منهج الشهيد صدر في فهم المذهب الاقتصادي الإسلامي والرد على النقاد

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

ملاحظة: تم ترجمة هذا المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي وقد لا تكون الترجمة دقيقة بنسبة 100%. العنوان الأصلي للمقال هو: شیوه شهید صدر در شناخت مکتب اقتصادی اسلام و پاسخ به منتقدان ويمكنكم الرجوع إليه للحصول على معلومات أكثر دقة.

المؤلف: محمد علی تسخيرى

المصدر: فصلنامه اقتصاد اسلامی، العدد 10،

الملخص

تشرح هذه المقالة منهج الشهيد صدر رحمه الله في كشف المذهب الاقتصادي الإسلامي من خلال الخطوات العشر التالية:

  1. فصل العلم عن المذهب؛
  2. التفريق بين المذهب والقانون، واعتبار القانون قاعدة عليا؛
  3. التأكيد على أن مهمة الباحث الإسلامي هي كشف المذهب لا ابتكاره؛
  4. التأكيد على الشمولية في كشف المذهب؛
  5. التأكيد على أن المفاهيم إلى جانب الأحكام تلعب دورًا في كشف النظرية المذهبية؛
  6. الاعتماد على مناطق الاجتهاد الفقهية الحرة؛
  7. الحاجة إلى اجتهاد معقد للتعامل مع النصوص الدينية وكشف مضمونها؛
  8. الانتباه إلى المخاطر التي تهدد الاجتهاد؛
  9. ضرورة الحرية وحق الاختيار (بالطبع ضمن إطار الاجتهادات المتنوعة)؛
  10. عدم الغفلة عن مطبات الواقع التنفيذي.

وفي الختام، يعرض المقال اعتراضين حول فائدة وشرعية منهج الشهيد صدر رحمه الله في كشف المذهب، ويرد عليهما.

مقدمة

من بين المظاهر الواضحة في أفكار الإمام الشهيد صدر رحمه الله، نظرياته. الذين عرفوه ودرسوا عنده، واجهوا بوضوح هذه الظاهرة في كل جانب من أبعاد هذا الفكر الغني.

فكما كان ينظر من الناحية الفكرية والفلسفية إلى وضع النظريات، كان يقدم أيضًا نظريات جديدة من الناحية الفقهية والأصولية، وحتى عندما كان يدرس التاريخ أو يحاول طرح العلاقة بين الإنسان والخالق ومسؤولياته، كان يصوغ نظرية تشمل التاريخ والإنسان وهدف خلق الإنسان في إطار الربط بين مقولتي «النيابة عن الله والشهادة».

منهج الشهيد صدر رحمه الله في كشف المذهب الاقتصادي الإسلامي

يمكن تلخيص هذا المنهج في الخطوات العشر التالية:

  1. كان يسعى لفصل المناقشات العلمية والمذهبية على أساس أن العلم يتعلق بـ«ما هو كائن» والمذهب بـ«ما يجب أن يكون»، ومن هنا «المذهب مسؤول عن تناول موضوع العدالة الاجتماعية، بينما العلم يقدم تفسير الواقع بشكل منفصل عن العدالة الاجتماعية».[1]
  2. كما فرق بين المذهب والقانون؛ لأن المذهب هو مجموعة النظريات الأساسية التي تتناول مشاكل الحياة الاقتصادية، بينما القانون (المدني) يركز على تفاصيل العلاقات المالية بين الأفراد وحقوقهم الشخصية والعينية ويقول:

ليس من الصواب أن يقوم الباحث الإسلامي، كما يفعل بعض الكتاب الإسلاميين، بجمع مجموعة من أحكام الإسلام التي هي في الواقع، بالمفهوم الحديث، على مستوى القوانين المدنية، استنادًا إلى النصوص الشرعية والفقهية وبشكل مذهب اقتصادي إسلامي، مع أن هناك روابط قوية بينهما؛ لأن كلاهما ينتمي إلى كيان نظري واحد؛[2]

لذلك، يُعتبر القانون البنية الفوقية للمدرسة.

  1. أكد أن ما يقوم به الباحث الإسلامي ليس بمعنى التكوين وابتداع مدرسة كما يفعل منظرو المدارس الوضعية؛ بل هو في الحقيقة كشف واكتشاف المدرسة؛ لأن الاقتصاد الكامل والكامل الجودة الذي وُضع وهو ما يقع على عاتقه اكتشاف حقيقته وتحديد أساسه، يقف أمامه، ومن هنا فإن هذين الفعلين [النظرية التي يضعها الباحث المسلم (الكاشف) من جهة، والنظرية التي يبتدعها آخر (المبدع) من جهة أخرى] لهما خصائص مختلفة.

يبدأ المنظر المبدع لوضع نظريات كلية للمدرسة أولاً بالتعرف على الوضع القائم ليبني عليه البنى الفوقية والقوانين الجزئية؛ بينما يبدأ المنظر الكاشف عمله بالنزول من الطبقات العليا بهدف اكتشاف الأعماق النظرية، وقد ينجح الكاشف، بالإضافة إلى إيجاد الخطوط الرئيسية للنظرية من بين النصوص [الفقهية والشرعية]، في الإحاطة بالحقائق العلمية (ومنها اكتشاف موقف الإسلام من نظرية السكان لمالتوس) التي تستند إليها النظرية المدرسية.

  1. أكد أنه لا جدوى من طرح الأحكام الجزئية واحدة تلو الأخرى في كشف المدرسة؛ بل يجب دراسة كل منها كجزء من الكل وجانب من النسيج الكلي المترابط، حتى نصل في النهاية إلى اكتشاف القاعدة العامة التي تنبع من الكل.[3]

5. كما أن الأحكام [الشرعية والفقهية] والمفاهيم تلعب دوراً في كشف النظرية المدرسية، فالمقصود بالمفاهيم هو كل من وجهات النظر الإسلامية التي تفسر حقيقة وجودية أو اجتماعية أو تشريعية؛ فمثلاً، الإيمان بارتباط العالم بالذات الإلهية هو مفهوم معين للوجود، أو الإيمان بأن البشرية مرت بمرحلة الفطرة قبل الوصول إلى مرحلة العقل هو أيضاً مفهوم إسلامي للتاريخ والمجتمع، والإيمان بأن الملكية ليست حقاً ذاتياً بل هي عملية في سبيل تعويض الإنسان عن المال الذي ينتمي إلى الله تعالى هو أيضاً مفهوم يتعلق بالملكية. كل هذه المفاهيم يمكن أن تساعدنا في كشف وتقديم المدرسة.

  1. يرى الشهيد رحمه الله:

في هذا السياق، وعند كشف المدرسة الاقتصادية الإسلامية، يجب الانتباه إلى المناطق الحرة [الفقهية] مع توضيح أن النظام الاقتصادي يتضمن جانبين: جانب تم التعامل معه بالكامل، وجانب آخر تُرك اتخاذ القرار بشأنه للدولة الإسلامية ويُعتبر منطقة حرة فقهية. النبي الأكرم صلى الله عليه وآله نفذ الجانب الأول بنفسه، وبصفته ولي الأمر، عمل على ملء الجانب الثاني، وعلى الرغم من أن الأوامر والقرارات الصادرة بناءً على الولاية ليست أحكاماً ثابتة، فإن هذه الأوامر (أوامر النبي صلى الله عليه وآله بشأن ملء المنطقة الحرة الفقهية) يمكن أن تكون منيرة وملهمة لطرق تنفيذ هذا العمل بما يتناسب مع تحقيق الأهداف الاقتصادية العليا.[4]

  1. ذكر المرحوم رحمه الله أنه بما أن الأحكام والمفاهيم هي بوابات دخولنا إلى محاور المدرسة، وبما أن النصوص الدينية غالباً لا تقدم هذه الأحكام والمفاهيم مباشرة، بل تحتاج إلى اجتهاد معقد للتعامل مع تلك النصوص واكتشاف مضمونها:

الصورة التي نرسمها للمدرسة الاقتصادية [الإسلامية]، لأنها مرتبطة بالأحكام والمفاهيم، هي في الواقع انعكاس لاجتهاد معين، وحتى طالما أن لها جانباً اجتهادياً لا يمكن الحكم بشكل قاطع على صحة هذه الصورة؛ لأن احتمال الخطأ في الاجتهاد قائم، ولهذا قد يقدم المفكرون الإسلاميون المختلفون، وفقاً لاجتهاداتهم، صوراً مختلفة للمدرسة الاقتصادية، وكل واحدة منها تُعتبر صورة إسلامية؛ لأنها تعبر عن تطبيق عملية اجتهادية أقرها الإسلام وشرعها، وبالتالي فإن الصورة المقدمة إسلامية لأنها ناتجة عن اجتهاد شرعي جائز.[5]

نرى هنا أن الاجتهاد يتم في مرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة اكتشاف الحكم أو المفهوم من النصوص؛

المرحلة الثانية: مرحلة استنباط ورسم الخط المدرسي من مجموع الأحكام والمفاهيم التي يراها الكاشف متناسقة في المجال المعني، والتي، كما سنوضح، كانت هذه الناحية في كشف الخطوط والمحاور المدرسية نقطة ضعف.

  1. تحدث المرحوم الشهيد صدر رحمه الله عن المخاطر التي تهدد عمل الاجتهاد، خاصة في الأحكام المتعلقة بالجوانب الاجتماعية لحياة الإنسان:

لذلك، فإن خطر الذاتية في عملية كشف المدرسة الاقتصادية الإسلامية أشد من هذا الخطر في مجال الاجتهاد في الأحكام الفردية والجزئية.[6]

ويرى الشهيد رحمه الله أن المخاطر الأخرى هي:

أ. تبرير الوضع القائم؛

ب. فصل الاستدلال الشرعي عن وضع الزمان والمكان؛

ج. التحيز المسبق تجاه النصوص.[7]

  1. من بين أهم مراحل هذه الطريقة، الموضوع الذي يذكره المرحوم الشهيد رحمه الله تحت عنوان «ضرورة الذاتية». يشير إلى أن الاجتهاد في كشف تفاصيل الأحكام طالما أن المكشف يؤدي واجبه وفي إطار الكتاب والسنة ووفق الشروط العامة التي لا يمكن تجاهلها، يقوم بتحديد الموضوع وتوضيح خصائصه، فإنه يحمل صفة شرعية وإسلامية؛ ولكن في الوقت نفسه، يصل المكشف [أي المجتهد] بهذا الاجتهاد إلى مرحلة إنشاء وتقديم فكرة عامة حول الاقتصاد الإسلامي (المدرسة الاقتصادية الإسلامية) التي تُعد فيها الأحكام والمفاهيم المستنبطة بالاجتهاد جميعها من آليات الاقتصاد الإسلامي وتشكل صوراً متعددة لهذا الاقتصاد، وكلها شرعية وإسلامية، ويمكننا في كل مجال اختيار الأقوى والأكثر قدرة منها في حل مشاكل المجتمع الإسلامي وتحقيق الأهداف العليا للإسلام؛ لذلك فإن المكشف [أي المجتهد] لديه مجال للاختيار الشخصي بين البيانات المختلفة؛ وبالتالي (وطبعاً في إطار الاجتهادات المختلفة) هو حر وله حق الاختيار.

ويضيف: هذا المكشف الذي هو هنا المؤلف نفسه، غير مقيد بأحكام مجتهد معين، وحتى للوصول إلى ما يريده، لا يلتزم بأحكامه الخاصة.

ولتبرير هذه الحرية في العمل، يشير إلى أن هذا الموضوع في بعض الحالات هو السبيل الوحيد لاكتشاف نظرية الإسلام وأسس المدرسة في الإسلام، ويشير في شرح ذلك إلى النقاط التالية:

أ. الأحكام التي اتفق المسلمون عليها والتي لا تزال تحتفظ بموضوعيتها ويقينها لا تتجاوز خمسة بالمئة من مجموع الأحكام.

ب. عملية الاجتهاد هي عملية معقدة تتعرض للشك من كل جانب، وعلى المجتهد رغم أي نتيجة يصل إليها ألا يصرح بحسم بصحة تلك النتيجة؛ ولكن مع ذلك، سمح الإسلام بأن يُحتمل هذا الرأي وحدد للمجتهد نطاقاً معيناً يمكنه بناءً على الظن والاستنباط وضمن القواعد التي تحدث عنها علم أصول الفقه أن يمارس الاجتهاد.

ج. لذلك من الطبيعي أن يكون لكل مجتهد مجموعة من الأخطاء والمخالفات للشرع الحقيقي للإسلام، مع أن عذره يُعتبر مبرراً.

د. ومن الطبيعي والمنطقي أيضاً أن تتفاوت حقيقة شرع الإسلام بين نظريات المجتهدين، وأن تختلف حقيقة الشريعة عن الصورة الاجتهادية التي يرسمها المجتهد.

هـ. لذلك ليس من الضروري أن تعكس مجموعة الأحكام المستمدة من اجتهاد كل مجتهد مدرسة اقتصادية كاملة وأسساً متساوية ومنسجمة مع هيكل تلك الأحكام وتفاصيلها.

و. هنا قد يختلف موقف من يسعى لاكتشاف المدرسة الاقتصادية الإسلامية عن موقف مجتهد يسعى لاكتشاف الأحكام التفصيلية للشرع، بمعنى أن موقفه كمجتهد يكشف حكم الشرع قد يؤدي إلى نتيجة لا تتوافق مع الخط المدرسي ولا تتناغم مع أحكام أخرى، بينما موقفه كفقيه ونظري يختار مجموعة متناسقة ومنسجمة من الأحكام، حتى لو كانت بعض منها استنتاجات مجتهدين آخرين. وله حرية العمل وإمكانية ممارسة ذوقه في حذف النتائج غير المتناسقة والعناصر التي لا تتوافق مع المجموعات الأخرى، وكذلك استبدالها بعناصر وأحكام أكثر انسجاماً.

يتم عمل الدمج وجمع الاجتهادات المتعددة التي تتمتع بتناسق وانسجام أكبر، بهدف توفير دعم نظري لمجموعة متماسكة.

ز. يؤكد: أقل ما يمكن قوله عن هذه المجموعة هو:

صورة يمكن أن تكون صادقة تماماً في تصوير شريعة الإسلام، ولكن احتمال صدقها لا يزيد على احتمال صدق أي من الصور العديدة الأخرى التي يزخر بها الفقه الاجتهادي؛ ومع ذلك، لها مبرراتها الشرعية؛ لأنها تعبر عن اجتهادات إسلامية مشروعة جميعها مستمدة من الكتاب والسنة، ولهذا السبب يمكن للمجتمع الإسلامي أن يختار من بين النماذج الاجتهادية الشرعية العديدة التي يجب أن تختار الأمة واحدة منها.[8]

  1. وأخيراً، يحذر مما يسميه (خداع الواقع التنفيذي)، ويقصد بذلك أن الإسلام دخل ميدان التطبيق العملي على مدى عقود، وربما يكون السعي لاكتشاف مدرسته الاقتصادية مرتبطاً بهذا الأمر؛ لكنه يؤكد أن النظري المكتشف هو الأكثر قدرة في تقديم صورة المدرسة الإسلامية، لأن الواقع التنفيذي قد لا يعكس محتوى نص نظري غني، وقد يخدع التطبيق الشخصي للموضوع المكشف [أي المجتهد]، فمثلاً قد يدفعه إلى استنتاج وجود عناصر رأسمالية في هذه المدرسة بناءً على أن الأفراد في صدر الإسلام كانوا يتمتعون بحرية كاملة في التمتع بالثروة (دون الدخول في تفاصيل المسألة).

كانت هذه طريقة الشهيد صدر رحمه الله في كشف المدرسة الاقتصادية الإسلامية التي حاولنا بأمانة عرضها عبر عشر نقاط، والآن نحاول الرد على نقدين وُجهَا إلى هذا العمل.

النقد الأول يتعلق بفائدة هذا العمل؛

الاعتراض الثاني، حول مشروعية (الإسلامية) ذلك.

الاعتراض الأول: فائدة هذا العمل

يعتقد بعض النقاد أن هذا العمل هو مضيعة للوقت والطاقة؛ لأنه حينما نصل إلى الحكم الإسلامي في مختلف القضايا الاقتصادية، فما الحاجة إلى هذا العمل الذي يتحدث فقط عن الأسس النظرية لهذه الأحكام ولا يضيف شيئًا إلى الواجبات الفردية والاجتماعية؟ أليس الدين والشريعة ذاتهما قد تكفلا بمعرفة الأوضاع العامة للاقتصاد وحقائق العالم وعلاقات الإنسان مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان كما هي، وقدما الصورة العامة للمذهب السلوكي اللائق والمناسب، ثم وضعا هذه الأحكام لنا، بحيث يكون واجبنا الوحيد، إذا أردنا التوافق مع معتقداتنا وتحقيق أهداف الشريعة، هو تطبيقها؟ فما الحاجة إذن إلى هذا الجهد المرهق لفهم الأسس النظرية التي يُتبع منها هذا؟

هذا هو مضمون الاعتراض الأول.

في الرد عليه نقول:

التأمل في النتائج العظيمة التي حققها هذا العمل على الأقل في المجال النظري، وملاحظة الاستقبال الواسع من قِبل هؤلاء الباحثين الجادين والمبتكرين والرواد، الذين لا تستطيع الجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، ومراكز التخصص في الاقتصاد، والبحوث المتنوعة في الاقتصاد الإسلامي الاستغناء عن هذا العمل ونتائجه، وهذه الحقيقة تنطبق حتى على تلك الجامعات التي تُعرف بتحيزها المعادي لفقه أهل البيت عليهم السلام ولأحكام المجتهدين في هذا الفقه، والتي يصل تحيزها إلى حد التكفير ورفضهم، لكنها تُدرّس هذا الكتاب القيم (اقتصادنا) وتعرض مواده للنقاش والدراسة العلمية، كما قام آخرون بترجمته إلى لغاتهم للاستفادة من محتواه الغني؛ وكذلك فكر الغربيون قد تأملوا فيه بدقة ليتعرفوا على خصائص الإسلام الأصيل من خلاله. كل هذا الاستقبال يجعلنا لا نعتبر الاعتراض في محله أو مقبولاً.

في رأينا، يمكن استخلاص نتائج عظيمة من هذا العمل (النظرية الاقتصادية الإسلامية) والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1. إمكانية المقارنة بين الإسلام والمذاهب الأخرى

لا يمكن إجراء مقارنة بين المذاهب المختلفة بناءً على التفاصيل الجزئية لكل مذهب، ولا تظهر الفروق بينها بوضوح إلا إذا كانت المقارنة بين المحاور الرئيسية لكل مذهب؛ لأن كما أشار المرحوم صدر رحمه الله عند حديثه عن العلاقة بين المذهب والقانون، فإن الاجتهادات التطبيقية المختلفة قد تؤدي إلى فروق ظاهرية، لكن الأساس المذهبي لها واحد، وهذا يؤدي حتماً إلى غموض الحدود في التطبيق وسوء الفهم وحتى نوع من المزج والالتقاط بين المذاهب المتضادة؛ وهو أمر نراه واضحًا عند كثير من المفكرين الذين طرحوا أفكارًا ودعوا إلى تنفيذها، مثل فكرة (الإسلام الرأسمالي) و(الاشتراكية الإسلامية) وغيرها، حتى ظن بعضهم أنه لا يوجد أي تعارض أو تناقض بين «الإسلام» و«الشيوعية»! هذا الاختلاط الغريب بلا شك هو نتاج جهل بخصائص الإسلام الأساسية ورؤاه المذهبية. لقد عانى العالم الإسلامي من «الالتقاط»، و«الدمج»، و«التركيبات المتناقضة» ولا يزال يعاني؛ ولهذا فإن جهود الشهيد صدر رحمه الله كانت بطريقة مثيرة للاهتمام في اتجاه طرح الحقائق، وتحديد الحدود العامة، وتوضيح المواقف، ونعتقد أننا بحاجة ماسة إلى استمرار هذا النهج لاكتشاف المزيد من الخصائص الإسلامية، ولتغذية الروح المعنوية للأجيال المسلمة، ومن ثم تحصينهم ضد أي انحراف أو اضطراب فكري ليس فقط في المجال الاقتصادي بل في مجالات الحياة الأخرى، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن نغفل دور هذه الدراسات والتحليلات في إبراز تفوق النظرية الإسلامية مقارنة بالمذاهب الأخرى.

2. التأثير على مسار استنباط الأحكام الفرعية

نعتقد أن هذا العمل (النظرية حول المذهب) يمكن أن يؤثر فعليًا على مسار استنباط الأحكام، مع التوضيح التالي:

أ. قد يصل المجتهد بنفسه إلى قاعدة يستنبط بها بطريقة معينة إلى اعتقاد خاص، ومع كثرة الأحكام التي تظهر هذه القاعدة، يؤمن بها، وهذا الإيمان يقنعه بأن الشارع المقدس قد اعتمد هذه القاعدة كأساس في إصدار العديد من الأحكام الفرعية، وفي هذه الحالة يؤثر هذا الثقة والاطمئنان على مسار استنباطه، وتظهر نتائجه في مجالات مختلفة قد يكتشفها بسبب ضعف في الدولة.

ب. وقد يؤدي ذلك إلى تبني رؤية وذوق خاصين لديه، يغيران مواقفه حتى في العمليات المعتادة للاستنباط؛ لأن الذوق الفقهي يختلف عن الاستحسان الذي نهى عنه الشرع. وإذا لم يكن هذا الذوق مستندًا إلى أصول شرعية مقبولة، فقد لا يكون للسند أو الدلالة القوة اللازمة للطرح.

وقد يكون تعامل الشهيد صدر رحمه الله مع روايتي محمد بن فضيل حول «منع بيع الدين بأقل من قيمته» و«اعتماد السعر الاسمي للمدين» وقبولهما رغم النقص في الاستدلال عليهما، ومن ضمن ذلك عدم معرفة محمد بن فضيل، ناشئًا من هذا الجانب. يقول رحمه الله:

أنا شخصيًا داخليًا، وليس فقهيًا، لا أستطيع التعايش مع قبول الرأي المخالف، ولا أجد في بصيرتي الفقهية ما يبرر ترك هاتين الروايتين وقبول الرأي المخالف لهما.[9]

وقد يكون الاطمئنان والقبول الداخلي لديه ناتجًا عن تأثير المحاور الرئيسية للمذهب في مجال التوزيع بعد الإنتاج الذي تبناه.

على أي حال، لا يمكن إنكار تأثير فهم الخطوط والمحاور الرئيسية للمذهب في تشكيل الذوق والحدس الفقهي للمجتهدين، الذين لهم دور في نتائج استنباط الأحكام.

3. التأثير العظيم على مسار تطبيق الشريعة الإسلامية

عندما نفهم دور التنظير في مسار التنفيذ، يصبح قبول هذه الخاصية واضحًا تمامًا؛ فعلى سبيل المثال، عندما يتشكل الدولة الإسلامية ويتولى الولي الأمر الحكم، فإن تنفيذ الأحكام الإسلامية يتطلب دعمًا هائلًا من النظريات والآراء الإسلامية التي، مع مراعاة المحاور الرئيسية والأسس في الرؤى الإسلامية والمصالح العليا للإسلام والأمة الإسلامية، وبأخذ الدوافع والعقبات المتنوعة في الاعتبار وبهدف التطبيق في المجتمع وتحقيق خصائص المجتمع الإسلامي الديناميكية، تتناول أهم المشكلات والقضايا الحياتية.

لا شك أن نظرية المذهب الاقتصادي الإسلامي تملأ فراغًا مهمًا في هذا المسار وتقود نحو تحقيق حالة مثالية.

إن شاء الله سنتحدث عن هذا الموضوع وبالتفصيل أكثر ضمن الرد على الاعتراض الثاني.

ولا يُخفى أن الذين يوجهون مثل هذه الاعتراضات، رغم كثرتهم في وقت طرح هذا البحث، لم يعودوا موجودين الآن بشكل ملحوظ. وهذا أمر طبيعي إلى حد ما في الأجواء غير المألوفة التي كانت سائدة عند طرح هذه الأفكار والأبحاث. وللأسف، رغم الحاجة الملحة والواسعة وكذلك وجود دوافع موضوعية قوية جدًا، لم تُطرح مثل هذه المناقشات حتى الآن.

المرحوم الشهيد صدر رحمه الله اعتبر العمل المنجز مجرد جهد ومحاولة يجب أن تصاحبها وتكملها أنشطة وجهود أخرى تنبع من قراءات مختلفة في التنسيق بين الأحكام؛ ولكن للأسف، لم نر بعد آخرين يقدمون هذه القراءات المختلفة، ونسأل الله تعالى أن يحقق هذه الأمنية لكي تكون الدراسات والأبحاث المنجزة مصدرًا غنيًا لتطبيق أحكام الإسلام وتحقيق مستقبل مشرق للحكم الإسلامي الشامل.

الاعتراض الثاني: مدى شرعية هذا العمل

قد يكون هذا أهم اعتراض يخطر على الذهن عند النظر إلى هذا العمل الابتكاري. سبق أن أشرنا إلى نوعين من الاجتهاد في مراحل مختلفة من هذا العمل:

النوع الأول في مجال استنباط الأحكام الفرعية من النصوص الأصلية (الكتاب والسنة) وبناءً على علم أصول الفقه، وهو اجتهاد مشروع وصحيح ولا شك فيه، وحتى لو كان هناك احتمال تعارضه مع واقع الإسلام، فإن حجية نتيجة الاستنباط ثابتة، وإذا تعارض مع الواقع الشرعي يعذر المجتهد ويُلزم المكلف بالأحكام.

النوع الثاني في مجال استنباط المحاور النظرية للأحكام والمفاهيم، حيث يُطرح الاعتراض المذكور على هذا النوع، ويقال إن مثل هذا الاجتهاد، حتى لو استنبط الأحكام المذكورة مجتهد خبير في كلا المجالين، لا يؤدي إلى حجية قطعية. كيف يمكن أن يكون له حجية في حين أن المجتهد نفسه لم يقبل بعض تلك الأحكام وأخذها من مجتهدين آخرين؛ لأنها تتوافق أكثر مع أحكام أخرى تُعتبر خطًا نظريًا.

في توضيح الموضوع يمكن القول:

استنباط الخط النظري (النظري) يعني الوصول إلى شيء يُعتبر عرفًا أو عقلاً لازمة كلية لهذه الأحكام، أي المحور الشامل والنظري. نعلم أن كثيرًا من تلك الأحكام، لعدم وجود دليل اجتهادي بشأنها، استُنتجت باستخدام أصول عملية مثل: «الاستصحاب»، «التخيير» و«الاحتياط».

ومن المسلّم أيضًا، وفقًا لتأكيد أصوليي الفقه، أن اللوازم والنتائج الأصولية لا تُعد حججًا، وحتى لو افترضنا أن جميع الأحكام الاكتشافية ناتجة عن قرائن تُعتبر لوازم ونتائج لها حجية، وهناك شك حقيقي في أن نتيجة الجمع بين حكمين من حيث الحجية معترف بها من قبل الشارع وفقًا للرأي الشائع، فإن النتيجة على أي حال هي الشك في حجية هذه النتيجة (أي المحور النظري الاستنباطي)، وهذا الشك في الحجية، كما يقول الأصوليون، يكفي لافتراض عدم وجود مثل هذه الحجية.

ما هو الحل إذًا؟

قلنا إنه حتى لو كان هذا الاعتراض واردًا في حالة استنباط كل الأحكام من قبل مجتهد يسعى لاستنباط الخطوط والمحاور المذهبية (النظرية)، فإنه يكون واردًا أكثر إذا اختار هذا المجتهد أحكامًا هي ثمرة اجتهادات الآخرين ولم يؤمن بها بنفسه، وإذا فقدت المحاور والخطوط الاستنباطية الحجية والمعذورية وصحة النسبة إلى الإسلام، فكيف يمكن اعتبارها نظرية إسلامية؟!

الرد على هذا الاعتراض هو كما يلي:

نحن أيضًا نقبل أن الأصول العملية لا تثبت لوازمها ونتائجها، كما نعتقد أن الدليل على حجية نتيجة الجمع بين قرينتين لا يثبتها، ونحن ندرك أن الشك في الحجية يكفي لاعتبار عدم وجودها يقينيًا؛ ومع ذلك نقول إنه في ميدان النظريات، كما في ميدان الأحكام العملية الفرعية حيث الحاجة إلى عنصر الحجية بشكل دقيق، لا توجد حاجة لذلك، فصحة النسبة إلى الإسلام تكفي، وهنا نختلف مع مطلقي الاعتراض المذكور. الإمام الشهيد صدر رحمه الله أشار بالضبط إلى هذه النقطة:

ولهذا السبب، من الممكن أن يقدم المفكرون الإسلاميون المختلفون، نتيجة لاختلاف اجتهاداتهم، صورًا مختلفة للمذهب، وكل واحدة منها تُعتبر صورة إسلامية للمذهب الاقتصادي أيضًا.

كأن ذلك الأستاذ الفقيد رحمه الله كان يريد التأكيد على ما يلي:

أولًا: كل النتائج الناجمة عن الاجتهاد طالما أن الإسلام أباحها تُعتبر شرعية وإسلامية.

ثانيًا: مجموعة الإسلام [وأحكامه] متفرقة بنسب مختلفة هنا وهناك.

ثالثًا: أقل ما يمكن قوله عن الصورة المستنبطة من مجموعة الأحكام المتناسقة مع بعضها البعض، هو أنها قادرة على تقديم حقيقة الشريعة الإسلامية بصدق تام، وأن احتمال صحتها وصدقها أقل من أي صورة أخرى مقدمة من بين الصور العديدة التي يمكن الاطلاع عليها في الفقه الاجتهادي، وبالتالي فهي تملك مبررات شرعية؛ لأنها تعبر عن اجتهادات شرعية إسلامية مستمدة من محتوى الكتاب والسنة وفي جوّهما.

والخلاصة أن هذا القدر من القرب والترابط مع الحقيقة الإسلامية يوفر ارتباطًا عرفيًا مقبولًا بالإسلام، وطالما أن احتمال حقيقة إسلاميتها يعادل احتمال أي صورة أخرى مقدمة، فلا يمكننا إنكار هذا الارتباط والقرب.

علاوة على ذلك، إذا أضفنا النتيجة السابقة إلى قول الشهيد صدر رحمه الله الذي يقول:

«هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها الوصول إلى “الأصول العامة للإسلام” التي تنظم الحياة الاجتماعية وتحقق الضرورات والمنافع التي أشرنا إليها في الحديث عن فائدة وثمرة هذه الجهود.» ففي هذه الحالة، ندرك قبول هذا الارتباط والقرب شرعيًا وعقليًا؛ حتى وإن كان ذلك من باب «مقدمات دليل الانسداد» التي نقبلها في مثل هذه الحالات.

على كل حال، يبقى هذا السؤال قائمًا: على فرض قبول إسلامية هذا العمل (النظرية)، فأين يجب أن نوفر الحُجية المطلوبة التي هي هدفنا والتي من خلالها يمكننا، في حال تعارض هذه الصورة مع الإسلام الحقيقي الذي طُلب منا تطبيقه، أن نعتذر إلى الله تعالى؟

والأهم من ذلك، كيف يجب أن نزين هذا العمل بعنصر «الكفاية الشرعية» (التنفيذ) و«الإلزام الاجتماعي» المطلوب هنا؟

في هذا الصدد نقول: لقد حدث تداخل بين الحكم العملي الفردي ومسار الحكم الاجتماعي، وامتزج هذان الأمران معًا. إذا كنا في المرحلة الأولى من الاجتهاد بحاجة إلى حُجية نابعة من اليقين القطعي بشأن الحكم المستنبط أو حُجية ظن معتبر، فلا حاجة إلى مثل هذه الحُجية هنا؛ لأن ما يمنح هذه المحاور والنظريات المذهبية صفة الإلزام والضرورة في التنفيذ هو حكم الولي الأمر الذي أصبح سياسة عامة تُدار البلاد في ظلها. وحكم الولاية أيضًا، استنادًا إلى الآية «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، هو «ملزم» و«ذو كفاية شرعية». ومن البديهي أن الولي الأمر، في ظل التزامه بـ«الشورى» واهتمامه بالتوجيهات التي وضعها الشرع المقدس بين يديه، وكذلك مراعاته للمصالح العليا للأمة، يمكنه إصدار أمر ووضع الخطوط والمحاور الأساسية العليا لتحقيق تلك المصالح، حتى وإن لم يصل هو شخصيًا إلى حُجية كل حكم من الأحكام المطروحة، ليكون أساسًا للسياسات [الاقتصادية]. كما يمكنه أن يلزم الأمة بحكم شرعي مستنبط بناءً على الشرع ومن قبل مجتهد آخر؛ كما يمكنه إلزام الأمة جميعًا بالعمل وفق فتاواه (بعد تحويلها إلى أحكام حكومية)، وفي هذه الحالة، يكون على المجتهدين الآخرين واجب تنظيم نشاطاتهم الاجتماعية وفقًا لذلك، تحقيقًا لوحدة المنهج الاجتماعي وامتثالًا لمقتضيات طاعة ولي الأمر. وفي هذه الحالة، إذا رأى الولي الفقيه صحة العمل بهذه المحاور، يصدر أوامره بتطبيقها ومنحها الحُجية اللازمة.[10]

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتنفيذ أحكامه الإلهية على الأرض، وأن يمنحنا الاستمرار في طريق ذلك الأستاذ الشهيد رحمه الله، وأن يحقق الأهداف السامية التي كان يطمح إليها.

 

 

 

[1] اقتصادنا، ص 362.

[2] المرجع نفسه، ص 366 365.

[3] المرجع نفسه، ص 376.

[4] المرجع نفسه، ص 380.

[5] المرجع نفسه، ص 383.

[6] المرجع نفسه، ص 384.

[7] المرجع نفسه.

[8] المرجع نفسه، ص 401.

[9] البنك الربوي في الإسلام، الطبعة الكويتية، ص 160.

[10] بعد كتابة هذا القسم من المقال، قرأت مجلة الاقتصاد الإسلامي المرموقة، العدد 8، السنة الثانية، الصفحة 13، ولاحظت أن حضرة آية الله السيد كاظم الحائري قد طرح نفس هذا الإشكال مع المرحوم آية الله الشهيد صدر وقال: لقد طرحت هذا الإشكال عليه وقلت: أنت تجمع بين بعض فتاوى الآخرين التي أحيانًا لا تقبلها بنفسك، وبين بعض فتاواك، ثم تأخذ القاسم المشترك الشامل منها وتستخرج الأسس. فما هي حجية هذا العمل وأثره؟ فأجاب الشهيد صدر: رأيي أننا نقدم شيئًا نسبيًا متماسكًا ومعتدلاً يسمى المدرسة الاقتصادية. والآخرون أيضًا يجمعون الأحكام ويقدمون أسسًا، ثم ينظر الولي الفقيه إلى الاثنين ويختار ما يراه مناسبًا وينفذه في مقام الولاية.