طريقة اكتشاف معيار الأحكام ودوره في تغيير الأحكام الشرعية

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شیوه اکتشاف ملاک و نقش آن در تغییر احکام ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

الملخص: في هذه المقالة، يتم دراسة طريقة اكتشاف معيار الأحكام ودوره في تغيير الأحكام الشرعية مع الاعتماد على الابتكارات الأصولية والفقهية لـالشهيد صدر. يستخدم المؤلف آراء الشهيد صدر في مجال «نظرية بناء النظام»، واعتبار «الاستقراء» في كشف المعيار، و«مناسبة الحكم والموضوع» وكذلك ضرورة «الفهم الاجتماعي للنصوص»، ليُظهر كيف يمكن لاكتشاف مناط الأحكام بدقة أن يكون مفتاحاً لحيوية الفقه في مواجهة تحولات الزمان والمكان. كما يُوضح، مع الإشارة إلى منهج فقهاء مثل الإمام الخميني، الدور المحوري لتنقيح المناط في تغيير وتكييف الأحكام مع احتياجات المجتمع المعاصر.

المؤلف: سعید رحیمیان

المصدر: نقد و نظر، شتاء 1374، العدد 5، ص 182 إلى 205.

الهدف من هذه الدراسة هو بحث دور معيار الأحكام وطرق اكتشافه في الفقه وعلاقته بحيوية الفقه وكذلك ارتباط هذا النقاش بمتطلبات الزمان والمكان، مما يكشف أحد أبعاد دور الزمان والمكان في الاجتهاد. في تقديم الأدلة والنظريات، تم التركيز بشكل أساسي على فقه الإمام الخميني قدس سره وفي بعض الحالات على فقه صاحب الجواهر (كنموذج من الفقه الجواهري الأصيل، كما عبر عنه الإمام قدس سره) وكذلك على بعض المختارين المنبثقين من هذا المذهب.

نقاش معيار الأحكام وتنقيح المناط هو أحد النقاشات المهمة التي للأسف لم تحظ بمكانتها اللائقة في علم أصول الفقه (مثل نقاشات الاستقراء والعرف وما شابهها)؛ ومع ذلك، فهو نقاش معقد ودقيق بسبب اتصاله بموضوع القياس عند أهل السنة. الهدف من هذه الدراسة ليس تقديم رؤية نهائية أو نقاش شامل واجتهادي في هذا المجال، بل المقصود أولاً، دراسة المبادئ الكلامية والأحكام المتعلقة بالقول بالمنطَق وإمكانية الوصول إلى مناطات بعض الأحكام، وثانياً، التدقيق في المبادئ التصورية لهذا النقاش، وثالثاً، تقديم تقرير عن الطرق المختلفة التي تم اقتراحها لاكتشاف المناط من خلال النص أو بدونه، ورابعاً، دراسة كيفية تغيير الأحكام عبر معايير الأحكام عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة وطرق شرح هذا التغيير (خصوصاً بالاعتماد على فقه الإمام الخميني قدس سره).

دور المبادئ الفلسفية والكلامية والمنهجية في استنباط الأحكام

في هذا الأصل، لا يُدعى أن كل المعارف والعلوم السابقة والبشرية للفقهاء تؤثر على اجتهادهم، وبالتالي مع تغيرها يحتمل أن يتغير الاجتهاد والاستنباط؛ بل الحديث عن ارتباط جزء من المعارف والافتراضات الخاصة في سياق معين مع استنتاجات الفقيه الفقهية، والتي ترتبط أساساً بثلاثة مجالات: المعرفة، الفلسفة، والكلام. هنا يُحاول الإشارة إلى أمثلة مهمة في كل مجال:

أ- في مجال المنهج المعرفي وعلوم المعرفة، إذا كان الفقيه يؤمن بـ(حجية الاستقراء) والعلم العادي أو الظن القطعي الناتج عنه، ويعتبره تحت شروط خاصة مولداً بالضرورة لذلك الظن (العلم العادي)، فإنه بالإضافة إلى استخدامه في المجالات العادية للعلوم التجريبية والاستنتاجات الفلسفية[1]، يمكنه في مجال الفقه واستنباط رأي الشارع العام والقواعد الفقهية في أبواب مختلفة.

ب- في مجال الفلسفة، يؤثر تصور المجتهد لمسألة الفردية (أصالة الفرد) أو الجمع (أصالة الاجتماع) في فهمه للأحاديث أيضاً[2]. الفقيه الذي يعتبر المجتمع أصلاً اعتباريًا وبدون حكم وبعيدًا عن نظر الشارع الأصلي، ويرى الإسلام ديناً فردياً، بطبيعة الحال سيقتصر مثلاً قاعدة لا ضرر على نفي الضرر الشخصي ولن يتوقع من النصوص تقديم حلول للمشكلات الاجتماعية. سنرى أن منهج المرحوم العلامة الطباطبائي في نقاش الفطرة يجعل بناء العقلاء عنده أمراً ذا حجية ذاتية ولا يحتاج إلى كاشف رضا المعصوم[3]. كذلك الفقيه الذي يدرك مفهوم اعتبارية الأحكام (أي أن وجودها وعدمها، وسعتها وضيقها وشروطها مثل أصلها، هي من صنع معتبر ومنتج لعقد جماعي للعقلاء) لن يشك في صحة (الشرط المتأخر).

ج- في مجال الكلام[4]، باب المعيار مرتبط بقبول الحسن والقبح العقلي والإيمان بوجود مصلحة في ذات الأفعال وخلف الأحكام (وليس فقط في الأحكام نفسها). كما أن كيفية تحليل ختم النبوة وأسبابه يمكن أن تقودنا إلى نتائج عميقة في طريقة تعامل الإسلام مع تغيرات الزمان والمكان وسر خلود الإسلام في ظل الاجتهاد[5].

في مجال النقاشات الكلامية الحديثة، يمكن متابعة القضايا التالية التي تؤثر نتائجها في كيفية استنباط الحكم:

1 هل توقعنا من الدين يقتصر فقط على تقديم العلامات الأساسية للهداية والأهداف القيمية العامة التي يجب تنفيذها في المجتمع، أو تأمين الحياة الأخلاقية والراحة الداخلية والطمأنينة النفسية والكمال الروحي الفردي فقط، أم تقديم كل التفاصيل التي يحتاجها الإنسان في حياته؟ (مع أن الإنسان نفسه قد يصل إليها بعقله وعلمه).

علاوة على ذلك، هل يقدم الدين في المجالات المختلفة نظاماً؟ بمعنى أنه تبعاً للهدف الديني وهو الهداية، في كل مجال يتعلق بإرشاد الإنسان، يقدم الدين أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها، ويضع خطوطاً عامة في حياة الفرد والجماعة، ويهدي الإنسان إلى الهدف المرغوب؟ (بطريقة لا تؤدي إلى الجمود على شكل معين من الحياة وتترك مثل هذه الأمور في منطقة الفراغ). سنرى أن بعض الحلول لمواجهة الظواهر المتغيرة حسب الزمان والمكان تتوافق مع هذا الرأي الأخير.

من ناحية أخرى، هل يقدم الدين في تقديم الحلول أقصى ما يمكن من الأمور، أم يكتفي بحد أدنى، أم أنه في الأمور المتعلقة بهداية الإنسان قدم الحد الأقصى، وأما الأمور الأخرى فقدمها بطريقة الحد الأدنى.

هل الدين في مجال أحكامه محتوى محور أم شكل محور (صوري)[6]؟ بمعنى آخر، هل هو مستعد للتخلي عن شكل الأحكام بشرط الحفاظ على غاياتها ومحتواها؟ (النقاش في مجال غير العبادات). أم أنه مستعد للتخلي عن غايات الأحكام بشرط الحفاظ على شكلها الظاهري، كما يُستنبط من بعض الفقهاء في باب الحيل الشرعية؟ (كما نرى في الحيل المدروسة للفرار من الربا أو عدم دفع الخمس أو تحريم أعضاء الأسرة على بعضهم البعض، وما إلى ذلك). أم أنه قد أقر بأصالة كلا الأمرين وفق ضوابط معينة؟ كما سنرى، فإن طريقة الإجابة على كل مسألة من المسائل السابقة تؤثر على كل من مبحث المقياس ومبحث تغيير الأحكام.

المسألة الأخرى هي الهدف والوسيلة واعتبار كل منهما في الرؤية الإسلامية. هل الوصول إلى أهداف الأحكام الفقهية، مع افتراض معرفتها، هو الأصل (بأي وسيلة كانت) أم أن الوسيلة بالإضافة إلى الهدف لها قدسيتها وأصالتها؟ من ناحية أخرى، هل الوسيلة مقدسة إلى حد أن الحفاظ عليها صحيح حتى لو كان ذلك على حساب التضحية بالهدف (إذا كان مثل هذا الافتراض ممكنًا)[7]؟ هل يمكن القول إن الإجابة تختلف من حالة إلى أخرى، وأن الجواب الصحيح يعتمد على تنقيح مباحث الأهم والأهم، وكذلك مقدمات الواجب وتمييز الأهم بين الهدف والوسيلة؟ (في هذا المجال، يبدو مقارنة الإجابات مع فتح الذرائع وسد الذرائع، وكذلك مسألة الاستحسان عند أهل السنة، مفيدًا).

مبادئ تصورية للنقاش

المصلحة أو المفسدة التي تكمن وراء الأحكام الشرعية والتي تؤدي إلى صدور هذه الأحكام، هي ما يُسمى (سبب الحكم)[8]، والحكم قائم وجودًا وعدماً على هذا السبب؛ مثل علاقة العلية بين الندبة (أو القابلية النوعية للندبة) وبين تحريم الخمر.

أما الفوائد والنتائج المترتبة على الحكم أو المتوقعة منه، فهي من جنس حكمة الحكم، والحكم ليس قائمًا عليها. لأن ما قد نراه وسيلة لتحقيق تلك الفوائد قد لا يكون ما أراده الشارع لتحقيق الأهداف، وقد يكون لذلك الطريق الخاص موضوعية عنده، مثل الأمن واحترام الأموال المشروعة للأشخاص، مما يؤدي إلى توسع المعيشة في المجتمع، وحكمة قواعد مثل التسليط (الناس مسلطون) أو قاعدة لا ضرر، وما إلى ذلك.

القول الأول: سبب الحكمة

أما (تنقيح المناط)[9] أو (استكشاف المقياس) فهو عملية لاكتشاف سبب الأحكام، فإذا تم التوصل إلى هذا السبب بشكل قطعي أو علم عادي، فإنه يكون حجة وقابلًا للتعميم والتسري في الحالات المماثلة (مثل القياس المنصوص على عِلته).

أما بيان (فلسفة الأحكام) فهو في الواقع تفسير للحكمات والفوائد المحتملة أو القطعية التي يحملها الحكم والتي وصلت إلى ذهن البشر؛ دون أن يكون هناك قصد لامتدادها إلى حالات أخرى. سبب الحكم من جهة ينقسم إلى قسمين:

أ. السبب الثبوتي للحكم؛ وهو المصالح والغايات التي ترتبت على كل حكم في العالم الواقعي وحسب اللوح المحفوظ، والتي جعل الشارع الحكم بسببها، وقد لا يصل البشر إليها أصلًا. مثل خلق روح التحفظ والتجنب في نفس المكلف للحفاظ على العقل[10] في حكم تحريم الخمر.

ب. السبب الإثباتي للحكم؛ وهو علامة (تعريفية) وضعها الشارع لفهم مخاطبيه بتحقق الحكم بمجرد تحقق هذه العلامة والصفة. وبعبارة أخرى، هو وصف اكتشفه المجتهد وكاشف قطعي للحكم المترتب عليه، ولهذا السبب يكون في عملية الاستنباط سببًا لتسري الحكم[11]و[12].

فإذا أدرك المجتهد في مسألة ما الغاية الأصلية للحكم والسبب الثبوتي له من وجهة نظر الشارع، أو علم بالعلامة التي وضعها الشارع للحكم (السبب الإثباتي)، وعلم أن في مسألة معينة (بعد كسر مصالح ومفاسد) غاية خاصة كانت سببًا في جعل الحكم، أو أن سببًا وعلامة خاصة ملازمة ومرافقة للحكم، وعلم أن هذه المصلحة والغاية أو السبب والعلامة تتحقق في مسألة أخرى، فإنه يمكنه تعميم الحكم. لكن كما تقدم، في مسألة الحكمة، الأمر ليس كذلك. فمثلاً إذا اعتبرنا حكمة وفائدة الاحتفاظ بالعدة للمرأة المطلقة منع اختلاط النسب، ففي الحالات التي نعلم فيها يقينًا أن مثل هذا الاختلاط لا يحدث (مثلًا في حالة بعد انقطاع الزوجين عن بعضهما لمدة سنة)، لا يمكن نفي وجوب الاحتفاظ بالعدة. لأن الفرض هو أننا لم نحصل على جميع وجوه المصالح والموانع، وما إلى ذلك. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأحكام الدينية وُضعت بحسب مصالح نوعية وأيضًا بطريقة احتياطية، وقد يؤدي ترك بعض الأفراد فجأة إلى ترك المصلحة كلها؛ كما سيأتي في بحث سبب التشريع وسبب التعميم.

نقطة أخرى هي: السبب والعلّة التي تُطرح في الفقه هي نفسها معرف الحكم الشرعي وعلامته. فقد ورد في قواعد الشهيد رضوان الله عليه[13]: السبب هو كل وصف ظاهر منضبط يدل الدليل على كونه معرفًا لإثبات الحكم الشرعي بحيث يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم.

كما عرّف الغزالي في المستصفى السبب بقوله: ما أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه[14]، وفي موضع آخر قال: العلة الشرعية علامة وإمارة لا يوجب الحكم بذاتها، وإنما معنى كونها علة نصب الشارع إياها علامة، وذلك وضع من الشارع[15].

أما أنه قد يكون للمعرف تناسب مع المعرف به، وإن لم يكن هذا التناسب واضحًا على الأقل عند المجتهد، فإذا كان السبب (المعرف) لحكم ما في الواقع له تناسب واضح مع الحكم، بنفس الوضوح الذي يوجد بين وجود المقتضي مع عدم المانع لتحقيق المعلول، في هذه الحالة يُسمى هذا السبب اصطلاحًا (العلّة)[16]؛ مثل علة تحريم الخمر أو علة القتل لتشريع القصاص. أما إذا لم يكن هناك مثل هذا التناسب، بل كان مجرد ملازمة في التحقيق (بين السبب والحكم)، فيُسمى (سببًا)؛ مثل رؤية هلال رمضان التي تكون سببًا لوجوب صيام ذلك الشهر. لذلك، فقد وُجد الفرق بين العلّة والسبب في المعقولية في ارتباط أمر يسبب حكمًا بتحقق ذلك الحكم. بمعنى أن الأمر الظاهر الذي يُعتمد عليه الحكم، إذا كان تحقق حكمة الحكم بواسطته معقولًا، يُسمى علّة الحكم، وإذا لم يكن وجه هذا الارتباط معقولًا، يُسمى سبب الحكم[17].

طرق استخلاص المِنطَق

التقسيم الخاص الذي يمكن تقديمه تبعًا لتقسيم نوع التشريعات المطروحة في الدين هو تقسيم المِلاك إلى مِلاك الحكم، ومِلاك القاعدة، ومِلاك النظرية والنظام. لذلك، يلزم توضيح موجز عن المصطلحات الثلاثة المذكورة:

الحكم الشرعي: في هذا النقاش يشير إلى تكليف المكلف فيما يتعلق بموضوع معين، فعل أو متعلق خاص[18] في باب من أبواب الفقه.

القاعدة: في هذا النقاش تشير إلى حكم عام يشمل أحكامًا متعددة في باب واحد أو أبواب مختلفة من الفقه. وبعبارة أدق، تُعتبر مصدرًا أو أساسًا لتلك الأحكام التي تُطبق في أبواب المعاملات والعبادات؛ مثل قاعدة لا ضرر وقاعدة لا حرج ونفي السبيل وغيرها.

النظرية: في هذا النقاش تشير إلى مجموعة من الأحكام المتقاربة في موضوع يتمتع بأسس خاصة وهدف مميز ويعكس بنية متكاملة. قد يكون هذا الموضوع بابًا فقهيًا مثل نظرية القصاص أو نظرية الضمان، أو يشمل جزءًا من باب أو أكثر، مثل نظرية الإرادة أو نظرية الضرورة الشرعية أو نظرية الخيارات.

النظام الفقهي: يشير إلى هيئة تأليفية تجمع بين مجموعة من الأحكام المتعلقة بأبواب مختلفة، وتتكفل ببيان أهداف الشريعة الكلية وروح النص الفقهي المهم المتعلق بتلك الأحكام؛ مثل النظام الاقتصادي أو النظام الجزائي في الإسلام.

مبتكر نظرية الأنظمة، بشكل مدون ومحدد في الفقه الشيعي، هو الشهيد آية الله صدر. من وجهة نظره، استنباط النظام يتطلب عمليات اجتهادية معقدة، تتجاوز الجهود المعتادة في الاجتهاد، وتحتاج إلى النظر إلى الإسلام ككل يشمل العقيدة والمفاهيم والأحكام الثابتة والمتغيرة.

كل جانب من الجوانب المذكورة من قوانين وأحكام الشريعة مبني على مناطات ومِلاكات توضّح مقدار المصلحة التي يمكن تحصيلها في ذلك الحكم أو القاعدة أو النظام فيما يتعلق بالأهداف الكلية للشريعة. وبما أن بحثنا يتركز أكثر في مجال الأحكام المعاملية وغير العبادية (الأحكام التأسيسية)، فمن الطبيعي أن يكون الحصول على المِلاكات في هذه المجالات الثلاثة بمساعدة العقل، وبناء العقلاء، والعرف، وطرق أخرى أمرًا متوقعًا.

طرق استخلاص العلّة من النص

1. تناسب الحكم والموضوع (الفهم الاجتماعي للنصوص)

نعلم أن ظهور اللفظ في معنى معين هو درجة من دلالة الكلام التي تجعل المعنى المشار إليه واضحًا من القول، ويتوافق معه أكثر من أي معنى آخر. ظهور اللفظ قد يكون ناشئًا عن دلالة وضعية للكلام ووضع اللفظ، أو ناشئًا عن دلالة سياقية للنص. في دلالة السياق في الحديث، الفهم العام للفظ، أي الفهم العام لزمان صدوره، هو المِلاك، لكن في الفهم الكامل والشامل للحديث، لا يكفي الانتباه لهذين البعدين فقط، بل نحتاج إلى الانتباه إلى بعد آخر من الحديث وهو الفهم الاجتماعي للنصوص. يبدأ دور هذا البعد بعد انتهاء الفهم اللغوي، وهو أمر أساسي متجذر في الوعي المشترك والخلفية الذهنية والتجربة العامة في الحياة الاجتماعية للأفراد، والتي تظهر أيضًا في مجال التشريع والقانون، ويسميها الفقهاء (مناسبات الحكم والموضوع). هذه المناسبات في الواقع، بحسب تعبير الشهيد آية الله صدر، هي تعبير آخر عن الذهنية الموحدة والتركيزات التشريعية العامة[19] التي يحكم الفقيه في ضوئها على ما هو مناسب ليكون موضوع هذا الحكم التكليفي أو الوضعي. على سبيل المثال، من الأحاديث التي تدل على تملك الماء أو الحطب أو غيرهما بسبب حيازتها (استخراج الماء أو جمع الحطب…)، يقرر الفقيه أن موضوع ومِلاك التملك، بسبب تناسب الحكم مع هذا الموضوع، هو حيازة الثروات الطبيعية.

من ذلك اجتهاد وفتوى كاشف اللثام فاضل هندي في مسألة دية القتل العمد. نعلم أنه في هذا الشأن، وفقاً لقول الفقهاء، للقاتل خيار بين دفع ألف دينار أو مئتي حلّة يمانية أو…، وبالنظر إلى أن وجه الحلل اليمنية أرخص، يتضح أن هذا الخيار ليس ذا قيمة كبيرة. لكن كاشف اللثام، معتمداً على عرف زمن صدور الرواية وملاءمة الحكم للموضوع وكشف المعيار في هذه المسألة، يقول إن المراد هو حلّة بخمسة دنانير والتي في النهاية تعادل نفس الألف دينار. لذلك، المعيار هو ألف دينار من الذهب والباقي من الخيارات يشير إلى ما يعادلها.[20]

ملاءمة الحكم والموضوع في نظر الإمام الخميني (ره)

الإمام الخميني (ره) في عدة مواضع، معتمداً على ملاءمة الحكم والموضوع، قدم فهماً اجتماعياً خاصاً للنصوص والأحاديث؛ من ذلك في مبحث ولاية الفقيه في المعنى الحديثي الذي فيه توصف صفات خلفاء رسول الله (ص) من لسانه الشريف: “الذين يأتون من بعدي يروون عني حديثي وسنتي…” هنا، بناءً على ملاءمة الحكم والموضوع، اعتُبر المقصود من قبل الإمام هم العلماء والذين لديهم القدرة على فهم الأحاديث وعلاج الأخبار المتعارضة وتمييز مخالفة الكتاب والسنة من موافقتهما. لأن منصب خلافة رسول الله (ص) أنسب لفقيه مجتهد منه لراوي حديث في مستوى ناسخ وكاتب الحديث.[21]

وكذلك في مسألة مقبولة عمرو بن حنظلة التي تتعلق بخلاف بين شخصين من الشيعة وتحديد تكليفهما، والتي ظاهرياً تتعلق بوجوب رجوعهما إلى الفقيه ومن له رأي في الحلال والحرام من الأئمة (ع)، فقد اعتبرها الإمام دالة على جعل منصب القضاء، بل الحكم المطلق للفقيه، واعتبر هذا الادعاء صحيحاً بأن منصب الحكم والقضاء بسبب أهميته وملاءمة الحكم والموضوع لا يُجعل إلا للفقيه وليس للفرد العادي.[22]و[23]

ومن الجدير بالذكر، كما يقول الشهيد الصدر، أن المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية من الذين طوروا هذا الجانب من الاجتهاد في أثره المشهور “فقه الإمام الصادق (ع)” بشكل موسع واستفادوا منه. ويمكن ملاحظة بعض هذه الحالات في استنباطاته، مثل مسألة عدم حصر الاحتكار في الأصناف المذكورة في الأحاديث واعتبار المعاملة المؤجلة ملكاً، وغيرها.

وبحسب الشهيد الصدر، فإن الرأي العام للشيخ مغنية (ره) هو أنه إذا كان النص متعلقاً بالعبادات، فيجب فهمه فقط بناءً على اللفظ والمعنى اللغوي، أما إذا كان متعلقاً بمشهد من الحياة الاجتماعية مثل المعاملات، فإن دور الفهم الاجتماعي للنص يظهر، وبحسب المصالح أو الملاءمات الناشئة عن طبيعة الموضوع والتجربة المشتركة والذهنية الموحدة للبشر، يتعمم الحكم، وهذا فرع من فروع حجية الظاهر، ولهذا السبب هو حجّة عند العقلاء، وبالتالي ليس من قبيل القياس الباطل غير المنصوص إلى المنصوص. ثم يرى أن من ثمرات القاعدة المذكورة إمكانية الاستفادة العامة من الأسئلة والأجوبة الخاصة بين الأفراد والأئمة (ع) في بعض الروايات.[24]

2. إلغاء الفارق (الخصوصية)

أحياناً يُسأل المعصوم عن حالة خاصة أو يكون في ظرف يكون كلامه متعلقاً بفرد أو ظاهرة خاصة من بين مصاديق كثيرة لموضوع عام. في هذه الحالات، هناك احتمالان:

1- أن يكون الحكم حقاً متعلقاً بذلك الموقف الخاص ومقتصراً عليه.

2 أن ذلك المثال قد ذُكر فقط كمثال ولم يكن القصد حصره، بل كان إرادة المعصوم وضع قاعدة كلية في قالب تقديم مثال خاص منها. ومن الحالات التي يظهر فيها قوة الفقيه الفقهية، التفريق بين هذين النوعين من الأحاديث. فمثلاً، مع أنه في الروايات ذُكر سحب الماء من البئر للتطهير (وجوباً أو استحباباً) باستخدام الدلو، إلا أن العلامة قدس سره في القواعد[25]، لعدم دخول الدلو في الحكم، أفتى بكفاية نزح البئر بأي وسيلة أخرى غير الدلو بمقدار ما ورد في الرواية. وكذلك، إذا ورد في الرواية الحديث عن نجاسة الثوب بسبب الملاقاة والاحتكاك بالماء النجس، يمكن بإلغاء الخصوصية أن يُحكم بنجاسة البدن أيضاً بسبب الاحتكاك به، ويُؤكد ذلك اليقين بوجود الملاك في هذا النوع من الملاقاة.[26] أو إذا ورد في القرآن الكريم (أحل الله البيع)، مع مراعاة ألف ولام الاستغراق (التي تشير إلى كل نوع من المعاملات التي كانت تُعتبر بيعاً في زمن نزول الآية)، يمكن اعتبارها موافقة شرعية. وهذا الاستنتاج أيضاً يستفاد من إطلاق الآية، وبإلغاء المزيد من خصوصيات أنواع البيع يمكن تعميم الآية على كل نوع من العقود التي تُسمى بيعاً، أي التي تتوفر فيها أركان البيع، حتى وإن لم يكن ظاهرها شائعاً في ذلك الوقت.[27]

3. تفريق الحيثيات (شم الفقاهة)

أحياناً يكون الحديث الذي يُستنبط منه الحكم ظاهرياً عاماً، وبحسب الظهور البدوي يشمل العديد من المصاديق المختلفة لموضوعه؛ خاصة مع مراعاة مبدأ الفقهاء الذي يقضي بالحكم على طبيعة الموضوع باعتباره قضية حقيقية. لكن التدقيق في القرائن الجانبية للحديث، ومنها ما إذا كان الحكم قد صدر على عنوان مرتبط بالموضوع أو على الموضوع ذاته بما هو موضوع، وربما التفريق بين العنوان والمعنون، أو القيد والمقيد، يؤدي إلى تحديد ملاك الحكم. وبالتالي، إذا في حالة أو ظرف أو زمان معين أُزيل ذلك القيد أو العنوان عن الموضوع، يمكن أيضاً إزالة الحكم عنه. مثلاً، إذا اعتبرنا في أحاديث تحريم الشطرنج أن العنوان والقيد هو كونه أداة قمار، فطبعاً في زمان أو مكان لا ينطبق عليه هذا العنوان، لن يكون هناك مناط للتحريم[28] ولن ينطبق حكم التحريم عليه. وكذلك، إذا رجعنا إلى الأحاديث التي تدل على عموم تحريم بيع الدماء والنجاسات وما شابه، دون مراعاة هذا الأصل العام بأن الشيء الذي لا يكون منفعة محللة له، حسب حديث تحف العقول، يدخل ضمن المكاسب المحرمة، كان يجب أن يكون بيع الدم في هذا الزمان محرماً. لكن مع التفريق بين العنوان والمناط من المعنون والمقيد، يجوز البيع والشراء للدم أو ما شابه ذلك[29]. ومثال آخر هو تحريم تحت الحنك.

ومن الحالات الأخرى التي يمكن بدقة فيها نفي عموم بعض الأحاديث، التفريق بين الحيثيات المختلفة للمعصومين(ع) في مقام صدور الحديث منهم. فالمعصومون(ع) أحياناً يكونون بصفتهم مسؤولين (مخاطبين بالسؤال) وكان مقصدهم الإجابة على السائل، وطبعاً مع مراعاة كل جانب من هذه الجوانب، سيكون استنباطنا من الأحاديث مختلفاً. لأن، مثلاً، إذا كانت قاعدة لا ضرر مجرد قاعدة حكومية، سيكون لها مجال تطبيق معين[30]، وإذا كانت ذات جانب شخصي فقط، سيكون لها مجال آخر، وإذا كانت قاعدة عامة، سيكون لها مجال أوسع. وكذلك، إذا أصدر المعصوم(ع) تحريم الاحتكار لأصناف معينة كحكم حكومي و(قضية في واقعة)، سيكون لذلك تبعات[31]، وإذا كان كحكم عام ومن الأحكام الأولية الدائمة، سيكون له تبعات أخرى.

طرق استكشاف الملاك لقاعدة كلية

لاكتشاف قاعدة كلية في الشرع توجد عدة طرق:

1. الاستفادة من نصوص الآيات، وأحاديث المعصومين(ع)، والعقل، أو غيرها، مثل إثبات قاعدة نفي السبيل من الآية الكريمة (لَن يجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلاً) وإثبات قاعدة لا ضرر من الحديث الشريف وإثبات قاعدة نفي الحرج عن طريق العقل وإثبات قاعدة الصحة عن طريق بناء العقلاء.

2. كشف ملاك مشترك في أحكام متعددة، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى وضع قاعدة كلية. والآن النقاش حول طرق كشف مثل هذا الملاك. هذه الطرق بالإضافة إلى الطرق المذكورة في القسم السابق (أي العقل وبناء العقلاء في كشف ملاك الحكم الشرعي) هي[32]:

1. الاستقراء. 2. وحدة طريق المسألتين. 3. انتزاع روح النص: قصد المشرع مع شم الفقاهة. سنشرحها تباعاً أدناه.

1. الاستقراء

في أصول الفقه الشيعية، ولأول مرة[33]، طرح الشهيد آية الله صدر في كتاب المعالم الجديدة[34] الاستقراء بشكل منظم ومنطقي وموثق، وخصص له مدخلاً خاصاً ضمن عناوين أصول الفقه الأخرى. ثم في المجلد الثاني من حلقات أصوله[35]، ذكر الاستقراء كأحد الطريقين العقليين لاستكشاف ملاك الأحكام، وقيّمه. والآن نتابع هذا النقاش مستفيدين من بيانه.

بعد تعريفه للدليل الاستقرائي بأنه دليل مبني على قرائن ناقصة تستمد قوتها من اجتماع هذه القرائن[36]، أدرج التواتر أيضاً من أقسامه، لأن زيادة عدد المخبرين التي تعد قرائن، تؤدي إلى زيادة يقين الفرد بخبرهم حتى يبلغ درجة العلم. ثم يعتبر أساس الاستقراء والدليل الاستقرائي حساب الاحتمالات، ويشرح زيادة درجة صدق وقوة احتمال الخبر نتيجة اجتماع القرائن وفق قوانين الاحتمالات، ويقدر دور الدليل الاستقرائي في الأحكام في مجالين: الاستقراء المباشر والاستقراء غير المباشر.

الاستقراء المباشر (استقراء الأحكام)، وهو ما يتعلق بموضوعنا، يعني (أن ندرس العديد من الحالات من الأحكام الشرعية ونجدها مشتركة في اتجاه ومرجعية واحدة، ومن ثم نكتشف قاعدة كلية في الشريعة الإسلامية من خلال ذلك)[37]. المثال الذي ذكره في هذا النوع من الاستقراء هو استخدام صاحب حدائق في أحكام مختلفة لاستنتاج (مرجعية المعذور بدون جهل) (قاعدة معذورية الجاهل) في الشريعة. بحيث استخلص هذه القاعدة العامة من حالات جزئية مختلفة وجدها في أبواب مثل الصلاة، الصوم، النكاح، الحدود، وغيرها. فمع أن كل حالة جزئية بمفردها قرينة ناقصة، إلا أن تجمعها في ذهن الفقيه يزيد احتمال القاعدة العامة ويجعلها موثوقة لديه[38].

مثال استقرائي آخر هو الذي ذكره الشهيد صدر بنفسه في ارتباط بقاعدة من قواعد الاقتصاد الإسلامي بهذا المعنى: (العمل في الثروات الطبيعية هو أساس وسبب ملكيتها). فقد استخلص ذلك من استقراء أحكام مثل وجوبية إحياء الأرض لملكيتها، وسببية العمل في إحياء المناجم لملكيتها، وعلية السعي في حفر البئر والحصول على الماء بالنسبة لملكيتها، وما شابه ذلك[39].

ومن هذا يتضح أن الاستقراء حجية بالعرض؛ فهو مثل الشهرة والإجماع، وليس حجية في حد ذاته. لكن هل هو حجية فقط عند اليقين، أم أنه إذا دل على ظن اطمئنان فهو أيضًا حجية؟ الشهيد آية الله صدر في الحلقة الثانية من حلقات الأصول، ناقش ظن الاطمئنان واعتبره مثل القطع حجية؛ بمعنى أنه إذا أردنا دراسة درجة وثوق الدليل العقلي من بين وسائل الإثبات الوجدانية، فإننا نصل إلى ثلاث درجات: 1. القطع وهو حجية بالذات. 2. الظن الذي لا حجية له مطلقًا. 3. ظن الاطمئنان، وهذا النوع إذا اعتبرناه بمثابة القطع (ذو حجية ذاتية عقلية تنجيرية وتعذيرية)، فلا مشكلة في ذلك، وإلا فسنحتاج إلى دليل لحجيته، وفي هذه الحالة يكون دليلنا هو السيرة العقلائية التي بالتأكيد أقرها المعصوم. لأن السيرة العقلائية كانت دائمًا أن يتعامل العقلاء مع ظن الاطمئنان كما لو كان قطعًا[40].

تطبيق هذا المنهج، بالإضافة إلى امتلاك الخبرة والإحاطة بالأبواب الفقهية المختلفة، يتطلب رؤية شاملة للفقه والشريعة.

2. وحدة طريق المسألتين

أحيانًا يُعلم من النصوص أو الأحكام الشرعية أن الشارع ينظر إلى موضوعين فقهيين بعين واحدة. في هذه الحالة يُقال إن طريق المسألتين واحد، وحكم أحدهما ينطبق على الآخر أيضًا[41]. ولتوضيح ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن المشرع عند وضع القانون، أحيانًا يربط بين موضوعين ترتبًا؛ بحيث ينطبق حكم أحدهما (كالأصل) على الآخر (بإشارة من الشارع والمشرع). ومن أمثلة هذا النوع من التشريع يمكن ذكر التبعية والبدلية والعموم المنزلة؛ كما نرى في تبعية لوازم العرف للبيعة والثمن بالنسبة للمبيع والمثمن، وبدلية الثمن بالنسبة للمثمن، وكذلك إلحاق حكم مطلق رجعي بحكم الزوجة غير المطلقة. وأحيانًا لا يربط المشرع بين موضوعين ترتبًا، بل يضعهما جنبًا إلى جنب؛ كما في اعتبار سرقة المال من القبر مساوية لسرقة المال من حرز آخر، مما يؤدي إلى أن يكون لهما نفس الحكم في الحد والنصاب. أو مثلاً في القانون يُعتبر الشخص الاعتباري في مقابل الشخص الطبيعي، وهذه أمثلة على وحدة طريق المسألتين[42].

في متن وشرح لمعة الدمشقية بخصوص وجوب القسم مع البينة في الشهادة على الميت والطفل والمجنون، جاء أن النص والاتفاق موجود فقط في حق الميت؛ أما الحكم في حق الغائب والطفل والمجنون فهو مشاركتهم في (السبب) المشار إليه في النص، والسبب والمناط في حكم الميت هو العبارة (إنه لسان له للجواب)، ولأنه لو كان الميت حاضرًا ربما كان يرد قول البينة، لذلك يجب على المدعي أن يقسم. وهذا التعميم واستخلاص المناط من باب وحدة طريق المسألتين، وليس من باب القياس[43].

مثال من القانون: وفقًا للقانون المدني، العقود الخاصة التي لا تخالف نص القانون الصريح نافذة، ومصدر وضع هذه المادة هو حرية إرادة الأفراد في علاقاتهم فيما بينهم. وهذا المناط موجود أيضًا في الإيقاعات. لذلك يمكن القول إن كل إيقاع لا يخالف نص القانون الصريح نافذ[44]و[45].

3. شمّ الفقه: انتزاع روح النص والقانون ومذاق الشريعة

جمع هذه العناوين الثلاثة تحت عنوان واحد يعود إلى قربها وتلازمها وتشابكها مع بعضها البعض، وأصل ذلك يعود إلى التمييز بين الأساسي والعرضي، والأصيل والثانوي، والهدف والوسيلة، والباطن والظاهر في الأحكام. وبالطبع، هذا ليس بالأمر السهل، بل يتطلب إحاطة تامة بكليّة الإسلام، لا سيما بالأبواب الفقهية، وبقول صاحب جواهر، يتطلب نفسًا خالية من الهوى وزاهدًا في الدنيا. كما يرى الفقهاء القانونيون أن روح القانون هي الأصل في الآراء العلمية التي تشكل أساس مادة أو مواد قانونية (وبعبارة أدق الدوافع والمصالح التي تلزم المشرع بوضع القانون)، وقد أكدوا على صعوبة الوصول إليها حتى في مجالات القانون الوضعي والعقود البشرية. لكن هذه الصعوبة، سواء في مجال القانون الوضعي أو في مجال الشريعة، لا تعني الاستحالة أو الامتناع، والدليل على ذلك وقوع هذا الأمر على يد كبار الفقهاء؛ من بينهم المرحوم كاشف الغطاء الذي له بيان في كيفية معرفة مراد الشارع (في مقدمة الجزء التاسع والعشرين من كشف الغطاء) حيث يقول: مراد الشارع من أحكامه يمكن إدراكه إما بتصريح منه، أو من خلال تتبع أقواله وأفعاله، بالقياس الأولوي، أو بتنقيح المناط والقياس المنصوص عليه. ثم يطرح طريقًا آخر بهذا التعبير:

وكذلك ما يُلْقَى في ذهن المجتهد من تتبع الأدلة بالانبعاث عن الذوق السليم والإدراك المباشر بحيث يكون مفهوماً له من مجموع الأدلة، فإن ذلك من جملة النصوص، فإن للعقل على نحو الحس ذوقاً ولمساً وسمعاً وشماً ونطقاً من حيث لا يصل إلى الحواس، فاعتبار المناطيق والمفاهيم والتعريفات والتلويحات والرموز و… مع عدم ضعف الظن من مقولة واحدة، إذ ليس مدار الحجية الأعلى التفاهم المعتبر عرفاً.

أي أن هناك طريقاً آخر للوصول إلى مقصد الشارع، وهو ما يتشكل في ذهن المجتهد من تتبع الأدلة وبواسطة ذوقه السليم وإدراكه الصحيح؛ بحيث يمكن القول إنه مستنتج من مجموع الأدلة (وليس من كل واحدة منها على حدة). لأن هذا أيضاً من النصوص. إذ للعقل، مثل الحس، ذوق ولغة وأذن وشم ونطق لا تصل إليها الحواس. لذلك، اعتبار المنطوق والمفهوم والتلميح والرمز، ما دام لا يصاحبه ظن ضعيف، متساوٍ، لأن الحُجية تدور حول التفاهم المعتمد عرفاً (الذي يُدرك بالمنطوق والمفهوم والنظر الكلي إلى مجموع الأدلة واستخلاص روح النص وفهم مقصد الشارع).

على أي حال، أن فقيهاً اعتبر إلقاء سهم الإمام المهدي (عج) في البحر في زمن الغيبة مخالفاً للذوق الفقهي[46]، وفقيه آخر يعمم مقبولة عمر بن حنظلة من القضاة إلى الفتوى أو حتى إلى الولاية والحكم[47]، أو أن قاعدة لا ضرر تُنسب إلى الحكم والفقه الحكومي ومرتبطة بمراعاة مصالح المجتمع[48]، أو أن مجتهداً وجد تولي النساء في باب المرجعية والفتوى مخالفاً لمذاق الشريعة[49]، وعالم آخر يعتبر استعمال القرعة في الشبهات الحكمية مخالفاً للمذهب[50]، وفقيه يبدل القرعة في الفقه المستلزم للتحقق (الفقه الجديد) بتطبيق مرجحات استحسانية مثل الثروة، والحضر، والحرية، وعدم السفر، وغيرها[51]، وعالم آخر يرى أن الأصل (في عدم تحديد الملكية وعدم مشروعيتها) يتعارض مع روح العدل الإسلامي[52]، أو أن إسلامية الملكية على أدوات الإنتاج الكبرى تُرفض بسبب تبعاتها في الملكية[53]، وفقيه آخر يعتبر التعزيرات مجرد تهويل (ترهيب لمنع ارتكاب الجرائم)[54]، وآخر يراها من صلاحيات الحاكم وليست أحكاماً ثابتة مئة بالمئة[55]، كل ذلك يدل على أن الفقهاء في الممارسة، بالإضافة إلى طرق الاستنباط المعتادة، ينظرون إلى روح الإسلام والمناط والمقاييس القانونية، ويجعلون شمّهم الفقهي وسيلة للوصول إلى قصد الشارع ومذاق الشريعة وروح النص ومقاييس الأحكام.

أما المهم فهو السعي لضبط هذه الطريقة، التي رغم صعوبتها، إلا أنها ثمينة جداً ومثمرة.

ومن طرق الوصول إلى هذا الأمر، فتح نقاش حول فلسفة الأحكام والمناطات المستخلصة منها. في كل باب من أبواب الفقه، وكذلك القواعد المستنبطة حول الموضوعات والأحكام الخاصة بذلك الباب، والسعي لاقتراح (تقديم أو تنظيم) هذه القواعد بمساعدة الاستقراء أو طرق استنباط أخرى، وأخيراً محاولة تقديم نظرية فقهية حول المسائل العامة في باب فقهي معين (كنظرية العقد أو نظرية الإرادة أو نظرية الضمان).

الأستاذ مطهري، مع اعتباره أن أصل الاجتهاد هو جهد عقلي وعقلائي (إلى جانب تعلم وتطبيق العلوم التمهيدية)، يرى أن الاستخدام الصحيح للقواعد الحاكمة والأحكام الثانوية الموجودة في نص الشريعة من جهة، واستخلاص القواعد العامة والاستفادة منها من جهة أخرى، هو سبب مرونة الإسلام في التكيف مع الزمن وأداة قوته في إدارة المجتمع وقيادة أهل كل عصر وزمان. وفيما يخص هذه القواعد يقول: (في جسم الشريعة تعقيدات تجعلها دائمة ومعقولة وقابلة للمرونة؛ قواعد مثل أصل نفي الضرر، ونفي العسر والحرج، وتقديم المهم على المهم، وصلاحيات الحاكم… وأخيراً الانتباه إلى أصل الاجتهاد هي من الطرق التي يمكن من خلالها دفع الضرر والحرج الناتجين عن تطبيق المبادئ الثابتة التي قد تصيب الفرد والمجتمع).

وكذلك في ما يتعلق بسعة الإمكانات لاستخدام مصادر الشريعة في تطبيق قواعد أخرى يقول:

(أصل العدالة الاجتماعية، رغم أهميته الكبيرة، قد تم تجاهله في فقهنا، وبينما استُنبطت عمومات فقهية من آيات مثل (وبالوالدين إحساناً) و(أوفوا بالعقود)، إلا أنه مع كل التأكيد الذي يضعه القرآن الكريم على مسألة العدالة الاجتماعية، لم يُستنبط في الفقه قاعدة أو أصلاً عاماً من ذلك، وهذا الأمر أدى إلى ركود التفكير الاجتماعي عند فقهائنا).[56]

وفي موضع آخر، مع تعداد أهمية متابعة أصل العدل في الأصول والفروع، قال:

لو تم اتباع الطريق الذي فتحته العدلية، وأُعيرت مبادئ الحقوق الإسلامية الاهتمام، لكُنت كثير من الآيات… التي لا تُعد حالياً من آيات الأحكام، أصبحت من آيات الأحكام… إن إنكار أصل العدل وتأثير هذا الإنكار، إلى حد ما، في الأفكار، حال دون نمو فلسفة الإسلام الاجتماعية، ووضعها على أساس عقلي وعملي، وجعلها دليلاً للفقه… فظهر فقه غير متناسب مع بقية أصول الإسلام وبدون أصول ومبادئ وفلسفة اجتماعية. لو بقيت حرية الفكر ولم يحدث تفوق أصحاب السنة على أهل العدل، ولم تصب الشيعة مصيبة الأخباريين، لكنا الآن نمتلك فلسفة اجتماعية منظمة وكان فقهنا مبنياً على هذا الأصل، ولم نكن نعاني من التناقضات والمآزق الحالية).[57]

نوع آخر من تطبيق شمّ الفقهاء في استخلاص القواعد العامة ورد في كتاب منطق الحقوق. في هذا الكتاب، إلى جانب طرح الأدلة العقلية والنقلية على أصل المساواة وعدم التمييز[58]، تم تعداد بعض النتائج المستخلصة منها كما يلي[59]:

أ) نفي تبرير الحصانة القانونية لفئة معينة.

ب) أصل المعاملة المتبادلة في علاقات الدول.

ج) صحة شروط الدولة كاملة الوداد.

د) إلغاء المحاكم الخاصة.

ه) نفي التمييز السياسي.

و) أن خط القعر في الأنهار ووسط القمم هو المعيار في ترسيم الحدود الوطنية.

ز) بطلان التمييز ومنح الامتياز للمواطنين أو الأجانب.

كما فتح المؤلف نقاشًا تحت عنوان (زاوية نظر جديدة) التي يمكن اعتبارها من فروع شم الفقاهة. الزاوية الجديدة التي قد يكون منشؤها الاستقراء أو مفاهيم فقهية غير مألوفة، أو في البداية مجرد حدس فقهي، تتمتع بخاصية تبريرية قوية، وأحيانًا من خلال تقديم نظرية خاصة من زاوية النظر الجديدة تُحل العديد من المشكلات الفقهية[60].

استنتاج: من طرق بروز التحول في الفقه والأحكام لبعض الظواهر هو تبدل مصداقيتها لأحد القواعد العامة. إذ رأينا أن القواعد العامة والعناوين الثانوية في الإسلام تلعب دور الضبط والتعديل، ووفقًا للظروف المختلفة، يُخرج الفرد أو عمله أو علاقاته الفردية والاجتماعية من تحت قاعدة معينة ويشمل قاعدة أخرى بناءً على معايير القواعد المذكورة[61]. بالإضافة إلى أنه مع اكتشاف قاعدة جديدة، ناتجة عن استقراء أو شم فقه الفقيه أو إيجاد زاوية نظر جديدة لمسألة، مثل قاعدة العدالة أو قاعدة نفي التكدس، يجب بطبيعة الحال أن ننتظر تغييرات في بعض الفتاوى وأحيانًا في النظام والهندسة الحكمية للفقيه (في الأمور غير العبادية).

طرق اكتشاف النظام ومناطّه

اكتشاف نظرية عامة لجزء من الأحكام والقواعد الفقهية الإسلامية واستنباط نظام كلي وراء أو في محيط الأحكام الشرعية المتعلقة بباب أو أبواب متقاربة من الفقه، ليس له تاريخ طويل في الفقه الشيعي. فذهان فقهائنا، كما عبر الشهيد آية الله صدر، كان متعوّدًا على فقه فردي وجزئي، ولم يكن هناك اهتمام بالفقه الجمعي والكلي والنظامي. أما فقه أهل السنة، بسبب انشغالهم الطويل بمشاكل الحكم وقضايا المجتمع واحتكاكهم بالأنظمة القانونية المنافسة خارج المجتمع الإسلامي، فقد توصل قبل عدة عقود إلى أنه من أجل تقديم مجموعة فقهية وقانونية نافعة وكذلك طرح مناقشات مقارنة بين القانون الوضعي والشريعة، يجب اللجوء إلى تدوين واستخلاص أنظمة قانونية مختلفة في المجالات الاقتصادية والجزائية والسياسية[62].

في فقه الإمامية، لم تتضح أهمية هذا النقاش إلا في الثلاثين أو الأربعين سنة الأخيرة، ويرجع ذلك إلى سببين: أولًا تحدي الأنظمة السياسية والاقتصادية والقانونية المختلفة؛ مثل تحدي أنظمة الاشتراكية والرأسمالية للنظام الاقتصادي الديني أو تحدي الأنظمة الليبرالية للحكم الإسلامي وما شابه ذلك. ثانيًا تحقق الحكم الإسلامي في هذه المدة، الذي بطبيعة الحال يجب أن يكون قادرًا على الإجابة عن مشاكل الإنسان المعاصر في مختلف المجالات.

وفي هذا السياق، كانت جهود الإمام الخميني قدس سره، الشهيد آية الله صدر، والأستاذ الشهيد مطهري في الفقه الشيعي[63] ذات أهمية بالغة. فقد طرح الإمام الخميني نظام الحكم الإسلامي في إطار ولاية الفقيه (قبل انتصار الثورة) وطرح الفقه الحكومي ومصلحة النظام (بعد الثورة)، وطرح الشهيد مطهري مناقشات حول الإسلام ومتطلبات العصر ودراسة خصائص الاجتهاد كقوة دافعة للإسلام في الاستجابة لهذه المتطلبات، وطرح الشهيد صدر مناقشات منهجية أصولية ومنظمة في تقديم طريقة لاستخلاص النظام في الفقه الإسلامي وتطبيقه عمليًا في اكتشاف واستخلاص النظام الاقتصادي الإسلامي، وكان لهم الدور الأبرز في تشكيل هذه المرحلة من الفقه الشيعي. ونظرًا لأن من بين هؤلاء العظماء الذين ذُكروا، كان الشهيد آية الله صدر وحده من قدم طريقة منهجية لاكتشاف النظام، ومن هذه الناحية يقع ضمن مسار بحثنا، أي طريقة اكتشاف المعيار لنظام فقهي، نعرض هنا موجزًا لطريقته في هذا المجال[64]:

النظام من وجهة نظر الشهيد صدر هو إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاجتماعية في المجال الاقتصادي والسياسي والتربوي… على أساس خاص. فمثلاً، النظام الاقتصادي هو إيجاد طريقة لتنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع وفقًا للعدالة. إذًا، النظام يحقق الأهداف والقيم والخطوط العامة لجانب من أبعاد حياة الإنسان. ويرى الشهيد صدر، بالإضافة إلى الأدلة الخارجية (مثل أدلة وجوه حاجة الإنسان إلى الدين وإرسال الرسل)، أن الأدلة الداخلية الدينية، كالأحاديث التي تدل على شمول الدين لكل ما يحتاجه الناس (حتى علاج خدش الجلد…) وما شابه ذلك، تؤكد هذا الأمر. لأن حاجة الإنسان إلى ثمرات الحياة الجماعية ومعرفة طريقة تنظيمها أعمق وأكثر حيوية. ويعتبر أن نظامية أحكام الإسلام شيء يتجاوز مجرد تقديم الأهداف العامة والقيم الأخلاقية للنظام، لأن الإسلام يقدم العديد من الخطوط العامة والحدود اللازمة لتكوين وتنفيذ نظام، ومن ذلك في مجال النظام الاقتصادي الإسلامي حيث يعدد بعض القواعد والمبادئ العامة للنظام الاقتصادي[65].

طريقة اكتشاف النظام

في هذه الطريقة، من جهة نتعامل مع منطق الاستقراء وحساب الاحتمالات (كدعم للحجية)، ومن جهة أخرى مع مسألة طريقة فهم الإسلام وأركانه ومفاهيمه (أي إسلاميات، وهو أمر أعلى من شم الفقاهة). ويأخذ في بعد الاستقراء المواد المجمعة للاستقراء، سواء كانت نصوصًا أو متونًا أو أحكامًا فقهية في تأليفات الفقهاء.

لذا، هناك خطوتان أساسيتان لتكوين النظرية في المرحلة الأولى تشمل الجمع والاختيار وتحديد النصوص، مع نظرتين جزئية وكاملة لها. وبهذا تُقسم النصوص المتعلقة بالنظرية التي ستتبلور لاحقًا في ذهن الفقيه إلى ثلاث فئات: 1- نصوص صريحة في الموافقة. 2- نصوص صريحة في عدم الموافقة. 3- نصوص غير صريحة (في الموافقة أو عدمها). وفي هذه الفئة الأخيرة، فهم النص واستخلاص مضمونه يتطلب اجتهادًا دقيقًا.

في المرحلة الثانية تشمل تركيب الأمور وتحليلها والنظر الشامل لاستخلاص (البنية الأساسية) (بتعبير الشهيد الصدر صورة علويّة) من خلال جميع النصوص والأحكام وكذلك المركب منها، ثم اكتشاف القواعد العامة بناءً على ذلك (البنية الأساسية). النقطة المهمة في هذا القسم هي أنه بما أننا قبلنا في الفقه النظري النظرية والنظام في المقام الأول، فالإسلام دين كامل وله أنظمة متعددة، وقد أوصى بوضع النظام ضمن الاجتهاد والفقه. بالإضافة إلى ذلك، وبما أن طريقة الاكتشاف الاستقرائية تعتمد على حساب الاحتمالات، فإن فتوى فقيه معين لها قيمة إحصائية فقط، وينظر إليها بنظرة تأييد أو عدم تأييد للنظرية العامة المقترحة. لذلك نرى أن فتوى أو عدة فتاوى مخالفة (في فقه الأحكام)، في الفقه النظري الذي يتمتع بمنزلة استنباطية أرفع، طالما لم تكن قادرة على تكوين قوة احتمال للنظرية المنافسة أو إضعاف النظرية المقترحة، فلا تأثير سلبي لها في الاجتهاد النظري للنظرية والنظام المعنيين. لذلك، فإن الطريقة العامة لاكتشاف النظرية تتمثل في اعتبار نظرية مقترحة (بعد استقراء النصوص والأحكام) والنظر في المؤيدات لهذه النظرية وكذلك النظريات المنافسة، وأخيراً الحساب الموضوعي لمقدار نجاح كل منها بناءً على حساب الاحتمالات وتحديد درجة اليقين أو الظن الاطمئنائي المحصل لإحدى النظريات. تُثبت حجية هذا النظام من خلال الاستدلال العقلي؛ لأن الفقيه في هذه الطريقة يعتمد على مبدأ الاستقراء، وبما أن أصول الاستنباط استقراء مضبوط ومنهجي، فإن تدخل عنصر الاختيار والعناصر الداخلية يقل إلى الحد الأدنى.

الأحكام والتشريعات الثابتة والمتغيرة

سر قدرة جهاز الاجتهاد الإسلامي ونجاح قيادته لتوجيه الحياة الاجتماعية، في نظر الشهيد آية الله الصدر، يكمن في التركيب المناسب لهذين العنصرين (الثابت والمتحول) في تركيب واحد وبأهداف مشتركة، وهذا بحد ذاته يحتاج إلى ثلاثة أمور: أولاً فهم العنصر الثابت، ثانياً فهم مقتضيات وطبيعة كل مرحلة من مراحل الحضارة البشرية، ثالثاً تحديد صلاحيات ونطاق تدخل ولي الأمر.

في نظره، يقع مفهوم مهم (منطقة الفراغ) في إطار هذا العنصر الثالث في الإسلام. في الواقع، منطقة الفراغ ليست فراغاً أو نقصاً في الشريعة، بل هي خاصية وميزة للشريعة التي جعلت هذه المناطق، بالإضافة إلى وجود حكم أولي وأساسي لها، في معرض تطبيق سلطة ولي الأمر لوضع تشريع ثانوي فيها. لذلك، تملأ الدولة الفراغ الذي تركته الشريعة الإسلامية في ظل الظروف المتغيرة. وبعبارة أحد الفقهاء الإسلاميين: (الصمت المتعمد (الذي تؤيده روايات مثل: “سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها”، (وافی، ج1، ص49) في النظام القانوني الإسلامي فيما يتعلق بخصائص الحكم اللازم في هذا المجال، يخلق طبعاً مجالاً حراً قانونياً وحرية إرادة. أي أن الناس يشغلون بموافقتهم مجالات الصمت (من باب الحكم لا التشريع)، وهذا انفتاح تم التنبؤ به في النصوص المتعلقة بالصمت المتعمد، وهو من مقتضيات خلود الشريعة وضرورة عدم الإضرار)[66]. في المجتمع الإسلامي ككل، تترك مسألة (المجالات الحرة القانونية) يد السلطة التشريعية مفتوحة. وهذا شيء إضافي على الأحكام الثانوية التي يستخدمها المسلمون أحياناً، لكنه لا يلبي الاحتياجات اللامحدودة لعصرنا[67]. المجالات الحرة القانونية التي كانت مجهولة حتى بضع سنوات مضت، أصبحت الآن حقيقة كبيرة في عالم التشريع. وقبول المجالس التشريعية بناءً على هذا المنظور جدير بالاهتمام[68].

لذلك، بشكل عام، هناك أربعة أمور أساسية لرسم الخطوط العامة لنظام ما وهي: 1- معرفة التوجه العام للشريعة، 2- فهم الهدف المنصوص عليه للأحكام الثابتة، 3- مراعاة القيم الاجتماعية، 4- فهم الأهداف التي حُددت لولي الأمر ومجالات ممارسة ولايته.

[1] كما أن الشهيد الصدر لم يستند فقط إلى مصداقية هذا الأسلوب في العلوم التجريبية (انظر: الأسس المنطقية للاستقراء) بل استند إليه أيضاً في بيان أصول الدين (انظر: مقدمة الفتاوى الواضحة) وكذلك في المناقشات الأصولية والفقهية (انظر: اقتصادنا، ص402 429 والمعالم الجدیده، ص161).

[2] انظر: الشهيد محمد باقر الصدر، بحوث إسلامية، مقال الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد، ص80-84.

[3] انظر: حاشية الكفاية، ص206-207.

[4] نقاش الأستاذ الشهيد مطهري في كتاب “عشرة أقوال” بعنوان “دور النظرة الكونية للفقهاء في فتاواهم” يمكن أن يوضح هذا النقاش.

[5] انظر: الشهيد مطهري، الفصل الأول من مجموعة الآثار، ج3، ختم النبوة، ص153-179.

[6] رينيه دافيد، مؤلف كتاب الأنظمة القانونية المعاصرة، ضمن دراسته للفقه وحقوق أهل السنة، ذكر الشكلانية في هذا الفقه كعامل للتوافق مع الزمن، وذكر على سبيل المثال الحيل الشرعية للهروب من الربا وما شابه ذلك (انظر: ص458 460). كما ذكر صبحي محمصاني في كتاب فلسفة التشريع في الإسلام أدلة المؤيدين والمعارضين لتطبيق الحيل الشرعية، وفي النهاية اعتبرها مخالفة لقواعد مثل (الأمور بمقاصدها) (انظر: ص ص. 208 218).

[7] نجد جواب السؤال الأول في كلام الإمام الصادق (ع) مع شخص كان يسرق من الأغنياء إما لطلب الأجر أو لتحقيق العدالة الاجتماعية ويعطي الفقراء، ونهيه عن فعله. وجواب السؤال الثاني نجده بالنظر إلى اهتمام الأئمة الشديد بالحفاظ على مقاصد الأحكام ونهيهم عن الجمود على الظواهر (خصوصاً بالنظر إلى تعامل أمير المؤمنين (ع) مع المارقين والقاسطين).

[8] بالتأكيد المقصود من العلة في أبواب الفقه والأصول ليس معناها الفلسفي (التأثير الوجودي أو الطبيعي)، لأن أولاً الحكم الفقهي (مثل وجوب الوضوء أو وجوب قضاء الصيام) قد يكون له في الوقت نفسه عدة أسباب، بينما في العلل والمعالي الفلسفية هذا مستحيل (الواحد لا يصدر عن الواحد)؛ ثانياً في الفقه يجوز تحقق السبب قبل أو بعد أو مع المسبب، ويسمح بالتسبب والتأثير من ما بعد إلى ما قبل (مثل الشرط المتأخر)، وهذا مستحيل في الواقع.

[9] المقصود من تحقيق مناط هو المعنى الأعم الذي يشمل كل كشف للمناط، وليس تنقيح مناط بمعناه الخاص (في بحث القياس) الذي هو كشف علة القياس بالسبر والتقسيم.

[10] يجب البحث عن سبب اختيار هذا التعبير في مبحث علة التشريع وعلة التعميم. انظر: مناط الأحكام، ملا نظر علي الطالقاني، ص16.

[11] يمكن تقسيم الحكمة أيضاً إلى هذين النوعين؛ أي الحكمة الثبوتية، أو المصالح التي قصدها الشارع من تشريع الحكم (دون أن تكون مقصودة بالذات)، والحكمة الإثباتية، أو المنافع التي تبينت للمجتهد.

[12] صاحب الفصول أشار بطريقة ما إلى تفريق هذين النوعين من العلة تحت عنوان العلل المعتبرة شرعاً والعلل الحقيقية، واعتبر معرفة العلل من النوع الأول. (انظر: فصول، فصل في حجية القياس المستنبط العلة). وسنرى أن تقسيم العلل إلى علة تشريع وعلة تعميم يمكن إرجاعه إلى العلة الثبوتية والإثباتية.

[13] القواعد، ج1، ص39. أُضيف قيد الانضباط لإخراج الحكمة من التعريف. ولهذا لم يجعل الشارع الحكم مداراً عليها. انظر: الأصول العامة للفقه المقارن، ص311.

[14] المستصفى، ج2، ص54.

[15] المرجع نفسه، ص72، وانظر أيضاً: ص288-289.

[16] في (العلة) اعتُبرت أربعة أمور شرطاً: 1 أن يكون الوصف ظاهراً وقابلًا للاكتشاف، 2 أن يكون الوصف منضبطًا ومحددًا، لا مشتتًا ومبهمًا، 3 أن يكون مناسبًا، أي ظنًا بتحقق الحكم، 4 أن لا يكون الوصف محصورًا بالأصل، بل قابلًا للامتداد. انظر: خلاف، علم أصول الفقه، ص78.

[17] انظر: حكيم، الأصول العامة…، ص310. من باب التشبيه يمكن تشبيه استخدام السبب في القياس بالبرهان، الذي يشمل البرهان الإنّي واللمّي، واستخدام العلة بالبرهان اللمّي.

[18] الفرق بين موضوع الحكم ومتعلق الحكم هو أن الموضوع يُطلق اصطلاحًا على الأعيان، مثل الخمر والصلاة والغناء، والمتعلق يُطلق على أفعال المكلف، مثل الشرب وأداء الصلاة والغناء. موضوع الحكم إما شرعي (مثل الصلاة) أو عرفي (مثل الغناء).

[19] الشهيد الصدر قدم نقاشًا تفصيليًا في هذا المجال في مقال (الفهم الاجتماعي للنصوص في فقه الإمام الصادق (ع)). انظر: بحوث إسلامية، ص90-99.

[20] انظر: مجلة نقد ونظر، العدد الأول، الصفحات 87-90 (مقابلة مع آية الله معرفت).

[21] كتاب البيع، ج2، ص47.

[22] الوسائل، ج2، ص105.

[23] الإمام الخميني (ره) في مذهبه الفقهي استند مرارًا إلى مناسبات الحكم والموضوع كدليل. انظر: البيع، ج1، ص112 وج2، ص470؛ ج4، ص185؛ ج5، ص312 و402؛ وكذلك الطهارة، ج1، ص314-315؛ ج2، ص22؛ وكتاب الخلل في الصلاة، ص181 و224؛ والمكاسب، ج3، ص153 و263. وأيضًا كجزء من الدليل ومؤيد لدلائل أخرى في هذه المصادر: البيع، ج4، ص304؛ ج2، ص444؛ والمكاسب، ج1، ص124؛ وأحيانًا كقرينة وتأكيد في الطهارات، ج1، ص129؛ ج2، ص34 و439؛ وكتاب الخلل، ص34.

[24] انظر: بحوث إسلامية، ص98-99.

[25] قواعد الأحكام (الطبعة الحجرية)، ص6، وانظر أيضًا: المدخل، ص187.

[26] انظر: بحوث إسلامية، ص95.

[27] انظر: كيهان الثقافية، السنة الحادية عشرة، العدد 8، ص12-13 (مقابلة مع آية الله بجنوردي).

[28] صحيفة النور، ج21، ص15.

[29] الإمام الخميني، المكاسب المحرمة، ج1، ص37 و71.

[30] انظر: الإمام الخميني، بدائع الدرر، ص88؛ وكذلك بحوث إسلامية، ص83 و84.

[31] انظر: فلسفات إسلامية، مقال الفقهاء والتجديد.

[32] بالطبع لا ينبغي نسيان أن هناك حدودًا دقيقة بين هذه الطرق لاستخلاص قاعدة، وغالبًا ما يكون من الضروري استخدام اثنين أو كل الطرق المذكورة.

[33] لدراسة حول تاريخ طرح نقاش الاستقراء في أصول الفقه الشيعي ومساره انظر: آينة البحث، العدد 27، ص22-23.

[34] المعالم الجديدة، ص161-165.

[35] مجموعة الآثار، ج3 (المجلد الثاني من الحلقات)، ص544.

[36] المعالم الجديدة، ص162.

[37] المرجع نفسه، ص162.

[38] المرجع نفسه، ص163.

[39] المرجع نفسه، ص164. وقد أكد في اقتصادنا (ص395 396) على هذه النقطة أنه لاستخلاص قاعدة عامة، بالإضافة إلى جمع النصوص والأحكام المختلفة وتصنيفها بدقة (تفكيك)، هناك حاجة إلى عمليات تركيب وتحليل هذه المفردات والنظر إليها جزئيًا وكليًا (النظر إلى المفردات والنصوص الجزئية في ضوء كل شامل) حتى يتم بذلك استخراج قاعدة عامة من خلال كل الحالات ومن جوف المركب المذكور.

[40] الحلقات، الحلقة الثانية (مجموعة الآثار، ج3)، ص464. يجب الانتباه إلى أن الأساس المنطقي والمنهجي لهذه المناقشات عند الشهيد الصدر هو نظرية الاحتمالات التي طرحها في الأسس المنطقية للاستقراء، حيث عرض الاستقراء كأمر موضوعي (موضوعي) وقابل للاختبار وله معيار.

[41] انظر: مصطلحات الحقوق، تحت مادة (وحدة الطريق).

[42] انظر: منطق الحقوق، ص1350-1356 و1565، و موسوعة الحقوق، ج4، ص513.

[43] شرح لمعة، باب الشهادات.

[44] مأخوذ من مجلة نقد ونظر، العدد الأول، مقابلة آية الله المرعشي، ص86.

[45] من بين مؤلفات الإمام الخميني التي استند فيها إلى هذه القاعدة، انظر: طهارات الإمام، ج2، ص131، وفي باب الضمان، البيع، ج1، ص296، وفي الأنفال، ج3، ص24.

[46] جواهر، ج39، ص262.

[47] الكفاية، ص443؛ الرسائل الإمام، ج2، ص105؛ البيع، ج2، ص.

[48] الإمام الخميني، بدائع الدرر في قاعدة لا ضرر، ص113.

[49] التنقيح، ج2، ص226.

[50] النائيني (أجود التقارير)، ج2، ص494.

[51] جواهر، ج38، ص210، وج8، ص187.

[52] اقتصادنا (المجلد العاشر من مجموعة الآثار)، ص373-375.

[53] الأستاذ مطهري، النظام الاقتصادي الإسلامي، ص191-192.

[54] كيهان الثقافية (مقابلة مع آية الله معرفت)، السنة 11، العدد 8.

[55] دراسات في ولاية الفقيه، ج2، ص357.

[56] مقتبس من: الإسلام ومتطلبات الزمن، ج2، ص137-141؛ مجموعة الآثار، ج3، ص190؛ وكذلك نظام حقوق المرأة في الإسلام وكتاب الخاتمية.

[57] لدراسة موجزة عن أسس الاقتصاد الإسلامي انظر: الأستاذ مطهري، ص27. وللدراسة الأعمق لمبدأ العدل والعدالة الاجتماعية في الإسلام من وجهة نظر الأستاذ، يمكن الرجوع إلى نفس العمل، الصفحات 152-154 و157.

[58] المرجع نفسه، ص167-170.

[59] منطق الحقوق، ص1308-1309.

[60] المرجع نفسه، ص1309-1311.

[61] المرجع نفسه، ص1407-1422. يرى أن مثال ذلك في (نظرية إدارة العقد) التي نجحت في إزالة العقبات في عقود الوقف مثل العقود الفوضوية. كما يعتبر مبدأ التغيير والمجالات الحرة القانونية من هذه النظريات المفيدة.

[62] مثلاً في حالات الضرورة، يُباح أخذ الضرائب أو التصرف في أموال الآخرين بموجب قاعدة لا ضرر أو تقديم المهم على المهم، حتى في الحالات الخطيرة يُباح بموجب قاعدة التقية أشياء محرمة مثل الكذب، وهكذا.

[63] عامل مهم في هذا المجال كان جمع مجموعة قانون مجلة الأحكام العدلية في عهد العثمانيين، حيث حاول فقهاء الحنفية جمع كتاب يشبه القانون الوضعي المتداول بأسلوب جديد، وكانت شروح هذه القواعد والقوانين والمناقشات التطبيقية التي أُثيرت حولها مؤثرة في وصول الفقه السني إلى مرحلة (ابتكار النظرية). وكان لفقهاء ومحامين مثل عبد الرزاق السنهوري والشيخ أحمد الزرقا دور كبير في ذلك.

[64] مع ذلك هناك استثناءان (حسب معلومات الكاتب) في فقهاء القرنين الأخيرين في هذا المجال: الأول المرحوم ملا نظر علي الطالقاني، والثاني المرحوم العلامة النائيني.

[65] أهم المصادر التي تم الرجوع إليها في هذا المجال هي: اقتصادنا، المدرسة الإسلامية، الإسلام يقود الحياة، مقال الشهيد الصدر من فقه النص إلى فقه النظرية (دراسة هذا المقال الذي يدخل بشكل وافي في نقاش الفقه النظري مهمة جداً). مجلة قضايا إسلامية، العدد الأول، تأليف سيد سلام زين العابدين، كتيب (الانتظار من الدين من وجهة نظر الشهيد آية الله الصدر) من منشورات مركز البحوث الاستراتيجية (1373).

[66] الإسلام يقود الحياة، (ج3، مجموعه آثار)، ص22-24 و31-37.

[67] منطق الحقوق، ص1260.

[68] المرجع نفسه، ص1329.