ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: مفهوم و چیستی حکومت در اندیشه سیاسی شهید صدر ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص
يستنتج العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر، بناءً على الإيمان بالله، والتوحيد، والعدل الكلي، ثلاثة مبادئ هي: السيادة المطلقة لله على العالم، والسُنن الحاكمة على الوجود، وحرية الإنسان واختياره – بوصفه كائنًا عاقلًا -، والتي ينتج عنها قبول الخلافة والنيابة للإنسان من الله في قالب تكويني وفطري مع التأييد والقبول الشرعي. الجانب السياسي لهذه الخلافة والنيابة هو إدارة المصير المشترك الجماعي من خلال الحكم الذي لا يكون إلا مراعاة وحفظًا للحقوق، والهيئات، والمصالح العامة، ومصالح الدين الإلهي. هذا الحكم هو حق الناس ومسؤوليتهم بوصفهم خلفاء الله في الأرض. ومن ثم، فإن النظام الشعبي أو الديمقراطي يحظى أيضًا بتأييده، رغم أنه يؤمن أساسًا بالإمامة المنصوص عليها (استنادًا إلى نص العصمة). لذلك، يؤمن في زمن غيبة الإمام المهدي (عج) بأن الحكم يتكون من مجالين: خلافة الإنسان، التي تتحمل مسؤولية تشكيل مؤسسة الحكم التي تشمل السلطات التشريعية والتنفيذية، وشهادة «المرجع الفقيه العام»، أو مسؤولية الإشراف الشرعي على الحكم وبيان الأحكام والقضاء، وهو ما يسميه الحكم الجمهوري الإسلامي. تتناول هذه المقالة «مفهوم وطبيعة الحكم في الفكر السياسي للشهيد الصدر» تحليل هذا الموضوع من وجهة نظر ذلك الشهيد الجليل.
المؤلف: محمدحسین جمشیدی
المصدر: فصلنامه سیاست، مجلة كلية الحقوق والعلوم السياسية، المجلد ٣٨، العدد ٣، خريف ١٣٨٧، ص ١-١٨
المقدمة
الشهيد، أبو جعفر سيد محمد باقر الصدر، عالم وفيلسوف وباحث وفقيه معاصر يُعتبر من أعظم مفاخر الفكر والعلم في عصرنا، وُلد في الحادي والعشرين من شهر إسفند عام ۱۳۱۲ش في مدينة كاظمين بالعراق في أسرة متدينة وعالمة، واستشهد في التاسع عشر من فروردين عام ۱۳۵۹ في سجن نظام البعث العراقي. خلال حياته القصيرة، كتب في العديد من المجالات والأبعاد المعرفية التي تأمل فيها الإنسان، وقدم آراء وأفكارًا جديدة، حيوية، قائمة على أسس عقلية ومنطقية، ومنسجمة مع اعتبار الإسلام مذهبًا فطريًا وإنسانيًا قادرًا على حل أزمات الإنسان المعاصر من جهة، ومع مراعاة مقتضيات الزمان والمكان من جهة أخرى، خاصة في بعض هذه الأبعاد المعرفية والفكرية، لا سيما في مجالات السياسة، والاقتصاد، والفقه، والفلسفة.
لقد أحدث تحوّلًا جديدًا في المعارف الدينية الإسلامية والنظرة السياسية والروحية للإنسان، خاصة بالاعتماد على القرآن والسنة – بوصفهما كتابًا وبرنامجًا لهداية وسياسة الإنسان – وهو تحوّل يمكن ملاحظة مظاهره الواضحة في مؤلفات مثل «فلسفتنا» (صدر؛ ۱۴۰۸ ه.ق)، و«اقتصادنا» (صدر؛ ۱۳۹۹ ه.ق – ۱۹۷۹م)، و«الإسلام يقود الإحياة» (صدر، د.ت، أ)، و«الأسس المنطقية للاستقراء» (صدر، ۱۴۱۰ ه.ق)، وكذلك في نظريات مثل: نظرية خلافة الإنسان، الجمهورية الإسلامية، الثورة الشاملة السياسية – الاجتماعية، البنك بدون فائدة، التجديد الدائم في الاجتهاد، وغيرها.
واحدة من أهم المفاهيم والقضايا في السياسة والحياة السياسية هي «الحكم»، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعديد من القضايا السياسية الأخرى، إذ إن الحكم هو المؤسسة التي يمكنها تحقيق مسألة نيابة الإنسان من الله في الأرض. كما أنه ضرورة حيوية ودائمة للإنسان على الكرة الأرضية لا مفر منها، والدولة التي هي تجلٍ للنظام والتنظيم الاجتماعي لا معنى لها بدون حكم، بل إن الحكم هو الجهاز التنفيذي وتحقيق الدولة في المجتمع، وهو شرط حقيقي وضروري ولا مفر منه. ولهذا يقول أمير المؤمنين علي (ع):
«وإنه لابد للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في أمرته – المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفئ ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر» (مجلسی، 1416ه: 33/358).
(وبلا شك لا مفر للناس من حاكم وأمير، سواء كان صالحًا أو فاسقًا، يعمل في حكمه المؤمن ويستفيد منه الكافر، ويبلغ الله فيه الأجل، ويتجمع به التفرق، ويقاتل به العدو، وتؤمن به الطرق، ويُؤخذ به حق الضعيف من القوي، حتى يستريح الصالح ويستريح من الظالم).
في هذا التعبير المتين والعميق، تم بيان أهداف ومقاصد الحكم العامة، وتم التأكيد على ضرورته. بمعنى أن الحكم ضرورة للحياة الجماعية للإنسان، ولا مفر من وجوده ولا بديل له.
مع أن الحكم في الأصل هو الإمارة والقيادة والسيادة، وهو ما يدل على علاقة ثنائية الجانب قائمة على الأمر والسلطة من جهة، والطاعة والانقياد من جهة أخرى، إلا أن جوهره وحقيقته، وأنواعه وأشكاله، وكيفيته وقضاياه الأخرى، تشهد خلافات جدية بين المفكرين وأصحاب الرأي، حيث يركز كل مفكر على نوع أو شكل معين منه ويعتبره مرغوبًا، وأحيانًا يميز بين جوهره وقضاياه وأنواعه الأخرى. على سبيل المثال، يذكر أفلاطون حكم الفلاسفة كأفضل نوع من الحكم، بينما يرى أرسطو أن الحكم الملكي هو الأفضل (عالم؛ 1375:269)، أو أن المفكرين السياسيين غالبًا ما يصنفون أنواع الحكم، فمثلًا أرسطو يصنف الحكم بناءً على معيارين: عدد الحكام وهدف الحكم. وكان يقول:
«يجب أن تكون الدولة في خدمة “الخير العام”، وفي هذه الحالة يكون تأسيسها صحيحًا أو طبيعيًا وسليمًا، أو في خدمة مصالح شخصية أو جماعية للحكام، وفي هذه الحالة يكون تأسيسها خاطئًا ومنحرفًا أو فاسدًا.» (المرجع نفسه).
تنوع وجهات النظر حول الحكم أدى إلى ظهور أنواع من المدارس والاتجاهات في هذا الخصوص.
الشهيد صدر من المفكرين والباحثين الذين تناولوا مسألة الحكم بدقة وتأمل، معتمدين على الأصل الأساسي والحاسم وهو الفطرة الإنسانية، حيث اعتبروها ضرورة حيوية للإنسان وضرورة أساسية للحضارة والمجتمع البشري، ومؤسسة تنفيذية وتشريعية وقضائية للدولة، وواحدة من شؤون السياسة والإنسان التي تضمن مصالحه وسائر شؤونه. بحيث يمكن، كما يقول بعض المحققين، اعتبارها «أهم وجه من أوجه سيادة الدولة» (بشیریه: 1352: 6) التي لها أوجه أساسية قانونية وتنفيذية وقضائية، تتعلق بوضع القانون وإقراره وتنفيذه في المجتمع، والإشراف على حسن تنفيذه، وهو ما يصفه الشهيد صدر بـ «و هي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الاسلامي» (صدر؛ 1422ه- 2001م: 78).
وبالنظر إلى أهمية الحكم، لا سيما من منظور المدرسة الإسلامية، والمكانة التي يحتلها الشهيد صدر بين المفكرين المعاصرين في تناول مسألة الحكم، فإن الاطلاع على أفكاره ومقترحاته في هذا الخصوص يمكن أن يكون مؤثراً في تحديد مصير مجتمعنا اليوم. ومن ثم، سنتناول في هذا المقال باختصار مفهوم وطبيعة الحكم من وجهة نظر هذا المفكر الكبير.
1- أساس ومنطلق نظرية صدر
الأساس المحوري والحاسم في الفكر السياسي للشهيد السيد محمد باقر صدر هو «التوحيد»، أي التوحيد الإلهي ومحورية الله. في هذا المنظور، الله خالق وموجد عظيم وكامل، خلق على أساس العدل، ومنبع من العلم والحكمة والقدرة المطلقة لله، وهو تحت تدبير وإرادة أزلية أبدية دائمة. وبناءً عليه، وجود العالم ليس أمراً عبثياً أو بلا هدف. وفي هذا الرأي، الإنسان أيضاً، باعتباره قمة الوجود وأكمل المخلوقات التي تميزت بعنصرين هما العقل والحرية، ليس مخلوقاً مهجوراً بلا هدف أو متروكاً أو خاضعاً لقوانين الطبيعة الجبرية.
لذا، من جهة، الله الواحد له السيادة المطلقة على الكون والإنسان، ومن جهة أخرى، الإنسان ككائن صاحب عقل، له كرامة فطرية وجوهرية، ولذلك صار حاكماً على مصيره.
«ولقد كرّمنا بني آدم… وفضّلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلاً» (قرآن؛ سوره اسراء: 70)
(وبالطبع قد كرمنا بني آدم… وفضلناهم على كثير من مخلوقاتنا تفضيلاً.)
الفضل والكرامة الطبيعية للإنسان ناتجة عن تمتع الإنسان بالعقل والاختيار. كل ما يمنح الإنسان الشرف هو القدرة على التفكير والإدراك التي تعطيه الوعي والقدرة على التمييز، ولذلك وُضع تدبير مصيره في يده، مما يجعله كائناً حراً مختاراً. كما أن العالم يُدار وفق إرادة الله وسننه، والإنسان حر ضمن إطار هذه السنن والقوانين الإلهية. بناءً عليه، لا يملك أحد سلطة على الآخر. وحرية الإنسان أمر طبيعي وفطري وليس مكتسباً أو مصطنعاً.
القوانين والسنن الإلهية، حينما تتعلق بحياة الإنسان، تأخذ طابعاً إنسانياً، ويمكن للإنسان اكتشافها ودراستها، وهي تخضع له، لذا لا تتعارض مع «العقل» و«حرية» الإنسان. ومن ثم، تنبع ثلاثة مبادئ رئيسة من التوحيد، وهي:
1- مبدأ السيادة المطلقة لله على العالم والإنسان
2- مبدأ السنن الإلهية الحاكمة على الكون أو قوانين الخلق والوجود
3- مبدأ حرية الإنسان واختياره
بناءً على السيادة المطلقة لله والسنن الطبيعية والفطرية الحاكمة على الكون، جعل الله الإنسان خليفة له في الأرض بسبب امتلاكه العقل والاختيار، وهكذا صار الإنسان حاكماً على مصيره. يشير الشهيد صدر إلى هذه السيادة البشرية بمصطلحات «الاستيلاء» و«الاستئمام» و«الخلافة العامة للإنسان في الأرض». ومن جهة أخرى، تحمل الإنسان مسؤولية تحقيق خلافته العامة في الأرض، ولذلك أُطلق على هذه السيادة من الجانب البشري اسم «الأمانة». وهذه العرض والقبول لهما جانب فطري وطبيعي وليس تشريعياً (صدر، 1399ه؛ خ: 16- 8 و 1359: 11-9). وقد عبّر حافظ هذا المعنى في أدبه قائلاً:
دوش ديدم كه ملائك در ميخانه زدند
گِل آدم بسرشتند و به پيمانه زدند
ساكنان حرم سر و عفاف ملكوت
با من راه نشين باده مستانه زدند
آسمان بار امانت نتوانست كشيد
قرعه ي كار به نام من ديوانه زدند …
(دیوان حافظ؛ 1381: 241/ 174)
من جهة أخرى، وبالنظر إلى مشكلات الإنسان في تحقيق هذه الخلافة… ولمنع انحرافها، رسم الله إلى جانب خط الاستيلاء التكويني، خط الشهادة والإقرار (التشريعي) لمساعدة البشر على تحقيق النصر. ومن نظريات «الاستيلاء» أو «خلافة الإنسان» و«الشهادة» يُستنتج أن كلا الخطين، الخلافة والشهادة، يمتدان على جميع أبعاد الحياة البشرية. ولكن في هذا السياق، أبرز جوانبها، لا سيما خط الخلافة العامة، هو الجانب السياسي والسلطوي.
2- السياسة والنظام السياسي
أبرز أبعاد «خلافة الإنسان في السياسة» تتجلى، والسياسة شأن إنساني نابع من عقل الإنسان وحرية إرادته، بالإضافة إلى ميله إلى «المدنية» أي العيش مع الآخرين في جماعة مع التدبير والإدارة، وهي أهم طريق لتحقيق السعادة للإنسان. وهذا يعني أن أعظم واجب (التكويني والفطري) للإنسان و(التشريعي) أي الدين والشريعة السماوية هو جزء من السياسة وتحقيقها. لذلك، في هذا المنظور، السياسة أولاً شأن من شؤون الإنسان متجذر في طبيعته وفطرته، أي أن الإنسان بطبعه حيوان سياسي أو مدني – وليس اجتماعياً فقط.
وقولنا إن السياسة شأن الإنسان يعني أنه كائن بطبيعته، بناءً على قوتين هما العقل والاختيار (الحرية)، يختار العيش في المدينة ويؤسسها على السلطة والطاعة (الأمر والنهي).
ثانياً، السياسة هي توجيه الإنسان نحو التقدم والنمو والتطور والكمال؛ لذلك، السياسة ليست مجرد إدارة أو ممارسة السلطة أو الحكم على الآخرين، بل هي قيادة الإنسان وتوجيهه في مسار يتوافق مع فطرته.
ثالثاً، السياسة في هذا المنظور هادفة وموجهة، وهدفها هو رفع الإنسان إلى مستوى أعلى، وبالتالي تحقيق سعادته الحقيقية. لذلك، السياسة في الأصل تجنب كل أنواع الافتراء والكذب والفساد والمكر. إذن، السياسة مسؤولية الإنسان، وكما يقول الشهيد صدر:
«المقصود من مسؤولية الإنسان هو أن الإنسان كائن حر، وبدون الحرية لا معنى للمسؤولية. ومن هنا يمكن استخدام عنوان خليفة (نائب الله) لوضع الإنسان على الأرض. [وقيل] إن الله وضع كائنًا حرًا مختارًا على الأرض ليكون بإرادته «مصلحًا» أو «مفسدًا في الأرض» ويختار طريقه بحرية. (صدر؛ د.ت.؛ الف: 137، صدر؛ 1399ه؛ خ: 14، صدر؛ 1359: 14).
في النظرة الصدرية، هذا الاختيار عندما يكون في الاتجاه الصحيح والمنطقي هو «السياسة» التي تمثل تحقيق مسؤولية الإنسان في ارتباطه بفطرته. ففي هذه النظرة:
«المجتمع الإنساني قبل أي تبعية أو انتماء، مرتبط ومنسوب إلى مركز واحد، وهذا المركز هو مركزية الخلافة، أي الله تعالى الذي جعله خليفة له على الأرض. الخليفة الإلهي الإنسان يعني الإيمان بمرتكز، الإيمان بمن هو المالك وصاحب الاختيار له وله وللعالم وكل ما فيه.» (صدر؛ د.ت.؛ الف: 135؛ صدر؛ 1399ه. خ؛ صدر؛ 1359:11: 11).
وهذا يعني أن في نظره «السياسة» والخلافة والمسؤولية؛ كلها تحمل لونًا إلهيًا مزروعًا في ذات الإنسان، كما جاء في القرآن: «صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون» (بقرة: 138).
وبالاستناد إلى هذه الآية، يعتبر خلافة الله في الأرض التي السياسة أهم أبعادها وأساس حكم الإنسان على الوجود» (صدر؛ د.ت.؛ الف؛ 134؛ صدر؛ 1399. خ؛ 10، صئر, 1359؛ 11-10) صفة وميزة إلهية متجذرة في فطرة وذات الإنسان، ومغروسة في نسيج الإنسان، ونتيجتها أن يكون قادرًا على إقامة دولة ونظام سياسي صحيح، مرغوب، ومناسب في المجتمع البشري. ثم في البعد السياسي لخلافة الإنسان من قبل الله الواحد على الأرض، يكون الإنسان بناءً على فطرته وطبيعته وخلقه أو تكوينه الإنساني، وكذلك بناءً على الشريعة وأمره، قادرًا وممكنًا أن يؤسس مثل هذا النظام، وهو مسؤول وملتزم تجاهه؛ أي مسؤول وملتزم بتشكيل النظام السياسي في مجتمعه وتحديد وإدارة مصيره المشترك مع الآخرين، ولا يمكنه أن يشعر بالعجز أو الضعف أو الجهل أو اللا مسؤولية تجاه أمر مهم كهذا. ومن الطبيعي أنه حتى يتحقق هذا البعد من خلافة الإنسان أي السيادة السياسية للبشر على الأرض، ولا تتخذ السلطة والقوة في المجتمع شكلًا خارجيًا وواقعيًا وقانونيًا مقبولًا ومشروعًا، فلن تتحقق الأبعاد الأخرى أيضًا. أي أن الإنسان لن يستطيع أن يكون خليفة الله في الأرض في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية والأخلاقية والشرعية وغيرها. وليس من قبيل الصدفة أن تؤكد الروايات عن أئمة الإسلام المعصومين على «الإمامة» و«الولاية» كأساس وأساسيات لبقية أركان الدين والشريعة. على سبيل المثال؛ يقول الإمام الرضا(ع): «إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي.» (ری شهری؛ 1419ه: 1/114).
لا شك أن الإمامة والقيادة هي أساس ازدهار الإسلام وفرعه النامي.
ويقول الإمام محمد الباقر(ع):
بني الإسلام على خمس، على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية (المرجع نفسه).
أي: الإسلام مبني على خمسة أركان، وهذه الأركان والأعمدة هي:
1- الصلاة 2- الزكاة 3- الصوم 4- الحج 5- الولاية
وكما دُعي إلى الولاية لم يُدعَ إلى شيء آخر.
ويقول الإمام السابع(ع):
«فجميع ما حرم الله في القرآن هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الجور وجميع ما أحل الله تعالى في الكتاب هو الظاهر والباطن من ذلك أئمة الحق» (کلینی: 1365: 1/374).
3- الدولة والحكومة
في النظرة السياسية للشهيد الصدر، الدولة هي نتيجة تحقيق دور خلافة الإنسان في السياسة والبعد السياسي، ومن هذا المنطلق هي مظهر وتجلي للوحدة السياسية للشعب، ويكتب في هذا الصدد:
«هي المظهر الأوحد للوحدة السياسية التي توجد بين جماعة من الناس» (صدر؛ 1989م: 141 رقم؛ الحسینی؛ 1989م- 1410هـ: 346).
الدولة هي أعلى مظهر وتجلي للوحدة السياسية التي توجد بين مجموعة من الناس. وفي هذه النظرة؛ يؤكد على عنصر «الوحدة السياسية» ويعتبرها السبب والعامل الأساسي لتشكيل الدولة، فهذه الوحدة أي الوحدة السياسية هي انعكاس للوحدة العامة للبشر، كخلفاء الله على الأرض، والتي قد تكون مبنية على العواطف والمشاعر (الوحدة العاطفية) أو مبنية على الفكر والتفكير (الوحدة الفكرية) (جمشیدی: 1377: 232- 231)، ومن هذين النوعين من الوحدة، النوع الثاني أي الوحدة الفكرية هو الذي يمكن أن يكون أساسًا قويًا لتأسيس الدولة وتشكيل الحكومة.
«وكانت الوحدة الفكرية والفكرية وحدة مناسبة ومرغوبة لدراسة علمية لسبب الوحدة السياسية التي تتجلى في الدولة.»
في فكر الشهيد الصدر، الدولة من ناحية أخرى ذات أصالة وحقيقة، أي «الدولة ظاهرة أصيلة ومتوافقة مع رغبات وميول الإنسان (جمشيدي؛ 1377: 235) وتعتمد على الفطرة والاحتياجات الذاتية والحقيقية له، وبالتالي فهي في الأصل ليست خاضعة لظروف ومتطلبات الحياة الاجتماعية بحيث تكون مطلوبة في وقت وغير مطلوبة في وقت آخر.
ومن ناحية أخرى، الدولة ضرورة. الحياة المدنية والسياسية، الحياة الجماعية للبشر العاقلين والأحرار؛ على هذا الأساس هي ملازمة ومرافقة للحياة الاجتماعية والمدنية للإنسان. وهذه الضرورة عندما تقع ضمن إطار النظرات الدينية لجماعة ومجتمع، تأخذ بعدًا شرعيًا ودينيًا أيضًا. بمعنى أنها تتمتع بالضرورة المزدوجة الطبيعية والفطرية أو التكوينية، والشرعية أو الدينية معًا. على سبيل المثال، يكتب عن الدولة الإسلامية:
«الدولة الإسلامية ليست مجرد ضرورة دينية فقط، بل إضافة إلى ذلك هي ضرورة حضارية. لأنها الطريق الوحيد الذي يمكن أن يزهر فيه قدرات الإنسان في العالم الإسلامي ويصل به إلى مكانته الطبيعية والخاصة في الحضارة الإنسانية ويخلصه من التشتت والدمار المتعدد الألوان» (صدر؛ د.ت.، الف،: 175، و 1399ه؛ م: 5).
في نظر الشهيد الصدر، الحكومة هي أحد الأركان والعناصر الأساسية والمهمة للدولة، ركن يتجلى بشكل كامل في شكل رمزي. وبناءً على رأي المفكرين والعلماء في السياسة والقانون، فإن للدولة أربعة أركان أساسية وهي: الأرض (البيئة المعيشية)، السكان (مجموعة من الناس)؛ السيادة (تمتع سكان الأرض بحق النفوذ والسيطرة عليها) والحكومة (الركن التنظيمي والعملي والرمزي للدولة). وجود هذه الأركان الأربعة يدل على وجود الدولة في أي مجتمع وأرض. على سبيل المثال، يكتب كارل دو مالبر:
«جماعة بشرية، مستقرة في أرض مخصوصة، ذات تنظيم تكون نتيجته لهذه الجماعة المعنية وفي علاقتها بأعضائها قوة عليا في الأداء، القيادة والإجبار. (قاضی؛ 1370: 179).
من وجهة نظر الشهيد الصدر، الدولة الإسلامية ككيان سياسي – اجتماعي كامل ذو شخصية قانونية مستقلة ومبني على الإسلام، وتضم العناصر الأربعة التالية.
1- الوطن الإسلامي (دار الإسلام)؛ هو الإقليم والأرض التي يقيم فيها المسلمون ويستقرون، وفي الظروف المعاصرة التي تحكم العالم حيث تجلت الوحدات السياسية على شكل أمة أو دولة – أمة؛ يمكن للوطن الإسلامي أن يكون جزءًا من دار الإسلام، وفيه تُنشأ دولة إسلامية – قائمة على القوانين والأحكام الإسلامية، وتكون لها حدود جغرافية وعرفية محددة. والمقصود بدار الإسلام، التي تُعتبر الوطن العام للمسلمين وأرض الإسلام، هو جميع البلدان والأراضي الإسلامية أو أماكن إقامة جميع المسلمين في العالم التي تمارس عليها السيادة.
2- الأمة الإسلامية؛ المقصود بالأمة الإسلامية هم الناس المسلمون الذين يتبعون الدين الإسلامي، ولها مفهومان عامان:
أ) الأمة الإسلامية بمعنى جميع المسلمين في العالم؛
ب) الأمة الإسلامية بمعنى المسلمين المستقرين في نطاق جغرافي وأرضي محدد، وبمعنى الأمة المسلمة التي تعيش في دولة بالمعنى الحديث، ولها دور في شؤونها المشتركة.
3- الخلافة السياسية؛ المقصود بـ«الخلافة» السياسية هو ولاية الإنسان مكان الله على الأرض من الناحية السياسية، وهو يعبر عن مبدأ سيادة البشر على مصيرهم، وبمقتضاه يمكن للبشر أن يديروا نيابة عن الله مصيرهم وما يتعلق بهم. وهذه السيادة السياسية للبشر أو الخلافة السياسية تقع ضمن السيادة المطلقة لله على الكون، وتنشأ منها. وفي الإسلام، هذا النوع من السيادة مقبول للبشر، ولذلك فإن السيادة السياسية أو حق السيادة السياسية من أركان وعناصر تكوين الدولة في الإسلام؛ لأنه بدون وجود هذا الحق وهذه العلاقة بين الإنسان والأشياء (الأرض وكل ما فيها والذي يتعلق بالبشر) يصبح تأسيس الدولة وإقامة الحكم مستحيلًا. وبالفعل يمكن القول إن الخلافة السياسية والحكم نوع من العلاقة بين الإنسان ونفسه والأشياء والشؤون، والتي تُعبّر عنها في اللغة السياسية والقانونية بالحق، وهي الأساس والركيزة الأساسية في تكوين الدولة.
4- الحكم الإسلامي: المقصود بالحكم هنا هو المؤسسة والتنظيم والهيئة التنفيذية والقانونية والقضائية للدولة، والمقصود بالإسلامية هو التزام هذه المؤسسة والتنظيم والهيئة بالإسلام وقوانينه وأنظمته.
بوجود العناصر الثلاثة: الوطن الإسلامي (دار الإسلام)، والجماعة الإسلامية (الأمة)، والسيادة السياسية (الخلافة)، يتوفر إمكانية تكوين العنصر الرابع وهو الحكم. وعلى هذا الأساس، يُعتبر الحكم الركن والعنصر الظاهر والعملي والتنظيمي والمؤسسي للدولة في الإسلام. والخلافة أو السيادة تشكل الأساس البنائي له. وبعبارة الشهيد الصدر:
«وهذا يعطي المفهوم الأساسي للإسلام عن الخلافة، وهو أن الله سبحانه وتعالى أناب الجماعة البشرية في الحكم وقيادة الكون والعمارة اجتماعياً وطبيعياً، وعلى هذا الأساس تقوم نظرية حكم الناس لأنفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية حكم نفسها بوصفها خليفة عن الله (صدر؛ 1399ه: 10، صدر؛ د.ت.، الف: 134).
وهذا هو المفهوم الأساسي للإسلام من خلافة الإنسان على الأرض؛ أي أن الله الواحد المنزه والمتعال قد أناب جماعة البشر في حكم وقيادة العالم وإعماره من الناحية الاجتماعية والطبيعية. وعلى هذا الأساس تُبنى وتُؤيد نظرية حكم الناس لأنفسهم، كما أن تحقق حكم الناس لأنفسهم كخلفاء الله على الأرض له بعد شرعي أيضًا.
4- ماهية الحكم
الحكم مشتق من أصل «حكم» ويعني تقييد فم الحصان باللجام، والمنع (دهخدا؛ 1383، حکم)، والثبوت، والاستقرار، والإتقان، والمنع والردع من أجل الإصلاح وترتيب الأمور. على سبيل المثال، يكتب راغب: «أصله منع منعاً للإصلاح» (راغب، 1404ه: 126)، أو «فإن الحكم أن يقضي بشيء على شيء» (المرجع نفسه: 127)، أو يورد دهخدا: «المنع والردع عن الفساد… الأمر، التمثيل، الأمر، الفتوى، القضاء، الحكم، إصدار الأحكام، إصدار الأوامر، الفتوى، إبداء الرأي، حكم القاضي، إصدار الرأي، المحكمة، القانون، القاعدة، القضاء، الحكم، القضية … (دهخدا: حكم)». أما في الاصطلاح، فالحكم يعني السيادة، والسلطة، وإدارة الشؤون العامة أو قيادة المجتمع (الإمامة).
في علم السياسة، يُعتبر الحكم عادة مجموعة من المؤسسات العامة التي تُنشأ بهدف تأمين العلاقات الاجتماعية الصحيحة، والحفاظ على النظام في المجتمع، وتنفيذ القوانين، وتأمين المصالح العامة. وأحيانًا يُقصد به «السلطة التنفيذية» – في الأنظمة القانونية الحديثة المبنية على فصل السلطات – (آشوری، 1366: 241). والمصطلح الإنجليزي المقابل لهذه الكلمة هو government، الذي يعني التنظيم السياسي والإداري للدولة، وكيفية وأساليب إدارة دولة أو وحدة سياسية وتنظيمات حكومية (آقا بخشی، 1363: 110). يكتب العلامة الصدر في تعريف الحكم من وجهة نظر الإسلام:
«الحكم في الدولة الإسلامية هو مراعاة وحفظ شؤون الأمة على أساس الشريعة الإسلامية، ولهذا السبب كثيرًا ما يُطلق على الحاكم (السلطان) اسم «راعي» وعلى المحكومين (الشعب) اسم «رعية»، كما ورد في الحديث الشريف (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيته) (مجلسی 72/38 و …).» (صدر؛ 1989م – 1410ه: رقم 6).
هنا يولي الإمام الشهيد اهتمامًا لمفهوم ومضمون النظرية والماهية أو جوهر الحكم، لا إلى شكله الظاهري كمؤسسة. واستنتاجنا من هذا القول هو أن الحكم يعني حفظ مصالح وشؤون الأمة، والحكم الإسلامي يحفظ مصالح وشؤون الأمة الإسلامية داخل الدولة الإسلامية وعلى أساس الشريعة والدين الإسلامي. وعند دراسة التعريف السابق، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:
1) تنشأ الحكومة داخل الدولة الإسلامية لتحقيق أهدافها؛ ومثلها العليا ومسؤولياتها، وهي في الواقع جزء أو ركن من الدولة والنظام السياسي العام للمجتمع. لذلك يمكن للدولة الإسلامية أن تؤسس حكومتها لتحقيق أهدافها، وخاصة أهمها، أي مراعاة وحفظ مصالح وشؤون المجتمع على أساس الدين الإسلامي ومع مراعاة مقتضيات الزمان.
2) الحكومة ليست مجرد مجموعة من المؤسسات والتشكيلات السياسية، بل هي قبل ذلك مفهوم أساسي وجوهري، والمؤسسات والتشكيلات السياسية هي المظهر الظاهري وأدوات تحقيق هذا المفهوم. بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى الحكومة في هذا المنظور كأداة وأيضًا كهدف.
3) أساس الحكومة هو الدين الإسلامي كمذهب حق ومنطق يتوافق مع فطرة الإنسان. لذلك، يتم الحفاظ على مصالح الأمة بناءً على هذا الأساس، ولأن هذا الأساس له جانب تكويني، فإن الحكومة تتشكل وتتقدم على أساس الفطرة الإنسانية الطاهرة، ومن جهة أخرى، للحكومة أساس تشريعي أيضًا؛ أي أنها تؤيد من جهة الوحي.
4) في نظر الشهيد الصدر – اتباعًا لرسول الله (ص) – الحكومة هي «رعاية» والحاكم هو «راعي» والشعب هو «رعية»، وهذه الكلمات الثلاثة مأخوذة من جذر «رعي» الذي يعني في الأصل العناية والحفظ بالحيوان، إطعامه والاعتناء به أو بمعنى «الحراسة». يكتب راغب في المفردات:
5) «الرعي في الأصل حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته؛ وإما بذّ العدو عنه …» (راغب؛ 1404: 198).
(الرعي في الأصل هو حفظ الحيوان إما من خلال تغذيته التي تحافظ على حياته أو بحمايته من العدو.)
وقد وردت كلمة «رعي» و«رعاية» في غيرها من المعاجم العربية بنفس المعنى. وهذه الكلمة في المفهوم السياسي الاصطلاحي تعني الحراسة، الدعم، الحفظ، العناية والسياسة، مثلًا:
«(رعى الأمير رعيته رعاية)» أي أن الملك (الأمير) حمى ودعم أمته.» (البستانی؛ 1362: 16)
«وجعل الرعي والرعاء للحفظ والسياسة» (راغب؛ 198)
(وقد جُعلت كلمتا رعي ورعاء للدلالة على الحفظ والسياسة.)
«(الرعي) أيضًا الحكومة والسياسة … (الرعاية) … بمعنى الملاحظة والتدبر…) (الشرقی، 1366: 1762)
والآن، بناءً على النقاش اللغوي أعلاه، ندرك أن أحد معاني هذه الكلمة الاصطلاحية (رعي) هو الحراسة، العناية، الحفظ، السياسة، والراعي هو السياسي، المدير، المدبر، الحارس، والهادي والمراقب، وكل حارس ومراقب هو راعٍ:
«ويسمى كل سائس لنفسه أو لغيره راعياً …» (راغب: 198)
(وكل سياسي أو سائس، سواء كان يراقب نفسه أو غيره، يسمى راعياً.)
ومن اللافت أن استخدام كلمة «رعاية» بمعنى «السياسة» في اللغة العربية له تاريخ طويل جدًا، وأحد الأمثلة التي نقلناها أعلاه يعود إلى أواخر القرن الخامس الهجري. بناءً على ذلك، فإن الرعية تعني الأمة أو الشعب أو أي شيء يخضع للرعاية والمراقبة والسلطة، والرعاية تعني الحراسة، السياسة، القيادة والتوجيه.
«(الرعية) الماشية: الراعية والمراعية والقوم – عامة الناس – الذين عليهم راع …» (الشرقی: 2/176 – 175).
للأسف، في الثقافة العامة وأحيانًا في الفقه، تم فهم خاطئ لكلمتي راعي ورعية، حيث فُسر الراعي بمعنى «القيّم» والرعية بمعنى من يجب أن يكون تحت الوصاية، ومن هذا المنطلق شُبّه المجتمع والشعب بالصغار والجهلاء والمجانين والأغنام الذين يحتاجون إلى قيّم أو راعٍ، وهذا غير صحيح، ولا يستخلص من مفهوم الرعاية هذا المعنى – لا في المعنى اللغوي ولا الاصطلاحي.
بعد عرض التعريف أعلاه، يطرح الشهيد الصدر أن الحكومة على أساس المذهب الإسلامي لها خاصيتان:
1) التطبيق العملي لمفهوم «الرعاية» و«السياسة» والحفاظ على مصالح وشؤون الأمة وتطبيق الأحكام السياسية للإسلام عليها.
2) السياسة والحكومة في ذاتها متوافقة مع نظام الحكم وشكل الرعاية في الإسلام.
(إن تكون الرعاية نفسها متفقة مع نظم الحكم وشكل الرعاية في الإسلام) (صدر، 1989، 1410ه: رقم 6).
لذلك، يرى الصدر أن الحكومة ليست مجرد منفذة لأحكام الإسلام، ولا تقتصر على مطابقة سلوكها وأدائها في إدارة شؤون الأمة مثل الجهاد والاقتصاد والعلاقات السياسية مع الإسلام، بل يجب أن تكون في ذاتها، جوهرها، ماهيتها ومضمونها منطقية ومتوافقة مع قوانين الإسلام (المرجع نفسه).
ولمراجعة ضرورة وجود الحكومة الإسلامية من وجهة نظر الصدر، يجب العودة إلى ضرورة الدولة الإسلامية، لأن الحكومة هي مؤسسة سياسية وتنفيذية وتنظيمية، بالإضافة إلى كونها مفهومًا من مفاهيم الدولة، والدولة هي التي تؤسسها لتحقيق أهدافها. لذلك، كما أن الدولة الإسلامية لها ضروريات عقلية وتكوينية وتشريعية واجتماعية، فإن الحكومة تتشكل على أساس الضروريات التي أوجدت الدولة. أي أن الدولة الإسلامية منذ اللحظة الأولى التي تشكلت فيها الأرض (المدينة) أنشأت حكومة كان فيها بعض الناس حكامًا والبعض الآخر محكومين – ومن خلال ذلك حققت سيادتها.
لذلك فإن مكانة الحكم تقع في مركز ومحور الدولة، أي يمكن رؤية تحقيق الدولة عمليًا وشكليًا في قالب الحكم. رغم أن حق السيادة هو العنصر الأساسي للدولة، وإذا انتزعناه من الدولة، فلن توجد دولة بعد ذلك، إلا أن الدولة تحقق سيادتها فقط من خلال تشكيل الحكم والمؤسسات السياسية في المجتمع. لذلك، كيف يمكن فهم أن مجموعة من الناس تمتلك السيادة، وبالتالي وجود دولة، بدون وجود حكم؟
5- الحكم المثالي عند العلامة صدر
الإمام صدر فيما يتعلق بنوع الحكم، قبل الحكم العادل والقانوني، ويذكره تحت هذا العنوان بالذات، فالحكم القانوني يعني الحكم الذي يكون في مضمونه وطبيعته وأساسه ووظائفه معتمدًا على قوانين العقل والشريعة، والحكم العادل هو ذلك الذي يشكل العدالة أساسه وهدفه وغايته. أما فيما يخص شكل الحكم، فيضع الأصل على الشكل الإلهي (المنصوص) للحكم، الذي يعتبره أصلًا كليًا وثابتًا ولا يتغير. أي أنه في الأصل يؤمن بأصل الإمامة المنصوص عليها (الإمامة بالأصالة). والآن، ما هو رأيه في شكل الحكم في زمن غيبة الإمام المهدي (ع) أو في زمن غياب تحقق الإمامة المنصوص عليها بشكل ظاهر؟ مع العلم أن فقهاءنا غالبًا ما يقولون إن الأساس في الحكم هو النوع والطبيعة، وليس الشكل الذي لم يحدده الشرع، بل يحدده مقتضيات الزمان والمكان. في مناقشات الشهيد صدر حول الحكم في زمن الغيبة، تظهر ثلاث نظريات:
1) نظرية الحكم الشوروي، التي طرحها في “الأسس الإسلامية” ومن الناحية الزمنية حوالي عام 1958 ميلادي.
2) نظرية ولاية المرجع (الصالح والرشيد) التي وردت في المناقشات الفقهية في “الفتاوى الواضحة”.
3) نظرية الحكم المركب (حكم شورى الأمة + إشراف وشهادة المرجع الفقيه) التي طرحها في مجموعة “الإسلام يقود الحياة” – وفي أواخر حياته الشريفة.
لهذا السبب، ذكر بعض تلامذته وأتباعه أن الحكم الذي كان يقصده في البداية كان حكمًا شورويًا، لكنه فيما بعد تراجع عن تلك النظرية وطرح نظرية ولاية المرجع (حکیم؛ 1408ه: 1-2)، ووفقًا لبعض الآخرين؛ فقد انتهى به المطاف إلى مزيج من النظريتين. فقد اعتبر الفريق الأول الحكم الذي كان يقصده الشهيد صدر “ولاية الفقيه” مع “ولاية الفقيه المطلقة”، واعتبر الفريق الثاني “الحكم المركب”، وبعضهم “الحكم الشوروي”. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر بعض الكتاب مثل هراير دكمجيان “ولاية المرجع” التي يقصدها صدر مرادفة لـ”ولاية الفقيه” التي يقصدها الإمام الخميني (ره) (دکمجیان، 1366: 201). لتوضيح الأمر وفهم نظرية الشهيد صدر حول الحكم الذي يقصده في زمن الغيبة، نطرح النقاش التالي. كان الخط الفكري للشهيد صدر حول شكل الحكم في زمن الغيبة ثابتًا تقريبًا طوال حياته؛ لأنه في “الأسس الإسلامية” حيث يطرح الحكم الشوروي، يرى أن الولاية في “القضاء” والولاية في “التبليغ وحفظ الإسلام” من صلاحيات المرجع الفقيه العام (ولاية المرجع). ومن ناحية أخرى، في المناقشات الفقهية يتحدث عن صلاحيات المرجع أو ولاية المرجع – بشكل عام وشامل – وليس عن نوع وشكل الحكم أو حدود ومقدار الصلاحيات الحكومية والخصائص الأخرى له. أي أنه يذكر فقط أن المرجع العام له ولاية، لكنه لا يحدد حدودها ومقدارها – أي في أي أبعاد وكيف تكون. كما أنه في “الإسلام يقود الحياة” حيث يوضح صراحة الحكم الذي يقصده، يركز على الشكل المركب (حكم شورى الأمة + إشراف ورقابة شرعية للمرجع العام) الذي يتوافق مع رأيه في “الأسس الإسلامية” وكذلك مع مناقشاته الفقهية. لذلك، لم تتغير نظريته – كما ظن البعض – بل تم التعبير عنها بشكل أوضح في كتاب “الإسلام يقود الحياة”. أما ما قاله البعض:
«بعد فترة حصل الشهيد صدر على وثاقة توقيع الإمام المهدي (ع) (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله …) واستخدمها للاستدلال على ولاية الفقيه…» (حکیم: 9).
فهذا لا يبدو صحيحًا على الإطلاق. لأن العلامة صدر من جهة في بيانه للحكم المركب (الجمهورية الإسلامية) يستند إلى هذا التوقيع الشريف لإثبات إشراف المرجع على الحكم وولايته في القضاء والتبليغ وحفظ الدين، وليس في صلاحيات وسلطات حكومية أخرى. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر هذا الإشراف والولاية أحد الأسس التشريعية المتزامنة والمنسجمة مع أربعة أسس أخرى للحكم (السيادة الإلهية المطلقة، خلافتها العامة للأمة؛ مبدأ الشورى ونظرية الحل والعقد أو كما يسميها هو خبراء وواعون الأمة). كما يأخذ ولاية المرجع والنيابة العامة عن الإمام المهدي (عج) بمعنى الإشراف على تطبيق أحكام الإسلام ورقابة تنفيذ الشريعة (صدر؛ 1399: 330-32).
ومن جهة أخرى، من نظرياته الأساسية حول الخلافة العامة للإنسان وشهادة الشهود يستنتج أنه في زمن الغيبة كان يلتفت إلى الحكم الشعبي أو النظام الديمقراطي مع إشراف المرجع المنتخب من قبل الناس، إلا في الحالات التي لا يوجد فيها أكثر من مرجع واحد صالح رشيد يمتلك شروط الإشراف – ويشير بشكل خاص في عدة مواضع إلى اختيار المرجع من قبل الأمة.
لذلك، في فكر صدر، إذا استُخدم مصطلح الولاية في شأن المرجع العام:
أولًا: فهو بمعنى الشهادة والإشراف، وليس بمعنى الحكم بالمفهوم الشائع، إذ هو صرح بهذا صراحة.
ثانيًا: من وجهة نظره، إقامة الحكم من واجبات ومسؤوليات الناس (الأمة).
ثالثًا: الناس هم من يختارون المرجع الناظر، إلا إذا لم يكن في زمن معين سوى مرجع صالح رشيد واحد.
رابعًا: هذا الحكم ليس عقدًا أو اتفاقًا بين الناس والحكام، ولا يحكم المرجع العام نيابة عن الناس أو بوكالتهم. حتى اختيار المسؤولين الحكوميين الآخرين لا ينتقص من حق السيادة السياسية للشعب، لأن هذا الحق لا يمكن التنازل عنه، إذ إن الخلافة أمر عام وشامل وطبيعي (فطري).
خامسًا: إذا استخدم الشهيد صدر في بعض مناقشاته مصطلح الولاية بمعنى القيادة والحكم في شأن المرجع، فهو يشير إلى الولاية في أمور مثل القضاء والتبليغ وبيان الأحكام.
سادسًا: هو ينسب صراحة السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى الناس (الأمة).
لذلك، ما يقصده هذا المفكر بشأن الحكم في زمن غيبة الإمام المهدي (ع) هو أن إدارة المجتمع بشكل عام في زمن الغيبة تتولّاها تركيبة من خطين: خط السلطة وخط السياسة:
1- خط خلافة الإنسان الذي يتحقق من خلال إقامة «حكومة شورائية». بالإضافة إلى ذلك، يختار الناس المرجع الذي يرونه مناسبًا. [في حال كان المرجع الصالح والعاقل والكفء – في العالم كله – شخصًا واحدًا فقط، فإنهم يقبلونه أو يؤيدونه بطريقة ما (استفتاء، مظاهرات، …)، وإذا كان هناك أكثر من واحد، يختارون المرجع المناسب عن طريق الاستفتاء أو الانتخابات].
2- خط شهادة المراجع العامة التي تمارس الرقابة والمراقبة الشرعية (من جهة الشريعة والدين) على حكومة الشورى الشعبية، وهذه الرقابة والمراقبة تتعلق ببيان وتنفيذ أحكام الدين والقضاء والتحكيم، وتتم نيابة عن الإمام المهدي (ع).
3- تركيب الخطين، حسب رأي الصدر، يخلق «الحكومة الشرعية» أو «الحكومة الشورائية» التي لها أساس تكويني (عقلي وفطري وتشريعي). العلامة الصدر يذكر هذا النوع من الحكومة التي يوافق عليها تحت عنوان «الجمهورية الإسلامية» (صدر، د.ت.؛ الف: 19-1 و صدر؛ 1399ل).
النتيجة
العلامة الشهيد سيد محمد باقر الصدر، بإيمانه بالتوحيد والعدل في العالم الوجودي، يعتبر الإنسان مخلوق الله الواحد الأحد، وذو عقل وحرية. وعلى هذا الأساس، يعتبر أصل الحكم أمرًا إنسانيًا وتكوينيًا ناتجًا عن أصل الخلافة والنيابة للإنسان في الأرض من قبل الله، وبناءً على هذا الأصل يمكن للبشر أن يتولوا حكم المجتمع ومصيرهم، وبناءً عليه أيضًا، قبل نظام الحكم الديمقراطي الشعبي. من جهة أخرى – لأسباب تتعلق بمسألة النبوة والرسالة وتشريع الدين والشرائع الإلهية على الأرض وضرورتها – يولي اهتمامًا شرعيًا لضرورة الحكم في المجتمعات البشرية، ومن جهة أخرى يتوجه إلى المسألة المهمة للرقابة والمراقبة الشرعية على الحكم التي تتم من جهة الشريعة والدين. نتيجة هذا المنظور، مع قبول نظرية الحكم المنصوص عليها كأصل، هو طرح نظرية للحكم في زمن غيبة الإمام المهدي (ع) التي رغم أن السلطات الرئيسية فيها، أي السلطة التشريعية والتنفيذية، منسوبة إلى الشعب، إلا أن المرجع الفقيه المنتخب والمقبول من الناس يمارس عليها الرقابة الشرعية.
المصادر والمراجع:
1- آشوري، داريوش؛ (1366)؛ دانشنامه سياسي، طهران: انتشارات مرواريد، الطبعة الأولى.
2- آقا بخشي؛ علي؛ (1363)؛ فرهنگ علوم سياسي؛ طهران: نشر تندر، الطبعة الأولى.
3- أرسطو؛ (1364)، سياست، ترجمة حميد عنايت، طهران: شركات الكتب الجيبية، الطبعة الثانية.
4- البستاني؛ فؤاد أفرام (1362)، فرهنگ جديد عربي – فارسي، ترجمة محمد بندرريگي، طهران؛ انتشارات إسلامي، الطبعة الرابعة.
5- بشيرية؛ حسين (1382) آموزش دانش سياسي، طهران؛ مؤسسة نگاه معاصر، الطبعة الثالثة.
6- جمشيدي، محمدحسين، (1377)؛ انديشه سياسي شهيد رابع امام سيد محمد باقر صدر، طهران: دفتر مطالعات سياسي و بين المللي، الطبعة الأولى.
7- حافظ شيرازي، شمس الدين محمد، ديوان حافظ (1381) بتحقيق محمد قدسي، طهران، نشر چشمه، الطبعة الأولى.
8- الحسيني، سيد محمد؛ (1989م-1410ه)، الامام شهيد السيد محمد باقر الصدر؛ بيروت: دار الفرات.
9- حكيم، سيد محمد باقر؛ (1408ه)؛ النظرية السياسية عند الشهيد الصدر، طهران: دفتر آيت الله سيد محمد باقر حكيم.
10- دكميجان، هراير؛ (1366)؛ جنبش هاي اسلامي در جهان عرب؛ ترجمة حميد أحمدي؛ طهران: انتشارات كيهان، الطبعة الأولى.
11- دهخدا، علي أكبر؛ (1383)، لغت نامه؛ طهران: انتشارات جامعة طهران.
12- راغب أصفهاني، أبو القاسم حسين بن محمد؛ (1404ه)؛ المفردات في غريب القرآن، طهران: مطبعة خدمات چاپي.
13- ري شهري، محمد محمدي؛ (1419ه)؛ ميزان الحكمة، بيروت: دار الحديث، الطبعة الثانية، 9 مج.
14- الشرقي، محمد علي (01366)، قاموس نهج البلاغة؛ طهران: دار الكتب الإسلامية، المجلد 2.
15- صدر، سيد محمد باقر؛ (1989- 1410هـ)، الأسس الإسلامية في: محمد الحسيني، الإمام الشهيد سيد محمد باقر الصدر، بيروت: دار الفرات.
16- _________________ ؛ (د.ت.)، الإسلام يقود الحياة، طهران، وزارة الإرشاد الإسلامية، أ.
17- _________________؛ (1399ه- 1979م)؛ اقتصادنا، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الحادية عشرة.
18- _________________؛ (1399ه) خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، طهران، جهاد البناء، خ.
19- _________________؛ (1359) خلافت الإنسان وشهادة الأنبياء، ترجمة سيد جمال موسوي، طهران: انتشارات روزبه.
20- _________________؛ (د.ت.) تفسير موضوعي سنت هاي تاريخ در قرآن، مترجم سيد جمال موسوي. قم: دفتر انتشارات إسلامي تابع لجماعة مدرسين حوزة علمية قم، ت.
21- _________________؛ (1422ه – 2001م)؛ فدك في التاريخ، بيروت: انتشارات الغدير، الطبعة الثالثة.
22- _________________؛ (1408ه.) فلسفتنا؛ قم: المجمع العلمي للشهيد صدر، الطبعة الثانية.
23- _________________؛ (1399ه.) لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في إيران؛ طهران: جهاد البناء، ل.
24- _________________؛ (1362ه.) مدرسة إسلامية، ترجمة علي كاظمي خلخالي، طهران: مؤسسة مطبوعات عطائي.
25- _________________؛ (د.ت.) المدرسة القرآنية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات. م.
26- عالم، عبد الرحمن (1375) بنيادهاي علم سياست؛ طهران: نشر ني؛ الطبعة الأولى.
27- قاضي، أبو الفضل (1370)؛ حقوق أساسية ونُظُم سياسية، طهران: انتشارات جامعة طهران.
28- القرآن الكريم
29- كليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (1365)؛ الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
30- مجلسي، محمد باقر (1404ه)، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، 110 مج.

