منهج دراسة القضايا الاقتصادية في الفكر الإسلامي

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: روش بررسی مسائل اقتصادی ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: ابوالقاسم یعقوبی

المصدر: مجله حوزه / شماره ٧٩-٨٠

كثيرون هم من ينهضون بفتح الطريق في دراسة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لكنهم لا يجدون نقطة البداية الصحيحة أو يخشون الشروع فيها، وإذا ما تجاوزوا صعوبة البداية فإنهم يسلكون طريق الحذر في عرض ما توصلوا إليه، ويظلّون في التعببير عنه أسيرين للقلق والشك.

كان الشهيد سيد محمد باقر الصدر من القلائل من الفقهاء الحكماء الذين خطوا خطوات جديرة ومثمرة في تعريف المفاهيم والمعارف الدينية، وفكّ العديد من العقد بكلامه وقلمه.

لقد كان يعرف الآلام بدقة وكمال، ويسعى إلى طريق العلاج. وكان يعلم بعلم ودراية كيفية الدخول والخروج في المناقشات. وكان يعبّر عما يصل إليه بوضوح وشجاعة. وكان يحرك الأفكار ويحفزها على الاجتهاد والسعي. وكان يأخذ بعين الاعتبار الزمان والظروف، وبحدسه الحاد يعرض المذهب الإسلامي بصورة منطقية ومتوافقة مع العصر وتغيراته. وكان يبتعد عن تكرار ما قاله أو كتبه الآخرون، ويسلك الطرق غير المقطوعة.

ومن بين الطرق غير المقطوعة التي سلكها بدقة وصوابية وعلّم غيره أسلوبها، مسائل الاقتصاد الإسلامي. فقد كانت دراسات الأستاذ الفقيه العلمية نقطة تحول في طرح هذه النوعية من القضايا، وبقيت ابتكاراته العديدة إرثًا ثمينًا، كل منها يشكل دعامة غنية من ثقافة التشيع العريقة. بالإضافة إلى المقالات والكتابات المتفرقة حول القضايا والطرق الأساسية للاقتصاد الإسلامي، يجب ذكر كتابه الثري «اقتصادنا» الذي، رغم مرور سنوات طويلة على تأليفه، لا يزال في مقدمة مؤلفات الاقتصاد الإسلامي، ووفقًا لما قاله أحد تلامذته عن الشهيد: «… لا تزال أبعاد هذا الكتاب العميقة غير معروفة حتى في مجتمعاتنا».[1]

أو كما قال تلميذ آخر لذلك الشهيد: «في رأيي لم يكن هناك كتاب يشبه كتاب اقتصادنا قبله، ولا بعده خلال ربع القرن الماضي ظهر كتاب شامل وكامل مثله».[2]

إلى جانب هذه الكتابات الاقتصادية، وخاصة (اقتصادنا)، أصبح الشهيد الصدر مبدعًا لحركة الفكر الإسلامي، وفتح نافذة أمل مشرقة أمام عشاق الثقافة الدينية، وحثّهم على الدراسة والبحث الجديد في المصادر الدينية: «على الأقل منذ أن ألّف ونشر الشهيد سيد محمد باقر الصدر كتاب (اقتصادنا)، نشأ هذا التوقع في أوساط أهل الفكر في البلدان الإسلامية بأن بالإمكان بناء دراسة القضايا الاقتصادية للدول الإسلامية على أساس (الاقتصاد الإسلامي)، وأنه يمكن في المرحلة الأولى إيجاد حلول نظرية، وفي النهاية، مع قيام دولة إسلامية، وضع سياسات عملية قابلة للتنفيذ لمعالجة المشاكل الاقتصادية».[3]

في هذا المقال، سنلقي نظرة سريعة وعابرة على أساليب دراسة القضايا الاقتصادية من وجهة نظر هذا الفقيه الورع، ونعتقد أن أفكاره وكتاباته مفيدة وهادية للمجتمع الإسلامي، لا سيما للحوزويين والأكاديميين، وملهمة للنظام الإسلامي ومن يعملون فيه.

نحن نهدف من خلال هذا المقال إلى إبراز الأساليب والطرائق الحديثة للأستاذ الشهيد في ميدان المذهب الاقتصادي الإسلامي، ولكن بما أن هذه القضايا واسعة جدًا، فإننا نكتفي بجزء بسيط منها، ونتناول فقط النقاط التي تحمل طابعًا أساسيًا وجوهريًا.

قبل الدخول في صلب الموضوع، نشير إلى ثلاث خصائص عامة من خصائص كتابات الشهيد الصدر في هذا المجال:

 

١. النظرة الشاملة والنظامية

إن توسع العلوم الإنسانية واستخدام الأدوات والوسائل الحديثة في البحوث يفتح يومًا بعد يوم آفاقًا جديدة أمام العلماء والباحثين. وفي القرن الأخير، نتيجة بعض الأحداث والحركات العلمية والمذهبية التي حدثت في العالم، اتسعت هذه الآفاق، وانعكست بشكل بارز في أعمال الباحثين، مما دفعهم إلى ابتكار أساليب جديدة في طرح القضايا والمشكلات.

ولم يكن هذا الواقع بلا تأثير على البنية البحثية في الحوزات العلمية الدينية، إذ دفع العلماء الفطنين والفقهاء الواقعيين والمطلعين على زمانهم إلى اختيار أساليب جديدة في توضيح الفهم الديني ورسم صورة الإسلام الحقيقي.

ومن بين هؤلاء الفقهاء المبدعين والرواد كان الأستاذ الشهيد سيد محمد باقر الصدر. فهذه الشخصية العظيمة، بالإضافة إلى إلمامه الواسع بالعلوم الحوزوية وسيطرته الكاملة عليها، كان يمتلك أسلوبًا جديدًا في طرح القضايا الفقهية والمعارف الدينية. لم يكن يكتفي بإضافة فرع إلى الفروع أو تعليق وهامش على هوامش، بل كان يسير مع الزمن والاحتياجات، ويستخدم الأساليب الحديثة والمنهجية في الرجوع إلى المصادر والمعارف الدينية، ويقدمها بشكل نظامي ومنظم. وهذه النظرة الشاملة والنظامية للقضايا في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية تتجلى بشكل خاص في فكره وأعماله؛ لكنها تظهر بشكل أكثر وضوحًا في مجال دراسة القضايا الاقتصادية.

يرى الأستاذ الشهيد وجود ارتباط وثيق بين الاقتصاد الإسلامي والمسائل العقائدية والأخلاقية والعاطفية، وكذلك بين الدولة والنظام السياسي، ويعتقد أنه لا ينبغي دراسة الاقتصاد الإسلامي بمعزل عن بقية أركان الدين، بل يجب التعرف عليه ودراسته باعتباره جزءًا من منظومة الشريعة السياسية والاجتماعية. ويصرح قائلاً: هناك نوع من الترابط بين الشكل العام للنظام الإسلامي والأساس الخاص الذي يقوم عليه، وتجاهل هذه النقطة في الدراسات الاقتصادية يجعل الباحث يعاني من التردد والتعارض في النصوص. وعلى هذا الأساس، يقدم العلامة الشهيد في كتاباته ودراساته الاقتصادية تصورًا منظمًا ويكتب:

في التعرف على الاقتصاد الإسلامي، لا يجوز لنا أن ندرسه بشكل منفصل عن باقي أركان الدين؛ فمثلاً لا ينبغي أن ندرس رأي الإسلام في تحريم الربا أو جواز الملكية الخاصة بمعزل عن المنهج العام للاقتصاد الإسلامي… بل يجب أن يكون فهمنا للاقتصاد الإسلامي في إطار الشكل العام للإسلام الذي يأخذ في الاعتبار جميع جوانب الحياة الفردية والاجتماعية… ومن الواضح أن تصوير ظاهرة ما ضمن الشكل العام وفي إطار نظام يختلف عن تصويرها بشكل مستقل.[4]

وبذلك نجد أن الاقتصاد الإسلامي جزء من الكل، وأن الباحث الذي يسعى لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي يجب أن يوجه دراساته وبحوثه وفق هذا المنظور النظامي والمنهجي ليصل إلى نتيجة مناسبة.

٢. المذهب الاقتصادي

يعتقد الأستاذ الشهيد في المناقشات الاقتصادية أن الباحث يجب أن يفرق أولاً وقبل كل شيء بين مفهوم علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي، وأن يتجنب خلطهما في الدراسات لكي يسهل عليه فهم النقاشات الاقتصادية.

وقد تناول هذا الموضوع في موضعين من كتاب (اقتصادنا) إلى جانب كتاباته الأخرى، وقدم معيارًا واضحًا للتفريق بينهما:

علم الاقتصاد هو العلم الذي يفسر الحياة الاقتصادية وظواهرها وتجلياتها، ويبين ارتباط هذه الظواهر بالأسباب والعوامل العامة التي تحكمها… أما النظام الاقتصادي فهو الأسلوب الذي تفضله المجتمع في الحياة الاقتصادية وفي حل مشكلاته العلمية.[5]

على الرغم من أن علم الاقتصاد السياسي ظهر في القرون الأخيرة وازدهر بشكل ملحوظ في مطلع عصر الرأسمالية، إلا أن جذوره العلمية تعود إلى أقدم فترات التاريخ. فقد كان لكل الحضارات، ضمن نطاق سيطرتها، تفكير اقتصادي، واستفادت من السياسات والتخطيط الاقتصادي الصغير والكبير وفقًا لزمانها واحتياجاتها. وقد تشكل علم الاقتصاد بناءً على المذاهب الاقتصادية؛ ومن ثم نرى أن علماء الاقتصاد كان لكل منهم مذهب خاص، واقتصاديون مثل: آدم سميث، كينز، ريكاردو، ماركس، وغيرهم، كان لكل منهم عقيدة وسلوك خاص شكّل على أساسه معارفه الاقتصادية وطرحها.

رغم وجود أوجه مشتركة بين العلم والمذهب الاقتصادي، إلا أن الفروق بينهما واضحة تمامًا. فالعلم الاقتصادي يناقش وسائل الإنتاج وكيفية تأثيرها على بعضها البعض، وكذلك نصيب كل منها في أنواع الملكية، أما المذهب الاقتصادي فيتحدث عن صحة أو خطأ أنواع الملكية. العلم الاقتصادي يناقش نموذج توزيع السلع، بينما المذهب الاقتصادي يميز بين الجيد والسيئ من هذه النماذج، وهكذا…

وقد قدم الشهيد صدر، نظرًا لتمييز هذين المفهومين، معيارًا واضحًا للحد الفاصل بينهما، ومن المفيد تذكُّره:

المذهب الاقتصادي… يُطلق على كل قاعدة اقتصادية أساسية ترتبط بفكرة العدالة الاجتماعية. أما علم الاقتصاد فيشمل كل نظرية تفسر الظواهر الاقتصادية الموضوعية بعيدًا عن أي فكرة مسبقة عن العدالة أو أفكار ذهنية جاهزة؛ ومن هنا فإن مفهوم العدالة هو الحد الفاصل بين المذهب والعلم، ويمثل مؤشرًا يميز الأفكار المذهبية عن النظريات العلمية.[6]

ربما يكون الدافع وراء رفض بعض الجماعات للاقتصاد الإسلامي هو اعتقادهم أن هدف الاقتصاد الإسلامي هو علم الاقتصاد، مع تجاهلهم الفرق بين علم الاقتصاد والمذهب الاقتصادي. في الإسلام لا يوجد علم اقتصاد، ولكن هناك مذهب ونظام اقتصادي، وهذه الحدود الفاصلة هي من ابتكارات الشهيد صدر. ومع ذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن الإسلام، لكونه مذهبًا اقتصاديًا، لا يمتلك جانبًا علميًا، ولا يمكنه ولا ينبغي له الاستفادة من علم الاقتصاد وفروعه؛ بل كما يقول الشهيد صدر، إن أساس تقدم العناصر الديناميكية والمتغيرة في المذهب في المناقشات الاقتصادية يرتبط بتوسيع النقاشات العلمية والاستفادة المثلى من العلم والتقنية المتقدمة، ويجب على النظام والدولة الإسلامية أن تبني سياستها الاقتصادية على أساس المذهب وبالاستعانة بالعلوم الاقتصادية.[7]

٣. الواقعية

إن سير وتسارع التحولات في المجتمعات البشرية أمر قطعي ولا يمكن إنكاره. فالتغيرات وتسارعها المتزايد عبر الزمن في جميع جوانب الحياة، من وجهات نظر وعلاقات اجتماعية واقتصادية وغيرها، هي حقيقة لا يمكن تجاهلها.

ولا شك في دور الزمن واحتياجاته في تشكيل البنية الفكرية وتأثيره على طريقة فهم الإنسان. الباحثون والمحققون الذين يسعون لحل الصعوبات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية في المجتمع، إذا لم يأخذوا هذه الحقيقة المتغيرة في الاعتبار، فلن يصلوا إلى نتائج مرضية وناجحة.

لذلك فإن الاهتمام بدور الزمان والمكان في البحوث هو الخطوة الأولى وسر النجاح في الإجابة على الأسئلة الحديثة والظواهر المستجدة. الحوزات العلمية والفقهاء المتألمون الذين هم المدافعون الحقيقيون عن شمولية الدين وخاتمية الشريعة و(يرون الفقه كنظرية كاملة لإدارة الإنسان والمجتمع من المهد إلى اللحد) لا يمكنهم حينئذٍ أن يجعلوا الفقه عمليًا ويدخلونه من الهامش إلى صلب حياة الناس والمجتمع إلا إذا استعانوا في اجتهاداتهم وبحوثهم بالعنصرين الأساسيين والجوهريين: الزمان والمكان، وبالنظر إلى الوقائع الجارية قاموا بالبحث في المصادر الدينية. كل الجهد والقدرة التي بذلها الإمام الخميني في هذا القرن كانت لإقناع الحوزات بهذا الفكر.

 

لقد أثبت بوضوح حيوية الفقه الإسلامي في رؤيته ومنهجه العملي. من خصائص الشهيد الصدر التي تظهر في جميع بحوثه وكتاباته وخاصة دراساته الاقتصادية هو اهتمامه بدور الزمان والمكان:

يبدأ عمل البحث في المسائل الفقهية من الوقائع الموضوعية، ولكن ليس بالقيود التي كانت في زمن الشيخ الطوسي أو المحقق الحلي؛ لأن واقع حياتهم كان يكفي فقط لتلبية احتياجات زمانهم، ومسائل ذلك الزمان لا تكفي لزماننا.[8]

يمكن رؤية هذا الأسلوب والمنهج بوضوح في جميع بحوثه. لم يكن الأستاذ الشهيد يفكر بهذه الطريقة وينظر إلى الواقع فقط في بحوثه ودراساته النظرية والعلمية، بل كان يولي هذا الأمر اهتمامًا أيضًا في تقديم الخطط العملية وسبل تنفيذ وجهات النظر الفقهية والمذهبية. فعلى سبيل المثال، عند طرح موضوع (البنك بدون ربا في الإسلام) كان يأخذ في الاعتبار الظروف السائدة في المجتمع.

في أوائل عقد 1960م، عندما طلبت منه حكومة الكويت تقديم خطة للبنك الإسلامي بدون ربا، قبل هذا الطلب، لكنه في بداية كتاب (البنك بدون ربا في الإسلام) كتب:

نقاشنا هنا حول خطة البنك الإسلامي مع الأخذ في الاعتبار الوضع الثاني [النظام غير الإسلامي]؛ لأن الفرض هو أن واقعنا الاجتماعي في جميع الأمور الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية غير إسلامي. لو أردنا وضع خطة البنك الإسلامي في إطار الوضع الأول [النظام الإسلامي] لكنا أجرينا نقاشًا مختلفًا.[9]

إن وضع السياسات والتخطيط والبحث في مسائل الاقتصاد الإسلامي في مجتمع تكون فيه كل جهود الناس وتبادلاتهم مبنية على الربا، والنظام الرأسمالي يهيمن تمامًا على حياتهم الفكرية والأخلاقية والاقتصادية، يختلف اختلافًا جوهريًا عن مجتمع تُبنى فيه الأمور العامة والتخطيطات الجزئية على مبادئ الإسلام، وتُعتبر المسائل الاقتصادية جزءًا من ذلك الكل. وبعبارة أخرى، المجتمع الذي يكون فيه الإسلام وشعائره على الهامش ويبتعد المسلمون عن مجاري الأمور يختلف عن المجتمع الذي يشكل فيه الحكم الإسلامي وقوانينه روح حياة الناس، ولكل منهما احتياجاته الخاصة وتوقعاته من الحوزات والعلماء تختلف في كل من هذين المجتمعين:

في معظم الرسائل العملية يكون الشكل المحدود الأول المذكور؛ لأن الرسائل تُعد للمتدينين الذين يعيشون في مجتمعات يلعب الإسلام دورًا كبيرًا في بنائها. لذلك لا تستطيع هذه الرسائل العملية تقديم الاقتصاد الإسلامي في إطاره الصحيح والأساسي للمجتمع، وبهذا تبقى قوانين وأحكام الاقتصاد الإسلامي التي يمكن أن تتحمل رفاهية وسعادة المجتمع والأمة في ظلال الغموض….[10]

الرسالة التي يوجهها هذا الفقيه العميق التفكير والمستقبلية في هذا القول هي أن الحوزات العلمية الدينية في هذا العصر يجب أن تعيد النظر في كيفية التعليم ومنهج البحوث الدينية في جميع المجالات وخاصة في مسائل الاقتصاد الإسلامي. في الماضي، كان يُعذر عدم تقديم الخطط وطرق التنفيذ للأحكام الاجتماعية والاقتصادية الإسلامية بحجة أن تطبيق الاقتصاد الإسلامي وغيره من الأحكام الاجتماعية الإسلامية يحتاج إلى دعم تنفيذي، ولم تكن الظروف مهيأة لذلك، وكانت الأعذار مقبولة، لكن في هذا العصر الذي أُعد فيه الدستور على أساس الإسلام ويُنفذ تحت إشراف ولي الفقيه ورقابة فقهاء مجلس صيانة الدستور، لا يوجد أي عذر أو حجة مقبولة. من المناسب أن توجه الحوزات العلمية والتعليمية والباحثون المسلمون بحوثهم بطريقة تخدم حل العقبات القانونية والتنفيذية للنظام الإسلامي، خاصة في مجال قوانين الاقتصاد الإسلامي التي لم تُعطَ نفس القدر من الاهتمام مقارنةً بالمسائل الفقهية الأخرى.

بالطبع، لا يعني هذا القول عدم تقدير جهود السابقين؛ لأنهم أيضًا أدوا واجبهم في ظرف زمانهم، بل المقصود هو أنه يمكن طرح المواضيع القديمة في قالب جديد وحديث يتناسب مع الزمان والاحتياجات، بحيث يتم الالتزام بالفقه التقليدي والجواهري مع إضفاء الحيوية والتوافق معه مع متطلبات العصر، ولا يُظهر أن الفقه عاجز عن الإجابة.

التحليل المنهجي

بدأ الأستاذ الشهيد بحوثه ودراساته الاقتصادية بطريقة منهجية مع هذه الخصائص الثلاث التي أشرنا إليها: (الرؤية الشاملة والنظامية، النظر الواقعي، والاعتقاد بالمذهب الاقتصادي في الإسلام) والقدرة والكفاءة العلمية والفقهية التي كان يمتلكها، وقدمها للباحثين بعد معالجتها وتنقيحها بشكل جديد. هنا نعرض عنصرين أساسيين في فكره وكتاباته الاقتصادية، كل منهما يحتوي على فروع ويعتبران في الحقيقة فروعًا لمنهج البحث:

أ. الاجتهاد والاكتشاف في المسائل الاقتصادية.

ب. مكانة الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي.

الاجتهاد والاكتشاف

أهم وأساس منهج ومعيار لفهم المذهب الاقتصادي الإسلامي هو الاجتهاد. الاجتهاد يختلف حسب المنهج وطريقة الدراسة التي يتبعها كل مجتهد؛ لذلك فإن أي اجتهاد يقوم على قواعد الكتاب والسنة يكون معتبرًا وقانونيًا. ولهذا السبب، أي بسبب حرية الرأي العلمي والاجتهادي في الإسلام، تظهر العديد من النماذج الاقتصادية في المسائل الاقتصادية أيضًا.

يجب أن يمتلك الباحث في مجال النظام الاقتصادي الإسلامي القدرة اللازمة لاستيعاب واستخلاص الأحكام الاقتصادية الإسلامية، ليتمكن من توضيح ورسم المذهب الاقتصادي الإسلامي، وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون على دراية كاملة بآراء الفقهاء ليتمكن من اختيار أحد هذه الآراء عند تقديم النموذج الاقتصادي؛ لأنّه قد لا يصل إلى رأي واضح بنفسه، ويضطر إلى الاستفادة من اجتهاد الآخرين لتقديم النظام والمذهب الاقتصادي الإسلامي، حتى وإن كان ذلك مخالفًا لرأيه الشخصي.

المجتهد ليس من اختصاصه الخلق. ما يمكنه فعله هو الكشف والاستنباط. الأحكام والآراء الفقهية للفقهاء هي البناء الظاهر، ومن خلال هذا البناء الظاهر يصل المجتهد إلى الأساس، وهو المذهب الاقتصادي الإسلامي.

لذلك يجب أن يكون اجتهاد المجتهد مصحوبًا دائمًا بالاكتشاف ليتمكن من الابتكار وفتح الطريق. الشهيد الصدر يسمّي هذا الطريق (عملية الكشف)، وعلى هذا الأساس يقوم بدراسة واسعة في الاقتصاد الإسلامي، وبما أنه كان على دراية كاملة بالمذاهب الاقتصادية المختلفة ويعتبر آراء الفقهاء صحيحة وشاملة، فقد تمكن بسهولة ووضوح من إنجاز هذه العملية الكشفية وقدم نتائجه في (اقتصادنا). وهو يكتب بنفسه في شرح هذا الأساس والمنهج:

إذا كان من المقرر أن يتجاوز الفقيه مرحلة التفقه في الأحكام ويتوجه إلى التأملات النظرية حول النظام الاقتصادي، فيجب أن يجعل الأحكام المتناسقة والثابتة نقطة انطلاق عمله. وإذا تمكن من اختيار هذه الأحكام من بين تلك التي أسس اجتهاده عليها، واكتشاف الأسس الاقتصادية الرئيسية منها، وإنجاز ذلك دون مواجهة تعارض أو تناقض، فقد حصل على فرصة ثمينة؛ لأن في هذه الحالة يكون الباحث، بصفته مجتهدًا مستنبطًا للأحكام وكاشفًا للآراء، وقد توحد هذان الجانبان في شخصه.

وبالطبع إذا لم تتوفر هذه الفرصة… ففي هذه الحالة أفضل مساعدة هي الاستفادة من الأحكام التي يستخدمها الآخرون…

هذا هو كل ما يجب القيام به في شأن كشف الاقتصاد الإسلامي.[11]

بناءً على هذا المنظور، لا يمكن الاكتفاء بالبناء الظاهر فقط للتعرف على النظام والمذهب الاقتصادي الإسلامي؛ لأنّ اختلاف الآراء والفتاوى الفقهية في بعض الحالات، والتي استُنبطت من ظاهر النصوص دون مراعاة الجوانب الأخرى، قد يربك الباحث ويؤدي إلى تناقضات، ولا يمكنه التوصل إلى حل في مسائل الاقتصاد الإسلامي؛ لذلك يجب أن يلجأ إلى جهد واسع وشامل ليتمكن من الانتقال من الاجتهاد إلى الاكتشاف:

ليس فقط في شأن أحد البنايات الظاهرة المباشرة الاقتصادية، أي القانون المدني، يجب البحث، بل يجب الاستمرار في ذلك في جميع البنايات الظاهرة الأخرى أيضًا، لكي نتمكن من دراسة الأساس بشكل أكثر ثراءً وعمقًا. وبهذا يكون منهج الدراسة في الاكتشاف حركة من البناء الظاهر إلى الأساس.[12]

استخدام المصطلحين: البناء الظاهر والأساس في كتابات الشهيد الصدر الاقتصادية ومنهجه واستنباطه على هذا الأساس يظهر في جميع مناقشات كتاب (اقتصادنا). فهو في كل نقاش يعرض أولاً الروايات والنصوص المتعلقة به، ثم ينظر في آراء الفقهاء الكبار والفتاوى المختلفة، ومن مجموع ذلك يصل إلى القانون والقواعد الاقتصادية.

مفاهيم موجهة

في عملية الكشف بالمنهج الاجتهادي يجب ألا يُنسى نقطتان:

1. المفاهيم الموجهة

2. المعوقات المانعة.

أشار الأستاذ الشهيد إلى النقاش حول المفاهيم والمعوقات في سياق كشف المذهب الاقتصادي الإسلامي من المصادر الدينية وآراء الفقهاء، ووضح هاتين النقطتين جيدًا. المفاهيم تنقسم إلى قسمين: مفاهيم ثابتة ومفاهيم نسبية وقابلة للتغير. يستطيع الفقيه الوصول إلى الأصل والقواعد الموجهة في البحوث فقط إذا فهم المفاهيم المستخدمة في المذهب بشكل صحيح؛ فمثلاً مفهوم (الفقر) موضوع لبعض الأحكام الفقهية، ولا يمكن إصدار حكم صحيح وموجه وفتوى متوافقة مع الواقع دون معرفة دقيقة به. يجب على الفقيه في البداية توضيح مفهوم الفقر والمحتاج حتى لا يقع في شك وحيرة عند تطبيق الحكم الدائم بوجوب الزكاة على هذا الموضوع.

يقول الشهيد الصدر:

هذا المفهوم نسبي، ويعني عدم وجود مستوى معيشي ضمن نوع الناس في كل زمان. لذلك قد يكون الفرد يمتلك الاحتياجات الفردية، لكنه فقير في الاحتياجات الرفاهية.[13]

من يسعى إلى كشف المذهب الاقتصادي الإسلامي يجب أن يحدد هذه المفاهيم في الخطوة الأولى ويحدد مكانة كل منها بشكل صحيح.

كيفية نظر الفقيه إلى هذه المفاهيم والموضوعات مثل: الملكية المطلقة لله تعالى، خلافة الإنسان، حريته ضمن حدود معينة، الرأسمالية، التجارة، أسلوب الإنتاج، أسلوب التوزيع، العلاقات الاقتصادية السائدة، دور الاقتصاد في السياسة والثقافة، وغيرها، هي أرضية لكيفية استنباطه. ولهذا السبب يعتبر الشهيد الصدر الاجتهاد مفيدًا إذا استطاع أن يصل بالمجتهد إلى مرحلة الاكتشاف، ويعد من الأسس والعوامل لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي للفقيه التعرف الصحيح على المفاهيم:

المفاهيم التي يُراد بها الآراء والنظريات التي تفسر الأحداث الطبيعية والاجتماعية أو التشريعية، والتي تشكل جزءًا مهمًا من الثقافة الإسلامية، يمكن أن تُستخدم أيضًا لاكتشاف المذهب الاقتصادي… على سبيل المثال، أن كون العالم الوجودي مرتبطًا بالله يدل على رؤية خاصة لدى الإسلام حول العالم الوجودي، أو أن المجتمع قبل بلوغ مرحلة سيادة العقل والفكر قد تجاوز مرحلة سيادة الفطرة والغريزة، هذا ما تعبر عنه رؤية الإسلام للمجتمع. وكذلك موضوع أن الملكية ليست حقًا ذاتيًا بل أمرًا خلافياً، يظهر تصور الإسلام عن الملكية…[14]

والآن نشير إلى بعض المفاهيم من وجهة نظر الشهيد الصدر:

1. خلافة الإنسان

الإنسان هو نائب الله وخليفته في الأرض. في هذا النظر، الإنسان مرتبط بالسماء قبل أن يرتبط بالأرض، ومؤمن بالعالم الغيبي قبل أن يلتفت إلى المادة. الفرد المسلم، بدعم روحي وسماوي كهذا، يعمل على عمران الأرض وإصلاحها، وهذا هو معنى خلافة الإنسان في الأرض التي تحمل التزامًا وتخلق حركة. إن الانتباه إلى هذه الحقيقة يمنح الفقيه مجالًا لكي يدرس جميع جوانب الحياة في نظرته إلى القضايا الاقتصادية الإسلامية، ويتعرف على مكانة كل مسألة بدقة، وبالنظر إلى مجموع النظرة الكونية والتفسير الذي لديه عن الله والإنسان والعالم، يصل إلى اكتشاف المذهب الاقتصادي. وقد أوضح الشهيد الصدر هذه النقطة بجلاء:

لا أعرف مفهومًا أفضل وأقوى من مفهوم (خلافة الله) الذي يؤكد كل هذا على قوة الإنسان وقدراته، ويجعله خليفة ونائبًا وحاكمًا مطلقًا في العالم، كما أن مفهوم (خلافة الله) هو أبعد المفاهيم عن التسليم المطلق للقضاء والقدر؛ لأن مفهوم الخلافة يخلق المسؤولية تجاه ما وُكل إليه من خلافة ونيافة، والمسؤولية لا تتحقق بدون حرية وشعور بالاختيار والقدرة على الحكم في الأرض…[15]

قبول كلمة (لا إله إلا الله) يعني بداية تحرير الإنسان من الداخل، وفي المرحلة التالية، كنتيجة للحرية، يدفع الإنسان إلى تحرير الثروات وكنوز العالم من ملكية غير الله؛ لأن في هذه النظرة: «العباد عباد الله والمال مال الله»[16]. هذا الاعتقاد يخلق لدى الفقيه رؤية يستخدمها في طريقة استنباطه وبحوثه لتجسيد خلافة الإنسان. وهذه الرؤية هي التي تمكن الفقيه من الوصول إلى الاكتشاف في الاجتهاد، ومن مجموع البنى النصوص ووجهات نظر الفقهاء الآخرين، يصل إلى اكتشاف المذهب والنظام الاقتصادي.

العدالة الاجتماعية

العدالة الاجتماعية هي رمز لخلافة الإنسان في الأرض.

لا يجوز اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي دون الانتباه إلى مفهوم العدالة الاجتماعية بمعناها الواسع. من الواضح أنه إذا أراد الباحث والفقيه توضيح النظام الاقتصادي الإسلامي من الناحية النظرية والبحث عن طرق تطبيقه، يجب أن يولي هذا المبدأ العظيم اهتمامًا في جميع مراحل البحث والاستنباط. يكتب الشهيد الصدر:

يتكون بناء الاقتصاد الإسلامي من ثلاثة مبادئ تحدد محتوى النظام الاقتصادي الإسلامي….

1. مبدأ الملكية المختلطة

2. مبدأ الحرية الاقتصادية في إطار محدود

3. مبدأ العدالة الاجتماعية.[17]

المقصود بالعدالة الاجتماعية ليس المفهوم المجرد العام، بل الواقع الذي يظهر كروح في جسد الأحكام الإسلامية.

في النظام الاقتصادي الإسلامي، للعدالة مفهوم خاص يشمل العدالة في طريقة توزيع المواد الأولية وتوزيع الثروات المنتجة. ما يلعب دورًا أساسيًا في صحة النظام الاقتصادي للمجتمع هو مسألة التوزيع العادل للموارد الطبيعية والثروات الأولية. إذا لم تُقسّم هذه الموارد بشكل صحيح منذ البداية واحتكرها أفراد أو مجموعات خاصة، ينشأ التفاوت الطبقي، ويفتح الطريق للأقوياء وأصحاب المال.

لذلك ينتقد الشهيد الصدر المذهب الرأسمالي الذي يعتبر التوزيع خاصًا بالدخل القومي ولم يتحدث عن توزيع موارد الإنتاج، ويرفع شعار الحرية الاقتصادية، ويعرض وجهة نظر الإسلام في توزيع الموارد الأولية العادل كما يلي:

[الإسلام] يقصد بالتوزيع ليس المفهوم المحدود له وهو توزيع المنتج، بل المفهوم الأوسع والأعمق وهو توزيع عوامل الإنتاج، وقد وضع سلسلة من القواعد الإيجابية لتقسيم الثروات الطبيعية وموارد الإنتاج إلى عدة أنواع، وميز كل نوع بعناوين: الملكية الخاصة، الملكية العامة، ملكية الدولة، والإباحة العامة، وحدد لكل منها قواعد خاصة. ولهذا، وعلى عكس الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي يعتبر الإنتاج هو المحور الأول، في الإسلام يبدأ البحث الاقتصادي بالتوزيع، وتأتي مناقشات الإنتاج في المرحلة التالية.[18]

لا شك أن الباحث والمجتهد الذي يريد رسم المذهب الاقتصادي الإسلامي والبحث عن أسسه النظرية والعملية يجب أن يفسر العدالة الاجتماعية بمعناها الأصلي والواسع أولاً، ليتمكن من تطبيقها في طريقة الاستنباط والاستخراج، ويحقق نتيجة مناسبة وعملية.

العدالة الاجتماعية تقوم على مبدأين:

١. التعاون الجماعي

٢. المساواة الاجتماعية

التعاون الجماعي: يعني أن يشعر أفراد المجتمع بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض. ولهذا السبب طلب الإسلام من الأثرياء أن يعطوا المحتاجين مما لديهم وأن يتجنبوا تراكم الثروة والإسراف في الاستهلاك.

إن اهتمام الإسلام بهذا العامل النفسي والروحي في سبيل تحقيق الاقتصاد الإسلامي وتجلي العدالة الاجتماعية يلعب دورًا فعالًا في الروابط الاقتصادية للمجتمع، وما يعاني منه اقتصاد أوروبا وأمريكا اليوم من أزمة هو غياب هذا العامل.

لم يكتفِ الإسلام في هذا المجال بتشجيع الإنفاق وذم الإسراف، بل جعل العديد من الواجبات المالية من العبادات الشرعية.

هذه الخاصية في الاقتصاد الإسلامي تُعد ضمانًا ودعمًا مهمًا للعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وكما قال الشهيد الصدر:

الإسلام في نظامه وتعاليمه لا يكتفي بتنظيم المظاهر الخارجية للمجتمع، بل يخترق أعماق الروح والفكر فيه، ليُحدث من خلال ذلك توافقًا وتناغمًا بين التراكمات الداخلية والأساليب الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.[19]

هذا المفهوم الذي له جانب أخلاقي وروحي أكثر، يساعد في كثير من الأحيان على اكتشاف المذهب الاقتصادي للإسلام.

تكافؤ الثروة: يرى الإسلام المساواة الاجتماعية مبدأً ضروريًا في سياسته الاقتصادية. الإسلام يعترف بهذه الحقيقة الطبيعية أن الأفراد يختلفون في الكفاءة الفكرية والبدنية. وهذا الاختلاف بحد ذاته يؤدي إلى تفاوت في العائد الاقتصادي من الجهد والعمل بين الناس. ومن الطبيعي أن يظهر في مثل هذا المجتمع من يحقق دخلًا مرتفعًا ومن يحقق دخلًا منخفضًا. ومن جهة أخرى، هناك دائمًا في المجتمعات أفراد عاجزون وفقيرون ومتهالكون، إما بسبب العجز عن العمل أو لعدم توفر أدوات العمل لديهم، وهم عاجزون عن تأمين أدنى متطلبات الحياة.

فما العمل في مواجهة هذه الحقيقة الطبيعية؟ هل يجب أن نكون متفرجين بينما يغرق الأغنياء في النعم ويعاني الفقراء من الألم والمعاناة والحرمان والذل؟ أم أن هناك حلًا وأملًا لهذه المشكلة الاجتماعية والاقتصادية؟

الإسلام في تعاليمه الاقتصادية البارزة قد وضع طرقًا لتعديل الثروة وتحقيق التوازن فيها على مستوى المجتمع. ومن ذلك أن الدولة الإسلامية والحكام مسؤولون عن إيجاد التوازن الاجتماعي والاقتصادي، وقد طلب منهم:

1. التخطيط ووضع السياسات تجاه الاحتياجات والمحتاجين.

2. مراقبة وتوجيه قطاعات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك لتحقيق المساواة.

المقصود بالتوازن الاجتماعي هو توازن أفراد المجتمع من حيث مستوى المعيشة وليس من حيث الدخل، والمقصود بمستوى المعيشة هو أن تتوفر للأفراد الموارد بما يمكنهم من التمتع بمزايا الحياة بما يتناسب مع مقتضيات العصر… التوازن الجمعي ليس مقصورًا على زمن محدود أو لحظة معينة، بل هو هدف مهم وأساسي يجب على الدولة السعي لتحقيقه بوسائل قانونية مختلفة. وربما يكون سبب تحريم الإسراف هو ذلك؛ لأنه من جهة يمنع المصاريف الزائدة للطبقة المرفهة، ومن جهة أخرى يرفع مستوى معيشة الطبقة الدنيا، وبذلك يقرب المستويات المختلفة من بعضها ويقلل الفجوة الطبقية… الدولة ملزمة بتحقيق التوازن الجمعي وتقريب الطبقات المختلفة من بعضها البعض ورفع مستوى معيشة ذوي الدخل المحدود.[20]

لا يمكن فهم ودراسة المذهب الاقتصادي الإسلامي دون الانتباه إلى هذه المفاهيم العقائدية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية؛ ولهذا يجب على الفقيه أو أي باحث يخطو في هذا الطريق أن يحدد مكانة كل مفهوم واستخدامه بطريقة علمية ومنهجية في بنية الاقتصاد الإسلامي، ليتمكن من الوصول في مسار الاجتهاد والبحث إلى طرق عملية وحلول ناجعة.

ما ذكرناه هو نصف الطريق فقط. فمعرفة المفاهيم الموجهة ليست كافية، بل يجب على الباحث أن لا يغفل عن الموانع والمعوقات التي قد تعترض طريقه. فقد تظهر في مسار البحث لدى شخصية الباحث تصورات وموانع تعيقه عن المسار الصحيح للبحث، مما يؤدي إلى ضعف وضعف في اكتشافه للمذهب الاقتصادي. وهنا نلقي نظرة على بعض هذه الموانع من وجهة نظر الأستاذ الشهيد:

الموانع المعوقة

سبق أن ذكرنا أن المجتهد يبدأ عمله البحثي بمساعدة نصوص الكتاب والسنة وبمساعدة آراء الفقهاء، ومن مجموع هذه المصادر يستخلص القواعد الأساسية. في هذه المرحلة يتحول اجتهاده إلى اكتشاف أيضًا. ونظرًا لأن المحتوى الحقوقي للنصوص ليس دائمًا واضحًا وخاليًا من الشبهات، فقد تحدث أحيانًا تعارضات في جمع النصوص، مما يجعل الاجتهاد أمرًا معقدًا بدلًا من أن يكون بسيطًا. ومن جهة أخرى، فإن صياغة الاقتصاد الإسلامي تستند إلى الأحكام والمفاهيم الدينية، وكل ذلك هو نتاج طريقة الاجتهاد لدى المجتهد، ومن الممكن أن يقع الخطأ في الاجتهاد. وفي هذه الحالة تظهر مشكلة كبيرة في اكتشاف النظام من هذا المنطلق. وكلما قل تدخل ذوق الباحث والمجتهد في مجال الاكتشاف، كان الاكتشاف أدق وأنجح، وكلما كان الباحث أكثر دراية بواقع صدور النصوص وأبعد نفسه عن الأحكام المسبقة، وصل إلى اكتشاف سليم وكامل. لذلك يجب التعرف على مصادر الخطر والموانع التي قد تواجه الباحث في عملية اكتشاف الاقتصاد الإسلامي.

في نظر العلامة الشهيد الصدر، هذه الموانع والمخاطر هي كما يلي:

١. التبرير: الباحث في مجال اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي قد يتجه، سواء عن قصد أو غير قصد، إلى تبرير الأحداث الاجتماعية في بيئته، ويضع نصوص المذهب قيد الدراسة مع الأخذ في الاعتبار الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها. بدلاً من أن يضفي على الروابط الاجتماعية والاقتصادية الخاطئة صبغة دينية وشرعية ويدخل المحتوى الصحيح في قوالب غير صحيحة، فإنه يؤكد الحقائق الموضوعية من خلال إحداث تحولات في النصوص والاستنتاجات الخاطئة. يعرض ظاهر بعض النصوص الشرعية دون الانتباه إلى نصوص أخرى ويستخلص منها نتيجة فقهية خاطئة. هذا الخطر يهدد أولئك الذين يرون الإسلام مرناً في جميع المجالات.

يرسم الشهيد الصدر هذا الخطر من خلال مثال على النحو التالي:

على سبيل المثال، يمكن ذكر أن بعض الأشخاص فسّروا أدلة تحريم الربا تأويلاً وطرحوا نتائج خاطئة، من بينها قولهم إن الإسلام أباح الربح غير المضاعف، ويعتقدون أن النهي في الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[21] يشير إلى الحالة التي يكون فيها مقدار الربح فاحشًا وغير معقول، ويرون أن الربح المعقول وغير المعقول يحدده العرف والظروف الاجتماعية…. وإذا أردنا فهم رأي القرآن بعيدًا عن تأثير العلاقات الاجتماعية وبصورة صحيحة، يجب أن ننتبه أيضًا إلى هذه الآية: (…وَإِن تَبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)[22]

في هذه الحالة يتضح أن المسألة ليست محاربة نوع معين من ربا الجاهلية وهو الربا المضاعف… بل كانت المسألة تتعلق بمذهب اقتصادي (له نظريات خاصة بالنسبة لرأس المال)… ومن ثم فإن أي زيادة غير قانونية، ولو كانت ضئيلة، تُدان….

رسالة الباحث في اكتشاف النظام الاقتصادي الإسلامي هي البحث عن حلول للمشكلات الاقتصادية التي حددها مفهوم العدالة والمعايير الشرعية للحلال والحرام في الإسلام. ومن مقتضيات هذا البحث أن يفهم الباحث قوانين الإسلام في البداية بشكل صحيح، ثم يقدمها في قوالب مناسبة للتنفيذ والتطبيق، وإذا أراد تبرير الوضع الاجتماعي القائم والعلاقات الاقتصادية فيه، فإن اكتشافه للنظام الاقتصادي الإسلامي سيكون ناقصًا وغير مكتمل، وقد يؤدي إلى البدع والتشريعات الخاطئة.

٢. النظر الأحادي: الباحث الذي يسعى لاكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي يجب أن يحرر نفسه من أي إطار فكري محدود ومسبق الصنع ليتمكن من فهم النصوص والأدلة الشرعية بشكل صحيح، وعلى أساس ذلك يكتشف النظام الاقتصادي الإسلامي.

أحد العوائق التي تمنع الاكتشاف هو النظر الأحادي والتفكير المحدود للمجتهد. المجتهد الذي لا يفكر إلا ضمن ذلك الإطار، ويواجه النصوص الشرعية بإطار مسبق التنظيم، يقبل كل دليل ونص يتوافق مع فكره المسبق، ويتجاهل ما لا يتناسب معه، ويلجأ إلى نصوص تتناغم مع فكره أو على الأقل لا تتصادم معه، فلن يصل إلى اكتشاف حقيقي.

هذا الخطر يهدد أولئك الذين يقيسون جميع النصوص الشرعية على المعيار:

(حلال محمد حلال إلى يوم القيامة.) ولا يقبلون أي تغيير في أحكام الشريعة تحت أي ظرف.

مثلاً، إذا لم يفرق أحد بين الملكية الخاصة والعلاقة الحصرية، واعتبر الملكية الخاصة مقدسة ومحترمة في ذهنه، فإنه حتماً سيخرج العديد من النصوص من دائرة الاستدلال، بل قد يعتبرها مخالفة للشريعة والعقل.

يكتب الشهيد الصدر:

أحد الفقهاء في تعليق وتفسيره على النص: (إذا امتنع صاحب الأرض عن عمرانها وإحيائها، يأخذ الولي الأرض منه ويستخدمها لحساب الأمة) يقول: (برأيي، الأفضل ترك العمل بهذا الحديث؛ لأن العمل به يتعارض مع المبادئ والأدلة العقلية.)[23]

لأنه يرى أن الملكية الخاصة محترمة في كل مكان، ونقضها أمر غير عقلاني، وهذا الإطار يؤثر على استنباط النص الشرعي ويمنع الفهم الحقيقي للنصوص. يجب أن نسأل: هل الملكية الخاصة ليست سوى (علاقة اجتماعية بين الفرد والمال)؟ وهل هذه العلاقة ليست سوى فرض واعتبار تضعه المجتمع أو المشرع لهدف معين؟ يضيف الأستاذ الشهيد:

هناك كثيرون ذهبوا أبعد من ذلك واعتبروا انتزاع المال حرامًا، وقالوا: (الغصب عقلاً قبيح…) وهذا الاستدلال أيضًا غير صحيح، لأن الغصب هو انتزاع المال من شخص بدون سبب. من البديهي أن القانون يجب أن يحدد ما إذا كان الانتزاع في حالة معينة صحيحًا أم لا….[24]

جميع الفقهاء والمفكرين الإسلاميين قبلوا الملكية الخاصة في الإسلام، لكن هذا لا يعني أنه يمكن إثبات الملكية الخاصة إلى جانب أي علاقة حصرية للإنسان بشيء ما. خلط هذين الموضوعين يؤدي إلى أن يحصل الباحث على نتائج خاطئة من النصوص ولا يستطيع الوصول إلى المذهب الاقتصادي الإسلامي الصحيح والكامل.

بعض الأُطُر الأخرى التي قد تعيق الاستنباط الصحيح من النصوص هي الأُطُر اللغوية. فقد يكون للكلمة تحولات في مسيرتها التاريخية والاجتماعية، بحيث يمنع الانتباه إلى معناها الحالي الباحث من فهم مفهومها التاريخي، مما يؤدي إلى الضلال في الفهم الصحيح للنصوص:

على سبيل المثال، نقول كلمة (اشتراكية). هذه الكلمة كانت لها معانٍ مختلفة في عصور مختلفة، ومن ثم تُستفاد مضامين وتعبيرات كثيرة من عنوانها الحالي….

وكذلك كلمة (رعية)… لذلك عندما نرى نصوصًا تحتوي على كلمات (اشتراكية) و(رعية)، مثل هذين النصين: (الناس شركاء في الماء والنار والكلأ) و(وللوالي على الرعية حق) قد نأخذها خطأً بالمعاني التي كانت لها في ظروف اجتماعية خاصة، ونعتبر تلك المعاني في تفسير النصوص المذكورة.[25]

على أي حال، حصر مفهوم ومعنى النص والدليل الشرعي في إطار لغوي أو تاريخي محدود وخاص يؤدي إلى سوء الفهم والالتباس في النصوص، ويجعل الباحث يقع في استنباط خاطئ.

٣. تنقية الدليل الشرعي من شروط صدوره: تجاهل الأوضاع والظروف وشروط صدور النصوص الشرعية وتجريد الدليل من السياقات والمقتضيات المتعلقة به هو أحد الموانع الأخرى للاستنباط والاكتشاف، التي قد تعيق الباحث وتمنعه من الكشف الصحيح عن المذهب الاقتصادي.

أحيانًا يأخذ الباحث زمنه بعين الاعتبار ويعطي أصالةً للتيار الذي يعيش فيه، فيظن أن هذا السلوك استمر على هذا النحو منذ عصر التشريع، فمثلًا ينظر إلى استخراج المناجم بالطريقة الحالية ويستنتج أن ذلك كان كذلك في ذلك العصر، وأن سكوت الشارع عن ذلك دليل على صحته، ومن ثم يمكن لأي شخص أن يستخرج المناجم بأي وسيلة وأداة متاحة له ويستفيد منها.

وأحيانًا يكون العكس. يحصل الباحث على سلوك من عصر التشريع صمت فيه المعصوم(ع) تجاهه، واعتبر الصمت إجازةً له، دون أن يراعي الظروف الزمانية والمكانية وخصائص الحادثة والواقعة، فيعمم الحكم على الأزمنة اللاحقة أيضًا. فمثلًا، إذا شرب شخص في زمن النبي(ص) الخمر أثناء المرض ولم يمنعه النبي، فيستنتج أن شرب الخمر مباح للأشخاص الأصحاء في الأزمنة الأخرى أيضًا!

هذا النوع من الاستدلال والنتيجة هو تنقية الدليل الشرعي من شروط صدوره، وهو أمر خطير.

وقد أشار الشهيد صدر إلى هذا الخطر وكتب:

التقرير هو أحد مظاهر (السنة)، والمقصود به صمت النبي(ص) أو الإمام(ع) تجاه عمل تمّ بعلمهم بحيث يُعتبر صمتهم دلالة على الموافقة والإذن بالقيام بذلك العمل.[26]

لذا، كما أن مراعاة المناسبات وشروط نزول الآيات في فهم آيات القرآن تفتح الطريق للفهم الدقيق والصحيح، فإن شروط صدور الروايات وخصائص السائل أو الموضوع المطروح للسؤال تلعب دورًا كبيرًا في فهم واستنباط الفقيه والباحث. فقد يؤدي عدم الانتباه إلى هذه النقطة إلى إجازة أمر يتعارض تمامًا مع روح ومذاق الشريعة!

إن مراعاة هذه النقطة في دراسة المسائل الاقتصادية الإسلامية سيكون مفيدًا جدًا وهادياً.

٤. الموقف المسبق: في مسار اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، يهدد الباحث خطر آخر وهو الموقف الذهني والروحي المسبق. فقد يؤدي زاوية نظر واجتهاد الباحث إلى انحراف في تفسير النصوص وتقييمها، مما ينتج عنه فهم غير متوافق مع روح الشريعة. وهذا المانع والخطر كثير في الأحكام الفقهية، والتغاضي عنه في منهج البحث والاستنباط يؤدي إلى نتائج سلبية.

يصور الأستاذ الشهيد هذا الخطر ضمن تعداد الموانع قائلاً:

نفترض شخصين يدرسان النصوص، أحدهما يركز أكثر على الجوانب الاجتماعية والسياسية للأحكام والمفاهيم، والآخر على الجوانب الفردية لها. مع أنهما يدرسان نفس النصوص، إلا أن استنتاجاتهما ستكون مختلفة، مرتبطة بموقفهما الذهني، وقد يغفلان في هذه الحالات جوانب أخرى.[27]

وهكذا هي طريقة تفكير من اعتبر كل قول وسلوك النبي(ص) كدعوة لأحكام وأحكام أبدية لا تتغير، متجاهلين الجانب القيادي والسياسي له.

أصحاب هذا الفكر عندما يواجهون قول النبي(ص): (لا ينبغي الامتناع عن إعطاء الماء الزائد، ولا يجوز بيع الزرع الزائد.)[28]، يفسرون نهيه على أنه نهي كراهة، لأنهم يرون من غير المعقول أن يكون المالك قد ارتكب فعلًا حرامًا في كل زمان ومكان إذا لم يعطِ الماء الزائد عن حاجته للآخرين.

أما من يأخذ الجانب السياسي والقيادي للنبي إلى جانب الجانب الدعوي، فيفسر هذه الأقوال على أنها صادرة عن ولي الأمر ورئيس الحكومة الإسلامية، ويستند إلى صلاحياته الشخصية في تأمين مصالح المجتمع، ويستخدمها كأساس في استنباطه. ومن الواضح أن مراعاة هذين الجانبين معًا تثمر نتائج متنوعة لا ينبغي تجاهلها في رسم وتقديم النظام الاقتصادي الإسلامي. وهناك العديد من هذه الحالات في الفقه، وسنتناولها في الجزء الثاني من الكتاب.

على أية حال، لا يمكن إنكار تأثير النظرة السابقة للفقيه والباحث في كيفية استنباطه واكتشافه، ومن الواضح كيف تؤثر الموقف السابق في الاستنتاج اللاحق.

دور الدولة الإسلامية في النظام الاقتصادي

العنصر الثاني لاكتشاف المذهب الاقتصادي للإسلام من وجهة نظر الشهيد الصدر هو دور ومكانة الدولة الإسلامية. في اعتقاده، لا يمكن دراسة الاقتصاد الإسلامي دراسة كاملة وشاملة دون معرفة مكانة الدولة وولي الأمر في النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لأن جزءًا مهمًا من الأحكام الدائمة والمؤقتة في الإسلام في مجال القضايا الاقتصادية مرتبط بالنظام والسلطة الإسلامية، التي تجد معناها الحقيقي وتتحقق فعليًا فقط عندما يكون القانون وطريقة وشكل الحكم مبنيين على الأيديولوجيا الإسلامية، ويكون المنفذون أشخاصًا صالحين، خبراء، أكفاء، أمناء ومخلصين:

لذلك، في حالة عدم وجود الحاكم الشرعي أو الجماعة الإسلامية التي لا يمكن فيها تنفيذ القوانين، فإن الجزء الأكبر والأساسي من هذه الظواهر المتحركة يفقد روحه الحيوية والفعالة ويصبح كإنسان بلا روح. على سبيل المثال، الصلاحيات التي يمتلكها الحاكم الشرعي في وضع قوانين تمنع الاحتكار للمواد الضرورية والاستهلاكية للجماعة، وكذلك منع كل أشكال الظلم والغش ورفع الأسعار أو البيع الناقص أو الإخلال في العرض والطلب، كل هذه القوانين تكون فعالة وقابلة للتنفيذ فقط بوجود الحاكم الشرعي. في الحقيقة، تنفيذ هذه القوانين مرتبط مباشرة بوجود الحاكم الشرعي في الجماعة الإسلامية، وهو ما يتجاوز صلاحيات فرد متدين في مجتمع غير إسلامي.[29]

بناءً على هذا الرأي، فإن معرفة مكانة الدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي لاكتشاف المذهب الاقتصادي وتشكيل الدولة الإسلامية لتنفيذ القوانين الاقتصادية الإسلامية بشكل كامل ضرورة وخطوة أولى. فقط من خلال هذا المنظور يمكن الإجابة على العديد من تساؤلات المعارضين، وإزالة التناقضات النظرية والعملية الموجودة في الحياة الاقتصادية للمسلمين، وإظهار قدرة وكفاءة النظام الاقتصادي الإسلامي؛ لأن الإسلام يطالب بأصل الكفاءة في جميع المجالات، ومنها القضايا الاقتصادية. بعبارة أخرى، علاقة النظام والحكم الإسلامي بالمذهب الاقتصادي الإسلامي تشبه الخيط الذي ترتبط به جميع أجزائه بحيث يفقد كل جزء وقيمته الحقيقية بدون وجود هذا الخيط. لهذا السبب، في البنية الفكرية وتحليل الأفكار الاقتصادية للشهيد الصدر، مسألة الحكم ودوره في الشؤون الاقتصادية وقوته في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية لها دور أساسي وجوهري. لقد طرح وطور هذا الفكر ليزيل العديد من التناقضات الموجودة في النصوص الشرعية، وهو يعتقد أنه بدون النظر إلى دور الدولة وولي الأمر في القضايا الاقتصادية، لا يمكن اكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي كنظام هادٍ وفعّال؛ ولهذا السبب تحدث في جميع المناقشات الاقتصادية عن عنصر الدولة ودور ولي الأمر. هنا سنلقي نظرة سريعة على بعض المواضيع والمحاور الأساسية من تلك المناقشات الواسعة:

الأحكام الدائمة والمؤقتة

فيما يتعلق بالأحكام الشرعية وثباتها أو تغيرها، توجد وجهات نظر مختلفة:

فئة تعتقد أن الأحكام الشرعية دائمة ولا يحدث فيها أي تغير أو تحوّل عبر الزمان والمكان. يستدلون على ذلك بالعبارة المشهورة: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة). وهناك فئة أخرى تعتقد أن الأحكام الشرعية مؤقتة ومرنة وتتغير بتغير الظروف الزمانية والمكانية.

وثالثة تعتقد أن أحكام الشريعة الإسلامية نوعان: بعضها دائم لا يتغير في أي ظرف، وبعضها مؤقت وقابل للتغير. من بين هذه الآراء، الأول والثاني غير متوافقين مع المعايير، والرأي الثالث متوافق مع المعايير ومتسق مع خلود الشريعة وخاتمية الدين.

هذا الرأي، لأنه يتوافق وينسجم مع الفطرة البشرية ويتلاءم مع الاحتياجات الدائمة للإنسان، فهو أكثر توافقًا مع ثقافة الدين وله مؤيدون أكثر وأقوى.

الشهيد الصدر في دراساته الدينية، ومنها القضايا الاقتصادية، يقبل هذا الرأي ويقول في شأنه:

الظواهر الثابتة هي الأوامر والأحكام التي تنظم العلاقات المباشرة للثروة في المجتمع وفقًا لموازين العدالة الاجتماعية وبما يتناسب مع كون الإنسان خليفة الله في الأرض. يمكن استخراج هذه الظواهر من القرآن الكريم وسنة النبي (ص). ومن أبرز هذه الظواهر ربط الملكية بالركيزتين الأساسيتين للاقتصاد الإسلامي، وهما العمل والحاجة.

الفئة الثانية هي عناصر متحركة في مجال توزيع وتنظيم علاقات التوزيع، التي وجودها ضروري بسبب التحولات والتغيرات في عملية الإنتاج والقوة التي تتيحها هذه التحولات من حيث خلق فرص جديدة للاستغلال…. ومن أمثلة هذه الأحكام هو عمل الحاكم الشرعي الذي يبين كيفية وكمية التصرف في الثروات الطبيعية أو تحديد مقدار الأرض التي يمكن للفرد أن يستولي عليها لإحيائها، حيث يحدد الحاكم الشرعي هذا المقدار مع الأخذ في الاعتبار وضع المجتمع وقدرة الفرد من الناحية المادية أو من حيث القدرة الإنتاجية، بحيث يُمكن تدريجياً من خلال هذه الأفعال القضاء على إمكانية نشوء طبقة مستغلة ومحتكرة للمواد الإنتاجية.[30]

مجال الترخيص (منطقة الفراغ)

اتضح أن النظام الاجتماعي والأحكام الشرعية لهما أجزاء ثابتة وأجزاء غير ثابتة. هنا نضيف أن الجزء غير الثابت من الأحكام هو ذلك الجزء الذي يُسند إلى الولي الأمر والحاكم الإسلامي ليشرع ويضع القوانين مستلهماً من مجموع الشريعة وبمساعدة الجزء الثابت من الأحكام الشرعية وبناءً على مصلحة المجتمع، مع مراعاة ديمومة حيوية المذهب وتوافق الدين مع تقدم المجتمع البشري وحل صعوبات الحياة. وقد أطلق الشهيد صدر على هذه المسؤولية والواجب اسم “مجال الترخيص وحرية الرأي القانوني (منطقة الفراغ)”[28]، وهو يرى أن الفقيه الجامع للشرائط الذي يُقبل كولي أمر وحاكم إسلامي، والذي يمتلك المعايير والصفات اللازمة لهذا الأمر المهم، يمكنه ويجوز له أن يملأ الفراغات القانونية مع مراعاة ظروف الزمان والمكان وبالاستعانة بالجوانب الثابتة للدين والأحكام العامة التي تحكم مجموع الشريعة. وبالطبع، يرى أن دائرة هذه المسؤولية تقتصر على الأحكام التي لا يوجد فيها حكم إلزامي من الشرع، والتي تكون مباحة.

على أي حال، سواء اعتبرنا هذه المسؤولية محدودة أو قبلنا ولاية الفقيه المطلقة، فإن أصل هذه المسألة سيُحدث تحولاً في النظر إلى الأحكام الشرعية. وبدون الانتباه إلى هذا المحور ستظل العديد من المشكلات، ومنها المشكلات والعقبات الاقتصادية، دون حل. ومن خلال هذا المنظور استطاع الأستاذ الشهيد رسم الخطوط الاقتصادية الإسلامية مع مراعاة دور الدولة في شؤون حياة الناس، واكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي من بين نصوص الشريعة وآراء الفقهاء مع الحفاظ على مصالح ومنافع المجتمع الإسلامي:

لا يمكن دراسة المذهب الاقتصادي الإسلامي دون النظر إلى مجال الترخيص وحرية الرأي القانوني للفقيه والحلول التي تُستخلص عملياً لمعالجة الاضطرابات الاقتصادية؛ لأنه إذا استُخدم هذا الرافعة القانونية بشكل مناسب، فإنه يمكنه أن يغطي ويوجه ويراقب الأنشطة الاقتصادية بأفضل صورة. ومن الواضح أن الابتعاد عن هذا الأصل والاكتفاء بالعناصر الثابتة القانونية والإغفال عن العناصر الديناميكية الشرعية يؤدي إلى عدم تناغم في تطبيق الحقوق والقوانين.[31]

ونظراً لأن الدين خالد ولا يختص بعصر أو زمان معين، ومن جهة أخرى فإن المجتمعات البشرية دائمة التغير والتحول من حال إلى حال، فقد بيّن الإسلام مبادئ التشريع للنظام الاجتماعي والاقتصادي بطريقة تضمن شمول الموضوعات الجديدة والمواضيع الحديثة في كل مجال تحت مظلة قانون الشريعة. وعلى هذا الأساس، ترك يد الحاكم الإسلامي حرة حتى لا يواجه في الواقع أي مأزق أو نقص في القانون. ومن هذه النقطة يمكن إدراك أهمية ومكانة مجال الترخيص في اكتشاف وتشكيل المذهب الاقتصادي الإسلامي، واعتباره عنصراً أساسياً وجوهرياً في بناء وتركيب النظام الاقتصادي:

من الضروري أن نولي اهتماماً كبيراً لهذا الترخيص في اكتشاف المذهب الاقتصادي؛ لأنه يشكل جزءاً من المذهب الاقتصادي. فالمذهب الاقتصادي في الإسلام يتكون من جزأين: أحدهما مملوء من قبل الإسلام بشكل قطعي ودائم ولا يمكن تغييره، والآخر يشكل مجال الترخيص في المذهب، وقد أسند الإسلام مهمة ملئه إلى الدولة أو الولي الأمر ليملأه وفق الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي ومتطلباته في كل زمان.[32]

نطاق ولاية الولي الأمر

كان النبي الأكرم (ص) في عهد الرسالة يشغل ثلاث مناصب:

1. توضيح الأحكام ونشر القيم.

2. الحكم والمرجعية في الخلافات والصراعات.

3. إدارة الشؤون السياسية والاجتماعية ورعاية وقيادة الناس.[33]

وكان هو منفذ القانون الذي جاء به، وأسس الحكم الإسلامي لتحقيق الأهداف وتجسيد الغايات الإلهية. وقد نُقلت هذه المسؤولية الثلاثية بعده في الاعتقاد الشيعي إلى علي (ع) وأبنائه الأحد عشر. وقد عمل هؤلاء الأعلام، قدر الإمكان وبما يتناسب مع ظروف زمانهم، على توضيح الدين ونشره، وإذا ما توفرت لهم الفرصة، تولوا إدارة المجتمع. واستمر هذا المسار حتى زمن الغيبة الكبرى، وبعدها أُسند هذا المنصب إلى الفقيه الجامع للشرائط.

والسؤال الآن: ما هو نطاق هذه الولاية؟ من الواضح أنه في دائرة الأحكام الدعوية لا يحق للفقيه التصرف أو التغيير. فهو مجرد ناقل ومبين للأحكام الثابتة والدائمة للشريعة والدين. أما الأحكام التي صدرت عن النبي (ص) والإمام علي (ع) و… من موقع الولاية، والتي كانت مبنية على مقتضيات العصر والزمان، فهي قابلة للتغيير والمساواة مع العصور الأخرى وقابلة للمرونة. تحديد الأمثلة ومعرفة الموضوعات في هذه القضايا من مهام الفقيه وولي الأمر. عليه أن يساوي الأحكام غير الدائمة في كل زمان مع سير تطور المجتمع:

نوع الأحكام والقوانين التي ملأ بها النبي (ص) مجال الترخيص ليست دائمة بطبيعتها؛ لأن هذه الأحكام لا تتعلق بالجانب الدعوي لذلك النبي لتكون عامة وثابتة ودائمة، بل هذه الأحكام صدرت من جهة الحيثية الولائية والسلطوية لذلك العظيم، ويجب تنفيذها في كل عصر وفقًا لظروف ذلك العصر.[34]

النظام الاقتصادي الإسلامي قائم على العدالة الاجتماعية، وهذا المفهوم له أمثلة خاصة به في كل زمان، ومن ثم يجب أن تُسند أمور المجتمع إلى من هو عادل وعالم، ليتمكن بوعي وطهارة من توجيه المجتمع نحو القيم وتنفيذ العدالة. في هذه الحالة، تصبح الأحكام الصادرة عنه، حتى وإن كانت في دائرة الأمور الجائزة، واجبة أو محرمة، ويصبح اتباع الفقيه الحاكم وولي أمر المسلمين واجبًا على الناس وحتى على الفقهاء الآخرين.

استفاد الشهيد الصدر هذه النقطة من الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)[35] وكتب:

هذا النص يدل بوضوح على وجوب الطاعة لأولي الأمر…. ورغم وجود اختلاف بين المسلمين في تحديد شروط وصفات هؤلاء، إلا أن الجميع متفقون على أن هذا الحق لمن هم ذوو السلطة العالية الإسلامية، لكي يتدخلوا في الحكم وإدارة المجتمع وإيجاد التوازن الإسلامي وتعديل الثروة… في الأمور.[36]

وعلى هذا الأساس، فإن نطاق صلاحيات ولي الأمر والدولة الشرعية الإسلامية واسع جدًا. ومهمة الدولة الإسلامية هي تأمين مستوى معيشة مناسب للأفراد، وهذه المسؤولية طرحت في كلام الشهيد الصدر تحت عنوان (ضمان الإعالة)[37].

هذا المفهوم يتناسب مع الرفاه والراحة العامة ويتوافق مع كل بيئة، ويُقاس بظروف الزمان واحتياجاته. فهو يشمل الاحتياجات من الدرجة الأولى والدرجة الثانية، وتحديد الدرجة الأولى والثانية من مسؤولية الدولة.

الأساس النظري لهذا المبدأ (التأمين الاجتماعي وإيجاد التوازن الاقتصادي) الذي يجعل الدولة مسؤولة مباشرة عن إنشائه وتنفيذه يجب أن يُبحث عنه في الحق المشترك للمجتمع في مصادر الثروة؛ لأن هذه المصادر خُلقت لاستخدام واستفادة جميع الناس: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.)[38]

وهذه الدولة هي التي يجب أن تهيئ ظروف الاستفادة من هذه المصادر للجميع. في توزيع الموارد الأولية يجب الحفاظ على العدالة لكي تتاح الفرصة للجميع للاستفادة والمشاركة، ولا يقتصر ذلك على فئة معينة فقط.

وأوضح دليل ونص تشريعي على هذه المسألة نجده في القرآن الكريم حيث يقول بوضوح:

وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَلَمْ تُوجِبُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۝ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ لِئَلَّا يَكُونَ دَوْلَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ.

[39]

وما أغناه الله لرسوله منهم لم تجهز عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير. وما أغناه الله لرسوله من أهل القرى فهو لله وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.

يستفيد الشهيد الصدر من هذه الآيات في حق اليد والضمان، وهو الحق المشترك للمجتمع في الثروات، ويكتب:

الجزء الأخير من الآية: (لِئَلَّا يَكُونَ دَوْلَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) يشرح ويفسر الجانب العام لـ(الفيء)؛ لأن من خلاله يُضمن الحق المشترك للمجتمع في رؤوس الأموال الطبيعية ويُمنع احتكارها من قبل الأقلية، وتُؤمن ضرورة استهلاكها لتلبية حاجات المحتاجين، بحيث يستفيد جميع الأفراد من الموارد الطبيعية والإلهية ويحصل كل منهم على نصيبه.[40]

هذا الحكم لا يشمل المسلمين فقط، بل يشمل أيضًا الأشخاص الزنهاريين وغير المسلمين الذين يعيشون في نطاق الحكم الإسلامي، والذين يعانون من ضعف أو دخل منخفض أو بلا دخل، وقد أفتى بعض الفقهاء مثل شيخ حر عاملي في وسائل الشيعة بهذا المعنى.[41]

وبما يتناسب مع هذه المهمة المهمة والمسؤولية الأساسية للدولة، أي تحقيق المساواة الاجتماعية والرفاه العام، فقد منح الإسلام صلاحيات قانونية وتنفيذية مناسبة لها، بحيث بتنفيذها تنظم الروابط الاقتصادية للمجتمع وتقلل الفجوات والفوارق الطبقية.

الرقابة

بناءً على هذه الصلاحيات، حيثما يؤدي التشريع القانوني إلى إحداث خلل في المساواة الاقتصادية، يمكن للرقابة العادلة للدولة وبرمجتها الصحيحة أن تتحكم فيه وتوجهه، ومن ثم تحل المشكلة. مثلاً، إذا أدى تشريع قانون المضاربة أو الإيجار أو المزارعة أو المساقات إلى ظهور كبار المستثمرين، فإن على الدولة أن تراقب ذلك وتؤسس النظام العادل الصحيح للإسلام. يمكن الاستفادة من كل هذه الصلاحيات من عناصر الإسلام الدائمة وغير الدائمة في مجال الثروة والاقتصاد.

نطاق صلاحيات الدولة الإسلامية لا يقتصر على تنفيذ الأحكام الثابتة في الإسلام في المجالات الاقتصادية فحسب، بل هي أيضاً المنفذة للأحكام التشريعية الثابتة والمشرعة، وكذلك المشرعة للقوانين والأنظمة الجديدة التي يجب صياغتها وفقاً لاحتياجات الزمان والضرورة الاجتماعية. هذه الخاصية هي عنصر النشاط الحيوي الموجود في الحقوق والاقتصاد الإسلامي، والذي يدفع النظام الاقتصادي الإسلامي دوماً إلى الحركة والنشاط، سواء على المستوى النظري أو في ميدان الوقائع والظروف الموضوعية، ويجعله متوافقاً مع الزمان.

وبناءً على هذا الحق الذي تملكه الدولة الإسلامية، إذا استُخدم أحد المبادئ الاقتصادية الإسلامية بطريقة خاطئة بحيث يهدد المصالح العامة والعدالة الاجتماعية، يمكن للدولة الإسلامية والولي الأمر أن يمنعا تطبيق ذلك المبدأ أو يحدّان من تطبيقه. مثلاً، في الماضي كان إحياء واستصلاح الطبيعة للأفراد محدوداً، أما اليوم فبفضل الوسائل المتقدمة والقدرات المالية والفنية، يمكن لمجموعة صغيرة أن تحتكر أراضي كثيرة بوسائل قليلة وتعيد إحيائها. ومن الواضح أن مسؤولية الدولة، بناءً على إقامة التوازن الاجتماعي في هذه الظروف، تمنحها الحق في تحديد حدٍّ وقيود لإحياء الأراضي.[42]

التسعير

لا شك أن الإنتاج عمل ذو قيمة وله قيمة وأجر، وكذلك التوزيع عمل ذو قيمة، ويجب أن يُؤخذ في الاعتبار كعامل مؤثر في تنظيم حياة المجتمع. الأصل الأولي يقرر أن المنتج يمكنه أن يبيع منتجه أو بضاعته بأي سعر يشاء، أو ينقلها إلى شخص آخر كموزع ليصل بها إلى الناس.

ولكن في النظام الاقتصادي السليم، كما يُحدد سعر عادل للإنتاج، يُحدد سعر للتوزيع أيضاً. لذلك، في المجتمع الإسلامي، لا يحق لأي شخص أن يبيع عمله أو بضاعته بأي سعر يشاء. وإذا شعرت الحكومة الإسلامية أن العرض والطلب الحر يخلّ بالتوازن والعدالة الاقتصادية ويؤدي إلى الفساد والاضطراب، يمكنها تنظيم ذلك بتسعير عادل. هذا الأمر يظهر في أقوال الفقهاء، ومنهم الإمام الخميني الذي يكتب:

للأمام(ع) و والي المسلمين ان يعمل ما هو صلاح المسلمين من تثبيت سعر او صنعة او حصر تجارة او غيرها مما هو دخيل في النظام و صلاح للجامعة.[43]

الإمام(ع) وولي المسلمين يمكنه أن يقوم بما فيه صلاح المسلمين من تثبيت سعر أو صنعة أو حصر تجارة أو غيرها مما يدخل في النظام ويصب في مصلحة المجتمع.

على كل حال، تثبيت الأسعار في مجتمع معتدل وروحه المساواة، من أجل مصلحة النظام والشعب، من قبل حكومة صالحة وسليمة هو مفتاح حل العديد من الاضطرابات الاقتصادية.

يعتبر الشهيد صدر من بين شؤون ووظائف الدولة الإسلامية منع الاحتكار والقضاء على التضخم الاصطناعي للأسعار والقيمة الحقيقية، وإعادة الإنتاج إلى حالته الطبيعية بعيداً عن الرأسمالية وآثارها السلبية، وتحقيق المساواة في الثروة بين أفراد المجتمع.

واجب الدولة هو… منع الاحتكار والعوامل الأخرى التي تخل بالتوازن الاجتماعي. وعند تحديد قيمة السلع يجب على الدولة أن تراقب ذلك دائماً لتتمكن من منع التضخم الاصطناعي للسلع (الذي عادةً ما يقوم به الرأسماليون في المجتمعات الرأسمالية، حيث يحتكرون سلعهم ومنتجاتهم)؛ لأن التضخم يحدث عندما، وفقاً لقانون العرض والطلب، وبسبب نقص العرض وزيادة الطلب، يرتفع السعر، وفي المقابل ينخفض أجر العمال، لأن العامل بسبب عدم وجود عمل لكسب لقمة العيش، يضطر للعمل بأدنى الأجور لصاحب العمل.[44]

إلى جانب ما ذُكر، تقع على عاتق الدولة الإسلامية مسؤوليات أخرى تناولها الشهيد صدر، ونشير إليها بشكل موجز:

* مراقبة حركة الإنتاج في المجتمع

* تحديد السياسات السياسية والاقتصادية نحو زيادة الدخل

* مراقبة المعاملات التجارية

* منع الاحتكار في جميع المجالات

* توفير فرص العمل للأشخاص القادرين

* رعاية المعاقين عن العمل

* فرض الضرائب على المدخرات الراكد والمتراكم

* تقليل دور الوسطاء بين الإنتاج والاستهلاك.[45]

و…

هذا كان نظرة إلى آراء وطرق بحث الشهيد صدر في القضايا الاقتصادية واكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي.

 

 

[1] مجموعة مقالات فارسية، ج274/1 مؤسسة البحوث الإسلامية آستان قدس رضوي.

[2] مباحث الأصول، حائري 64/1.

[3]. مجموعة مقالات فارسية، ج30/1.

[4] اقتصادنا، الشهيد سيد محمد باقر صدر ترجمة سيد كاظم موسوي وأسبهبدي ج371/1.

[5] المرجع نفسه ج7/1 ـ 13; ج11/2 ـ 20.

[6] المرجع نفسه.

[7] مجموعة آثار الشهيد صدر، مقال مباني الاقتصاد في المجتمع الإسلامي ترجمة هادي أنصاري16/.

[8] التقاليد التاريخية في القرآن، سيد محمد باقر صدر دفتر الدعوة الإسلامية حوزة علمية قم.

[9] البنك الإسلامي، سيد محمد باقر صدر ترجمة ح.1. خنجي منشورات الفتح.

[10] مجموعة آثار الشهيد سيد محمد باقر صدر، مقال مباني اقتصادية في المجتمع الإسلامي، ترجمة هادي أنصاري10/ بتصرّف.

[11] اقتصادنا، ج54/2 بتصرّف.

[12] اقتصادنا، ج25/2.

[13] المرجع نفسه ج337/2.

[14] المرجع نفسه 31/2.

[15] الإسلام والمدارس الاقتصادية، سيد محمد باقر صدر ترجمة محمد نبي زاده29/.

[16] مجموعة آثار الشهيد صدر، مقال: صورة عن الاقتصاد الإسلامي، ترجمة الدكتور جمال موسوي8/ ـ 9.

[17] اقتصادنا، ج354/1.

[18] المرجع نفسه ج65/2.

[19] المرجع نفسه ج381/1.

[20] المرجع نفسه ج331/2.

[21] سورة آل عمران، آية 130.

[22] سورة البقرة، آية 279.

[23] اقتصادنا، 2 /٣٩ ـ 40.

[24] المرجع نفسه 41/2.

[25] المرجع نفسه.

[26] المرجع نفسه 43/.

[27] المرجع نفسه 43/.

[28] المرجع نفسه 44/.

[29] المرجع نفسه 48/.

[30] المرجع نفسه.

[31] مجموعة آثار الشهيد صدر، مقال: مباني اقتصادية في المجتمع الإسلامي،9.

[32] المرجع نفسه 15/.

[33] اقتصادنا، سيد محمد باقر صدر 400/ 721 دار التعارف بيروت.

[34] اقتصادنا، 35/2.

[35] سورة النساء، آية 59.

[36] اقتصادنا،301/.

[37] اقتصادنا، ج323/2.

[38] سورة البقرة، آية 29.

[39] سورة الحشر، آية 7.

[40] اقتصادنا، ج326/2.

[41] اقتصادنا، 666; وسائل الشيعة، شيخ حر عاملي ج49/11.

[42] اقتصادنا، ج93/2.

[43] تحرير الوسيلة، الإمام الخميني ج626/2.

[44] مجموعة آثار الشهيد صدر، مقال: مباني اقتصادية في المجتمع الإسلامي،38/.

[45] المرجع نفسه، مقال: صورة عن الاقتصاد الإسلامي،36/.