منطق الاستقراء العلمي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: منطق استقراء علمى ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: عبدالحسين خسروپناه

المقدمة

مسألة الاستقراء منذ زمن بعيد شغلت المفكرين لا سيما الفلاسفة، وقد تناولوا شرحها بحسب طاقتهم. وتكثفت هذه العناية حين وقف فريق من التجريبيين في مواجهة من كانوا يعلنون القياس الطريق الوحيد المعتبر للاستنتاج، واتخذوا خطوات مهمة لجعل الاستقراء يقينيًا.

تاريخ الفلسفة يشهد على أن سقراط هو أول مفكر استقرائي بدأ منهجه الجدلي من معرفة الأمثلة والتفاصيل حتى وصل إلى التعريفات العامة. كما استفاد أفلاطون كثيرًا من هذا الإرث[۱] لكنه لم يصدر حكمًا على صحة الإدراكات الحسية والتجريبية[۲]. أما أرسطو فقد عرّف الاستنتاج المنطقي بالقياس فقط، وأرجع بقية الأدلة بما فيها الاستقراء إليه، وأصبح هذا المنهج مبدأً مسلمًا عند عموم الحكماء في المشرق والمغرب. أما عصر النهضة فكان بداية النظرة النقدية لهذا الاستقراء (الذي كان القياس دعامة له)، ومصممًا على تصحيحه وتبريره في النهاية.

ما ورد في هذا المقال هو شرح موجز لمقاربات مختلفة لدى المفكرين الإسلاميين والغربيين حول الاستقراء ومشكلته.

ومن الجدير بالذكر أن الاستقراء المنطقي أو الفلسفي يختلف عن الاستقراء الرياضي. فالاستقراء المنطقي هو الانتقال من الخاص إلى العام وفحص الأمثلة والتفاصيل للحصول على الكليات، أما الاستقراء الرياضي فهو أحد الطرق الأساسية لإثبات النظريات في الرياضيات، وصدق نتيجته قطعي ويقيني. بمعنى أن قبول فرضيتين ورفض النتيجة يؤدي إلى تناقض؛ لأن الاستقراء الرياضي في الواقع نوع من القياس المنطقي. على سبيل المثال، إذا أردنا إثبات أن جميع الأعداد الطبيعية لها خاصية معينة، نبدأ بفحص أن الصفر له الخاصية x، وهذا يسمى خطوة الأساس في الاستقراء. ثم نفترض أن العدد n، كعدد افتراضي، له الخاصية x، وتسمى هذه الفرضية فرضية الاستقراء. ثم إذا كان ١+n له الخاصية x أيضًا، نستنتج أن جميع الأعداد الطبيعية لها الخاصية x. وتسمى الجملة “١+n له الخاصية x” خطوة الاستقراء. إذن، يتكون الاستقراء الرياضي من أربعة أركان: خطوة الأساس، فرضية الاستقراء، خطوة الاستقراء، والنتيجة.[۳]

الفصل الأول: شرح مسألة الاستقراء

يرافق الفكر البشري نوعان من الاستدلال. الأول هو الاستدلال عن طريق الاستنباط والقياس، حيث يكون توليد النتيجة من المقدمات بحيث لا تتجاوز النتيجة المقدمات. والثاني هو الاستدلال عبر الاستقراء، حيث تكون النتيجة أوسع من المقدمات. ويعتمد الاستدلال الاستنباطي على مبدأ أن نفي النتيجة المستخلصة يؤدي إلى تناقض، أما الانتقال من الخاص إلى العام والاستدلال الاستقرائي فلا يقوم على هذا الأساس؛ لأن الخاص قد يكون صحيحًا فقط في الحالات المختبرة، والحكم العام قد يكون خاطئًا. وهذه المشكلة هي أهم ثغرة في الدليل الاستقرائي، التي تخرجه من المنهج المنطقي. وهذه المشكلة الأساسية من أقدم مشكلات أهل المنطق والفلاسفة الإسلاميين والغربيين، ومن القضايا المصيرية في فلسفة العلم.

قدمت منطق العقلانية الأرسطية ومنطق التجريبية لجون ستيوارت ميل وفرانسيس بيكون وديفيد هيوم، ومنطق الاحتمالات، وأخيرًا منطق فلسفة العلم لكارل بوبر، طرقًا انتهت بالفشل، وقد اعترف بعضهم بذلك وصرحوا بأن الطريقة المسماة بالاستقراء ليست سوى أسطورة، لأن ما يندرج تحت هذا الاسم غير صالح وبالتالي غير قابل للتبرير العقلي.[۴]

ويكتب راسل في مسألة الاستقراء problem of induction: “إذا رأينا أمرين يترافقان مرارًا ولم نرَ في أي حالة أن أحدهما وقع بدون الآخر، فهل وقوع أحدهما في حالة جديدة يبرر توقع وقوع الآخر؟ إن صحة كل توقعاتنا للمستقبل تعتمد على الإجابة عن هذا السؤال.”[۵] كما يقول كارناپ في بيان أهمية القوانين العلمية في حياة الإنسان العلمية: “لنر كيف يمكننا الوصول إلى هذه القوانين، وعلى أي أساس يمكننا أن نبرر إيماننا بصدق قانون ما… ما الذي يبرر لنا الانتقال من الملاحظات المباشرة للحقائق (الأحداث الخاصة) إلى القوانين التي تعبر عن نظام وترتيب الطبيعة؟ هذا هو السؤال الذي يُعرف في اصطلاحي بمسألة الاستقراء.”[۶] ويصور بوبر في كتاب آخر مشكلة الاستقراء قائلاً: “عادةً ما يُسمى الاستنتاج استقرائيًا إذا أمكن من خلاله الانتقال من جمل جزئية – التي تسمى أحيانًا جملًا خاصة – مثل تلك التي تبلغ نتائج الملاحظات أو التجارب، إلى جمل كلية مثل الفرضيات أو النظريات. ومن المنظور المنطقي، من غير الواضح على الإطلاق أن لنا الحق في استنتاج جمل كلية من جمل جزئية مهما كان عددها كبيرًا، لأن أي نتيجة تم الحصول عليها بهذه الطريقة قد يثبت خطؤها في أي وقت…”

هذه المسألة، هل الاستدلال الاستقرائي صحيح أم تحت أي شروط يكون صحيحًا، تُعرف بمسألة الاستقراء.[۷]

يقف الشهيد صدر في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء وحيدًا في مواجهة عمالقة المنطق والفلسفة، وينتقد جميع الطرق، وفي النهاية يطرح طريقة التوالد الذاتي. ويقول ضمن تقسيم الاستقراء إلى كامل وناقص في المنهج الأرسطي: “إذا اعتبرنا الاستقراء استدلالًا من الخاص إلى العام، فلا ينبغي أن نعتبر الاستقراء الكامل من نوع الاستقراء؛ لأن نتيجته ستكون مساوية لمقدماته. نعم، إذا كان الاستقراء هو أي استدلال يعتمد على عدد من الحالات والأفراد، فهذه التقسيمة صحيحة.”[۸]

صدر لا يعرّف الاستقراء التام بأنه الموضوع الرئيسي لكتابه الموقر، لكنه يتحدث عنه بإيجاز ويقول: أولاً، الاستقراء الكامل لا يقوم على مبدأ التناقض على عكس ادعاء أرسطو، بمعنى أنه إذا قُبلت المقدمات ورفض النتيجة، فلا يلزم التناقض؛ لأن علاقة السببية والتلازم لا تُستنتج من المقدمات والنتيجة. ثانياً، الاستقراء الكامل لا يُستخدم للاستدلال على القضايا الكلية في العلم؛ لأن نطاق الاستقراء مهما اتسع، بالتأكيد لن يتجاوز مجموعة الأفراد الموجودة حالياً. ومع ذلك، يجيب الشهيد صدر على الإشكال المعروف ـ الذي يقول إن الاستقراء الكامل لا يقدم جديداً ـ ويعترف بوجود الجديد فيه.[۹]

يقول الشهيد صدر في بيان إشكال الاستقراء الناقص: عادةً في الاستدلال الاستقرائي أو السير من الخاص إلى العام، وعند ملاحظة الحرارة والانبساط في الحديد وتكرار تساوي هذين الظاهرتين في تجارب متعددة، يُستنتج أن الحرارة سبب الانبساط، وفي النهاية يُعمم هذا الحكم، وبعبارة أخرى، من التزامن إلى التلازم، ومن التلازم إلى التعميم يُصدر الفتوى.

بينما يجب أولاً أن يتضح قانون السببية العامة وضرورة كل ظاهرة طبيعية لسبب.

ثانياً، يجب إثبات أن سبب الانبساط في الحديد هو الحرارة المجاورة وليس سبباً آخر أو أنه تحقق بالصدفة.

ثالثاً، يجب أن يثبت أن هذا السبب سيظل سبباً في المستقبل أيضاً.[۱۰]

قدم رواد الفلسفة والمنطق في مدارس العقلانية والتجريبية وغيرها ردوداً مختلفة على هذه المسألة، وسنتناولها في الفصول القادمة.

 

الفصل الثاني: المنهج العقلاني في المدرسة المشائية

أرسطو وأتباعه في كتب المشائية أعطوا مكانة عظيمة للطريقة القياسية والاستدلال الاستنباطي، واعتبروا الطريقة القياسية هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة واليقين، ولم يعترفوا بحجية طريقة التمثيل والاستقراء الناقص.[۱۱]

يميز المشائيون بين الاستقراء الناقص والتجربة، ويعتبرون التجارب من البديهيات الثانوية والقضايا اليقينية، ولإضفاء الشرعية على التجربة لجأوا إلى هذه الطريقة الطويلة. على سبيل المثال، يوضح الفارابي في كتابه المنطقيات الفرق بين التجربة والاستقراء كما يلي:

«الفرق بينهما [التجربة] وبين الاستقراء هو أن الاستقراء هو ما لم يحصل عند اليقين الضروري بالحكم الكلي، والتجربة هي ما يحصل عنها اليقين بالحكم الكلي».[۱۲]

وفي نفس الكتاب، يقسم الاستقراء إلى تام وناقص ويكتب:

«التام هو أن يتصفح جميع أصناف الأشياء الداخلة تحت موضوع المقدمة التي يقصد بيانها بالاستقراء، والناقص هو تصفح أكثر أصناف تلك الأشياء وما يبين بالاستقراء، فقد يقصد إلى بيانه ليقتصر على معرفته فقط وقد يقصد إلى بيانه ليستعمل مقدمة في قياس يقصد به بيان شيء آخر للموضوع الذي تصفحنا ما تحته».[۱۳]

كما تناول ابن سينا ضمن تعريفه للاستقراء أحكامه وأنواعه، وكتب في باب ماهية الاستقراء:

«أما الاستقراء فهو الحكم على الكلي بما وجد في جزئياته الكثيرة مثل حكمنا بأن كل حيوان يحرك عند المضغ فكه الأسفل، استقراء للناس والدواب والطيور، والاستقراء غير موجب للعلم الصحيح فإنه ربما كان ما لم يستقرء بخلاف ما استقرء مثل التمساح في مثالنا، بل ربما كان المختلف فيه والمطلوب خلاف حكمه حكم جميع ما سواه]الاستقراء لا يستلزم علماً صحيحاً (يقينياً)؛ لأن ما لم يُستقرأ قد يكون مخالفاً لما استُقرأ[… وأما القياس فهو العمدة».[۱۴]

ومن الجدير بالذكر أن ابن سينا يقسم الاستقراء إلى كامل وناقص، ويصدر حكماً بيقينية الاستقراء الكامل ويحوّله إلى قياس مقسّم.[۱۵]

ومع ذلك، كما ذُكر في الفصل الأول، لا يمكن استنتاج حكم يقيني من الاستقراء الكامل، أما في موضوع القيمة المنطقية للتجربة في برهان منطق الشفاء فيقول:

«عندما يتحقق هذا الأمر بأن السقمونيا مسهل للصفراء، ويتضح هذا الادعاء بالتكرار المتكرر، يتبين أن هذا التزامن ليس صدفة؛ لأن الأمر الصدفي ليس دائماً أو غالباً. وهكذا يتبين أن السقمونيا من حيث الطبيعة يستلزم إسهال الصفراء؛ لأن مثل هذا الأمر ليس اختيارياً صحيحاً… الحقيقة أن التجربة ليست مفيدة للعلم بسبب كثرة المشاهدات، بل تصبح يقينية بسبب اقترانها بالقياس».[۱۶]

وعلى هذا الأساس، يكتب الشيخ في دانشنامه علائي: المجربات هي مقدمات لا تُستنتج نتيجتها بالحس أو العقل فقط، بل كلاهما فعال.[۱۷] كما يؤكد المحقق الطوسي في شرح التجربة أن القضايا التجريبية تحتاج إلى عنصرين مهمين: الملاحظة المتكررة والقياس الخفي، ولهذا السبب تُعتبر التجربة نوعاً من القياس.[۱۸]

أما الغزالي، المتكلم الأشعري، فيسير على نفس منهج المشائيين ويكتب:

«وأما الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليُحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات».[۱۹]

وفي موضع آخر يقول:

«وهو أن تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكماً في تلك الجزئيات حكمت على ذلك الكلي».[۲۰]

لكن الغزالي في بعض المواضع خلط بين الاستقراء والتمثيل واعتبر انتقال الحكم من جزئي إلى جزئي آخر استقراءً، وكتب:

«أما حكم من جزئيات كثيرة على جزئي واحد فهو الاستقراء».[۲۱]

أما قطب الدين الشيرازي، المفسر البارز لفلسفة الإشراق، فقد استقى من منهج المشائيين ورفع الاستقراء الناقص مع انضمام القياس الخفي إلى مرتبة اليقين، وحول التجربة إلى قياس، وكتب في شرح هذا الادعاء:

«المجربات هي مشاهدات متكررة مفيدة، بالتكرار تصبح يقيناً تؤمن النفس فيها عن الاتفاقأي عن كون الحكم اتفاقياً، وذلك الانضمام قياس خفي إليه، وهو أنه لو كان اتفاقياً لما كان دائماً ولا أكثر، ثم يُستثنى نقيض التالي لنقيض المقدمة».[۲۲]

خواجه أيضًا في أساس الاقتباس ذكر هذا البيان نفسه، وبعد أن يثبت من خلال قاعدة «الاتفاقي لا يكون دائمًا ولا أكثرية» أن خاصية مسهل الصفراء معلولة بسقمونيا، ويضيف أن سبب تلك الخاصية ليس جسدية السقمونيا، وإلا كان يجب أن يكون لجميع الأجسام هذا الأثر، فبالتالي منشأ ذلك الأثر هو طبيعة السقمونيا، ثم يستنتج أن السقمونيا مسهل الصفراء هو حكم كلي وضروري، لكنه ليس كليًا مطلقًا، بل كليًا مقيدًا، ويعتمد على الشروط والاعتبارات، ولكن الاستقراء لا يستلزم إلا ظنًا غالبًا.[۲۳]

شارح مطالع في تفسير الاستقراء والتجربة يكتب:

«الاستقراء عبارة عن إثبات الحكم الكلي لثبوته من أكثر الجزئيات، وهو إما تام إن كان حاصرًا لجميع الجزئيات وهو القياس المقسم كقولنا كل جسم إما جماد أو حيوان أو نبات وكل واحد منها متحيز فالجسم متحيز وهو يفيد اليقين، وأما غير تام إن لم يكن حاصرًا كما استقرأنا أفراد الإنسان والفرس والحمار والطير ووجدناها تحرك فكها الأسفل عند المضغ وهو لا يفيد اليقين لجواز أن يكون حال ما لم يستقرئ بخلاف حال ما استقرئ كما في التمساح… والمجربات وهي قضايا يحكم العقل بها بسبب مشاهدات متكررة مع انضمام قياس خفي وهو أنه لو كان اتفاقيًا لما كان دائمًا أو أكثرية كالحكم بأن السقمونيا علة الإسهال».[۲۴]

خلاصة القول إن جميع أنصار المدرسة العقلية سواء المشائية أو الإشراقية وحتى المتكلمين الذين لم يتوافقوا مع المنهج الأرسطي كانوا يميلون إلى هذا المنهج وطبقوا نظرية التحويلية في باب الاستقراء. وللاطلاع أكثر على وجهة نظر القدماء يمكن الرجوع إلى نظرية ابن سينا في النجاه،[۲۵] عمر بن سهلان ساوي في التبصرة والبصائر النصيرية،[۲۶] قطب الدين الشيرازي في درّة التاج،[۲۷] بهمن يار في التحصيل،[۲۸] علامه حلي في القواعد الجلية،[۲۹] شمس الدين محمد شهرزوري في شرح حكمة الإشراق[۳۰] و صدر المتألهين الشيرازي في المنطق الجديد.[۳۱]

أغلب المفكرين المتأخرين في الإسلام ساروا على هذا المنهج دون نقد. المرحوم مظفر في كتاب المنطق يكتب: إذا كان الاستقراء قائمًا فقط على الملاحظة بمعنى أن الحكم الكلي يُستنبط من ملاحظة بعض الجزئيات أو أكثرها، ففي هذه الحالة يكون الحكم الكلي ظنيًا وغير قطعي، وإذا كان البحث بالملاحظة عن العلة وبالتفحص في بعض الجزئيات يتضح وصف الجزئيات، فإن العقل يحكم بأن «العلة لا يتخلف عنها معلولها أبدًا». في هذه الحالة، رغم عدم مشاهدة جميع الجزئيات، نصل إلى الجزم بأن هذا الوصف ثابت لجميع جزئيات هذا النوع.

لذا فالاستقراء الناقص لا يفيد اليقين؛ لأنه قائم فقط على الملاحظة، أما الاستقراء المعلل فيفيد اليقين. وأحيانًا يكون الاستقراء مبنيًا على تماثل كامل بين الجزئيات، ومن خلاله يُستنبط الحكم الكلي.[۳۲] علامه طباطبائي أيضًا في مواجهة هذا الإشكال: كيف نصل إلى تحقيق الأمور الحسية الخارجية من خلال الحسن والجهل بالعلّة؟ يقول: بالاستناد إلى العقل والسلوك العلمي من أحد المتلازمين إلى المتلازم الآخر يمكن التوصل إلى علة الظواهر المحسوسة.[۳۳]

الأستاذ مطهري أيضًا في شرح منظومته الموسع بسط وبيّن منهج العقلانيين في حجية الاستقراء وذكر مراحل تحصيل المعرفة العلمية الأربع، واستفاد من نموذج فرانسيس بيكون وستيوارت ميل. يقول في هذا الصدد: المعرفة العلمية هي عبارة عن دراسة للجزئيات ثم تقديم نظرية (أي تخمين وافتراض لتفسير وتبرير الجزئيات في ذهن الإنسان) ثم اختبار وعمل وتجربة، وأخيرًا في المرحلة الرابعة تقديم قانون كلي.

والتوضيح أن الذهن في البداية يتجه إلى دراسة الجزئيات واستقراء الحالات الجزئية، ثم يبني نظرية وافتراضًا في الذهن. هذه الفرضية ليست دراسة لتلك الجزئيات نفسها، بل تفسير ذهني لها. بعد مرحلة النظرية ننتقل إلى مرحلة الاختبار، أي تجربة هذه النظرية، وبما أن التجربة محدودة والإنسان لا يستطيع إجراء تجارب غير محدودة، فإنه يعمم النظرية ويعممها. المختبر يفترض أن التجربة التي أجريت على بعض المرضى قد لا تكون كلية، فيتجه إلى مرضى آخرين وبتغيير الظروف يكتشف العلاقة بين الدواء والمريض وينفي الصدفة والتزامن. الآن إذا قلنا إن هذا المريض من حيث كونه مريضًا وهذا الدواء من حيث كونه دواءً يعمل بهذه الطريقة في مكان وبطريقة أخرى في مكان آخر، أي أن الطبيعة تتصرف بشكل متضاد، فهذا ما يقول العقل إنه مستحيل أن تكون هناك علة واحدة في ظروف واحدة وفي حالات متشابهة تعمل بطرق مختلفة، لكن هذا الأمر ليس تجريبيًا بحد ذاته؛ لأنه يستلزم ضرورة. هذا الأمر قبله الذهن بدون تجربة، وهو أولى وبديهي للذهن.[۳۴] التجربة والعمل بما أنهما تجربة وعمل لا يمتلكان هذا التعميم والانتشار. إذا لم يكن هناك تدخل قياس خفي، فمن المستحيل أن يستطيع الذهن أن يقوم بهذا الطيران والتوسع. ذلك القياس الخفي هو جناح الذهن.[۳۵]

لا يلجأ الأستاذ مطهري لنفي الصدفة النسبية بالقاعدة الاتفاقية، بل يقترح تغيير الأوضاع والظروف ليُثبت أن هناك علاقة، مثلاً بين الدواء والمريض، وأن الأمر ليس صدفة أو حادثاً، ولكنه للاستقراء والتعميم، مثل بوعلي وخواجه طوسي، يستعين بالقياس الخفي ويكتب: القياس الخفي هو: بعد أن جرب الحالات المتعددة وازال احتمال تدخل أمر مصاحب كلياً،… عندما نفى كل احتمالات الأمور المصاحبة وبقي هو والمريض، هنا الأمر قائم لنقول إن هذا المرض من حيث كونه هذا المرض وهذا الدواء من حيث كونه هذا الدواء يعمل في مكان واحد بهذه الصورة وفي مكان آخر بصورة مختلفة. أو نقول السبب الواحد في الظروف الواحدة له أثر واحد، إذن هذا الدواء من حيث كونه هذا الدواء يعمل في كل مكان بطريقة واحدة… من المستحيل أن يعمل سبب واحد في ظروف واحدة وفي حالات متشابهة بطرق مختلفة، ولكن هذه المسألة لا يمكن أن تكون مسألة تجريبية أيضاً؛ لأنه إذا كانت كذلك يجب تجربتها وتعميمها، وإذا أردنا التعميم يجب تعميمها بنفسها، أي أن هناك حلقة مفرغة. هذه المسألة قبلها العقل بدون تجربة وهي أولى وبديهية للعقل.[۳۶] ولهذا السبب القياس لا يعتمد على التجربة، بل التجربة تعتمد على القياس.[۳۷]

في الحاشية على أصول الفلسفة يشرح الأستاذ تعميم الأحكام التجريبية هكذا:

«على أي أساس نوسع هذا الحكم ليشمل جميع الأزمنة والأمكنة والحالات غير المنتهية. نحن في ذهننا نجد هذه الأحكام كلية وأزلية وأبدية وضرورية، مع أن هذه الثلاث خصائص (الكلية، الدوام، الضرورة) لا يمكن أن تكون مولودة من التجربة… في الأحكام التجريبية تشارك العديد من المبادئ العقلانية. أهم المبادئ العقلانية التي تعتمد عليها كل تجربة هي مبدأان: الأول مبدأ استحالة الصدفة ـ العقل يعلم على هذا المبدأ أنه لا يحدث حادث بدون سبب، ومن هنا يتيقن إجمالاً بوجود سبب لكل حادث. هذا المبدأ بديهي أولي ولا يعتمد على التجربة، والثاني مبدأ التناسب بين السبب والمسبب، أي أنه دائماً من كل سبب معين يصدر مسبب معين. هذا المبدأ يستنتج من مبدأ استحالة التناقض ولا يعتمد على التجربة».[۳۸]

يرى الأستاذ أن أوامر العلماء التجريبيين العمليين مثل فرانسيس بيكون وستيوارت ميل مفيدة لاكتشاف السبب الحقيقي للحادث، ولذلك بعد اكتشاف العلية لحدث ما يمكن بحكم مبدأ التناسب بين السبب والمسبب تعميم الحكم الجزئي وإصدار الفتوى.[۳۹]

حتى الآن اتضح أن الأستاذ مطهري لجأ لنفي الصدفة المطلقة إلى مبدأ العلية، ولنفي الصدفة النسبية إلى تغيير الأوضاع والظروف، وللتعميم إلى مبدأ التناسب. أهم نقد على نموذج الأستاذ هو أن الأوامر العملية للعلماء التجريبيين لا تملك القدرة على اكتشاف السبب الحقيقي؛ فقد تكون هناك عوامل في العلية الخاصة لها دور لكنها مخفية عن أنظارنا.

في نظرية المعرفة، بعد تعريف الاستقراء بأنه تصفح التفاصيل لإثبات حكم كلي والاستدلال من الخاص إلى العام، يذكر الأستاذ سبحاني أركان الاستقراء الأربعة على النحو التالي:

١ ـ الأصل: التفاصيل التي تم فحص حالتها؛

٢ ـ الفرع: الجزء الذي نريد معرفة حالته؛

٣ ـ الجامع: سبب التشابه بين الأصل والفرع؛

٤ ـ الحكم: الذي نعلم ثبوته للأصل والغرض من إثباته للفرع.

بعد تقسيم الاستقراء إلى تام وناقص يقول: في الواقع الاستقراء التام ليس من قبيل الاستدلال والاستنباط؛ لأنه في هذه الحالة لا يُكشف المجهول من المعلوم، بل تُجمع المشاهدات في قالب واحد، أما الاستقراء الناقص فيُعد من أنواع الاستدلال؛ لأنه إذا اكتفى المستقرئ بالقليل قد لا يحصل حتى على الظن، ولكن إذا فحص أكثر يحصل له العلم العرفي لأن فرض احتمال المخالف كالعدم، ولكن من الاستقراء الناقص لا يتحقق اعتقاد جازم ولا يقين بخلاف الظن، مع أن العقلاء يكتفون بهذا اليقين غير المنطقي. طبعاً كلما كان الاستقراء أقوى كان احتمال المخالف أضعف، والاستقراء الناقص الذي هو استدلال من الخاص إلى العام يستعين بالحس في تفحص بعض التفاصيل، وللنقل من التفاصيل إلى الحكم العام يستخدم العقل.

النقطة الجديرة بالاهتمام أن التجربة خلاف الاستقراء الناقص مفيدة لليقين وتنتج نتيجة كلية. وبعد التفريق بين التمثيل والاستقراء والتجربة وشرط الوحدة النوعية والحقيقية بين الأفراد والمصاديق في التجربة والاختلاف النوعي في التمثيل والاستقراء، والفرق بين الاستقراء المعلل والتجربة، يقول: بجانب التجربة يوجد حكم عقلي يوسع الحكم ليشمل جميع الأفراد في جميع الأزمنة؛ لأن أولاً كل التفاصيل في الحقيقة متحدة، فافتراض وجود خاصية في بعض الأفراد دون بعض يستلزم وجود هذه الخاصية بلا سبب وهذا محال؛ ثانياً هذا الافتراض يستلزم تفضيل بلا مفضل وهو في حكم فرض المعلول بلا علة؛ ثالثاً هذا الافتراض يناقض الحكم العقلي الذي حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد. لذلك في الواقع التجربة مشروطة بأمرين: ١ ـ الملاحظة ٢ ـ القياس الخفي وهو: لو كان اتفاقياً لما كان دائماً ولا أكثر ثم يستثنى نقيض التالي لنقيض المقدم.

إذن في الاستقراء كان هناك فقط الملاحظة ولم يُستنبط سبب الحكم، أما في التجربة يُكشف سبب الحكم.[۴۰]

يكتب الأستاذ جوادي تأييداً للمنهج العقلاني:

«إذا لم يكن القياس المذكور الذي يؤدي إلى تحصيل المجربات موجوداً، فإن القضية لا تصبح يقينية أبداً، بل في هذه الحالة تبقى التجارب المتكررة في حدود الظن والاحتمال، وهذه التجارب المتكررة التي لم تتحول بعد إلى قياس تسمى استقراء».[۴۱]

في القضايا التجريبية، إذا رُيد إثبات المحمول للموضوع بشكل يقيني، فهذا يتطلب أمرين:

الأمر الأول: تكرار الملاحظة، وهذا في حين أنه في المحسوسات لا حاجة لتكرار الملاحظة، وسبب ذلك أن ما يُؤخذ به يقينًا في المحسوسات هو قضية جزئية، والقضية الجزئية يكفي ملاحظتها مرة واحدة. أما في التجارب، فالقضية اليقينية هي قضية كلية يجب أن تُستخلص جزئياتها الكلية من خلال تكرار الملاحظة.

الأمر الثاني: هذا الأمر هو قياس خفي. يتشكل هذا القياس الخفي على النحو التالي: بعد تكرار الملاحظة في حالات كثيرة، يُستخدم هذا الكبرى الكلية التي تقول إن الأمر العرضي لا يكون أبدًا أكثرية أو دائمًا، ثم يُستنتج أن الأمر الملاحظ، بسبب كونه أكثرية، ليس عرضيًا، ولأنه ليس عرضيًا، فإنه يمتلك علاقة ضرورية بين المحمول والموضوع في القضية الملاحظة.[۴۲]

الأستاذ مصباح أيضًا من المفكرين الإسلاميين العقلانيين الذين كتبوا في باب الاستقراء والتجربة مواضيع قيمة. فهو يرى أن السير من الكلي إلى الجزئي والقياس المنطقي فقط هو ما يحقق اليقين، ولا يعتبر التمثيل والاستقراء مسببين لليقين. وبعد تقسيم الاستقراء إلى تام وناقص، يقول: الاستقراء التام هو حيث تُفحص جميع أفراد الموضوع وتُرى الخاصية المشتركة فيهم جميعًا. ومن الواضح أن هذا الأمر عمليًا غير ممكن؛ لأنه حتى لو كان من الممكن فحص جميع أفراد ماهية في وقت واحد، فإنه لا يمكن أبدًا دراسة الأفراد الماضية والمستقبلية، ويبقى على الأقل احتمال وجود أو حدوث أفراد لهذه الماهية في الماضي أو المستقبل.

أما الاستقراء الناقص فهو أن يُلاحظ عدد كبير من أفراد الماهية، وتُنسب الخاصية المشتركة بينهم إلى جميع أفراد الماهية، ولكن هذا التفكير لا يؤدي إلى اليقين؛ لأن هناك دائمًا احتمال (مهما كان ضعيفًا) أن بعض الأفراد الذين لم يُفحصوا لا يمتلكون هذه الخاصية. لذلك، لا يمكن عمليًا استخلاص نتيجة يقينية لا شك فيها من الاستقراء… في التمثيل والاستقراء يوجد أيضًا قياس ضمني، والحد الأقصى هو أن هذا القياس في التمثيل والاستقراء الناقص ليس برهانًا، ومن هذه الناحية فهما غير مفيدين لليقين، ولو لم يكن هناك مثل هذا القياس الضمني لما تم أي استنتاج ولو ظني. القياس الضمني في التمثيل هو: «هذا الحكم ثابت لأحد المتشابهين، وكل حكم ثابت لأحد المتشابهين يكون ثابتًا للآخر أيضًا»، وكما يُلاحظ، الكبرى في هذا القياس ليست يقينية. وهناك قياس ظني مماثل في الاستقراء الناقص، أي أن الكبرى فيه هي: «كل حكم ثابت لعدد كبير من أفراد ماهية يكون ثابتًا لجميع أفرادها». حتى لو اعتبرنا الاستقراء صحيحًا من طريق حساب الاحتمالات، فإنه لا يزال بحاجة إلى القياس. وكذلك القضايا التجريبية لكي تصبح قضايا كلية تحتاج إلى القياس.[۴۳]

اكتشاف قانون كلي لا يتم أبدًا عن طريق التجربة، بل هو مبني على مبدأ العلية. وربما لا تمتلك التجربة القدرة على كشف السبب التام والحصري للظواهر، ولكن على أي حال، ضرورة ويقين القانون الكلي مرتبطان بقبول مبدأ العلية وفروعه.[۴۴]

يؤكد الأستاذ مصباح أن طريق معرفة الأسباب والمسببات المادية محصور في البرهان التجريبي، أي البرهان الذي يستفيد من مقدمات تجريبية. أحيانًا يُظن أن تكرار ملاحظة ظاهرتين متتاليتين دليل على أن الظاهرة الأولى سبب للثانية. وهو ينظم القياس على النحو التالي:

«هذه الظاهرة تحدث مرارًا بعد ظاهرة أخرى»، «كل كائنين يتحققان بهذه الصورة يكون الأول سببًا للثاني»، إذًا في الحالة التجريبية، الظاهرة الأولى سبب الظاهرة الثانية». مع أن التزامن أو التعاقب أعم من العلية ولا يمكن اعتباره دليلًا قطعيًا على العلية؛ أي أن الكبرى في هذا القياس ليست يقينية. المنطقيون عند بيان صحة القضايا التجريبية قالوا إن التلازم بين ظاهرتين، دائمًا أو في معظم الحالات، علامة على العلية والمسببية؛ لأن التزامن الدائم أو الأكثرية لا يكون عرضيًا. وفي هذا الصدد يجب القول: أولًا، هذه القضية التي تقول إن الأمر العرضي لا يصبح دائمًا أو أكثرية، وبعبارة أخرى، استحالة أكثرية وديمومة العرضي، تحتاج إلى إثبات، وثانيًا، إثبات التلازم الدائم أو الأكثرية بين ظاهرتين أمر يكاد يكون مستحيلًا، ولا يمكن لأي مختبر أن يدعي أنه اختبر معظم حالات تحقق الظاهرتين.

وكذلك أحيانًا يُستخدم قاعدة أخرى لإتمام البرهان، وهي أن شيئين متشابهين سيكون لهما آثار متشابهة «حكم الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحد». لذلك، عندما نلاحظ ظهور ظاهرة في ظروف معينة في الحالات المختبرة، سنعلم أنه في حالات أخرى تتوفر فيها نفس الظروف بالضبط ستتحقق الظاهرة أيضًا، وبهذا يُكتشف العلاقة العلية بينهما. ولكن هذه القاعدة أيضًا ليست عملية جدًا؛ لأن إثبات التشابه الكامل بين حالتين ليس أمرًا سهلاً.

يبدو أن الطريق الوحيد لاستخدام التجربة لإثبات العلاقة العلية القطعية بين ظاهرتين معينتين هو التحكم في شروط تحقق الظاهرة، وملاحظة كيف يتغير الظاهرة بتغيير أي من العوامل والظروف المضبوطة، وكيف تبقى في وجود ظروف معينة… ومع ذلك، فإن إثبات أن السبب الفاعل في ظهور الظاهرة هو العوامل المعروفة في بيئة المختبر، وأنه لا يوجد عامل غير محسوس أو مجهول آخر، أمر صعب جدًا، والأصعب من ذلك إثبات العامل الحصري واللازم، لأن هناك دائمًا احتمالًا أن تتحقق الظاهرة المعنية في ظروف أخرى بواسطة عوامل أخرى…

يجب أن نشير إلى أن وجود الاحتمالات المذكورة التي تمنع من حصول اليقين المضاعف بالنسبة لقوانين العلوم التجريبية لا يضر بيقينية علاقة العلية بين الموجودات المادية؛ لأن العلية الناقصة للظاهرة الأولى بالنسبة للظاهرة الثانية يمكن إثباتها بالتجارب البسيطة أيضًا.[۴۵] ولكن يبدو أن الأستاذ مصباح قد استند إلى نموذج جون ستيوارت ميل الذي ستأتي ملاحظات عليه، وثانيًا الأهم هو نفي الصدفة النسبية، والصدفة النسبية ممكنة في الأسباب الناقصة.

قال الشهيد الصدر في مشكلة الاستقراء إن هناك ثلاثة أسئلة أساسية هنا: ١- قانون السببية العامة؛ ٢- نفي الصدفة؛ ٣- إثبات السببية الخاصة في المستقبل.

أرسطو يقبل السببية العامة كأصل عقلي وفطري مسلم به دون تدخل التجربة والدليل، ولإثبات السببية الخاصة في المستقبل يستعين بالقاعدة الفلسفية المستقلة عن التجربة وهي «إنّ الحالات المتشابهه من الطبيعه تؤدي إلى نتائج متماثله»، وأما لنفي الصدفة وإثبات السببية بين حدثين تم اختباره فيستعين بالقاعدة العقلية التي لا تحتاج إلى استقراء وتجربة وهي «إنّ الاتفاق أو الصدفه لا يكون دائمياً أو أكثرياً»[۴۶]. لذلك فإن دليل الاستقراء على شكل قياس استدلالي هو مثمر، والقياس الصغرى هو ملاحظة تقارن الظاهرة أ والظاهرة ب في مرات متعددة، والقياس الكبرى هو أن كل ظاهرة تتكرر فيها المقارنة مرات متعددة تكون سببًا للأخرى؛ لأن الاتفاق الدائم الحدوث أو الأكثر حدوثًا غير موجود. يتناول الشهيد الصدر أهم عنصر لأرسطو في حل الاستقراء ويقول: الصدفة في منطق أرسطو هي مقابل الضرورة. والضرورة تنقسم إلى قسمين: منطقي وواقعي (خارجي). والضرورة المنطقية هي العلاقة بين قضيتين أو مجموعتين من القضايا التي يؤدي تفريقهما إلى تناقض، مثل التلازم بين أشكال الهندسة الإقليدية وأحكامها من بينها أن زوايا المثلث تساوي ١٨٠ درجة، وأما الضرورة الواقعية فهي علاقة السببية بين شيئين مثل النار والحرارة. في هذه الحالة، وجود النار ونفي الحرارة لا يؤدي إلى تناقض، ولكنه في الخارج لازم وملزم. الصدفة تعني نفي الضرورة الواقعية والمنطقية، وهي على قسمين: صدفة مطلقة وصدفة نسبية. الصدفة المطلقة هي نفي كل نوع من السببية والضرورة المنطقية للظواهر، والصدفة النسبية تعني تزامن حدثين بدون أي ضرورة منطقية. قانون السببية يرفض الصدفة المطلقة، لكن الصدفة النسبية من الناحية الفلسفية ليست مستحيلة، وما قصده أرسطو من قاعدة «الاتفاقي» هو أن الصدفة النسبية ليست قابلة للتكرار. الشهيد الصدر لا يعتبر هذه القاعدة عقلية وقبلية على التجربة، ويقول: أرسطو لم يقدم دليلاً على أولوية أو وضوح هذه القاعدة، ومن جهة أخرى لا يمكن اعتبار هذه القاعدة قبْلية؛ لأن العقل لا يعتبر تكرار الصدفة مستحيلاً.[۴۷]

يقدم الشهيد الصدر سبعة اعتراضات على قانون الصدفة النسبية عند أرسطو، من بينها أنه إذا كانت قضية الصدفة النسبية في عشر تجارب متتالية غير قابلة للتكرار صحيحة، فيجب أن تكون القضية الملازمة لها، وهي هذه القضية الشرطية التي تقول إنه إذا حدثت الصدفة النسبية في تسع تجارب، فلن تحدث في التجربة العاشرة حتمًا، صحيحة أيضًا، بينما لا يقبل أنصار أرسطو هذا الأمر، ومع ذلك إذا كان العلم العقلي يقينيًا فلا بد وأن تكون القضية الملازمة له أيضًا يقينية.[۴۸]

وكذلك إذا لاحظنا في التجربة اقتران «أ» و«ب» فلا دليل لدينا على أن «أ» بالضرورة سبب «ب». ربما تكون الظاهرة «ت» التي أغفلناها هي السبب[۴۹]، كما أن علمنا بأن الصدفة النسبية غير قابلة للتكرار هو جمع لعدد من الاحتمالات.[۵۰] خلاصة القول إن قاعدة الصدفة النسبية عند أرسطو ليست علمًا عقليًا وما قبل تجريبي؛ لأنه في هذه الحالة إما أن تكون أولوية أو ثانوية، وفي كلتا الحالتين يكون المحمول على الموضوع ضرورة وحتمية، ولا يكفي مجرد الثبوت. فإذا كانت الضرورة ذاتية، فهذه القضية من القضايا الأولية، وإذا كانت الضرورة ناشئة عن سبب، فستكون القضية ثانوية، ولا معنى لأي منهما؛ لأن مضمون هذه القضية هو أن الصدفة لن تحدث، وليس أن عدم حدوثها ضرورة.[۵۱] ومن المآخذ الأخرى للشهيد الصدر على أرسطو أنه أخطأ في الأصل باحتياج الدليل الاستقرائي إلى المبادئ المسلمة الثلاثة. وفي نهاية الكتاب سيبرهن أن نتيجة الاستقراء قابلة للتعميم بدون الحاجة إلى المبادئ المسلمة السابقة، وأن المبادئ المسلمة الثلاثة الأرسطية تثبت في ضوء الاستقراء.[۵۲]

النظرية المختارة: حتى الآن اتضح أنه من وجهة نظر الأرسطيين لإثبات عمومية وضرورة القضايا المجربة يُستخدم نوعان من القياس: الاستثنائي والاقتراني:

أ- القياس الاستثنائي الذي يتكون من مقدمتين ونتيجة واحدة:

المقدمة ١: إذا كان هذا الأثر صدفة، فلن يكون دائمًا أو غالبًا.

المقدمة ٢: هذا الأثر يحدث دائمًا أو غالبًا (بسبب تكرار الملاحظة).

النتيجة: إذًا، الأثر المحدد ليس صدفة وله سبب.

ب- القياس الاقتراني الذي يتكون من مقدمتين ونتيجة واحدة:

المقدمة ١: تحقق هذا الأثر هو نتيجة لسبب.

المقدمة ٢: كل معلول لا يخالف سببه.

النتيجة: هذا الأثر لا يخالف سببه وهو كلي وضروري.

أساس المقدمة الأولى في القياس الاستثنائي هو قاعدة «الاتفاقى لا يكون دائمياً و لا اكثرياً» التي من الناحية المنطقية ليست بديهية ولا واضحة، ولها فقط جانب استقرائي.

علاوة على ذلك، فإن الادعاء بديمومة عملية ما غير صحيح؛ لأن جميع حالات التزامن بين ظاهرتين لم تُختبر بعد لاستنتاج دوامها، وكذلك الادعاء بالأكثرية غير صحيح؛ لأنه إذا كانت علاقة طبيعة الشيء وتأثيره علاقة سببية، فلا بد أن يكون التأثير ضرورياً ودائماً، إذ لا يمكن اعتبار العلاقة السببية أكثرية وغير دائمة، بالإضافة إلى أن حدود الأكثرية غير محددة. فمن أين يمكن معرفة أننا قد اختبرنا أكثرية حالات التزامن بين أمرين؟ المقدمة الثانية للقياس الاستثنائي التي تحققت من خلال تكرار الملاحظة تعاني من نفس العيبين السابقين؛ لأن جميع حالات التزامن لم تُرصد حتى يكون الادعاء بالديمومة صحيحاً، ولا يوجد معيار لتحديد الأكثرية، وكذلك أساس هذه المقدمة يعتمد على الاستقراء. عيب آخر في نتيجة القياس الاستثنائي هو أنه في فرض صحة هذا القياس، يمكن فقط استنتاج أن ذلك التأثير لازمة شخصية وليس لازمة طبيعة الشيء. أي أنه قد تكون طبيعة الشيء مصحوبة بتزامنات خارجية تستلزم ذلك التأثير، ولذلك يجب تقديم دليل آخر لنسب التأثير إلى طبيعة الشيء.

الاستدلال الذي قدمه خواجه طوسي[۵۳] أيضاً، القائم على نفي السببية عن جسمية السقمونيا وجريان مجراها، وإثبات السببية للماهية السقمونيا، غير مكتمل؛ لأنه بنفي السببية عن الجسمية لا يمكن استنتاج السببية الطبيعية، إذ قد تكون طبيعة السقمونيا مع التزامنات الخارجية (التزامنات التي غفل عنها المراقب) هي المسؤولة عن السببية للتأثير.

الفصل الثالث: المنهج التجريبي الإثباتي

قدم التجريبيون في مسار تاريخ الفكر التجريبي أربعة مناهج مختلفة تجاه الاستقراء. وهي منهج اليقينية أو الإثباتية، ومنهج التفضيل أو التأييد، ومنهج العادة، ومنهج الدحض. ممثلا الفكر في منهج اليقينية والإثباتية هما فرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل، الفيلسوفان الإنجليزيان المشهوران. بيكون أثبت اليقين في الاستقراء بالمنهج التجريبي ومروراً بالمراحل الثمانية ـ وسيأتي شرح هذه المراحل الثمانية في نظرية فرانسيس بيكون ـ. أما ميل، مع أنه كان يعتبر التجربة أساس المعرفة فقط، لكنه ربط الاستقراء بعنصرين: الملاحظة والقوانين العامة، كما فعل أرسطو، وقبل قوانين العلية والتماثل والطرق الأربعة (التي تعتبر بمثابة الكبرى في الاستقراء).

ممثل الفكر في منهج التفضيل أو التأييد هو برتراند راسل، الذي فسّر الاستقراء باعتباره اعتقاداً مفضلاً، وهدد يقينية الاستقراء، واعتقد فقط في حجم أكبر من الاحتمالات وقيمة الأحكام الاستقرائية. وهناك كبار آخرون مثل رايشنباخ يميلون إلى هذا المنهج، وسيتم شرحه لاحقاً، وديفيد هيوم هو ممثل الفكر في منهج العادة، حيث اعتبر الاعتقاد الناشئ عن الاستقراء عادة ذهنية، وانتقل من نقد العلية الفلسفية إلى العلية النفسية، وممثل الفكر في منهج الدحض هو كارل بوبر. وسيأتي تفصيل هذه المدارس في ما يلي.

الإثباتية هي الصورة التي تُرى بها العلم وأساساته، والتي بموجبها يكون العلم التجريبي مجموعة من القوانين والعبارات العامة والشاملة التي تم إثباتها بالملاحظة والتجربة، ومن ثم تُستخلص النظريات العلمية بدقة وتنظيم بناءً على هذه النتائج الحسية والمجربة. وفقاً لهذه الصورة، يمكن التنبؤ والتفسير فقط بعد اكتساب القوانين والنظريات. من هذا المنظور، يُبنى العلم التجريبي فقط على ما يمكن رؤيته وسماعه وإحساسه، ولذلك لا مكان للأذواق والآراء الشخصية أو التخيلات والنظريات الافتراضية، ومن هنا يكون العلم التجريبي معرفة مثبتة وموثوقة. نشأت هذه النظرة في القرن السابع عشر على يد علماء مثل جاليليو ونيوتن وبيكون، وانتشرت على يد التجريبيين في القرن التاسع عشر.

وفقاً للصورة الإثباتية، يبدأ العلم التجريبي بالملاحظة والإدراك الحسي، ويجب على العالم التجريبي أن يدرك الظاهرة المدروسة بحواس ظاهرة خالية من أي تحامل، وبعناية وانتباه، وأن يسجل بأمانة تامة دون تدخل شخصي ما يدركه بالحواس، وأن يحول العبارات الملاحظة التي هي جميعها أحكام فردية تتعلق بظواهر معينة في زمان ومكان محددين إلى نتائج عامة وشاملة لا تخص حالة أو زمان أو مكان معين.

يمكن تفسير منهج التجريبية الإثباتية بتقريرين:

التقرير الإجمالي والتقرير التفصيلي. في التقرير الإجمالي نركز فقط على الأسس والافتراضات الإثباتية ونقدها، وفي التقرير التفصيلي نشير إلى منهج أنصار هذه النظرية، أي فرانسيس بيكون وجون ستيوارت ميل، ونقدهما.

أ) الأسس والافتراضات الإثباتية

رغم أن التجريبية الإثباتية لا تتبع نموذجاً موحداً، إلا أنها تتفق في الأمور التالية:

١- العلم التجريبي يُبنى فقط على الإدراكات الحسية؛

٢- التجربة والملاحظة خالية من أي تحامل أو نظرية مسبقة ممكنة؛ أي يمكن الوصول إلى حقائق محضة وخالية من النظريات؛

٣- الملاحظات والإدراكات الحسية تسبق النظريات والافتراضات؛

٤- يبدأ العلم بالملاحظة والإدراك الحسي؛

٥- الملاحظات والإدراكات الحسية المحايدة هي أساس موثوق لبناء المعرفة التجريبية الموضوعية واليقينية؛

٦- الطريقة الوحيدة للوصول من العبارات الملاحظة إلى القوانين العامة هي الاستقراء، والاستقراء هو طريقة موثوقة لإثبات القوانين العلمية؛

٧- في عملية اكتساب العلم، يكون ذهن الإنسان قبل أن يكون فاعلاً منفعلًا، يشبه وعاءً تُخزن فيه البيانات الحسية؛

٨- معنى الموضوعية في العلم هو خلو الذهن من المعتقدات، والأذواق الشخصية، والتحاملات، والتخيلات، والتمثيلات.

التقرير الإجمالي للإثباتيين يتعرض للنقدات التالية:

١ـ الإدراك الحسي والتجربة خاليان من الطابع النظري وخاليان من أي نوع من الأحكام المسبقة غير ممكنين. فالتعليمات والتجارب السابقة للمراقب تجعله يرى نقاطًا معينة ويتغاضى عن نقاط أخرى لا يستطيع الآخرون الذين حُرموا من تعليم التخصص العلمي وصفها، مثل الوصف الدقيق لحالة عدسة المجهر التي نُميت عليها بكتيريا الدفتيريا.[۵۴] لذلك، كل ملاحظة هي إحساس ملون بطابع النظريات.[۵۵] بمعنى آخر، الجمل الملاحظة مسبوقة وملونة بنوع من النظرية.

٢ـ لا يمكن أن تكون الملاحظات والإدراكات الحسية محايدة؛ لأن الإدراك الحسي مسبوق باهتمام خاص، سؤال معين أو مسألة خاصة. مجموعة هذه التوقعات والانتظارات تسبق الملاحظة والإحساس. على سبيل المثال، كان غاليليو يرى البندول شيئًا ذا قصور ذاتي يعيد حركته التذبذبية إلى حد ما. في حين كان الأرسطيون قبله يرونه شيئًا ذا سقوط مقيد يقترب ببطء من حالة السكون النهائية.[۵۶]

٣ـ الادعاء بأن الجمل الملاحظة هي أساس موثوق لبناء قصر المعرفة التجريبية ناقص أيضًا؛ لأن بيانات العلم والجمل الملاحظة، رغم أنها دائمًا مبنية على بيانات العالم المشترك والمتاح للجميع، سواء أُخذت عن طريق الملاحظة والوصف أو من خلال التجارب المحكمة والقياسات الكمية، فهي ليست أبدًا حقائق عارية وكيانات محضة، بل تحمل دائمًا عنصرًا من التفسير.[۵۷] على سبيل المثال، في هذا التقرير الذي يقول «إن شعاع الإلكترون يُرد بواسطة القطب الشمالي للمغناطيس»، هناك العديد من الفرضيات الكامنة التي تظهر بوضوح مع قليل من التأمل، مثل وجود كيانات تسمى الإلكترون والمجال المغناطيسي، وكذلك وجود قطبين شمالي وجنوبي. لذلك، الجمل الملاحظة ملونة بالنظرية والتفسير، وبقدر ما تكون هذه النظريات والتفسيرات الكامنة في الجمل الملاحظة عرضة للخطأ، تكون الجمل الملاحظة نفسها عرضة للخطأ وغير موثوقة.[۵۸]

٤ـ الاستقراء ليس طريقة موثوقة لإثبات القوانين العلمية والحكم عليها؛ أي أنه لا يمكن بالاستقراء تحويل القضايا الملاحظة والشخصية الخاصة بزمن ومكان معين إلى نظريات علمية وقضايا كلية.

ب) منهج الإثباتية لفرانسيس بيكون

فرانسيس بيكون (١٥٦١-١٦٢٦م) هو تجريبي إنجليزي ومدافع عن المنهج الاستقرائي في العلوم الطبيعية، حيث وضع «الأرغنون الجديد» (new organon) في مواجهة «الأرغنون» لأرسطو، ووقف بشدة ضد الأنظمة العلمية والفلسفية السابقة، واعتبر المنهج القياسي لأرسطو في اكتشاف الحقائق غير كافٍ، عديم الجدوى، وغير مفيد، بل ضار. لذلك قرر أن يقدم منهجًا ومنطقًا جديدين في مواجهة أرسطو، ويضع خطة جديدة ويبني فلسفة جديدة للعلوم الطبيعية. تحدث فرانسيس بيكون أكثر من غيره عن نقد وتحسين واعتماد الاستدلال الاستقرائي، واعتبره الاستدلال الوحيد في مجال دراسة الطبيعة. كما شدد، مثل البراغماتيين، على التطبيق العملي للعلم إلى حد أنه كان يعتبر العلم المنفصل عن العمل بلا قيمة. بناءً على ذلك، يُعتبر بيكون أول من قال إن العلم قوة، وكان أهم نقد له للفلسفة المدرسية هو هذه العقيمة وعدم وجود فائدة عملية لها. وهذا لا يعني أنه أغفل عن التنوير والصدق العلمي.

أهم إنجاز بيكون كان في نقده وتحطيمه لأصنام المفكرين السابقين، حيث هزّ أنظمتهم الفلسفية والمنهجية من خلال نقد منهجي، وقدم حكمتهم على أنها تعبيرات عقيمة ونزاعات ومجادلات لا طائل منها. كان نقده لأرسطو، الذي اعتبر أفكاره مغلوطة وسطحية، هو الأشد، وكان يفضل أناكساغوراس، ليوكيبوس، أمبيدوكليس، هيراقليطوس، وخاصة ديموقريطوس بسبب دراساتهم العميقة في علم الطبيعة على أرسطو وأفلاطون، واعتبر أن أكبر ضرر للفلسفة الطبيعية والعلم يأتي من المنطق الأرسطي.

شملت انتقادات بيكون، بالإضافة إلى الفلاسفة الاستدلاليين، الفلاسفة التجريبيين الخالصين الذين ينأون عن العقل.[۵۹]

أصبح الاهتمام بالمنهج ونقد المنهج السائد لدى القدماء محور اهتمام في عصر بيكون. مثل أسلافه جيلبرت، كوبرنيكوس وغاليليو، فضل بيكون المنهج الاستقرائي وفحص التفاصيل لاستخلاص القوانين على المنهج القياسي والسير من الكلي إلى الجزئي؛ لأن الطرق التقليدية في اكتشاف الصناعات لا تحقق تقدمًا. مع ذلك، قبل بيكون الاستدلال القياسي مع المبادئ الأولية مثل نفي التناقض، استحالة ارتفاع النقيضين، مبدأ الهوية، واستخدامها في المعارف السياسية والأخلاقية والكلامية، لكنه اعتبرها غير كافية في اكتشاف أسرار الطبيعة وتفسيرها والحقائق العلمية. في الواقع، كان نقد بيكون للطبيعة عند أرسطو موجهاً إلى التعبير وليس إلى «القياس بما هو قياس» كاستدلال وأداة معرفية. بناءً على ذلك، اقترح تفسير الطبيعة بالاستقراء بدلاً من استنباطها بالقياس. ومن الجدير بالذكر أن بيكون لم يكن راضياً عن الاستقراء الطفولي للقدماء الذي يكتفي بملاحظة التفاصيل فقط، وكان يؤمن بأنه لا يمكن القفز إلى الكليات بمجرد ملاحظة التفاصيل.[۶۰]

شرح فرانسيس بيكون منهجه المقترح في ثماني مراحل:

١ـ مكافحة عوائق اكتشاف الحقيقة: كان بيكون ينصح بضرورة إزالة كل الأحكام المسبقة والتحيزات والأخطاء والزلل من الذهن، لكي يعكس الذهن كمرآة صافية الواقع كما هو.[۶۱] سمى بيكون أخطاء الذهن والتصورات الباطلة والخاطئة بالتماثيل، لأنها مثل التماثيل تسبب سوء الفهم والانحرافات الضارة والخطيرة للغاية.

هو الوسيلة الوحيدة للامتناع عن الأوثان والوصول إلى المعرفة الصحيحة هو الاستقراء الصحيح. يقسم بيكون في كتاب الهدف النهائي لتفسير الطبيعة[۶۲] الأوثان إلى أربعة أقسام: أوثان القبيلة أو العشيرة، أوثان السوق، أوثان الكهف، وأوثان المسرح. والآن نعرض بإيجاز شرح أنواع الأوثان:

أ: أوثان القبيلة هي الأخطاء التي جذورها في الطبيعة الإنسانية أو في العشيرة والعرق، ولذلك فهي مشتركة بين جميع الأفراد ومنشأ العجز والخداع الحسي. لأن أولاً الحواس عاجزة عن إدراك كثير من الأشياء بسبب دقتها أو صغرها أو بعد المسافة أو بطء أو سرعة حركتها، وغيرها. ثانياً الحواس غير موثوقة في إدراكاتها؛ لأن شهادة وإبلاغ الحواس دائماً تعود إلى الإنسان نفسه، ولذلك الحواس لا تكفي لاستقبال الحقائق والتفسير العلمي للطبيعة ويجب أن تصاحبها التجربة. ثالثاً الإرادة والعواطف تغير وتلوث فهم الإنسان بطرق لا تحصى، ولهذا السبب يؤمن الإنسان بسهولة بما يرغب أن يكون صحيحاً ويرفض نور التجربة بسبب الأنانية والغرور.

ب: أوثان الكهف هي أخطاء ناشئة عن الوضع البنيوي الجسدي والنفسي لكل فرد. الإنسان محروم من إدراك الحقائق ما لم يحرر نفسه من هذا الكهف. وتمييز هذه الأوثان عن أوثان القبيلة يشبه تمييز الفرد عن النوع، فالعوامل مثل التركيب الذهني والجسدي الخاص للفرد، والتعليم والتربية، والعادات والظروف تدفع الأفراد لتفسير الظواهر من منظور كهفهم الخاص. مثل الحب المفرط لبعضهم للعصور القديمة أو الحديثة وغيرها من الإفراط والتفريط التي تلحق ضرراً عظيماً بالعلوم والفلسفة.

ج: أوثان السوق التي هي أكثر ضرراً من غيرها من الأخطاء، تتحقق بتأثير اللغة وتدخل إلى الفهم عبر ربط الكلمات بالأسماء. لذلك يحل علم الألفاظ محل علم الأشياء، وغالباً ما تؤدي المناقشات الرفيعة والرسمية للعلماء إلى نزاعات لفظية. الأسماء التي تشير إلى أشياء غير موجودة (مثل الحظ) أو غير مرئية (مثل المحرك الأول) أو غامضة وبدون تعريف واضح (مثل الرطوبة) هي أكثر الألفاظ التي تسبب الخطأ.

د: أوثان المسرح التي تدخل إلى الذهن من خلال الفرضيات الوهمية للأنظمة الفلسفية والمغالطات الظاهرة وتتجسد فيه، ومنشأ ثلاثة أنواع من الفلسفة الخيالية والخاطئة. أولاً الفلسفة السفسطائية والعقلية التي لا تتناول تجربة الأمور، مثل أرسطو الذي أفسد الفلسفة الطبيعية بمنطقه. ثانياً الفلسفة التجريبية التي تفتقر تماماً إلى العقل والاستدلال. ثالثاً الفلسفة الخرافية التي نشأت من اختلاط الفلسفة باللاهوت والتقاليد، مثل فلسفة فيثاغورس.[۶۳]

٢- تجنب المنقولات وعلوم القدماء: بمعنى أن بيكون نظر إلى أقوال السابقين بشك وتردد وبدأ بالملاحظة من جديد، ولكن يجب أن تتم التجارب بنظام وترتيب متتابع؛ لأن التشتت يربك الذهن. لذلك يجب وضعها في جداول الاكتشاف.

٣- تقوية الحواس والفهم بواسطة وسائل مساعدة وتصحيح أخطاء الحواس وعدم الثقة بالذاكرة.

٤- الاهتمام بالملاحظة والتجربة للحالات الإيجابية والسلبية؛ لأن اكتشاف حالة سلبية واحدة يمكن أن يبطل الحكم العام.

٥- يجب أن يبدأ التحقيق بملاحظة التفاصيل، وأن تمر المراحل خطوة بخطوة من ملاحظة التفاصيل والأحكام الجزئية والأحكام المتوسطة إلى الأحكام الكلية.

٦- استخدام ثلاثة جداول: الحضور، الغياب، والدرجات أو المقارنة.

أ: جدول الحضور: يحتوي هذا الجدول على الحالات التي تكون فيها طبيعة موضوع التحقيق حاضرة، مثلاً إذا كان موضوع التحقيق هو طبيعة الحرارة، فإن جميع الحالات المتعلقة بها مثل أشعة الشمس، الأجسام المحمرة، الجير المتفتت… تكون حاضرة في هذا الجدول.

ب: جدول الغياب: يحتوي هذا الجدول على الحالات التي تكون فيها طبيعة موضوع التحقيق غائبة، مثل أشعة القمر والنجوم. بالطبع تُسجل في جدول الغياب فقط الحالات التي تشبه حالات الحضور.

د: جدول الدرجات أو المقارنة: يحتوي هذا الجدول على الحالات التي تأخذ فيها طبيعة موضوع التحقيق درجات مختلفة، وهذه الاختلافات في الدرجات تتناسب مع حدوث التغير في الحالات المذكورة. هذا الجدول هو أهم وأفيد جداول بيكون؛ لأنه فيه يُكتشف العلاقة السببية بين الظواهر.

٧- بعد إعداد الجداول المذكورة يبدأ الاستقراء الحقيقي لاكتشاف الصور، ويتم مرحلتا الطرد أو الحذف والمرحلة الإثباتية. في مرحلتي الطرد والإثبات تؤخذ الضوابط التالية بعين الاعتبار:

أ: إذا كان سبب الشيء حاضراً فالشيء حاضر.

ب: إذا كان سبب الشيء غائباً فالشيء غائب.

ج: إذا تغير سبب الشيء يتغير الشيء تبعاً لذلك التغير.

٨- اجتياز المراحل النهائية للاستقراء التي تكون منشأ تعميم القانون التجريبي، وهي: مرحلة المواد المتميزة، المؤيدات للاستقراء، تصحيح الاستقراء، تنويع التحقيق، حدود الاستقراء، ملازمة التمرين، تجهيزات التحقيق، رفع وخفض درجة القضايا.[۶۴]

حتى الآن تبين أن الاستقراء عند بيكون ليس مجرد حصر بسيط للمواد والمعلومات؛ لأنه لا يمكن تحصيل العلم من كتلة المواد فقط، بل يجب أن يتضمن منهج الاستقراء فن تصنيف المواد والقضايا وحذف الفرضيات حتى يبقى فرض واحد فقط. أهم طريقة في منهج بيكون هي جدول الدرجات أو المقارنة أو جدول الزيادة والنقصان. في هذا الجدول تُدرج الأحوال والصفات والظروف التي تزداد أو تنقص معاً، ومن هنا يُستنتج علاقة سببية بين الظواهر التي تتغير وتتبدل معاً.[۶۵]

نظرية التجريبية لفرانسيس بيكون في الاستقراء تحتاج إلى التأملات التالية:

١- ادعاء بيكون بتقديم منطق ومنهج جديد ومبتكر غير صحيح؛ لأنه لم يبتدع أي منهج أو منطق نوعي، بل اكتفى بإصلاح منهج السابقين ووصف وتصنيف عمل علماء الطبيعة السابقين فقط.

٢ـ بالرغم من أن بيكون وقف صراحةً ضد المنهج القياسي لأرسطو، إلا أنه ضمنيًا أشار إلى الحاجة إلى الفرضية والقياس، وهذا يدل على أن الاستقراء حتى مع توجه التجريبيين يحتاج إلى قياس ضمني.

٣ـ يمكن إدراك بدقة فلسفية ومنطقية أن منهج التجريبية عند بيكون أيضًا غير ناجح في معالجة مشكلة الاستقراء، ومن خلال هذا النظام لا يمكن التمييز بين تعليل وتعميم الظواهر، وبواسطة هذا المنهج فقط، يتحقق الظن والاحتمال الأكبر أو اليقين النفسي.

٤ـ منهج الاستقراء عند بيكون معيب من حيث أنه لا يؤكد كفاية على الفرضية. كان يأمل أن تنظيم وترتيب المعلومات وحده يكشف الفرضية الصحيحة، بينما هذا الأمر نادر الحدوث. عمومًا، بناء الفرضيات هو أصعب جزء في العمل العلمي، وبيكون كان عاجزًا عن تقديم منهج أو قاعدة لبناء الفرضيات.[۶۶]

٥ـ منهج الاستقراء عند بيكون كان خامًا وبسيطًا، وبواسطة جدول الحضور والغياب والدرجات يمكن فقط تصنيف أمور المشاهدات، لكنه غير مكتمل فيما يخص مناهج الاستقراء الفيزيائية.[۶۷]

٦ـ أشار بيكون إلى نقاط قيمة ومفيدة في مكافحة عوائق اكتشاف الحقيقة، أي الأخطاء الذهنية والتصورات الباطلة والأصنام البشرية، وبيّن أصنام القبيلة والسوق والكهف والمسرح، لكنه لم يقدم حلًا أو منهجًا للهروب من هذه الانحرافات، واكتفى بالتوصية الأخلاقية بالابتعاد عن هذه الآفات، بل قدم بعض الأصنام كأخطاء منهجية ومنظمة؛ وهي أخطاء ترتبط بالطبيعة الإنسانية أو بالبنية الجسدية والنفسية للأفراد، وهي إلى حد ما غير قابلة للتعويض، ولا يبدو من المعقول التوصية بإزالتها.

وقد اقترح كثير من المتصوفة مثل قوانوي أيضًا، لتجنب الأخطاء والانحرافات الفكرية، تجنب الأصنام والنجاسات الظاهرة والباطنة، وطهارة الخيال من المعتقدات الفاسدة والتخيلات الباطلة، والاندفاع في ميدان الآمال والأماني، وطهارة الذهن من الأفكار الباطلة والتصورات غير الواقعية وغير المفيدة، وطهارة العقل من التقيد بنتائج أفكار الآخرين وعجائب العلوم والأسرار، وطهارة القلب من التغير والتبدل والضعف في العزم وتشتت الإرادة، وطهارة النفس من الأماني والشوق إلى الأمور الباطلة، وطهارة الروح، وطهارة حقيقة الإنسان من فقدان ما هو موجود في الجماعة، وطهارة السر والطهارة الخاصة للإنسان. وذلك مع الفرض المسبق بأن الطريق البرهاني والنظري غير مكتمل، ولا بد من التمسك بهذه المبادئ للوصول إلى طريق الكشف والحدس.[۶۸]

ج) المنهج الإثباتي لجون ستيوارت ميل

جون ستيوارت ميل (١٨٠٦ـ١٨٧٣) مثل غيره من التجريبيين، اعتبر المصدر الأساسي للمعرفة البشرية هو الحس والتجربة، ومن خلال الحس سعى لإثبات صحة الاستقراء. وذكر ضمن بيان أنواع الاستنتاج وتنوع السير من الكلي إلى الجزئي ومن الجزئي إلى الكلي، أن الاستقراء فقط والسير من الجزئي إلى الكلي يمكن اعتباره استنتاجًا حقيقيًا؛ لأن النتيجة أو الاستقراء يتضمن أكثر مما هو مدرج في المقدمين.

أما في الاستدلال القياسي، فالنتيجة مدرجة في المقدمين، لذلك لا تضيف شيئًا إلى معرفتنا. على سبيل المثال، عندما يكون مفهوم الإنسان مصحوبًا بالفناء، ويصاغ الكبر “كل البشر فانين”، فلا يتم الحصول على معرفة جديدة بالنسبة لموت سقراط الذي هو نتيجة القياس.

ويعتقد أن الاستدلال القياسي هو عملية تفسير وتوضيح لمقولة كلية هي في الأصل نتيجة استقراء؛ وبالطبع المقصود بالاستقراء هنا ليس الاستقراء التام، بل استقراء مستمد من قوانين التماثل والانتظام في الطبيعة.[۶۹] ميل يتوصل إلى حل خاص للحصول على نتائج قطعية من الملاحظات الاستقرائية، ويجيب على ثلاث أزمات أساسية للاستقراء ـ نفي الصدفة المطلقة، ونفي الصدفة النسبية، وقابلية التعميم.

ولنفي الصدفة المطلقة يلجأ إلى قانون السببية، لكنه لم يعرّفه قط كقضية بديهية مسبقة، بل اعتبره نتاج استنتاج استقرائي، ولكن ليس بطريقة الاتفاق والاختلاف والتلازم التي ستأتي لاحقًا، بل بواسطة استقراء عددي أشار إليه إجمالًا. وبعبارة أخرى، نجد في التجربة اليومية أن الأحداث لها أسباب، والتجربة مع العمل وتأثير قوانين الترابط المعنوي يمكن أن تبيّن سبب ثقتنا المطلقة واليقينية في صحة قانون السببية.[۷۰]

ولتعميم حكم السببية وانتقال الحكم إلى الأزمنة المستقبلية، يلجأ ميل إلى “قانون الاستنتاج المتماثل من الحالات المتماثلة” و”مبدأ انتظام الطبيعة”. أما لنفي الصدفة النسبية فيقترح حلولًا مختلفة، ويؤكد على أنه إذا لم تؤخذ هذه الشروط والأساليب في الاعتبار، فلن يتحقق المقصود بشكل صحيح، وبدلًا من الحصول على العلم سنصل إلى جهل مركب.

ويقترح أربع طرق للعثور على علاقة السبب والنتيجة بين أمرين:

أ: طريقة الاتفاق والتوافق أو الإجماع: إذا وجد “ب” في نفس الوقت مع عناصر مختلفة في ثلاث حالات مختلفة، مثلاً العناصر “ا، ك، ج” في الحالة الأولى، والعناصر “ل، م، أ” في الحالة الثانية، والعناصر “ط، أ، د” في الحالة الثالثة، عندها نكتشف أن “ألف” هو سبب “ب”؛ لأنه مشترك في كل الحالات الثلاث. لذلك، كلما حدث حادث في حالات مختلفة وكان لها اشتراك في أمر واحد فقط، فإن ذلك الأمر المشترك له علاقة السبب والنتيجة مع ذلك الحادث.

ب: طريقة الاختلاف وعدم الاتفاق: مثلاً، حدث الظاهرة “ب” في حالة تحتوي على العناصر “ك، ل، م، أ”، لكنها لم تحدث في الحالة الثانية التي تحتوي على العناصر “ك، ل، م”، نكتشف أن “ألف” هو سبب “ب”. لذلك، كلما حدث حادث في حالة ولم يحدث في حالة أخرى، وكانت الظروف في الحالتين متشابهة إلا في أمر واحد كان موجودًا في الحالة التي حدث فيها الحادث وغير موجود في الحالة التي لم يحدث فيها، فإن ذلك الأمر المختلف هو سبب الحادث.

ج: طريقة الملازمة في التغيير والتغيرات المتبادلة: إذا تغير ظاهرة ما وتغيرت ظاهرة أخرى معها، يتضح وجود علاقة سببية بين الظاهرتين. لذلك، عندما نرى أمرين تتزامن جميع تغييرات أحدهما مع تغييرات خاصة في الآخر، يمكننا اعتبار هذين الأمرين سببًا ونتيجة لبعضهما البعض.

د: طريقة الباقي: كلما أدى مجموعة من المقدمات إلى مجموعة أخرى من النتائج، وكان من الممكن أن نربط جميع النتائج في المجموعة الثانية ـ ما عدا نتيجة واحدة ـ بجميع المقدمات في المجموعة الأولى ـ ما عدا مقدمة واحدة ـ في هذه الحالة، يسود وجود علاقة سببية بين المقدمة الباقية. بعبارة أخرى، إذا لاحظنا مجموعة من الأمور المسبقة ومجموعة من الأمور التابعة، وأثبتنا تعلق جميع المقدمات ما عدا واحدة بجميع التوابع ما عدا واحدة، نستنتج أن المقدمة الباقية والتابعة الباقية تربطهما علاقة سبب ونتيجة.

خلاصة القول إن جون ستيوارت ميل لم يعترف بالاستدلال القياسي كحقيقة، وكان يعتقد أن هذا النوع من الاستدلال لا يجلب نتيجة جديدة. لذلك، حقيقة الاستدلال هي السير من الجزئي إلى الجزئي، والعقل يستند إلى مبدأ العلية والتشابه والطرق الأربعة ليحصل على حكم التفاصيل الأخرى. مبدأ العلية ينفي الصدفة المطلقة، ومبدأ التشابه يعمم الحكم، والطرق الأربعة: الاتفاق، الاختلاف، التغيرات المتبادلة، والبقايا تنفي الصدفة النسبية وتثبت العلية الخاصة بين ظاهرتين محددتين.

ومن الجدير بالذكر أن ميل لا يقبل العلية بالمفهوم العقلي، ويستخدم العلية بالمفهوم التجريبي في مدرسته الاستقرائية. العلية بالمفهوم العقلي تعني علاقة الحتمية والضرورة بين ظاهرتين، أما العلية بالمفهوم التجريبي فتعني التتابع الزمني المطرد.[۷۱]

أما الشهيد صدر فيقبل تجريبية قانون العلية، لكنه لا ينفي عقلانية هذا القانون، بل يرى أن العلية بالمفهوم العقلي يمكن إثباتها عبر الاستقراء، كما أنه لا يرى أن توسع الدليل الاستقرائي يحتاج إلى مبدأ العلية والتشابه.[۷۲]

طريقة التجريبية عند ميل في حل مشكلة الاستقراء غير ناجحة للأسباب التالية:

١- هذا المذهب استند في توسيع الاستقراء إلى مبدأ العلية، في حين أن القضايا العلية نفسها نتيجة استقراء، وهذا يعني الوقوع في حلقة مفرغة.

٢- العلية بالمفهوم التجريبي والتتابع الزمني المطرد، دون النظر إلى العلاقة الضرورية بين السبب والمسبب، لا يمكنها إثبات التعميم وتوسيع الاستقراء؛ لأن العلية العقليّة تعني علاقة الضرورة والتلازم الأساسي بين ظاهرتين، أما العلية التجريبية فتعني تزامن أو تتابع حدثين يمكن أن يكونا مصادفة نسبية.

٣- الطرق الأربعة عند ميل تقلل احتمال الصدفة النسبية لكنها لا تلغيها تمامًا.[۷۳]

٤- نقد ميل لعدم صحة الاستنتاج القياسي ونفي الاستنتاج الحقيقي منه غير مكتمل؛ لأن هذا النوع من الاستنتاج قادر على تحصيل معرفة جديدة، وقد يؤدي الكلية الكبرى المعرفية الإجمالية إلى مصاديق وأفراد، وبالاستنتاج والعلم بالنتيجة تتحقق معرفة تفصيلية للفرد الخاص.

٥- ادعاء ميل بأن الكلية الكبرى في الاستدلال القياسي هي نتيجة استقراء غير مكتمل؛ لأن العلم بالكلية الكبرى في القياس لا يعتمد على استقراء تام أو فحص جميع المصاديق، ولا يعتمد دائمًا على استقراء موجه ومبرر إلى المبادئ العامة، بل أحيانًا يتحقق بالتلازم بين الموضوع والمحمول، وأحيانًا بالعقل المجرد. بعبارة أخرى، الأحكام العقلية والكلية إما تعتمد على الحس والتجربة والاستقراء الذي هو بدوره قائم على القياس الضمني، أو لا تعتمد على الحس إطلاقًا، مثل «كل متغير حادث» حيث الموضوع الكلي هو سبب الحكم، أو مثل «زوايا كل مثلث ١٨٠ درجة» حيث سبب الحكم شيء آخر.

٦- كما يدعي ميل نفسه، فإن مبدأ تجانس وتناسق الطبيعة ليس حقيقة بديهية تُعرف مسبقًا وقبل اكتشاف القوانين أو التجانسات، بل على العكس، هذا التعميم الكبير قائم على تعميمات سابقة، وهذا المبدأ بدلاً من أن يكون من أولى الاستقراءات، هو من آخرها، في حين أنه يشترط لاعتبار الاستنتاجات العلمية؛ بمعنى أن شرط صحة الاستنتاج العلمي هو وجود التجانس والتناسق في المجال أو السياق الذي ينتمي إليه الاستنتاج، واكتشاف المزيد من التجانسات والتناسقات الجزئية يترافق مع زيادة صحة الاستنتاج العلمي.[۷۴]

الفصل الرابع: منهج التجريبية العادتيّة

ديفيد هيوم (١٧١١-١٧٧٦م) هو المفكر الثاني الذي فسّر الاستقراء بمنهج الحس والتجربة. هذا الفيلسوف الإنجليزي كان أول من أنكر في الغرب، من خلال تحليله لمبدأ العلية، التمييز الأرسطي بين العدّ البسيط والاستقراء الحدسي ـ الاستقرائي، واعتبرهما من نوع واحد، واعتبر يقينية الاستقراء مسألة غير قابلة للحل. أرسطو كان يعتقد أن الاستقراء نوعان: الأول العدّ البسيط الذي يقوم على تعداد أحكام وخصائص عدد محدود من الأشياء أو الظواهر المنفردة كأساس للتعميم، وهو نتيجة ظنية، والثاني الحدس المباشر الذي يحقق اليقين.

أما هيوم فيرى أن هناك نوعًا واحدًا من الاستقراء وهو العدّ البسيط، وهو غير موثوق به؛ لأن اكتشاف العلية لا يتم بناءً على الملاحظة والإدراكات الحسية.

بحسب اعتقاد هيوم، قد يكون تزامن ومصاحبة بعض الحوادث والأشياء في الماضي مجرد صدفة، ولذلك لا يمكن الحكم بوجود رابط ضروري بين حادثتين متزامنتين ومتجاورتين. الملاحظة المتكررة للحوادث المتزامنة أو المتتابعة تؤدي إلى عادة تجعلنا، من خلال فعل نفسي لا مفر منه يشبه شعور المحبة عند التمتع بمودة شخص ما، نتوقع استمرار تلك المصاحبة. تصورنا للرابط الضروري ليس سوى استجابتنا الداخلية لهذه العادة التي تدفعنا لتوقع المسببات. على أي حال، الضرورة أمر موجود في الأذهان وليس في الموجودات، لذلك في تحليله، يستدعي هيوم في تفسيره للضرورة السببية عنصر العادة والتقليد ويعتبره مصدر الإيمان بالسببية بين ظاهرتين.[۷۵]

في رسالته حول طبيعة الإنسان، زعزع هيوم أصول السببية والضرورة السببية بين السبب والمسبب وأصل التشابه، فهدم بذلك أساس الاستقراء والقياس، وكان يعتقد أن كل استدلال يقوم على علاقة السبب والمسبب. كما أن أساس استنتاج شيء من شيء آخر يعتمد على العلاقة الضرورية بين السبب والمسبب، ولكن الضرورة ليست حقيقة خارجية ولا توجد في الأشياء، وإنما يحققها الذهن فقط بناءً على استدعاء الحالات المماثلة في الماضي. بمعنى آخر، الضرورة لا تمتلك واقعاً أو موضوعية خارجية، بل هي ضرورة ذهنية بوصفها صفة للإدراكات.[۷۶]

في نظرية المعرفة، قسم هيوم الإدراكات إلى انطباعات (بيانات التجربة المباشرة بواسطة الحواس) وتصوّرات (صور ذهنية خفيفة للانطباعات)، وكان يعتقد أن تأثير الانطباعات على النفس وتأثر النفس بها أشد وأقوى من التصورات، وبناءً عليه، تسبق الانطباعات التصورات. قسم الانطباعات إلى انطباعات حسية وانطباعات انعكاسية. النوع الأول ينشأ من أسباب مجهولة في النفس، والنوع الثاني ينبع من التصورات. على سبيل المثال، عندما يتحقق انطباع البرودة مع الألم، يبقى نسخة من هذا الانطباع في الذهن تسمى تصوراً. في هذه الحالة، ينشأ من الانطباع الجديد انزعاج يسمى الانطباع الانعكاسي، الذي يُنسخ مرة أخرى بواسطة الذاكرة والخيال ويصبح تصورات. يعزو هيوم تحقق التصورات إلى قوة الذاكرة والخيال، مع الفرق أن قوة الذاكرة تظهر التصورات بشكل منتظم، أما قوة الخيال فتستطيع أن تدمج التصورات البسيطة بشكل عشوائي. وهناك قوة رابطة تُسمى القوة اللطيفة، تنبع من الصفات النفسية مثل التشابه، المجاورة والسببية، وبموجب الاستدعاء تنظم التصورات.

بالإضافة إلى النسب الثلاثة المعروفة بالصفات الطبيعية، يعدد هيوم النسب الفلسفية إلى سبعة أقسام هي: التشابه، الهوية، نسب الزمان والمكان، تناسبات الكم أو العدد، درجات الجودة، التناقض والسببية.

يعتبر هيوم العلوم الرياضية والهندسية من نوع الجمل التنبؤية والتحليلية التي مكانها تناسبات الكم أو العدد، ولا تحتوي على مضمون تجريبي، رغم أنها يقينية. أما العلوم التجريبية التي تعتمد على الملاحظة فهي قضايى تركيبية، وتعتمد كليتها ويقينها على مبدأي السببية وتجانس الطبيعة. يرى هيوم أن مصدر الإيمان بمبدأ السببية ليس الحدس أو تحليل طبيعة الأشياء، ولا برهاناً. لذلك، تصور وجود المسبب بدون سبب لا يستلزم تناقضاً أو استحالة. وينتقد هيوم أدلة مبدأ السببية ويعتبرها مغالطة، ويعتقد أن مصدر الإيمان بهذا المبدأ هو الملاحظة والتجربة التي لا تولد أبداً ضرورة ويقيناً، بل تقبل النفس والذهن هذا المبدأ عن طريق العادة. كما يلجأ في مبدأ تجانس الطبيعة إلى تفسير نفسي ولا يعتبره ناتجاً عن تحليل منطقي أو برهان عقلي.[۷۷]

ملخص نظريات هيوم المعرفية التي لعبت دوراً بارزاً في تفسير الاستقراء هو كما يلي:

١- في بحث العقل والإدراك الإنساني، وهو من أهم المواضيع الفلسفية، يجب اتباع منهج التجربة، لأنه من هذا الطريق فقط تتحقق المعرفة الحقيقية. لذلك، يجب أن يكون المنهج استقرائياً لا قياسياً أو استنتاجياً.

٢- في تحصيل المعرفة يجب التخلي عن الفرضيات والاعتماد فقط على التجربة والملاحظة الأساسية، كما يجب ألا يهتم الباحث بالنتائج العملية التي تترتب على معلوماته أو بالصلاح والفساد الذي يظهر له.

٣- العقل البشري هو في الغالب كائن متعقل أكثر منه كائن فاعل.

٤- تنقسم الإدراكات إلى انطباعات (Impressions) وتصوّرات (Ideas).

الانطباعات هي بيانات التجربة غير الوسيطة مثل الأحاسيس، والتصورات هي نسخ أو صور ذهنية خفيفة للانطباعات في التفكير والاستدلال. كل من هذه الإدراكات تنقسم إلى نوعين آخرين هما البسيط والمركب.

٥- تسبق الانطباعات التصورات وتنقسم إلى فرعين: انطباعات حسية وانطباعات انعكاسية. التصور الجوهر لا ينشأ من الانطباعات الحسية ولا من الانطباعات الانعكاسية، لذلك لا وجود للتصور الجوهر أبداً. كلمة الجوهر تعبر عن مجموعة من التصورات البسيطة. التصورات العامة ليست سوى تصورات جزئية لم تُلحق بكلمة معينة.

٦- النسبة تدل على صفة أو صفات ترتبط بها تصوراّن في الخيال. يعدد هيوم سبعة أنواع من النسب الفلسفية: التشابه، الهوية، نسب الزمان والمكان، تناسبات الكم أو العدد، درجات الجودة، التناقض والسببية.

٧- يقدم هيوم تفسيراً عقلانياً غير تجريبي للرياضيات، ويعتبر النسب المحكومة ضرورية ولا يحتاج تأكيدها إلى التجربة، لأن الجمل الرياضية تنبؤية وتحليلية.

٨ ـ يشكك هيوم في مبدأ العلية والتماثل بين السبب والمسبب الخاص. وفقًا له، فإن استنباط العلية ليس ثمرة معرفة شهودية للماهيات، وإنما يمكننا فقط من خلال التجربة استنباط وجود شيء من وجود شيء آخر، ويجب أن تكون الحالات التي لم نختبرها مماثلة لتلك التي جربناها، وسير الطبيعة يظل دائمًا على حال مماثل، أي مبدأ انتظام الطبيعة.

٩ ـ يقول هيوم إن الافتراض بأن المستقبل يشبه الماضي لا يستند إلى أي دليل، بل هو نابع كليًا من عادة نعتاد عليها بحيث نتوقع للمستقبل نفس سلسلة الأشياء التي اعتدنا عليها.

١٠ ـ وفقًا لهيوم، السبب هو شيء متقدم ومتجاور مع شيء آخر، ومرتبط به بحيث إن تصور أحدهما يحدد الذهن ليولد تصور الآخر، وانطباع أحدهما يحدد الذهن ليولد تصورًا أوضح للآخر. دليله على نفي الضرورة في علاقة العلية هو أنه عندما نرى أمرًا يتبع أمرًا آخر، نعتبر ذلك في البداية صدفة، وعندما يتكرر ذلك نجد اقترانًا بينهما ولا نحكم بعلاقة سبب إلا بعد أن يتكرر الأمر بحيث لا نتصور خلافه، فالحكم بعلاقة العلية هو نتيجة عادة تتكون لدينا.

١١ ـ الإيمان بجملة ما مشروط برفض الشقوق الأخرى، في الجملة التحليلية برفض الجملة الناقضة، وفي الجملة التركيبية برفض الشقوق الأخرى التي تتعارض مع عادة متكررة.[۷۸]

خلاصة القول إن تفسير هيوم للاستقراء نفسي، ويرى أن نتيجة الاستدلال الاستقرائي لا قيمة حقيقية لها وإنما تتعلق بالعادة؛ أي أننا من خلال علاقة السبب والمسبب والاهتمام بالعلية يمكننا التنبؤ بالمستقبل، وأصل معرفة علاقة العلية والتسبب هو التجربة، فبدون هذا القانون القائل «المستقبل مثل الماضي» لا يمكن الحصول على نتيجة تجريبية، ولكن هذا القانون لا يملك إذنًا منطقيًا وإنما إذنًا نفسيًا فقط.[۷۹]

منهج هيوم في تفسير الاستقراء يقع تحت الانتقادات التالية:

١ ـ بالإضافة إلى الرياضيات، هناك علوم أخرى مثل الوجوديات، علم النفس الفلسفي، اللاهوت، وفلسفة العلم يمكن استنباطها بالبرهان والاستدلال، ولا سبيل للتجربة للوصول إليها.

٢ ـ مبدأ العلية، رغم أنه ليس معرفة تحليلية مستمدة من ماهية الأشياء ولا مستفادة من البرهان العقلي، إلا أنه ليس تجريبيًا أيضًا، بل هو من قبيل الجمل التركيبية البديهية التي يقبلها الذهن بشكل تركيبي وتنبؤي.

٣ ـ خلط هيوم بين الصدفة المطلقة والصدفة النسبية، وبين المبدأ العام للعلية والعلية المعينة. قوله إن الطريقة التجريبية لا تصل إلى العلية المعينة القطعية صحيح، لكن قوله إن نفي الصدفة المطلقة وإثبات العلية العامة لا يمكن إثباته بأي طريقة هو قول ناقص. كما يقول الشهيد صدر، إن هيوم خلط بين قانون العلية وعلاقة العلية. المقصود بقانون العلية أن لكل ظاهرة سببًا، والمقصود بعلاقة العلية هو العلاقة بين الحرارة والانبساط. الفلسفة أعطت قانون العلية صبغة عقلية وليس للعلاقات العلية.[۸۰]

٤ ـ في نظريته المعرفية، يرى هيوم أن حياة الفكر تعتمد على الانطباع والانعكاس، بينما كثير من التصورات لها حياة لكنها لا تتحقق بالاعتقاد، مثل العصا في الماء.

٥ ـ إذا اعتبرنا أساس المعرفة الحواس والبيانات الحسية فقط، فلا مفر من الاعتراف بكلام هيوم؛ لأنه كما يقول، العلية ومكوناها السبب والمسبب لا يتعلقان مباشرة بصفات الأشياء الملاحظة أو موضوعات الإدراك الحسي. بمعنى آخر، نحن لا نرى الأسباب ولا المسببات، بل نرى النار والحرارة فقط، وعندما نلاحظ ترتيب وتتابع حدثين مسبقًا، نخبر عن المستقبل، لكن لا ضمان أن يتكرر الحدث نفسه بالضبط. لذلك قد تحدث النتيجة بشكل مختلف،[۸۱] ولكن إذا اعتبرنا أساس المعرفة الحواس والعقل معًا، فلا ينتج هذا التلازم والاستنتاج.

٦ ـ تحليل هيوم للعلية له تبعات على العلم، منها أن جميع القوانين العلمية التي تعتمد على العلاقات العلية تفسر تفسيرًا آخر وتفقد صياغتها المنقحة، ولهذا يجيب هيوم على سؤال ما الضمان بأن المستقبل سيكون مثل الماضي: لا يوجد ضمان للمستقبل، ويصر باستمرار على أن الاستنتاجات الاستقرائية ليست صالحة من الناحية الاستدلالية لأنها غير قابلة للبرهان.[۸۲]

٧ ـ فلاسفة الإسلام استدلوا على قانون العلية بثلاث طرق:

أ: طريق صدر المتألهين الشيرازي: كل ظاهرة ممكنة الوجود، والوجود والعدم عندها متساويان، ولكي تظهر يجب أن يكون وجودها أرجح من عدمها، وإلا يؤدي تساوي الأرجحية إلى محال ضروري. فلكل ظاهرة سبب؛ لأن الوجوب والامتناع يغني ذات الشيء عن غيره، أما الإمكان فهو تساوي نسبة الممكن إلى الوجود والعدم، وتفضيل أحدهما على الآخر بدون مرجح خارجي يعني اجتماع التساوي وعدم التساوي، أي اجتماع النقيضين. إذًا التفضيل يحتاج إلى مرجح، ويجب أن يكون المرجح حاضرًا عند التفضيل.[۸۳]

كما يكتب علامه طباطبائي في تحليل العلية: أولاً، لا توجد ماهية موجودة بلا وجوب وجود (ضرورة)، وثانيًا، هذا الوجوب يستمد وجوده من موجود آخر، وإلا لكان نسبتها إلى الوجود والعدم متساويًا. النتيجة أن كل موجود نسبته إلى الوجود والعدم متساوية، ووجوده الذي يساوي الوجوب ينبع من موجود آخر (السبب)، ويمكن التعبير عن هذه النتيجة بالعبارة: «الممكن يجب أن يكون له سبب».[۸۴]

ب: طريق الأستاذ مطهري: «إذا لم نقبل علاقة السبب والمسبب، فعلينا أن ننكر مرة واحدة ارتباط وتبعية الحقائق بعضها لبعض؛ لأنه إذا لم يكن بين الأشياء علاقة سببية، فذلك إما لأن جميع الموجودات ذات وجوب ذاتي، والإمكان الذي هو لازمة المسبوبية وهم وباطل، ونتيجة لذلك كل ما هو موجود موجود أزلًا وأبدًا، وكل ما هو معدوم معدوم أزلًا وأبدًا، والحدوث والزوال والتغير والكمال مفاهيم بلا مصداق، أو لأن وجود وعدم الأشياء يحدث بالصدفة والاتفاق، وليس هناك احتمال ثالث. وأيًا كان أحد هذين الاحتمالين الذي نأخذه، فنتيجته عدم ارتباط وتبعية الحقائق بعضها لبعض، وفي هذه الحالة، سيكون انعكاس العالم الموضوعي في ذهننا على شكل حقائق منفردة ومنقطعة، ولن نستطيع تصور مجموع العالم كجهاز واحد».[۸۵]

الأستاذ مطهري في تبرير نظام العالم الوجودي لم يعتبر مبدأ العلية كافيًا، بل يرى أن القوانين الفرعية له، أي قانون التشابه وقانون الجبر السببي، ضرورية أيضًا، ويستنتج من قوانين السببية الثلاثة النقاط التالية:

١- ارتباط وتواصل الموجودات؛

٢- نظام معين للموجودات؛

٣- وجوب وضرورة النظام المعين للموجودات.[۸۶]

وفي تفريق هذه القوانين يكتب: لقد فصلنا في أقوالنا المبدأ العام للعلية عن قانونين فرعيين آخرين نسميهما قانون التشابه وقانون الجبر السببي، لكن في أقوال كثير من العلماء لم يتم هذا التفريق، وهذا النقص في التفريق أدى بدوره إلى أخطاء وسوء استنباطات.[۸۷]

ج: طريق الأستاذ مصباح: يعبّر عن مضمون مبدأ العلية في قالب «قضية حقيقية» على النحو التالي: «كل معلول محتاج إلى سبب»؛ أي إذا تحقق المعلول في الخارج فهو بحاجة إلى سبب، ولا يوجد موجود يحمل وصف المعلولية ووجد بدون سبب. هذه القضية من القضايا التحليلية، ومفهوم المحمول فيها يُستخرج من مفهوم الموضوع؛ لأن مفهوم المعلول هو موجود وجوده متوقف على موجود آخر ويحتاج إليه، فمفهوم الموضوع (المعلول) يتضمن معنى الاحتياج والتوقف والحاجة إلى السبب، وهو ما يشكل محمول القضية المذكورة. لذلك فهي من البديهيات الأولية ولا تحتاج إلى أي دليل أو برهان، والتصور المجرد للموضوع والمحمول يكفي لتصديقها. لكن هذه القضية لا تدل على وجود المعلول في الخارج، ولا يمكن الاستناد إليها لإثبات وجود موجود محتاج إلى سبب في العالم، ولكن العلم الحسي بالمعلولات الداخلية يدل على وجود المعلولات في الخارج على شكل قضايا وجدانية وبديهية.[۸۸]

الشهيد صدر ينتقد أيضًا طريق صدر المتألهين وطباطبائي ويقول: هذا الاستدلال ليس إلا قانون العلية وهو مغالطة دائرية؛ لأن قانون الحاجة إلى المفضل على المرذول هو تعبير آخر لقانون العلية. لذلك من الأفضل أن يُعتبر قانون العلية من القضايا العقلية الأولية، رغم أن هيوم لا يقبله، لكن في المعرفة البشرية لا مفر من الإيمان بالقضايا العقلية السابقة[۸۹] سواء كانت هذه القضية العقلية السابقة من القضايا التحليلية أو التركيبية. ومن الجدير بالذكر أن هيوم لم يكن لديه اهتمام علمي بالمقولات الفلسفية الثانوية التي تظهر في الذهن وتتصف بها في الخارج، ولهذا السبب كان يميل فقط إلى المعارف الحسية الناتجة عن الانعكاسات.

الفصل الخامس: المنهج التجريبي التأييدي

التأييدية هي صورة للعلوم التجريبية نشأت كرد فعل على بعض المآخذ الموجهة إلى المنظور الإثباتي. العلم من هذا المنظور هو مجموعة من القوانين والعبارات العامة التي تم تأييدها – لا إثباتها – بناءً على التجربة والاختبار المتكرر. وهكذا، رغم أن الاستقراء عاجز عن تحصيل قوانين قطعية، إلا أنه مفيد في تحقيق ظن متراكم وفي تأييد أو رفض القوانين والنظريات. لذلك، القابلية للتأييد التجريبي هي معيار التمييز بين العبارات العلمية. هذا المنهج يمكن عرضه بتقريرين: إجمالي وتفصيلي.

أ: التقريب الإجمالي للتأييدية

المباني والافتراضات المهمة لهذا المنهج هي:

١- العلم التجريبي يُبنى فقط على الإدراكات الحسية والتجارب.

٢- الملاحظة والتجربة خالية من أي تحيز مسبق.

٣- النظريات والافتراضات مسبوقة بالمشاهدات والإدراكات الحسية.

٤- المشاهدات والإدراكات الحسية المحايدة التي تصف فقط عالم الطبيعة هي أساس المعرفة التجريبية.

٥- في مقام الاكتشاف تُستخدم طرق مختلفة مثل الاستقراء والعبقرية والخيال الخلاق، وتُستغل في نشوء النظريات، لكن في مقام الحكم على القوانين والنظريات وقبولها يُعتمد فقط على الاستقراء.

التفريق بين مقام الاكتشاف ومقام الحكم أو التبرير طرح لأول مرة من قبل أحد أبرز العلماء الإنجليز في القرن التاسع عشر. في كتابه مقدمة في فلسفة الطبيعة (١٨٣٠) أقر بتمييز واضح بين «ظروف وأسس اكتشاف قوانين الطبيعة» و«ظروف وأسس تبرير هذه القوانين». وكان يؤكد أن الطريقة المستخدمة في صياغة نظرية ما لا علاقة لها بمسألة قبولها. فاستقراء دقيق جدًا وتخمين عشوائي، إذا تأكدت نتائجهما القياسية بالتجربة، يكونان في مستوى واحد.[۹۰]

ثم تم التأكيد على هذا التمييز من قِبَل رايشينباخ في كتاب نشأة الفلسفة العلمية. حيث يكتب في هذا الصدد: «العالم الذي يكتشف نظرية ما عادةً ما يصل إلى اكتشافه عن طريق التخمين؛ لا يستطيع تحديد الطريقة التي توصل بها إلى هذه النظرية، ولا يستطيع إلا أن يقول إن هذه النظرية بدت له مقبولة… من وجهة نظرهم، الاستنتاج الاستقرائي هو تخمين لا يتحول إلى تحليل منطقي. هؤلاء الفلاسفة لا ينتبهون إلى أن نفس العالم الذي اكتشف نظريته عن طريق التخمين، يعرض نظريته للآخرين فقط بعد أن يرى أن الوقائع تبرر تخمينه. في إطار هذا الادعاء بالتبرير، يقوم العالم بالاستنتاج الاستقرائي؛ لأنه لا يريد فقط القول إنه يمكن استنتاج الوقائع من نظريته، بل يريد أيضًا القول إن الوقائع تمنح نظريته احتمال الصدق وتوصي بها لتوقع ملاحظات أخرى. الاستنتاج الاستقرائي لا يُستخدم لإيجاد نظرية، بل لتبريرها وفقًا للبيانات الملاحظة… بمعنى آخر، المنطق يتعامل فقط مع مفهوم التبرير، وتبرير نظرية وفقًا للبيانات الملاحظة هو موضوع نظرية الاستقراء».[۹۱]

٦- العقل مثل كشكول بالنسبة للبيانات الخارجية، سلبي وليس نشطًا.

٧- الموضوعية من وجهة نظر التأييدية تعني الملاحظة والمعرفة بالظواهر بعيدًا عن الخيالات والأهواء والأحكام المسبقة الشخصية.

٨- التأييدية، مثل الإثباتية، غير راضية عن وجود المفاهيم النظرية. وقد لاقى النهج التجريبي التأييدي ترحيبًا من قِبَل الإيجابيين المنطقيين، وتوجه إليه أشخاص مثل كينز، رودولف كارناپ، رايشينباخ، برتراند راسل، نلسون جودمان وغيرهم.

نلسون جودمان، أحد مفكري الغرب، كشف عن نقائص الاستقراء من خلال مقارنة الاستنتاج الاستقرائي بالاستنتاج القياسي، وكان يعتقد أن صحة الاستنتاجات القياسية تعتمد على توافقها مع القواعد العامة، ومن جهة أخرى، التوقعات صحيحة إذا كانت متوافقة مع قواعد الاستقراء الصحيحة.[۹۲] بالطبع، في الاستقراء، القوانين المنطقية الصالحة مثل مبدأ انتظام الطبيعة لا تحظى بالاعتبار المنطقي مثل القياس، وجودمان يحاول اكتشاف قواعد تميز التوقعات الصحيحة عن التوقعات غير الصحيحة. من خلال طرح لغز الاستقراء الجديد، بدلاً من تبرير وإثبات صحة الاستقراء، يطرح سؤالًا آخر وهو: ما الذي يميز الفرضيات القابلة للتأييد (confirmable) عن الفرضيات غير القابلة للتأييد (non confirmable)؟ في الماضي، ركز أشخاص مثل كينز، رايشينباخ، وكارناپ، رغم اختلافهم في معنى الاحتمال، على الجوانب الكمية للتأييد، مع إيلاء اهتمام للدرجات وكمية القرائن والأدلة التجريبية، لكنهم أغفلوا الجوانب النوعية للتأييد، أي ما الذي تؤيده الملاحظة والقرينة من فرضية معينة.[۹۳] كما كان برتراند راسل يميل إلى هذا النهج ويعتبر الاستشهاد بالتجربة في الأمور غير المجربة غير قطعي.[۹۴]

خلاصة القول، في موضوع تكوين النظريات وولادة التئوريات، يتفق موقفي الإثباتية والتأييدية على أن من خلال ملاحظة التكرارات المنتظمة في الطبيعة، نجمع بيانات بسيطة، ثم نعممها باستخدام الاستقراء لنحصل على قوانين عامة. ثم نطرح نظرية تبرر هذه القوانين، وأخيرًا نختبر نظريتنا بالتجارب اللاحقة.[۹۵] الفرق الوحيد بين هذين الموقفين هو في إثبات وتأييد النظريات.

أما النقد الموجز للتقرير العام للنهج التأييدي فهو كما يلي:

١- الفرضية المهمة للإثباتيين والتأييديين بأن التجربة الحسية هي المصدر الوحيد لمعرفة الإنسان بالعالم، وأن العلوم التجريبية تقوم فقط على الإدراكات الحسية والتجارب، هي فرضية ناقصة. نشأت هذه الفرضية من المدرسة التجريبية والإيجابية التي كانت تعتمد فقط على الحواس والتجربة في الجمع والحكم. بينما أولاً: تاريخ العلم، الذي يروي كيفية تكوين العلوم التجريبية، لا يتوافق مع الفكر التجريبي، لأن الاستفادة من الخيال الخلاق والأسس الكونية والمعرفية، وكذلك وجهات النظر الكلامية والأيديولوجية في صياغة نظرية معينة، لها دور فعال.

ثانيًا: العلوم تعتمد على أسس غير تجريبية من جهتين.

الجهة الأولى: لغة البشر تحمل الإدراكات الكونية والمعرفية والثقافية والأيديولوجية، وأينما حلت، سواء في العلم أو الفن أو أي مجال آخر، تحمل معها حمولة ثقافية وفلسفية. لذلك، عندما يقول عالم في الفيزياء: إن الضوء ينكسر عند انتقاله من وسط مثل الهواء إلى وسط آخر مثل الماء، فهو في الواقع يقبل تصورات فلسفية حول وجود الضوء والحركة وغيرها.[۹۶]

الجهة الثانية: ليس فقط أن الملاحظات مسبوقة بالنظرية، وليس فقط أن لغة التجارب مصاحبة للنظريات، بل إن ولادة العلم مشروطة بالعديد من الفرضيات الكونية والمعرفية، ولا يمكن اتخاذ خطوة دون الخضوع لها.[۹۷]

٢- مجرد جمع البيانات وتعداد الوقائع لا ينتج نظرية علمية، بل إن ظهور النظريات مرتبط بأن يقدم العلماء هياكل ذهنية جديدة ومفاهيم تجريدية حديثة لتفسير وتبيين الظواهر، حتى نتمكن بمساعدة هذه المفاهيم من رؤية العلاقات المتينة بين البيانات التجريبية، لأنه بدون تقديم المفاهيم، لا يمكن ملاحظة العلاقة بين البيانات.

سقوط تفاحة، المد والجزر في البحار ودوران القمر حول الأرض، هي مشاهدات تبدو ظاهريًا غير مرتبطة ببعضها البعض، ولا يمكن فهم أنها تجسد فكرة ذهنية واحدة ونظرية علمية واحدة إلا من خلال تقديم مفهوم الجاذبية بين جسمين. في الأصل، العلاقة أو عدم العلاقة بين الموجودات والأشياء الخارجية ليست محسوسة أو مرئية، بل هي عقلية تُفهم من خلال وجود نظريات سابقة.[۹۸] ومن الجدير بالذكر أن بعض المفاهيم المستخدمة في العلوم لا تمتلك مثلاً خارجيًا، وتُستخدم لتبسيط وتحليل الواقع المعقد وغير القابل للتحليل، مثل السطح عديم الاحتكاك في الفيزياء، القابلية التكوينية الكاملة والغير قابلة التكوينية الكاملة في الكيمياء، والمنافسة الكاملة في الاقتصاد.

ب: المنهج التأييدي لريشنباخ

النموذج الآخر للاستدلال الاستقرائي يُنسب إلى هانز ريشنباخ (١٨٩١–١٩٥٣م) والمعروف بـ«نظرية الاحتمال». هذا المنهج جذب معظم فلاسفة العلم. في الماضي، كان الفلاسفة يسعون إلى إيجاد معرفة يقينية من خلال المنهج الاستقرائي، لكنهم الآن يرون أن مهمة المنطق الاستقرائي هي فقط التبرير بناءً على البيانات الحسية وليس اكتشاف قانون يقيني. كان ريشنباخ يعتقد أن العقل يعرض فقط العلاقات التحليلية، وأن المعارف التركيبية لا تتحقق إلا من خلال الملاحظات، وذلك في سياق الحاضر والماضي. لذلك، لا يمكننا التأكد من صحة معلوماتنا في المستقبل. أشار إلى الخلط بين مفهوم الاكتشاف ومفهوم التبرير، وعرّف مهمة المنطق بأنها التبرير، واعتبر تبرير نظرية بناءً على بيانات الملاحظات موضوع نظرية الاستقراء. لذلك، فإن دراسة الاستدلال الاستقرائي تقع ضمن نطاق نظرية الاحتمال؛ لأن الحقائق التي تُلاحظ لا يمكنها إلا أن تمنح نظرية ما احتمال صدق، ولا يمكنها أن تمنحها يقينًا مطلقًا.[۹۹] مثل المحقق الذي يجمع كل الأدلة والمواد حول جريمة وقعت، ويركز على الملاحظات ليصل إلى احتمال يتوافق أكثر مع معلوماته السابقة بين الاحتمالات المتعددة. في الاستدلال الاستقرائي، تجعل المقدمات النتيجة محتملة وليست قطعية.

والآن ننتقل إلى التفسيرات المختلفة لنظرية الاحتمال:

النظرية الأولى للاحتمالات هي النظرية الكلاسيكية التي عُرفت في القرن الثامن عشر على يد برنولي (١٦٥٤–١٧٠٥م) ثم لابلاس (١٧٤٩–١٨٢٧م). تعريفهما للاحتمال هو: نسبة عدد الحالات المرغوبة إلى عدد الحالات الممكنة. بمعنى آخر، القيمة العددية للاحتمال هي خارج قسمة عدد الحالات المرغوبة على الحالات التي لها نفس الاحتمال. لذلك، عند رمي قطعة نقود، القيمة العددية لاحتمال ظهور الوجه هي نصف.[۱۰۰]

انتقد ريشنباخ وريتشارد ميزز هذه النظرية وذكروا النقاط التالية:

١- كل تخطيط يتطلب معرفة بالمستقبل، ومن جهة أخرى، بما أننا لا نمتلك يقينًا كاملاً بالمستقبل، فإننا نرغب في الاستفادة من المعرفة المحتملة بدلاً من ذلك، وهذه العبارة التي تقول إن الاحتمال يساوي نصف لا تخبرنا بشيء عن المستقبل، بل تعبر عن حقيقة أن معرفتنا بحدوث حدث ما ليست أكثر من معرفتنا بحدوث الحدث المعاكس له.[۱۰۱]

٢- إمكانية الاحتمال المتساوي هي تعبير آخر عن الاحتمال المتساوي؛ أي أنها تقع في دائرة مغلقة أو مغالطة التمني.[۱۰۲]

٣- هذا التعريف للاحتمال ليس مفيدًا في جميع الحالات. على سبيل المثال، شركات التأمين على الحياة تريد معرفة احتمال بقاء شخص على قيد الحياة لعدة سنوات قادمة لحساب السعر المناسب، لذا هذا التفسير للاحتمال لا يعالج هذه المشكلة.[۱۰۳]

٤- هذا التعريف ليس خاليًا من الغموض؛ لأنه يشمل تفسيرين ذهني وموضوعي. في التفسير الذهني والنفسي، تُعتبر درجات الاحتمال مقياسًا للشعور باليقين أو عدم اليقين، والإيمان أو الشك، وقد تنشأ من بعض الادعاءات أو التخمينات. هذا النوع من التفسير مرضٍ للعبارات غير العددية، لكنه غير مرضٍ للعبارات الاحتمالية العددية التي تُعبر عنها كميًا.[۱۰۴]

النظرية الثانية للاحتمال تعود إلى ميزز وريشنباخ. الاحتمالات في مدرسة هذين لا تتعلق بعدّ الحالات، بل المقصود هو التكرار النسبي؛ أي نسبة الأشياء والأحداث إلى مجموعة أكبر تخضع للدراسة. مثلًا، نسبة الذين ماتوا من مرض السل في لوس أنجلوس خلال العام الماضي إلى إجمالي السكان هناك.[۱۰۵]

وفقًا لريشنباخ، عبارات الاحتمال تعبر عن التكرارات النسبية للأحداث المتكررة، أي التكرارات التي تُحسب كنسبة مئوية من الكل. هذه العبارات تُستنتج من الحالات المتكررة التي لوحظت في الماضي، وتفترض أن هذه التكرارات صحيحة تقريبًا للمستقبل. هذه العبارات تُبنى بواسطة الاستدلال الاستقرائي.[۱۰۶]

هذا التعريف مفيد للظواهر الإحصائية، لكنه يواجه مشاكل في بعض الحالات. مثلًا، عندما نبحث عن احتمال بقاء مريض معين على قيد الحياة، أو احتمال هطول المطر في يوم معين، إذا توقع الطبيب أو خبير الأرصاد الجوية ٧٥٪، فإن مقارنة هذا اليوم بأيام أخرى أو هذا المريض بمرضى آخرين مشابهين لا تفيدني؛ لأنني مهتم فقط بهذا الفرد المعين وأريد أن أعرف ما هو احتمال بقائه على قيد الحياة. وإذا نظرنا فقط إلى الفرد المعين، فهو غير قابل للتكرار، فلا يمكن تحديد احتمال حياته. لذلك، عبارات الاحتمالات لا تنطبق على الأحداث الفريدة. مع ذلك، كان ريشنباخ يعتقد أن عبارة خبير الأرصاد يجب أن تُعتبر ناقصة، والمعنى الكامل لها هو أنه وفقًا للملاحظات السابقة، في حالات جوية مشابهة لليوم الحالي، كان احتمال هطول المطر يبلغ ثلثي المرات.[۱۰۷]

المشكلة الثانية هي أن تكرار درجة الاحتمال الموضوعي مرتبط بالتجربة، لذا لو لم نختبر رمي العملة في حالات مختلفة لما تحدثنا عن احتمالات متساوية. لكن هذا الادعاء (أن التكرار المتكرر للأحداث المتشابهة يتبع نظامًا وترتيبًا عدديًا) لا يمكن إثباته إلا بالاستدلالات الاستقرائية، ويبدو أن هذا الادعاء يتضمن مبدأً لا يمكن استخلاصه من التجربة.

كان رايشينباخ يعتقد أن نسب الاحتمال إلى جمل معينة هو خطأ لغوي؛ لأن الحدث لا يمكن قياسه بدرجات. افترض أن السيد ألف نجا من مرض له احتمال ٧٥٪ للبقاء على قيد الحياة. هل يعني هذا تحقق التنبؤ باحتمال ٧٥٪؟ من الواضح أن الجواب لا. ومن الجدير بالذكر أن هذا الخطأ اللغوي يمكن تصحيحه بواسطة المنطقي.

يرى رايشينباخ أن المشكلة الثانية هي أن هناك فرضية جملية نعتبرها صادقة، رغم أننا لا نعلم إن كانت صادقة أم لا. درجة الاحتمال تعطي تصنيفًا للفرضية وتخبرنا إلى أي مدى هي مناسبة، وهذه هي وظيفة الاحتمال فقط. على سبيل المثال، من بين فرضيتين بدرجة احتمال خمس وثلثين، نختار الفرضية الأولى التي لها احتمال صدق أكبر. مفهوم الفرضية هو مفتاح الفهم المعرفي الذي يتضمن التنبؤ، فلا يمكن إصدار جملة عن المستقبل مع ادعاء صدقها، بل يمكن دائمًا تصور أن العكس سيحدث. التجريبية كانت دائمًا تقع في فخ مبدأ عقلي وهو أن كل معرفة هي حقيقة. ولهذا انهارت تحت ضربات نقد هيوم، وجعل الاستقراء غير قابل للتبرير. ولكن إذا اعتبرنا النتيجة فرضية تتضمن التنبؤ، فإن الوضع يختلف؛ لأنها لا تحتاج إلى دليل لإثبات صدقها، بل يمكن تقديم دليل على أن هذه النتيجة تتضمن التنبؤ بفرضية جيدة أو حتى أفضل فرضية، وبهذا يمكن حل مشكلة الاستقراء.

ومن الجدير بالذكر أن جميع المبادئ البديهية المتعلقة بالاحتمالات هي قضايًا رياضية بحتة وبالتالي جمل تحليلية. هناك مبدأ واحد غير تحليلي وهو تحديد درجة احتمال بواسطة استدلال استقرائي حيث نلاحظ تكرارًا نسبيًا معينًا لسلسلة من الأحداث، ونفترض أن هذا التكرار سيكون تقريبًا صحيحًا لاستمرار هذه السلسلة. هذا هو المبدأ التركيبي الوحيد الذي يقوم عليه حساب الاحتمالات.

خلاصة القول إن نظرية الاحتمال هي نظرية لجأ إليها معظم فلاسفة العلم في هذا العصر، ويعتقدون بناءً عليها أن المنطق الاستقرائي لا يهدف إلى اكتشاف قانون أو نظرية علمية، بل يهدف إلى تبريرها بناءً على البيانات الملاحظة، ولا يمكن الحصول على حكم يقيني من الاستقراء، ويجب الاكتفاء بالاحتمال.

ج: منهج التأييدلجين نيكود

يقول جين نيكود ((jean nicod في منهجه لتفسير قابلية التأييد: إذا كان الدليل والشاهد مثالًا للمقدم والمؤخر، فهو مؤيد، وإذا كان فقط مثالًا للمقدم فهو مبدد للفرضية. على سبيل المثال، تُؤيد الفرضية Q     p   عن طريق الدليل والشاهد a. إذا كان a وp وq، وإذا كان a وp ولكن ليس q، فإنها تُبطل. هناك مشكلتان أساسيتان في هذا المعيار: الأولى عدم شموليته؛ لأنه يشمل فقط الجمل الشرطية العامة ولا يعطي معيارًا لتأييد الفرضيات الأخرى.

ثانيًا، الفرضيات التي تُعتبر صادقة وفق معيار نيكود يمكن تقديمها بصيغ أخرى لا يوجد لها أي دليل مؤيد؛ أي أن معيار نيكود يعتمد على صياغة وشكل الفرضية. على سبيل المثال، الجملتان «كل غراب أسود» s١ و«كل غير أسود غير غراب» s٢ متكافئتان، لكن الدليل a «شيء هو غراب وأسود» يؤيد فقط s١ ويكون محايدًا تجاه s٢، كما أن الدليل b، أي غير غراب وغير أسود، يؤيد s٢ ويكون محايدًا تجاه s١.[۱۰۸]

 

د: منهج التأييدلنلسون جودمان

يعتبر جودمان أحد المفكرين المعاصرين في الغرب أن معضلة الاستقراء هي لماذا تؤيد بعض الفرضيات بالمصاديق الإيجابية والبيانات الخارجية؟ وما الذي يميز الفرضيات القابلة للتأييد عن غير القابلة؟ حسب اعتقاد جودمان، تأييد الفرضيات بواسطة الأدلة والبيانات الخارجية يعتمد على طبيعة المحمولات الخاصة التي تستخدم فيها هذه الفرضيات.

لم يكتفِ جودمان بالاعتماد على العلاقة الصورية بين الفرضية والدليل للتمييز بين الفرضيات القابلة وغير القابلة للتعميم، بل فكر فيما هو أبعد من ذلك؛ لأنه يرى أن العلاقة بين الفرضية والدليل هي أحد العوامل المؤثرة في تأييد الفرضيات فقط. لذلك لا ينبغي تجاهل العوامل الأخرى. في حله المقترح، تجاوز البنية الصورية والتركيبية للفرضيات، وركز على تقييم الفرضيات بمساعدة المعلومات التاريخية والعملية. لقد خفض مسألة فلسفية إلى مستوى مسألة تاريخية، فانتقل من المرحلة المنطقية التي يركز عليها الإيجابيون المنطقيون إلى المرحلة التاريخية.

في رأيه، يجب أن يبدأ المرء عمله بفحص تاريخ استخدام هذه المحمولات في الماضي، ويستخدم هذه السلسلة من المعلومات المسجلة لتصنيف هذه المحمولات. في التعميمات التي تم توثيقها بنجاح لفحص وحساب مصاديق جديدة في العالم الخارجي، شاركت محمولات معينة.

سمّى جودمن هذه المحمولات بالمحمولات المحمية أو الراسخة والمستقرة، فمثلاً اللون الأخضر هو محمول محمي؛ لأن التعميمات مثل “كل الزمرد أخضر” و”كل مركبات الباريوم تحترق باللهب الأخضر” صدقت على مصاديق أخرى أيضًا. بالمقابل، كون الشيء أزرق ليس محمولًا مستقرًا وراسخًا. هذا المحمول لم يلعب دورًا في التعميمات التي استُشهد بها بنجاح على العالم الخارجي.

تحديد معيار قابلية الإسناد والتعميم من اختصاص فلاسفة العلم. ولكن بما أن هذا المعيار مرتبط برسوخ واستقرار المحمولات، وهذا لا يتحقق إلا بدراسة وتحليل تاريخ المحمولات، فإن العمل الرئيسي يقوم به مؤرخ العلم.

عندما نرجع إلى تاريخ العلم ونتفحص المحمولات، لا نراها إلا في حالتين: إما أنها تتمتع برسوخ واستقرار جيدين وقد استُخدمت، أو أنها نُسيت تمامًا ولم تُستخدم رسميًا حتى عند طرحها.

يرى جودمن أن سبب ذلك يكمن في قابلية تعميمها وإسنادها إلى العالم الخارجي، وهذا يتحقق بالاعتماد على خلفية الفرضيات.[۱۰۹]

الفصل السادس: المنهج التجريبي الإبطالي

بوبر هو أحد فلاسفة العلم المعروفين في القرن العشرين، وله مؤلفات عديدة منها منطق الاكتشاف العلمي، المعرفة الموضوعية، الافتراضات والإبطالات، الواقعية وهدف العلم في مجال الإبستمولوجيا وفلسفة العلم، وكتب المجتمع المفتوح وأعداؤه والفقر التاريخي في مجال القضايا الاجتماعية. في شبابه، اتجه إلى الماركسية ثم شعر بعدم علميتها وابتعد عنها، وبتحليل نقدي للتقليد الأكاديمي والوضعية ومعيار الإثبات التجريبي، وضع معيارًا لتمييز العلم عن غيره، وطرح معيار الإبطالية كمعيار لتمييز العلوم التجريبية. وكتب في هذا الصدد:

«حاولت أن أوضح أن جذور مسائل نظرية المعرفة، سواء في القديم أو الحاضر ـ من هيوم إلى كانط ومنه إلى راسل ووايتهيد ـ يمكن إرجاعها إلى مسألة التمييز، أي مسألة إيجاد معيار لتمييز الطابع التجريبي للعلوم».[۱۱۰] غالبًا ما حاول فلاسفة العلم والإبستمولوجيون إثبات أو تأكيد النظريات العلمية من خلال تكرار التجربة واستخدام الاستقراء، لكن بوبر عارض هذه الطريقة واعتقد أن العالم يخمن النظرية ويختبرها تجريبيًا لإبطالها. التجربة والاختبار لا يملكان القدرة على إثبات أي نظرية، بل فقط على إبطالها. وبذلك، فإن النظريات التي لا يمكن إبطالها تجريبيًا ليست علمية من وجهة نظر بوبر.[۱۱۱]

الإبطالية (Falsificationism) هي صورة للعلم وبنيته طرحتها كارل ريموند بوبر لحل مشكلتين جذريتين: الأولى هي مشكلة الاستقراء التي يسميها مشكلة هيوم، والثانية هي مسألة تمييز العلم عن غير العلم التي يسميها مشكلة كانط.[۱۱۲] يعترف بوبر بعجز الاستقراء وعدم قابليته للحل. من وجهة نظره، العقل ليس وعاءً تُملأ بالتجارب والمشاهدات، بل هو كالمصباح الذي يُرى العالم الخارجي في ضوئه، والتجربة وسيلة لكشف أخطاء العقل وتصحيحها وتطويرها المستمر. عمل العلم هو حذف النظريات والأفكار الخاطئة وليس جمع البيانات الحسية والنظريات الصحيحة.[۱۱۳]

لذا، أولاً، لا يقوم أحد في العلم بالاستقراء حتى تكون عجز الاستقراء مشكلة. ثانيًا، التجربة لا تثبت شيئًا لتكون معيارًا للتمييز بين العلم وغير العلم، بل على العكس، التجربة فقط قادرة على إظهار بطلان النظريات التجريبية وليس إثبات صحتها، ولهذا فإن معيار تمييز نظرية أو قانون علمي ليس الإثبات التجريبي بل الإبطال التجريبي.

لذلك، لا تكون الفرضية أو القانون علميًا إلا إذا أخبر بحكم عن العالم الخارجي، ولا تكون إخبارية إلا إذا كانت قابلة للإبطال؛ أي أنها تنفي مجموعة من الأحكام المشاهَدة وتعتبرها مستحيلة بحيث إذا تحقق أحد مصاديق المنع، فإن القانون أو النظرية تُبطل.[۱۱۴]

الإبطال هو معادل القابلية للتجربة.[۱۱۵] الإبطال التجريبي وصف منطقي يشير إلى العلاقة بين حكم كلي والأحداث الخاصة في العالم الخارجي، حتى لو لم يقع الحكم في مصيدة الإبطال أبدًا.[۱۱۶] يؤمن بوبر بأن هناك علاقة بين الحكم الحقيقي والحكم الشخصي، حيث إن مئات الأحكام الشخصية الإيجابية ليست حكمًا حقيقيًا، لكن حكمًا شخصيًا سلبيًا واحدًا هو مبطل موجِب للحكم الكلي.[۱۱۷]

أسس ومقدمات الإبطالية هي:

١- كل المعرفة التجريبية لا تُستمد من التجربة.

٢- الملاحظة والتجربة لا تخلو من أي تحيز أو عنصر نظري.

٣- الإدراكات الحسية، قبل ظهور النظرية، تستجيب للمسألة الخاصة، وتنبه إلى الافتراضات والتصاميم المفهومية، والمشاهدات والتجارب بعد ظهور النظرية هي الحكم والناقد لهذه الافتراضات والنظريات.

٤- الاستقراء لا يساهم في العلم لا في جمع وإنتاج النظريات ولا في الحكم عليها واختبارها.[۱۱۸]

٥- النظرية متقدمة على الملاحظة والتجربة تقدمًا مطلقًا، ولا توجد ملاحظة خالية من عنصر نظري مسبق. أدوات البحث أيضًا تجسيد للنظرية.[۱۱۹]

٦- العقل ليس وعاءً تُخزن فيه البيانات الحسية، بل هو كالمصباح الذي يضيء العالم الخارجي المظلم ويظهره بنظرياته.

٧- العالم وعقله فاعلان لا منفعلان، وهم أشبه بالمصممين منهم بالمصورين.

٨ـ منهج البحث العلمي هو منهج افتراضي استنتاجي؛ بمعنى أنه في البداية تنمو نظرية أو فرضية في الذهن، ثم يُستنتج منها، بإضافة شروط أولية، ملاحظات خاصة، وبعد ذلك يحين وقت اختبار وتقييم هذه الملاحظات المتوقعة.

٩ـ المعيار العلمي وميزان التمييز بين الأقوال العلمية وغير العلمية هو قابلية الأقوال العلمية للدحض لا إثباتها؛ لأن الإثبات القطعي للنظريات العلمية غير ممكن.

١٠ـ الموضوعية في العلم لا تعني تفريغ الذهن من المعتقدات والأذواق الشخصية والخيالات، بل تعني قابلية الاختبار بين العقول.

الفرق بين منهجي الإثبات والتأييد ومنهج الدحض هو أنه من منظور المنهجين الأولين، تكون الأقوال العلمية قضايًا يقينية أو على الأقل محتملة جدًا؛ أي كلما زاد احتمال صدقها، زادت علميتها. أما من منظور الدحض (الذي يعادل القابلية للتجربة، والأقوال القابلة للتأييد التجريبي هي التي يمكن أن تُصاب بالتجربة) فكلما أصبحت القول علميًا، يصبح أقل احتمالًا؛ لأن العلمية تعتمد على قابلية الدحض، وقابلية الدحض تعتمد على المزيد من المنع، والمزيد من المنع للأحداث يعني توافقًا أقل مع جميع الصور الممكنة لحدوث الظواهر، لذا كلما زادت قابلية الدحض للأقوال، أصبحت أقل احتمالًا. لهذا السبب، وعلى عكس وجهة نظر الإثبات والتأييد (التي ترى نمو العلم في اتجاه الوصول إلى نظريات أكثر احتمالًا)، يرى المنهج الدحضي أن نمو العلم يكون في مسار اكتساب ثراء أكبر للنظريات، وبالتالي في سبيل اصطياد نظريات أكثر قابلية للدحض، ومن ثم أقل احتمالًا. لذلك قد يكون القول ذا أعلى احتمال، لكن لا توجد واقعة تدل على خلافه، وهذا الاحتمال الكبير وعدم وقوعه مع الواقع هو عيبه؛ لأنه يؤدي إلى عدم قابلية الدحض ويجعله غير علمي. مثل قول شخص: إذا كان الغد، فإما أن تشرق الشمس أو لا تشرق.

لذا يُعتبر الثراء التجريبي لقضية ما معادلًا لمجموعة الموانع المحتملة لذلك القول، وبمقدار الموانع المحتملة تختلف قابلية الدحض للأقوال المختلفة، وتكتسب درجات ومراتب متنوعة.

نقد ومراجعة منهج قابلية الدحض:

١ـ تعرضت هذه النظرية للنقد من علماء مثل لاكاتوش، تشالمرز، فايرابند، بارتلي وكوهين، وعلى الرغم من أن بوبر قدم قابلية الدحض التجريبية كمعيار لتمييز العلوم التجريبية عن غيرها، إلا أنه كان مدركًا لبعض عيوب هذه النظرية، ومن ذلك ما كتبه في منطق اكتشاف العلم:

«أهل المواقف [وهم مجموعة تؤمن باختراع قوانين الطبيعة وتنكر نظرية تصوير الطبيعة بالنسبة للعلوم التجريبية][۱۲۰] يقولون: نقبل عدم قابلية إثبات الأجهزة النظرية للعلوم الطبيعية، ولكن في الوقت نفسه نقر بأنها ليست قابلة للدحض». «أهل المواقف يرون أنه لا يمكن تقسيم النظريات إلى فئة غير قابلة للدحض، أو أن مثل هذا التقسيم ليس خاليًا من الغموض. لذلك، لا يرون أي فائدة لقاعدة قابلية الدحض لدينا في تمييز النظريات التجريبية عن غير التجريبية».[۱۲۱]

لذا، إذا لم يكن بالإمكان إثبات نتيجة معينة بالضرورة بتحقق شروط خاصة، فلا يمكن أيضًا دحض تلك النظرية بمجرد تقديم حالات نفي؛ وبالتالي لا يمكن دحض النظريات قطعيًا. بمعنى أن النظريات في ظل الأدلة المناسبة والأقوال الملاحظة الصادقة لا تُدحض بشكل قطعي.

اهتم المنهج الدحضي بدقة منطقية في ترسيخ نفسه، وهي أنه بوجود أقوال ملاحظة صادقة يمكن استنتاج كذب قول عام، بينما لا يمكن منطقيًا استنتاج قول من صدق مجموعة من الأقوال الملاحظة. وهذه نقطة منطقية لا جدال فيها. لكن المهم هو الاعتماد على وجود أقوال ملاحظة صادقة وموثوقة؛ لأن الأقوال الملاحظة، لكونها مسبوقة بالنظرية، تكون عرضة للخطأ بقدر ما تكون النظريات الضمنية في صياغة الملاحظات والتجارب عرضة للخطأ. لذلك لا يمكن الوصول إلى يقين في الأقوال الملاحظة القابلة للخطأ.[۱۲۲] بالإضافة إلى أن تعقيد الوضع والظروف في الاختبارات العلمية يجعل الدحض القطعي للنظريات مستحيلًا.

٢ـ المنهج الدحضي لا يتوافق مع تاريخ العلم؛ أي أن مسار نشوء وتطور العلوم يختلف عن الصورة التي يقدمها الدحض؛ لأن المنهج الدحضي يرى أن التقدم العلمي المهم يحدث عندما تُدحض التخمينات الجريئة، بينما التقدمات المهمة في العلم لا تحدث بدحض التخمينات الجريئة، بل تكون نقاط التحول الأساسية في مسار تطور العلوم عندما تُؤكد التخمينات الجريئة وتُدحض التخمينات الحذرة.

٣ـ لا يمكن تجاهل الاستقراء مطلقًا وعدم الاعتراف له بأي دور في العلم. فقد اعتمد الإثباتيون على الاستقراء في كل من جمع البيانات والحكم عليها، بينما لا ينكر الدحضيون الاستقراء مطلقًا، وإن كان الاستقراء لم يُحل بعد، ولا يمكن إثبات أي نظرية أو قانون علمي به، ولا يُستخدم بنسبة مئة بالمئة في الحكم، لكنه مؤثر في جمع البيانات، واصطياد النظريات، وإلى حد ما في قبول النظريات والقوانين.

٤- المشكلة الأخرى في نظرية القابلية للدحض هي أنها لا تستطيع أن تكون أساسًا ثابتًا للتجربة؛ لأن اختبار نظرية ما يكون باختبار القضايا الأساسية والقضايا الشخصية التي تخبر مباشرة عن حدث خارجي خاص وترتبط ارتباطًا مباشرًا بالإدراك الحسي، ولإبطالها نحتاج إلى قضايا تمهيدية أخرى، وهذا يستلزم تسلسلًا منطقيًا.[۱۲۳] وبناءً على ذلك، فإن القضايا الأساسية لا تمتلك سندًا صحيحًا للصدق والتبرير.[۱۲۴]

الفصل السابع: منهج الشهيد الصدر والمنطق التولدي الذاتي

يحاول المؤلف في الأسس المنطقية للاستقراء أن يثبت أن الاستقراء لا يقوم على أساس منطقي أرسطي، وأن التولد والتطور في المعرفة البشرية لا يمكن تفسيرهما فقط بالطرق المنطقية الأرسطية والأساليب التجريبية، وأن الجزء الأكبر من المعرفة اليقينية للإنسان يستنتج من مقدمات لا يكون ارتباطها بنتائجها من نوع علاقة مقدمات القياس بنتيجته. ويطرح نظرية التولد الذاتي للمعرفة في محاولة لحل مشكلة الاستقراء والعديد من المسائل المعرفية. يكتب الشهيد الصدر في هذا الصراع: في تفسير معرفة الإنسان، هناك نقطتان أساسيتان: الأولى في تحديد مصدر المعرفة البشرية، والثانية في تفسير زيادة ونمو المعرفة وكيفية ولادة معارف جديدة من المعارف السابقة الأولى. يرى المذهب التجريبي في النقطة الأولى أن المصدر الوحيد للمعرفة هو الإدراك الحسي والتجربة، ولا ينسب إلى الإنسان أي معرفة سابقة أو غير تجريبية، بينما يرى المذهب العقلي أن القضايا السابقة على التجربة والمستقلة عنها والغير محتاجة للحس والتجربة هي أساس كل المعارف. الشهيد الصدر، كمدافع عن المذهب الذاتي، يشترك فكريًا مع المذهب العقلي في النقطة الأولى، لكنه في النقطة الثانية يرى أن المذهب العقلي يعتمد في زيادة ونمو المعرفة فقط على التولد الموضوعي، ويعتقد أن إدراكات الإنسان وفقًا للضوابط المنطقية تستلزم نتائج وقضايا أخرى. وهذه القضايا لها فقط الجانب الموضوعي (Objective) وغير المعتمد على العالم، ولا تدخل فيها الجوانب النفسية والشخصية للعالم (Subjective). أما المذهب الأرسطي، فقد حاول تحويل الاستقراء إلى قياس بسبب اعتماده الحصري على طريقة التولد الموضوعي. لكن المذهب الذاتي يؤمن في نمو المعارف البشرية بالتولد الذاتي والتولد الموضوعي معًا. لذلك، تنقسم المعارف إلى ثلاثة أقسام:

أ: المعارف الأولية التي تسبق التجربة وهي عقلية محضة، وتشكل أساس كل المعارف البشرية، مثل استحالة اجتماع النقيضين.

ب: المعارف الثانوية التي هي نتيجة المعارف الأولية عبر التولد الموضوعي.

ج: المعارف الثانوية التي هي نتيجة المعارف الأولية عبر التولد الذاتي، مثل التعميمات الاستقرائية.[۱۲۵]

يقوم الشهيد الصدر في التعميمات الاستقرائية بخطوتين مهمتين. الخطوة الأولى هي ملاحظة التفاصيل ودراستها وزيادة احتمال الترابط بين الظاهرتين ألف وباء بناءً على قواعد حساب الاحتمالات. وتتم هذه الخطوة على شكل تولد موضوعي وبطريقة رياضية وبدون اعتماد على النفس الشخصية للعالم. أما الخطوة الثانية فهي الظن الناتج عن الخطوة الأولى، والذي وفقًا للعمليات التي يقدمها منطق المذهب الذاتي يتحول إلى يقين وتعميم استقرائي يقيني، ولكن هذا اليقين ليس يقينًا منطقيًا؛ بل يقين موضوعي يعتمد على القرائن ويتم عبر التولد الذاتي، ويتحقق بزيادة تدريجية للأوهام وبشروط خاصة.[۱۲۶]

لذلك، فإن طريق التولد الموضوعي ليس الطريق الوحيد الذي يحتاج إليه العقل في تحصيل المعارف الثانوية، بل إن التولد الذاتي أيضًا هو مصدر المعارف الجديدة. ومن الجدير بالذكر أنه لا يمكن عبر التولد الذاتي أن يُستنتج كل قضية من قضية أخرى، بل يجب أن يكون بينهما ارتباط خاص، وبالطبع هناك حاجة إلى منطق جديد.

أ) دليل الاستقراء في مرحلة التولد الموضوعي

بعد أن تبين أن التعميم الاستقرائي في مذهب الشهيد الصدر يتم على مرحلتين: التولد الموضوعي والتولد الذاتي، وأن دليل الاستقراء في مرحلة التولد الموضوعي يعتمد على قواعد حساب الاحتمالات، من الضروري تعريف الاحتمال من وجهة نظر المذهب الذاتي. بعد طرح المبادئ البديهية لنظرية الاحتمال وقواعدها، يفسر الشهيد الصدر مفهوم الاحتمال. ويشير فقط إلى التعريف الكلاسيكي والتواتري مستخدمًا كتاب راسل، أي الترجمة العربية لعلم الإنسان بعنوان المعرفة الإنسانية (Human knowledge).

الاحتمال في التعريف الكلاسيكي هو: قسمة عدد الوجوه المقصودة على مجموع الوجوه المتساوية الإمكان.[۱۲۷] هذا التعريف، الذي يقوم على العلم من جهة والجهل من جهة أخرى، وقع في منطق الاحتمالات في مشكلتين: الأولى البُعد، والثانية عدم الشمول؛ لأن أولًا في تعريف الاحتمال تم الاستعانة بالاحتمال نفسه، حيث إن الإمكان في المتساوي الإمكان يعني الاحتمال. ثانيًا، ليست كل وجوه الاحتمال متساوية؛ لأن بعض الأمثلة الاحتمالية لها احتمالات أكبر، مثل العملات المتوازنة وغير المتوازنة في احتمال ظهور وجه العملة، فهما لا يتمتعان باحتمال متساوٍ. أما تعريف التواتر الاحتمالي فهو قائم على تكرار الحدوث الخارجي وليس على الإمكان المنطقي، وموضوعه هو سلسلة متتابعة من الحوادث. فإذا كانت سلسلة الحوادث التي عدد أفرادها n، حدث فيها m مرة وصف a، فإن احتمال وصف A هو n m p (a) =، وكلما زاد عدد n، يميل احتمال A إلى رقم معين وثابت.[۱۲۸]

على الرغم من أن هذا التعريف آمن من حيث أشكال التعريف الكلاسيكي، إلا أنه ليس شاملاً للأفراد ولا يشمل الحالات الاحتمالية المفردة والوقائع الفردية، فهو قادر فقط على تفسير احتمال الوقائع التي هي أعضاء في سلاسل أكبر.[۱۲۹] لم تكن ردود راسل، رايشنباخ وآخرين مجدية أيضًا. لهذا السبب سعى الشهيد صدر إلى تقديم تعريف جديد يشمل جميع الحالات والبديهيات ويكون محصناً من نقائص التعريفات الأخرى. في هذا التعريف يستفيد من العلم الإجمالي والتفصيلي ويكتب: إذا كان معلوم علمنا محدداً، فإن العلم تفصيلي ويقيني، ولا يمكن أن يدخل فيه الاحتمال، أما إذا كان معلوم علمنا غير محدد، فسيكون علماً إجمالياً، مثل أن يكون لدينا ثلاثة إخوة، ونعلم أن أحدهم سيزورنا، لكننا لا نعرف من هو الأخ المعني من بين الثلاثة.

لذلك، في العلم الإجمالي، لا علاقة للعلم بالمعلوم، واهتمامه بالمعلوم مصحوب بالاحتمال. كلما تعددت حدود العلم الإجمالي، قل احتمال توافقه مع المعلوم… الاحتمال هو عضو من مجموعة الاحتمالات وقيمته تساوي حاصل قسمة العدد المؤكد لدينا على جميع أفراد مجموعة العلم الإجمالي.[۱۳۰] لذلك أولاً، الاحتمال في هذا التعريف ليس علاقة خارجية بين الوقائع ولا مجرد تكرار لمجموعة أخرى، بل هو تصديقنا لدرجة معينة من الاحتمال. كما يرى كارناپ أن الاحتمال هو نوع من التصديق الظني والإيمان المبرر القلبي. ثانياً، يجب الحصول على وجوه وشقوق وقوع الظاهرة الخاصة بالتجربة والتقسيمات العقلية، ثم يُحسب احتمال كل وجه خاص من هذه المجموعة وفق التعريف أعلاه. ونتيجة لذلك، الاحتمال الذي يمكن تحديد قيمته هو دائمًا عضو في مجموعة الاحتمالات التي تتحقق في العلم الإجمالي، وقيمته تساوي خارج قسمة مقدار اليقين على عدد أفراد مجموعة حدود العلم الإجمالي.

من خصائص هذا التعريف أنه يشمل الوقائع الخاصة والفردية أيضًا، لكن الصعوبة الكبرى التي تظهر في هذا التعريف هي كيفية تحديد أعضاء المجموعة ونسبة الاحتمال. على سبيل المثال، عندما يُقال إن أحد محمد ومحسن وعلي سيأتي إلى منزلنا الليلة قطعًا، نواجه مجموعة ثلاثية الأعضاء من العلم الإجمالي التي تحسب احتمال قدوم كل منهم بثلث واحد. والسؤال الآن هو هل يمكن القول إن المجموعة لها نوعان من الأعضاء: أولئك الذين أسماؤهم تبدأ بـ «م» والذين لا تبدأ بـ «م»؟ في هذه الحالة، يصبح احتمال قدوم عضو اسمه يبدأ بـ «م» نصفًا، واحتمال قدوم علي نصفًا أيضًا، بينما حسب الحساب الأولي كان احتمال قدوم علي ثلثًا.[۱۳۱]

خلاصة القول إن الاحتمال عند الشهيد صدر قائم دائمًا على العلم الإجمالي، ودرجة احتمال كل قضية تساوي نسبة الأعضاء إلى العدد الكلي لأعضاء العلم الإجمالي. بعد التعريف، يوضح كيفية تطبيق البديهيات والقواعد الموجودة في حساب الاحتمالات بالنسبة لتعريفه ويرد على الإشكالات الاحتمالية.[۱۳۲]

في دراسة الشهيد صدر للدليل الاستقرائي في مرحلة التولد الموضوعي والاستنباطي، وبينما يوضح الفرق بين السببية بالمفهوم العقلي والتجريبي والسببية الوجودية والعدمية، ويبين العلاقة الضرورية والحتمية في السببية العقلية والتزامن بدون حتمية في السببية التجريبية، يؤكد أن الاستقراء يمكن أن يرفع احتمال التعميم ويصل به إلى درجة عالية من التصديق الاحتمالي، وهذه النقطة أيضًا تُستمد من مبادئ نظرية الاحتمال. بعبارة أخرى، الدليل الاستقرائي في هذه المرحلة الاستنباطية والتوليد الموضوعي ليس سوى تطبيق لنظرية الاحتمالات. الدليل الاستقرائي في هذه المرحلة لا يحتاج إلى أي مبدأ مسلم مثبت سابقًا، وإنما يعتمد فقط على عدم وجود مبرر لعدم وجود علاقة السببية. لذلك، فإن الذين ينكرون علاقة السببية بالمفهوم العقلي لن يكون لديهم القدرة على تفسير الدليل الاستقرائي في مرحلة التولد الذاتي.

المؤلف الأسس المنطقية للاستقراء بعد عرض وجهة نظره، يشرح وجهة نظر لاپلاس وكينز ـ مع بيان صعوباتهما ومقارنتها بوجهة نظره ـ ثم يشرح الشروط اللازمة للمرحلة الاستنباطية ويكتب: إذا أردنا أن نمر بالدليل الاستقرائي في المرحلة الاستنباطية، فمن الضروري أن تكون التجارب المتكررة كلها على ألفاظ تتصف بوحدة مفهومية وخصائص مشتركة، وليس أن تكون مجموعة مصطنعة نربط بعض أعضائها ببعض آخر حسب رغبتنا لتشكيل مجموعة، بحيث تكون السببية هي الخاصية المفهومية المشتركة المحورية التي تجمع كل القيم الاحتمالية التي تدعم السببية في ذلك المحور.[۱۳۳] ويوصي الشهيد صدر باستخدام طريقة الاستقراء لاكتشاف الوحدة المفهومية والخاصية المشتركة.

الشرط الآخر هو أنه بالنسبة للألفاظ التي أُجريت عليها التجارب ـ في حدود فهم المجرب ـ لا توجد خصائص مشتركة أخرى تميز هذه الألفاظ المختبرة عن الألفاظ غير المختبرة، لأنه في هذه الحالة ستكون الألفاظ المختبرة تمثل مفهومين أو خاصيتين: خاصية تميز الألفاظ المختبرة عن غيرها، والقيم الاحتمالية التي هي دليل وبرهان على السببية. الخاصية المشتركة لا يمكن أن تحدد الخاصية الأولى للسببية، بل إنهما في مواجهة فرض السببية لكل من الخاصيتين يتصفان بالحياد، وعلى هذا الأساس لا يكون التعميم مبررًا.

لذلك، فإن نجاح الدليل الاستقرائي في المرحلة الاستنباطية يعتمد على شرطين: أولاً أن تكون كل الألفاظ من مجموعة تتصف بوحدة مفهوم وخصائص مشتركة، وليس مجرد جمع أشياء عشوائية. ثانيًا أن الألفاظ التي أُجريت عليها التجارب لا تمتلك تميزًا في خاصية مشتركة أخرى عن بقية الألفاظ.

يقتبس الشهيد صدر في نهاية مرحلة تولد الموضوع نماذج من أخطاء التعميمات الاستقرائية من كلام راسل ويصفها بأنها ناتجة عن غياب الشروط المذكورة.[۱۳۴]

النقد الذي يمكن توجيهه إلى هذه الشروط هو: كيف يمكن من خلال الاستقراء اكتشاف وحدة المفهوم والاشتراك في خاصية الأفراد، والتأكد من أن جميع خصائص هؤلاء الأفراد واضحة لنا ولا يوجد انفصال أو صف بينها؟ الحقيقة أن اكتشاف الصفات المشتركة والمختلفة للأفراد بسهولة ويسر هو ادعاء مبني على التبسيط وعدم الدقة، وتاريخ العلم والاكتشافات المعاصرة يؤكد هذا الكلام جيدًا.

ب) دليل الاستقراء في مرحلة التولد الذاتي

حتى الآن، تم توضيح التعريف الدقيق للاستقراء وطريقته الصحيحة، وكذلك نظرية الاحتمال وتعريفها عند بعض المفكرين والشهيد صدر، واتضح أن التجربة قادرة على رفع احتمال التصديق، لكنها في مرحلة تولد الموضوع لا تصل إلى نتيجة يقينية. الدليل على الاستقراء في مرحلة التولد الذاتي يسعى إلى تحويل الظن إلى يقين عبر شروط معينة. يقدم مؤلف الأسس المنطقية للاستقراء لهذا الغرض ثلاثة فروع لليقين: اليقين المنطقي، اليقين الذاتي، واليقين الموضوعي، وسيتم شرحها إجمالًا كما يلي:

١ـ اليقين المنطقي أو الرياضي: هو العلم بقضية معينة والعلم بأنه من المستحيل أن تكون القضية على الشكل المعروف غير صحيحة. إذًا، اليقين المنطقي مركب من علمين. على سبيل المثال، الجملتان «محمد رجل» و«محمد رجل عالم» تدلان على أنه إذا علمنا أن القضية الثانية صحيحة، فالأولى صحيحة أيضًا؛ أي إذا كان محمد رجل عالم فهو بالتأكيد رجل.

٢ـ اليقين الذاتي: يعني أن يجد الإنسان جزمًا بقضية من القضايا بحيث لا يكون لديه أي شك أو احتمال في نفسه. في اليقين الذاتي، لا يشترط أن يكون لدى الإنسان تفكير في استحالة الوضع المعاكس لما علمه، مثل أن يتيقن الإنسان في حلم مرعب من موته مع أنه لا يرى بقاءه مستحيلًا. إذًا، اليقين الذاتي هو حالة نفسية تتعلق بالقضية.

٣ـ اليقين الموضوعي: كل يقين يتضمن جانبين: موضوع اليقين ودرجة اليقين. بتفريق هذين الجانبين يتضح أن في المعرفة البشرية نوعين من الصواب والخطأ. الأول هو الصواب والخطأ في اليقين من ناحية موضوع اليقين؛ بمعنى أن القضية التي هي موضوع اليقين قد تتطابق مع الواقع أو لا تتطابق. في الحالة الأولى تكون صادقة، وفي الثانية كاذبة. أما الصواب والخطأ في اليقين من ناحية الدرجة، أي من حيث درجة التصديق، فيكون أحيانًا اليقين من ناحية الموضوع صحيح وكاشف عن الحقيقة، لكنه من ناحية الدرجة خطأ. مثلاً، من يرمي قطعة نقود، إذا تيقن قبل سقوطها على الأرض أن الوجه سيكون صورة، وحدث ذلك بالصدفة، فإن اليقين من ناحية الموضوع صحيح ومتطابق مع الواقع، لكنه من ناحية درجة التصديق خطأ؛ لأنه لم يكن من حقه أن يمنح القضية «الوجه سيكون صورة» درجة تصديق أعلى من اللازم. يتضح الآن أن اليقين الموضوعي هو اليقين المبرر والمستند إلى القرائن والأدلة الموضوعية والخارجية.

لذا، تميز اليقين الذاتي واليقين الموضوعي في أن اليقين الذاتي هو التصديق القلبي بشيء بأعلى درجة ممكنة سواء كانت هناك مبررات واقعية لهذه الدرجة من التصديق أم لا. أما اليقين الموضوعي فهو أن يكون التصديق بأعلى درجة ممكنة بشرط أن تتطابق هذه الدرجة مع الدرجة التي تحددها المبررات الواقعية، أو بعبارة أخرى، اليقين الموضوعي هو أن تصل الدرجة التي تحددها المبررات الواقعية إلى حد الجزم. في مثال القطعة النقدية، كان هناك يقين ذاتي، لكن لم يتحقق اليقين الموضوعي؛ كما أن تحقق اليقين الموضوعي مع عدم وجود يقين ذاتي لشخص معين في ظروف خاصة أمر ممكن التصور.[۱۳۵]

في الاستقراء، لا يكون لليقين المنطقي واليقين الذاتي فاعلية، وإنما يُبحث فقط في اليقين الموضوعي؛ لأن اليقين المنطقي في قالب القياس لتعميم الحكم الاستقرائي يواجه التحديات المذكورة في الفصل الأول من هذا الكتاب. واليَقين الذاتي له جانب نفسي وأحيانًا غير مبرر، لذلك توجه الشهيد صدر هو أنه من التصديق الاحتمالي الموضوعي للتعميم الاستقرائي يمكن الوصول إلى التصديق الجازم الموضوعي، ويمكن التضحية بالقيم الاحتمالية الصغيرة من أجل القيم الاحتمالية الكبيرة، ولعبور هذا الخندق والانتقال من الظن إلى اليقين نحتاج إلى مبدأ معرفي.

على سبيل المثال، إذا كان في مكتبة مكونة من مئة ألف مجلد كتاب ناقص واحد، فإن احتمال اختيار هذا الكتاب الناقص عند أخذ أي كتاب هو واحد من مئة ألف، وفي ٩٩٩٩٩ مرة يكون هذا الاحتمال مستبعدًا. التضحية بالاحتمال القليل من أجل الاحتمال الكبير تعني القول إن هذا الكتاب غير معيب، ولكن إذا طبقنا هذه العملية على جميع الكتب، سنصل إلى نتيجة تتعارض مع علمنا الإجمالي الأولي – بأن هناك كتابًا ناقصًا بالتأكيد. هنا يجب تطبيق مبدأ معرفي حتى لا يؤدي إلى نفي العلم الإجمالي، لذا لتحقيق علمين إجماليين يجب أن يكونا متعلقين بموضوع واحد.

يقترح الشهيد صدر شكلين لكيفية تحقق هذين العلمين الإجماليين:

١ـ تجمع الاحتمال إلى علم إجمالي واحد ويكون محور التجمع متعلقًا بعلم إجمالي آخر؛ بمعنى أن تجمع الاحتمال جزء من علم إجمالي، ومحور التجمع أيضًا عضو من علم إجمالي آخر. في هذه الحالة، زيادة الاحتمال في علم إجمالي واحد تستلزم زوال الاحتمال الأقل في العلم الإجمالي الآخر.

على سبيل المثال، إذا وجدنا بالعلم الإجمالي الأول أن «ألف» أو «تاء» سبب «باء» ورأينا في عشر تجارب تزامن «ألف» و«باء»، فإن احتمال وجود أو عدم وجود «باء» عند قدوم «ألف» هو نصف. لذلك، مع تحقق «باء» عشر مرات، يزيد الاحتمال إلى ٢١٠ = ١٠٢٤، واحتمال عدم التزامن بين «ألف» و«باء» هو ١ على ١٠٢٤. بناءً على العلم الإجمالي الثاني، هناك احتمال ١٠٢٣ على ١٠٢٤ بالنسبة للعلاقة السببية بين «ألف» و«باء».

والنتيجة أن تراكم الاحتمال في العلم الإجمالي الثاني بالنسبة لاكتشاف العلاقة السببية بين «ألف» و«باء» التي هي جزء من العلم الإجمالي الأول، يجيز اعتبار العلاقة السببية بين «ألف» و«باء» قطعية مع زيادة التجارب والاحتمالات.[۱۳۶]

٢ ـ في هذا الشكل، يصبح العلم الإجمالي الواحد مصدرًا لإلغاء القيمة الاحتمالية لأحد أعضاء عائلته، وفي الوقت نفسه لا ينفي مبدأ العلم الإجمالي؛ لأن القيم الاحتمالية لأعضاء هذا العلم ليست متساوية، وسبب هذا الاختلاف هو تدخل علم إجمالي آخر يكون مصدر عدم المساواة الاحتمالية بين أعضاء العلم الأول. على سبيل المثال، إذا رميت عملة معدنية ذات وجهين (وجه ونقش) عشر مرات، فإن احتمال ظهور النقش في كل مرة من العشر مرات يساوي احتمال ظهور النقش في المرات الأولى والرابعة والتاسعة والعاشرة. هذا الاختلاف ناتج عن علم إجمالي آخر؛ لأن قوة اليد عند رمي العملة، وحالة الطقس، وجودة وضع العملة على الأصابع، وأسباب أخرى ليست متساوية. لذلك، لدينا علمان إجماليان: ١) العلم الإجمالي الذي يحدد أنواع الوجوه الممكنة للعملة. ٢) العلم الإجمالي الذي يشمل العوامل والظروف التي تؤدي إلى ظهور أو عدم ظهور وجوه العملة. أعضاء ومكونات العلم الإجمالي الثاني أكثر بكثير من أعضاء العلم الإجمالي الأول، ولهذا السبب يتجمع احتمال كبير في العلم الإجمالي الثاني ضد بعض أعضاء العلم الإجمالي الأول ويخرجهم من التساوي والاقتران الاحتمالي.

وبالتالي، تُضحى القيم الاحتمالية الصغيرة للقيم الاحتمالية الكبيرة. استنادًا إلى عدم تشابه الظروف والعوامل، وبالتالي عدم تشابه النتائج، يفسر الشهيد الصدر قاعدة «الاتفاقي» ويطرح قاعدة عدم التشابه.[۱۳۷]

في القسم الأخير من كتابه، يحاول الشهيد الصدر أن يؤسس مختلف مسائل الإبستمولوجيا على منهج مدرسته الذاتية، وينفي أولوية التجارب والمتواترات والمحسوسات والحدسيات، ويثبتها بمساعدة الاستقراء وحساب الاحتمالات. كما يبحث ويثبت مبدأ العلية وإثبات وجود الله بالاستعانة بالاستقراء. المؤلف الأسس المنطقية للاستقراء، خلافًا لما قرره في كتاب فلسفتنا ـ بأن مبدأ العلية ليس مبدأً تجريبيًا ـ يحكم بخلاف ذلك.[۱۳۸] وهو يستبعد مبدأ عدم التناقض والمبادئ المسلَّمة كأساس للاستدلال الاستقرائي ونظرية الاحتمال من دائرة مدرسة التوالد الذاتي.[۱۳۹]

ج) نقد نظرية التوالد الذاتي

يعتبر الدكتور سروش، مع ذكر دقة الشهيد الصدر في مراعاة دقائق مسائل الإبستمولوجيا وحساسيته تجاه ثغراتها وعدم تساهله وعدم تبسيطه لمشكلة الاستقراء، أن حل المفكر البارز فاشل، ويعتبر استبدال اليقين الموضوعي باليقين المنطقي علاجًا غير كافٍ لمشكلة الاستقراء، ويطرح خمسة اعتراضات على منهجه.

١ـ هل يمكن أن يكون مجرد تعداد العوامل والدوافع لحدوث حالة ذهنية ـ نفسية مبررًا منطقيًا ودليلًا على صحة ذلك الأمر؟ يؤمن الناس بالخرافات العديدة، ويمكن إيجاد أسباب نفسية للاعتقاد بتلك الخرافات وبيان أن حدوث أحداث معينة يؤدي إلى التعلق بتلك الأفكار الوهمية، لكن الاعتقاد بأن تعداد تلك العوامل يجيز لنا الإيمان بالخرافات هو اعتقاد خاطئ. ففحص الدوافع لا يعطي مبررًا لصحة ما يُثار. الشهيد الصدر بدلًا من الحصول على المبرر المنطقي لفكرة ما، حصل على المبرر النفسي لها، في حين أن آخر تلوث يجب أن تنقذ الفلسفة نفسها منه هو علم النفس، وهو الأكثر تعرضًا للأذى من محاولات من يريدون بناء الفلسفة على العلم الحاضر والتأملات الداخلية.[۱۴۰]

٢ـ يقول الشهيد الصدر: «الجميع متيقنون أنه إذا أكلوا الطعام يشبعون» هذا ادعاء استقرائي. لا شك أن لديه هذا اليقين، لكن من أين تأكد أن الآخرين يشتركون معه في هذا اليقين؟ ربما لم يصل الآخرون إلى تلك الدرجة من اليقين. عدم اعتبار هؤلاء الأشخاص سليمين ومتزنين هو إخراج المنافس من ساحة المنافسة… من الأفضل تطبيق هذا المنهج في مواضع أخرى أيضًا، والقول إنه بما أننا نجد استقراءً مفيدًا لليقين حضورًا وشهودًا في أنفسنا، يكفي أن نحكم بوجود هذا اليقين عند الجميع، ولا حاجة لكل تلك البراهين الرياضية والإبستمولوجية المعقدة لتعزيز الاستقراء.[۱۴۱]

٣ـ يعرف الشهيد صدر الاحتمال بناءً على العلم الإجمالي، ويكشف عن أعضاء مجموعة العلم الإجمالي من خلال الملاحظة والاستقراء، ويقول إننا أولاً نكتشف أعضاء المجموعة عبر التقسيم العقلي أو الفحص التجريبي، وعندما نصدر حكماً يقينياً بشأن أحد أعضاء هذه المجموعة، يُوزع هذا اليقين على جميع الأعضاء، فينال كل منهم حصة متساوية من الاحتمال، بحيث يجب أن يكون مجموع هذه الاحتمالات دائماً مساوياً ليقين واحد. على سبيل المثال، لا يمكننا بمجرد معرفة وجود أربع فصائل دم لدى البشر أن نحكم بأن احتمال أن يكون لدى كل إنسان فصيلة دم A أو B أو O أو AB هو ربع. يجب أولاً أن نستقرئ ونبحث عن توزيع هذه الفصائل بين البشر، ثم بناءً على تلك النتائج نشكل مجموعة، وداخل هذه المجموعة نحصل على الاحتمال المطلوب. والسؤال المهم هنا هو: هل يمكن الاعتماد على التجربة والاستقراء والاطمئنان إلى أننا قد وجدنا جميع أعضاء المجموعة؟ بالتأكيد، كل تلك الدقة والتفصيلات في تفسير الاحتمال وحسابه، وفي النهاية منح القطعية للظن والوصول إلى اليقين الموضوعي، تعتمد على تشكيل المجموعة بشكل شامل وصحيح منذ البداية.[۱۴۲]

٤ـ لا يقدم الشهيد صدر قاعدة تمكن من النجاة من الخطر الجسيم المتمثل في «أخذ ما بالعرض بدلاً من ما بالذات». يؤكد الشهيد صدر أنه لا ينبغي لأعضاء المجموعة التجريبية أن تميز بصفة خاصة عن الأفراد غير المجربين، وإلى الحد الذي يتعلق بالخصائص الظاهرة والمعروفة، يمكن مراعاة هذا الأمر وتجنبه، ويمكن مثلاً الحذر من تعميم نتيجة استقراء السود على البيض. ولكن ماذا نفعل إذا كانت تلك الصفة الفارقة غير مرئية وغير معروفة؟ إذا كانت كل مجموعة التجربة تحمل صفات جينية خاصة، أو إذا كان مستوى الكوليسترول في دمهم أعلى من حد معين، أو آلاف المعايير الأخرى التي قد تكون مؤثرة ولم يخطر ببال أحد بعد، فهناك دائماً احتمال أن تؤثر هذه العوامل غير المرئية على نتيجة التجربة وتوجه الاختبارات نحو اتجاه معين، ولا يمكن تجاهل ذلك أبداً.[۱۴۳]

٥ـ يزرع هذا الكتاب في الذهن هذا التصور عن نمو العلم، كما لو أن كيس العلم مملوء بالاستقراءات المتكررة والمسلَّمة، وأن العلماء يختبرون القوانين واحدة تلو الأخرى في تجارب شاقة، وبعد تجارب متكررة يضعون عليها علامة القطعية ويزينونها في معرض العلم أمام المشاهدين… والحقيقة أن الأمر ليس كذلك. نمو العلم هو نمو النظريات الكبرى والجريئة في النظرة الكونية الأخيرة، التي تتجاوز حدود البيانات بكثير، وتخطو بخطوة الجرأة على أسطح أعلى بكثير من ارتفاع الإحصاءات والمشاهدات. تكشف هذه النظريات زوايا من العالم لم يكن أحد يحلم بتصورها من قبل. ولا يمكن الوصول إلى هذه النظريات إلا بدرجة من الاحتمال عبر الفحوصات الاستقرائية فقط.[۱۴۴]

نقدات الدكتور سروش على مذهب التولد الذاتي للشهيد صدر غير مكتملة؛ لأن الناقد المحترم في الإشكال الأول لم ينتبه إلى الفرق الدقيق بين مؤلف الأسس المنطقية للاستقراء وبين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي. لو أن الشهيد صدر كان يستخدم في الاستقراء اليقين الذاتي والنفسي، لكان هذا الإشكال واردًا على مذهبه. لكنه يسعى إلى تقديم عملية معرفية لإيجاد اليقين الموضوعي، أي اليقين المبرر والمدلول والمبني على القرائن والأدلة الموضوعية والخارجية. ولهذا السبب يستفيد من علمين إجماليين. كما أن الدكتور سروش خلط بين أسباب وقرائن اليقين الموضوعي وأسباب اليقين الذاتي. ومن الجدير بالانتباه أيضاً أن الحكمة المتعالية التي بناها صدر المتألهين وعلامة طباطبائي على أساس العلم الحضوري والتأملات الداخلية، تعود إلى أن بعض العلوم الحضورية مشتركة بين جميع البشر وتتمتع بيقين منطقي، ولتعميمها على باقي الموجودات يتم حذف الخصائص. الناقد المحترم خلط في هذا الجزء أيضاً بين اليقين المنطقي للعلم الحضوري واليقين النفسي.

الإشكال الثاني للدكتور سروش هامشي ولا يرتبط كثيراً بنص رؤية الشهيد صدر؛ لأن أولاً ربما يقول الشهيد الكبير إن الادعاء بأن «الجميع متيقنون من أنهم إذا أكلوا يشبعون» هو ادعاء استقرائي، وبناءً على مذهب التولد الذاتي يمكن تحصيل يقينه. ثانياً، مسألة الاستقراء في تحقيق اليقين المنطقي وفي مجال العلوم الحاصلة هي محل إشكال ومشكلة، بينما الادعاء السابق يتعلق بمجال العلوم الحضورية، أي أن جميع البشر بالعلم الحضوري لديهم يقين منطقي بأنهم إذا أكلوا يشبعون، والعلم الحضوري له قيمة معرفية، لكن الادعاء بأن «الاستقراء مفيد لليقين» هو علم حصولي وليس حضوري حتى يراه البعض حضوريًا وشهوديًا.

الإشكال الثالث والرابع للدكتور سروش واردان على الشهيد صدر، أي أنه لا يمكن الحصول على جميع أعضاء المجموعة بالاعتماد على الاستقراء والتجربة، ولا يمكن لمذهب التولد الذاتي أن يحقق الحصر العقلي، ولا يمكن تجاهل العوامل غير المرئية. لكن بين أربع فصائل دم والحساب الرياضي الدقيق وتوظيف حساب الاحتمالات، يمكن الحصول على يقين موضوعي بشأن نسبة احتمال فصيلة دم كل إنسان.

الاشكال الخامس، كما جاء في نقد ومراجعة وجهة نظر الإثباتيين والتأكيديين، يبدو مقبولاً، وسنتناول ذلك في ختام هذا المقال أيضاً. خلاصة القول إن الشهيد صدر أطلق على كتابه اسم الأسس المنطقية للاستقراء وسعى إلى معالجة مسألة الاستقراء من منظور منطقي. لم يعتبر المدرسة الأرسطية وحدها منهجاً منطقياً، واعتبرها غير كافية في حل هذه المسألة.[۱۴۵] كان الشهيد صدر يعتقد أن درجة اليقين التي تُكتسب من التعميم الاستقرائي تفوق درجة اليقين في المقدمات والأدلة، وقدم منطق التوالد الذاتي لتفسير هذه العملية معرفياً، ولكن كما تبين، لم ينجح هو أيضاً في حل هذه المسألة والعقدة المهمة، ولم يكن بالإمكان سوى نسب درجات من الاحتمال إلى النظريات.

الفصل الثامن: الموضوعية في العلوم التجريبية

مصطلح الموضوعية يحمل ثلاثة معانٍ ومفاهيم مختلفة. أولها هو مطابقة الواقع؛ بمعنى أن النظريات العلمية تعبر عن حقائق خارجية، وهي تابعة لشيء معلوم وليست معتمدة على ذهن العالم، ولهذا فهي قطعية وقابلة للثقة[۱۴۶]، والبيانات العلمية هي معلومات مستقلة عن ذهن ورغبات العالم. هذا المعنى في عبارات العلوم التجريبية يعاني من أزمة؛ لأنه كما سبق وذكر وسيُذكر في الختام، تتكون العلوم التجريبية من عنصرين: الملاحظة أو التجربة، والتفسير، وحضور المفاهيم النظرية وغير القابلة للملاحظة والاختبار في المعارف العلمية والتجريبية يقدم معنى آخر لمطابقة الواقع. بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي إغفال تأثير القياس في التقييمات ودور المراقب وتأثير العناصر النظرية والمصطلحات النظرية والمفاهيم غير المحسوسة على البيانات الحسية.

المعنى الثاني للموضوعية هو إمكانية الحكم الجماعي؛ أي إذا كان بإمكان الجميع أن يحكموا بطريقة معينة، وكان مسار الوصول إلى النتائج العلمية متاحاً للجميع، فيمكن حينئذ اعتبار العبارة العلمية موضوعية. لذلك، رغم أن العلم يعتمد على الشخص، إلا أنه ليس شخصياً أو خاصاً. ونتيجة لذلك، يوجد نوع من الإجماع العام في العلوم التجريبية كما هو الحال في العلوم النقلية.[۱۴۷] العلاقة بين المعنى الأول للموضوعية والمعنى الثاني هي علاقة عموم وخصوص من وجه؛ أي قد يكون هناك اكتشاف علمي مطابق للواقع لكنه يفتقر إلى إمكانية الحكم الجماعي، أو قد تتوفر إمكانية الحكم الجماعي لكنه غير مطابق للواقع؛ وكذلك يمكن أن يتوفر الجمع بين مطابقة الواقع وإمكانية الحكم الجماعي.

المعنى الثالث للموضوعية هو خلو النتائج العلمية من المفاهيم العرفية والقيمية والمعلومات التي تم الحصول عليها بطرق غير تجريبية.

في نظر الإثباتيين والعديد من التأكيديين، تعني الموضوعية مطابقة الواقع، التي تثبت بواسطة المنهج الرصدي والاستقرائي. هذا المنهج ليس فقط عام ويتيح إمكانية الحكم للجميع، بل هو أيضاً خالٍ من أي عنصر شخصي أو ذهني أو تفضيلي. بناءً عليه، تعكس النتائج الحسية الواقع الخارجي المرئي وتشارك جميع البشر في هذه العملية على قدم المساواة. تمتد هذه الموضوعية إلى القضايا الكلية العلمية وتؤمن تحقق الإجماع العام. كما توفر الموضوعية بالمعنى الثالث، لأنها تقلل إلى الحد الأدنى تدخل الأذواق والآراء والقيم وتوقعات العلماء في النتائج العلمية.[۱۴۸]

هذا المنظور الإيجابي للموضوعية في العلوم التجريبية غير مكتمل لأسباب معرفية كما يلي:

أولاً، كما قال كانط، لا توجد لدينا إحساسات خالصة، فعملية الإحساس تتأثر بالافتراضات المسبقة والأحكام المسبقة والمعلومات والتجارب السابقة لدينا.[۱۴۹] فإذا شككنا في صدق العبارة الرصدية اعتماداً على الحواس، فإن توفير شروط الاستقراء في صدق القوانين والنظريات العلمية سيبوء بالفشل.[۱۵۰]

في نظر بوبر، لا تعني الموضوعية مطابقة الواقع، بل تعني القابلية للتفنيد والإبطال؛ أي أن النظريات التي تمتلك قابلية إبطال أكبر، طالما لم تُفند، تُفضل على النظريات التي تفتقر إلى هذه الخاصية.[۱۵۱] يقبل بوبر إمكانية الحكم والاختبار الجماعي، لكنه ينفي إمكانية إثبات مطابقة الواقع. ويكتب في هذا الصدد: «أعتقد أنه لا يمكن أبدًا إثبات أو تصديق النظريات العلمية بشكل كامل، لكنها قابلة للتجربة. لذلك، أرى أن موضوعية العبارات العلمية تكمن في إمكانية اختبارها من قبل الجميع».[۱۵۲]

يعتبر بوبر المعنى الثالث للموضوعية ممكناً في مجال القابلية للإبطال، لكنه لا يتجاهل، مع ذلك، تدخل العنصر الذهني في قبول أو رفض العبارات الأساسية.[۱۵۳] أهم نقد موجه لبوبر هو إمكانية الإبطال القطعي، وهل يمكن الوصول إلى إبطال قطعي لنظرية؟ وهل يمكن منع دخول القيم والأيديولوجيات والأذواق والآراء في الحكم الإبطالي؟ لذلك، مع قبول تدخل العوامل غير التجريبية في عملية الحكم على النظريات العلمية، لا يمكن قبول المعنى الثالث للموضوعية في منهج بوبر.

لاكاتوش هو أحد أهم النقاد لبوبر، حيث طرح أن موضوع الموضوعية هو البنية المنتظمة والمنهجية لبرامج البحث العلمي ـ وليس مقولة منفردة. لذلك، عندما تُعتبر النظريات العلمية منفصلة عن النظام الواسع والبنية المنتظمة، لا يمكن معرفة قوتها وضعفها، ولكن إذا بُنيت النظريات على أساس برنامج بحثي وباستخدام قواعد منهجية وتوجيهات سلبية تُبيّن مسارات البحث الخاطئة، وبمساعدة التوجيهات الإيجابية تُبيّن المسارات الصحيحة، فإننا نكون قد وفرنا حزامًا واقيًا للنظريات. لذلك، هذه النظرية لا يمكن الحكم عليها إلا في إطار برنامجها البحثي. ولهذا السبب، يتم الحكم والتقييم على المدى الطويل، والموضوع للحكم ليس الإثبات أو الدحض، بل هو ما إذا كان تطور النظريات في اتجاه التقدم أم في مسار تراجع.[۱۵۴]

النقطة التي يمكن ملاحظتها على نظرية لاكاتوش هي أنه قد توجد إطاران وبرنامجان بحثيان يتمتعان بالاتساق الداخلي والتوافق، ومن حيث التسلسل الزمني والتاريخي قد يكونا قد قطعا طريق التقدم وليس التراجع، ومع ذلك يكون كل منهما منافسًا للآخر، فكيف يمكن اعتبار الموضوعية ومقام الحكم في هذين النظريتين وعملية البحث المتنافستين؟

نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي: بأي معيار يمكن اكتشاف البنية المنتظمة والمتصلة للنظريات العلمية وبأي طريقة يمكن تصديق صحة وموضوعية التوجيهات السلبية والإيجابية للبرنامج البحثي؟ هل يمكن أن تكون البساطة والشعبوية معيارًا للقبول؟ هل القابلية للتجربة العامة مفيدة؟ علاوة على ذلك، في نظر لاكاتوش أيضًا، لم تتحقق الموضوعية بالمعنى الثالث، أي التحرر من القيم والأيديولوجيا، كما أن إمكانية الحكم العام في الأنظمة البحثية المتنافسة صعبة للغاية.

كوهين أيضًا عارض الموضوعية بالمعنى الأول، واعتبر دور البارادايمات في حدوث الثورة العلمية وتأثيرها في مقام الحكم على النظريات العلمية وارتباط المشاهدات بالبارادايمات نفيًا لمعيار موضوعي خارجي. بناءً على ذلك، يمكن أن يؤدي وجود بارادايمان مختلفين وتفسيرات مختلفة لملاحظة واحدة إلى نتائج متباينة. مع هذا المنظور، يصبح التوافق مع الواقع للنتائج العلمية أمرًا بعيد المنال، ويصبح المعنى الثالث للموضوعية، أي غياب القيم والمعتقدات والمفاهيم غير التجريبية في الإنجازات العلمية، غير ممكن، ولا تتحقق إمكانية الحكم العام إلا بين أتباع بارادايمات موحدة.[۱۵۵]

العيب الذي يُوجه إلى كوهين هو هذه النقطة المهمة: رغم أن البارادايمات تهيمن وتسيطر على النظريات العلمية، إلا أنه لا ينبغي إغفال المعايير المستقلة عن البارادايمات وعدم تقييمها من منظور خارجي.

في رأي المؤلف، إذا كان من الممكن تشخيص وتجديد البارادايمات للنتائج العلمية وتقييمها وقياسها والحكم عليها، وإذا أمكن الحكم عليها بمعايير فلسفية من حيث توافقها أو عدم توافقها مع الواقع، عندها يمكن أيضًا تحقيق الموضوعية بالمعنى الأول بالنسبة للإنجازات والنظريات العلمية، بالإضافة إلى أن في هذا الحكم على البارادايمات وكذلك النظريات العلمية، توجد إمكانية للحكم العام. لذلك، فإن القلق من نسبية المعرفة التجريبية يُلغى، ولكن هذا الإنجاز لا يُمنح بسهولة لعشاق العلم.

لذلك، فإن نظرية الأداتية ((Instrumcntalism أي أن النظريات العلمية ليست صورًا تعبر عن العالم الموضوعي، بل هي أساطير مفيدة، غير مكتملة[۱۵۶] ويجب التوجه إلى قبول نظرية الواقعية ( (Realism أي أن النظريات العلمية مفيدة وناجعة، لكنها ليست مزيفة أو مخترعة، بل تعبر عن أحداث واقعية وخارجية،[۱۵۷] ولكن لا ينبغي التفكير في هذه الواقعية بشكل ساذج أو اعتبار تحصيلها سهلاً ويسيرًا.

أما فيما يتعلق بما إذا كانت نظرية الاختزال (Reductionism) صحيحة أم لا، وهل يمكن ترجمة وتحويل مضامين ومفاهيم النظريات غير التجريبية والمفاهيم النظرية إلى مقولات ملاحظة،[۱۵۸] فالنقاش طويل ويتجاوز نطاق هذا المقال، ولكن يمكن الحكم العقلاني على المفاهيم النظرية والبارادايمات غير التجريبية.

 

الخاتمة

العلوم التجريبية والاستقرائية، سواء الطبيعية أو الإنسانية، هي مزيج مركب من عنصرين: تجريبي وتفسيري. العنصر التجريبي يعتمد على الموجودات الخارجية والمشاهدات والإدراكات الحسية، والعنصر التفسيري يعتمد على ذهن العلماء ويشمل المفاهيم النظرية والقوانين والنظريات العلمية.[۱۵۹] بالطبع، العنصر التجريبي في العلوم ليس خاليًا من العناصر النظرية، فالمشاهدات والإدراكات الحسية مسبوقة بعناصر نظرية وإطار توقعات خاص.[۱۶۰] لذلك، إذا لم نتمكن من الإثبات القطعي للقوانين والنظريات العلمية واعتبرناها جميعًا قضايا ظنية وغير مثبتة، فإن هذا التعريف الذي يقول إن القانون قضية مثبتة والفرضية أو النظرية قضية غير مثبتة ولكنها مؤيدة إلى حد ما، يكون ناقصًا ويُلغى التمييز بينهما.[۱۶۱]

لذلك، النظرية بمعناها العام هي صورة ذهنية للعالم أو جزء منه[۱۶۲] سواء كانت مكوناتها ومفرداتها أمورًا قابلة للملاحظة أو بعض منها مفاهيم نظرية وتصورات نظرية.[۱۶۳]

مفاهيم مثل الطاقة، الإنتروبيا، الجين، الجزيء، الشذوذ، الوعي اللاواعي، الضمير الجمعي … التي تُستخدم في نظريات العلوم الطبيعية والإنسانية، ليست قابلة للملاحظة مباشرة، بل تُستخدم كتركيبات ذهنية لتفسير الظواهر المرئية في العالم الخارجي.[۱۶۴] كمثال يمكن الانتباه إلى المثال التالي:

لتبيين زيادة حجم البالون الذي أُغلق ببابه وثبات كتلة الهواء داخله، وارتفاع حجمه بسبب مجاورته للسخان، يُستخدم نظرية حركة الغازات وحركة تصادم جزيئات الهواء داخله والطاقة المنقولة، وكل هذه المفاهيم هي مفاهيم غير محسوسة.[۱۶۵] لذلك، تستخدم النظريات في تفسير الحقائق المحسوسة مصطلحات لا توجد في القوانين التجريبية، ولهذا السبب نحتاج إلى قواعد تحويل Transformation Rules أو قواعد مطابقة rules of correspondence لربط اللغة النظرية بلغة التجربة.[۱۶۶] ونتيجة لذلك، فإن هذا النهج الذي يرى أن النظريات تمثل تمثيلاً حقيقياً للأشياء والعالم الخارجي هو تفكير واقعي خاص، وقد تبين بطلانه مع ظهور نظريات مثل النسبية والميكانيكا الكمومية، بسبب العلاقة غير المباشرة بين مفاهيم الفيزياء والمشاهدات والإدراكات الحسية.

خلاصة القول:

١- العلم التجريبي لم يُبْنَ فقط على الإدراكات الحسية، بل تدخلت فيه آراء ميتافيزيقية وغير تجريبية، منها الأسس الكونية (مثل وجود عالم موضوعي مستقل عن خيالنا وتصورنا، ووجود النظام والترابط في العالم) والأسس المعرفية (مثل المنطق والمبادئ البديهية كاستحالة وتناقض الامتناع وقابلية فهم الطبيعة وقابلية استنباط القوانين المنظمة) والأسس الفلسفية (مثل الإيمان بمبدأ السببية وفروعه كأصل التشابه وضرورة السبب والنتيجة، ومبادئ أخرى كأصل بساطة الطبيعة وشرح قلة الأخذ بها) في تكوين وتطور العلوم التجريبية.

٢- الملاحظة والتجربة غير ممكنة خالية من أي افتراضات مسبقة.

٣- العلم لا يبدأ بالملاحظة والتجربة.

٤- الإدراكات الحسية في البداية منبهة وليست مولدة للنظريات، وتأتي لاحقاً في مقام الحكم.

٥- العقل ليس مجرد جانب سلبي، بل هو كالمصباح الذي يضيء العالم الخارجي المظلم من خلال خلق توقعات خاصة وتقديم نظريات محددة.

٦- في تحصيل العلم، مقام جمع واكتشاف النظريات منفصل عن مقام الحكم وتبرير النظريات، رغم أن نوعاً من الحكم يكمن أيضاً في مقام الاكتشاف.

٧- الاستقراء كطريقة مؤكدة فاشل.

٨- رغم أن الإثبات أو الدحض القطعي للنظريات غير ممكن، إلا أن الإثبات والدحض التأكيدي مقبولان.

٩- لا توجد نتائج تجريبية واختبارات حاسمة.

١٠- الموضوعية في العلوم التجريبية تعني المطابقة مع الواقع، وهناك إمكانية للحكم الجماعي على نماذج النظريات العلمية والإنجازات العلمية، رغم أن النتيجة لا تجلب اليقين بسهولة، لكنها تحمي من سم النسبية المميتة. شرط إمكانية الحكم الجماعي هو وحدة المنهج في أولى مراحل المعرفة.

١١- من خصائص العلوم التجريبية المهمة انتقائية منهج العلم (Selectivity)؛ بمعنى أنه في العلوم يُعالج فقط وجوه معينة من جوانب غير محدودة لظاهرة ما، ولا يمكن لأي معرفة تجريبية أن تدعي اكتشاف جميع جوانب الظاهرة. الوزن، الكتلة، التسارع، درجة الحرارة، السرعة، نقطة الغليان والانصهار، التوصيل الحراري والكهربائي وغيرها تعبر فقط عن وجوه وصفات محدودة من خصائص غير محدودة للماء أو أي ظاهرة أخرى تُناقش في الفيزياء والميكانيكا. لذلك، ليس فقط علم واحد، بل جميع العلوم التجريبية عاجزة عن اكتشاف جميع وجوه الظاهرة. ولا يمكن لقانون علمي أن يعبر عن جميع جوانب الظاهرة والعلاقات بينها. المنهج العلمي عاجز أيضاً عن تحقيق هذا الادعاء، ويجب دائماً الانتباه إلى أنه إذا عممنا حكم وجه من الظاهرة على كليتها، فإننا نقع في مغالطة الجوهر والوجه[۱۶۷]، وهذا الاستحالة للكلية في العلوم التجريبية وهذه المحدودية والانتقائية في منهجية العلم، دليل آخر على عدم القطعية في النظريات العلمية.

 

 

[۱]. عبدالرحمن بدوي، أفلاطون ص ١٤٠.

[۲]. مجموعة آثار أفلاطون، رسالة الجمهورية ورسالة فيدو.

[۳]. ضياء موحد، مدخل إلى المنطق الجديد، منظمة النشر والتعليم للثورة الإسلامية، ص ١٢٤ – ١٢٥؛ ريتشارد جيفري، مجال وحدود المنطق الصوري، ترجمة برويز بير، شركة النشر العلمي والثقافي، ص ٧٦ – ٧٨ وغلام حسين مصاحب، مدخل المنطق الصوري، منشورات حكمة، ص ٥١٣.

[۴]. علم المعرفة الفلسفي، ترجمة عبد الكريم سروش، (طهران، معهد العلوم الإنسانية) ص ٢٣١ – ٢٣٢.

[۵]. برتراند راسل، مسائل الفلسفة، ترجمة منوشهر بزرگمهر، الطبعة الثالثة، ص ٨٧.

[۶] . ردلف كارناپ، مقدمة في فلسفة العلم، ترجمة يوسف عفيفي، ص ٤١.

[۷]. كارل ريموند بوبر، منطق الاكتشاف العلمي، ترجمة أحمد آرام، ص ٣١ – ٣٢.

[۸]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٤.

[۹]. المرجع نفسه، ص ١٧ – ٢٤.

[۱۰]. المرجع نفسه، ص ٢٥ – ٢٧.

[۱۱]. منطق أرسطوف، تحقيق عبد الرحمن بدوي (بيروت، دار القلم) ج ١.

[۱۲]. المنطقيات للفارابي، ج ١ النصوص المنطقية، تحقيق محمد تقى دانش‌پژوه (منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي)، ص ٢٧١ وج ٢، ص ٥٢٨.

[۱۳]. المرجع نفسه، ج ٢، ص ١٧٤.

[۱۴]. ابن سينا، شرح الإشارات والتنبيهات، الجزء الأول في المنطق، ص ٢٣١- ٢٣٣.

[۱۵]. المرجع نفسه، ص ٢٣٠.

[۱۶]. برهان منطق الشفاء، تحقيق أبو العلاء عفيفي (القاهرة ١٩٥٦ م.)، ص ٩٥ – ٩٦.

[۱۷]. ابن سينا، دانش‌نامه علائي، تصحيح أحمد خراساني، مكتبة فارابي ١٣٦٠ش، ص ٤٩.

[۱۸]. شرح الإشارات، ج ١، ص ٢١٧ وانظر: التعليقات، تحقيق عبد الرحمن بدوي، ص ٦٨.

[۱۹]. أبو حامد الغزالي، محك النظر، رفيق العجم (دار الفكر اللبناني)، ص ١١٢.

[۲۰]. نفسه، معيار العلم في فن المنطق، دكتور علي بو ملحم (بيروت، دار المكتبة الهلال)، ص ١٣٣.

[۲۱]. المرجع نفسه، ص ١٣٤.

[۲۲]. قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق، ص ١٢٩.

[۲۳]. أساس الاقتباس، تصحيح مدرس رضوي، جامعة طهران، ١٣٦١ش، ص ٣٧٣ – ٣٧٤.

[۲۴]. قطب الدين الرازي، شرح المطالع في المنطق، قم – گذرخان، ص ؟؟.

[۲۵]. ابن سينا، النجاة، طبعة مهر، ص ٦١.

[۲۶]. عمر بن سهلان ساوي، التبصرة، بمساعدة محمد تقى دانش‌پژوه، (تهران ١٣٣٧ش.)؛ البصائر النصيرية في علم المنطق، تعليق رفيق العجم، (لبنان، دار الفكر)، ص ٢١١.

[۲۷]. قطب الدين الشيرازي، درة التاج، سيد محمد مشكوة، (منشورات حكمة) ص ١٥٤.

[۲۸]. بهمن يار، التحصيل، تصحيح مرتضى مطهري، (جامعة طهران) ص ٩٦.

[۲۹]. علامه حلي، القواعد الجلية في شرح الرسالة الشمسية، حسون تبريزيان، ص ٣٩٥.

[۳۰]. شمس الدين محمد شهرزوري، شرح حكمة الإشراق، تصحيح حسن ضيائي تربتي، معهد البحوث، ص ١٢١.

[۳۱]. صدر المتألهين، المنطق الجديد، عبد الحسين مشكوة الديني (منشورات آگاه) ص ٣٢؛ الحكمة المتعالية، ج ٣، ص ٤٩٨.

[۳۲]. محمد رضا مظفر، المنطق، الجزء الثاني، مبحث الاستقراء والجزء الثالث مبحث مبادئ القياس، تجارب.

[۳۳]. محمد حسين طباطبائي، نهاية الحكمة، الفصل الثالث عشر، ص ٢٦٢.

[۳۴]. الشهيد مرتضى مطهري، شرح مبسوط المنظومة، ج ٣، ص ٣٦١- ٣٦٧.

[۳۵]. المرجع نفسه، ص ٣٦٨.

[۳۶]. الشهيد مرتضى مطهري، شرح مبسوط المنظومة، ج ٣، ص ٣٦٩- ٣٧٠.

[۳۷]. المرجع نفسه، ص ٣٧٧.

[۳۸]. أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، ج ٢، منشورات صدرا، ص ١٠٣ – ١٠٤.

[۳۹]. المرجع نفسه، ص ١٠٤.

[۴۰]. انظر: جعفر سبحاني، نظرية المعرفة، ص ١٦١ – ١٧١.

[۴۱]. عبد الله جوادي آملي، معرفية في القرآن، ص ٢٥٨.

[۴۲]. المرجع نفسه، ص ٢٥٧.

[۴۳]. تعليم الفلسفة، ج ١، ص ١٠٠ – ١٠١.

[۴۴]. المرجع نفسه، ص ١١٠ – ١١١.

[۴۵]. تعليم الفلسفة، ج ٢، صص ٤١ – ٥٠.

[۴۶]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٢٧ – ٢٨.

[۴۷]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٣٦ – ٣٨.

[۴۸]. المرجع نفسه، ص ٦٤ – ٦٥.

[۴۹] المرجع نفسه، ص ٦٣.

[۵۰]. المرجع نفسه، ص ٦٢.

[۵۱]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٥٩ – ٦٠.

[۵۲]. المرجع نفسه.

[۵۳]. أساس الاقتباس، ص ٣٧٣.

[۵۴]. آلن تشالمرز، ماهية العلم، سعيد زيبا كلام، شركة النشر العلمي والثقافي، صص ٣٤ – ٤٠؛ وجهات النظر والبراهين، شاپور اعتماد، ص ٥٠ – ٥١.

[۵۵]. إيان باربور، العلم والدين، بهاء الدين خرم شاهي، ص ١٧١.

[۵۶]. المرجع نفسه، ص ١٧١ – ١٧٢.

[۵۷]. المرجع نفسه، ص ١٧١.

[۵۸]. آلن تشالمرز، ماهية العلم، سعيد زيبا كلام، ص ٤١ – ٤٢.

[۵۹]. أحوال وآثار وآراء فرانسيس بيكون، صص ٣٨ – ٥٢؛ برتراند راسل، تاريخ فلسفة الغرب، ج ٢، ص ٧٥٠.

[۶۰]. المرجع نفسه، ص ١٢٧ – ١٣٠؛ ويل دوران، تاريخ الفلسفة، ص ١١٩.

[۶۱]. فرانسيس بيكون، ص ١٣٣.

[۶۲]. Terminus of the interpretation.

[۶۳]. المرجع نفسه، صص ١٠٧ – ١١٨؛ سير الحكمة في أوروبا، ج ١، ص ١١٤ – ١١٦؛ تاريخ الفلسفة، ص ١٢٠ – ١٢٢ ونيكولاس كابالدي، فلسفة العلم، ترجمة علي حقي، ص ٨٠ – ٨١.

[۶۴]. المرجع نفسه، ص ١٣٣ – ١٤٥؛ سير الحكمة في أوروبا، ج ١، ص ١٢٠؛ تاريخ الفلسفة، ص ١٢٣ – ١٢٤.

[۶۵]. تاريخ الفلسفة، ص ١٢٣.

[۶۶]. تاريخ فلسفة الغرب، ج ٢، ص ٧٥٢.

[۶۷]. انظر: هانس رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة موسى أكرمي (شركة النشر العلمي والثقافي)، ص ١١٣.

[۶۸]. محمد بن حمزة فناري، مصباح الأنس، تحقيق محمد خواجوي (منشورات مولى)، ص ٣٧ – ٣٨.

[۶۹]. فريدريك كابلستون، تاريخ الفلسفة، بهاء الدين خرم شاهي، ج ٨، صص ٧٩- ٨٤.

[۷۰]. المرجع نفسه، ص ٨٩.

[۷۱]. انظر: الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٦٩ – ٨٠؛ تاريخ الفلسفة، ج ٨، ص ٩١ – ٩٣؛ سير الحكمة في أوروبا، ج ٣، صص ١٢٩ – ١٤١؛ فيليسِن شاله، الفلسفة العلمية، صص ١٢٤ – ١٣٣.

[۷۲]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٧٣.

[۷۳]. المرجع نفسه، ص ٨٠ – ٨١.

[۷۴]. تاريخ الفلسفة، ج ٨، ص ٨٥.

[۷۵]. انظر: مدخل تاريخي إلى فلسفة العلم، ص ٧ – ٩ وعلم المعرفة الفلسفي، ص ٢٢٢.

[۷۶].  David Hume, A Treatise of Human Nature, (Oxford, ١٨٨٨), ص ٧٤, ١٦٥ – ١٦٦.

[۷۷]. انظر: تاريخ الفلسفة، ج ٥، الفصل الرابع عشر؛ سير الحكمة في أوروبا، ج ٢، الفصل الخامس، القسم الثاني.

[۷۸]. انظر: سير الحكمة في أوروبا، ج ٢، صص ١٤٦ – ١٥٢؛ فريدريك كابلستون، الفلاسفة الإنجليز، ترجمة جلال الدين أعلم، صص ١٧٩ – ٣٠٧.

[۷۹]. الأسس المنطقية للاستقراء، صص ٨٩ – ٩٥.

[۸۰]. المرجع نفسه، ص ٩٦ – ٩٨.

[۸۱]. نيكولاس كابالدي، فلسفة العلم، علي حقي (انتشارات سروش، تهران ١٣٧٧)، صص ٢٣٥ – ٢٥٥.

[۸۲]. المرجع نفسه، ص ٢٦١ – ٢٦٢.

[۸۳]. صدر المتألهين الشيرازي، الحكمة المتعالية، المجلد الثاني، ص ١٣١؛ انظر: جوادي آملي، رحيق مختوم (شرح الحكمة المتعالية)، الجزء الثاني من المجلد الثاني، ص ٣٥٨ – ٣٦٠؛ الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٩٧.

[۸۴]. سيد محمد حسين طباطبائي، أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، ج ٣، ص ١٨٠ – ١٨١.

[۸۵]. المرجع نفسه، ج ٣، ص ١٨١، الهامش.

[۸۶]. المرجع نفسه، ص ١٨٣.

[۸۷]. المرجع نفسه، ص ١٨٤.

[۸۸]. انظر: تعليم الفلسفة، ج ٢، ص ٢٧ و ٢٨؛ تعليق على نهاية الحكمة المرحلة السادسة.

[۸۹]. الأسس المنطقية للاستقراء، صص ١٠١ – ١١٠.

[۹۰]. جان لازي، مدخل تاريخي إلى فلسفة العلم، ترجمة علي بايا، (مركز النشر الجامعي)، ص ١٥٤ – ١٥٥.

[۹۱]. هانس رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة موسى أكرمي، (شركة النشر العلمي والثقافي)، ص ٢٦٩.

[۹۲]. Nelson Goodman, fact, fintion and forcast (Harvard university press, Cambridge massachusetts and London) ص ٦٣ -٦٤.

[۹۳]. انظر: رضا گندمي نصرآبادي، اللغز الجديد للاستقراء، كيهان أنديشه، ص ٧٨.

[۹۴]. انظر: برتراند راسل، مسائل الفلسفة، منوشهر بزرگ‌مهر، الفصل ٦، صص ٨١ – ٩٣.

[۹۵]. بريال ماغي، بوبر، ترجمة منوشهر بزرگ‌مهر، منشورات خوارزمي، ص ٧٢.

[۹۶]. عبد الكريم سروش، تفرج صنع، منشورات سروش، ص ١٢٠.

[۹۷]. المرجع نفسه، ص ١٢١.

[۹۸]. المرجع نفسه، ص ٢٦٩ – ٢٧٠.

[۹۹]. نشأة الفلسفة العلمية، ص ٢٦٩ – ٢٧٠.

[۱۰۰]. مقدمة في فلسفة العلم، ص ٤٨؛ كارل بوبر ومنطق الاكتشاف العلمي، ترجمة أحمد آرام، (منشورات سروش)، ص ١٤٩.

[۱۰۱]. نشأة الفلسفة العلمية، ص ٢٧٤.

[۱۰۲]. سيد محمد باقر صدر، مبادئ منطق الاستقراء، ترجمة أحمد فهري، ج ١، ص ١٦٩؛ منطق الاكتشاف العلمي، ص ١٤٩.

[۱۰۳]. مقدمة في فلسفة العلم، ص ٤٩ – ٥٠.

[۱۰۴]. منطق الاكتشاف العلمي، ص ١٤٩.

[۱۰۵]. مقدمة في فلسفة العلم، ص ٥١.

[۱۰۶]. نشأة الفلسفة العلمية، ص ٢٧٤.

[۱۰۷]. مقدمة في فلسفة العلم، ص ٥٤.

[۱۰۸]. انظر: «اللغز الجديد للاستقراء»، كيهان أنديشه، ص ٧٩.

[۱۰۹]. انظر: «اللغز الجديد للاستقراء»، كيهان أنديشه، ٧٩؛ علم المعرفة الفلسفي، ص ٢١٠؛ مدخل تاريخي إلى فلسفة العلم، صص ٢٧٧- ٢٧٨؛ حدسّات وإبطالات، ص ٩٧ و ٣٥.

[۱۱۰]. كارل بوبر، منطق الاكتشاف العلمي، ترجمة حسين كمالي، (شركة النشر العلمي والثقافي)، ص ٧٣، الهامش.

[۱۱۱]. المرجع نفسه، ص ٥٤ – ٥٦.

[۱۱۲]. منطق الاكتشاف العلمي، ص ٤٨.

[۱۱۳]. انظر: ماهية العلم، ص ٥١- ٥٢.

[۱۱۴]. انظر: المرجع نفسه، ص ٥٣- ٥٥.

[۱۱۵]. كارل بوبر، حدسّات وإبطالات، ترجمة أحمد آرام، ص ٢٤٣.

[۱۱۶]. منطق كشف العلمي، ص ١١٠.

[۱۱۷]. المرجع نفسه، ص ٥٧.

[۱۱۸]. انظر: مقدمة مبادئ ما بعد الطبيعة للعلوم الحديثة، ص ٤٥.

[۱۱۹]. المرجع نفسه، ص ٥٧.

[۱۲۰]. انظر: حدسّات وإبطالات، صص ١٣٧ـ١٤٧.

[۱۲۱]. منطق الاكتشاف العلمي، ص ١٠٤.

[۱۲۲]. ماهية العلم، ص ٨٣.

[۱۲۳]. منطق الاكتشاف العلمي ص ١٣٢ – ١٣٣.

[۱۲۴]. المرجع نفسه، ص ١٣٥.

[۱۲۵]. الأسس المنطقية للاستقراء، صص ١٢٣ – ١٣١.

[۱۲۶]. المرجع نفسه، ص ١٢٣ – ١٢٤.

[۱۲۷]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٥٧.

[۱۲۸]. عبد الكريم سروش، تفرج صنع، ص ٤٣٦ – ٤٣٧.

[۱۲۹]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٦٥ – ١٦٦.

[۱۳۰]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٧٧ – ١٧٨.

[۱۳۱]. تفرج صنع، ص ٤٣٨ – ٤٣٩.

[۱۳۲]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٢٢٣ – ٢٢٤.

[۱۳۳]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٣٤١.

[۱۳۴]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٠٧.

[۱۳۵]. المرجع نفسه، ص ١٠٧.

[۱۳۶]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ٣٧٤ – ٣٧٨.

[۱۳۷]. الأسس المنطقية للاستقراء، صص ٣٩١ – ٣٩٨.

[۱۳۸]. فلسفتنا، ص ٢٨٥.

[۱۳۹]. الأسس المنطقية للاستقراء، صص ٤٣٧ – ٤٧٤.

[۱۴۰]. تفرج صنع، ص ٤٦٠ – ٤٦١.

[۱۴۱]. المرجع نفسه، ص ٤٦١.

[۱۴۲]. تفرج صنع، ص ٤٦٢.

[۱۴۳]. المرجع نفسه، ص ٤٦٣.

[۱۴۴]. المرجع نفسه، ص ٤٦٥.

[۱۴۵]. الأسس المنطقية للاستقراء، ص ١٣٩ – ١٤٠.

[۱۴۶]. انظر: العلم والدين، ص ٢١٢.

[۱۴۷]. المرجع نفسه، ص ٢٢٠.

[۱۴۸]. العلم والدين، ص ٢٢٠.

[۱۴۹]. تفصيل هذا القول ورد في منهج الإثباتية والتأييدية.

[۱۵۰]. المرجع نفسه، ص ٢٠ – ٢١.

[۱۵۱]. منطق الاكتشاف العلمي، صص ١٠٠ – ١١٨، ترجمة حسين كمالي.

[۱۵۲]. المرجع نفسه، ص ٦٠.

[۱۵۳]. المرجع نفسه، ص ١٠٨ – ١٠٩.

[۱۵۴]. ماهية العلم، صص ٩٩ – ١١٢.

[۱۵۵]. توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة أحمد آرام، (تهران، سروش ١٣۶٩)، صص ١١٥ – ١٣٥.

[۱۵۶]. علم المعرفة الفلسفي، ص ٧٢؛ ماهية العلم، ص ١٨٦؛ مدخل تاريخي إلى فلسفة العلم، صص ٢٤ – ٢٧؛ العلم والدين، ص ١٩٩؛ فلسفة العلوم الاجتماعية، ص ١١١.

[۱۵۷]. العلم والدين، ص ٢٠٤.

[۱۵۸]. المرجع نفسه، ص ١٩٧؛ علم المعرفة الفلسفي، ص ٢٤.

[۱۵۹]. I. Barboud, Issues in seince and Religion p. ١٣٨.

[۱۶۰]. I bid, ص ١٣٩.

[۱۶۱]. انظر: فلسفة العلوم الاجتماعية، ص ٨٩؛ مبادئ ما بعد الطبيعة للعلوم الحديثة، ص ٣٨.

[۱۶۲]. Rom Harre, The Philosophies of science. O.u. p. ١٩٨٩. ص ٣٣.

[۱۶۳]. انظر: علم المعرفة الفلسفي، صص ١٦ – ١٩؛ العلم والدين، ص ١٧٣.

[۱۶۴]. العلم والدين، ص ١٧٢.

[۱۶۵]. تاريخ العلم، صص ٢٦٥ – ٢٧٠.

[۱۶۶]. انظر: فلسفة العلوم الاجتماعية، ص ١٠١؛ العلم والدين، ص ١٧٢.

[۱۶۷]. انظر: العلم والدين، ص ١٩٠ – ١٩١؛ ما هو العلم، ما هي الفلسفة؟، صص ٣٦- ٤٠؛ تفرج صنع، ص ٥٩.