قراءة في وصايا الشهيد الصدر

إطلالة على مدرسة الشهيد الصدر الفلسفية

العلماء المجاهدون وعلى امتداد مساحات التاريخ الاسلامي هم ضمير الامة وصوتها وهم قيادتها الشرعية التي تجسد طموحاتها واهدافها، وهم في الوقت ذاته المدافع الحقيقي والمقاتل الصلب ضد كل من يحاول ان يلحق بها الضيم ويمد اليها يد العدوان.

وبعد.. فليس من الغريب ان يقف شهيدنا الصدر (رض) ذلك الموقف العظيم الذي قرر ان يدفع من اجله حياته الكريمة وهي في اوج عطاءها الثر وفيضها العلمي الزاخر.. فالتصدي الشجاع والعمل على صنع تيار الثورة وتقديم الدماء الطاهرة من اجل الهدف الكبير.. كل ذلك تواصل لا ينقطع لتراث آل محمد (ص) وعنوان بارز يزيّن ابواب مدرسة اهل البيت (ع).

ان استقراءً سريعاً لتلك النداءات الثورية التي وجهها الامام الشهيد (رض) وهو في قمة المحنة تكشف عن تلك الروح الكبيرة التي استهانت بكل الصعاب واستعدت لتحمل مسؤولياتها الرسالية رغم السيف الهمجي الذي لايفرق بين كبير او صغير.. والذي كان مشهوراً فوق رأسها الذي كان اشد مضاءً من حده..

يقول شهيدنا الراحل في احد نداءاته.. «يا اخواني وابنائي من ابناء الموصل والبصرة من ابناء بغداد وكربلاء والنجف، من ابناء سامراء والكاظمية من ابناء الكوت والسليمانية من ابناء العراق في كل مكان.. اني اُعاهدكم بأني لكم جميعاً، من اجلكم جميعاً، وانكم جميعاً هدفي في الحاضر والمستقبل…».

كلمات من القلب يخص بها ابناء شعبه في كل زاوية على خريطة العراق، لا فرق في نظره بين من هو في الشمال او في الجنوب، كلمات دقت اسفيناً لن ينتزع في جسد الطائفية البغيضة التي طالما تاجر بها النظام العفلقي من اجل تفتيت وفصم عرى الاخوة بين ابناء الوطن الواحد.. لقد ادرك شهيدنا هذه الحقيقة فكان نداءه للوطن بكل ابناءه..

فهو يقول «ان الطاغوت واولياءه يحاولون ان يوحوا الى ابناءنا البررة من السنة ان المسألة مسألة شيعة وسنة ليفصلوا السنة عن معركتهم الحقيقية ضد عدوهم المشترك..».

لقد كانت سياسة الارهاب والقمع الدموي التي واجه بها نظام الحكم العفلقي التطلعات المشروعة للشعب العراقي سبباً اساسياً في اعلان الثورة التي فجرها شهيدنا الراحل.. لقد شنّ النظام المجرم وهو يعيش حمى الخوف حملات الاعتقال والتعذيب والقتل بصورة لم يشهد لها تاريخ العراق الحديث مثيلاً كل ذلك من اجل ان يبعد الامة عن دينها وعقيدتها ويخمد في وجدانها كل تحرك ضده.. وعن هذه الحالة يقول الشهيد الصدر (رض): «ايها الشعب العظيم انك تتعرض اليوم لمحنة هائلة على يد السفاكين والجزارين الذين هالهم غضب الشعب وتململ الجماهير بعد ان قيدوها بسلاسل من الحديد ومن الرعب..».

ولكن هل استسلمت الجماهير وهل تخلت عن قيادتها وعن ثورتها واهدافها العظيمة ويواصل الشهيد حديثه عن هذه الحالة فيقول «وخيّل للسفاكين انهم بذلك انتزعوا من الجماهير شعورها بالعزة والكرامة وجردوها من صلتها بعقيدتها ودينها وبمحمدها العظيم لكي يحولوا هذه الملايين الشجاعة المؤمنة من ابناء العراق الأبي الى دمى وآلات يحركونها كيف يشاؤون ويزقونها ولاء عفلق وامثاله من عملاء التبشير والاستعمار بدلاً عن ولاء محمد وعلي ـ صلوات الله عليهما ـ .

لقد خاب فأل الحكام واعلنت الجماهير وقوفها بجانب قائدها رغم انعدام التكافئ في القوى ولكن سلاح الايمان كان اقوى من كل اسلحة النظام التي وجهها الى الصدور العارية.. وكان اعتزاز الشهيد القائد عظيماً بهذا الولاء وهذه المشاعر الصادقة التي اظهرتها الامة تجاه قيادتها المرجعية والشرعية لأنها دليل على انها تعي دورها وتعرف موقعها وواجباتها.

ويعلق الشهيد الصدر على ذلك قائلاً: «ولكن الجماهير دائماً هي اقوى من الطغاة مهما تفرعن الطغاة وقد تصبر ولكنها لا تستسلم..».

وفي خضم هذه الاحداث العاصفة التي عاشتها الثورة لم ينس الشهيد الراحل (قدس سره) المرأة العراقية  فقد خصها بالعديد من الوصايا والنصائح وانار لها الطريق لتأخذ دورها الفاعل في حركة المواجهة.. وقد استجابت النساء العراقيات لنداء الثورة وكان لهن دورهن المميز، وكانت الوفود النسائية التي استقبلها الشهيد الصدر دليل على ان النصف الآخر في المجتمع قد اعلن بيعته لقائد الثورة ومفجرها.

وبهذا الخصوص تحدث الشهيد الصدر (رض) قائلاً ومخاطباً النساء العراقيات: «يا بنات فاطمة الزهراء.. انتن المثل الاعلى لامرأة اليوم، التي تحمل بأحدى يديها اسلامها، دينها، وقيمها ومثلها وحجابها واصرارها على شخصيتها الاصيلة القوية الشريفة النظيفة التي حفظها الاسلام لها.. وتحمل بيدها الاخرى العلم والثقافة ولكن لا هذه الثقافة التي ارادها المستعمرون لنا..».

لقد قدم شهيدنا الراحل النموذج المثالي للمجاهد الذي يتاجر مع الله وذلك حين صمم على الشهادة من اجل اعلاء كلمة الحق.. لقد بلور استشهاده بتلك الطريقة المأساوية المفهوم الكربلائي للشهادة وترجمته الى واقع عملي معاصر فليس من الغرابة بعد ذلك ان نرى ذلك الشوق العارم الذي يجتاح القلوب المؤمنة نحو طريق التضحية والفداء من اجل الرسالة العظيمة التي قدم شهيدنا العظيم دمه الشريف من اجل سموها وفعتها.

« النداءات الثورية التي وجهها الامام الشهيد (رض) وهو في قمة المحنة تكشف عن تلك الروح الكبيرة التي استهانت بكل الصعاب واستعدت لتحمل مسؤولياتها الرسالية.»

فارس الحميداوي