُضعت ستة حلول، منها ما نوقش ومنها ما قُبل، وفي هذا القسم ثبت القول غير المشهور.
ب) المقام الثاني: فرض أن تعارض الروايات لا يُحل، وأن التعارض مستقر ويحتاج إلى تطبيق قواعد باب التعارض.
طرح الشهيد صدر خمسة تجمعات فنية وعلمية ونقدها ودراستها، وفي النهاية تم قبول هذا التجمع الذي يفيد أن الروايات من النوع الثاني تتفق مع العام الكتابي وتخالف العامّة، ونتيجة لذلك ثبت القول بإنشاء الحق.
8. في المرحلة التالية، على فرض التنزل وأنه مع تطبيق قواعد باب التعارض لا تُحل مشكلة التعارض وتُسقط الروايات بعد التعارض ويأتي الدور على الأصل العملي، قيل: مقتضى الرجوع إلى الأصول العملية هو القول بإنشاء الحق، لأن الشك في حصول الملكية يجعل الاستصحاب بعدم تحقق الملكية مع الإحياء جارياً.
9. في الختام، تم تعداد بعض الثمرات الفقهية المترتبة على كل من هذين القولين، وجرى الخلاف في بعضها.
نماذج من اختلاف الفتاوى بين فقيهَين
في هذا القسم ندرس نماذج من اختلاف الفتاوى بين آية الله الخوئي والشهيد صدر في مجال كتاب البيع، والتي كما سبق يمكن أن يكون كل منها موضوع مقال مستقل.
ومن الواضح أن الهدف من هذا القسم هو مجرد الإعلام.
التجارة بالجثث
آية الله الخوئي: التجارة بـ… الميتة حرام ولا تصح.[42]
الشهيد صدر: الأرجح حرمة وعدم صحة التجارة بالجثث، مع أن الجواز ليس خالياً من وجه.[43]
ضابط صدق عنوان أداة اللهو
آية الله الخوئي: إذا تحققت المنافع الحلال «بواسطة أداة لهو» أكثر بحيث لا يعتبرها العرف أداة لهو، فالبيع والاستخدام جائز.
الشهيد صدر: معيار صدق عنوان (أداة لهو) هو أن يكون طبيعة وجودها وتركيبتها بحيث تكون المنافع الحرام فيها أكثر من المنافع الحلال، ولكن إذا كانت الأداة نفسها منافعها الحلال والحرام متساوية، فلا تكون أداة لهو، حتى وإن استُخدمت أكثر في المنافع الحرام.
ضابط صدق عنوان المنافع الحلال
آية الله الخوئي: المراد من المنافع الحلال التي تجيز شراء وبيع الأشياء هي المنافع التي يحتاجها كثير من الناس.[44]
الشهيد صدر: المراد من المنافع الحلال التي تجيز شراء وبيع الأشياء هي المنافع التي يحتاجها كثير من الناس أو التي تحظى باهتمام نوع معين من الناس، حتى وإن لم تكن بحاجة واسعة، مثل الأدوية التي تستخدم للوقاية من الإصابة.[45]
بيع العنب والتمر والخشب لصنع الخمر والتمثال وأداة اللهو
آية الله الخوئي: بيع العنب والتمر والخشب لصنع الخمر والتمثال وأداة اللهو حرام ولا يصح.[46]
الشهيد صدر: لا يجوز إلا في بيع الخشب لصنع التمثال وغيره من الأمور التي تُعد شعاراً للكفر، أما في الحالات الأخرى (لصنع الخمر وأداة اللهو) فالبيع صحيح لكنه شرط باطل.[47]
حرمة الغناء
آية الله الخوئي: إذا كان الغناء لهوياً وباطلاً، أي أن نوعيته لهوية، فهو حرام، والمعيار في ذلك هو الصدق العرفي.[48]
الشهيد صدر: يبدو أن الغناء في الحالات التي لا يكون هدفها إحداث الطرب والخفة (التغير في الحالة النفسية) ليس حراماً، وإذا كان الصوت مصحوباً بترجيع خاص ويحمل معنى لهوياً، فبحسب الاحتياط المطلق فهو حرام، سواء بلغ درجة إحداث الطرب أم لا.[49]
حرمة اللعب بأدوات القمار
آية الله الخوئي: اللعب بأدوات القمار مثل الشطرنج وغيرها التي أُعدت للقمار مع الربح والخسارة حرام، وأخذ الرهن (المال محل الربح والخسارة) أيضاً حرام، ولا يصبح المتلقي مالكاً له، وكذلك اللعب بها بدون رهن حرام.[50]
الشهيد صدر: اللعب بأدوات القمار بدون ربح وخسارة، بحسب الاحتياط، حرام، وهذا الاحتياط أشد وأكبر تأكيداً في الشطرنج والنرد.[51]
حرمة الكهانة
آية الله الخوئي: الكهانة (الإخبار بالغيب مع الاعتقاد بأنها من بعض الجن) حرام.[52]
الشهيد صدر: الكهانة حرام على الأرجح.[53]
حرمة النجش
آية الله الخوئي: النجش (رفع سعر السلعة دون نية الشراء سواء بالتنسيق مع البائع أو بدونه) حرام.[54]
الشهيد صدر: حرمة النجش محل إشكال، بل هو المنع.[55]
أخذ الأجرة على أداء الواجبات
آية الله الخوئي: التعاقد على تعليم الحلال والحرام الذي يعاني منه الناس، بحسب الاحتياط الوجوبي، باطل وأخذ الأجر حرام.[56]
الشهيد صدر: بطلان التعاقد على تعليم الحلال والحرام الذي يعاني منه الناس في حال وجود آخرين للتعليم محل إشكال، لأن إثبات البطلان بالقاعدة أو خبر يوسف بن جابر غير ممكن.[57]
حرمة الفحش
آية الله الخوئي: الفحش (التصريح بالكلام القبيح) حرام على الناس، أما الفحش في حق المرأة والجارية فليس حراماً.[58]
الشهيد صدر: إذا كان قبح الفحش ناشئاً عن الحياء، فلا يكون الفحش في حق المرأة حراماً، ولكن إذا لم يكن القبح ناشئاً عن الحياء، فلا فرق بين المرأة وغير المرأة في حرمة ذلك.[59]
حرمة الكذب
آية الله الخوئي: إذا كان عند الوعد نية مخالفة، فهو حرام، والاحتياط الوجوبي هو ترك الوعد للمرأة بشيء لا ينوي فعله.[60]
الشهيد صدر: في حالة خرق الوعد يكون حرامًا إذا كان الوعد مصحوبًا بإخبار عن تحقق خارجي للموعود به في المستقبل، أما إذا لم يكن الوعد يحتوي على مثل هذه الأخبار فلا يكون خرقه حرامًا حتى وإن كان القصد عند الوعد هو المخالفة. لذلك هناك فرق بين الجملة (سأزورك عصرًا) والجملة (عليك أن أزورك). لا فرق في حرمة الوعد الذي لا يُقصد تنفيذه بين المرأة وغير المرأة.[61]
جوائز الظالم
آية الله الخوئي: إذا ثبت أن جوائز السلطان هي أموال مغصوبة من الآخرين، يجب على المتلقي أن يعيدها إلى المالك الأصلي، وإذا كان المالكون محصورين في مجموعة معينة فيجب إن أمكن إرضاؤهم، وإلا فيجب إجراء قرعة لتحديد المالك.[62] الشهيد صدر: إذا كان أحد الاحتمالات أقوى فيُؤخذ به.[63]
تعريف البيع
آية الله الخوئي: (البيع) هو نقل المال مقابل عوض من حيث كونه عوضًا للمال وليس من حيث خصوصية وميزة العوض، و(الاشترا) هو دفع الثمن من قبل المشتري مقابل تحقيق غرضه. لذلك، من يبيع السكر ويقصد ملكية السكر مقابل الثمن الذي يدفعه المشتري فهو البائع، والمشتري هو من يشتري السكر لأنه يلبي حاجته. فإذا كان قصد وغاية المشتري والبائع شيء واحد مثل مبادلة كتاب بكتاب، فلا يُعد بيعًا بل يكون عقدًا مستقلاً.[64]
الشهيد صدر: (البيع) هو مبادلة مع اعتبار اختلاف قصد الطرفين، لأن قصد أحدهما (البائع) هو الملكية وقصد الآخر (المشتري) هو المال.
لذا إذا كان القصد واحدًا من الطرفين، فلا يكون بيعًا، رغم أن (مبادلة) تُطلق عليه.[65]
حكم وحدة شخصية البائع والمشتري
آية الله الخوئي: إذا كان شخص واحد وليًا أو وكيلاً للبائع والمشتري فلا يجب الاكتفاء بالإيجاب فقط، بل يجب أيضًا القبول.[66]
الشهيد صدر: ليس بعيدًا أن يتحقق الإيجاب والقبول من قبل الوصي أو الوكيل من طرفي العقد بإنشاء واحد.[67]
مطابقة الإيجاب والقبول
آية الله الخوئي: الظاهر أن المطابقة بين الإيجاب والقبول في الثمن (السعر) والمثمن (السلعة) وتوابعها ضرورية.[68]
الشهيد صدر: إذا كان عدم المطابقة ناتجًا عن تنزل من شرط فلا إشكال، مثلًا إذا قال البائع: بعتك هذا الحصان بدرهم واحد بشرط أن أخيط لك ثوبك، وقال المشتري: اشتريت الحصان بدرهم واحد بدون شرط، فهذا صحيح.[69]
شرط العقد في المعاملات
آية الله الخوئي: في كل من طرفي العقد شرط العقل، لذلك العقد مع المجنون غير صحيح، حتى وإن قصد إبرام البيع.[70]
الشهيد صدر: إذا استطاع المجنون أن يقصد إبرام البيع، فحكمه كحكم الصبي.[71] (في ماله غير صحيح إلا إذا كان وكيلاً عن الولي في إجراء العقد، وفي أموال الآخرين صحيح إذا كان بإذن المالك).
شرط ملكية المبيع
آية الله الخوئي: المشهور أن الملكية شرط في المبيع والثمن، لذلك ما ليس له ملكية مثل بعض الحشرات لا يكون مبيعًا ولا ثمنًا، لكن الظاهر أن الملكية ليست شرطًا في المبيع والثمن، مع أن الاحتياط أولى.[72]
الشهيد صدر: الملكية شرط في المبيع والثمن.[73]
خيار المجلس
آية الله الخوئي: إذا كان الوكيل مباشرًا في تنفيذ صيغة العقد، فإن خيار المجلس للمالك، والوكيل لا يحق له الفسخ، وإذا كان الوكيل مفوضًا في كل شؤون العقد فإنه يحق له الخيار والفسخ.[74]
الشهيد صدر: إذا كان المباشر في العقد وكيلاً وكان المالك حاضرًا في المجلس ومتدخلًا في إبرام العقد، فالخيار للمالك، وإذا لم يكن المالك حاضرًا أو لم يتدخل فالخيار له غير ثابت، كما أن ثبوت الخيار للوكيل في تنفيذ العقد هو محل إشكال ومنع.[75]
خيار الشرط
آية الله الخوئي: عدم تحديد مدة خيار الشرط غير جائز، وكذلك عدم تحديد مدة محدودة بحيث يمكن زيادتها أو نقصانها غير جائز.[76]
الشهيد صدر: إذا أراد أن يجعل الخيار دائمًا، فعدم تحديد المدة جائز، ولا يستبعد أن يكون عدم تحديد مدة خيار الشرط جائزًا.[77]
خيار الشرط في العقود الجائزة
آية الله الخوئي: وضع خيار الشرط في العقود الجائزة مثل الوديعة والعارية غير صحيح.[78]
الشهيد صدر: وضع خيار الشرط في العقود الجائزة الإذنية غير صحيح، أما في العقود الجائزة غير الإذنية فهو صحيح، مثل الهبة التي يجوز فيها جعل الخيار، والنتيجة استحقاق الفسخ للواهِب إذا سقط الجواز الشرعي بحدث جديد في العين من جهة الموهوب له.[79]
خيار الشرط في عقد النكاح
آية الله الخوئي: في العقود اللازمة، وضع خيار الشرط صحيح إلا في عقد النكاح.[80]
الشهيد صدر: الظاهر أن خيار مخالفة الشرط في عقد النكاح صحيح، مثلاً إذا اشترطت الزوجة صفة خاصة في الزوج مثل أن يكون ابن فلان، ثم ظهر خلاف ذلك، فللزوجة حق الفسخ، لأن الرواية واردة في هذا الشأن. إذًا وضع خيار الشرط في عقد النكاح صحيح كذلك.[81]
حكم رد المبيع بعد الفسخ
آية الله الخوئي: إذا بعد فسخ العقد من قبل البائع المغبون، انتقل المبيع من المشتري إلى غيره بعقد لازم أو هبة معوضة أو هبة ذي رحم، فلا يحق للبائع إلزام المشتري برد المبيع، وإذا نقل المشتري المبيع بعقد جائز مثل الهبة أو عقد مع خيار، فلا يجب عليه الفسخ ورد المبيع للبائع، وإذا عاد المبيع إلى المشتري بعد دفع الثمن أو مثله للبائع، فلا يلزم أن يعيده للبائع الأول.[82]
شهيدصدر: إذا نُقل المبيع من قبل المشتري إلى غيره بعقد لازم، فإذا لم يكن رد المبيع إلى البائع فيه حرج أو يسبب ضررًا، فالاحتياط الوجوبي هو إلزام البائع برد المبيع، وكذلك إذا نقل المشتري المبيع بعقد جائز إلى غيره، فالاحتياط هو أخذ المبيع وردّه إلى البائع، بل في حالة الهبة، هذا أقرب إلى الواقع، وإذا بعد الفسخ وردّ المبيع المباع إلى المشتري، فالاحتياط الوجوبي هو ردّه إلى البائع.[83]
شراكة المشتري في المبيع
آية الله خويي: إذا زاد على المبيع في يد المشتري زيادة لم يكن لفعل المشتري فيها دور، فكل المبيع ملك للبائع الفاسخ، وكذلك إذا كانت الزيادة صفة ذات مالكيتها التي تحققت بفعل المشتري، مع وجود وجه للملكية للمشتري، إلا أن الأظهر أن المشتري لا يحق له شيئًا.[84]
شهيدصدر: إذا زاد على المبيع في يد المشتري زيادة لم يكن لفعل المشتري فيها دور، فالمشتري شريك في مالكية وقيمة المبيع بمقدار الفرق بين المبيع وصفة الزيادة، وكذلك إذا كانت الزيادة صفة ذات دور في المالكية وتحقت بفعل المشتري، فالمشتري شريك في مالكية العين.[85]
تأخير خيار الغبن
آية الله خويي: الظاهر أن خيار الغبن ليس فورياً، فإذا تأخر عن قصد وعلم لسبب عقلائي مثل التشاور مع صاحب الرأي، فلا يسقط الخيار، وبناءً عليه إذا تأخر بسبب الجهل أو النسيان أو الغفلة، فلا يسقط الخيار.[86]
شهيدصدر: خيار الغبن فور، ولا يسقط إلا إذا تأخر بسبب الجهل أو النسيان.[87]
خيار التأخير
آية الله خويي: إذا باع البائع جنسًا ودفع المشتري الثمن ولم يسلم البائع المثمن خلال ثلاثة أيام، فالبيع لازم، وبعد ثلاثة أيام إذا دفع المشتري الثمن يكون أحق به، وإلا فالبائع له خيار تأخير الثمن، وإذا تلف الجنس فهو من ملك البائع.[88]
شهيدصدر: إذا باع البائع جنسًا وسلمه للمشتري ولم يدفع المشتري الثمن، فالبيع لازم لثلاثة أيام، وبعدها إذا دفع المشتري الثمن يكون أحق به، وإلا فالبائع له خيار فسخ التأخير في الثمن، وإذا تلف الجنس في هذه المدة فهو من ملك البائع إلا إذا كان التلف بعد التخليص (إعداد وتخصيص الجنس) وقبل القبض، ففي هذه الحالة الأقرب أن التلف من مال المشتري.[89]
دفع بعض الثمن والمثمن
آية الله خويي: دفع بعض الثمن وقبض بعض المثمن كعدم الدفع.[90]
شهيدصدر: ليس من المستبعد أن يكون دفع بعض الثمن أو المثمن بنفس المقدار مؤثرًا في صحة ولزوم العقد.[91]
ثبوت خيار تخلف الوصف للبائع
آية الله خويي: كما يثبت خيار تخلف الوصف للمشتري، يثبت أيضًا للبائع، فمثلاً إذا باع البائع جنسًا بخيار أن للمبيع وصفًا خاصًا، ثم ظهر تخلفه، يثبت خيار تخلف الوصف للبائع.[92]
شهيدصدر: ثبوت خيار تخلف وصف المبيع للبائع فيه إشكال، بل ممنوع، ولكن إذا كان الثمن مخالفًا للأوصاف التي رآها البائع، فليس بعيدًا أن يثبت خيار تخلف وصف الثمن للبائع.[93]
شرط سقوط خيار الرؤية
آية الله خويي: هل يجوز شرط سقوط خيار الرؤية ضمن العقد أم لا؟ هناك قولان، والرأي الأقوى هو الجواز.[94]
شهيدصدر: شرط سقوط خيار الرؤية ضمن العقد صحيح إذا كان انتفاء الغرر موثوقًا به.[95]
خيار العيب
آية الله خويي: إذا اشترى شيئًا وكان معيبًا، فهو مخير بين طلب الأرش وخيار الفسخ، ولا فرق في ذلك بين المشتري والبائع، فإذا كان الثمن معيبًا، يكون البائع مخيرًا بين طلب الأرش وفسخه.[96]
شهيدصدر: مع إمكانية فسخ العقد، طلب الأرش فيه إشكال.[97]
حكم البرص
آية الله خويي: بثبوت الجنون والجذام والقرن والبرص، يثبت خيار العيب إذا حدثت هذه الأوصاف بعد العقد واستمرت لمدة سنة كاملة.[98]
شهيدصدر: إلحاق وصف البرص بالثلاثة الأوصاف الأخرى من حيث الحكم فيه إشكال.[99]
شرط القدرة
آية الله خويي: في وجوب الوفاء بالشرط، يشترط من بين الشروط القدرة على تنفيذ الشرط.[100]
شهيدصدر: القدرة على تنفيذ موضوع الشرط لا تدخل في ثبوت خيار تخلف الشرط، فإذا اشترط في العقد ظنًا بوجود القدرة على التنفيذ، ثم تبين عدمها، يكون خيار تخلف الشرط للشارط.[101]
بيع شجرة النخيل
آية الله خويي: إذا بيع شجرة نخيل وكانت عليها تمور، فإذا كانت التمور معدلة فهي ملك للبائع، وإذا لم تكن معدلة فهي ملك للمشتري، وهذا الحكم خاص بشجرة النخيل.[102]
شهيدصدر: هذا الحكم ليس خاليًا من الإشكال، لأن الروايات في إثبات حكم تعبدي مخالف للقاعدة في شجرة النخيل محدودة.[103]
حكم تعارض حق البائع والمشتري
آية الله خويي: إذا بيع شجرة وبقيت ثمارها في ملك البائع، وكان السقي يسبب ضررًا لأحدهما، فهناك رأيان في تقديم حق البائع أو المشتري، والرأي المرجح هو تقديم حق البائع إذا اشترط بقاء الثمار على الشجرة، وإلا فالمرجح تقديم حق المشتري.[104]
شهيدصدر: في هذا الموضوع إذا اشترط البائع أو المشتري يجب الالتزام بالشرط، وإذا لم يشترط، ليس بعيدًا أن نقول إن سقي الأشجار جائز لمن ينتفع بها، ولكن الأرش يضمن نقص مال الطرف الآخر، وكذلك العكس، ترك السقي جائز لمن ينتفع به، ولكن الأرش يضمن نقص مال الطرف الآخر.[105]
تبعية المعادن للأرض
آية الله خويي: الأحجار المخلوقة في الأرض والمعادن داخلها تباع إذا كانت المعادن من حيث العرف تابعة للأرض، أما إذا لم تكن تابعة للأرض، مثل المعادن داخل الأرض، فهي ليست ملكًا لأحد.[106]
شهيدصدر: المعادن داخل الأرض ليست ملكًا لمالك الأرض حتى تدخل في بيعها.[107]
الشراء والبيع بالتقسيط
آية الله خويي: في الشراء والبيع بالتقسيط، يجب أن يكون المدة محددة وغير مترددة بين القليل والكثير، فإذا كانت المدة عبارة عن قدوم زيد أو وقت الحصاد أو جفاف الثمرة، يكون العقد باطلًا.[108]
الشهيد الصدر: ليس بعيداً أن لا يكون عقد النسيئة في الحالة المذكورة (تأجيل العقد إلى قدوم زيد أو عند حلول وقت الحصاد أو جفاف الثمار) عقداً باطلاً.[109]
شروط الربا
آية الله الخوئي: الشرط الثاني في تحقق الربا هو أن يكون كل من الجنسين مقدراً بالوزن أو العدد. لذلك ما يُباع بالعد مثل البيض، لا يكون فيه ربا زيادة.[110]
الشهيد الصدر: الاحتياط الوجوبي هو أن يُترك الزيادة في الذمة في جميع السلع المثليّة، بل الاحتياط هو ترك الزيادة في جميع السلع المثليّة التي هي من جنس واحد.[111]
سبيل النجاة من الربا
آية الله الخوئي: سبيل النجاة من الربا هو إلحاق جنس غير ناقص إلى جنس ناقص، مثل بيع مئة من القمح الدرجة الأولى بدرهم واحد مقابل مئتي من القمح الدرجة الثانية، أو بإلحاق جنس إلى أحد الطرفين حتى ولو مع تفاوت.[112]
الشهيد الصدر: إذا كان طرفا المبادلة متساويين أو متقاربين في الكمية أو القيمة، فإن الإلحاق بجنس من غير جنس الثمن والمثمن ينجّي من الربا، مثل أن يكون كيس قمح درجة أولى مساوياً في القيمة لكيسين قمح درجة ثالثة. هنا بإلحاق درهم واحد إلى كيس القمح الدرجة الأولى يُنتفى الربا. أما إذا كان هناك فرق في الكمية أو القيمة بين الجنسين، فإن الإلحاق لا ينجي من الربا.[113]
بيع الأوراق النقدية
آية الله الخوئي: الربا في الأوراق النقدية، لأنها لا تُعد من السلع المقدرة بالوزن أو العدد، لا طريق له. لذلك الزيادة فيها لا إشكال فيها.[114]
الشهيد الصدر: الأوراق النقدية من المثليات. لذلك الاحتياط أن يُترك التفاوت في جميع المثليات المطلقة إذا كان الطرفان من جنس واحد.[115]
آية الله الخوئي: تنزيل الأوراق النقدية جائز مطلقاً.[116]
الشهيد الصدر: تنزيل الأوراق النقدية جائز، لكن الدائن الذي له من زيد مئة تومان ويبيع شيكه إلى عمرو بثمانين تومان يأخذ الثمانين ويملكها، أما رجوع عمرو إلى زيد للمئة تومان فيه إشكال وتأمل.[117]
البيع الصرف
آية الله الخوئي: في صحة بيع وشراء الذهب والفضة شرط أن يتم القبض قبل الانفصال.[118]
الشهيد الصدر: شرط القبض يختص ببيع الذهب بالفضة أو العكس. أما في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، فالتقابض ليس شرطاً، بل عدم التناسي شرط، وهذا غير شرط القبض.[119]
شرط القبض في الصلح النقدي
آية الله الخوئي: التقابض في الصلح الذي يتعلق بالذهب والفضة ليس شرطاً، بل هو شرط في شرائهما وبيعهما.[120]
الشهيد الصدر: شرط التقابض حسب الاحتياط جارٍ أيضاً في الصلح النقدي.[121]
القبض في الأوراق النقدية
آية الله الخوئي: حكم الصرف لا يُطبق على الأوراق النقدية مثل الدينار العراقي والنوط الهندي والتومان الإيراني. لذلك في معاملتها لا يشترط القبض ولا الزكاة.[122]
الشهيد الصدر: احتياطاً، الأوراق النقدية المتداولة في هذا العصر محكومة بحكم الصرف. لذلك في صحة تداولها شرط التقابض، إلا إذا كان التومان إيرانيًا مقابل تومان إيراني فلا يشترط القبض، لكن الزيادة من طرف واحد غير جائزة.[123]
الشرط في مبادلة النقود
آية الله الخوئي: بيع درهم بدرهم آخر بشرط صياغة الخاتم غير جائز، لكنه يمكن أن يقول: صغ هذا الخاتم لأبيع درهماً بدرهم بحيث يكون البيع سبباً في صياغة الخاتم.[124]
الشهيد الصدر: الاحتياط هو ترك المعاملتين اللتين ينتج مجموعهما غرضاً ربويًا بحيث يكون أحدهما شرطاً للآخر، وإذا لم يكن أحدهما شرطاً للآخر فلا إشكال. من أمثلة الاحتياط أن يهدي شخص درهماً لآخر ويشترط أن يبيع درهماً بدرهم آخر، وأيضاً إذا قال أحد للصائغ: صغ لي هذا الخاتم لأحول درهماً إلى درهم آخر، هذه الأمور غير جائزة، لكن إذا كان أحد الدراهم دون الآخر فالشرط صحيح، مثل أن يقول صاحب الدرهم الدرجة الأولى لصاحب الدرهم الدرجة الثالثة: صغ لي هذا الخاتم لأبادل درهمك بدرهم الدرجة الأولى.[125]
شرط بيع السلف
آية الله الخوئي: في بيع السلف يجب أن تكون أوصاف المبيع محددة ومعينة. لذلك في الجواهر التي لا تُحفظ أوصافها بدقة، لا يصح بيع السلف.[126]
الشهيد الصدر: المعيار هو الحفظ والتحديد الشخصي وليس النوعي. لذلك إذا حُدّدت الأوصاف في حالات خاصة، يكون البيع صحيحاً، حتى وإن لم يكن تحديد الأوصاف ممكنًا بالنسبة للنوع.[127]
بيع الفواكه والخضروات والزراعة
آية الله الخوئي: بيع ثمار النخيل وغيرها من الأشجار السنوية قبل ظهور الثمار بدون إلحاق غير جائز، لكن بالإلحاق، وهو الأقوى، جائز.[128]
الشهيد الصدر: بيع ثمار النخيل وغيرها من الأشجار قبل ظهور الثمار بدون إلحاق سنوي، حسب الاحتياط غير جائز.[129]
تحقق البدوالصلاح في التمر
آية الله الخوئي: البدوالصلاح في التمر هو أن يكون عادة صالحاً للأكل.[130]
الشهيد الصدر: البدوالصلاح هو أن يصبح التمر ذا طعم، حتى وإن لم يكن صالحاً للأكل.[131]
[1]. منهاج الصالحين، ج2، ص26، مسألة 99.
[2]. المرجع نفسه، ص36، مسألة 13.
[3]. كتاب مبادئ منهاج الصالحين تأليف آية الله الحاج سيد تقي طباطبائي القمي بهدف بيان المستندات والأدلة على فتاوى حضرة آية الله الخوئي في منهاج الصالحين، وقد أقر معظم له محتوى الكتاب في المجلد الأول.
[4]. وسائل الشيعة، ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 28.
[5]. المرجع نفسه، الحديث 4.
[6]. المرجع نفسه، الحديث 6.
[7]. المرجع نفسه، الحديث 7.
[8]. المرجع نفسه، الحديث 8.
[9]. المرجع نفسه، الحديث 1.
[10]. المرجع نفسه، الباب 3 من أبواب الأنفال، الحديث 2.
[11]. المرجع نفسه، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 2.
[12]. آية الله تقي القمي، مبادئ منهاج الصالحين، ج7، ص563.
[13]. المرجع نفسه، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2، ص329.
[14]. المرجع نفسه، ج3، ص329.
[15]. المرجع نفسه، ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 13.
[16]. معجم رجال الحديث، آية الله الخوئي، ج13، ص63.
[17]. اقتصادنا، ج2، ص418.
[18]. المرجع نفسه.
[19]. وسائل الشيعة، ج17، الباب 3 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
[20]. المرجع نفسه، ج6، الباب 4 من أبواب الأنفال وما يختص بالإمام، الحديث 12، ص382.
[21]. نماذج من هذه الروايات قد تم بحثها سابقاً في قسم أدلة القول المشهور.
[22]. اقتصادنا، ج2، ص658.
[23]. المرجع نفسه.
[24]. محقق أصفهاني، هامش مكاسب، ج2، ص241.
[25]. هذا الأساس مأخوذ من عبارات آخوند خراساني.
[26]. هذا هو الأساس المشهور لدى الأصوليين.
[27]. اقتصادنا.
[28]. اقتصادنا، ج2، ص659.
[29]. المرجع نفسه، ص660.
[30]. المرجع نفسه، ص660.
[31]. اقتصادنا، ج2، ص660.
[32]. المرجع نفسه، ص661.
[33]. النساء، الآية 29.
[34]. اقتصادنا، ج2، ص661.
[35]. مفتاح الكرامة، ج7، ص3.
[36]. الشيخ الأنصاري، مكاسب، منشور ضمن منهاج الفقهاء، ج4، ص344.
[37]. اقتصادنا، ج1، ص417.
[38]. المرجع نفسه، ج2، ص662.
[39]. المرجع نفسه.
[40]. من بين المراجع اقتصادنا، الطبعة الصادرة عن مجمع الشهيد الصدر في عام 1408.
[41]. في مفهوم ومستفاد الهيئة التركيبية لقاعدة لا ضرر ولا ضرار بين الفقهاء اختلافات ومبادئ متعددة، وأهمها مبادئ الشيخ الأنصاري، وآخوند خراساني، والشيخ الشريعة، والإمام الخميني. فقط على أساس مبدأ فاضل توني الذي يقول: الضرر الذي لم يعوضه الشرع لا وجود له في الإسلام. لذلك، يستلزم نفي الضرر أن يحكم الشرع بالتعويض، وعلى هذا الأساس يمكن إثبات حكم القاعدة لا ضرر، وبالطبع على أساس مبدأ الشيخ والآخوند يمكن أيضاً إثبات الحكم بدقة.
[42]. مسألة 1، ص3.
[43]. منهاج الصالحين، آية الله الحكيم، هامش الشهيد الصدر، دار التعارف للمطبوعات، مسألة 1، ص5.
[44]. مسألة 8، ص5.
[45]. مسألة 12، ص8.
[46]. مسألة 15، ص6.
[47]. مسألة 15، ص9.
[48]. مسألة 17، ص7.
[49]. مسألة 17، ص10.
[50]. مسألة 19، ص7.
[51]. مسألة 19، ص11.
[52]. مسألة 23، ص8.
[53]. مسألة 23، ص12.
[54]. مسألة 24، ص8.
[55]. مسألة 24، ص12.
[56]. مسألة 28، ص9.
[57]. مسألة 28، ص14.
[58]. مسألة 31، ص9.
[59]. مسألة 31، ص14.
[60]. مسألة 35، ص10.
[61]. مسألة 35، ص15.
[62]. مسألة 39، ص10.
[63]. مسألة 39، ص17.
[64]. مسألة 1، ص13.
[65]. مسألة 1، ص20.
[66]. مسألة 48، ص14.
[67]. مسألة 2، ص20.
[68]. مسألة 50، ص14.
[69]. مسألة 4، ص21.
[70]. مسألة 58، ص16.
[71]. مسألة 1، ص24.
[72]. مسألة 85، ص23.
[73]. مسألة 1، ص32.
[74]. ص28.
[75]. مسألة 1، ص39.
[76]. مسألة 113، ص30.
[77]. مسألة 10، ص40.
[78]. مسألة 115، ص30.
[79]. مسألة 11، ص41.
[80]. مسألة 115، ص30.
[81]. مسألة 11، ص41.
[82]. مسألة 131، ص34.
[83]. مسألة 29، ص46.
[84]. مسألة 132، ص35.
[85]. مسألة 3، ص47.
[86]. مسألة 134، ص35.
[87]. مسألة 32، ص49.
[88]. ص36.
[89]. ص50.
[90]. مسألة 138، ص37.
[91]. مسألة 36، ص51.
[92]. مسألة 147، ص38.
[93]. مسألة 46، ص53.
[94]. مسألة 149، ص38.
[95]. مسألة 48، ص53.
[96]. ص39.
[97]. ص54.
[98]. مسألة 158.
[99]. مسألة 57، ص57.
[100]. ص42.
[101]. مسألة 63، ص59.
[102]. ص44.
[103]. مسألة 1، ص63.
[104]. مسألة 173، ص45.
[105]. مسألة 2، ص63.
[106]. مسألة 176، ص45.
[107]. مسألة 5، ص64.
[108]. مسألة 190، ص48.
[109]. مسألة 1، ص67.
[110]. ص52.
[111]. مسألة 1، ص71.
[112]. مسألة 217، ص54.
[113]. مسألة 13، ص74.
[114]. مسألة 220، ص54.
[115]. مسألة 17، ص75.
[116]. مسألة 220، ص54.
[117]. مسألة 17، ص75.
[118]. مسألة 222، ص55.
[119]. مسألة، ص76.
[120]. مسألة 3، ص76.
[121]. مسألة 3، ص76.
[122]. مسألة 226، ص56.
[123]. مسألة 4، ص77.
[124]. مسألة 242، ص59.
[125]. مسألة 18، ص81.
[126]. ص60.
[127]. مسألة 2، ص83.
[128]. ص62.
[129]. مسألة 1، ص87.
[130]. مسألة 254، ص62.
[131]. مسألة 2، ص8.

