ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: بازپژوهی مبانی قانونگذاری در «منطقة الفراغ» نظام فقهیحقوقی شیعه ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.
الملخص: تتناول هذه الدراسة نظرية «منطقة الفراغ»؛ وهي نظرية قدمها الشهيد سيد محمدباقر صدر وتهدف إلى توضيح آلية توافق الشريعة مع التغيرات الزمنية والمكانية. وقد دُرست هذه النظرية كنظام قانوني ونظام تشريعي، وُصفت كحل جذري لإسلامية النظام التشريعي. ومن أهم القضايا المرتبطة بهذه النظرية التي تناولها الشهيد صدر بإيجاز، هي أسس التشريع في مجال «منطقة الفراغ». لذا قام مؤلفو هذه المقالة بمناقشة هذه الأسس تفصيليًا لسد الفراغ الموجود في شرح قواعد التشريع في هذه المنطقة.
المؤلف: إحسان علي أكبر بابوكاني، إحسان آهنگري
المصدر: مجلة الحكم الإسلامي، شتاء 1395، العدد 82(ب/ISC)، ص 133 إلى 158
المقدمة
يعتقد الشهيد صدر أن النظام القانوني الإسلامي يتكون من قسمين: عناصر ثابتة وعناصر متغيرة. المجال المتغير الذي يُسمى «منطقة الفراغ» هو مجال تدخل الحاكم الإسلامي. تضمن هذه المنطقة مرونة النظام القانوني الإسلامي للاستجابة لاحتياجات كل زمان، وبجانب العناصر الثابتة، تُظهر أكمل نظام قانوني عرفه الإنسان. أما القسم الثابت من هذا النظام القانوني، فهو غير قابل للتغيير ومشرّع لكل الأزمنة، ويشمل العناصر الكونية الشاملة للشريعة الإسلامية. أما القسم المتغير، الذي هو موضوع هذا البحث، فهو يتمتع بالحركة والمرونة من خلال القوانين التي يضعها الحكم الإسلامي في منطقة الفراغ، مع الأخذ بعين الاعتبار العناصر الثابتة من جهة ومتطلبات كل عصر من جهة أخرى. وبما أن هذه المنطقة تُملأ مستوحاة من العناصر الثابتة التشريعية، فإن الانتباه إلى النقاط التي يمكن أن تكون دليلاً للحكم في وضع القوانين أمر ضروري. وقد أشار الشهيد صدر، مبتكر هذا المشروع، في مؤلفاته إلى بعض هذه الأمور؛ فكما هو الحال في كل نظام قانوني، يتم وضع القوانين بناءً على مجموعة من الأسس والأهداف المحددة، حيث تشكل القواعد الموضوعية في الحقيقة هيكل هذه الأسس وتحقق تلك الأهداف. وفي نصوص الدين الإسلامي أيضًا، توجد إشارات لتحديد الخطوط العريضة في هذا المجال، لكي تكون القوانين التي يضعها ولي الأمر محققة للأهداف الدينية، ويجب أن يولي اهتمامًا خاصًا لهذه الإشارات عند ملء منطقة الفراغ. لذلك، سيتم أولًا طرح نظرية منطقة الفراغ وشرحها، ثم دراسة الأمور التي يرى الشهيد صدر ضرورة الانتباه إليها في ملء هذا الفراغ. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أنه رغم أن موضوع منطقة الفراغ قد حظي باهتمام المؤلفين وكتبوا مقالات حوله، إلا أن هذه الدراسة تبتكر من حيث أنها تبحث في أسس التشريع في مجال منطقة الفراغ، لأن هذا الجانب من الموضوع لم يُناقش إلا بشكل متفرق.
مفهوم النظام القانوني وخصائص النظام القانوني الإسلامي
القواعد والأنظمة القانونية التي تحكم مجتمعًا ما ليست مستقلة عن بعضها البعض، بل تُقسم إلى مجموعات مختلفة، وكل مجموعة تدير أحد العلاقات الاجتماعية لتحقيق هدف معين. وتسمى هذه المجموعات «المنظمة القانونية»؛ مثل المنظمة القانونية للنكاح، الإرث، والحجر. كما أن المنظمات القانونية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، وقد تكون منظمتان أو أكثر جزءًا من منظمة قانونية أوسع؛ فمثلًا، المنظمة القانونية للنكاح والإرث والنفقة هي من العناصر المكونة لـ«المنظمة القانونية للأسرة». وهكذا، يربط ارتباط منطقي وخاص كل القواعد والمنظمات القانونية معًا، ومن مجموعها يتكون «النظام القانوني» لكل بلد. وعندما يُقال «النظام القانوني في إيران»، يعني مجموع القواعد والأنظمة القانونية في إيران، التي تتألف من مجموعة من المنظمات القانونية والمبادئ الفنية التي تربطها معًا، وتشمل الأسس والأهداف التي تحيط بهذا البناء المعقد وتقوده (کاتوزیان، ١٣٧٧، ج١، ص٣٧-٣٦). لذلك، يُطلق على مجموعة القوانين «نظامًا» عندما تتوفر فيها الخصائص والعناصر اللازمة لتأسيس وإنشاء نظام قانوني. ومن هذه الخصائص ما يلي:
أ) وجود مجموعة من القوانين.
ب) وجود تعدد كبير من القواعد العامة والمبادئ الشاملة المتماسكة.
ج) استناد مجموعة القوانين الموجودة إلى المبادئ والقواعد العامة.
د) وجود علاقة وثيقة وعميقة بين القوانين والقواعد العامة بحيث تكون علاقة فرع وأصل بين الكلي والمصاديق.
هـ) شمولية القواعد العامة بحيث تكون قادرة على تلبية الاحتياجات والأحداث والحالات الخاصة.
و) عقلانية وإنسانية القواعد العامة بحيث تحظى بقبول عامة الناس.
ز) وجود ضمانة تنفيذ قضائية ضد حالات انتهاك وتخلف القوانين.
تبيين النظام القانوني للإسلام خارج أهداف هذا البحث، ولكن إجمالاً أهم الخصائص التي أُحصيت للنظام القانوني الإسلامي هي: الوحيانية للنظام القانوني الإسلامي، الشمولية، القدرة على التكيف مع ظروف الزمان والمكان، وجود قوانين ثابتة ومتغيرة، سريان عنصر العدالة في أركان النظام القانوني الإسلامي، خضوع أحكام النظام القانوني الإسلامي للمصالح والمفاسد، ارتباط النظام القانوني الإسلامي بالأخلاق، والعالمية التي يتميز بها النظام القانوني الإسلامي، فبهذه الخصائص يكون النظام القانوني الإسلامي آخر نظام قانوني ديني وإلهي يختلف عن باقي الأنظمة القانونية الإسلامية.
منطقة الفراغ كآلية لتنسيق الشريعة مع التغيرات الزمنية والمكانية
النظام القانوني الذي يقدمه الإسلام يختلف جوهرياً عن باقي الأنظمة القانونية. الفرق بين القوانين الوضعية والقوانين التي شرعها دين مثل الإسلام هو أن القوانين الوضعية البشرية تتغير كلما تغيرت الظروف الاجتماعية، حيث يقوم المشرع بتعديلها كلما رأى أن القوانين القائمة لم تعد تلبي متطلبات الحياة للمشمولين بها، فيصدر قانوناً جديداً يناسب الظروف الجديدة ويلغي القانون السابق؛ لأن فلسفة التشريع هي التنظيم الاجتماعي ومنع الفوضى، وطالما أن القوانين القائمة تحقق هذا الهدف فلا حاجة لتغييرها، وحالما تفقد القدرة على تحقيق النظام والعدالة يقوم المشرعون بتغييرها. لذلك في هذا النوع من الأنظمة القانونية، يكون واضع القانون نفسه مراقباً للأنظمة وقادراً على إلغاء أي قانون لم يعد ملائماً واستبداله بآخر. أما النظام القانوني الإسلامي فله اختلاف جوهري مع هذا الأسلوب، ويتطلب شرحه مقدمة.
في النظام التشريعي للدين الإسلامي، من له حق التشريع أصلاً وأساساً هو الله تعالى ورسوله، فالقوانين الأساسية للدين الإسلامي (المبادئ العامة للدين في مجال العمل والواجبات والمحظورات) يحددها الله ورسوله؛ أي أن الأحكام الشرعية للدين لا تُستمد إلا من هذا المصدر. الحاكم الإسلامي بعد النبي والأئمة الهدى: لا يملك حق التشريع من نفسه لإصدار أحكام واعتبارها أحكاماً إسلامية. الحق الذي يمتلكه هو بأي طريقة كانت فقط في إطار تنفيذ تلك الأحكام التي استُمدت من المصدر الأصلي؛ لذا لا يمكن اعتبار الحكم الصادر عن الحاكم من ضمن أحكام الدين الإسلامي، لأن مصادر استمداد أحكام الدين محددة ومعروفة، وأوامر ولي الأمر ليست من ضمنها.
وبناءً على هذه النقطة، يجب القول إن القوانين التي يقدمها دين يدعي العالمية والخلود، والتي من المفترض أن تنظم حياة البشر في كل مكان لفترات طويلة، ولا يكون المشرع الأصلي (الشارع) حاضراً جسدياً في المجتمع، وليس كالمشرعين البشر الذين يتواجدون في المجتمع لتكييف القوانين مع مقتضيات الزمان، لا يمكن أن تكون مجرد قوانين ثابتة غير قابلة للتغيير؛ لأن ذلك يعني عدم القدرة على تحقيق ادعائه، ويفقد القدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية بسبب غياب عنصر المرونة. ولا يمكن أن تتغير بالكامل مع كل تغيير في حياة البشر؛ لأن ذلك يعني استبدال النظام القانوني بعد فترة قصيرة بشيء آخر.
لذلك، الطريق الوحيد المتبقي لمثل هذا التصور هو أن يحتوي على عناصر ثابتة تلبي الاحتياجات الثابتة للبشر، ومن جهة أخرى، أن يتضمن آلية للتغيير والاستجابة بناءً على ثوابته، تجاه الظروف والبيئات والثقافات المختلفة؛ لأن المشرع هنا ليس هو من يغير القانون ليتناسب مع الظروف الجديدة، وإذا تجاوزنا فترة قصيرة من وجود المعصوم الذي يكون فيه الشارع حاضراً، فإن الشارع المقدس لا يكون حاضراً جسدياً، وولي الأمر الحاضر لا يُعتبر شارعاً للدين الإسلامي، بل يصدر أحكاماً مؤقتة لتنظيم المتغيرات الحياتية الاجتماعية بناءً على ثوابت الشريعة.
وجود العناصر الثابتة فقط قد يكون كافياً طالما أن أصحاب الشريعة الأصليين حاضرين، ولكن لفترات لاحقة يجب توفير آلية مناسبة أخرى، رغم أن الحاجة إلى وجود عناصر متغيرة قد ظهرت حتى في تلك الفترة، وبناءً عليه كما سيأتي لاحقاً، فقد أصدر النبي أيضاً أحكاماً في هذا السياق. لذلك يجب أن يكون في منظومة النظام القانوني الإسلامي آلية لتنسيق الشريعة مع متغيرات الزمان والمكان؛ لأنه بعد تشريع وإعلان القوانين الشرعية من قبل الشارع المقدس، لا يكون هو المشرع الذي يكيفها مع الظروف المختلفة، لذا فإن وجود منطقة الفراغ التي تحقق أهداف الإسلام في مجال المتغيرات ضروري في هذا النظام القانوني. يكتب الشهيد صدر في هذا المجال:
لم يضع الإسلام أصوله التشريعية المتعلقة بالحياة الاقتصادية[1] مؤقتًا وعابرًا ولمدة زمنية محددة بحيث تتغير بتغير الدورات التاريخية؛ بل وضعها كنظرية شاملة لكل الأزمنة. لذلك، لكي تتحقق خاصية الشمول والعموم، يجب أن تنعكس تحولات الدورات المختلفة ضمن عنصر متحرك فيها (صدر، ١٤٢٤هـ، ص٨٠٠).
مبادئ منطقة الفراغ
يمكن تلخيص المبادئ القريبة من هذا الرأي في نقطتين: ختمية وأبدية الشريعة، وثانيًا شموليتها.
ختمية وأبدية الشريعة
يرى بعض تلاميذ الشهيد صدر، من بين أهم جذور نقاش منطقة الفراغ، أنها تقوم على ختمية وأبدية الشريعة(حائری، ١٤١٧هـ، ص١١٧). وقد بيّن الشهيد صدر بالتفصيل أسباب تجديد حضور الأنبياء واعتبر أن تلك الأسباب غير موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. إن ختمية وأبدية شريعة رسول الله تقتضي أن تكون لهذه الشريعة آليات داخلية تمكنها من التكيف مع الظروف والتغيرات الضرورية عبر الزمن. ومن بين هذه الآليات، صلاحيات الحاكم الإسلامي في مجال منطقة الفراغ، التي بموجبها يملك الحاكم سلطة اتخاذ قرارات متغيرة في ظروف متغيرة، مما يحقق الخلود العملي للإسلام. ولهذا، اعتبر الشهيد صدر منطقة الفراغ عنصرًا متحركًا في المبادئ التشريعية للإسلام، مما يضمن استمرار حضور الإسلام وعموميته وشموليته في كل العصور (صدر، ١٤٢٤هـ، ص٨٠٠).
شمولية الشريعة
يرجع كثير من الاعتراضات على نقاش منطقة الفراغ إلى اعتبارها متعارضة مع شمولية الشريعة؛ بمعنى أن الاعتقاد بوجود مثل هذا المجال في الشريعة يعني وجود نقص فيها. على سبيل المثال، قال أحد المعاصرين:
الإمامية تعتقد أنه لا وجود لشيء لم يرد فيه نص، ولا يوجد أمر خالٍ من حكم شرعي، وقد اكتملت أصول وفروع الدين ولم يبق مجال لتشريع أحد… لذلك، لا وجود لفراغ قانوني في مذهب أهل البيت؛ بل كل ما يحتاجه المجتمع حتى يوم القيامة في حياته الفردية والاجتماعية والمادية والمعنوية له حكم إلهي في الشريعة… لذلك، لا يوجد فراغ أو نقص في الشريعة على الإطلاق، ولا مجال لتشريع أحد سواء كان فقيهًا أو غيره (مکارم شیرازی، ١٤٢٢هـ، ص٥١٥).
من وجهة نظر الشهيد صدر، وجود منطقة الفراغ في النظام القانوني الإسلامي لا يعد نقصًا في الشريعة، بل هو سبب كمالها ويظهر قدرة الإسلام على إدارة حياة الإنسان في كل زمان ومكان. ويكتب في هذا الصدد:
منطقة الفراغ لا تعني نقص الشريعة أو تجاهلها لبعض وقائع الحياة، بل تدل على شمولية النظام القانوني الإسلامي وقوة الشريعة في مواكبة العصور المختلفة؛ لأن وجود هذه المنطقة لا يعني نقصًا أو إهمالًا في الشريعة، بل إن الإسلام وضع قواعد خاصة لها؛ بحيث يُعطى كل واقعة حكمًا خاصًا، وفي الوقت نفسه يُمنح الولي الأمر صلاحية إصدار حكم آخر وفقًا للظروف المختلفة. لذلك، المقصود من وجود هذه المنطقة ليس أن الشريعة لا تملك حكمًا في بعض الوقائع وتركتها مهملة، لأن النصوص الإسلامية تؤكد وجود حكم في كل واقعة؛[2] بل المقصود هو أن الشريعة في الحالات التي لم تصدر فيها حكمًا إلزاميًا[3] تسمح للولي الأمر بإصدار أحكام تحقق أولًا أهداف الدين الرئيسية، وثانيًا تستجيب لمقتضيات الزمان… إلى جانب ذلك، يجب الانتباه إلى أن هناك مجالًا من السلوكيات ذات طبيعة متغيرة لا تقبل الأحكام الثابتة، وفرض قوانين ثابتة عليها يعد نقصًا في الشريعة ويحول دون استجابة الإسلام لمقتضيات واحتياجات كل زمان. لذلك، وجود مجال يسمى منطقة الفراغ يدل على فقه إسلامي متقدم ومتطور، وليس نقصًا في الشريعة. ومن الأمثلة على ذلك أن علاقة الإنسان بالطبيعة في الماضي كانت محدودة بسبب الإمكانيات المتاحة، فإذا أراد إحياء الأرض الميتة لم يكن يستطيع إلا إحياء جزء قليل منها. لذلك، كان الحكم بأن من أحيا أي مقدار من الأرض الميتة يصبح مالكًا لها[4] يحقق أهدافًا مثل العدالة، ولا يتعارض مع الأهداف الأساسية والجوهرية للإسلام في المجال الاقتصادي… أما في العصر الحالي، مع وجود أدوات متقدمة، يمكن لبعض الأشخاص استخدام الإمكانيات الجديدة للاستيلاء على مساحات واسعة ومنع الآخرين منها، وهذا الحق في النهاية يتعارض مع العدالة التي هي أساس أهداف الإسلام في المجال الاقتصادي؛ لذا يمكن للولي الأمر منعه وتقييد إحياء الأراضي الميتة لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية (صدر، ١٤٠٨هـ، ص٦٨٣).
أدلة وجود منطقة الفراغ
أهم دليل للشهيد صدر على وجود مثل هذا الحق للولي الأمر هو الآية ٥ من سورة النساء المباركة: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»؛ أيها الذين آمنوا، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
والاستدلال يكون على النحو التالي: وجوب طاعة الولي الأمر المذكور في الآية لا يخرج عن أحد الاحتمالات الثلاثة التالية:
الاحتمال الأول: المقصود هو نفوذ أوامر الولي الأمر في الأمور التي ثبتت أحكامها سابقًا في الشريعة؛ بمعنى أنه يأمر بتنفيذ الأحكام الشرعية، لكنه لا يملك حق التشريع بنفسه. وهذا الاحتمال مردود؛ لأن هذه الطاعة ليست طاعة للولي الأمر، بل طاعة لله، في حين أن الآية تصرح بوجوب طاعة الولي الأمر.
الاحتمال الثاني: المراد وجوب الطاعة لولي الأمر في كل حكم يصدره، حتى وإن كان في الشريعة حكم إلزامي يخالف ما أمر به. [5] وهذا الاحتمال أيضاً واضح البطلان؛ لأن هذه الطاعة من المخلوق في معصية الخالق، وهو ما نهت عنه الروايات.[6]
الاحتمال الثالث: المراد أن كلما أصدر ولي الأمر أمراً، ولم يكن في الشريعة حكم إلزامي يخالفه، يجب الطاعة له. هذا التفسير متعين؛ لذا فقد أقرّت الشريعة لولي الأمر هذا الحق لكي يملأ منطقة الفراغ في الحالات التي لا يوجد فيها حكم شرعي إلزامي، وفق مقتضيات الزمان والمكان وبما يتوافق مع الأهداف الأساسية للشريعة الإسلامية (حائری، ١٤١٧هـ، ص١١٤-١١٣).
وقد أشار المفسرون إلى هذا المعنى في كلماتهم (طبری، ١٤٢٢هـ، ج٧، ص١٨٢). ورغم أنه يمكن استنباط تفسير أوسع من هذه الآية، يشمل أموراً مثل تشخيص الموضوعات الثابتة وحل حالات التزاحم، إلا أنه إذا استبعدنا تلك الأمور، فالقدر اليقيني مما ذُكر هو ما يمكن استنباطه من الآية.
بالإضافة إلى هذه الآية، يشير الشهيد صدر إلى أربع روايات أخرى لفهم أفضل لمنطقة الفراغ وتبيينها، منها نهي النبي عن الامتناع عن إعطاء الماء والنبات الزائد،[7] والنهي عن شراء الثمرة قبل نضجها،[8] وتحريم تأجير الأرض في ظروف خاصة[9]، أو أوامر الإمام علي في تحديد الأسعار والتوصية بالتعامل مع التجار[10]، والتي لم تكن من الواجبات أو المحرمات الأصلية في الشريعة، بل كانت من صلاحيات الحاكم الإسلامي في هذا المجال (صدر، ١٤٢٤هـ، ص٨٠٨-٨٠٥).
نطاق منطقة الفراغ
يرى الشهيد صدر أن دائرة منطقة الفراغ التي يمكن لولي الأمر أن يأمر وينهى فيها تشمل كل ما لم يرد فيه نص شرعي يدل على الوجوب أو التحريم. ونتيجة لذلك، تشمل هذه المنطقة الأمور المباحة والمستحبة والمكروهة. أما ما حمل الشرع عليه حكم الوجوب أو التحريم، مثل الربا، فلا يجوز لولي الأمر أن يضع حكماً جديداً فيه؛ لأن الطاعة له في هذه الأمور تعني طاعة المخلوق في معصية الخالق (المرجع نفسه، ص٨٠٤).
ومن النقاط التي يبدو من الضروري الإشارة إليها هنا أن نظرية منطقة الفراغ غالباً ما تُنتقد بأنها تنطبق فقط على مجال المباحات، بينما في كثير من الحالات يجب حتى تعليق الأحكام الإلزامية مؤقتاً والعمل بناءً على المصلحة، كما كان الإمام الخميني يرى، ويبدو أن هذا الرأي يقدم جواباً أفضل لتوافق الشريعة مع الزمان والمكان.
والجواب على هذا الاعتراض هو أنه لا تعارض أو تناقض بين نظرية الشهيد صدر ونظرية الأحكام الحكومية. ما يجب الانتباه إليه هو أن نظرية الشهيد صدر تتعلق بالظروف العادية[11] حيث يمارس الحكم الإسلامي حقه في التشريع ضمن نطاق المباحات حسبما يراه مصلحاً، وهذا من صلاحيات الحاكم الإسلامي وفق نظرية منطقة الفراغ؛ أما مسألة التزاحم وتعليق الأحكام الإلزامية مؤقتاً فتتعلق بالظروف الطارئة وغير العادية، حيث لا يمكن تنفيذ حكم إلزامي بسبب الظروف القائمة، ويوجد حكم أهم يجب السعي لتنفيذه.
وهذا أمر لا يبدو أن أي فقيه يعارضه، ولا يرفض تعليق حكم مؤقتاً لصالح تنفيذ حكم أهم بسبب التزاحم. لذلك لا يمكن اعتبار نظرية الشهيد صدر متعارضة مع مسألة تزاحم الأحكام الإلزامية وإصدار حكم حكومي لتعليق تنفيذ حكم مهم لصالح تنفيذ حكم أهم؛ لأن كلام الشهيد صدر يتعلق بالظروف العادية وليس الطارئة، وفي الظروف العادية لا يقر أي فقيه حق الحاكم في تعليق حكم إلزامي مثل الوجوب أو التحريم.
وبعبارة أخرى، الشهيد صدر لا يتحدث عن مهام وصلاحيات الحاكم الإسلامي بحيث يكون من الضروري الإشارة إلى مسألة التزاحم، بل هو يثبت وجود منطقة الفراغ في الإسلام فقط. وهذه نقطة أشار إليها الشهيد صدر في عباراته (صدر، ١٤٠٨هـ، ص٣٧٩).
المرجع المختص لإصدار أحكام منطقة الفراغ
لدى الشهيد صدر نظريتان حول من هم المكلفون بوضع القوانين في منطقة الفراغ:
النظرية الأولى: بناءً على نظريته الأولى التي وردت في كتاب «اقتصادنا» والتي أُشير إليها أعلاه، من مناصب ولي الأمر أن يضع الأحكام التي تحقق مصلحة المجتمع الإسلامي مع مراعاة مصالحه ومنافعه.
النظرية الثانية: أن تشخيص المصالح وملء منطقة الفراغ يجب أن يُسند إلى مجلس منتخب من الشعب يتألف من أهل الحل والعقد. وفي كتاب «الاسلام يقود الحياة» يكتب ضمن الإشارة إلى مهام المجلس:
في المجال الذي لا يوجد فيه حكم قطعي من الشرع المقدس، أي لا وجوب ولا تحريم، يضع المجلس المنتخب من الشعب القوانين التي يراها مصلحة، بشرط ألا تتعارض مع الدستور. والمجال الذي يُسمح فيه بالتشريع يسمى منطقة الفراغ، وهذه المنطقة تشمل كل الحالات التي لا يحدد فيها الشرع المقدس موقفاً معيناً أو حكماً خاصاً (وجوباً أو تحريماً). كما ذُكر، يجب أن تكون قوانين المجلس متوافقة مع المصلحة العامة للشعب وألا تتعارض مع الدستور (صدر، ١٤٢١هـ، ص١٩).
لكن لا يوجد تعارض بين هاتين العبارتين؛ لأنّه وفق الدليل الذي استدل به الشهيد صدر، فقد وُكل حق التشريع في هذا المجال إلى ولي الأمر والولي الفقيه، وهو أصلاً حقه أن يشرع القوانين في هذا المجال. لكنه في الوقت نفسه يمكنه، استنادًا إلى مبدأ الشورى الذي أكد عليه الإسلام كثيرًا، والذي كان الأئمة المعصومون يصرون عليه في القرارات المهمة، أن يفوض هذا الحق إلى السلطة التشريعية، ويراقب قرارات المجلس من خلال المؤسسات الرقابية ويتابع مدى توافقها مع أهداف الشريعة ومتطلبات العصر.
أسس التشريع في منطقة الفراغ
اتضح أن سلطة إصدار أحكام منطقة الفراغ قد أُعطيت إلى ولي الأمر. لكن هذا لا يعني أن يتخذ قرارات في هذا المجال بلا ضوابط وبأي طريقة يشاء. لذلك، السؤال الأساسي في الأحكام المتعلقة بمنطقة الفراغ هو: ما هو المعيار والضابط لهذه الأحكام؟ لأن هذه الأحكام من جهة يجب أن تكون مستندة إلى الشريعة، ومن جهة أخرى يجب أن تكون موجهة لحل المشكلات والأحكام المتغيرة. لم يذكر الشهيد صدر كلامًا صريحًا حول معيار هذه الأحكام، لكن من أقواله المتفرقة يمكن الاقتراب من تحديد الضابط. أكثر النقاشات تماسكًا في هذا المجال طرحها الشهيد صدر في مقاله «صورة عن اقتصاد الإسلام» بنظرة اقتصادية، وذكر المؤشرات العامة التي سنشير إليها.
اتجاه التشريع
من خلال تبني نظرة شاملة للأحكام الشرعية ورؤية ارتباطها ببعضها، يمكن ملاحظة التناغم التام بين كل مجموعة من الأحكام في الكتاب والسنة التي تتناول مجالًا معينًا (مثل النشاطات الاقتصادية)؛ بمعنى أن هذه الأحكام تتجه نحو هدف واحد، وهو تحقيق غاية كان الشارع المقدس يسعى إليها عند وضع هذه الأحكام ويهتم بها اهتمامًا جادًا. إذا ما تم اتباع هذا المنهج، يمكن الوصول إلى أساس الأحكام الشرعية واكتشاف الأهداف الأساسية.
على الحاكم أن يولي اهتمامًا خاصًا لهذه الغاية، وأن يضع القوانين في منطقة الفراغ مع مراعاة هذه الغاية. مجموعة الأحكام التي تذكر أدناه هي نموذج بارز يمكن من خلاله استنباط غاية هذه التشريعات:
١. ألغى الإسلام «الحمى» (طوسی، ١٣٨٧هـ، ج٣، ص٢٧٠)؛ أي لا يحق لأحد أن يمنع الآخرين من الموارد الطبيعية (مثل الأرض والمناجم) بمجرد الاستيلاء والسيطرة عليها دون أن يقوم بإحيائها، بل لا يكتسب الحق إلا من خلال العمل عليها.
٢. إذا زال أثر إحياء الشخص للموارد الطبيعية وعادت إلى حالتها الأصلية، يفقد الشخص حقه فيها، ويجوز لأي شخص آخر أن يقوم بإحيائها (کرکی، ١٤١٤هـ، ج٧، ص١٧).
٣. الإحياء غير المباشر بطريقة الرأسمالية؛ بمعنى أنه إذا أعطى الرأسمالي أدوات العمل وأجر العمال ليقوموا بالإحياء نيابة عنه، فإن ذلك لا يمنحه حقًا في الإحياء أو الاستيلاء عليه لصالحه (حلی، ١٤١٤هـ، ج١٥، ص٤٥).
٤. لا يجوز للمستأجر أن يستغل الأجرة التي دفعها لتحقيق أرباح رأسمالية بدون أي عمل؛ كأن يستأجر عينًا ثم يؤجرها بسعر أعلى دون أن يقوم بأي عمل أو يزيد من منافعها (صدر، ١٤٠٣هـ، ص٤٤).
٥. ملكية أدوات الإنتاج في عملية الإنتاج لا تخلق حقًا لصاحبها في الإنتاج أو السلعة المنتجة، بل يمكنه فقط استئجار استخدام هذه الأدوات في الإنتاج من الذين شاركوا مباشرة في الإنتاج (حلی، ١٤٠٥هـ، ص٣١٧).
٦. إذا كان رأس المال النقدي مضمونًا في النشاط الاقتصادي ولا يتعرض لأي خسارة أو خطر، فلا يحق لصاحبه الاستفادة من الأرباح، لأن هذه الأرباح ربا، والربا محرّم في الإسلام (مفید، ١٤١٣هـ، ص٥٩٠). لذلك، لا يجوز لصاحب المال أن يقرض غيره الذي ينوي العمل الاقتصادي ويطالب بأرباح منه، ولا يبرر أن صاحب المال قد حرم نفسه من رأس ماله لفترة معينة بأن يستفيد من الأرباح دون أن يقوم بأي عمل؛ بل إن الربح في هذه الحالة كله يعود إلى العامل الذي قام بالنشاط الاقتصادي، وصاحب المال النقدي يمكنه فقط استرداد ما دفعه. والطريقة التي وضعها الإسلام ليستفادة صاحب المال النقدي من أرباح النشاط التجاري تسمى عقد «المضاربة»، حيث يخاطر صاحب المال ويعرض ماله للتلف أو الخسارة.
هذه الأحكام، إلى جانب العديد من الأحكام الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع في الفقه الإمامي، لها غاية واحدة واتجاه موحد، وتحدد خط سير ولي الأمر في التشريع؛ لأن كل هذه الأحكام والأحكام المشابهة تؤكد على عدم تحقيق الكسب من خلال الاستفادة من رأس المال أو إنتاج رأس المال باستخدام رأس المال، وأن العمل فقط هو مصدر تحقيق الثروة. [12]
أهداف الأحكام الثابتة بناءً على النصوص الدينية
المقصود بهذا الأمر هو أنه عندما يوجد حكم ثابت في الشريعة وذُكر هدف خاص من تشريعه في النصوص، فإن هذا الهدف يُعتبر من غايات الفقه الإسلامي ويُعد أساسًا للتشريع في منطقة الفراغ.
على سبيل المثال، يمكن ذكر هذه الآية الكريمة: «ما أفاء الله علي رسوله من أهل القري فلله و للرسول و لذي القربي و اليتامي و المساكين و ابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم» (الحشر(٥٩): ٧)؛ ما أنعم الله به على رسوله من أهل القرى فهو لله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، لكي لا يكون التفاوت والهيمنة بين الأغنياء منكم.
يتضح من هذه الآية أن التوازن الاقتصادي وعدم تراكم المال في يد فئة معينة وعدم نشوء الفوارق الطبقية في المجتمع الإسلامي، وأن تُلبَّى الاحتياجات المالية لجميع الأفراد، هو من أهداف الشريعة الإسلامية. وقد أظهر القرآن تعاملاً أشد مع هذه الظاهرة في الآية ٣٤ من سورة التوبة حيث يقول: «و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم»؛ أي الذين يكدسون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فأبشرهم بعذاب أليم.
التوازن الاقتصادي حكم ثابت وغير قابل للتغيير، وما ذُكر كهدف له يجب أن يُؤخذ في الاعتبار في القوانين الموضوعية، ويُكلَّف ولي الأمر بوضع قوانين في منطقة الفراغ تضمن تحقيق التوازن الاقتصادي وعدم تراكم المال في يد فئة محدودة. وهذه المسألة مهمة إلى درجة أن غير المسلمين الذين يعيشون تحت ظل الحكم الإسلامي يجب أن يستفيدوا من هذه النعم. وفي هذا السياق ورد: مرّ رجل مسن بجانب أمير المؤمنين وهو يتسوّل، فسأل الإمام أصحابه: من هذا الشخص؟ فقالوا: إنه مسيحي. فقال الإمام: لقد استغللتموه وعملتم به حتى شاخ وضعف، والآن لا تعيرونه اهتماماً ولا تعطونه شيئاً؟ فادفعوا مصاريفه من بيت المال (طوسی، ١٤٠٧هـ، ج٦، ص٢٩٣).
مثال آخر في هذا المجال هو ما ورد في الأحاديث عن هدف فرض الزكاة. فقد ورد في هذه الأحاديث أن الزكاة كضريبة شرعية ليست فقط لتلبية الاحتياجات الضرورية للفقراء وإنقاذهم من الموت، بل هي لتحقيق وصول ذلك الشخص إلى المستوى المتوسط الموجود في المجتمع من الناحية المالية، ويجب أن يُعطى من الزكاة ما يجعله يصل من الناحية الاقتصادية إلى مستوى غير الفقراء في المجتمع (طوسی، ١٤٠٧هـ، ج٤، ص٦٤؛ کلینی، ١٤٠٧هـ، ج٣، ص٥٦١).
ومن هذه الأحاديث يتضح بجلاء أن الإنسان يمكنه أن يستفيد من الزكاة حتى يصل إلى حد الاستغناء والانفصال عن مستوى الفقر والوصول إلى المستوى السائد في المجتمع من الناحية المالية.
وكذلك تأميم الأنفال، والخراج، والموارد الطبيعية، وتسليم صلاحياتها للحكومة والدولة الإسلامية، هو من التدابير التي اتخذها الإسلام في هذا الصدد. لذا، من الضروري على حاكم المجتمع الإسلامي أن يجتهد في هذا المجال، وبالنظر إلى المستوى المالي الموجود في المجتمع، أن يرفع المحتاجين إلى ذلك المستوى، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بوضع قوانين تجعل هذا الأمر ممكنًا. مثلاً، إذا لم تستطع الضريبة المحددة تحقيق هذا الهدف، يجب اللجوء إلى وسائل أخرى مثل توسيع نطاق تعلق الزكاة، كما فعل علي عندما فرض الزكاة على الخيل (طوسی، ١٤٠٧هـ، ج٤، ص٦٧)، وسيُشار إلى ذلك في المباحث اللاحقة.
القيم الاجتماعية المؤكدة في الإسلام
تؤكد النصوص الدينية والأحاديث الإسلامية على قيم خاصة يُعتبر تحقيقها من أهداف إقامة الحكم الديني. وبالطبع، كل هذه القيم في سبيل تحقيق هدف الخلق، لأن القرآن [13] والحديث [14] والعقل [15] يقرّون بوضوح أن معرفة الله وعبادته الواعية هو هدف خلق جميع المخلوقات التي أُرسل لها الأنبياء والكتب السماوية. ومن الطبيعي أن يكون هذا الهدف هو المقصود في التشريع أيضًا. ولكن أحيانًا تظهر في آيات القرآن والأحاديث أهداف أخرى تُعد في الواقع تمهيدًا لذلك الهدف الرئيسي؛ فمثلاً يقول القرآن الكريم: «كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه» (البقرة (٢): ٢١٣) أي كان الناس أمة واحدة فأرسل الله الأنبياء مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
أو في الآية: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» (الحديد (٥٧): ٢٥)؛ أي حقًا أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالعدل.
في آيات أخرى ذُكر قيم أخرى مثل التطهير والتربية،[16] التعليم والتدريب،[17] إخراج الناس من الظلمات وإيصالهم إلى البصيرة ورفع مستوى الفهم،[18] رفع الأعباء الثقيلة للخرافة والجهل عن كاهل الناس،[19] التمتع بحياة طاهرة وحياة طيبة،[20] التطهير من القبح (الحدث والخبث)[21] وما شابه ذلك، وقد أُشير إلى أن تحقيق هذه الأمور التي هي من أهداف إقامة الحكم الديني للأنبياء الإلهيين يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند وضع القوانين في منطقة الفراغ التي تشكل عناصر المتغيرات في الشريعة الإسلامية؛ فمثلاً تحقيق العدل في كل زمان له مقتضياته الخاصة، ويجب على ولي الأمر أن يضع قوانين تحقق العدل بأفضل صورة في ذلك الوقت.
المفاهيم الإسلامية
المقصود بالمفاهيم هو الآراء والنظريات والتفسيرات الإسلامية للحقائق الكونية والاجتماعية وكذلك الأحكام التشريعية؛ فمثلاً الاعتقاد بأن العالم مرتبط بالله وله،[22] هو رؤية الإسلام للوجود. ومن هذه المفاهيم، مفهوم «الملكية». عقيدة الإسلام في الملكية هي أن الله جعل المجتمع خليفة له في الاستفادة من المال والثروات الطبيعية. لذلك فإن تشريع الملكية هو لكي يحقق الفرد مقتضيات مقام الخلافة (وهو إعمار الطبيعة وبناؤها). فالملكية هي جهد يبذله الفرد في المجتمع لصالحه (صدر، ١٤٠٨هـ، ص٣٧٤). وإذا أُعطي هذا المفهوم الاهتمام اللازم، فإن له تأثيراً كبيراً حتى في استنباط الأحكام؛ لأنه إذا لم يحقق الشخص مقتضيات الخلافة والنيابة عن الله في الأرض، فسوف تُسلب منه الملكية. ومن خلال هذا المفهوم يمكن بسهولة قبول النصوص[23] التي تدل على أخذ المال من مالكه في بعض الحالات، مثل النصوص التي تدل على أنه إذا ترك الشخص إعمار الأرض ولم يجتهد في بنائها، تُؤخذ الأرض منه، بينما تجاهل هذا المفهوم يجعل الفقيه يرفض مثل هذه النصوص، كما أن كثيراً من الفقهاء لم يقبلوها(نجفی، ١٤٠٤هـ، ج٣٨، ص٢١).
المفاهيم التي تشكل جزءاً مهماً من الثقافة الإسلامية والقرآنية تعد دليلاً مناسباً لاكتشاف أسس القوانين الشرعية وبالتالي التشريع في منطقة الفراغ. وفي هذا السياق، ولتوضيح كيفية تأثير المفاهيم في عملية التشريع في منطقة الفراغ، يُبحث النظر الإسلامي في التجارة. النظرة الإسلامية للتجارة كواحدة من أهم الظواهر الاقتصادية هي اعتبارها فرعاً من الإنتاج؛ لأن الإنتاج لا يعني خلق المادة، فالمادة لا تُخلق في عملية الإنتاج، بل الإنتاج هو خلق منفعة وفائدة جديدة في المادة، وبالتالي التجارة وتبادل السلع هما فرعان من الإنتاج. بمعنى أن التاجر الذي يضع سلع المنتجين في متناول المستهلكين ويبيعها لهم، قد خلق منفعة جديدة؛ بل يمكن القول إن تلك السلعة لم تكن ذات منفعة للمستهلك قبل نشاط التاجر التجاري. لذلك، أي توجه في التجارة يبعدها عن دورها الأصلي ويجعلها نشاطاً غير إنتاجي (بالمعنى الذي ذكرناه) ويخلق فجوة بين المنتج والمستهلك، فهو مرفوض من الناحية الإسلامية ويبعد التجارة عن طبيعتها الأصلية. لذلك يمكن للدولة الإسلامية أن تمنع أي نشاط يؤدي إلى ابتعاد التجارة عن الإنتاج عند وضع العناصر المتغيرة في منطقة الفراغ (المرجع نفسه، ص٣٧٦). وهكذا يُدرك الدور المهم للمفاهيم الإسلامية في تحديد السياسة للحكومة في ملء منطقة الفراغ.
منهج النبي والأئمة: في وضع العناصر المتغيرة
النبي الأكرم والأئمة لهم شأنان في أداء مهامهم الدينية:
الشأن الأول هو مقام تبليغ الدين وبيان الأحكام الثابتة الإلهية، وبناءً على هذا المقام، هم ملزمون ببيان العناصر الثابتة في شريعة خاتم الأنبياء التي هي ثابتة لكل زمان ومكان، وأن يكونوا مبلغين لهذه الأمور. والشأن الآخر هو مقام القيادة والسلطة عليهم في المجتمع الإسلامي، وبعبارة أخرى شأن الولاية السياسية والاجتماعية. وبناءً عليه، وبما أنهم أصحاب ولاية على المجتمع ويعتبرون أولياء أمر، فإنهم، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والأحوال الزمانية والمكانية التي يعيشون فيها، ووفقاً لأهداف ومبادئ الدين، يضعون العناصر المتغيرة في منطقة الفراغ. هذه الأحكام، رغم أنها ليست من العناصر الثابتة وقابلة للتغيير، لكنها، لأنهم أصحاب مقام الرسالة والوصاية ولديهم أفضل معرفة بالدين، تحمل روح الشريعة الإسلامية ونظرتها إلى حياة الإنسان (صدر، ١٤٠٣هـ، ص٤٧). لذلك يجب على ولي الأمر أن يولي اهتماماً خاصاً للحالات التي وضع فيها المعصومون العناصر المتغيرة، وأن يزيل منها العناصر الزمانية والمكانية ويأخذ بروحها كدليل له في التشريع ويتبعها. هذه النصوص يمكن أن تكون منارة. وفيما يلي أمثلة على وضع العناصر المتغيرة من قبل النبي الأكرم والأئمة:
المثال الأول: ورد في روايات أن النبي محمد في فترة ما منع تأجير الأرض وقال: «من كان له أرض، فعليه أن يزرعها بنفسه أو يؤجرها للآخرين للزراعة، ولا يجوز تأجيرها بثلث أو ربع أو طعام معين، ومن كان له أرض فليزرعها أو يهديها للآخر، وإن لم يفعل ذلك تؤخذ الأرض منه» (مجلسی، ١٤٠٦هـ، ج٦، ص٣٣٠؛ ابن ماجه، د.ت.، ج٣، ص٥١٦).
لا شك أن عقد الإيجار في الفقه الإسلامي ليس فيه مانع وهو جائز. ولكن كما يتضح من هذه الأحاديث، فقد نهى النبي الأكرم باعتباره ولي أمر المجتمع الإسلامي وبصفته واضع العناصر المتغيرة عن ذلك؛ لأن هذا العمل كان يحفظ التوازن الاجتماعي في مجتمع المدينة، وفي وقت كان فيه بعض المهاجرين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة جداً، كان يمنع من كسب الثروة دون أداء العمل، فقط بسبب تمكين الآخرين من أرضه (صدر، ١٤٠٨هـ، ص٦٨٦). هذا الفعل من النبي يدل على أن حفظ التوازن الاجتماعي من الأمور التي يمكن للحاكم في بعض الظروف أن يمنع بعض الأعمال حفاظاً عليها أو بالعكس يأمر بها.
النموذج الثاني: وفقاً للأحاديث، أمر أمير المؤمنين في أشياء غير تلك التي فرض فيها الزكاة في الأحكام الثابتة الإلهية بدفع الزكاة. في الشريعة الإسلامية، حكم وجوب الزكاة ثابت في تسع أمور، وأمر الإمام علي في عهد حكمه على المجتمع الإسلامي بفرض الزكاة على الخيل التي لم تكن الزكاة واجبة عليها في زمن رسول الله. ونتيجة لذلك، فإن نظرية حصر الزكاة في هذه الأمور التسع لها آثار متعددة كما ذكرت الأحاديث في إعطاء الزكاة مثل اختبار الأغنياء، وتعزيز روح الرحمة والشفقة بين المؤمنين، وشكر النعم الإلهية، وتكفير ذنوب المزكين، تقتصر فقط على هذه المجموعة المحدودة ويُحرم الآخرون منها (صدوق، ١٤١٣هـ، ج٢، ص٨). نقطة أخرى هي أن العديد من الأحاديث تصرح بوضوح أن الزكاة تلبي حاجات جميع الفقراء والمحتاجين (المرجع نفسه، ص٧). إذا أخذنا هذا في الاعتبار، وأن دعوة الإسلام شاملة للعالم ولكل زمان ومكان، يتضح أن حصر الزكاة في الأمور التسع المشهورة لا يمكن أن يكون سبباً للقضاء على الفقر؛ لأن أولاً، نرى أن هذه الأمور التسع ليست كافية لتلبية حاجات جميع الفقراء، وثانياً في كثير من الأماكن لا توجد هذه الأمور التسع وبالتالي لا تُدفع كزكاة. لذلك، إذا كانت الزكاة محصورة في هذه الأمور التسع، فكيف يمكن أن تلبي الحاجات المالية لفقراء مثل هذه المناطق؟ بناءً عليه، يجب القول إنه لا يمكن حصر الزكاة في هذه الأمور التسع، بل يمكن أن تتغير مصاديقها بحسب الزمان والمكان. هذا العنصر المتغير يدل على أن في النظرية الإسلامية، الزكاة ليست خاصة بهذه الأمور التسع المنصوص عليها ولا تقتصر على أموال معينة، بل يمكن للحاكم
أن يأمر بدفع الزكاة على أموال أخرى بناءً على الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وبعد عمل أمير المؤمنين في فرض الزكاة على الخيل والنظر في الأهداف التي حُسبت للزكاة، يمكن استظهار عدم حصرها في التسع.
النموذج الثالث: يكتب «الشيخ المفيد» عن السلع والمواد المحتكرة: «يمكن للحاكم أن يجبر المحتكر على إخراج سلعته ووضعها في سوق المسلمين للبيع، ويمكنه أن يضع عليها سعراً بحكمة المصلحة» (مفید، ١٤١٣هـ، ص٦١٦). كما أن أمير المؤمنين بعد أن أوصى بحق التجار والصناع، بيّن قائلاً: اعلم أن كثيراً منهم له أسلوب غير لائق، فهم جشعون وبخلاء، يحتكرون ويضعون أسعار سلعهم كيفما يشاءون. بهذا العمل يضرون الناس ويكونون عاراً وعيباً للولاة. فانهَ عن الاحتكار الذي نهى عنه رسول الله، ويجب أن يكون البيع والشراء سهلاً وعلى أسس العدل بحيث لا يخسر البائع ولا يُظلم المشتري. وبعد أن تمنع الاحتكار، إذا عاد أحدهم للاحتكار، فعاقبه ليكون عبرة للآخرين، ولكن لا يصل الأمر إلى الإسراف (نهج البلاغه، نامه ٥٣).
النموذج الرابع: حكم رسول الله في وسط أهل المدينة بشأن ري بساتين النخيل بعدم منع منفعة شيء، وكذلك حكم بين أهل البادية بعدم منع زيادة الماء حتى لا يُمنع نمو النباتات، وأضاف أن في الإسلام لا ضرر ولا ضرار (کلینی، ١٤٠٧هـ، ج٥، ص٢٩٤).
أن أهل المدينة وأهل البادية يشتركون في الماء والمرعى ولا يحق لهم تخزين ما يزيد عن حاجتهم ومنع الآخرين من الاستفادة، هو حكم أصدره النبي لمصلحة المجتمع الإسلامي العامة، حتى وإن كان الماء والمرعى ملكاً خاصاً لأفراد، فلا يحق لهم منعه.
النموذج الخامس: بشأن من سرق ثمرة، حكم النبي بغرامة مضاعفة، فقال: «لا مسؤولية مدنية على ما أكل، ولكن يُعاقب على ما أخذه، ويُدفع غرامة مضاعفة بالإضافة إلى العقوبة» (المرجع نفسه، ص٢٩٨)؛[24] بينما وفق القواعد كان يجب الحكم بالغرامة بمقدار ما أُهدر فقط.
الخلاصة
في هذا المقال تم الإشارة أولاً إلى مفهوم النظام القانوني وخصائصه، ثم تم بيان مبادئ منطقة الفراغ التي تلخصت في خاتمية وأبدية الشريعة، وثانياً شمولية الشريعة. وبناءً على هذين المبدأين، تم بيان أن منطقة الفراغ ليست نقصاً فحسب، بل هي سبب كمال الشريعة. ثم أُشير إلى أهم دليل على منطقة الفراغ، وبموجبه ثبت أن الحاكم الشرعي يمكنه في المجال الذي لا يوجد فيه حكم إلزامي أن يسن قانوناً، ثم سُعي لتحديد اتجاه التشريع لدى الحاكم. وفق ما أشار إليه الشهيد الصدر، فإن الضوابط هي عبارة عن اتجاه التشريع الذي بيّن أن الأحكام الشرعية عندما تُنظر كمجموعة متماسكة، لها أهداف واتجاه خاص.
القاعدة الأخرى هي الانتباه إلى الأحكام الثابتة في الشريعة التي يجب مراعاتها في كل زمان وعند صياغة القوانين الموضوعية. الأمر الآخر هو القيم الاجتماعية التي يوليها الشارع اهتمامًا خاصًا ويعتبر تحقيقها من أهداف تشكيل الحكومة الدينية. والأمر الآخر هو المفاهيم والنظريات والتفسيرات الإسلامية لحقائق الكون وقضايا المجتمع. والأمر الأخير هو الانتباه إلى المنهج التشريعي للنبي والأئمة: حيث سُعي إلى ذكر أمثلة ونماذج لكل منهما.
المصادر والمراجع
١. القرآن الكريم.
٢. نهج البلاغة.
٣. ابن ماجه قزوینی، محمدبن یزید، السنن، ج٣، دون مكان النشر: دار الرساله العالمیه، دون تاريخ.
٤. برقی، ابوجعفر احمدبن محمدبن خالد، المحاسن، قم: دار الکتب الإسلامیه، چ٢، ١٣٧١ق.
٥. ترمزی، ابوعیسی، سنن الترمذی، ج٢، بیروت: دار الفکر، ١٤٠٣ق.
٦. حائری، سیدعلی اکبر، «منطقة الفراغ فی التشریع الاسلامی»، رساله التقریب، دوره ٣، ش١١، ١٤١٧ق.
٧. حائری، سیدکاظم، مقدمه مباحث الاصول (تقریرات اصول سید محمدباقر صدر)، ترجمة حیاه السید الشهید الصدر، قم: مکتب الاعلام الاسلامی، ١٤٠٨ق.
٨. ———–، ولایه الامر فی عصر الغیبه، قم: مجمع الفکر الاسلامی، چ٢، ١٤٢٤ق.
٩. حر عاملی، محمدبن حسن، تحصیل وسائل الشیعه الی تحصیل مسائل الشریعه، بیروت: دار احیاء التراث العربی، ١٤١٤ق.
١٠. حلی، حسن بن یوسف بن مطهر، تحریر الاحکام الشرعیه علی مذهب الامامیه، قم: مؤسسه امام صادق ٧، ١٤٢٠ق.
١١. ——————-، تذکره الفقهاء، ج١٥، قم: مؤسسه آل البیت:، ١٤١٤ق.
١٢. حلی، یحیی بن سعید، الجامع للشرائع، قم: مؤسسه السید الشهداء العلمیه، ١٤٠٥ق.
١٣. صدر، سیدمحمدباقر، اقتصادنا، قم: مرکز الابحاث و الدراسات التخصصیه للشهید الصدر، ١٤٢٤ق.
١٤. ————-، اقتصادنا، بیروت: دار التعارف للمطبوعات، ١٤٠٨ق.
١٥. ————-، دروس فی علم الاصول، قم: مؤسسه النشر الاسلامی، چ٥، ١٤١٨ق.
١٦. ————-، الاسلام یقود الحیاه، بیروت: دار التعارف للمطبوعات، ١٤٢١ق.
١٧. ————-، لمحة فقهیه تمهیدیه فی مشروع دستور الجمهوریه الاسلامیه فی ایران، [الف ] الاسلام یقود الحیاه، تهران: وزاره الارشاد الاسلامی، چ٢، ١٤٠٣ق.
١٨. ————-، الاسس العامه فی البنک فی المجتمع الاسلامی، [ب ] الاسلام یقود الحیاه، تهران: وزاره الارشاد الاسلامی، چ٢، ١٤٠٣ق.
١٩. صدوق، محمدبن علی بن بابویه، من لا یحضره الفقیه، ج٢و٣، قم: دفتر منشورات اسلامی، چ٢، ١٤١٣ق.
٢٠. طبری، محمدبن جریر، جامع البیان فی تفسر القرآن، ج٧، قاهره: مرکز البحوث و الدراسات العربیه و الاسلامیه بدار هجر، ١٤٢٢ق.
٢١. طوسی، محمدبن حسن، المبسوط فی فقه الامامیه، تهران: المکتبه المرتضویه لاحیاء الآثار الجعفریه، چ٣، ١٣٨٧ق.
٢٢. —————، الاستبصار فیما اختلف من الاخبار، تهران: دارالکتب الاسلامیه، ١٣٩٠ق.
٢٣. —————، تهذیب الاحکام، ج٦، تهران: دارالکتب الاسلامیة، چ٤، ١٤٠٧ق.
٢٤. —————، الخلاف، قم: دفتر منشورات اسلامی، ١٤٠٧ق.
٢٥. فیض کاشانی، محمدمحسن بن شاه مرتضی، الوافی، اصفهان: کتابخانه امام أمیر المؤمنین علی ٧، ١٤٠٦ق.
٢٦. کاتوزیان، ناصر، فلسفه حقوق، ج١، تهران: شرکت سهامی انتشار، ١٣٧٧.
٢٧. کرکی، علی بن حسین عاملی،جامع المقاصد فی شرح القواعد، ج٧، قم: مؤسسه آل البیت:، ١٤١٤ق.
٢٨. کلینی، محمدبن یعقوب بن اسحاق، الکافی، ج٣و٥، تهران: دارالکتب الاسلامیة، چ٤، ١٤٠٧ق.
٢٩. مازندرانی، محمدبن صالح بن احمد، شرح الکافی، ج١، تهران: المکتبة الاسلامیة للنشر و التوزیع،1387.
٣٠. مجلسی، محمدتقی، ملاذ الاخیار فی فهم تهذیب الاخبار، ج٦، قم: منشورات کتابخانه آیة الله مرعشی نجفی، ١٤٠٦ق.
٣١. مفید، محمدبن نعمان، المقنعة، قم: کنگره جهانی هزاره شیخ مفید، ١٤١٣ق.
٣٢. مکارم شیرازی، ناصر، انوارالفقاهة، ج١، قم: مطبوعاتی هدف، مدرسة امام امیرالمومنین ٧، چ٢، ١٤١٣ق.
٣٣. ————–، بحوث فقهیة هامة، قم: منشورات مدرسه امام علی بن ابی طالب ٧، ١٤٢٢ق.
٣٤. نجفی، محمدبن حسن، جواهر الکلام فی شرح شرایع الاسلام، ج٣٨، بیروت: دار احیاء تراث العربی، چ٧، ١٤٠٤ق.
[1]بما أن الشهيد الصدر طرح هذه النظرية في كتاب اقتصادنا وفي المناقشات الاقتصادية، فقد نظر إليها من هذا الجانب. لكن هذا الأمر لا يمس شمولية النظرية ولا يؤثر عليها، وهي قابلة للاستشهاد في جميع أرجاء الفقه.
[2]عن عمر بن قيس عن أبي جعفر ٧ قال سمعتُه يقول: «إن الله تبارك وتعالى لم يترك شيئًا تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينّه لرسوله» (محمدبن یعقوب کلینی، الکافی، ج١، صـ٥٩).
[3]لأن ما سيأتي، هو أن نطاق منطقة الفراغ هو الأمور التي لا يوجد فيها حكم إلزامي.
[4]«أيما قوم أحيا شيئًا من الأرض فعمروه فهم أحق به وهو لهم» (ابن بابویـه قمـی، مـن لایحضـره الفقیه، جـ٣، صـ٢٤٠).
[5]يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن المقصود هو الظروف العادية وغير الاستثنائية، ففي مثل هذه الحالة لا يستطيع أحد حتى المعصوم أن يرفع حكمًا إلزاميًا مثل تحريم الربا أو تحريم الزواج من المحارم. لذلك يجب أن يُنظر إلى هذا القول باعتباره خاصًا بالحالات العادية، والحالات الاستثنائية أو حالات التزاحم التي لا يمكن فيها تنفيذ أحد الحكمين تُخرج من نطاق النقاش، ولا شك أن الحاكم في مثل هذه الحالات يمكنه أن يحكم بتنفيذ الأهم وتعطيل المهم مؤقتًا.
[6]«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (صدوق، من لایحضره الفقیه، ج٢، ص٦٢١).
[7]عن أبي عبد الله ٧ قال: «قضى رسول الله ٩ بين أهل المدينة في مشارب النخل أنه لا يمنع نفع الشيء، وقضى ص بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلإ، وقال لا ضرر ولا ضرار» (محمدبن یعقوب کلینی، الکافی، ج٥، ص٢٩٤).
[8]عن الحلبي قال: سُئل أبو عبد الله ٧ عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين، قال: «لا بأس به، يقول إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في القابل، وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ، فإن اشتريته ثلاث سنين قبل أن يبلغ فلا بأس، وسُئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فهلكت ثمرة تلك الأرض كلها، فقال قد اختلفوا في ذلك إلى رسول ٩ فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم» (المرجع نفسه، ص١٧٥).
[9]عن رسول الله ٩: «إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها» (ترمذی، سنن الترمذی، ج٢، ص٤٢٢).
[10]عن أمير المؤمنين ٩: «واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقًا فاحشًا وشحًا قبيحًا واحتكارًا للمنافع وتحكمًا في البيعات، وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) منعه، ولكن البيع بيعًا سَمْحًا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمشتري» ( نهج البلاغه، نـامه ٥٣).
[11]قد يبدو للوهلة الأولى أنه في مجال الأحكام غير الإلزامية أيضًا مادام لم تطرأ ظروف غير عادية، لا يتغير الحكم؛ إذًا من هذه الناحية لا فرق مع مسألة التزاحم، فكلاهما حالات استثنائية. لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار أنه في موضوع منطقة الفراغ التي هي أحكام غير إلزامية، ما يسبب تغير الحكم وصدور حكم من ولي الأمر هو تغير الموضوع؛ أي موضوع مثل الأرض ينتقل من شروط سابقة إلى شروط جديدة تتطلب حكمًا جديدًا. أما في التزاحم فنحن أمام حالة استثنائية تمامًا؛ لأن أحد الحكمين الإلزاميين لا يمكن تنفيذه ولا يمكن حماية كلا الحكمين فعليًا. إذًا يمكن القول في الحالة الأولى أننا لا نواجه ظروفًا استثنائية وغير عادية، على عكس الحالة الثانية.
[12]انظر: سيد محمد باقر صدر، الإسلام يقود الحياة، ص٤٤-٤١؛ نفسه، اقتصادنا، ص٦٥٥-٦٤١.
[13]«وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» (الذاريات (٥١): ٥٦).
[14]قال الله تبارك وتعالى: «كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» (محمدصـالح مازندرانی، شرح الکافی، ج١، ص١٠).
[15]قضاء العقل هو بهذا الشكل: تصل الموجودات إلى الهدف والكمال النهائي حين تتحقق كل طاقاتها وقدراتها. قدرات الموجودات التي تملك شعورًا وإرادة لا تتحقق إلا بالاقتراب والقرب من موجود هو الكمال المطلق وخالٍ من كل نقص. هذا القرب يتحقق بالمعرفة وعبادة هذا الموجود الذي يُدعى «الله».
[16]«هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة»
[17]«ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم» (البقرة (٢): ١٢٩).
[18]«هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم» (الحديد (٥٧): ٩).
[19]«الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحِل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون» (الأعراف (٧): ١٥٧).
[20]«يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» (الأنفال (٨): ٢٤).
[21]«يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبًا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون» (المائدة (٥): ٦).
[22]«ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطًا» (النساء (٤): ١٢٦).
[23]عن العبد الصالح ٧ قال: «إن الأرض لله جعلها وقفًا على عباده فمن عطّل أرضًا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة أخرجت من يده ودُفعت إلى غيره، ومن ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له» (مـحمدبن یعقوب کلینی، الکافی، ج٥، ص٢٩٨).
[24]عن أبي عبد الله ٧ قال: «قضى النبي ٩ فيمن سرق الثمار في كمه فما أكل منه فلا شيء عليه، وما حمل فيُعزر ويُغرم قيمته مرتين» (المرجع نفسه، جـ٧، صـ٢٣٠).

